← Сира

Сира · id 14761

المنهج الحركي للسيرة النبوية

منير الغضبان

Полный текст (646 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مواصفات المرحلة الثانية وسماتها السمة الأولى دعوة الأقربين فالشيء الطبيعي أن تكون الدعوة في المرحلة الأولى في صفوف الأقربين. وخاصة عندما تأخذ طابع المواجهة المعلنة. لأن هذه المواجهة تعرض الداعية للخطر. فلا بد له من حماية، وعشيرة الداعية هم أكثر الناس استعدادا لحمايته. ولقد وجدنا بذور الدعوة الأولى في المرحلة السرية داخل بيت النبي ﷺ . فلقد كان أول الخلق إسلاما بعد رسول الله ﷺ زوجه خديجة بنت خويلد ﵂، ومولا، زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب - الذي كان مقيما عنده فلقد تكفل رسول الله ﷺ بتربيته تخفيفا عن أبي طالب الذي كان كثير العيال فقير الحال، وردا لمعروف في كفالته لرسول الله في صغره، وبناته زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة فلقد كان البيت، النبوي مسلما كله. ومن أجل ذلك عندما انتقلت الدعوة إلى المرحلة الجهرية كان لا بد من دعوة العشيرة الأقرب بني هاشم وبني المطلب، وإعلامهم بالأمر.

стр. 37

وهذه سنة إلهية يحدثنا رسول الله ﷺ عن أسبابها بصدد قصة لود ﵇ حين جاءه قومه يهرعون إليه يريدون الفاحشة بضيفه من الملائكة. وكان لوط ﵇ قد هاجر إلى الشام. فليس له قبيلة تحميه أو تمنعه إلا ابنتاه. فامرأته كافرة، والمؤمنون أقلة غير قادرين على حمايته ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (١)﴾. هذا النفر القليل الضعيف الذي لا يستند إلى عشيرة قوية حدا بلوط ﵇ أن يقول: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٢)﴾. فقال ﵊ عن ذلك: (رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه (٣). وهذه السنة الإلهية هي التي حالت بين كفار مدين وشعيب. ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (٤)﴾. وسواء آمنت العشيرة أم لم تؤمن. فإن حمايتها لابنها الداعية خط أصيل في تاريخ الدعوات. فلقد اختلف موقف أبي طالب عن أبي لهب. وتبني أبو طالب حماية رسول الله ﷺ رغم عدم دخوله في الإسلام. بل لا تذكر الروايات أن أحدا أسلم في هذه الدعوة، إلا ما يروى عن إعلان إسلام علي ﵁ في هذا المجلس. ومن العشيرة الأقرب إلى العشيرة الأكبر. حيث كان الإعلان عاما على جبل الصفا بأعلى مكة. فعم وخص. وحضر الدعوة ممثلو قريش جميعا. ودعاهم إلى الإسلام والنصرة. فانقلبوا جميعا متخاذلين عنه وخاصة عندما

стр. 38

شتمه عمه أمام الملأ من قريش وعلى رؤوس الناس. قائلا له: تبا لك ألهذا جعتنا. ولكن موقف أبي طالب المعلن في حماية رسول الله ﷺ ونصرته، قد عكر صفو أهل مكة لأن هذا الإعلان بمثابة معركة داخلية جديدة في صفوف مكة. ولقد كان الأمر القرآني من الوضوح حيث أنه لا خيار لرسول الله ﷺ من الإعلان العام مهما كانت نتائجه. ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾. غير أن الأمر بالإعلان وجهرية الدعوة قد اقترن بالدعوة إلى الصبر والصفح عن المشركين المعادين والإعراض عنهم يعني إلغاء الصدام معهم وتجنبه ما أمكن سبيلا إلى ذلك. السمة الثانية الإعراض عن المشركين فلا بد من إفرادها بحديث واضح. إذ أن خط الدعوة مع المشركين هو خط الإعراض عن أذاهم فإعلان الدعوة ماض من جهة لا يتوقف للأذى النازل على المسلمين سواءا أكان أذى ماديا أو معنويا. لكن الصبر على الأذى والإعراض عن المشركين باق فلا مواجهة مادية، ولا مقاومة مسلحة، ولا انتقاما وثأرا لإهانة. إنها مرحلة كف اليد والاكتفاء بالتبليغ. ولا بد أن يكون البلاغ مبينا واضحا لا لجلجة فيه ولا غموض. ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾. لا بجوز أن تتميع الدعوة وتضيع معالمها بحجة مسايرة المشركين ومراعاة ظروفهم وتأليف قلوبهم كما يلجأ كثير من الناس اليوم وهم يتعايشون مع

стр. 39

النصارى. فهم يتعرضون معهم لقضية الإيمان بالله ويلمسونها لمسا خفيا حيث لا يجرح مشاعرهم، فلا يذكرون كلمة الإسلام حتى لا يتهموا بالتعصب، ولا يذكرون القرآن والرسول ﷺ حتى لا يغضب هؤلاء النصارى منهم. إن كل الدول في عصرنا الحاضر التي توجد فيها الأقليات الدينية تنهج هذه السياسة في إذاعتها المرئية والمسموعة والمقروءة. ويسمون هذا دعوة في الحكمة والموعظة الحسنة. إن الإعراض عن المشركين يعني فكرتين في وقت واحد. الفكرة الأولى: المسيرة بالدعوة من الداعية وإيضاح معالمها غير عابىء بغضب حصومها أو مشاعرعهم أو آرائهم. الفكرة الثانية: عدم مواجهة أذاهم المادي والمعنوي، ومحاولاتهم تجريحه والنيل منه والهزء به ممثلا في قول الله . ﴿سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .. (١)﴾. ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .. (٢)﴾. السمة الثالثة معالم الدعوة الجديدة فالخطوط العريضة الأساسية لهذا الدين الجديد هي: الإيمان بالله الواحد. الإيمان برسول الله ﷺ . الإيمان باليوم الآخر. هذه هي الخطوط العريضة التي تم التركيز عليها طيلة هذه المرحلة، وهي منطلقات الدعوة الرئيسية في الإعلان الأول للدعوة في هذه الدنيا، وفي

стр. 40

خطبة رسول الله ﷺ بأهله: الحمد لله أحمده واستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو .. وهكذا توضح الخط الأول. أما الخط الثاني فهو: إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة. أما الخط الثالث فهو: والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا .. وبقيت هذه الخطوط هي المحور الأساسي للدعوة وهي مشعل الحرب كذلك. فلو قفزنا قرابة عشرين عاما إلى الأمام، وانتقلنا لصلح الحديبية. لوجدنا طبيعة المعركة لم تتغير، ومحور الخلاف لم يتبدل. رسول الله ﷺ يريد أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فيعترض سهيل بن عمرو عليه قائلا: لا والله لا نؤمن بالرحمن. أكتب باسمك اللهم. رسول الله ﷺ يريد أن يكتب. هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله. فيعترض سهيل بن عمرو قائلا: لو آمنا بك رسولا ما قاتلناك. أكتب اسمك واسم أبيك. بينما نرى اليوم في جيلنا المنكود، وفي أمتنا التي استبدلت القومية بالدين نجد كل إعلام هذه الأمة ينصب على كل شيء عدا هذه المحاور الثلاثة. إن اللواء المرفوع والفكر المطروح عند دعاة القومية المعتدلين، وهو الفكر الذي يلقن للطلبة في المدارس، ويقدم للبشرية في وسائل الإعلام وهو فكرة الإيمان بالله. وليست فكرة الإيمان بالله الواحد. حتى يرضى النصارى واليهود

стр. 41

والمجوس والذين أشركوا والذين ارتدوا. فهذه الفكرة لا تزعج أحدا من هؤلاء. ولا نتحدث عن دعاة القومية المتطرفين الذين يرفضون حتى فكرة الإيمان بالله ليحافظوا على وحدة القاعدة الفكرية بينهم وبين الملحدين الشيوعيين في الأرض. إن اللواء الأول واللواء الثاني يعنيان الردة الكاملة. فاللواء الأول ردة إلى الجاهلية الوثنية قبل الإسلام. واللواء الثاني ردة إلى الإلحاد الحديث في الأرض التي لا مثيل لها في تاريخ البشرية من قبل. واللواءان يعنيان إلغاء الإسلام، والقرآن ورسالة الرسول ﷺ . السمة الرابعة الدعوة عامة وذلك في أول إعلان لهذا الدين في الأرض أعلنت فيه عالمية الدعوة: (إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة). فليست رسالة محلية مرتبطة بمكان معين أو زمان محدد. إنما هي رسالة البشرية كافة ومن أجل هذا كانت اللبنات الأولى للدعوة تمثل هذه العالمية الشاملة, فصهيب سابق الروم وبلال سابق الأحباش وهذان كانا من أوائل من دخل في هذا الدين الذي لا يفرق بين عربي وأعجمي، ولا فضل فيه لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو بعمل صالح. وكان لهاتين القضيتين أكبر الخطر على المجتمع المكي الجاهلي: القضية الأولى: قضية الوحدانية - لا إله إلا الله - وهي تعني نقض عقيدة المجتمع الجاهلي كله. القضية الثانية: قضية المساواة في الأصل البشري وهي تعني نقض أكبر

стр. 42

قيم هذا المجتمع. وكل واحدة كانت كفيلة لأن تشعل حربا لا يهدأ أوراها بين المجتمعين. ولو كانت القضية ذات منطلق سياسي. لكان آخر ما يجب طرحه هو هاتان القضيتان تجنب المواجهة مع قريش. وفي الساحة عناصر كثيرة مشتركة يمكن أن تجمع بين محمد ﷺ وقريش من محولات التحرير، والتخلص من الطغيان الفارسي والرومي، وتقديس البيت، وبناء التجارة، وإصلاح ذات البين العربي، ووحدة هذا الصف تحت قيادة واحدة. إن أكبر ما صدم به - الملأ - من قريش وغيرها، حسب التعبير القرآني، هو هاتان القصيتان: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يعتقدوا بأن مواليهم وعبيدهم من الممكن أن يكونوا خيرا منهم. وحتى نعرف مدى تغلغل هذه العقيدة في نفوسهم، ومدى تأصل العصبية الجاهلية في قلوبهم نقفز عشرين عاما إلى الأمام إلى فتح مكة. ونشهد بلالا الحبشي ﵁ يصعد على ظهر الكعبة، ويعلن كلمة التوحيد فيها. فماذا يكون الموقف، وقد تحطمت كل المقاومة المكية. تقول جويرية بنت أبي جهل - ولعلها قد دخلت في الإسلام - منذ ساعات: قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا. ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من النبوة فردها وكره خلاف قومه. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم؟ وقال الحارث بن هشام: واثكلاه! ليتني مت قبل هذا اليوم! قبل أن أسمع بلالا ينهق فوف الكعبة. وقال الحكم بن أبي العاص:

стр. 43

هذا والله الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بنية أبي طلحة! وقال سهيل بن عمرو - وكان أعدل الجميع: إن كان هذا سخطا لله فسيغيره وإن كان لله رضى فسيقره .. فأتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فأخبره خبرهم (١). وبذلك يفقه الدعاة درسا خطيرا من هذه السمة. هو أن الوحدانية والرسالة هما محور أي دعوة مع العدو. ولا يمكن أن يكون أي لقاء فكري دونهما. كما يفقهون أن عالمية الدعوة فوق المساومات. السمة الخامسة سرية التنظيم الاستتار بدار الأرقم. لا بد للمحافظة على سرية التنظيم من اختيار مركز سري بعيد عن الأعين يتم فيه اللقاء بين الجنود مع بعضهم، وبين القيادة وجنودها، بحيث لا تعرفه استخبارات العدو. ولو كان التنظيم علنيا لأمكن أن يعلن عن مكان اللقاء في نوادي مكة. بل يمكن أن يكون اللقاء في الكعبة حيث منتدى قريش كلها. إن مثل هذا التجمع المعلن يدفع مكة مباشرة إلى فض مثل هذا التجمع والقضاء عليه، كما يدفع مباشرة إلى الصدام المسلح بين الفريقين. ولعل دار الأرقم قد بقيت مجهولة على قيادة مكة عامين كاملين، فلم نسمع من حوادث السيرة ما يدل على معرفتهم لها إلا من خلال حادث إسلام عمر ﵁ في السنة الخامسة، ولعله لا يعرفها بالتحديد. ولعل مكة لا تعرفها بالتحديد. فلقد كان جواب عمر ﵁ لنعيم بن عبد الله: (... أذهب إلى محمد في دار عند الصفا). ولعل قريشا قد لاحظت بعض التوارد عند الصفا لأتباع محمد ﷺ ولم تكن تعرف بالضبط في أي دار.

стр. 44

وكانت التعمية والمبالغة في السرية كفيلة أن تموه الأمر على قريش لسببين أو ثلاثة. السبب الأول: إن الأرقم لم يكن معروفا بإسلامه. فما كان يخطر ببالها أن يتم لقاء محمد وأصحابه بداره. السبب الثاني: إن الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ من بني مخزوم، وقبيلة بين مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم. فلو كان الأرقم معروفا بإسلامه فلا يخطر في المال أن يكون اللقاء في داره لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو. السبب الثالث: إن الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ كان فتى عند إسلامه. فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب محمد ﷺ بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار أصحابه، أو بيته هو نفسه ﵊. فقد يخطر على ذهنهم أن يكون مكان التجمع على الأغلب في أحد دور بني هاشم، أو في بيت أبي بكر الصديق ﵁ أو في بيت عثمان بن عفان أو غيرهم. ومن أجل هذا نجد أن اختيار هذا البيت كان في غاية الحكمة من الناحية الأمنية، ولم نسمع أبدا أن قريشا داهمت ذات يوم هذا المركز وكشفت مكان اللقاء. إنما كان أقصى ما وصلت إليه هو شكها أن يكون اللقاء في دار عند الصفا. ولقد شهدنا مكان هذه الدار قبل أن تزال معالمها بجوار الصفا. لكن من الصعب أن نتصور موقعها بين بيوتات مكة، ولم نجد في كتب السيرة وصفا محددا لها.

стр. 45

السمة السادسة القرآن مصدر التلقي وهو أمر أحوج ما يكون الدعاة إليه. فلقد كان تلقي القرآن يتم هناك، وحين ينصرف المسلم بزاد حصيلته بضع آيات من القرآن نزل بها روح القدوس على قلب محمد ﷺ كانت هذه الآيات كفيلة أن تنشىء هذا الجيل القرآني الفريد. ولم يكن هذا الجيل يتلقى إلا هذا الوحي من القرآن أو من حديث رسول الله ﷺ . فينزع به كل أوضار الجاهلية وعقائدها وقيمها، وتنسكب في قلبه المعاني الجديدة الآتية إليه من الله رب العالمين. كان هذا اللقاء اليومي الدائم هو الذي يغير هذا الوائع البشري. وتتفاعل النفوس بهذا الوحي المنزل، فيجد نفسه إنسانا جديدا غير ذي قبل، إنسانا جديدا بقيمه، بمشاعره، بأفراحه وأتراحه بغضبه ورضاه، بحبه وبغضه، بأمله وآلمه، باهتماماته وشواغله. ولقد حرص القائد المربي ﵊ في هذه المرحلة على توحيد مصدر التلقي وتفرده؛ ألا وهو القرآن. لقد كان هذا الجيل أميا لا يعرف القراءة والكتابة. فلم يكن ليتلقى الثقافة البشرية التي اختلط فيها الحق بالباطل، لقد كان بعيدا عن فلسفة اليونان وعلوم الرومان وحكمة فارس، لقد عاش هذا الجيل سعيدا بوحي الله فقط. يتلقاه من فم رسول الله ﷺ . وعندما رأى رسول الله - عمر بن الخطاب ﵁ يقرأ في صحيفة من التوراة غضب وقال: لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني (١). ومن أجل هذا نرى أن يكون منهج التلقي الأول للدعاة منبثقا كله من القرآن في المرحلة الأولى، كل ما يأخذه الشاب المسلم في هذه المرحلة يدور حول هذا المحور. حتى معلوماته في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ،

стр. 46

ومعلوماته عن الجاهلية وأفكارها، تنطلق من هذا المحور. فلا يفرد له علم مستقل بذاته إنما يتلقى هذه المعلومات كلها من خلال الآية القرآنية. السمة السابعة اللقاء المنظم المستمر فاللقاء الدائم هو الذي يربط الجنود بقيادتهم، وهو الذي يمد الأفراد والجنود بالثقة القوية بالنفس، ويشحذ عزائمهم على الاستمرار في هذا الدرب، يأتي الصحابي لدار الأرقم فيقص على إخوانه وعلى نبيه محمد ﷺ ما عاناه في هذا اليوم، وما جرى معه من نقاش، وما استمع إليه من آراء وما أدلى به من حجة فيقوم إمام المربين ﵊ بالتوجيه المناسب له، يثني على موقفه أو يصححه له، أو يأمره بتركه. إن اللقاء المباشر الدائم بين القيادة وجنودها هو الذي يحل المشاكل المستعصية، وهو الذي يقطع دابر الفتنة، وهو الذي يحرق عوامل سوء الظن وقالة السوء، وهو الذي يمتن الصف الداخلي، ويجعل وشائجه مترابطة ملتحمة متراصة. أما الانقطاع عن اللقاءات، والبعد بين القيادة والجنود، فيضعف الثقة أولا، ويفتح الثغرات العديدة في الصف الداخلي ثانيا، ويجعل البناء العقيدي ضعيفا رخوا ثالثا. وهو أخطر النتائج. السمة الثامنة الصلاة خفية في الشعاب وكانت الصلاة في الغداة والعشي، أما صلاة الغداة فكان المسلمون يصلونها أحيانا في الكعبة وقبل أن تلتفت لهم الأنظار. (وكان ﷺ يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصل صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها قريش، وكان إذا صلى في سائر اليوم بعد ذلك قعد علي أو

стр. 47

زيد ﵄ يرصدانه. وكان ﷺ وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فرادى ومثنى وكانوا يصلون الضحى والعصر .. وكانت الصلاة ركعتين ركعتين قبل الهجرة (١). لأن الصلاة المعلنة تعني المواجهة المباشرة مع مكة. والإعلان هو للدعوة، أما إعلان العبادة فقد تأخر حتى أسلم عمر ﵁. فلا مندوحة عن الصلاة إذن في أي مرحلة من المراحل، ولكن سريتها وجهريتها منوطة بالجو العام وسماح الجاهلية بها. فنجد في مجتمعاتنا المعاصرة أن الصلاة بحكم توارث الإسلام على هذه الأرض يسمح بها بشكل علني في المساجد في الحالات العادية وإن كانت موطن شبهة بالنسبة للشباب المسلم. غير أنها في بعض الأحيان تكون خطرا ماحقا على الشخص الذي لم تتحدد هويته بعد. إن الصلاة تعني الانتماء إلى الإسلام. والذي يحافظ على صلاة الجماعة مظنة خطر. ومع هذا فنرى أنه لا مندوحة عن صلاة الجماعة لكل أخ مسلم. إلا إذا كان غير منكشف الهوية حيث إنه يؤدي دورا معينا في صفوف العدو. أما إذا لم يكن كذلك، وفي طور جهرية الدعوة. فلا حرج في ذلك، إذا لم تؤد الصلاة إلى خطر أكيد على نفسه وروحه. فالخوف عذر من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة. وفي هذه الحالة يمكن اللجوء إلى الطريقة التي نحن بصددها وهي صلاة الجماعة في غير المسجد، وفي الأماكن التي ليست هي مظنة شبهة عبادة. كما يمكن أن تؤدى في مراكز تجمع الإخوة الدعاة إلى الله. لقد لاحظنا في مرحلة الدعوة وسرية التنظيم، أنه لا بد من الصلاة، ولكن بصورة فردية وسرية، أما في هذه المرحلة؛ مرحلة جهرية الدعوة وسرية التنظيم. فلا بد من الصلات بصورة جماعيه في المساجد، وحين

стр. 48

تصبح الصلاة في المساجد موطن خطر على النفس أو الروح أو المال. فيمكن أن تتم صلاة جماعية مصغرة في أماكن لقاءات الإخوة. إنه لا بد من الصلاة التي تصل الإنسان بخالقه، ولا خير في دين لا صلاة فيه (١) - كما يقول ﵊، وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة (٢). السمة التاسعة التركيز على الجانب الروحي فلا شيء أكبر أثرا في النفس في مرحلة البناء من التركيز على العبادة والطاعة والنوافل. فهي التي تصل القلب بالله، وتجعله أكبر من المحنة، وأعصى على الفتنة، وأثبت على الحق. إنها مرحلة العبادة والتبتل وقيام الليل وناشئته. فقد روى البزار عن محمد بن عقيل بن جابر قال: اجتمعت قرش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل أسما يصد الناس عنه فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر. فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبي ﷺ فتزمل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا أيها المزمل، يا أيها المدثر .. (٣). كما روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قولها: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة. فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا

стр. 49

بعد فريضة (١) .. وقيام الليل المفروض في البدء هو دورة تدريبية عنيفة على الالتزام والطاعة لأمر الله استمر عاما كاملا. كما وجه القرآن الكريم: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا (٢)﴾. فالليل كله إلا قليل منه واجب القيام. وقيام الليل ليس هدفا لذاته، وما يفعل الله بعذاب عباده من شيء. ولكنها التربية الإيمانية على الصلة الوثيقة بالله . فهو وسيلة للقربى من الله تعالى. وسيلة لذكر الله والتبتل إليه والتوكل عليه. ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا .. (٣)﴾ وذكر الله تعالى والتبتل إليه والتوكل عليه والعبادة له هي السلاح الوحيد في المعركة. هو الذي يمد المؤمنين بالصبر على البلاء، وتحمل الأذى، والإغضاء عن الإهانة، هو السلاح الوحيد في هذه المرحلة، التي لم يسمح فيها بالمواجهة المباشرة. ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا .. (٤)﴾. فما أحوج الدعاة إلى الله وهم يحملون لواء الدعوة إلى الله، ويلقون في سبيلها الأذى والاضطهاد إلى هذا السلاح الوحيد الذي يثبت أقدامهم، ويثبت قلوبهم. وإن الحركة الإسلامية ما لم تعنى في مثل هذه المرحلة بهذا الجانب العبادي، الجانب الروحي، وقيام الليل المتصل

стр. 50

الدؤوب، والدورات المتكررة على الإحياء المستمر، فستجد جنودها يسقطون واحدا تلو الآخر. وينهارون تحت وقع المحنة. ولا بد من الإشارة إلى أن قيام الليل يبقى أمرا نظريا غير قابل للتطبيق. ما لم يكن رصيد الأخ الداعية عظيما من حفظ القرآن. إذ أن الأخ الذي لا يملك من القرآن إلا بضع آيات يكررها في صلاته كيف يقوم الليل وكيف يتحرك قلبه بالخشوع؟! وكيف يجد لذة الطاعة والعبادة ولم تخالط لذة القرآن بشاشة قلبه، وصار القرآن ملء حياته وروحه وسمعه وبصره، ما إن يصف قدميه للعبادة في سيل الله. حتى يفتح معين القرآن المتفجر من قلبه. فيتلو ما شاء الله أن يتلو، ويعيش في جوه من الترغيب والترهيب، ويقف عند حكمه وأحكامه. في المدة الأخيرة لقد أصبح قيام الليل عند كثير من شبابنا المسلم مناسبة شهرية أو موسمية أو سنوية، وحين يتم، ففي سور محددة. معدودة يتعاون مجموع الشباب فيها حتى يؤدوها تلاوة وعبادة. إن المنهج الذي يجب أن يتربى الشباب عليه في أول الطريق هو المنهج القرآني - كما ذكرنا من قبل - فلا يكفي أن يكون القرآن هو محور المنهج كله، ومحور الثقافة المقدمة للأخ فقط. بل لا بد كذلك من أن يكون حفظ القرآن هدفا رئيسيا من أهداف المنهج، وخاصة الفتيان والفتيات القادرين على الحفظ في سنهم المبكرة. إن منهج التربية الحركي الذي تضعه الجماعة لا بد أن ينتهي بالشاب المسلم وقد حفظ الكثير من القرآن في سن العشرين، ليكون زاده في الطاعة والتنقل والتهجد وناشئة الليل، وعندئذ يعرف لذة العبادة، ولذة الطاعة، ولذة القيام، يذوق لذة الذكر ولذة التوكل. كما أن المنهج التربوي في هذه المرحلة لا بد أن يركز على ذكر الله ، على التهليل والتكبير، والتحميد والتسبيح، على الصلوات على النبي ﷺ ، على الأوراد المأثورة وعلى الأذكار المطلقة التي لا تنقطع ليل نهار: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾.

стр. 51

إن الشاب المسلم الذي يمضي مراهقته وفتوته - هائما بالعبادة والطاعة، مواظبا على تلاوة القرآن، ناصبا قدميه في الليل في طاعة الله، يذكر الله خاليا فتفيض عيناه، قلبه معلق بالمساجد مستغرق في الأذكار المطلقة والمأثورة يئز قلبه أزيزا بالقرآن في جوف الليل كأزيز النحل، طبع القرآن في قلبه وفكره، هو الشاب النموذج الذي يجب أن تحرص الحركة الإسلامية على بنائه، وما لم تعط هذا الأمر حقه من العناية، فسيكون البناء هشا ينهار تحت الضربات الأولى للطاغوت. هذا هو منهج البناء الأول. من خلال سورة المزمل. وتكون حرارة المواجهة مع الطاغية تذوب أمام حرارة العبادة والتبتل لله، والثقة بنصر الله وانتقامه من الكافرين. ﴿وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا ... (١)﴾. السمة العاشرة الدفاع عن النفس عند الضرورة فإذا كان العدو يريد أن يؤذي المسلمين، وكان بإمكان المسلم أن يرد هذا الاعتداء عن نفسه فلا ضير في ذلك، وخاصة حين يكون الأذى منصبا على الجسد. يؤكد هذا المعنى ما ورد عن سعد ﵁ في قصة الصلاة في الشعاب الآنفة الذكر (.. فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون. فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب

стр. 52

سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي بعير فشجه. فكان أول دم هريق في الإسلام) (١). وكذلك قصة عثمان بن مظعون يوم عاد من الحبشة، ودخل في جوار الوليد بن المغيرة، ثم ترك جواره إلى جوار الله، ورد على الشاعر لبيد مقالته. فثار الناس إليه وضربهم وضربوه حتى اخضرت عينه من الضرب (٢). ولعلي أؤكد معنى في ذلك هو ما ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب من أنه مكث يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم (٣). لكن هذا الأمر لم يكن على إطلاقه. فلم يكن يقدر على هذا الأمر إلا من كان ذا شكيمة قوية ومنعة من قومه. أما الضعفاء فلم يتمكنوا من هذا الموقف. ونفقه من هذه السمة أن رجال الحركة الإسلامية ليسوا على مستوى واحد في المواجهة، فيمكن أن يكون فيهم الممتنع بقوته أو عشيرته أو مركزه. ويمكن لأمثال هؤلاء أن يتحملوا المواجهة ويواجهوا الاعتداء بالمثل. كما أكد القرآن الكريم في وصفهم في معرض الئناء عليهم: ﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (٤)﴾. ولرد الاعتداء دور إيجابي في رفع معنويات العامة، الذين يقدرون القوة ويعجبون بها بل في ذلك تشجيع لهم للانضمام إلى صف الدعوة تأثرا بمثل هذه المواقف. فجواب عثمان بن مظعون للوليد بن المغيرة يدل على مدى الثقة النفسية العميقة لديه: (إنني في جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، وإن عيني

стр. 53

الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله (١)). لكن لا بد من الملاحظة أن هذا الدفاع لا يأخذ أبدا طابع التحرش والاعتداء. أو طابع الاستفزاز إنما كان محدودا بأطر رد الاعتداء على الحقوق المشروعة للإنسان العادي في كل مجتمع. لضمان حق العقيدة وحق العبادة الشخصي، والذي يؤذي المسلم في هذا الحق يرد أذاه عنه. السمة الحادية عشرة تحمل الأذى والاضطهاد في سبيل الله فلقد انكفأت كل قبيلة على أبنائها ومواليها تذيقهم ألوان العذاب وصنوف لتصرفهم عن دين الله وتصدهم عنه ونذكر بعض النماذج في ذلك: (كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال والجاه، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به. وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته. ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشا فتخشف جلده تخشف الحية. وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، حتى يظهر أثر الحبل في عنقه، وكان أمية يشده شدا ثم يضربه بالعصا، وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول؛ لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو

стр. 54

تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك أحد أحد، حتى مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك فاشتراه بغلام أسود، وقيل بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه. وكان عمار بن ياسر ﵁ مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون - وعلى رأسهم أبو جهل - يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها، ومر بهم النبي ﷺ وهم يعذبون فقال: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر من العذاب، وطعن أبو جهل - سمية أم عمار - في قبلها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى، وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا، أو تقول في اللات والعزى خيرا ... وكان أبو فكيهة - واسمه أفلح - مولى لبني عبد الدار. فكانوا يشدون في رجله الحبل، ثم يجرونه على الأرض. وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية، فكان المشركون يذيقونه أنواعا من التنكيل، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا، ويلوون عنقه تلوية عنيفة، وأضجعوه مرات عديدة على فحام ملتهبة، ثم وضعوا عليه حجرا حتى لا يستطيع أن يقوم. وكانت زنيرة والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن وكان المشركون يسومونهن من العذاب أمثال ما ذكرنا. وأسلمت جارية لبني مؤمل - وهم حي من بني عدي - فكان عمر بن الخطاب - وهو يومئذ مشرك - يضربها حتى إذا مل قال: إني لم أتركك إلا ملالة. وابتاع أبو بكر هذه الجواري فاعتقهن، كما أعتق بلالا وعامرا بن فهيرة. وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضا آخر درعا من الحديد، ثم يلقونه على صخرة ملتهبة.

стр. 55

وقائمة المعذبين في الله طويلة مؤلمة جدا، فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه (١)). وما ذكره هذا العلامة غني عن أي تعليق. السمة الثانية عشرة السماح للضعفاء في إظهار تغيير دينهم فعن سعيد بن جبير قال: (قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله. إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: هذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. افتداء منهم مما يبلغون من جهذه (٢). وما روي عن عمار ﵁ حين كانوا يعذبونه بالحر تارة، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى، وبالتفريق، وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا أو تقول في اللات والعزى خيرا، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء باكيا معتذرا إلى النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (٣)﴾. وهكذا نرى أن الأمر متفاوت بين السمة السابقة وهذه السمة، فالسابقة تحدثنا عن الذين استشهدوا تحت التعذيب. بينما تحدثثا هذه السمة عن الذين اضطروا للتظاهر بالتراجع عن الدين، وقد روي أن رسول الله ﷺ قال لعمار

стр. 56

وهو يقص عليه التعذيب الذي لاقاه: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: إن عادوا فعد. وتفاوت المسويات إذن ممكن في الحركة الإسلامية بين الصبر على التعذيب حتى الموت الذي يمثل العزيمة، وبين التظاهر بالكفر الذي يمثل الرخصة. وإن كان الموقفان جائزين، غير أن الصبر على البلاء وتحمل الأذى، ولو أدى إلى الاستشهاد في سبيل الله أفضل عند الله وأكرم. ويتعين أحيانا طريق العزيمة حين يكون الداعية ذا مركز خطير في مجتمعه، أو بمثابة القدوة يعرف الإسلام من خلاله. لأن تراجعه يضعف ثقة الناس بهذه العقيدة ويزلزل الضعفاء فيتراجعون خوفا وخورا، ولا شيء أشد أثرا في يقين الناس وفي نفوسهم من ثبات الرجال على عقائدهم. لكننا لا نقيم النكير على من تراجع تحت وطأة التعذيب. بل نجد له عذرا وقسمة في ذلك. السمة الثالثة عشرة محاولة إنقاذ المستضعفين بكل الوسائل الممكنة فلقد كانت المحاولة الأولى في العتق للموالي والعبيد. وكان الذي يحمل عبء هذه المحاولة أبو بكر الصديق ﵁. فلقد كان الثري الوحيد في صفوف المسلمين (فلقد أعتق على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب بلال سابعهم: عامر بن فهيرة وأم عبيس وزنيرة - وأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعرى! فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى وما تنفعان! فرد الله بصرها - وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار. فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا! فقال أبو بكر: حل يا أم فلان! فقالت: حل أنت أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها قالتا:

стр. 57

أو نفرغ يا أبا بكر ثم نرده إليها، قال: ذلك إن شئتما. ومر بجارية بني مؤمل، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها - فابتاعها أبو بكر فأعتقها - قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك! فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله . وكان هذا التكامل الاجتماعي بين أفراد التجمع الإسلامي قمة من قمم المواساة الإنسانية. فلقد رفع الإسلام كرامة هؤلاء العبيد. بعد أن كانوا متاعا من المتاع. بل كان المتاع أكرم منهم. والبهيمة أشد إكراما منهم. جاء الإسلام فرد عليهم إنسانيتهم وآدميتهم، وأصبحوا بالإسلام أصحاب عقيدة وفكرة. يناقشون بها، وينافحون عنها، ويجاهدون في سبيلها، ويتعذبون من أجلها، وكان إقدام أبي بكر ﵁ على شرائهم ثم إعتاقهم دليلا على عظمة هذا الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق رضوان الله عليه. لقد أحس العبيد والموالي من أبناء هذا الدين الجديد أنهم أسرة واحدة وبيت واحد. يحمل غنيهم فقيرهم، ويؤثر سيدهم عبدهم. فحق له ﵁ أن يأتيه الئناء من فوق سبع سموات. ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى (١)﴾. وما أحوج الحركة الإسلامية اليوم إلى أن تحيا هذا الواقع الأرفع، وتعيش هذه المشاعر السامية. ويكون أبناؤها من التعايش والتلاحم والتعاضد حيث يحس المسلم أنه ابن لهذه الأسرة. هي أكبر عنده من أبيه وأمه وأخيه وأخته وزوجه .. وما نشهذه اليوم من التكافل بين المجاهدين الإسلاميين والموسرين في الحركة الإسلامية الواحدة، وحمل الأرامل والثكالى والمشردين، وأزواج المعتقلين، وعائلاتهم لتعيد لنا هذه الصورة الصديقية الأولى. وما تقدم عليه النسوة وهن يتبرعن بحليهن وأموالهن لغوث المنكوبين والمنكوبات

стр. 58

لدليل أصيل على عظمة هذا الدين الذي يجعل أبناءه أسرة واحدة، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. السمة الرابعة عشرة الطريق الثانية للحماية عن طريق الهجرة فالبقاء بين براثن الشرك حتى يتمكن الشرك من إبادة المسلمين عملية خرقاء. صحيح أن الجندي يتحتم عليه أن يتحلى بالصبر، ويتقبل المصيبة بصدر رحب ويثبت على دينه، لكن مهمة القيادة الأساسية هي حماية جنودها من الخطر، غير أن هذه الحماية لا تكون على حساب العقيدة أو الشريعة، في هذا الإطار تتحرك القيادة، ومن أجل هذا نرى سيد القادة محمدا ﵊ يبحث في الأرض كلها عن مكان آمن. ولا تستطيع يد الشرك أن تطاله. وكان هذا المكان هو أرض الحبشة. فقد روى ابن هشام عن ابن إسحاق في السيرة أن رسول الله ﷺ قال للمسلمين: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد. وهي أرض صدق. حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتة وفرارا إلى الله بدينهم. فكانت أول هجرة كانت في الإسلام) (١). (... وكان خروجهم في رجب من السنة الخامسة من المبعث. فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدا، ثم رجعوا إلى مكة في شوال لما بلغهم أن قريشا صافوا رسول الله ﷺ وكفوا عنه ...

стр. 59

ولما استمر رسول الله ﷺ على سب آلهتهم عادوا إلى شر ما كانوا عليه، وازدادوا شدة على من أسلم. فلما قرب مهاجرة الحبشة من مكة وبلغهم أمرهم توقفوا عن الدخول، ثم دخل كل رجل في جوار رجل من قريش. ثم اشتد عليهم البلاء والتعذيب من قريش، وسطت عليهم عشائرهم، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره، فأذن لهم رسول الله ﷺ في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية فخرجوا. فكان خروجهم الثاني أشق عليهم وأصعب، فكان عدة من خرج في هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلا إن كان فيهم عمار بن ياسر فإنه يشك فيه، قاله ابن إسحاق. ومن النساء تسع عشرة امرأة ... (١)). وهكذا نجد أن الثقل الكبير للمسلمين قد انتقل إلى الحبشة فأن يغادر مكة ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة يعني هذا أن قوة ضخمة وتجمعا كبيرا قد قام في قطر آخر وبعيد عن مكة وعن متناول يدها يستطيع أن ينتشر ويتضخم ويهدد وجود مكة ذاتها. وهذا المنطلق لم يكن ليغيب عن ذهن رسول الله ﷺ ، وهو البحث عن قاعدة صلبة ومكان آمن آخر للدعوة غير مكة. حيث لا تستطيع قريش مهما بلغ من عتوها أن تنهي الوجود الإسلامي في الأرض، وهذا ما يحسن أن تنتبه الحركة الإسلامية إليه في تخطيطها حيث لا تضع كل طاقاتها البشرية والمادية في أرض واحدة، تكون معرضة فيها للإبادة، بل تعدد أماكن تجمعها وتواجدها، بحيث تستطيع لو فقدت موقعا معينا أن تنتقل إلى موقع ثان تنطلق منه وتواجه الجاهلية من خلاله. ولا شك أن مغادرة الشباب الإسلامي مواقعه وأماكنه إلى أرض جديدة، يعاني فيها آلام الغربة والوحشة عن الأهل والوطن، هو أمر صعب وتضحية كبيرة. لا تتحقق إلا إذا كان هذا الشباب على مستوى من الإيمان العظيم يتجاوز به هذه العقبات. وأن تكون عقيدته وحبه لها أكبر من حبه

стр. 60

لوطنه، وحنينه لقومه، وارتباطه بأرضه. أن تكون رابطة العقيدة أعمق غورا في نفسه، وأشد أثرا في قلبه من أية رابطة أخرى مهما سمت وارتفعت. ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من اللهد ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (١)﴾. وخاصة أن الهجرة لهذه الأرض النائية، والمعيشة بين قوم غير قومهم يتكلمون بلغة غير لغتهم، ولهم عادات وتقاليد ودين غير عاداتهم ودينهم وتقاليدهم هي أشق على النفس وأقسى على الروح. فما لم يكن جنود الحركة الإسلامية على المستوى المذكور من الإيمان، فلن تنجح القيادة في تنفيذ خطتها ومخططاتها. إنه لا بد أن يتربى الشباب المسلم على أن تكون عقيدته أغلى عليه من كل شيء في حياته، وأن يكون ارتباطه بدينه أقوى من أية رابطة أخرى من أهل أو زوج أو ولد أو عشيرة أو أرض أو مال أو وطن أو مصلحة. وهذا المستوى الإيماني العظيم هو الذي جعل هذه الأعداد الكبيرة تهاجر إلى هذه الأرض النائية البعيدة. إننا ونحن اليوم في القرن العشرين، وفي وسائل المواصلات الضخمة التي اختصرت الأشهر بالساعات، وبالارتباط العالمي القائم في دول الأرض من حيث الاتصال، لو دعينا إلى الهجرة إلى الحبشة لأحسنا بثقل ذلك وصعوبته، ووجدنا من يتلكأ عن الإجابة. وسماعنا بالحبشة بالذات يجعل الوحشة والرهبة هي المسيطرة على كياننا لو دعينا لذلك. فكم يا ترى هو المستوى الإيماني الرفيع لدى تلك العصمة المؤمنة في الأرض، وهم يعرفون الأحباش وينظرون إليهم من على على أنهم عرب أقحاح، وأولئك عجم سود كأن رأس كل منهم زبيبة، كانوا يترفعون عنهم

стр. 61

نسبا وشرفا، وهم يرون في صفوفهم بلال بن رباح الحبشي العبد الأسود؟. إنها لعمر الحق هجرة نادرة في التاريخ. وتعال عن كل قيم الأرض وروابطها في سبيل الله، وحق لهؤلاء أن يقول لهم رسول الله ﷺ : لهم هجرة (أي لمهاجري يثرب) ولكم هجرتان (أي لمهاجري الحبشة). السمة الخامسة عشرة البحث عن مكان آمن للدعوة وقاعدة جديدة للانطلاق وهو هدف آخر من وراء الهجرة إلى الحبشة غير هدف الحماية لجنود الدعوة وأفرادها، وهذا ما أشار إليه صاحب الظلال - سيد قطب ﵀ بقوله: (ومن ثم كان بحث الرسول ﷺ عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح لها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة، وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة .. وهذا في تقديري هو السبب الأهم للهجرة. ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب، لتكون قاعدة للدعوة الجديدة، عدة اتجاهات .. سبقها الاتجاه إلى الحبشة. حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبياتهم - في بيئة قبلية .. ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين، منهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي ﷺ ، ومنهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة المخزومي، وعثمان بن عفان الأموي ... وغيرهم، وهاجرت نساء كذلك من

стр. 62

أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا، وربما كان وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش. وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم، فرارا من الجاهلية، تاركين وراءهم كل وشائج القربي، في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا، وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان، زعيم الجاهلية، وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها، ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة. وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة. ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه - كما ورد في روايات صحيحة - (١)). هذه اللفتة العظيمة من سيد ﵀ لها من السيرة ما يعضدها ويساندها، وأهم ما يؤكدها في رأيي هو الوضع العام الذي انتهى إليه أمر مهاجرة الحبشة. فلم نعلم أن رسول الله ﷺ قد بعث في طلب مهاجرة الحبشة حتى مضت هجرة يثرب وبدر وأحد والخندق والحديبية. والمعروف أن عمرو بن أمية الضميري - مبعوث رسول الله ﷺ إلى النجاشي - التقى مع عمرو بن العاص عند النجاشي بعد صلح الحديبية، وكان لكل واحد منهما مهمة عند النجاشي، أما عمرو بن العاص فلقد اختار اللجوء السياسي عند النجاشي بعد صلح الحديبية حيث رأى أن مكة ستفتح بين يدي محمد لا محالة بعد الصلح، ولا جدوى من المقاومة. وأما عمرو بن أمية الضميري فلقد كانت مهمته طلب عودة المهاجرين من الحبشة إلى يثرب من النجاشي حيث قد انتهت مهمتهم بعد الصلح.

стр. 63

لقد بقيت يثرب معرضة لاجتياح كاسح من قريش خمس سنوات. وكان آخر هذا الهجوم والاجتياح في الخندق حيث قدم عشرة آلاف مقاتل لاستئصال شأفة المسلمين هناك، وبعد رد الكافرين يغيظهم قال رسول الله ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم (١)). فلقد انتهى الخطر في اجتياح المدينة بعد الخندق - كما في النص النبوي الآنف الذكر - وجاء صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة ليؤكد هذا المعنى، ويؤكد الاعتراف الرسمي من قريش بدولة المدينة. وحين اطمأن رسول الله ﷺ إلى أن المدينة قد أصبحت قاعدة أمينة للمسلمين، وانتهى خطر اجتياحها من المشركين. عندئذ بعث في طلب المهاجرين من الحبشة، ولم يعد ثمة ضرورة لهذه القاعدة الاحتياطية التي كان من الممكن أن يلجأ إليها رسول الله ﷺ لو سقطت يثرب في يد العدو. إنه الفقه السياسي الأعظم، والتخطيط النبوي الأعمق من الرسول ﷺ وهو يمضي في بناء دولة الإسلام. ويدرس كافة الاحتمالات المتوقعة، ويبحث في كل مكان عن الأرض المناسبة لقيام دولة الإسلام أو لحماية العقيدة فيها. وفعلا وصل المهاجرون من الحبشة إلى المدينة فوجدوا رسول الله ﷺ في خيبر فمضوا إليه هناك والتحقوا به ووصلوا بعد فتح خيبر فقال رسول الله ﷺ : (ما أدري بأيهما أنا اسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (٢)). السمة السادسة عشرة الاستفادة من قوانين المجتمع المشرك - الحماية والجوار - لقد كان المجتمع الجاهلي يقيم وزنا كبيرا لهذا القانون، وهو حماية القوي الضعيف. فإذا دخل الضعيف في جوار القوي يتمتع بحمايته التامة،

стр. 64

ويمنع أي اعتداء يقع عليه، ويعطيه حرية التحرك والتفكير ولا يستطيع العدو أن ينال من هذا المستجير. ولو تم ذلك فإن هذا يعني أن حربا تقع بين الفريقين، ومن أجل هذا فالذي يعلن الإجارة، لا بد أن يكون عزيزا منيعا في قومه، قادرا على الحماية، ومدخلا في حسبانه كل المفاجآت الممكنة. ولنتعرض إلى نماذج من هذه الإجارة. لقد كانت الإجارة الأولى في المجتمع المكي هي إجارة أبي طالب لمحمد رسول الله ﷺ . يقول ابن إسحاق: (وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء. فلما رأت قريش أن رسول الله لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراتهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه؟ فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا. وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شري الأمر بينه وبيهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله بينها. فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنا ومنزلة وشرفا فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين. فبعث إليه رسول الله ﷺ فقال له: يا بن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا. للذي كانوا قالوا له - فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله وسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته، فقال رسول الله ﷺ : (يا عم

стр. 65

والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يطهره الله أو أهلك فيه ما تركته!. ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي. فأقبل عليه رسول الله ﷺ - فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا (١)). ونلاحظ هذه الملاحظات الثلاث على هذه الإجارة: ١ - إن قريشا حاولت مع أبي طالب أن يدعو ابن أخيه للكف عن الدعوة لهذا الدين الجديد، وقد فشلت هذه المحاولة وهذا ما نتوقعه ونحن نستفيد من قوانين المجتمع الجاهلي، وهي محاولة استصدار قوانين جديدة تحول دون حرية الدعوة. ٢ - لجأت قريش إلى التهديد في المرة الثانية، ونجحت في التأثير على أعصاب أبي طالب، فدعا محمدا رسول الله ﷺ إلى الكف عن الدعوة لهذا الدين، لعجزه عن حمايته وهو في هذه الصورة. لكن ثبات رسول الله ﷺ على الحق، مهما كانت عقباته. ثبت أبا طالب ثانية في حمايته. ونفقه من هذا التصرف أن فشل الجاهلية في المرة الأولى - من بعض فئاتها - لضرب الدعوة لا يثنيها عن هذا الطريق، فقد تعيد الكرة ثانية وثالثة، ويقظة الحركة الإسلامية من جهة، وصلابتها من جهة ثانية هما الكفيلان بإحباط محاولات هذه الفئة المعادية، والحركة الإسلامية بحاجة لأن يستفيد من كل تناقضات المجتمع الجاهلي لتجعل بعضه ضد بعض فتستفيد هي من هذه التناقضات. ٣ - والاستفادة من العصبية الجاهلية في حماية شباب الدعوة أمر شرعي، فابن العائلة الكبيرة والقبيلة الضخمة الذي يستطيع أن يوظف زعيم هذه العائلة لحمايته لا يعني أنه قد تخلى عن دينه بذلك. واستفادة بعض الدعاة من ضابط كبير في الجيش أو المخابرات، أو وزير متنفذ في دولة،

стр. 66

لا ينقص من عقيدة هذا الداعية ومن دينه شيئا. بل من حق شباب الدعوة في مرحلة الضعف البحث عن سند قوي في الجاهلية يحميهم ويحفظ عليهم حرية عقيدتهم، وحرية الدعوة إليها. ولقد كان لحماية أبي طالب لرسول الله ﷺ وإجارته له ما هيأ له السبل الكافية لنشر الدعوة في قلب مكة، دون أن يتعرض لأذى ماحق يقضي عليه. يقول رسول الله ﷺ : (ما نالتا مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب (١)). وهذا لا يعني أن الجاهلية قد وفت بعهذها وذمتها وحفظت جوار أبي طالب خلال هذه السنوات العشر، ولكن من المؤكد أنها أخفقت في محاولاتها خرق هذا العهد، وكان لحماية أبي طالب أثر فعال حال دون وصول الأذى الكبير لرسول الله ﵊. ولننتقل إلى صورة ثانية من الحماية. هي صورة إجارة ابن الدغنة لأبي بكر الصديق ﵁ (ففي الصحيح عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر يوم إلا يأتتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بكرة وعشية. فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار. ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع أبو بكر، وارتحل معه ابن الدغنة. فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة: فأمر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن نساؤنا وأبناؤنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر. فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في

стр. 67

داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فتتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه ويتظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، وقد جاوز ذلك، وابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقرآن فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناؤنا ونساؤنا، فانهه. فإن أحب على أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفر ذمتك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني خفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله (١)). ١ - فأبو بكر ﵁ يخرج بوضوح طالبا الأمان في عبادة ربه: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. ويلقاه ابن الدغنة. وهو سيد القارة (٢)، سيد قبيلة غير قبيلة قريش. فوجد عارا عليه أن يخرج من مكة مثل أبي بكر، الذي تناهت شهرته خارج حدود مكة أنه يكسب المعدوم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. وهي نفس الصفات التي عرفت بها خديجة ﵂ نبوة محمد ﷺ . ولم يكتف ابن الدغنة بالمشاركة الوجدانية. بل أعاد أبا بكر ودخل به مكة، وأعلن حمايته على الملأ. إنها حماية غريبة أن يحمي سيد قبيلة ابنا لقبيلة أخرى وفي بيوت القبيلة نفسها ومع ذلك لم تجد قريش فكاكا من ذلك، وأذعنت لجوار ابن الدغنة لأبي بكر، وكانت الحماية على حرية العبادة.

стр. 68

٢ - غير أن الأمر تطور تطورا آخر، من حرية العبادة إلى حرية الدعوة، وهنا ثارت ثائرة قريش وأرسلت وراء ابن الدغنة تستجير به وتعلن استعدادها لخرق الحماية أما الحدث الجديد الذي فوجئت به، ان يصلي أبو بكر في فناء بيته، فتتقصف عليه النساء ويجتمعن عليه، ويفتن به - وكذلك الولدان - وعجز ابن الدغنة، عن إجراء إجارته على حرية الدعوة، وعندما خير أبو بكر ﵁، بين حجز حريته عن الدعوة إلى الله، وأن يعيش في ظل ابن الدغنة آمنا قرير العين، وبين أن يدعو ويحمل مسؤولية دعوته، آثر البلاء والدعوة في سبيل الله على الأمان وحرية العبادة، لقد كانت هذه الإجارة أدنى من إجارة أبي طالب، فهناك إذن الإجارة على حرية الدعوة كما كانت إجارة أبي طالب، اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت. وبين إجارة ابن الدغنة على حرية العبادة ارجع واعبد ربك ببلدك. ولقد وجد هذان النموذجان في مكة. من تحميه قوة لإجارة في حرية العبادة وهو الأكثر، ومن تحميه قوة الإجارة في حرية الدعوة وهو نادر، بل نكاد نقول أنه خاص برسول الله ﷺ ، وكما رأينا محاولات قريش في ضرب هذه الإجارة وفشلها في ذلك. ونخلص من هذا إلى أن الاستفادة من قوانين الجاهلية أمر مشروع إن كان فيه مصلحة للدعوة. وليس هذا طعنا في الدين، وليس هذا احتكار لغير شريعة الله. كما يدور بخلد بعض المتحمسين. ومما يذكر في تاريخ الدعوة المعاصر أن الحكومة المصرية عندما اعتقلت الداعية الإسلامي الكبير محمد قطب عام ٦٦، أقام الإمام الشهيد سيد قطب دعوة على الحكومة المصرية التي خرقت القانون في اعتقاله. ولم يعرف تاريخ الدعوة الحديثة مثل سيد في تحرره من فكرة الحاكمية لغير الله. وهو الذي حمل لواءها في كتبه وفكره وحياته حتى توفاه الله. إن الفقه العظيم لسيد حين يفرق بين القناعة بنظام حكم كافر يسعى إليه، وبين الاستفادة من نظام حكم كافر لحماية الدعوة وشيابها ورجالها. ومن هذا المنطلق نقول وننتبه كذلك إلى: إن الديمقراطية - وهي نظام

стр. 69

غير إسلامي ابتداء - هي خير للحركة الإسلامية من الديكتاتورية الطاغية، هي مناخ ملائم لتفريخ الدعوة وانتشارها، إنها وهي نظام جاهلي، أجدى على المسلمين من أي نظام جاهلي آخر. وهي تضمن عادة حرية التعبير عن الرأي وحرية العقيدة، أو بتعبير آخر حرية العبادة وحرية الدعوة. والذي يراجع رصيد الحركة الإسلامية المعاصر يلاحظ أنه ما من فترة أعطيت فيها الحرية للأمة إلا وصار الشارع إسلاميا، والجامعة إسلامية، ووصل الإسلام إلى السيطرة على كل مرافق الأمة. وما يكاد الإسلام يصل إلى الحكم عن هذا الطريق إلا ويقوم انقلاب عسكري يكمم الأفواه، ويزج بالناس في المعتقلات والسجون، وتبدأ حمامات الدم لشباب الإسلام. إن كلمة الرسول ﷺ الخالدة: (إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد) هي معلم من معالم الحركة الإسلامية، وخطوة أساسية من خطوات هذا المنهج. تعين الحركة على مواجهة المجتمع القائم، وتفتح لها أبواب الانطلاق الإسلامي العظيم للدعوة في سبيل الله. السمة السابعة عشرة المحاولة السلبية من العدو في المواجهة وقد عدد أنواعا منها العلامة المباركفوري نذكرها نقلا عنه: ١ - السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك، قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي ﷺ بتهم هازلة، وشتائم سفيهة ... ٢ - تشويه تعاليمه وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، ونشر الإيرادات الواهية حول هذه التعاليم، وحول ذاته وشخصيته، والإكثار من كل ذلك بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته ... ٣ - معارضة القرآن بأساطير الأولين، وتشغيل الناس بها عنه .. فلقد ذهب

стр. 70

النضر بن الحارث إلى الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم، واسفنديار. فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا للتذكير بالله، والتحذير من نقمته خلفه النضر، يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني. ٤ - مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي ﷺ بعض ما هو عليه ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ (١) و ﴿قل يا أيها الكافرون ... (٢)﴾ (٣) وهذه النماذج نذكرها لأنها تتكرر مع الدعوة في كل جيل، والحركة الإسلامية بحاجة إلى التعرف على هذه المحاولات حتى لا يفت في عضد الدعاة وهم ينالون أنواع الحرب النفسية من الاستهزاء والتبكيت والسخرية، يتهمونهم في عقولهم أنهم رجعيون جامدون، ومتعصبون متخلفون، وأنهم ينتمون إلى عصر الجمل وعصر الخيام والصحراء، بل يتهمونهم بالتخلف العقلي، فلهؤلاء الدعاة أسوة برسول الله ﷺ الذي اتهمه قومه بالجنون، وهو سيد ولد آدم. ﴿ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون (٤)﴾. ويتهمونه بالكذب، وهو الذي لم تعرف البشرية له مثيلا في الصدق، وبشهادتهم هم: ما جربنا عليك كذبا. ووسائل الإعلام الجاهلية اليوم تتهم دعاة الإسلام بأنهم متآمرون وبأنهم لا أخلاقيون وبأنهم كاذبون. والنوع الآخر الذي يتلقاه الدعاة من أعدائهم مر تشويه المبادىء، وتقديمه بأسوأ صورة للناس، خاصة ووسائل الإعلام اليوم في كل يوم تقدم سموما حول هذا الدين. وفي أحسن الأحوال يقدمون الإسلام على أنه صالح في مرحلة سابقة من التاريخ، وأنه قدر الأمة العربية فيما مضى، أما اليوم فالعصر عصر القوميات، وعصر الاشتراكية العلمية، وعصر التقدمية

стр. 71

والديمقراطية، وأن الإسلام قد أدى دوره وانتهى من الوجود إنها هي نفس الصيغة السابقة التي تتحدث عن القرآن أنه أساطير الأولين. والمسلمون أحوج ما يكونون إلى الانتباه والحذر إلى هذه الأساليب من الحرب التي تشن عليهم من أعدائهم ليل نهار للنيل من أشخاصهم، والنيل من دعوتهم، والنيل من دينهم وإسلامهم. إن وسائل، الإعلام الرهيبة المعاصرة من صحيفة وإذاعة وتلفاز، من مجلة وكتاب، ومقالة ومسرحية وقصة. كلها تنصب اليوم على الحرب على الإسلام سواء بتجسيد الشر وتمجيده أو بالنيل من الخير وطمسه وتشويه معالمه. يا شباب الدعوة، أنتم المستهدفون، ودينكم المستهدف. فبالصبر والوعي تجهضون هذه الحرب. السمة الثامنة عشرة المحاولات الإيجابية في الحرب: عمليات الاغتيال والقتل للقيادة لقد تعرض رسول الله ﷺ لأربع محاولات اغتيال وقتل. كانت الأولى بطلب صريح من قريش من أبي طالب، يطلبون فيه تسليم النبي ﷺ لهم: كما روى ابن إسحاق: (ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن الغيرة. فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم نقتله، فإنما هو رجل برجل! فقال: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا ... (١)). وكانت المحاولة الثانية محاولة فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام. كما

стр. 72

روى ابن إسحاق كذلك: (يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلس له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني. فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم (١) .. وفشلت المحاولة في اليوم الثاني عندما رجع مكفهر الوجه، وقد يبست يداه على الحجر قائلا: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني (٢) .. وكانت المحاولة الثالثة، محاولة طغاة قريش في قتله، ففي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ ، قال: بينا النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله (٢)؟ وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئا من غدائره إلا رجع معنا (٣). وكانت المحاولة الرابعة محاولة عمر بن الخطاب ﵁ والتي انتهت بإسلامه. وهذه السمة في غنى عن التعليق، إذ يجب أن لا يغيب أبدا عن أذهان الحركة الإسلامية تخطيط العدو الماكر لإبادة القيادة واغتيالها. وما شهده جيلنا المعاصر من اغتيال وإبادة قادة الحركات الإسلامية يعطينا صورة واضحة

стр. 73

عن ذلك. فقد كان اغتيال الشهيد حسن البنا ﵀ هدفا خطط له الكفر في الأرض، ثم كانت القافلة الثانية من الشهداء، التي تم إعدامها، عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب ثم كانت القافلة الثالثة من الشهداء التي تم إعدامها سيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، ويوسف هواش. وعمليات التصفيات الجسدية التي تمت على ثرى الشام الطهور لقادة الجهاد فيه. مروان حديد وإبراهيم اليوسف وعبد الستار الزعيم، وكل محاولات الاغتيال التي تمت لقادة الحركة الإسلامية، لتنبىء عن مدى تخطيط العدو لاستئصال هذه الحركة من خلال القضاء على قادتها وزعمائها. السمة التاسعة عشرة الجهرية الثانية: إسلام حمزة، إسلام عمر، وإعلان التحدي للمجتمع الجاهلي وكان التحدي الأول هو إسلام حمزة ﵁. كما رواه ابن إسحاق عن رجل من أسلم (أن أبا جهل مر برسول الله (ص فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ ، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك. ثم انصرف عنه عائدا إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة. فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله ﷺ إلى بيته قالت: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده ها هنا جالسا فآذاه وشتمه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى لم يقف لأحد، معدا لأبي جهل إذا لقيه

стр. 74

أن يوقع به. فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا (١) وزاد غير ابن إسحاق في إسلام حمزة أند قال؛ لما حملني الغضب، وقلت أنا على قوله. أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة فتضرعت إلى الله أن يشرح صدري ويذهب عني الريب، فما استتممت دعائي حتى زال عني الباطل، وامتلأ قلبي يقينا - أو كما قال - فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما كان من أمري. فدعا لي بأن ثبتني الله (٢). أما عن إسلام عمر فأخرج ابو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال: قلت لعمر: لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام. فخرجت فإذا فلان المخزومي فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ قال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني. قلت: من ذلك؟ قال؛ أختك وختنك, فانطلقت فوجدت همهمة، فدخلت فقلت ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس أختي فضربته وأدميته. فقامت إلي فأخذت برأسي فقالت: وقد كان ذلك على رغم أنفك. فاستحيت حين رأيت الدماء، فجلست فقلت أروني هذا الكتاب. قالت إنه لا يمسه إلا المطهرون, فقمت فاغتسلت. فأخرجوا لي صحيفة فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) فقلت أسماء طيبة طاهرة ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا﴾ إلى قوله ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ فتعظمت في صدري فقلت: ما أحسن هذا الكلام وأجمله .. فأسلمت. فقلت: أين رسول الله؟ قالت: فإنه في دار الأرقم. فأتيته فضربت الباب فاستجمع القوم، وقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر. قال: وعمر؟! افتحوا له الباب، فإنه إن أقبل قبلناه،

стр. 75

وإن أدبر قتلناه. فسمع ذلك رسول الله ﷺ . فخرج فتشهد عمر. فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قلت: ففيم الاختفاء؟ فخرجنا في صفين: أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد. فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة، فسماني رسول الله ﷺ - الفاروق يومئذ (١). وفي رواية أنس عن أبي يعلى والحاكم والبيهقي قال: خرج عمر متقلدا السيف. فلقيه رجل من بني زهرة. تقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ قال ما أراك إلا قد صبوت. قال: أفلا أدلك على العجب؟ إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك, فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع عمر توارى في البيت ... حتى انتهى إلى قوله: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ليلة الخميس: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام .. فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس، فقال حمزة: هذا عمر إن يرد الله به خيرا يسلم، وإن يكن غير ذلك كان قتله علينا هينا (٢) ... وروى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال: لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة. قلت: أبو جهل، فأتيت حتى ضربت عليه بابه فخرج إلي وقال: أهلا أهلا وسهلا، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به قال، فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله، وقبح ما جئت به (٣). وذكر ابن الجوزي مختصرا وابن هشام كذلك: أنه لما أسلم أتى إلى جميل بن معمر الجمحي - وكان أنقل قريش لحديثه - فأخبره أنه أسلم، فنادى جميل بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر - وهو خلفه -:
следующие страницы →