والديمقراطية، وأن الإسلام قد أدى دوره وانتهى من الوجود إنها هي نفس الصيغة السابقة التي تتحدث عن القرآن أنه أساطير الأولين.
والمسلمون أحوج ما يكونون إلى الانتباه والحذر إلى هذه الأساليب من الحرب التي تشن عليهم من أعدائهم ليل نهار للنيل من أشخاصهم، والنيل من دعوتهم، والنيل من دينهم وإسلامهم. إن وسائل، الإعلام الرهيبة المعاصرة من صحيفة وإذاعة وتلفاز، من مجلة وكتاب، ومقالة ومسرحية وقصة. كلها تنصب اليوم على الحرب على الإسلام سواء بتجسيد الشر وتمجيده أو بالنيل من الخير وطمسه وتشويه معالمه. يا شباب الدعوة، أنتم المستهدفون، ودينكم المستهدف. فبالصبر والوعي تجهضون هذه الحرب.
السمة الثامنة عشرة
المحاولات الإيجابية في الحرب: عمليات الاغتيال والقتل للقيادة
لقد تعرض رسول الله ﷺ لأربع محاولات اغتيال وقتل.
كانت الأولى بطلب صريح من قريش من أبي طالب، يطلبون فيه تسليم النبي ﷺ لهم: كما روى ابن إسحاق: (ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن الغيرة. فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم نقتله، فإنما هو رجل برجل!
فقال: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا ... (١)).
وكانت المحاولة الثانية محاولة فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام. كما
стр. 72
روى ابن إسحاق كذلك: (يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلس له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني. فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم (١) ..
وفشلت المحاولة في اليوم الثاني عندما رجع مكفهر الوجه، وقد يبست يداه على الحجر قائلا: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني (٢) ..
وكانت المحاولة الثالثة، محاولة طغاة قريش في قتله، ففي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ ، قال: بينا النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله (٢)؟
وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئا من غدائره إلا رجع معنا (٣). وكانت المحاولة الرابعة محاولة عمر بن الخطاب ﵁ والتي انتهت بإسلامه.
وهذه السمة في غنى عن التعليق، إذ يجب أن لا يغيب أبدا عن أذهان الحركة الإسلامية تخطيط العدو الماكر لإبادة القيادة واغتيالها. وما شهده جيلنا المعاصر من اغتيال وإبادة قادة الحركات الإسلامية يعطينا صورة واضحة
стр. 73
عن ذلك. فقد كان اغتيال الشهيد حسن البنا ﵀ هدفا خطط له الكفر في الأرض، ثم كانت القافلة الثانية من الشهداء، التي تم إعدامها، عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب ثم كانت القافلة الثالثة من الشهداء التي تم إعدامها سيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، ويوسف هواش. وعمليات التصفيات الجسدية التي تمت على ثرى الشام الطهور لقادة الجهاد فيه. مروان حديد وإبراهيم اليوسف وعبد الستار الزعيم، وكل محاولات الاغتيال التي تمت لقادة الحركة الإسلامية، لتنبىء عن مدى تخطيط العدو لاستئصال هذه الحركة من خلال القضاء على قادتها وزعمائها.
السمة التاسعة عشرة
الجهرية الثانية: إسلام حمزة، إسلام عمر، وإعلان التحدي
للمجتمع الجاهلي
وكان التحدي الأول هو إسلام حمزة ﵁. كما رواه ابن إسحاق عن رجل من أسلم (أن أبا جهل مر برسول الله (ص فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ ، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك. ثم انصرف عنه عائدا إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة. فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله ﷺ إلى بيته قالت: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده ها هنا جالسا فآذاه وشتمه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى لم يقف لأحد، معدا لأبي جهل إذا لقيه
стр. 74
أن يوقع به. فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا (١) وزاد غير ابن إسحاق في إسلام حمزة أند قال؛ لما حملني الغضب، وقلت أنا على قوله. أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة فتضرعت إلى الله أن يشرح صدري ويذهب عني الريب، فما استتممت دعائي حتى زال عني الباطل، وامتلأ قلبي يقينا - أو كما قال - فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما كان من أمري. فدعا لي بأن ثبتني الله (٢).
أما عن إسلام عمر فأخرج ابو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال: قلت لعمر: لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام. فخرجت فإذا فلان المخزومي فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ قال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني. قلت: من ذلك؟ قال؛ أختك وختنك, فانطلقت فوجدت همهمة، فدخلت فقلت ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس أختي فضربته وأدميته. فقامت إلي فأخذت برأسي فقالت: وقد كان ذلك على رغم أنفك. فاستحيت حين رأيت الدماء، فجلست فقلت أروني هذا الكتاب. قالت إنه لا يمسه إلا المطهرون, فقمت فاغتسلت. فأخرجوا لي صحيفة فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) فقلت أسماء طيبة طاهرة ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا﴾ إلى قوله ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ فتعظمت في صدري فقلت: ما أحسن هذا الكلام وأجمله .. فأسلمت. فقلت: أين رسول الله؟ قالت: فإنه في دار الأرقم. فأتيته فضربت الباب فاستجمع القوم، وقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر. قال: وعمر؟! افتحوا له الباب، فإنه إن أقبل قبلناه،
стр. 75
وإن أدبر قتلناه. فسمع ذلك رسول الله ﷺ . فخرج فتشهد عمر. فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قلت: ففيم الاختفاء؟ فخرجنا في صفين: أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد. فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة، فسماني رسول الله ﷺ - الفاروق يومئذ (١).
وفي رواية أنس عن أبي يعلى والحاكم والبيهقي قال: خرج عمر متقلدا السيف. فلقيه رجل من بني زهرة. تقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ قال ما أراك إلا قد صبوت. قال: أفلا أدلك على العجب؟ إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك, فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع عمر توارى في البيت ... حتى انتهى إلى قوله: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ليلة الخميس: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام .. فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس، فقال حمزة: هذا عمر إن يرد الله به خيرا يسلم، وإن يكن غير ذلك كان قتله علينا هينا (٢) ...
وروى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال: لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة. قلت: أبو جهل، فأتيت حتى ضربت عليه بابه فخرج إلي وقال: أهلا أهلا وسهلا، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به قال، فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله، وقبح ما جئت به (٣).
وذكر ابن الجوزي مختصرا وابن هشام كذلك: أنه لما أسلم أتى إلى جميل بن معمر الجمحي - وكان أنقل قريش لحديثه - فأخبره أنه أسلم، فنادى جميل بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر - وهو خلفه -:
стр. 76
كذب ولكني قد أسلمت، فثاروا إليه فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وطلح - أي أعيا - عمر، فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو كنا ثلاث مائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا (١). وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله. روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بينما هو - أي عمر - في الدار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي - أبو عمرو - وعليه حلة سبرة وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له؛ ما لك؟ قال؛ زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك - بعد أن قالها أمنت - فخرج العاص. فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ. قال:
لا سبيل إليه، فكر الناس (٢)، وفي لفظ - والله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. وكان ابن مسعود يقول: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر (٣).
وعن صهيب بن سنان الرومي ﵁، قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأبي به (٤).
وعن عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر (٥). ونود بعد هذا العرض أن نستخلص النقاط التالية:
كان إسلام الحمزة وعمر ﵄ في ذي الحجة من السنة السادسة للنبوة. وقد سبق الحمزة عمر بثلاثة أيام كما ورد في أحدى الروايات السابقة، وذلك في أشد حالات الأزمة حين كانت قريش تخطط لقتل النبي
стр. 77
- ﷺ في أكثر من خطة. ولعل أخطر اصطدام مسلح هو شج الحمزة لأبي جهل، وكان كفيلا أن يشعل حربا في قريش. فأبو جهل سيد أهل الوادي - لا يخلص إليه - وأعز وأكثر هذا الوادي ناديا - كما كان يقول عن نفسه - والحمزة كان أشد قريش شكيمة. وتذكر بعض الروايات أنه لما قام بعض رجال بني مخزوم، قام بعض رجال بني هاشم، وتكهرب الموقف، وكان من الممكن أن تقع مجزرة قد تنتهي باستئصال المسلمين، غير أن الرهبة من شخصية الحمزة، حاول دون ذلك، والمهابة التي له أطفأت الفتنة. ونلاحظ كذلك، أن العصبية الجاهلية المحضة هي التي حركات الحمزة لهذا الموقف، فلم تستطع أعصابه أن تتحمل هذا الاعتداء على ابن أخيه محمد رسول الله، وأخيه من الرضاعة. إن القحة التي بلغتها الجاهلية تجاوزت حدودها، فطف الصاع عند الحمزة، ومضى يشج رأس أبي جهل ولتكن النتائج ما تكون.
والجاهلية العاتية يوم تتصور أن ما تنزل من الضربات في صفوف المسلمين لإنهائهم. هي في الحقيقة تحفر قبرها بيديها. لأن جذوة الحق الخامدة في النفوس لا بد أن تتقد وتتهيج لنصرة هؤلاء الصادقين المستضعفين، وهذا ما وقع في حادث إسلام الحمزة، وقدرة الحركة الإسلامية على استغلال الحدث إعلاميا ودعائيا، لها أثر خطير في تحويل المعركة لصالحها ضد الجاهلية.
ومن حوادث الحركة الإسلامية المعاصرة نموذجان كبيران يدلان على تحرك هذا الحق في النفوس النموذج الأول، يوم حالت قوات الحكومة المصرية بين الناس وبين جنازة الإمام الشهيد حسن البنا في إرهاب مجرم عنيف. هذا الإرهاب الذي تجاوز الحد وطغى. حدا بزعيم القبط آنذاك أن يتحدى كل طغيان الحكومة ويخترق الصفوف وينضم لأهل الإمام الشهيد فيشارك معهم في تشييع الجازة، وحفظ التاريخ - لمكرم عبيد، الزعيم الخصم - هذا الصنيع.
النموذج الثاني، وهو الحدث الذي لم يكن يقل عن إسلام الحمزة في
стр. 78
عهد رسول الله ﷺ - وهو على أثر استشهاد البنا ﵀. كان الحدث هو جنون الغرب، وفرحه الطاغي باستشهاد هذا الرائد العظيم، حتى ليبيت القوم سكارى عرابيد فرحا وطربا في فنادق أمريكا، هذا التحدي الطاغي، والاستفزاز الرهيب لمشاعر الكاتب المصري -سيد قطب- كان كفيلا أن يحول هذا الكاتب العادي إلى الصف الإسلامي الإخواني، فيصبح داعية الإسلام العظيم في القرن العشرين، وينصر الله تعالى به هذا الدين. كما نصر هذا الدين بالحمزة من قبل. ويقضيان معا شهيدين على خط واحد. سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، أمر، فنهاه فقتله.
إن طغيان الكفر وتبجحه، وتحديه للإسلام، قد يخرج من صفوف هذا الكفر القوة التي تحمي الإسلام، وتذود عن عرينه، بدافع العصبية أو غيرها.
والحركة الإسلامية الواعية هي التي ترصد هذه المواقع بيقظة ووعي، وتستغل الحدث أروع استغلال، وتوظفه لصالحها بدل أن يكون المعول لهدمها، حتى لو سخر لإظهاره الإعلام الكافر، فليس المسلمون هم الذين أججوا جذوة الحمزة، إنما هي المولاة العادية - مولاة ابن جدعان - وقد أحسنت وصف المشهد. فقذفت بنفس الحمزة الهائجة إلى إذلال أبي جهل وتسربله بالدم، وكان من الممكن لهذه الجذوة أن تنطفىء. لولا أن اتصلت بمعين النبوة. واستدت من نوره، فبقيت مشعلا إسلاميا على مدار التاريخ. ونلاحظ كذلك حول إسلام عمر ﵁ أولا: تقييم رسول الله ﷺ للأشخاص والرجال. فقد كان دعاؤه ﷺ يوم الخميس كما رواه الترمذي:
(اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام (١)).
فبالرغم من الحرب العنيفة التي يشنها الرجلان على الإسلام. لم تكن تخفى على رسول الله ﷺ مقومات الزعامة والقيادة فيهما، وأن وجود أحدهما
في الصف الإسلامي يعني قوة هذا الصف واعتزازه، وإن وراء الكفر المتبجح قلوبا لم تصطدم بعد بتيار الإسلام العنيف. ولم تصل لها القوة الكهربية
стр. 79
الضخمة. إنها حين تكون الصدمة قوية قد تغير الكيان كله، وهذا ما وقع في قدر الله - ودفع إلى إسلام عظيم الرجال عمر بن الخطاب.
ولا ننسى أبدا ذلك الحوار الذي جرى بين إحدى المسلمات المهاجرات مع زوجها. يقول لها عمر وهو على شركه: إنه الانطلاق يا أم عبد الله.
تقول: نعم لقد آذيتمونا وقهرتمونا وأخرجتمونا من بلادنا، فيقول لها:
صحبتكم السلامة. ويأتي زوجها فتقص عليه ما رأت من رقة عمر فيقول لها:
أوتطمعين أن يسلم عمر؟. والله لن يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. ولم يكن هذا اليأس القاتل ليسيطر على نفس هذا الصحابي لولا رؤيته الحرب العنيفة الشرسة التي يشنها عمر على الإسلام.
ما أحوج الحركة الإسلامية إلى أن تحسن اصطفاء العظماء، وتكشف من خلف حجب الظلام المتكاثفة المعدن الثمين النفيس لهم. فتدفع بكل طاقاتها وإمكاناتها لاختراق هذه الحجب حتى تمس أسلاك القلب الخامد الخافت، فإذا به ينبعث حيا بنور الإسلام، ينتفض مشرقا بحلاوة الإيمان وروعته.
ولعل خروج عمر ﵁ متوشحا سيفه - قاصدا قتل رسول الله ﷺ كان ثأرا لخاله - أبي جهل بن هشام - الذي طعن في كبريائه من حمزة بن عبد الطلب - بطل بني هاشم، فكيف يسكت على الضيم يلحق ببني مخزوم وحلفائهم بني عدي من بني عبد المطلب؟ ما الذي حطم هذه العصبية الكالحة الخانقة.
لقد تحطمت على صلابة العقيدة من هذه المرأة العزلاء، فاطمة بنت الخطاب أخته، لقد وجد نفسه صغيرا صغيرا تافها أمام الدم المنفجر من جرح أخته العزلاء من كل شيء. وهي تتحدى شخصه، وتهشم كبرياءه قائلة له: وقد كان ذلك على رغم أنفك. إن قمة العنف والطغيان لدى الطاغية قد تنهزم داخليا وتتحطم وتنهار أمام ثبات المستضعفين على الحق، وجلاد وتضحية المجاهدين في سبيل الله. فلنتيقظ إلى هذا الجانب المهم.
ونعرف كم تربح الدعوة ويربح الدعاة حين يثبتون على الحق، كما ثبت
стр. 80
أصحاب عيسى بن مريم، حملوا على الخشب ونشروا بالمناشير، ما دون لحمهم وعظامهم، ما صدهم ذلك عن دين الله.
السمة العشرون
إعلان التحدي ودور الشخصيات القيادية فيه
ونلاحظ ثانيا ذلك التحدي الشخصي للجاهلية من عمر ﵁ في ذهابه لخاله أبي جهل وإعلانه إسلامه، وفي بحثه عن جميل بن معمر الجمحي أنقل قريش للخبر لينقل خبر إسلامه للناس وفي مواجهته المشركين وقد سال بهم الوادي يضربهم ويضربونه.
إن هذه الشخصية الفذة لا تعرف الحلول الوسطى، ولا يناسبها إلا المواجهة والمجابهة، وهذه هي فطرتها. ولكننا نخطىء كثيرا حين نقيس الناس جميعا بعمر، إن حادثة إسلام عمر فيها شخصية سعيد ﵁ الذي كتم إسلامه عن قومه وهو من العشرة المبشرين، وفيها شخصية خباب ﵁ الذي اختبأ عند سماعه صوت عمر، وهو من السابقين الأولين من المهاجرين. ولم يكن المسلمون يعيبون على خباب وسعيد، أو يتهمونهما بالجبن.
فالإندفاع الأعمى وراء شخصية معينة في الإسلام أو حادثة معينة، يعني الحكم الأهوج والأعوج على الناس. فليس كل الشخصيات الإسلامية عمر والحمزة، وليست كلها سعيد وخباب، والإسلام يقبل هذه النماذج جميعا، وكل واحدة منها لها دورها ومسؤوليتها ورسالتها.
إن الشخصية الوحيدة التي تصدت لعمر ﵁ هي شخصية الحمزة التي كانت تملك من المؤهلات المكافئة لمواجهة التحدي من عمر. فلا غرو إذن أن يكون لهما الدور الأكبر والحاسم في إنهاء مرحلة معينة وابتداء مرحلة جديدة.
стр. 81
وهذا ما نلاحظه ثالثا. فعندما عرض على رسول الله ﷺ إعلان جهرية العبادة والقيام بتظاهرة علنية جماعية في مكة. ورأى رسول الله أن الظروف غدت مواتية استجاب لرغبة الفاروق ﵁، وخرج المسلمون في صفين على رأس أحدهما عمر، وعلى رأس الثاني الحمزة، وأعلنا في مكة صوت الإسلام الداوي، ودخلا الكعبة بالمسلمين، ومضى المسلمون في صلاتهم ما بين قائم وراكع وساجد، ولم يكن الأمر عبارة عن حدث عارض. بل كان خطأ جديدا في تاريخ هذه الدعوة كما ذكر ابن مسعود ﵁: (ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم (١) عمر). وقول صهيب بن سنان ﵁: (لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وظفنا بالبيت وانتصفتا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به (٢)). وقول عبد الله بن مسعود: (ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر (٣)).
وتشير النصوص - كما أسلفنا إلى أن هذه الخطوة الحاسمة. أعطت حرية الدعوة والعبادة للمسلمين جميعا. وعجز المشركون بعدها أن يحولوا دون ذلك. واستطاعت بعض الشخصيات التي كانت محافظة على سريتها في العبادة والدعوة أن تظهر علانية لا تخاف في الله لومة لائم. وكان إسلام عمر والحمزة منعطفا جديدا من منعطفات الدعوة الإسلامية.
إن إسلام الحمزة وعمر ﵄ هو بمثابة انقلاب عسكري في وقتنا الحاضر، يهيء للدعوة الإسلامية مناخا جديدا للدعوة والعبادة. وهذه النقطة بحاجة إلى أن نقف عندها قليلا لنراعي المرحلية في هذا المنهج الخالد. إننا نجد ثورة عارمة من الشباب الإسلامي اليوم، لو أن انقلابا عسكريا قام وهيأ الحرية المتاحة للدعوة والعبادة. كمرحلة إلى الهدف النهائي - إقامة دولة الإسلام في الأرض - والحكم بشريعة الله .
стр. 82
لم يستطع الانقلاب الذي قام به حمزة وعمر ﵄ أن يحقق دولة الإسلام في الأرض. لقد بقيت الأصنام والأوثان، وبقي الخمر والزنا، وبقيت معالم الجاهلية كاملة لم يزل منها معلم واحد، ومع ذلك اعتبر إسلامهما فتحا إسلاميا، وعزة عظيمة. لأنه خطا بالدعوة من مرحلة الخوف والاضطهاد والتعذيب إلى مرحلة العلنية والحرية في العبادة والدعوة، بل سمي عمر ﵁ فاروقا - من أجل ذلك.
إن الشباب المتحمس اليوم يرى في هذه الخطوة تخاذلا وتخليا عن حاكميه الله في الأرض، حيث أنه يقدم الدماء اليوم للوصول إلى هذا الهدف. بل يتهم قيادة الحركة الإسلامية بالتواطؤ، والجهل، والخيانة. لأنها لم تحقق هذا الهدف، إقامة شريعة الله في الأرض.
وحين تكون الظروف لا تهيء أكثر من هذه الخطوة على الهدف، تهيئة الجو الملائم لانتشار الدعوة، وانتصارها لتصل إلى الحكم النهائي. يتشنج بعض الشباب، ويثير الحرب على قيادته. بل يتهمها في دينها وعقيدتها.
ما أحوجنا إلى أن نتأدب بأدب رسول الله ﷺ ، وأدب سيرته، ونلحظ هذه المرحلية المتتالية للوصول إلى الهدف النهائي، والهدف النهائي مرتبط بالقوة والقدرة على تحقيقه، وليس جهلا أو غباء أو انحرافا عن دين الله .
فقد تكون الحركة الإسلامية غير قادرة على إنهاء الجاهلية كلها من جذورها، بل تقتضي الظروف السياسية والاجتماعية والدولية أن يكون الوصول للحكم من خلال مؤسسات دستورية عن طريق الحرية والانتخابات. ولا تملك القوة العسكرية للمسلمين أكثر من حماية هذه الحرية.
لم يقم المسلمون بعد إسلام عمر ﵁ بتكسير الأصنام
стр. 83
والأوثان، ولم يقوموا بإحراق حانات الخمر، ولم يقوموا بتدمير مواخير الزنا، لم يقوموا بشيء من ذلك. إنما قاموا بالدخول إلى الكعبة والصلاة فيها، وحق التجمع حولها، ودعوة الناس للإسلام، وكان هذا نصرا عظيما للإسلام وخطوة على الطريق للهدف النهائي.
ما أحوج شبابنا أن يفقهوا هذه المعاني، وأن يتعلموا من سيرة الرسول ﷺ الخطوات العملية والأهداف المرحلية للوصول منها إلى الهدف العظيم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. غير أننا نلاحظ كذلك أن المسلمين لم يشتركوا في حكم مكة مع المشركين لأن الحكم مسؤولية.
ولم يقبلوا الحلول الوسطى التي عرضت عليهم. لقد قاد هذا الانقلاب الأمور إلى زيادة في التميز، وزيادة في المفاصلة، وصار المسلمون قادرين على إعلان عباداتهم، وإعلان حقيقة مبادئهم للناس جميعا، بينما لم يكن لهم هذا الحق من قبل، وهذا يعني أن بعض الشباب المسلم لم يكن قادرا قبل إسلام عمر ﵁ على إعلان هويته الإسلامية، ومبادئه الإسلامية، واعتناقه الإسلام، وظفر بهذا الحق بعد ذلك.
إنه ما لم يعلن أن الحركة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية، هي التي تحكم الأمة فلا ضير من أي مظهر سياسي يحقق مكاسب أكبر وأضخم لهذه الحركة أو هذه الجبهة. إنها لم تصل بعد إلى الحكم، وبالتالي لا تحمل مسؤولية أي خطأ فيه.
وفرق بين أن يعلن قادة انقلاب عسكري إسلامية الدولة، فهم مسؤولون عن هذا الإعلان. كما جرى اليوم مثلا في باكستان أو غيرها، والمسؤولية على صدق هؤلاء في ادعائهم أو كذبه ودعوتهم لفريق من الناس أو لكثير منهم في ذلك، وبين أن يعلن أن الحركة الإسلامية هي صاحبة الحكم والمسؤولية عنه، وبالتالي فسوف تحاسب على كل خطوة فيه، وسعيها الحثيث لجعله محل التطبيق الفعلي.
стр. 84
السمة الحادية والعشرون
ملاحقة العدو لتجمعات المسلمين وإحباط المسلمين لهذه الملاحقة
وظهر هذا جليا في الوفد الذي أرسلته قريش للحبشة لملاحقة المسلمين هناك، وتقص علينا أم سلمة ﵂ قصة هذه الملاحقة، حيث نقتطف منها بعض الفقرات: (لما نزلت أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي. أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدو للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص ... ثم أنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشيرتهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة لعمرو بن العاص من أن
يسمع كلامهم النجاشي. فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب النجاشي ثم قال: لاها الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم. فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض؛ ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنا في
стр. 85
ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوا، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:
أيما الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.
فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟
فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته. وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم! ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة! انطلقا. فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.
قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما
стр. 86
أستأصل به خضراءهم! فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد! ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط. فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟. قالوا نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن!
فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا ﷺ ، يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود.
فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرا من ذهب وإني آذيت رجلا منكم! ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودا عليها ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
قالت: فوالله إنا لعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط. كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث
стр. 87
القوم سنا. فنفخوا له تربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم قالت: فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي!. وأهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة: وكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة) (١).
إنها وثيقة قدمتها لنا أم سلمة من أنفس الوثائق في فن مخاطبة الملوك، والحوار معهم ودحض شبه الأعداء وكشف مخططاتهم. وسنعالج من خلال هذه الوثيقة سمات عدة إضافة إلى السمة الأساسية فيها ألا وهي - ملاحقة تجمعات المسلمين من العدو، وإحباط هذه المخططات من المسلمين.
ولعل المشركين عندما ووجهوا بالنكسة الخطيرة التي حلت بهم من جراء إسلام عمر والحمزة ﵄ فكروا في ضرب هذا التجمع الإسلامي الضخم في الحبشة. وانطلاقا من معلومات السيرة النبوية يلاحظ أن التجمع الإسلامي في الحبشة عند إسلام عمر ﵁ كان ضعف التجمع الإسلامي في مكة. فتذكر الروايات أن عدد المسلمين في مكة يوم أسلم عمر ﵁ لم يكن يتجاوز الأربعين. بينما كان عددهم في الحبشة - كما تذكر الروايات - ثلاثة وثمانين رجلا وتسع عشرة امرأة. فمن الطبيعي إذن أن تخطط قيادة مكة للإطاحة بهذا التجمع الخطير في الحبشة، صحيح أنه بعيد عنها، ولكن نموه يشكل خطرا على مكة. في أي وقت تعود فيه هذه الجالية إلى مكة وتمارس نشاطها ودعوتها، خاصة إذا استطاعت هذه الجالية الكبيرة أن تدخل الأحباش في الإسلام، أو تقنع النجاشي بمهاجمة قريش. ولا تزال ذكرى عام الفيل وغزو الأحباش للكعبة عالقة في أذهانهم، ومن أجل هذا أحكمت الخطة من كل جانب لاسترجاع المسلمين من هناك، وكان وجود ثلاثة عناصر أساسية كافية لنجاح الخطة.
стр. 88
الأول: هو الكميات الضخمة من الجلود التي حملها الوفد هدايا معه لكل جهاز الحكم في الحبشة.
الثاني: اختيار الوفد على أرفع المستويات في مكة من حيث الحكمة والحنكة والدهاء والذكاء.
الثالث: الصداقة الوثيقة بين عمرو بن العاص أحد أعضاء الوفد، والنجاشي ملك الحبشة.
وحين يراجع المرء الخطة التي شارك ذكاء عمرو بن العاص في وضعها لا يشك لحظة في نجاحها، ويكفي أن نعلم أن عمرو هو الذي كان داهية المسلمين فيما بعد، وهو الذي أطلق عليه الفاروق عمر ﵁ أرطبون العرب - في مواجهة داهية الروم الأرطبون. وأهم عنصر في هذه الخطة هو تسليم الهدايا لجهاز الحكم الحبشي كله قبل تسليمها للنجاشي نفسه، والهدف المقصود من ذلك هو ما ذكر في النص نفسه (فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم).
إننا ونحن نتحدث عن هذه المطاردة، يمثل في ذهننا محاولات الطاغية الحاقد النصيري في سوريا في مطاردة المجاهدين المسلمين في الأردن والعراق والسعودية وغيرها، ونذكر الخطط الجهنمية الرهيبة التي تدرس على المستوى المحلي والعالمي للضغط على الحكومات المضيفة للمجاهدين المسلمين كي تسلمهم إلى الطواغيت. وكم من المرات جاءت الوفود إثر الوفود كي تستأصل الوجود الإسلامي من هذه الأقطار، وباءت بالفشل الذريع بعد ذلك ونفذت الخطة تماما كما أعدت، وقام البطارقة بدورهم على خير وجه كلفوا به من قريش وكان حديث الوفد القرشي في أعلى مستويات الذكاء. فقد جعلوا المسلمين على دين مرفوض من الفريقين، وبمعنى آخر هو خطر على الفريقين،
كما حاولوا أن يستفزوا مشاعر النجاشي في عدم دخول المسلمين في دينه، وأظهروا حرصهم الشديد على مصلحة الحبشة والنجاشي. وآخر معنى من المعاني التي ركز عليها الوفد القرشي هو أن قومهم وأشرافهم أعلم بهم،
стр. 89
وهو معنى هام حرصوا عليه، وذلك حتى لا يجشموا النجاشي عناء السماع لهم. لعلمهم باحتمال فشل خطتهم لو استمع إلى المسلمين.
الشيء الوحيد الذي حال دون تنفيذ الخطة وأفسدها على المشركين هو عظمة النجاشي، وأصالة عنصره، وطيب محتده يوم رفض - رغم قرار مستشاريه من البطارقة - الحكم والتسليم قبل أن يسمع من المسلمين.
ما أحوجنا ونحن نعمل في الحركة الإسلامية أن نعرف أقدار الرجال وموازينهم. إن بعض الكفار قد يقيضهم الله تعالى ليكونوا حماة للإسلام، وبعضهم قد يكونون على الحياد، وبعضهم يعملون لاستئصال شأفة الإسلام، فهل يجوز للمسلمين أن يعاملوهم جميعا على مستوى واحد؟؟
إنهم لو فعلوا ذلك لكانوا إما أغبياء جهلاء، أو غادرين لؤماء، وكلا هذين الموقفين يبرؤ منهما العنصر الإسلامي الأصيل. وهذا ما سنراه من خلال الحديث عن الجوانب الأخرى في هذه الوثيقة.
السمة الثانية والعشرون
عبقرية الوفد الإسلامي في حوار الملوك
لقد كانت هذه الجالية الإسلامية من الكفاءة والعبقرية ما جعلها تحطم كل أحابيل الأعداء، وفيهم عمرو بن العاص داهية العرب قاطبة.
لقد كان الصف الإسلامي في الحبشة يمتاز أول ما يمتاز بالحب والمودة والثقة بين أفراده وكانت الميزة الثانية فيه لجوءه إلى الشورى. (فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ...) فلا يقطع أحد منهم برأي ولا ينفرد فيه عن أخيه.
وكانت الميزة الثالثة فيه تقديرهم للكفاءات والطاقات، فاختاروا رجلا منهم ليكون الناطق الرسمي بهم حيث ووجه جعفر ﵁ بالسؤال الأول عن هذا الدين.
стр. 90
لقد استطاع جعفر ﵁ أن يقدم الإسلام بصورة فريدة قلما نجد لها نظيرا في التاريخ. وذلك على أربعة خطوط عامة:
الخط الأول: وقد عرض فيه كل مساوىء الجاهلية وعوراتها وقذرها بحيث أصبح هذا الدين الذي يدين به وفد قريش تتقزز منه كل نفس بشرية. وكانت هذه الجولة الأولى التي هدم بها الركن الركين الذي يفيء إليه عمرو بن العاص وصاحبه.
ثم انتقل إلى الخط الثاني فعرض فيه في كلمات جامعة مانعة قواعد الإسلام العامة وأسسه التي تستهوي كل حصيف عاقل بله ملك حكيم مجرب محنك.
لقد كانت الفرصة مواتية لجعفر كي ينقلب داعية إلى هذا الدين، بعد أن كان الهدف سياسيا بحتا هو المحافظة على الوجود الإسلامي في الحبشة.
وبذلك كسب الجولة الثانية في تقريب نفس النجاشي إلى الإسلام.
ثم انتقل إلى الخط الثالث فعرض فيه الظلم الماحق الذي نزل بالمسلمين نتيجة تمسكهم بهذا الدين وأبرز وضع المسلمين في صورة قديسين وحواريين. تنزل بهم ضربات المجرمين الوثنيين وهذه الصورة ذات أثر ساحر في نفس النصارى الذين يعيشون مفهوم التضحية والفداء. بل حرروا دينهم إلى صور من المثالية والرهبانية التي ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، ما كتبها الله عليهم، وما رعوها حق رعايتها. وبذلك، كسب الجولة الثالثة في كسب قلب النجاشي بعد أن كسب عقله.
ويكاد الذي يسمع هذا الكلام يرى أن فوجا جديدا من الحواريين قد حشر بين يدي ملك الأحباش. كما أظهر في الوقت نفسه قريشا في هيئة الطاغية المتجبرة حتى لينفر الملك في قلبه منهم بعد أن نفر منهم في عقله.
ثم انتقل إلى الخط الرابع في الئناء الحصيف المتزن على الملك، الذي لا يحمل المبالغة الكاذبة ولا التجاهل المهين، بل وضعه في صورة الأمل والملاذ لهؤلاء المستضعفين. وبذلك كسب الجولة الرابعة، وجعل آخر حديثه يدور
стр. 91
حول المحور النفسي وإثارة الشهامة والرجولة في نفس الملك.
كان من الطبيعي بعد هذه العبقرية في العرض، والفذاذة في الأسلوب، أن ينهزم عمرو بن العاص وصاحبه هزيمة منكرة.
إن كل النقاط التي أثيرت عن الإسلام هي نقاط التقاء بين النصرانية والإسلام، بينما أغفلت لحد ما نقاط الخلاف. والدبلوماسي والسياسي المسلم هو أحوج ما يكون ليفقه هذه الدروس في المفاوضات. وهي خطوط عامة في أي لقاء أو حوار مع أية جهة أو قيادة سياسية على مستوى القمة.
١ - تفنيد عيوب الجاهلية التي تعادي نظام الجهة المفاوضة، أو لا تتبنى وجهة نظرها على الأقل.
٢ - عرض المبادىء، والأسس العامة للإسلام التي يقوم عليها البناء بعد هدم المفاهيم الجاهلية السابقة.
٣ - عرض جوانب الظلم والاضطهاد التي يعانيها حملة المبادىء من الطواغيت والظالمين.
٤ - عرض الأمل الكبير المنوط بالجهة المفاوضة في رفع هذا الظلم والحيف في ثناء حصيف متزن.
٥ - إغفال نقاط الخلاف والإثارة التي يمكن أن تفسد الجو بين السياسي المسلم، والجهة المفاوضة، ثم كان ختام المفاوضات في تلاوة صدر سورة مريم بطلب من النجاشي أن يستمع إلى شيء مما جاء به رسول الله ﷺ . ولا شيء أحب على قلب النجاشي من أن يسمع صدر صورة مريم العذراء الطاهرة البتول، وأصدر حكمه النهائي بعد هذا كله: (إن هذا والذي جاء به عيسى من مشكاة واحدة).
إن وفدا يستطيع أن يبكي ملكا أو رئيسا ويبكي معه كل أعضاء وفده عن صدق وقناعة هو أعلى وفد ينجح في مهمته. بعد أن كانت البداية هي تعرضه للطرد والإبعاد من بلد هذا الملك. وكم هذا الوفد على مستوى من الكفاءة والعبقرية، أن يكسب عقائديا بعد أن كسب سياسيا، ويضم الملك إلى الإسلام؟؟؟.
стр. 92
السمة الثالثة والعشرون
لا مساومة على العقيدة
لقد هزم عمرو في الجولة الأولى شر هزيمة، ولكنه عمرو، فأين دهاؤه، وهو الذي حفظ عنه التاريخ في كلمته التاريخية فيما بعد في تحديد مستويات الدهاة المسلمين. معاوية للمعضلة، وعمرو للبديهة، والمغيرة لكل صغيرة وكبيرة. ولقد قدمت الفكرة عنده منذ الوهلة الأولى، وبينها لإلحاق شر هزيمة منكرة بالمسلمين عبر عنها بقوله لصاحبه: والله لأتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم.
حتى لنستمع إلى مشاعر أم المؤمنين ﵂ من الغيظ على عمرو، وحفظ الجميل لصاحبه ابن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - إن نقطة الخلاف التي تحاشاها المسلمون بذكائهم ونباهتهم هي التي أثارها عمرو عليهم حربا ضروسا لها أوار. لقد بيتها لهم إلى اليوم الثاني حيث قابل النجاشي بقوله: - إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما.
إن عمرو قد خطط أن يفتك بهم بنفس السلاح الذي هزموه فيه، بالحديث عن مريم وعيسى بن مريم. وكانت المحنة الجديدة أمام المسلمين، حيث لا مفر لهم من قول الحقيقة التي تحاشوا ذكرها من قبل، لم تعد تجدي العبقرية هنا لأننا أمام أصحاب مبادىء لا تجار سياسة. لأننا أمام دعاة إلى الله، وليس مع دجالين نهازين للفرص حتى يصلوا إلى الحكم، وهنا تقف حدود السياسي على عتبة الداعية، وهذا ما قرره الدعاة المسلمون بعد كل المكاسب التي حققوها. إنهم أمام واقع قد يفقدهم كل هذه المكاسب، والتي منها إسلام النجاشي، والتي منها حرية الدعوة. بل قد يؤدي إلى التنكيل بهم والقضاء عليهم، وتسليمهم إلى عدوهم.
كيف يتصرف السياسي المسلم أمام هذه الموازنات؟ أمام هذه الخيارات
стр. 93
الصعبة؟ أن يجد كل ما بناه منهارا في لحظة واحدة، أو يجد الدولة التي يريدها على وشك أن تقوم. ثم يطلب منه أن يضحي بهذا كله من أجل حقيقة عقيدية واحدة. أبدا إما السياسي، وإما المسلم. فلا خيار عندها له إلا الإسلام. انتهى دور العبقرية ولم يكن من بد إلا إعلان العقيدة ولو كانت تغيظ الكثيرين أو تقضي على كل ما حققه المسلمون من مكاسب. قالوا وبلا خلاف: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. لقد حصرهم دهاء عمرو في عبودية عيسى، فلا مناص، لهم من أن يقولوا الحقيقة. ولكن شرف الكلمة، وعظمة التمسك في المبدأ يكون لها من السحر الحلال أحيانا ما يفوق كل دهاقنة السياسة وعباقرة الدبلوماسية، وهذا الذي كان. - والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود - ولئن فشل عمرو في تغيير قلب النجاشي، فلم يفشل في تغيير قلب بطارقته. ونخروا أمام هذه التصريحات، غير أن النجاشي زاد إصرارا على موقفه. - وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم (آمنون) بأرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم! ما أحب أن لي دبرا (جبلا) من ذهب وأني آذيت رجلا منكم. وانتهى الأمر بتوتر العلاقات بين النجاشي وصاحبه عمرو حتى ليأمر بإعادة الهدايا كلها إليهم. وأنها لتعني في مفهومنا المعاصر على أقل تقدير، قطع العلاقات
الدبلوماسية بين الدولتين مكة والحبشة، وإغلاق السفارات، والاعتراف الرسمي بالوجود الإسلامي في الحبشة.
السمة الرابعة والعشرون
إثارة الحرب في صف حلفاء المسلمين، وفشل هذه المكيدة بالحزم
والسرية
لم يغادر عمرو الحبشه - رغم هزيمته النكراء - إلا وقد وضع بذور الحرب الأهلية في صفوف الحبشة حيث انقسمت الحبشة إلى فريقين: فريق مؤيد لرسول الله ﷺ والوجود الإسلامي وعلى رأسه النجاشي. وفريق
стр. 94
معارض -أو بتعبير أدق- للوجود الإسلامي في الحبشة وعلى رأسه مغامر جديد أو قائد انقلاب، ومن خلفه البطارقة الذين دفنوا غيظهم مؤقتا على المسلمين. ثم ساندوا هذا المغامر، وألبوا الجو ضد النجاشي حتى قامت الثورة عليه.
وهنا تطالعنا معان عديدة يجدر الوقوف عندها، ونحن ننهل من معين هذا المنهج تطالعنا مشاعر المسلمين كما تقول أم سلمة ﵂: - فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك. ثم كيف عاشوا على أعصابهم مراحل الحرب كاملة يرصدونها بيقظة وحذر. ويحمل الفتى الزبير - الذي لا يلفت الأنظار لصغر سنه، مسؤولية مراقبة الحرب والمعركة حيث يغامر سابحا إلى الطرف الآخر من النهر، وحين يتم النصر لا يتمالك أن يلوح بثوبه من بعيد فرحا بظفر هذا الكافر - ظاهرا على الأقل - على عدو يريد إبادتهم من الوجود.
والمعنى الثاني والثالث نطالعهما من تتمة قصة النجاشي: (وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم. فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصغوا له فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: وكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا خير سيرة.
قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه. هو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعني ما كتب، فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له .. (١)).
стр. 95
فلقد كان من الممكن أن يفقد المسلمون أكبر مركز استراتيجي لهم بعزل النجاشي أو قتله. وكان النجاشي يدرك هذا المعنى، فأقدم بحصافته في بداية الأمر على تهيئة السفن للمسلمين لأنهم هم المقصودون في الأصل. فلو انتصر خصومه فلن تطال يدهم المسلمون، وإن ظفر هو فالأمن والأمان للمسلمين. وكان التصرف االثاني درسا للمسلمين، فالنجاشي لم يعلن إسلامه بعد، ومن الممكن أن تبقى شخصية سريه غير معروفة بإسلامها ليؤمن الحماية للمسلمين، ونحن بحاجة إلى أن نقارن بين الموقفين، أن جعفر لم يقف هذا الموقف، ووقفه النجاشي لماذا أبيح للنجاشي ذلك، ولم يبح لجعفر، رغم أن كلا الشخصين مسلمان.
أما جعفر فهو الذي يمثل الإسلام والمسلمين، ومن خلاله يعرف الإسلام وتعرف عقائده. فلا مجال للغمغمة والتخفية، لأن هذا يعني طمس عقيدة الإسلام في نفوس الناس.
أما النجاشي فلا يعرف الإسلام بشخصه، ولا يعرف من خلاله، بل هو فرد عادي، الأصل أنه نصراني لا مسلم. فاقتضت المصلحة السياسية أن يبقى محافظا على سريته، ولجأ في اللحظة الحاسمة إلى التورية والإخفاء، وبقي في ذهن شعبه نصرانيا فأخمدت الثورة عليه. هذا الموقف هو الذي يمكن أن نسميه تغطية سياسية لأي جهاد إسلامي. فلو أن ضباطا في جيش يحملون في السر إنتماء إسلاميا لحركة مجاهدة، فليس بالضرورة أن يكشف عن هويتهم، ويعلن إسلامهم طالما أن في إخفاء شخصيتهم مصلحة للإسلام والمسلمين.
إن شخصية النجاشي، وشخصية العباس، وشخصية نعيم بن مسعود، هي نماذج إسلامية محتذاة للحركة الإسلامية ومن خلال أدوارها التي تؤديها، يمكن تحقيق حماية أو نصر أو تمكين للمسلمين في الأرض دون حرج تحمله الحركة الإسلامية أو تحمل أوزاره.
стр. 96
السمة الخامسة والعشورن
المفاوضات المباشرة بين رسول الله ﷺ وقريش - الحلول السلمية
وقد أخذت طابعا فرديا، وطابعا جماعيا:
أما الطابع الفردي: فقد تم على يد زعيمين يمثلان قوة قريش المتكافئة.
الأول الوليد بن المغيرة زعيم بني مخزوم وحلفائها. وأما الثاني فعتبة بن ربيعة زعيم بني أمية وجلفائها. ولندع الطابع الفردي لنقف مع الخطوط العامة للمفاوضات التي تمت بين قيادة قريش، وبين رسول الله ﷺ . (ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة وهم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاصي بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وأمية بن خلف ومن اجتمع إليهم، قال: اجتمعوا عند غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض، ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فأتهم، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم فيما كلموه بدءا. وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا:
يا محمد إنا وقد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد سببت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة فما بقي من قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - وإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك، وإن كان الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن
стр. 97
رئيا - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول الله ﷺ : ما بي ما تقولون، ماجئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ماجئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم - أو كما قال .. قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء، ولا أشد عيشا منا، فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسأله عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم رسول الله ﷺ : ما بهذا بعثت إليكم، وإنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي فأصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم.
قالوا: فإذا لم نفعل هذا فخذ لنفسك: سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وأما لا فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق تلمس المعاش كما نلتمس حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.
فقال لهم رسول الله ﷺ : ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا -. أو كما قال - فإن تقبلوا ماجئتكم به فهو
стр. 98
حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.
قال: فقال رسول الله ﷺ : ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل.
قالوا: يا محمد فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا به ويخبرك بما هو في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ماجئتنا به، إنه قد بلغنا إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا. ففد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا.
وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله.
وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة - وهو ابن عمته عاتكة بنث عبد المطلب فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك عند الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تجعل لهم بعض تخوفهم من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلما إلى السماء ثم ترتقي فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله لو فعك ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله، وانصرف إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان طمع به من قومه حين دعوه (١).
стр. 99
لعل هذا النص هو من أجمع النصوص التي طرحت القضايا الكبرى التي تم التفاوض عليها بين قيادة مكة وبين رسول الله ﷺ . خاصة وأن الذين اشتركوا في المفاوضات يمثلون كل زعامة مكة وقياداتها بلا استثناء.
فالمطالب تمثل إجماعا من هذه القيادة، وتمثل وجهة نظرهم، وإن المرء ليأسى أن يجد هذا التفكير وقد انعقد عليه إجماعهم. وإن تلخيص عبد الله بن أبي أمية لهذه القضايا هو الذي نعتمده للمناقشة:
أولا: الأمور العامة، المال والسيادة والملك.
ولم يلجأ إليها القرشيون إلا بعد أن سدت عليهم المنافذ بإسلام عمر والحمزة ﵄ ووجدوا خطر المسلمين قد استفحل، وأصبح المسلمون يدعون لله جهارا، ويعبدون الله جهارا. فعقد هذا المؤتمر الاستثنائي - إن صح التعبير - لإنهاء المشكلة مع محمد رسول الله ﷺ ، وأرسلوا وراءه ليحضر.
إن العدو عندما يشتد عليه الضغط والإكراه يلجأ إلى العروض المغرية أما في الأحوال العادية فلا يعبأ بالدعاة والدعوة، بل يستعمل أسلوب الاستهزاء والسخرية والإيداء، ولقد فشلت هذه المحاولات جميعا، وتقدم المد الإسلامي بدخول أضخم شخصيتين في صف محمد رسول الله ﷺ ، وأمام تعاظم هذا المد بدأت قريش أساليب الإغراء مع رسول الله ﵊.
وهذه هي عقلية الجاهلية التي لا تعرف قيما في هذه الأرض إلا هذه القيم. لأنها في الأصل لا تسعى إلا لذلك، وتحسب أن الدعاة إلى الله مثلها قيما ومبادىء. إن ملة الكفر ورجالاتها، ولو طرحوا ألف مبدأ فهو ستار في الحقيقة للوصول إلى المال والملك والسلطان والسيادة، وفي جواب رسول الله ﷺ لقادة الكفر درس خالد إلى الأبد يحتذيه الدعاة إلى الله، ويتخذونه موقفا ثابتا لأنه دين عندهم، وليس فلتة عابرة.
ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم وليست هذه الأمور إذن محل نظر أو دراسة من الحركة الإسلامية، لقد
стр. 100
بت فيها الأمر من رسول الله ﷺ . إن أي حكم تحت راية كافرة يشترك فيه المسلم من أجل المنصب فقط هو أمر مرفوض. إن البحث في هذه الأمور يتم بعد الاعتراف بالإسلام شرعا وحكما. أما قبل ذلك فلا، ومن أجل هذا رفض رسول الله ﷺ منهم ذلك قبل الاعتراف برسالته وبالكتاب المنزل عليه، وتطبيق مبادئه، والاحتكام إليه.
ثانيا: الأمور التي سألوها لمعرفة منزلته عند الله : هي تسيير الجبال عن مكة وتفجير الأنهار فيها، ثم إحياء الموتى من زعمائهم، ثم مساءلتهم عن رسول الله ليشهدوا له بذلك. أو أن يكون له قصور وجنان، وأن يسقط السماء عليهم كسفا. وإن كان هذا الأمر لا يتكرر بهذه الصيغة اليوم لأنه لا يدعي أحد أنه رسول بعد رسول الله ﷺ . لكنه يعرض من حيث فحواه ومعناه في صيغة أخرى.
إن قيادات الكفر تطالب الحركة الإسلامية بأمور تعجيزية هي لا تملكها بالأصل، وتربط إيمانها وانصياعها لها بهذه الأمور. فالماديون ذوو الحس الغليظ يتسترون وراء هذه الأمور لتبرير كفرهم، وما تطرحه المبادىء المادية اليوم - شيوعية كانت أو علمانية - هي الأفكار السابقة، فتضفي عليها ثوبا فلسفيا أو ثوبا علميا لتبرر موقفها الكافر.
إنهم يرفضون فكرة الإيمان باليوم الآخر، لأنهم لا يشهدون حياة بعد الموت، ويرفضون فكرة الإيمان بالله لأنهم لا يرونه، ويرفضون فكرة الإسلام كله، لأنه غيبي لا يخضع للتجربة، ويرفضون فكرة الدين كله لأنه مخدر للشعوب. بل يدرسون تاريخ العالم كله، على أن الدين مرتبط بالظلم البشري، ولن يحررهم في واقعهم اليوم. ولن يحقق لهم سعادتهم لأنه يحرم شهواتهم بلا مقابل. هذه المفاهيم العقائدية التي يطرحها الفكر المادي العلماني في وجه الدعاة إلى الله، يجب أن لا تفت في عضدهم، ولا تثني عزائمهم عن الصبر على المناظرة والاستمرار في الحوار، والتركيز على أن القضية أصلا هي قضية إيمان وكفر. وأنها محور الافتراق بين الفريقين.
стр. 101
كما تدلنا هذه المناقشات من طرف آخر على أن القضية عندما تحدد بهذه الصبغة، لن يعدم العدو الافتئات على الحق، ولن يعدم توزيع التهم وتشويه الدعاة بأنهم يتلقون أفكارهم من أعدائهم (ولقد علمنا أن الذي يعلمك هذا رجل باليمامة اسمه الرحمن، ووالله لا نؤمن بالرحمن أبدا) وهم يعلمون مدى كذبهم في هذا الإدعاء، ويرون محمدا ﷺ بين يديهم ليل نهار. ويعرفون مدخله ومخرجه وصلاته، وأعداء الله إذن حين يتهمون الدعاة بالعمالة أو التبعية الفكرية لغيرهم هم أعلم الناس بكذب ادعائهم ودعاواهم. وأخيرا نراهم يعلنون الحرب على رسول الله ﷺ لأنه لم يقدم هذه الأمور التعجيزية، (والله لنقاتلنك حتى تهلك أو نهلكنا). ولم يستجب لهذه المطالب. والدعاة إلى الله قد يفاجأون بمثل هذه المواقف. ويحرص العدو على أن يحرجهم أمام الناس إنهم متزمتون متعصبون، يريدون أن يحشروا الإسلام في كل قضية، فما علاقة الإسلام بالسياسة، ويتهمهم - كما نسمع الآن بعض روائح هذا الاتهام - بأنهم يعارضون التفاهم الوطني العام، ويصرون على أن يكونوا وحدهم في الحكم. وتضعف أحيانا نفوس الدعاة أمام هذا الاتهام، ويوجد في صفوفهم من يطالب قيادة الحركة الإسلامية بأن تكون لينة في مواقفها، وأن تبرز روح التقدم والتساهل مع الخصوم، لتثبت للعالم أنها غير متعصبة.
إننا في الحقيقة أمام قضيتين يحرص الاتجاه المعادي للإسلام أن يحصرنا بها:
القضية الأولى: أنه يقبل أشخاصنا دون فكرنا، يقبلنا شركاء في الحكم، وكأن هذا تسامحا منه وتقديرا وإكراما لنا.
القضية الثانية: أنه يقبل منا أفكارا عامة لا تحمل مسحة الإسلام، ولا تنطلق منه، كالحديث العائم عن الحرية والعدالة، وحقوق الشعب، ونصر الضعفاء، وتبني قضايا العمال والفلاحين إلى غير ذلك من الأطر. ولكن مجردة بعيدة عن الإسلام.
إنه يقبلنا بهاتين الصيغتين، وإلا فنحن متزمتون متعصبون. ويبرر حربه علينا لوجود هذا التعصب فينا. ونحن بحاجة إلى أن نعي هذه المناورة،
стр. 102
ونعي أبعادها، إن القضية عندنا هي قضية حكم الإسلام قبل أن تكون قضية حكم المسلمين. نحن لا نريد الحكم لذواتنا وأشخاصنا، ولا نريد الحكم للجاه والسلطة والنفوذ. إنما نريد الحكم لهذا الدين، لأن يكون الدين كله لله. ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله (١)﴾.
وهكذا رأينا فشل أضخم مفاوضات وقد حشد لها أضخم الإمكانات في صف قريش. ورفض رسول الله ﷺ كل الحلول المطروحة لإعادة الائتلاف الوطني في مكة، وإنهاء الخلافات الدينية فيها. وتوحيد الكلمة ولو تحت قيادة محمد رسول الله ﷺ ، على أن يتخلى عن رسالته وعن دينه.
إن الائتلاف على حساب العقيدة مرفوض، والاتفاق على حساب الإسلام مرفوض، ووحدة الصف تحت راية غير الراية الإسلامية مرفوضة كذلك، ونصبر حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا وهو أحكم الحاكمين.
السمة السادسة والعشرون
تحييد بعض الشخصيات والبطون نتيجة المفاوضات
بين يدينا المحادثات الخاصة التي تمت بين عتبة بن ربيعة زعيم بني أمية وبين رسول الله ﷺ . والتي قدم فيها نفس العروض السابقة، ولنستمع إلى رد رسول الله ﷺ عليها: (.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه. قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟. قال: نعم. قال: - فاسمع مني. قال:
أفعل. فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (٢) ...﴾ ثم مضى رسول الله فيها يقرأها عليها، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى
стр. 103
رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بأنه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكون لقوله الذي سمعت نبأ عظيم. فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله ﷺ -اأبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم (١)).
لا ندري إن كان هذا الحادث قبل المفاوصات السابقة أو بعده، ولكن الذي يعنينا من الأمر أدب الحوار. وكيف أن رسول الله ﷺ جلس يستمع لهذه العروض الهزيلة - بله السخيفة - من عتبة بن ربيعة ولم يقاطعه في حديثه، ولم يشمئز من كلامه بل أكثر من ذلك يفسح له المجال للمتابعة كي يفرغ كل ما في جعبته، ثم يسأله أو قد فرغت؟ ويخاطبه بقوله (يا أبا الوليد).
لقد كان رسول الله ﷺ يحترم خصمه، ويتكلم معه بأدب بالغ، وتقدير جم ويكنيه بكنيته. وبذلك يعلمنا أدب الحوار. وأهم نقطة فيه أن يتسع صدرنا لاستماع وجهة نظر الخصم، مهما كانت وجهة النظر هذه مرفوضة أو مقبولة عندنا، سامية أو منحطة لأننا بذلك نضمن أن يستمع خصمنا لنا، ويتسع صدره لوجهة نظرنا. وما لم نملك هذه الخاصية الهامة، فلن نربح الحوار مع عدونا.
стр. 104
ثم كانت الخطوة الثانية في المفاوضات تلاوة صدر سورة (فضلت) وهي التي تتناول وضع هؤلاء المشركين وموقفهم من الإسلام، ثم تعرض عقيدة الإسلام - والتوحيد أهم عنصر من عناصرها، ثم الحديث عن قدرة الله تعالى الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام. ثم الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. حيث انتهى الأمر بعتبة أن ناشد رسول الله ﷺ بالله والرحم أن يكف فكف.
صحيح أن عتبة بن ربيعة لم يسلم لكنه هزم نفسيا أمام نصاعة الدعوة وبلاغة القرآن. ومن أجل هذا جاء يعلن أمام قومه .. سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر ولا بالكهانة .. هذا ما عبر به عن إعجابه وذهوله. ثم الدعوة إلى موقف إيجابي من الدعوة:
(أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم.
وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به):
إنها دعوة قريش كلها لإيقاف الحرب ضد محمد ﷺ . مع المبررات الكاملة لذلك وترفض قريش الموقف وتتهم عتبة بأن محمدا سحره. وأمام هذا العداء المستحكم والموقف العنيف معه، أعلن موقفه الصريح: هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم. وانسحب عتبة بن ربيعة من المعركة ضد محمد ﷺ . وانسحب وراءه أكبر تجمع قبلي بعد بني مخزوم هو بنو أمية. واستطاع رسول الله ﷺ أن يحيد عتبة وبني أمية ويخفف من تكالب الأعداء على دعوة الإسلام.
إن مهمة القيادة الإسلامية وهي تخوض الحرب ضد أعداء الإسلام أن تخذل عنها ما استطاعت، أن تمزق العنف الكافر، أن تفتت وحدة صف العدو. فتحيد من تستطيع تحييده، وتضم إلى صفها من تستطيع ضمه، وأن تثير الشكوك والخلافات بين الكافرين. ولا يعتبر هذا وهنا في الدين، ولا مهادنة في دين الله، ولا تساهلا على حساب العقيدة. بل هو عمق سياسي، ونضج دعوي. ما أحرى القواعد أن تفقهه من رسول الله ﷺ . وتنضبط
стр. 105
بتوجيه القيادة حين تسكت عن عدو أو تضطر أحيانا للئناء على بعضهم، فهي أدرى بملابسات الحرب السياسية التي تخوضها، وهي أدرى بطبيعة التعامل مع العدو من تهادن ومن تحارب. وهي صاحبة الحق في هذا الأمر، وعلى القواعد الالتزام بخطها السياسي.
السمة السابعة والعشرون
التجمع القبلي لحماية القيادة (أبو طالب وبنو هاشم وبنو المطلب)
قال ابن إسحاق: (ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب. وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني عبد المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله والقيام دونه. فاجتمعوا إليه وقاموا معه إلا ما كان من أبي لهب وولده فإنهم ظاهروا قريشا على قومهم.
وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أنهم أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني عبد المطلب. فأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله. فمنهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعل ذلك إيمانا ويقينا (١) ..).
لم يكن وضع أفراد القبائل واحدا بالنسبة للإسلام. فالقبائل التي تحمل لواء الحرب للإسلام لم تكن تقبل لأفرادها الانتساب للإسلام. لأن هذا إنقاصا لكرامتها كما تتصور. ومن أجل هذا فقد كان أبناؤها يتعرضون لصنوف الأذى والاضطهاد وكانت أحوالهم أشق وأصعب من أحوال أبناء القبائل الضعيفة، وذلك على غير الصورة لدى بني هاشم وبني عبد المطلب
стр. 106
الذين كانوا يتبنون حماية رسول الله ﷺ ، وبالتالي فالذي يسلم فيها يدخل في حماية زعمائها تبعا لأمر رسول الله. ولهذا الموفف كان لا بد من القضاء على رسول الله ﷺ لاجتثاث الفتنة من جذورها، وعلى رواية الزهري أن قريشا اتخذوا هذا الموقف علانية. مما جعل أبا طالب يرى أنه عاجز عن حماية محمد ابن أخيه.
لقد أقدم على خطوة حاسمة حيث دعا بني هاشم وبني عبد المطلب ليحملوا مسؤولياتهم كاملة في حماية رسول الله ﷺ ، ومن موقع زعامته لبني هاشم وبني عبد المطلب. استجاب له الجميع لذلك، فحملوا سلاحهم من منطق العزة القبلية والأنفة العشائرية.
إننا أمام ظاهرة فريدة أن تقوم قيادة مشركة بقواعدها في حماية قيادة إسلامية وتتحمل مسؤولية هذه الحماية. ولو كانت قد تؤدي إلى فتح معركة وحرب مع الفريق الآخر، وما يمكن أن تقدم هذه القيادة على هذا الموقف لولا المركز الرفيع الذي يتمتع به رسول الله ﷺ في قبيلته. ولم يقف أبو طالب عند هذا الحد. بل طمع أن ينظم كل بني عبد مناف - على شركهم - إلى حلفه، واعتبر تخلفهم عن نصرة محمد ﷺ مطعنا كبيرا في نخوتهم الجاهلية، إذ يقول:
أرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر
أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر
هما أغمرا للقوم في أخويهما ... فقد أصبحا منهم أكفهما صفر (١)
ونلاحظ هنا أن الحركة الإسلامية قد نالت هذه الحماية دون أن تقدم أي تنازل عن عقيدتها. بل تمت الحماية لمحمد ﷺ وهو يدعو إلى الإسلام، ويسفه أحلام قريش، ويحارب عقيدتها، لقد كانت الحماية لشخصه ولحرية
стр. 107
دعوته حتى ولو كانت الدعوة ضد معتقدات حماته. وهذا من غرائب ما روى التاريخ. وقد تتكرر هذه الصورة في واقعنا المعاصر في حالتين:
الحالة الأولى: أن تتضارب مصالح الجاهلية، فلا يرى فريق منها مجالا لضرب مصلحة الفريق الآخر إلا بحماية الدعاة إلى الله. وهذا ما نجده أحيانا حين تلجأ أمريكا على سبيل المثال إلى إعطاء الحرية للدعاة المسلمين كي يقفوا في وجه النفوذ الشيوعي في منطقة من المناطق وهذه الحالة لا تعني أن يطمئن المسلمون إلى هذه المواقف. بل تعني أن يستفيدوا منها. لأنه ما إن يظهر خطر المد الإسلامي إلا ويتغير الموقف من هذه الدولة أو أزلامها في السلطة. ويحس هذا العدوان الخطر الأكبر هو المد الإسلامي.
الحالة الثانية: أن يسود الفكر الديمقراطي حقيقة في أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، ويتحرك المسلمون بالدعوة انطلاقا من هذه القوانين والمبادىء. واستفادة منها في حرية التبليغ. فتضيق الجاهلية ذرعا بهذه الدعوة فتحاول خنقها. فلا عجب أن يوجد فريق من هذه الجاهلية يحمي الدعوة الإسلامية ويساندها طالما أنها لا تتجاوز مجال البيان والكلام. وخاصة إذا كان هذا الفريق يمت بصلة قربى أو مصلحة للمسلمين، وسواء أكانت هذه الحالة أو تلك، فليس للحركة الإسلامية في هذا المجال أن تطمئن لهذه الحماية، بل عليها أن تتحرك في أطر ثلاثة:
الإطار الأول: أن تستفيد من هذه الحماية أقصى حدود الاستفادة في التبليغ والبيان.
الإطار الثاني: أن تكون يقظة، فلا تقدم مقابل هذه الحماية أي تنازل عن عقيدة أو تراجع عن فكرة لمجاراة هؤلاء الذين يقدمون الحماية أو مجاملتهم.
الإطار الثالث: أن تصمت عن النيل منهم وشتمهم بصفتهم كفارا، طالما أنهم يناصرون الدعوة. بل لا غرابة أن ثثني على مواقفهم وتمدح شجاعتهم دون أن يصل الئناء إلى عقيدتهم.
стр. 108
السمة الثامنة والعشرون
الحصار الاقتصادي والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة وحلفائها
وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: .. فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدأ ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل ... وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم إلى أبي طالب ودخلوا معه شعبه، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا .. وقطعت قريش عنهم الأسواق حتى كان يسمع صوت أبنائهم ونسائهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا ...
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ ، وأمره أن يأتي بعض فرشهم (١)).
لقد أصبح قتل رسول الله ﷺ هدفا بحد ذاته لدى المشركين. فهل يغامر الحلفاء للنبي ﷺ بتمزيق صف مكة من أجله؟ وإلى أي مدى يسيرون في هذا المضمار؟ وكان الحصار وكانت المقاطعة محك الاختبار.
لقد كان الأمر قبل المقاطعة أمرا سهلا وميسورا. فلا تعدو الحماية حمية وأنفة من هذين البطنين أن تتنازل عن رجل من أبنائها لقبائل أخرى.
لكن القطيعة والحصار وجها ضربة مجهضة لهذين البطنين وعزلهم عن مكة كلها، وأنزل بهم الجوع والعري ورسم لهم طريق الإبادة. إننا لا نستغرب
стр. 109
هنا أبدأ موقف المسلمين وصبرهم. فمن خلال العقيدة نجد مفهوم الأجر والثواب يوم القيامة، ونعيم الجنة بعدها كفيلين باستمرار المسلمين على خطهم وثباتهم على محنتهم وابتلائهم. لكن الأمر يختلف تمام الاختلاف بالنسبة للمشركين. فلا بد أن يتساءلوا فيما بينهم. فيم نلقى هذا العذاب؟ وفيم نلقى هذه الإهانة؟ وهذا الجوع والتشرد والخنق؟ والجواب واضح. فالأمر كله من أجل محمد بن عبد الله؟!!
لكن التساؤلات الأكثر حرجا ودقة هي: لم لا يرجع محمد عن دينه طالما أن هذا الدين باطل؟!! أو نبقى نسانده وهو يهاجم معتقداتنا، ويسفه أحلامنا، ويسب آلهتنا؟!! وخطر مثل هذه التساؤلات كبير. وأي تفكير سياسي وميزان مصلحي لا يقر أبدا إمكانية استمرار هذين البطنين على هذا الموقف، عندما تنهار مصلحة هذين البطنين. فهل يمكن للقيم الجاهلية أن تثبت أمام ضرب مصالحها بله الإجهاض عليها؟!! لقد أصبحت مكة كلها في خطر مما أدى إلى انقسام مكة إلى معسكرين كبيرين المعسكر الأول يضم المسلمين وبني هاشم وبني المطلب مسلمهم ومشركهم، والمعسكر الثاني يضم المشركين من بقية البطون القرشية. ولا شك أن نظافة الشخصيات الإسلامية، ومركزها المرموق في قبيلتها هما اللذان دفعا لهذا الموقف ولو لم يكن رسول الله ﷺ على أعلى مستوى من التقدير والاحترام والتعظيم، لما غامر البطنان الكبيران بنو هاشم وبنو المطلب في خوض حرب من أجله. ولقد مثل هذه الصورة لامية أبي طالب الرائعة التي يقول فيها بعد هذا الحدث:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد حالفوا قوما علينا أضنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عقب من تراث المقاول (١)
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل (٢)
ثم يقسم بالإيمان المغلظة بالله والبيت، والحجر الأسود، ومقام إبراهيم،
стр. 110
والسعي بين الصفا والمروة وبالشهر الحرام وبموقف عرفات. يقسم بهذا كله ويعوذ به أنه لن يتخلى عن محمد بن عبد الله:
كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل (١)
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا تحث ذات الصلاصل (٢)
ويعلل سبب إعلانه هذه الحرب، ولماذا اتخذ هذا الموقف مع عشيرته
قائلا:
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل (٣)
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة وفواضل
ويهاجم بعد هذا بقية بني عبد مناف، من بني أمية وبني نوفل الذين ظاهروا الأعداء عليهم. فإن يستعد فريق من المشركين لخوض معركة مسلحة لحماية فريق من المؤمنين فهذا يعني أن التقدير والحب لهم يفوق كل وصف، فمحمد ﷺ عند أبي طالب ورهطه زعيم بني هاشم، يفدونه بالمال والروح، بالدم والنساء والأبناء (٤).
والحركة الإسلامية وهي تخوض غمار الجهاد، وتواجه الجاهلية العاتية، لا تعدم أن تجد بعض النماذج والتجمعات والقيادات الجاهلية والقبلية مثل بني هاشم وبني المطلب، وتنطلق من الأعراف والقوانين الجاهلية لحماية هذه الحركة.
إن معظم القوانين والدساتير الجاهلية تضع في صلبها حرية الاعتقاد