← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المنهج الحركي للسيرة النبوية

стр. 2

كافة حقوق الطبع محفوظة الطبعة السادسة ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م مكتبة المنار الأردن - الزرقاء

стр. 3

منير محمد الغضبان المنهج الحركي للسيرة النبوية الأجزاء الأول - الثاني - الثالث مكتبة المنار

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

الجزء الأول

стр. 6

بين يدي البحث كتب السيرة النبوية تملأ المكتبة الإسلامية. فما معنى التكرار فيها إذا لم نأت بجديد؟ وسأدع الإجابة على هذا السؤال يستنتجها القارىء نفسه من خلال المقدمة. عشت مع السيرة النبوية مند نعومة أظفاري، بل كنت أحرص على حفظها عن ظهر قلب، وكانت المتعة الكبرى في حياتي من خلالها، أتعمق في معانيها، وأتربي على أحداثها وتأخذ روعتها بلبي. ومن أجل ذلك، وحرصا على أن تكون جزءا من كياني ما كنت أدع كتابا في السيرة، أو مصدرا من مصادرها إلا وأسارع إلى اقتنائه وقراءته ينهم شديد. وكانت الأحلام تراودني أن أكتب في السيرة مند سن المراهقة. وتجاوز الأمر مرحلة الحلم إلى التنفيذ الواقعي، وأمضيت خمس سنوات وأنا أكتب في كل جزئية من جزئياتها. لكني مع ذلك بقيت انتظر فرصة سانحة من العمر أتفرغ فيها تماما للسيرة، وتحول الأعمال والعلاقات الاجتماعية دون ذلك. ولا أزال انتظرا!! أما فكرة المنهج الحركي للسيرة. فقد انبثقت في الفكر انبثاقا يختلف عن الأصل الذي كنت أفكر فيه. لا أزال أذكر في بداية الستينات عندما طلع علينا الشهيد سيد قطب ﵀ بكتابه - معالم في الطريق - وكان نقطة تحول حساسة في الفكر الحركي

стр. 7

الإسلامي. وقفت مليا أمام هذه الفقرة: والسمة الثانية في منهج هذا الدين: هي الواقعية الحركية .. فهو حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة. كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة .. والذين يسوقون النصوص المختلفة بكل مرحلة منها .. الذين يصنعون هذا يخلطون خلطا شديدا، ويلبسون منهج هذا الدين لبسا مضللا، ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادىء والقواعد النهائية. ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا. يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، ويقولون - وهم مهزومون روحيا وعقليا تحث ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع أو يحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا بتخليه عن منهجه، وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة، بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية، وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها). العالم ص ٥٨. وقفت أمام هذه الفترة كثيرا وأنا أقرأ الكتاب أو أشرحه. وتساءلت في نفسي عن هذه الواقعية الحركية: ما هي مراحلها؟ وما هي الوسائل المناسبة لكل مرحلة؟ وما أحوجنا إلى كتاب يوضح هذه المراحل، وهذه الوسائل. فيضع نقاطا علامة للدعاة إلى الله، يتعرفون فيها على خطوات السير، كما فعل الشهيد في معالمه. موضوع مثير حقا، وعدم فهم هذه المراحل والتعرف عليها، وفهم الوسائل المناسبة يجعل الخلاف عميقا بين الدعاة المسلمين وأبناء الحركة الإسلامية.

стр. 8

وللإجابة على هذا السؤال. لم يكن عندي إلا دراسة السيرة دراسة واضحة تحدد المراحل المتتابعة فيها، وسمات كل مرحلة. لأن السيرة النبوية هي التطبيق العملي للإسلام، وهي الصورة الأنموذج لإقامة دولة الإسلام. فإذا توضحت هذه المراحل، وتبينت هذه السمات، كقينا المؤونة، وتوحد خط السير، وانتفى دور الاجتهاد الشخصي: لكن يبرز سؤال دقيق: ما هو مدى إلزامية هذه المراحل وهذه الوسائل، للجماعة المسلمة وهي تشق طريقها لإقامة دولة الإسلام في الأرض؟ وهل الحركة الإسلامية متعبدة بهذه المراحل ما لها من فكاك عنها. أم أن تلك المراحل قد انتهت مع النصوص النهائية للإسلام، وأصبحت منسوخة هي وأحكامها في الواقع الإسلامي. ولا يخفى أبدا إن خلافا كبيرا بين حركتين إسلاميتين حول هذا الموضوع جعل كل واحدة منهما تسير في خط مستقل، وذلك من خلال هذين الفهمين: الفهم الأول: يرى أن التقيد بهذه المراحل لا مناص منه حتى في الحد الزمني. وهي تقرر أن رسول الله ﷺ عاش دعوة ثلاثة عشر عاما. ثم أقام دولته، فهي مقيدة بهذا العمر من الدعوة. وعليها أن تقيم دولة الإسلام بعد ثلاثة عشر عاما من عمرها. وهذا فهم خطير ولا شك، فالمدى الزمني في الأصل تقدير رباني، وليس جهدا بشريا فقط، والله تعالى قد قال لنبيه: ﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم﴾. الزخرف ٤١ - ٤٣. ومن آثار هذا الفهم كذلك موضوع النصرة، وأنه لا يجوز استعمال السلاح قبل قيام الدولة، إنما تقوم الدولة على أساس طلب النصرة من سدنة المجتمع الجاهلي. وإلى أن يفتح صدر أحد هؤلاء للدعوة أو لنصرة هذه الدعوة وهو على شركه. فالحركة الإسلامية معذورة في المواجهة المسلحة، وقد أدى حمل هذين المبدأين معا، العمر الزمني والنصرة إلى تناقض عجيب في

стр. 9

المواقف، وإلى تزعزع في الثقة بصحة هذه المبادىء. إننا إذا تركنا العمر الزمني جانبا وهو مرتبط بقدر الله أولا، وسنته في نصره عندما ينضج الدعاة ويغدون مؤهلين للخلافة في الأرض. نستطيع أن نقول إن المنهج الحركي للسيرة ملزم للدعاة في خطهم الجهادي لإقامة دولة الله في الأرض. وذلك أنا مأمورون باقتفاء سيرة الرسول ﷺ . ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾. والأسوة تبدو واضحة أكثر ما تبدو من خلال السيرة العملية للنبي ﵊، وأي اعتساف في مراحل هذا المنهج لا يوصل إلى الغاية، والتجارب الكثيرة التي خاضتها الحركات الإسلامية على مدار التاريخ تؤكد هذا المعنى. فما من حركة إسلامية قامت، وأقامت منهج الله في الأرض إلا اعتمدت التنظيم السري في بداية الأمر، ثم انطلقت إلى إعلان فهمها الحركي للإسلام، من خلال الحكمة والموعظة الحسنة، ثم واجهت المجتمع المنحرف جاهليا كان أو فاسقا. وتسنمت سدة الحكم، واعتمدت القوة للحفاظ على المبدأ من الحرب المسلحة التي يشنها أعداؤه عليه. بينما بقيت قضية اعتماد السلاح والقوة في مرحلة الدعوة أمرا اجتهاديا. متقيدا بطبيعة الحرب مع العدو أو الخصم. وإذا كان الأمر مجال خلاف في الاجتهاد وللمسلمين خلافتهم ودولتهم التي يفيئون إليها فليس الأمر كذلك والمسلمون نتفا مبعثرة في الأرض يحكمون بغير شريعة الله، وإذا كان تكوين الجماعة - مع قيام دولة الإسلام - محل خلاف ونظر حول الثورة على الأمير الفاسق. فليس هو محل خلاف، والأمير يحكم علنا وصراحة بغير شريعة الإسلام. " إلا أن تروا كفرا بواحا. لكم فيه من الله تعالى برهان". ولنتساءل أكثر وأكثر: ما فائدة دراسة المنهج الحركي للسيرة. ولأجيب على هذا السؤال. أستأذن الأخ القارىء لأحدثه عن انطباعي

стр. 10

عن سور القرآن مع - ظلال القرآن - ودونه. لقد كنت أقرأ السور الطوال في القرآن، وأخص بالذكر الزهراوين البقرة وآل عمران. فلا أكاد أجد خطا يربط بين جزئياتها، وأضيع في متاهاتها. تماما مثل رجل دخل في بلدة ولم يتعرف على مخططها. فهو يجوب فيها كلها دون أن يصل إلى بغيته. أو الدار التي يريدها. أو رأى بناء ضخما. لم ير هندسته التي قام عليها. فلا يدرك شيئا من جمال البناء وفن المعمار فيه. ولكني عندما قرأت - في ظلال القرآن - أحسست بعظمة البناء وروعته. أحسست بأن سورة البقرة التي تستغرق قرابة جزأين ونصف. كان محورها الرئيسي هو البناء الداخلي للأمة من خلال العبادات والتشريعات، وعرض عدوها الأول بني إسرائيل - لتتعرف على طبيعة هذا العدو، وعلى تجربته حين كلف بالخلافة في الأرض، وكيف انحرف عن رسالته. بهدين الخطين الرئيسيين أمكن أن نعيد كل جزئية في هذه السورة العظيمة إلى مكانها في المخطط، وفعلا قدم سيد لنا ﵀ المنهج الحركي في القرآن - فلكل سورة هدف عام، وهدف خاص، ومحور تدور عليه أحداث هذه السورة، والذي يتعرض هذا المخطط الكلي للسورة، يستوعب بعدها كل أجزائها في مكانها المناسب لها. ويكاد يكون سيد ﵀ قد انفرد من بين المفسرين جميعا بهذه الميزة، وخاصة في الطبعة الثانية المنقحة من الظلال. هذا المنهج الذي اكتشفه في آخر عمله في الظلال في الطبعة الأولى, كما يقول الأخ الخالدي: (وفي الأجزاء الثلاثة الأخيرة من الظلال بدأ يبرز عند سيد قطب الاتجاه الحركي الذي تولد عنده نتيجة لتجربته العملية في الحركة بالإسلام، ونتيجة لنظراته المتجددة في القرآن. وكان لا بد من أن يعيد النظر في الظلال، ويعيد كتابته على أساس من اتجاهاته الحركية الجديدة، فكان أن أصدر سيد قطب الطبعة المنقحة من الظلال، وهي الطبعة الثالثة وقد أصدرتها دار إحياء الكتب العربية في القاهرة. كتب سيد قطب الأجزاء العشرة الأولى من الطبعة الثالثة المنقحة بتركيز شديد، وكان يقف عند الآيات طويلا، ويسجل حولها كل خواطره،

стр. 11

ويتعرض للحديث عما تشير إليه من أمور في العقيدة أو الفقه أو التشريع أو المعاملات السياسية أو الاقتصاد أو التاريخ أو الفلسفة أو التربية أو الاجتماع أو غير ذلك، ويقف طويلا على إيحاءات الحركية، ويسجل للعاملين للإسلام موحياتها ويرسم لهم على ضوئها معالم الطريق ... وقد كان سيد قطب يتمنى أن يعيد كتابة باقي الأجزاء من الثالث عشر إلى السابع والعشرين على هذا المنهج الجديد، ويترك الأجزاء الثلاثة الأخيرة لأنها كتبت على ضوء هذا المنهج. ولكن الطغاة عجلوا بالقضاء عليه قبل أن يحقق هذه الأمنية ..) الشهيد الحي سيد قطب ٢٤٢ - ٢٤٣. إذن هناك شيء اسمه المنهج الحركي للقرآن. كتب سيد ظلاله على ضوئه. وأنا أحاول في هذه الصفحات - على قلة بضاعتي - أن أتناول - المنهج الحركي للسيرة - الذي يحدد معالم الطريق وسماته. بحيث تأخذ الجزئيات في السيرة مكانها الطبيعي من خلال المرحلة. ولا تضيع معالم المرحلة في متاهة الجزئيات المبعثرة. كالذي يضيع في المدينة الضخمة دون أن يطلع على مخططها. وما أحوجنا إلى الحديث عن المناهج، نحدد بها معالم السير. وما أفقر مكتبتنا الإسلامية إليها على كثرة ووفرة الكتب الإسلامية اليوم التي تغزو المكتبات كل يوم. لدينا تلك المحاضرة لسيد ﵀: في التاريخ فكرة ومنهاج و - معالم في الطريق - ولدينا لأخي الشهيد، لمحمد قطب، المفكر الإسلامي العظيم: منهج التربية الإسلامية، ومنهج الفن الإسلامي. وكتابه المخطوط - الذي نرجو الله تعالى أن يرى النور - منهج للتاريخ الإسلامي. وكتب أخرى يصعب عرضها في هذه العجالة. لكنها بالتأكيد لا تتجاوز أصابع اليدين. هي كل ما نملكه في هذه المجالات. التي تنطلق كلها من النظرة الكلية الشاملة. لتعيد بعد ذلك كل الأجزاء إلى مكانها الطبيعي في تخطيط هندسي بديع. وأخيرا ما أحوجنا إلى - المنهج الحركي للسنة النبوية. هذا النتاج الضخم من الحديث الذي يمثل أعظم ما قاله البشر في

стр. 12

هذا الوجود، لا يزال مثناثرا تناثر النجوم في السماء تبلغ أعداد أحاديثه عشرات الألوف. وفي بعض مجموعاته خمسين ألف حديث. ولكنه، غير مترابط البناء، غير محكم البنيان. وأن يأتي العالم الإسلامي والمفكر الإسلامي، الذي ينظر إلى بناء هذا التجمع بناء مرتبطا بمراحل الدعوة، ومراحل الدولة، ويحدد معالمه وخطوطه، هو أمل، وما ذلك على المؤمنين - إن شاء الله - ببعيد. وفي ختام هذا الحديث أود أن أعتذر سلفا إلى الأخ القارىء، عن أي فهم خاطىء قد فهمته في السيرة. وخاصة في المقارنات بين حركتنا الإسلامية اليوم ومسيرتنا الإسلامية، وبين مراحل السيرة من قبل ومنهجها الحركي، فهذه فهوم ونظرات، يختلف فيها الحكم، لكن أود أن يشاركني الأخ القارىء في أنه لا بد لنا من المنهج الحركي للسيرة النبوية، نسير على هداه، ولعل أخا بأتي من بعدي، يعمق هذه الخطوط، ويحدد هذه المراحل تحديدا أدق وأعمق ويكون الاتجاه كله لإيضاح معالم البناء الجديد. فالسيرة النبوية نبع ثر، ومعمل ضخم لا بد أن يحسن الاستفادة منه بتحديد مجاريه، وتوزيع نتاجه. ويبقى أكير المعالم للطريق الطويل. والله نسأل أن يجنبنا عثرات الفكر، وزلات القلم، وأن يهدينا ويهدي بنا سواء السبيل، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وفي صحيفة حسناتنا يوم القيامة إنه سميع مجيب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين.

стр. 13

ماذا نعني بالمنهج الحركي المعني به هو: الخطوات المنهجية التي تحرك بها النبي ﷺ منذ بعثته حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى. وهذا يقتضي منا متابعة المراحل خطوة فخطوة، لنكون على بينة من أمرنا، ونحن نتابع السير في حركتنا الإسلامية، فنقتفي خطى حركته ﵊ انطلاقا من قول الله : ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ... (١)﴾ ولا شك أن متابعة هذه الخطوات والمراحل هو أمر تعبدي قبل كل شيء، نصل به إن اقتدينا بهداها إلى مرضاة الله . وهو من جهة ثانية تبصرة للحركة الإسلامية في خطها السياسي للوصول إلى أهدافها في إقامة حكم الله في الأرض. ونعتقد أن هذا المنهج الحركي هو رباني التوجيه، فالله تعالى يسدد نبيه في خطواته كلها. وليس هو وليد رد الفعل من الظروف الطارئة التي تواجهه. وبعد هذه التوطئة البسيطة يمكننا أن نتصور المراحل المتتابعة لهذا المنهج، وسمات كل مرحلة على حدة دون أن نخوض في تفاصيل أحداث السيرة النبوية إلا بمقدار ما تقتضيه الضرورة في إيضاح هذه المراحل وسماتها. أما المراحل التي نتصورها لهذا المنهج، فيمكن أن تحدد في خمس مراحل

стр. 14

ونطلق عليها اصطلاحا التسميات التالية، ولا مشاحة في الاصطلاح: المرحلة الأولى: سرية الدعوة وسرية التنظيم. المرحلة الثانية: جهرية الدعوة، وسرية التنظيم. المرحلة الثالثة: إقامة الدولة. المرحلة الرابعة: الدولة وتثبيت دعائمها. المرحلة الخامسة: انتشار الدعوة في الأرض. وإذا كان لنا أن نحدد بداية كل مرحلة، ونهايتها، فإننا نجد ما يلي: ١ - سرية الدعوة: وتبدأ من البعثة النبوية إلى نزول قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين (١)﴾. ٢ - جهرية الدعوة، وسرية التنظيم: وتنتهي في العام العاشر للبعثة. ٣ - مرحلة إقامة الدولة: وتنتهي في بداية العام الأول للهجرة. ٤ - مرحلة تأسيس الدولة: وتنتهي بصلح الحديبية. ٥ - مرحلة انتشار الدعوة في الأرض: وتنتهي بوفاة الرسول ﷺ . وغني عن البيان أن نهاية كل مرحلة هي بداية المرحلة التي تليها. ولنبدأ الطريق مع أول مرحلة.

стр. 15

المرحلة الأولى: سرية الدعوة وسرية التنظيم هذه المرحلة التي ابتدأت من غار حراء مع البعثة النبوية، وانتهت بعد ثلاثة أعوام للبعثة حين نزل قول الله : ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، وقوله جل شأنه: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾.

стр. 16

السمة الأولى الدعوة سرا يقول المقريزي في كتابه إمتاع الأسماع: (والتحقيق أن جبريل ﵇ لما جاءه بغار حراء وأقرأه: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ ورجع إلى خديجة، مكث ما شاء الله أن يمكث لا يرى شيئا. وفتر عنه الوحي؛ فاغتم لذلك وذهب مرارا ليتردى من رؤوس الجبال شوقا إلى ما عاين أول مرة من مشاهدة وحي الله إليه. فقيل: إن فترة الوحي كانت قريبا من سنتين، وقيل كانت سنتين ونصفا. وفي تفسير عبد الله ابن عباس كانت أربعين يوما، وفي كتاب معاني القرآن للزجاج كانت خمسة عشر يوما، وفي تفسير مقاتل ثلاثة أيام، ورجحه بعضهم وقال: ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه لم تبدى له الملك بين السماء والأرض على كرسي، وثبته وبشره أنه رسول الله، فلما رآه فرق منه، وذهب إلى خديجة ﵂. فقال: زملوني زملوني فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثياب فطهر﴾ فكانت الحالة الأولى بغار حراء حالة نبوة وإيحاء، ثم أمره الله تعالى في هذه الآية أن ينذر قومه ويدعوهم إلى الله .

стр. 17

فكان - فيما قاله عروة بن الزبير، ومحمد بن شهاب، ومحمد بن اسحاق - من حين أتت النبوة وأنزل عليه ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ وقوله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ ثلاث سنين (١). ونلاحظ أن المقريزي رجح الآراء التي تعتبر فترة انقطاع الوحي فترة قصيرة حول الأربعين والخمسة عشر والثلاثة من الأيام (٢). بينما ساق الأقوال الأولى عن السنتين والسنتين والنصف دون إسناد. وفي الرأي الثاني يزول الإشكال الكبير حول هذه الفترة التي لا نجد لها ذكرا أو تاريخا. ولو حسبت هاتان السنتان والنصف من المرحلة السرية لكانت مرحلة الدعوة فيها لا تعدو سنة أو نصف سنة، ومن المستبعد جدا أن يكون ذلك. ننتهي بهذا إلى أن السمة الأولى لهذه المرحلة: هي امتدادها الزمني ثلاث سنوات وإن كنا في واقع الأمر لا نبني شيئا على هذه المدة. ولا نفهم أن الحركة الإسلامية اليوم لا بد أن تمر بمرحلة سرية هي ثلاث سنوات. فهذا أمر لا نص فيه يدعونا إلى الاقتداء به ولا نحجر واسعا. إنما نفهم أن انتهاء هذه المرحلة قد كان لأنه قد صار للمسلمين قاعدة صلبة مستعصية على الإفناء إذا قيست، بنوعياتها من جهة، ونسبتها إلى المجتمع المكي آنذاك من جهة ثانية. ومن هذا الجانب تكون القدوة. فليس المهم حساب الزمن. إنما المهم الحصيلة العملية للدعوة، وقدرتها على المواجهة للمجتمع القائم من خلال أشخاصها ورجالاتها ومؤسساتها.

стр. 18

ونجد ما يرجح هذا الفهم من قول الله ، ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾. حيث نجد بعد هذه الآية مباشرة قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزئين (١)﴾. لقد كان الصدع بعد تكفل الله تعالى بحماية رسوله وكفايته من المستهزئين. وإذا كان ذلك قد تم لرسول الله ﷺ من خلال الوحي، فقيادة الحركة المسلمة الرشيدة هي المسؤولة عن تقدير هذه المرحلة، وإمكاناتها للانتقال إلى مرحلة لاحقة. ويؤكد هذا الفهم من جهة ثانية - وهو عدم ارتباط هذه المرحلة بزمن معين أو محدد - أن بعض المسلمين في غير مكة بقوا على سريتهم أزمنة مختلفة حسب إمكانياتهم في قبائلهم، وقدرتهم على الدعوة والاصطفاء (٢). السمة الثانية قيام الدعوة على الإصطفاء فهي ليست دعوة علنية تقام في الأندية العامة والمجالس والمحافل؛ إنما تقوم على الاصطفاء الشخصي، وتقدير الداعية لطبيعة المدعو. لقد وجدنا أن اللبنات الأولى للدعوة كانت خديجة ﵂ أول من آمن في الأرض من النساء، وهي زوج النبي ﵊، وأبو بكر ﵁ وهو صديقه الحيم. وعلي بن أبي طالب وهو ربيبه وفي رعايته وبيته، وهو بمثابة ابنه، وزيد بن حارثة مولاه. وعندما انطلق أبو بكر ﵁ بالدعوة اختار الطريق نفسه.

стр. 19

يقول ابن إسحاق: (ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة .. وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه، محببا سهلا، وكان أنسب قرشي لقريش وأعلم قرشي بها وبما كان فيها من خير أو شر. وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف. وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته، وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه من يغشاه ويجلس إليه. فأسلم بدعائه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله. فكان هؤلاء النفر الثمانية الدين سبقوا الناس بالإسلام، فصلوا، وصدقوا (١)). لقد كانت الدعوة من خلال الثقة رغم أن رواد أبي بكر كثر، وممن يتوسم بهم الاستجابة لهذه الدعوة. السمة الثالثة العمل من خلال ثقافة الداعية ومركزه الاجتماعي وهي تعقيب على ما سبق ذكره من مواصفات شخصية أبي بكر ﵁، وكونه أقدر الدعاة على التأثير آنذاك. ونستطيع أن نتعرف على مواصفات هذه الشخصية من العناصر التالية: أ - خلقه: كان رجلا مألفا لقومه، محبا سهلا. ب - ثقافته: كان أنسب قرشي لقريش وأعلم قرشي بها، وبما كان فيها من خير وشر. ح - مركزه الاجتماعي وعمله: وكان رجلا تاجرا .. وكان رجال قومه يألفونه لغير واحد من الأمر. علما بأن أبا بكر من حيث الحسب والنسب هو من

стр. 20

أضعف قريش نسبا. ويمثل هذا المركز ما روى عن أبي سفيان حين استلم أبو بكر الخلافة قوله: (ما بال هذا الأمر في أذل حي من قريش). ولكن هذا لم يحل دون تبوئه المكانة المرموقة في قومه. ومن خلال هذه المواصفات نحرص على أن توجد لدى الداعية اليوم. فالخلق المحبب السهل هو الذي يضمن القدرة على النفاذ للآخرين، وهو الذي يفتح القلوب له ولو كانت متعصية، وهو الذي يضمن البعد عن ردود الفعل في حالة الموقف السلبي من الدعوة. والثقافة ليست بأقل شأنا من الخلق. وليس كل نوع من أنواع الثقافة هو المطلوب في هذا الصدد. بل الثقافة ذات الخبرة بالمجتمع واتجاهاته وميوله. والثقافة التي تعرف نفوس الناس ومنازعهم ومشاربهم وعواطفهم. هي التي تكون مفتاح التحرك للداعية، وباب الولوج إلى قلب المدعو. ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (١)﴾. فللقلوب أقفال، ومهمة الداعية أن يملك مفاتيح هذه الأقفال، ويعرف من أين، يدخل إليها. حتى تستجيب له. والمركز الاجتماعي للداعية يجعل له أذنا صاغية من الناس؛ فترفع الداعية عن الحاجة وذل السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس، هو الذي يكسب الاحترام في مجتمع أعلى قيمه هي المال والشهرة. وتد وجهنا لذلك رسول الله ﷺ بقوله: (إزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس (٢)). وإذا كان المركز الاجتماعي بطبيعته ذا صلة وثيقة بالناس؛ فهذا أدعى

стр. 21

إلى التأثير فيهم إذ أن العلاقة تبدو طبيعية وغير متكلفة، ولا يحتاج الداعية ليتصنع سببا للاتصال بهم. فالمدرس مثلا والتاجر أقدر على الحركة من الموظف المحصور في إطار محدد. السمة الرابعة الدعوة عامة وقد يبدو لأول وهلة أن هناك تناقضا بين هذه السمة والسمة الأولى، وليس الأمر كذلك؛ فإظهار الدعوة للمختصين لا تعني أن تكون دولة لفئة معينة من الناس، أو طبقة خاصة من طبقات هذا المجتمع، بل لا بد أن تتتاول قطاعات المجتمع كله، ويتم هذا التناول عن طريق الاصطفاء الخاص من أفراده. فقد وجدنا أن هذه الرحلة السرية للمجتمع المسلم قد انضم فيها إلى الإسلام من كل فئات المجتمع آنذاك: الأحرار والعبيد، الرجال والنساء، الشباب والشيوخ والفتيان، بل انضم لهذا المجتمع أفراد من شتى الفروع من قريش وغيرها حيث لا تكاد تخلو عشيرة في مكة من شخص أو اثنين شاركا في بناء هذا المجتمع. ولو استعرضنا توزيع الصحابة على القبائل الكبرى المشهورة لوجدناها كما يلي: أولا: بنو هاشم ١ - علي بن أبي طالب. ٢ - جعفر بن أبي طالب. ٣ - أم الفضل بنت الحارث. ٤ - عبيدة بن الحارث. ٥ - أسماء بنت عميس (زوج جعفر). ٦ - خديخة بنت خويلد.

стр. 22

ثانيا: بنو أمية ٧ - عثمان بن عفان. ٨ - خالد بن سعيد. ٩ - أمينة بنت خالد (زوج خالد). ١٠ - حاطب بن عمرو. ١١ - عبد الله بن جحش. ١٢ - أبو أحمد بن جحش. ١٣ - امرأته فاطمة. ثالثا: بنو مخزوم ١٤ - أبو سلمة بن عبد الأسد. ١٥ - عياش بن أبي ربيعة. ١٦ - عمار بن ياسر (حليف). ١٧ - أسماء زوجة عياش. ١٨ - ياسر بن عامر (حليف) ١٩ - سمية بنت خياط (زوج ياسر). ٢٠ - الأرقم بن أبي الأرقم. رابعا: بنو تيم ٢١ - أبو بكر الصديق. ٢٢ - طلحة بن عبيد الله. ٢٣ - عامر بن فهيرة (مولى). ٢٤ - بلال بن رباح (مولى). خامسا: بنو عدي ٢٥ - سعيد بن زيد. ٢٦ - فاطمة بنت الخطاب. ٢٧ - عام بن أبي ربيعة (حليف). ٢٨ - نعيم بن عبد الله.

стр. 23

٢٩ - واقد بن عبد الله (حليف). ٣٠ - خالد بن البكير (حليف). ٣١ - عامر بن البكير (حليف). ٣٢ - اياس بن البكير (حليف). سادسا: بنو زهرة ٣٣ - سعد بن أبي وقاص. ٣٤ - عبد الرحمن بن عوف. ٣٦ - عمير بن أبي وقاص. ٣٦ - عبد الله بن مسعود (حليف). ٣٧ - المطلب بن أزهر. ٣٨ - خباب بن الأرت (حليف). سابعا: بنو سهم ٣٩ - خنيس بن حذافة. ٤٠ - حفصة بنت عمر (زوجه). ثامنا: بنو جمح ٤١ - جاطب بن الحارث ٤٢ - امرأة فاطمة. ٤٣ - خطاب بن الحارث. ٤٤ - امرأته فكيهة. ٤٠ - السائب بن عثمان. تاسعا: بنو أسد ٤٦ - الزبير بن العوام. عاشرا: بنو عامر ٤٧ - أبو عبيدة بن الجراح. ٤٨ - سليط بن عمرو. عاشرا: قبائل متفرقة ٤٩ - صهيب بن سنان (رومي).

стр. 24

٥٠ - مسعود بن ربيعة. ٥١ - معمر بن حبيب. ٥٢ - زيد بن حارثة. ٥٣ - عمرو بن عبسة (سلمي). ٥٤ - عثمان بن مظعون. ٥٥ - قدامة بن مظعون. ٥٦ - عبد الله بن مظعون. ٥٧ - رملة زوجته. وهكذا نرى أن الستين الأوائل هم من كل قطاعات المجتمع المكي. السمة الخامسة دور المرأة في المرحلة السرية لقد كان ربع هذا المجتمع من النساء. ومعظم الشباب المتزوجين أسلمت معهم زوجاتهم. وعشن المرحلة السرية دون أن يدري بهن أحد. وحافظن على السر وكتمنه دون أن نسمع شيئا من إفشائهن له. ولعلنا نعطي المرأة حقها من الإهتمام في مسيرة هذه الدعوة. فتكون بجانب الرجل أختا وزوجا وأما وتعيش همه. بل تذكر بعض الروايات أن أسماء ﵂ من جنود هذه المرحلة، وهذا يعني أنها كانت في طفولتها المتأخرة. السمة السادسة الصلاة لم تخل مرحلة سن مراحل دعوة المسلمين من الصلاة على الأرجح.

стр. 25

قال ابن إسحاق: (وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل ورسول الله ﷺ ينظر ليريه كيف الطهور، ثم توضأ رسول الله كما رأى جبريل، ثم قام به جبريل، فصلى به، وصلى رسول الله ﷺ لصلاته، ثم انصرف جبريل ﵇، فجاء رسول الله ﷺ خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ رسول الله ﷺ ، ثم صلى بها رسول الله كما صلى به جبريل فصلت بصلاته (١). وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا (٢). السمة السابعة معرفة قريش بخبر الدعوة لم تكن قريش لتبني على هذه المعرفة شيئا أو تعيرها اهتاما. فقد كانت ظاهرة الحنفية منتشرة في المجتمع المكي. فزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وأمية بن أبي الصلت. ولا تهتم مكة بمثل هذه الأحداث وهؤلاء الناس، طالما أنهم لا يتعرضون لعقائدها وأصنامها. فقد كان رسول الله ﷺ يتحنث الليالي ذوات العدد قبل البعثة، ويجاور في غار حراء، ومع ذلك لا تجد قريش غضاضة في ذلك. وحسبت إن الإسلام مثل هؤلاء الحنفاء الذين

стр. 26

اعتزلوا عبادة الأصنام. بل يمكن القول: إن قريشا كانت تهتم بالحنفيين أكثر مما اهتمت بالمسلمين في المرحلة السرية. وذلك لأن الحنفاء كانوا يعلنون شكهم بأصنام قريش وأوثان العرب بينما لم يعلن المسلمون موقفهم تجاهها. وتذكر بعض الروايات أن أحد التجار كان في زيارة للعباس في بيته فرأى رجلا وامرأة وطفلا يتقدمون فيصلون بصورة تخالف ما كانت تعهده قريش من الصلاة. فسأل التاجر العباسي عنهم فقال له: هذا ابن أخي - ويشير إلى علي، وهذا ابن أخي - ويشير إلى رسول الله - وهذه زوجته. وإن هذا يزعم أن الله ﷺ كلمه من السماء، ووالله ما أعلم على ظهر الأرض أحد على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة (١). كما تشير الرواية السابقة التي ذكرناها عن خروج علي ﵁ مع رسول الله ﷺ إلى الشعاب للصلاة، أن أبا طالب طلع عليهما ذات يوم فرآهما يصليان. فقال لرسول الله ﷺ : يا ابن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم. بعثتي الله به رسولا للعباد. وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه - أو كما قال. فقال أبو طالب: أي ابن أخي لا أستطيع أن أفارق دين أبائي وما كانوا عليه. ولكن لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت. وذكروا أنه قال لعلي: أي بني ما هذا الذي أنت عليه؟ فزعموا أنه قال له: آمنت برسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته. فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه (٢).

стр. 27

لم يكن إذا لملاحظة قريش بعض هذه الظواهر الغريبة، ما يثير غضبها طالما أن القوم مكتفون بأنفسهم. منكفئون على ذواتهم، فكل امرىء حر أن يعبد الله كما يشاء. طالما أن الدين عقيدة في القلب، وعبادة في المعبد. ولا يتدخل في شؤون الحياة. ومن هنا نفهم سر المهادنة التي نراها أحيانا بين الحكومات الطاغية وبعض المثدينين من المسلمين، الذين يكتفون من الإسلام بالعقيدة في الضمير والعبادة في المسجد. إذ هؤلاء لا يدخلون الإسلام في شؤون الحياة، وبالتالي فلا تهابهم الطغاة. السمة الثامنة المعايشة بين المسلمين وغيرهم لم نسمع في هذه المرحلة عن أي صدام وقع بين هذا المجتمع الإسلامي الناشىء وبين المجتمع الجاهلي، فالفكرة غير معلنة إلا لمن يرجى انضمامه لهذا التجمع الإسلامي القائم. وليست الدعوة المعلنة هدفا قائما فيها. بل لا يتدخل المسلمون بأي شأن من شؤون غيرهم في نقد أو مواجهة أو مخالفة ظاهرة. والأصل أن لا تظهر المخالفة في شيء. إلا في حالة اضطرارية قاهرة. فلا بد من المحافظة على السرية التامة للتنظيم والفكرة. السمة التاسعة التركيز على بناء العقيدة وحيث إن العتيدة الكافرة الطاغية قد ملأت على الناس حياتهم. فلا بد من تصحيح هذه العقيدة وبناء العقيدة السليمة بشكل هادىء. لأن

стр. 28

العقيدة الصحيحة هي التي ينبثق منها العبادة الصحيحة والسلوك الصحيح، وهي التي تضمن في الوقت نفسه الثبات على الحق، وتحمل التضحيات في سبيله عندما تطلب من المسلم أن يؤديها. وكل ما نراه من التراجع والتذبذب والنفاق والتخلي عن طريق الحق مرده ضعف هذه العقيدة، وتزعزعها وعدم تمكنها من القلب المسلم. ولأمر ما اختار الإسلام - كلمة الإيمان - للدلالة على العقيدة. فالإيمان يباشر العقل والقلب معا ويربط الفكر بالوجدان ربطا وثيقا. فليس الأمر قضية قناعة فكرية باردة وليس الأمر قضية دفعة عاطفية خاوية من القناعة العقلية. بل هو الالتحام الكامل بين الجانبين حيث يصعب التمييز بينهما. السمة العاشرة الجهر بالدعوة بعد بناء النواة الصلبة ودليل ذلك أنه لم يرتد أحد عن دينه من هؤلاء عندما وقعت المحنة وابتدأت المواجهة. بل كان هؤلاء الذين عاشوا الخطوات الأولى للدعوة هم القمة في الإسلام فيما بعد من حيث مستويات إيمانهم ومستويات سلوكهم، ومستويات جهادهم وتضحياتهم. ويكفي أن نعرف أن أعلى طبقة في الأمة المسلمة وهي طبقة العشرة المبشرين بالجنة كانت منهم باستثناء عمر بن الخطاب ﵁. هذه الطبقة هي التي كونت جيل القيادة للمجتمع الراشد، وكان اصطفاء الخليفة منها، وتوفي رسول الله وهو راض عنها. هذه النواة هي التي حملت فيما بعد عبء الدعوة للإسلام في الأرض، وحملت عبء المواجهة الكبرى مع أعداء هذا الدين. لقد كان هؤلاء الستون مستعصين على الإبادة بعد أن انتهت هذه المرحلة وبدأت مرحلة المواجهة وكانوا مؤهلين لرضا الله . ويكفي أن ندلل على مدى حب رسول الله ﷺ لهم ما جرى بين خالد

стр. 29

ابن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف حين اختلفا على أمر. ورفع الأمر إلى رسول الله فقال لخالد: يا خالد، دع عنك أصحابي. فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته (١). فبالرغم من أن خالد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وبالرغم من أنه من الذين أسلموا وأنفقوا قبل الفتح. بالرغم من ذلك كله، فلقد قيل له هذا القول حين شاتم عبد الرحمن بن عوف ﵁ أحد أفراد النواة الصلبة الأولى التي قام البناء الإسلامي على أكتافها. ولا ننسى أبدا بين النسوة أمثال خديجة ﵂ إحدى الكاملات في الدنيا، وأسماء بنت عميس، وأم الفضل بنت الحارث وغيرهن اللاتي كن النموذج الأعلى للنساء في التاريخ. ونتساءل أخيرا عن هذه المرحلة، هل يمكن أن تتكرر في تاريخ الحركة الإسلامية؟؟ فيما أتصوره أنها لا يمكن أن تتكرر. وبتعبير آخر لا يمكن أن نتصور الحركة الإسلامية في دور سرية الدعوة وسرية التنظيم. إن الدعوة قد أعلنت، وانتشرت مبادئها في الكتاب الخالد لها؛ القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وفيما ألف عن الإسلام من كتب وأسفار ومجلدات أصبحت ملك الناس جميعا. ولهذا لا أرى مبررا كذلك للعذر في خفوت الحركة الإسلامية عن الدعوة المعلنة القول بأنها في المرحلة السرية الأولى. بل يمكن القول: لقد انتهت مرحلة سرية الدعوة إلى الأبد، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. لأن هذا الدين قد أعلن واكتمل. وانتهى أمر إخفائه. ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (٢)﴾. لكننا نستدرك فنقول:

стр. 30

إذا كانت الحركة الإسلامية بشكل عام قد تجاوزت هذه المرحلة. فهذا لا يعني أن بعض أفرادها تتمثل بهم هذه المرحلة، وهؤلاء الأفراد المعنيون هم الذين يقومون بدور سري في التنظيمات المعادية. فلا يظهر تنظيمهم، ولا تظهر إسلاميتهم. إنهم في الحقيقة يوجدون في جميع المراحل، لكن المواصفات التي تنطبق عليهم هي مواصفات المرحلة الأولى في الحرص على إثبات انتمائهم الكامل للمجتمع الجاهلي الذي يعيشون فيه. ونشير إلى ملاحظة هامة في هذا الموضوع فهؤلاء الأشخاص ليسوا هم الذين بحددون دورهم. إنما الذي يحدد لهم هذا الدور هي القيادة، والذي دفع لهذه الملاحظة ما نراه لدى بعض الشباب، الذي يعتبر نفسه منتميا للإسلام وللحفاظ على مصالحه ودنياه وامتيازاته يمالىء السلطة الباغية، ويتبنى مواقفها. بل يدخل في التنظيم الكافر، وينشر مبادئه ويدعو إليها، ثم يدعي بعد ذلك أنه مسلم بالسر. هذا هو النفاق في المفهوم الإسلامي، وليس هو المرحلية. إن الذي يقرر للشاب المسلم أو المرأة المسلمة هذا الدور هو قيادة الحركة الإسلامية. وليس تقديره الشخصي. والذين كانوا يمثلون هذا الدور في المراحل اللاحقة كانوا يؤدونه بتكليف من قيادتهم الإسلامية، لا بقناعاتهم الشخصية. هذه ملاحظة، والملاحظة الثانية إن مثل هذا الدور، بالمواصفات السابقة يمكن أن يكون بمبادرة شخصية ودون تكليف من القيادة في حالة التعرض للأذى الماحق، حيث يباح للمسلم في هذه الحالة أن يتظاهر بالكفر، ولكن ليس في حالة الخوف من الأذى، والتفريق دقيق بين هاتين النقطتين. لأن النقطة الأولى لها سند شرعي من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿.. إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .. (١)﴾ وقد نزلت في عمار بن ياسر ﵁ حين تعرض للتعذيب، وما تركوه حتى ذكر آلهتهم بخير، وذكر محمدا ﷺ بشر. وقال له رسول الله ﷺ : إن عادوا فعد. أما الخوف من

стр. 31

الأذى الجسدي أو الأذى المعنوي أو الأذى في مصالح الدنيا. فليس مبررا كافيا لإعلان الكفر، والمسير في مخططاته والدعوة إليه. لقد امتنع الإمام أحمد بن حنبل ﵁ عن كلام يحيى بن معين من كبار أئمة الحديث لأنه وافق السلطة بالقول بخلق القرآن، وعندما ذكروا الإمام أحمد بحادث عمار ﵁ أجابهم أن هذا فيمن أكره لا فيمن خاف من الإكراه (١). وإن كنا سنعود لذكر هذه النماذج في المراحل اللاحقة. حسب حجمها في الحركة الإسلامية. لكنا ذكرناها هنا لإيضاح المواصفات العامة لها. وهذا يقودنا بالتالي إلى معالجة قضية مهمة ذات مساس بمواصفات هذه المرحلة. فالشاب المسلم الذي يكلف بمهمة في صفوف العدو من قيادته المسلمة. ما هي الحدود التي يباح له فيها أن يوافق ذلك التجمع الجاهلي. حتى لا ينكشف أمره؟. تصوري والله أعلم أن الحدود التي يباح له فيها موافقة هذا التجمع هي الوقوف عند الفرائض والمحرمات، أي لا يباح له ترك الفريضة كما لا يباح له ارتكاب الكبيرة المحرمة. ومن الناحية العملية فالفريضة التي تواجهه هي الصلاة إذ أن بقية الفرائض ليست مستمرة بشكل دائم، وبالتالي يمكن أن يخفيها. كما أن فريضة الصيام قد تواجهه في شهر رمضان. لقد وجدنا بعض الاتجاهات في الحركة الإسلامية تبيح لبعض هؤلاء الأفراد الجمع بين الصلاتين؛ صلاة الظهر والعصر، وصلاة المغرب والعشاء. وإن كانت المذاهب الفقهية المعتمدة لا تجيز ذلك، بالجمع بين الصلاتين دون عذر من سفر أو خوف أو مطر. لكنها اعتمدت على الحديث الصحيح المروي في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين دون عذر.

стр. 32

لكني لا أدري رخصة أكبر من هذه. وما يتناقل في صفوف الشباب الإسلامي من جمع الصلوات كلها في آخر الليل. فما أعتقد له سندا صحيحا. وما روي عن رسول الله ﷺ من جمعه بين هذه الصلوات كلها يوم الخندق فلأن الحرب، استمرت من السحر إلى العشاء. فلم يتمكن المسلمون من الصلاة وهم ملتحمون في المعركة مع العدو. ويمكن القول نفسه بالنسبة للصيام في شهر رمضان. فلا يحق للمسلم الذي يؤدي مهمته في صفوف العدوان يتخلى عن فرض الصيام. ويمكن القول نفسه بالنسبة لاجتناب المحارم. فالمسلم الذي يعايش العدو بمهمة جاسوسية عليه من قيادة الحركة الإسلامية، والمسلم الذي يدفعه الخوف من الطاغية الكافر إلى ممالأته. ليس له أن يشرب الخمر مثلا أو يزني بهذه الذريعة، وتكاد تكون الموافقة للكافر - والله أعلم - محصورة في الجانب اللفظي الكلامي أو في بعض اللمم الذي يستغفر الله منه لو وقع فيه. فتأدية الفرائض، واجتناب المحارم هي الحدود الفاصلة بين السرية في التنظيم والدعوة، وبين المرحلة اللاحقة.

стр. 33

المرحلة الثانية جهرية الدعوة وسرية التنظيم ويمكن أن نلاحظ أن هذه الجهرية نفسها قد مرت بمرحلتين: المرحلة الأولى: جهرية الوسول ﷺ . المرحلة الثانية: جهرية المسلمين. وحيث إن الفارق الزمني بينهما فارق ضئيل وهو أقل من سنتين. فلا نرى داعيا لإفراد كل واحدة منهما في مرحلة. وتبتدىء المرحلة الثانية إذن بنزول قول الله : ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾، وقوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين (٢)﴾ ﴿وقل إني أنا النذير المبين (٣)﴾. يقول المباركفوري في كتابه - الرحيق المختوم: وأول ما فعل رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك

стр. 34

الأقربين﴾ أنه دعا بني هاشم فحضروا، ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا فبادره أبو لهب وقال: وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به. فسكت رسول الله ﷺ وما تكلم في ذلك المجلس. ثم دعاهم ثانية وقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة. والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما ستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا. فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم. فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا (١). على جبل الصفا: وبعدما تأكد النبي ﷺ من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه قام يوما على الصفا فصرخ: يا صباحاه. فاجتمع إليه بطون قريش، فدعاهم إلى التوحيد والإيمان برسالته وباليوم الآخر، وقد روى البخاري طرفا من هذه القصة عن ابن عباس. قال: لما نزلت ﴿وأنذر

стр. 35

عشيرتك الأقربين﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر!. يا بني عدي! لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟. قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تبت يدا أبي لهب (١)). وروى مسلم طرفا آخر من هذه القصة عن أبي هريرة ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا رسول الله ﷺ فعم وخص، فقال: يا معشر قريش انقدوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها (٢). هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح رسول الله ﷺ لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم. وإن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله (٣). وننتقل بعد عرض بداية هذه المرحلة من خلال النصوص إلى عرض مواصفاتها العامة. علما بأن هذه المرحلة تنتهي بعد عام الحزن. حيث اتجه رسول الله ﷺ خارج مكة ساعيا لإقامة دولة الإسلام، ومدة هذه المرحلة على هذا الأساس سبع سنين.

стр. 36

مواصفات المرحلة الثانية وسماتها السمة الأولى دعوة الأقربين فالشيء الطبيعي أن تكون الدعوة في المرحلة الأولى في صفوف الأقربين. وخاصة عندما تأخذ طابع المواجهة المعلنة. لأن هذه المواجهة تعرض الداعية للخطر. فلا بد له من حماية، وعشيرة الداعية هم أكثر الناس استعدادا لحمايته. ولقد وجدنا بذور الدعوة الأولى في المرحلة السرية داخل بيت النبي ﷺ . فلقد كان أول الخلق إسلاما بعد رسول الله ﷺ زوجه خديجة بنت خويلد ﵂، ومولا، زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب - الذي كان مقيما عنده فلقد تكفل رسول الله ﷺ بتربيته تخفيفا عن أبي طالب الذي كان كثير العيال فقير الحال، وردا لمعروف في كفالته لرسول الله في صغره، وبناته زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة فلقد كان البيت، النبوي مسلما كله. ومن أجل ذلك عندما انتقلت الدعوة إلى المرحلة الجهرية كان لا بد من دعوة العشيرة الأقرب بني هاشم وبني المطلب، وإعلامهم بالأمر.

стр. 37

وهذه سنة إلهية يحدثنا رسول الله ﷺ عن أسبابها بصدد قصة لود ﵇ حين جاءه قومه يهرعون إليه يريدون الفاحشة بضيفه من الملائكة. وكان لوط ﵇ قد هاجر إلى الشام. فليس له قبيلة تحميه أو تمنعه إلا ابنتاه. فامرأته كافرة، والمؤمنون أقلة غير قادرين على حمايته ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (١)﴾. هذا النفر القليل الضعيف الذي لا يستند إلى عشيرة قوية حدا بلوط ﵇ أن يقول: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٢)﴾. فقال ﵊ عن ذلك: (رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه (٣). وهذه السنة الإلهية هي التي حالت بين كفار مدين وشعيب. ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (٤)﴾. وسواء آمنت العشيرة أم لم تؤمن. فإن حمايتها لابنها الداعية خط أصيل في تاريخ الدعوات. فلقد اختلف موقف أبي طالب عن أبي لهب. وتبني أبو طالب حماية رسول الله ﷺ رغم عدم دخوله في الإسلام. بل لا تذكر الروايات أن أحدا أسلم في هذه الدعوة، إلا ما يروى عن إعلان إسلام علي ﵁ في هذا المجلس. ومن العشيرة الأقرب إلى العشيرة الأكبر. حيث كان الإعلان عاما على جبل الصفا بأعلى مكة. فعم وخص. وحضر الدعوة ممثلو قريش جميعا. ودعاهم إلى الإسلام والنصرة. فانقلبوا جميعا متخاذلين عنه وخاصة عندما

стр. 38

شتمه عمه أمام الملأ من قريش وعلى رؤوس الناس. قائلا له: تبا لك ألهذا جعتنا. ولكن موقف أبي طالب المعلن في حماية رسول الله ﷺ ونصرته، قد عكر صفو أهل مكة لأن هذا الإعلان بمثابة معركة داخلية جديدة في صفوف مكة. ولقد كان الأمر القرآني من الوضوح حيث أنه لا خيار لرسول الله ﷺ من الإعلان العام مهما كانت نتائجه. ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾. غير أن الأمر بالإعلان وجهرية الدعوة قد اقترن بالدعوة إلى الصبر والصفح عن المشركين المعادين والإعراض عنهم يعني إلغاء الصدام معهم وتجنبه ما أمكن سبيلا إلى ذلك. السمة الثانية الإعراض عن المشركين فلا بد من إفرادها بحديث واضح. إذ أن خط الدعوة مع المشركين هو خط الإعراض عن أذاهم فإعلان الدعوة ماض من جهة لا يتوقف للأذى النازل على المسلمين سواءا أكان أذى ماديا أو معنويا. لكن الصبر على الأذى والإعراض عن المشركين باق فلا مواجهة مادية، ولا مقاومة مسلحة، ولا انتقاما وثأرا لإهانة. إنها مرحلة كف اليد والاكتفاء بالتبليغ. ولا بد أن يكون البلاغ مبينا واضحا لا لجلجة فيه ولا غموض. ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾. لا بجوز أن تتميع الدعوة وتضيع معالمها بحجة مسايرة المشركين ومراعاة ظروفهم وتأليف قلوبهم كما يلجأ كثير من الناس اليوم وهم يتعايشون مع

стр. 39

النصارى. فهم يتعرضون معهم لقضية الإيمان بالله ويلمسونها لمسا خفيا حيث لا يجرح مشاعرهم، فلا يذكرون كلمة الإسلام حتى لا يتهموا بالتعصب، ولا يذكرون القرآن والرسول ﷺ حتى لا يغضب هؤلاء النصارى منهم. إن كل الدول في عصرنا الحاضر التي توجد فيها الأقليات الدينية تنهج هذه السياسة في إذاعتها المرئية والمسموعة والمقروءة. ويسمون هذا دعوة في الحكمة والموعظة الحسنة. إن الإعراض عن المشركين يعني فكرتين في وقت واحد. الفكرة الأولى: المسيرة بالدعوة من الداعية وإيضاح معالمها غير عابىء بغضب حصومها أو مشاعرعهم أو آرائهم. الفكرة الثانية: عدم مواجهة أذاهم المادي والمعنوي، ومحاولاتهم تجريحه والنيل منه والهزء به ممثلا في قول الله . ﴿سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .. (١)﴾. ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .. (٢)﴾. السمة الثالثة معالم الدعوة الجديدة فالخطوط العريضة الأساسية لهذا الدين الجديد هي: الإيمان بالله الواحد. الإيمان برسول الله ﷺ . الإيمان باليوم الآخر. هذه هي الخطوط العريضة التي تم التركيز عليها طيلة هذه المرحلة، وهي منطلقات الدعوة الرئيسية في الإعلان الأول للدعوة في هذه الدنيا، وفي

стр. 40

خطبة رسول الله ﷺ بأهله: الحمد لله أحمده واستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو .. وهكذا توضح الخط الأول. أما الخط الثاني فهو: إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة. أما الخط الثالث فهو: والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا .. وبقيت هذه الخطوط هي المحور الأساسي للدعوة وهي مشعل الحرب كذلك. فلو قفزنا قرابة عشرين عاما إلى الأمام، وانتقلنا لصلح الحديبية. لوجدنا طبيعة المعركة لم تتغير، ومحور الخلاف لم يتبدل. رسول الله ﷺ يريد أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فيعترض سهيل بن عمرو عليه قائلا: لا والله لا نؤمن بالرحمن. أكتب باسمك اللهم. رسول الله ﷺ يريد أن يكتب. هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله. فيعترض سهيل بن عمرو قائلا: لو آمنا بك رسولا ما قاتلناك. أكتب اسمك واسم أبيك. بينما نرى اليوم في جيلنا المنكود، وفي أمتنا التي استبدلت القومية بالدين نجد كل إعلام هذه الأمة ينصب على كل شيء عدا هذه المحاور الثلاثة. إن اللواء المرفوع والفكر المطروح عند دعاة القومية المعتدلين، وهو الفكر الذي يلقن للطلبة في المدارس، ويقدم للبشرية في وسائل الإعلام وهو فكرة الإيمان بالله. وليست فكرة الإيمان بالله الواحد. حتى يرضى النصارى واليهود
следующие страницы →