السمة السادسة عشرة:
سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني
عاد رسول الله ﷺ من تبوك؛ واتجهت العرب إلى المدينة تعلن ولاءها وكان موسم الحج الجديد (ثم أقام رسول الله ﷺ بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين).
قال ابن إسحاق: (وحدثتني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي ﵁ أنه قال: لما نزلت سورة براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر ليقيم للناس الحج قيل له يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته، فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق تقال: أأمير أم مأمور؟ قال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم في الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن بالناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ ففال: أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم اإلى مأمنهم أو بلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله ﷺ عهد إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان).
لقد كان حج العام التاسع من حيث الشعائر فيه كامل الحرية للمسلمين والمشركين دون وجود سلطة محددة تمنع هذا أو ذاك، ولكن ظهر المجتمع الإسلامي الضخم الذي يقوده أبو بكر ﵁ والمسلمون معه يحجون بحجه، ولا يبعد أن يكون كثير من المسلمين مع قبائلهم وفي مواقعها.
وكان هذا التجمع مناسبة طيبة لإعلان الأوامر الربانية في إنهاء الوجود الوثني في جزيرة العرب والذي استمر عدة قرون وفي الكعبة المشرفة.
стр. 632
ولقد تم خلال الحج الماضي إزالة الأصنام من مكة فقط وكانت تظاهرة عمرة الجعرانة قبيل الحج فقط. غير أن إعلان الأحكام الإسلامية في منى يوم النحر كان من الأهمية بمكان ويعني أن شريعة الله سوف تطبق كل أحكامها وعلى الناس جميعا خلال مدة زمنية أقصاها أربعة أشهر إلى السنة فخلال سنة وحتى يحل الحج القادم فيمكن التساهل وغض النظر عن بعض مظاهر الشرك في البيت الحرام، أما الذين كان لهم وجود قانوني ثابت من خلال عهود ومواثيق مع رسول الله ﷺ ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ لكن استمرار الشرك بصورة دائمة فهذا مرفوض في شريعة الله في مكة وجزيرة العرب فالعهود المفتوحة بدون قيد، والتجمعات المشركة القائمة بدون عهد حدد الإنذار النهائي لها أربعة أشهر لإعلان الإنضمام إلى المسلمين أو المواجهة معهم.
﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفرر رحيم وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ (١).
وكان هذا الإعلان الرسمي بمثابة حل لأحزاب الشرك والوثنية في أرض العرب، إلا التي أقامت وجودها بإذن خاص من رسول الله ﷺ .
وأهم ما يحسن أن تعيه الحركة الإسلامية من هذا الإعلان أن تفقه قصة التدرج في الحكم والأحكام والخطوات المرحلية المؤدية إلى الهدف، وشرف التعامل والعهود والمواثيق مع الآخرين.
وإننا لنذكر الشباب الدعاة أنه ما بين تطبيق أحكام الإسلام في الشعائر وما بين فتح مكة سنتان تماما. وكان بإمكان النبي ﷺ بعد أن انتهى من هوازن وحنين وما حولها مظفرا منتصرا. أن يقيم في مكة إلى الحج، ويمنع خلال شهر أداء كل هذه الشعائر إذ أنه دخل مكة ﵊ في ذي القعدة ولكن العبادات لا تتم بالحظر فقط، وبالأمر فقط لقد غادر رسول الله ﷺ مكة قبيل الحج وجعل أميرا على المسلمين في مكة عتاب بن أسيد الشاب الذي لم يمض على إسلامه شهران أو أكثر، وبقي عتاب بن أسيد ﵁ مع
стр. 633
من أسلم حديثا من أهل مكة فحج بالمسلمين، وبقي معاذ بن جبل ﵁ في مكة يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.
مضى عام كامل ومعاذ تحت إمرة عتاب يفقه الناس في الدين، وإن كان قد استدعي ﵁ لأداء المهمة نفسها في اليمن، وكانت سنة كافية لأسلمه الحج كله إذا صح التعبير ولكن رسول الله ﷺ مدد الأمر عاما آخر حتى تأخذ التربية مداها، ويأخذ التفقيه مداه وأن يتعامل مع قلوب الناس لا مع أجسادهم لا بد من سلخ آثار الوثنية من القلوب والنفوس التي علقت بها هذه الآثار واستمرت التربية سنتين كاملتين حتى كانت حجة الوداع.
لقد ارتبط الحكم الإسلامي في جانبيه الشعائر والشرائع بهذا المدى الزمني العظيم والسلطة الوحيدة المسيطرة هي سلطة المسلمين، وهي القوة الوحيدة في الساحة ومع ذلك اقتضى الأمر هذا المدى الزمني الطويل ليمنع فيه حج المشرك وطواف العُريان.
إننا نجد الشباب الإسلامي المتحمس وهو يتصور دولة الإسلام القادمة من خلال بلاغات حربية وانقلاب عسكري ومنذ اليوم الأول الذي تعلن فيه إسلامية الدولة. وفي بلاغات متلاحقة. وأيام قلائل. تلغى كل مظاهر الكفر والشرك في الإذاعة والتلفاز، ومظاهر الفساد ومواخير الزنا في المسارح والملاهي والسينمات، ويصدر قرار بالحجاب الإسلامي.
إن هذا التصور العجيب الذي يملأ قلوب الكثير من الشباب هو تصور غير إسلامي، بل ويبالغ الشباب بكل أسف في ذلك لدرجة إتهام القيادة المسلحة بالمداهنة في دين الله لو تلكأت عن هذا التنفيذ وبالإنحراف، وبموالاة الكفار.
لقد سمعت ذلك الشاب المتحمس وهو يناقشني على صوت موسيقي ظهر خطأ في برنامج إسلامي، من إذاعة لدولة حليفة يقول لي: هذا هو الانحراف، وكما انحرف الفلسطينيون في فتح، وانتقلوا من الإسلام في البداية إلى العلمانية ها أنتم تنحرفون كذلك، بل وبلغ الحماس عند بعض الشباب أن نفض يديه من الجماعة المسلمة حين وجد هذا الصوت في هذا البرنامج.
لهؤلاء الشباب الذين تقرأ عتابهم وهم رصيد هذه الحركة، لهؤلاء نقول رويدا رويدا. فها هو رسول الله ﷺ يستلم السلطة في مكة ويبقى الحرم يعج بالمشركين والعراة سنتين كاملتين حيث تم التمهيد المناسب والتفقيه اللازم، والتهيئة النفسية الكاملة وتم بعد هذا كله إلغاء هذه المظاهر الماجنة في ظل الكعبة.
إنه نداء حار إلى الشباب كي يفقه هذا الدرس في أعظم صور المفاصلة بين الإسلام والشرك ومع هذا وضع له مدى أربعة أشهر لإلغاء التجمع ومدى سنة كاملة لتنفيذ الحكم الإسلامي الكامل في البيت الحرام وغيره وإعلان الحرب على الوجود المشرك، كان في بلاغات لا
стр. 634
تغدر بالناس ولا تفرض عليهم الأمر فرضا بل تتيح لهم الفرصة للتعرف والتفقه بحيث يتمكن كل فرد في الأمة أن يتعرف على الإسلام من خلال الدعاة المنبثين في كل مكان وكانت عظمة الإنذار السادس أن الأمان مفتوح لكل مشرك جاء ليتعرف على الإسلام وله كامل حريته أن يسلم أو يعود إلى تجمعه المشرك إن لم يقتنع بالإسلام، دون خطر على وجوده وحياته بل على المسلمين أن يبلغوه مأمنه إنها دورة تدريبية كاملة لمدة سنة تتيح لكل مشرك في أرض العرب أن يتعرف على الإسلام ويفقه أحكامه خلال هذا العام وله كامل الحرية بعدها في اختيار الإسلام أو الشرك لأن ضمان عودته إلى حزبه قائم فأبلغه مأمنه وبعدها تكون الحرب المعلنة أو الدخول في الدين وليت الشباب يدركون عظمة هذا الدرس، وإنهم يتعاملون مع بشر يحرصون على دخولهم في حظيرة الإسلام ولا يتعاملون مع صنم يكسر ويحطم، وانتهى الأمر ولا ينسوا أبدا أن المظاهر الماجنة في ظل الكعبة بقيت سنتين ورسول الله ﷺ حاكم أرض العرب طالما أن هذا الأمر يخص مقدسات الناس فلا بد من التدرج في إزالته حتى يألفه الناس ولا يفرون أو ينفرون.
стр. 635
السمة السابعة عشرة:
الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين
قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسول الله ﷺ ذو القعدة تجهز للناس، وأمر الناس بالجهاز له، وعن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ لخمس ليال بقين من ذي القعدة.
ثم مضى رسول الله ﷺ على حجه فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية أما بعد أيها الناس. فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد في أرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم.
أيها الناس. إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا. منها أربعة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعتلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت.
وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه نلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟
стр. 636
فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم: فقال رسول الله ﷺ : اللهم اشهد.
قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن نجيح أن رسول الله ﷺ حين وقف بعرفة قال: هذا الموقف للجبل الذي هو عليه وكل عرفة موقف. وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: هذا المنحر، وكل منى منحر، فقضى رسول الله ﷺ الحج وقد أراهم مناسكهم وأعلمهم ما فرض الله عليهم من حجهم من الموقف ورمي الجمار وطواف البيت وما أحل لهم من حجهم وما حرم عليهم فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع وذلك أن رسول الله لم يحح بعدها.
ارتبط مع حجة الوداع نزول قول الله : ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمني ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾.
وفي صدد الحديث عن المنهج الحركي نقف على عتبة النهاية لهذه الخطوات التي ابتدأت بقول الله : ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾.
ابتدأ الإسلام بشخص رسول الله ﷺ في مكة في جبل غار حراء وهو شاخص ببصره بين الأرض والسماء وجبريل يقول له أنت رسول الله وأنا جبريل وها هي تنتهي بجوار غار حراء، وعند الصخرات من جبل عرفه، وحوله مائة وثلاثون ألفا من المسلمين يمثلون جزيرة العرب قاطبة، ومن هذا الموقع وفي هذا الموقف يعلن ﵊، إتمام المهمة، وتبليغ الرسالة وإكمال الدين على لسان نبيه محمد ﷺ .
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، لقد ابتدأت القاعدة الصلبة قبل ثلاث وعشرين عاما بشخص رسول الله ﷺ وانتهت بهذه المجموعات الضخمة التي تمثل الأرض العربية آنذاك.
وأمام هذا الحشد الضخم من الأمة، كان الخط الأول خذوا عني مناسككم وبذلك تتجه الأمة لترى رسول الله ﷺ وهو على راحلته يؤدي المناسك فيقتدي الناس جميعا به، ويرونه وهو على الراحلة بحيث يتم بهذه العملية إلغاء كل المناسك الوثنية التي كانت موجودة في أرض الحرم والحج هو أعظم تجمع بشري في ذلك الوقت فلا بد من إيضاح المعالم الكبرى للدعوة، والتي يتم عليها التقاء البشر جميعا لما لها من أهمية خالصة وحيث تقف الناس جميعا بعرفه. أعلن المبادىء الكبرى على الناس جميعا وهي:
стр. 637
أولا: حرمة الأموال والدماء والأعراض.
وهذا يمثل الخط الفاصل بين الإسلام ونظم الأرض فالشيوعية اليوم تجعل الأموال والأعراض والدماء في حكم المشاع كما أن الرأسمالية تبيح الأعراض وتنتهك الأموال وتسفك الدماء والميزان الحقيقي للوجود الإسلامي في الأرض هو الحفاظ على حرمة الدماء والأموال والأعراض.
ثانيا: حرمة الربا وهو الهرم الذي يرتفع الظلم فيه حتى يسحق الفقراء في الأرض.
ثالثا: العدل وهو سمة الإسلام الأولى في هذا الوجود وبه قامت السموات والأرض ومن أجل ذلك فأول ربا يوضع هو ربا العباس بن عبد المطلب عم محمد ﷺ .
رابعا: حقن الدماء، وذلك حيث يتحول الحكم الإسلامي إلى القصاص، والانتقال من مفهوم الثأر إلى مفهوم القصاص. هو انتقال من العشيرة إلى الدولة، ومستوى العدل نفسه في الربا هو هو نفسه في الدماء (وإن أول دم أضعه هو دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) والأمة التي تصان أرواحها ودماؤها هي أمة متقدمة جدا في مضمار الحضارة والمدنية وأن يكون الأمن مستتبا هو الذي يحقق السعادة للأمة.
خامسا: إلغاء الوثنية فلن تعود الوثنية للأرض العربية أو تعود الأصنام والأوثان إليها بعد أن جاء الحق وزهق الباطل لكن الشيطان سيتدخل في صرف الناس عن الاستقامة على دين الله.
سادسا: حرمة التلاعب بدين الله فقد انتهى دور الشيطان في أرض الإسلام أن يعيد إليها الوثنية من جديد لكنه قد يدخل في دين الله ما ليس فيه حين يشرع الناس ما لم يأذن به الله إنها الحاكمية لله تعالى وليست للبشر فالنسيء نموذخ من هذه النماذج وهو تأخير الأشهر الحرم والتلاعب فيها يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله.
وهذه هي القضية التي يقوم عليها الصراع بين الإسلام والجاهلية إن الحكم إلا لله قضى ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم.
سابعا: حق الرجل على المرأة ومن خلاله يتبلور النظام الاجتماعي في الإسلام فالمرأة تبع للرجل، والقوامة للرجل على المرأة والمفهوم الإسلامي للأسرة هو أن تكون المرأة وقفا على الرجل ولا تأتي بالفاحشة البينة، وعند الفاحشة فللرجل قسر المرأة وقصرها عليه ولو في الضرب غير المبرح والهجر في المضجع والموعظة الحسنة.
ثامنا: حق المرأة على الرجل وهي حين حبست نفسها عليه فعليه رزقها وكسوتها بالمعروف
стр. 638
وعليه أن يحسن المعاملة فهن أمانة الله عند الرجال، وبكلمات الله استحلت فروجهن فاستوصوا بالنساء خيرا.
تاسعا: ودستور الأمة ينطلق من المصدرين الأساسيين ومناط التشريع عليهما كتاب الله تعالى وسنة رسوله ولا ضلال لمن تمسك بهما.
عاشرا: والرابطة العليا في الأمة هي رابطة العقيدة ورابطة الإسلام، فالأخوة من خلالها، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسه.
وحيث تم تبليغ هذه المبادىء العشر وقد أعلنت في اجتماع يضم مائة وثلاثين ألفا لا بد لهؤلاء أن يحملوا الأمانة إلى الأرض كلها، وإلى الأجيال فيما بعد. ومن أجل هذا كان الخطاب على الملأ اللهم هل بلغت فتجيب جماهير الأمة اللهم نعم فيرفع يديه لرب السماء قائلا: اللهم أشهد.
стр. 639
السمة الثامنة عشرة:
إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة
ولا غرابة أن تكون وفاة رسول الله ﷺ من سمات هذه المرحلة لأن الوفاة التي ارتبطت بقيام دولة الخلافة يعني أن هذا المنهج الحركي لم يكن خاصا بالنبوة بمقدار ما كان خاصا بالأمة. ولعل معيشة تلك اللحظات يعطي الحدود العامة لهذه السمة.
روى ابن إسحاق عن عائشة قالت:
رجع إلي رسول الله ﷺ في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري فدخل علي رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر فنظر رسول الله ﷺ إليه في يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم قأخذته فمضغته له حتى لينته؛ ثم أعطيته إياه، قالت: فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط، ثم وضعه، ووجدت رسول الله ﷺ يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى في الجنة، فقلت: خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق، وقبض رسول الله ﷺ .
وفي رواية لها كذلك، مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحدا فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.
وروى ابن إسحاق عن أبي هريرة قوله، لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد توفي، وإن رسول الله ﷺ ما مات، لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله ﷺ كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ قد مات. وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ورسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله ﷺ ثم أقبل عليه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا ثم رد البرد على وجه رسول الله ﷺ ثم خرج وعمر يكلم الناس: فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن
стр. 640
محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾.
قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا ـن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم فقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تقلني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.
أمر سقيفة بني ساعدة
قال ابن إسحاق: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (... إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم. وقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار قالا: فلا عليكم ألا تقربوهم يا معشر المهاجرين إقضوا أمركم، قال قلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقك: من هذا؟ فقالوا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا وجع فلما جلسنا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو له أهل ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا. وقد دفت (١) دافة من قومكم قال وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد (٢) فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر فكرهت أن أغضبه، فتكلم، وهو كان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها وأفضل حتى سكت، قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا ولم أكره شيئا مما قاله غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.
قال قائل من الأنصار أنا جُديلها المحكك، وعُذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر
стр. 641
قريش قال، فكثر اللفط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف؛ فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته ثم بايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار.
وعن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر بالسقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم مقالة بالأمس ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهد إلي رسول الله ﷺ ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله ورسول ﷺ فإن اعتصتم به، هداكم الله لما كان هداكم له وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله ﷺ ؛ ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.
وفاة رسول الله ﷺ ، أضخم محنة شهدتها الجماعة المسلمة الأولى في حياتها والمحنة الأولى التي عانتها في أحد كان أضخم ما فيها ما بلغهم من مقتل النبي ﷺ ، وفيها نزل قول الله ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسبجزي الله الشاكرين﴾ (١).
ولم يكن يدور في خلد المؤمنين أن تكون موجة الردة الضخمة هي التمثيل العملي للانقلاب على العقب ولكن ضخامة هذه المحنة، تبدو في حس المسلم حين يطمئن إلى أن قائده رسول رب العالمين، وحين يطمئن إلى أن قائده سيد ولد آدم فأي شيء يقلق باله، ومن أي شيء يخاف بعد ذلك، فهو على هداه ولكن أن يفتح المسلمون أعينهم على الدنيا ذات صباح فلا يجدوا رسول الله ﷺ بين أيديهم إنه حقا لأمر جلل، ومن أجل هذا فما أطاقه عمر بن الخطاب ولم يكن على استعداد في حسه أن يقبل أن محمدا قد مات ومن أجل هذا هدد بقطع عنق كل من تسول نفسه أن نتحدث عن موت رسول الله ﷺ وليس موسى ﷺ أكرم منه، فلا غرابة أن يمضي لمناجاة ربه كما مضى موسى ﵊.
غير أن الصديق الأكبر ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ ورأى أنه قد مات حقا بعد أن كشف البرد عن وجهه وقلبه وجاء يواجه الناس بالحقيقة السافرة دون أدنى تلجلج أو تردد وحاول إسكات عمر فلم يفلح، ثم خطب وقال كلمته التاريخية الخالدة.
(من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). بهاتين الكلمتين لخص الإسلام كله، لأن الإسلام هو عبادة الله لا عبادة من دونه، ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال: سبحانك ما يكون
стр. 642
لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم) (١).
ولئن بقيت النصرانية بعد عشرين قرنا تعاني من هذه الوثنية، وتعاني من هذا الشرك فلقد استطاع الصديق الأكبر والخليفة الأول أن يحل المشكلة منذ لحظاتها الأولى بهذا البيان الحاسم فعبادة البشر تنتهي بموتهم، أما عبادة الله تعالى فلا تنتهي حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. وهكذا ظهر أثر التربية العظيمة، والإيمان الثابت في أعظم المحن التي يتزلزل لها الأبطال وأعاظم الرجال حين تم الفصل بين المبدأ والقائد ويبقى المبدأ هو الثابت وعليه يتلاقى الناس أو حين لم يتمكن الفاروق الأكبر ﵁ أن يصمد أمام هول الصدمة التي هي وفاة النبي ﷺ تمكن الصديق ﵁ أن يجنب المسلمين فتنة ما بعدها فتنة، وبقي الإسلام على مدى خمسة عشر قرنا من الزمان دين الوحدانية أو لا يوجد في هذا الوجود بهذا التوحيد غيره، وأن يصدر هذا الصبر من أبي بكر بالذات الذي كان خدن النبي ﷺ حتى قبل البعثة، ولم تجمح العاطفة به هذا الجموح الذي يجعله يستسلم لها بل شعر بأن مسؤولية الأمة في عنقه فما يجدي البكاء في لحظات العاصفة وهو يحس بأعماقه في هذه المسؤولية حين جعله رسول الله ﷺ خليفته من بعده في الصلاة على المسلمين.
والدرس المهم للحركة الإسلامية من هذا الحدث هو أنه لا توجد قيادة في الأرض يحق لها أن تفتن المسلمين، لأن كل امرىء يؤخذ من كلامه ويرد إلا المصطفى ﷺ الذي يوحى إليه من رب العالمين فأي قائد يحق له أن يستأثر بالأمة بحجة أن الأمة تنهار بانهياره.
نحن لا ننكر أبدا دور القيادة في الأمة، ونعلم أن كثيرا من الأمم تنهار بانهيار رجالاتها وأبطالها لكننا نحن الأمة المسلمة بالذات، حين نكون على مستوى هذا الدين، ومستوى هذه العقيدة لا يحوز أن يهز كياننا سقوط أية قيادة باستشهاد أو اعتزال أو عزل لأن العاصم لنا من الفتنة هو هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذا من جهة ومن جهة ثانية يحسن أن نعذر شباب الدعوة حين يتزلزلون من فقدان قائدهم الذي علقوا آمالهم به فإذا كان رسول الله ﷺ حين مات تزلزل عمر ﵁ فمن هو أكبر من عمر في جيلنا حتى لا يصيبه هذا الزلزال.
صحيح أنه لا مقارنة بين فقدان أي قائد في هذا الوجود وبين فقدان رسول الله ﷺ لأن كل قواد الأرض قد يخطئون ويزلون، وتخونهم الحكمة، أما رسول الله ﷺ فهو صلة الأرض بالسماء،
стр. 643
وكما قالت ام أيمن ﵂ أبكي انقطاع الوحي من السماء فرسول الله ﷺ حين يغيب عن هذه الدنيا بجسده الشريف، ويغيب معه وحي الله تعالى لخلقه يحق لمن يتحدث عن مصيبته أن يقول:
وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد
ونحن نتحدث عن المنهج الحركي للسيرة النبوية لا بد أن نلحظ أثر هذا المنهج والرسول ﷺ مسجى في برده الشريف، وقد انتشر الخبر ووصل إلى داخل بيت النبوة أن الأنصار اجتمعت لتختار أميرا بعد رسول الله ﷺ وحين ندع العواطف ومنطقها يتحكم فينا يقتضي الأمر منا لو كنا مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة ﵃، أن ندع الدنيا يتصارع عليها المتصارعون ونبقى نحن ويبقى الرعيل الأول بجوار الجسد الطاهر حتى يجهزوه ويكفنوه ويدفنوه وإنه لمن العقوق أن يمضي هؤلاء الخلص بعيدا عنه لكن عندما يكون منطق العقيدة التي تحكم العواطف وتتحكم بها هو الذي يسود تختلف الصورة فوفاة رسول الله ﷺ تقتضي أن يتفق المسلمون على أمير بعده قبل أن ينتقض الأمر، واحتمالات انتقاضه واردة لأبعد الحدود فهذا مسيلمة الحنفي في اليمامة قد ارتد وذاك الأسود العنسي في اليمن قد ارتد وكلاهما ادعى النبوة ومن أجل هذا لم يجد الصديق والفاروق والأمين حرجا من أن يمضوا إلى سقيفة بني ساعدة ليعالجوا الأمر هناك قبل أن ينفرد الأنصار بالرأي وتعقد البيعة عندئذ تتفاقم المشكلة أكثر وأكثر ويكون نقض البيعة أدهى وأمر من عقدها ابتداء بلا شك والتقى المهاجرون بالأنصار وكانت الأنصار ترى أنها أحق بالأمر بعد رسول الله ﷺ فالبلد بلدهم، والنبي ﷺ أوى إليهم، واختارهم على غيرهم من أهل الأرض، والمهاجرون تبع لهم بذلك.
هذا هو منطق الأنصار وحجتهم بينما كان منطق المهاجرين يقوم على أساس أن النبي ﷺ من قريش والعرب لا تدين إلا لقريش إذ هم سدنة البيت الحرام وحماته، ومحمد ﷺ منهم.
وأمام توازن المنطقين وإدلاء كل منها بحجته كان الحل الثاني منا أمير ومنكم أمير وكان هذا المنطق مرفوضا عند المهاجرين أكثر من المنطق الأول لأنه لا يجتمع سيفان في غمد ومن أجل هذا كان جواب أبي بكر ﵁ لهم يا معشر الأنصار لقد كنتم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير.
وكانت هذه الكلمة ذات مفعول أشد من وقع السيف أعادت لهم صحوتهم، فهم أنصار الله ورسوله فلم لا يكونوا أنصار خليفته من بعده.
وكانت وصية رسول الله ﷺ فيهم قبيل وفاته، أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم فلحظوا أن هذه
стр. 644
الوصية بهم تعني أنهم سيبقون أنصارا في كل وقت كما تقول الرواية الأخرى إن الناس يكثرون، وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام.
وكانت الخطوة الحاسمة الثالثة أن دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه للبيعة لأحد الرجلين ثم رست البيعة عنده وبايعه المهاجرون والأنصار البيعة الخاصة في السقيفة، ثم كانت البيعة العامة في المسجد.
إن اختيار القيادة بين الأقران من أعقد الأمور وفي أكثر النظم ديمقراطية نجد الاختبار يأخذ سنة وسنتين حتى ينجلي الأمر وسقوط القيادة المفاجىء كثيرا ما يوقع الصراع بعد ذلك وتتحكم مراكز القوى فيها وقلما يصل الأكفاء بعد سقوط القيادة أما إذا كانت القيادة تاريخية وكانت عبقرية فالصراع يكون أشد بل يصل في مثل هذه الظروف أضعف المرشحين لأن الأقوياء لا يتنازلون فكيف إذا كانت القيادة هي خير أهل الأرض وسيد ولد آدم وخير الثقلين الجن والإنس كيف يكون الأمر بعد ذلك؟
إن سرعة اختيار الخليفة التي لم تتجاوز ساعات قلائل بعد وفاة النبي ﷺ ليدل دلالة واضحة على قوة هذا الصف وسلامته وانصهار لحمته، وكلما كان الصف ضعيفا ممزقا كلما كان اختيار القيادة صعبا عسيرا ولقد شهدنا بعض فصائل الحركة الإسلامية المسلحة عقب محنة ضخمة زلزلتها أن القيادة المنتخبة انحنت مرات أمام العاصفة، أمام العواطف المتوترة، وسقطت هذه القيادة أربع مرات خلال سنتين متتاليتين.
وحين نضع الصورتين قبالة بعضهما بعضا نشعر بعظمة التحام الصف، والتئامه وتشابكه بحيث يستحيل فك اشتباكه.
***
стр. 645
الخاتمة
وأخيرا ونحن نودع المنهج الحركي للسيرة النبوية نود أن نؤكد الخطوة التالية:
١ - سمات هذا المنهج في عهديه ومراحله المتعددة منتزعة من واقع المرحلة وارتباط الحلقات بعضها ببعض بحيث تمثل في النهاية كلا متكاملا يمثل حقيقة المرحلة.
٢ - قد تتكرر بعض السمات بين مرحلة وأخرى وتكرارها يعني ديمومة هذه السمة، وأنها تتجاوز المرحلية لتكون أصلية في خط السير كله أو جله.
٣ - والهدف من عرض هذا المنهج الحركي هو أن تملك الحركة الإسلامية المعاصرة دليل عمل تسير على ضوئه وتبني خطتها على خطاه.
٤ - ولكن هذا لا يعني ضرورة التوافق والتطابق بين مرحلية الحركة الإسلامية اليوم ومرحليتها في السيرة النبوية بل تعني في معظم الأحيان التشابه والتقارب وذلك لاختلاف الظروف والأشخاص والأشياء بين عالمنا اليوم وعالم الدعوة الأولى.
٥ - وأهم ما أتمناه من خلال هذا المنهج هو أن يتمكن الدعاة في الحركة الإسلامية من التفريق بين الأسس الدائمة الثابتة وبين الخطوات المرحلية المتدرجة وأن لا يضعوا أحكام مرحلة اكتمال الدين وانتصار الإسلام، محل أحكام مرحلة العهد السري بفرعيه ولو أن الدعاة حين يفاجؤون بواقع معين يختارون الشبه المناسب من المرحلة المناسبة لكان في ظني المنهج قد حقق هدفه الذي كتب من أجله.
٦ - وأؤكد للأخ القارىء الذي عشت معه في هذا السفر الطويل أن السمات والأحكام التي وصلت إليها هي أحكام ظنية قد يغلب أحيانا عليها المسحة الشخصية والاندفاعة العاطفية، وبالتالي فقد أخطىء في التشخيص أو الاستنتاج أو الحكم فما كان من توفيق فمن الله وما كان من خطأ فمن نفسي.
٧ - وإني لأدعو الأخوة القائمين على الحركة الإسلامية أن يعيشوا هذه التجربة ويمدوني بصالح آرائهم وخلاصة تجاربهم لأتجاوز الخطأ إن كان ثمة خطأ لا شيء أجدى من الحوار في هذا المضمار
стр. 646
لنتلمس الخطى الصحيحة للوصول إلى الهدف البعيد في هذا المسار الطويل.
٨ - ولئن عشت ربع قرن في العمل الإسلامي لكنه يبقى محدودا في إطار حركة محددة وتبقى التجارب الأخرى الغنية تمدنا بزادها العظيم في هذا المجال.
٩ - ولئن كنت أكثرت من عرض تجربة الحركة الإسلامية المسلحة في قطر من الأقطار فليس هذا يشهد الله ذا صلة بانتمائي لهذا القطر أو ذاك فنحن بحمد الله أبناء الإسلام العظيم أنى حل وأنى ارتحل لكنه من منطلق الممارسة العملية من جهة ومن جهة ثانية فالمنهج الحركي للسيرة النبوية في مرحلة الدولة لا يمكن مقارنته إلا مع الحركة الإسلامية التي انطلقت في تكوين الدولة في تنظيمها على الأقل ومن خلال تجربتها الحافلة بالصواب والخطأ ومن خلال تعاملها مع خصومها وأعدائها وحلفائها على صعيد الواقع العملي.
١٠ - وكم كنت أتمنى أن تكون التجربة الأفغانية حية بين يدي لأعرض نماذجها من خلال المنهج الحركي فهي صنو الحركة الإسلامية المسلحة التي أمتح منها. وقد تكون أكثر غناء ووفرة وتجربة.
والله أسأل في نهاية المطاف أن يتقبل عملي هذا، ويجعله خالصا لوجهه، وأن يرزقني به شفاعة نبيه ولعل دعوة صالحة تنالني من أخ كريم يغفر الله تعالى بها الزلل، ويقيل العثرات.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولاى فانصرنا على القوم الكافرين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.