وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فناوش الفريقان القتال قليلا، ثم انهزم جيش المشركين، وفي هذه المناوئة قتل القائد أبو عامر الأشعري. وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة. فأدركت دريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع. وأما معظم فلول المشركين الذين لجؤوا إلى الطائف فتوجه إليهم رسول الله ﷺ بنفسه بعد أن جمع الغنائم.
الغنائم: وكانت الغنائم: السبي ثلاثة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، أمر رسول الله ﷺ بجمعها ثم حبسها بالجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف. وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية، أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة فلما جيء بها إلى رسول الله ﷺ عرفت نفسها فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ثم من عليها، وردها إلى قومها.
غزوة الطائف: وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام - مالك بن عوف النصري - وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم بالجعرانة في نفس الشهر. شوال سنة ٨ هـ وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة من ألف رجل، ثم سلك رسول الله ﷺ إلى الطائف فمر في طريقه على النخلة اليمانية، ثم قرن المنازل، ثم على لية، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف. فنزل قريبا من حصنه، وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن ودام الحصار مدة غير قليلة ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوما، وعند أهل السير خلاف في ذلك فقيل عشرين يوما، وقيل بضعة عشر، وقيل ثمانية عشر، وقيل خمسة عشر. ووقعت في هذه المدة مراماة ومقاذفات. فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.
ونصب النبى ﷺ المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شرخة في جدار الحصن. فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة، ودخلوا بها إلى الجدار ليخرقوه. فأرسل عليهم العدو سكك الحديد المحماة فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل، وقتلوا منهم رجالا.
وأمر رسول الله ﷺ كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام - أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم. فتركها لله والرحم. ونادى مناديه ﷺ : أيما عبد نزل من الحصن، وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة
стр. 597
وعشرون رجلا فيهم أبو بكر - تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها. فكناه رسول الله ﷺ أبا بكة، فأعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه. فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة، ولما طال الحصار واستعصى الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال، وبسلك الحديد المحماة - وكان أهل الحصن قد أعدو فيه ما يكفيهم لحصار سنة - استشار رسول الله ﷺ نوفل بن معاوية الدولي فقال: هم ثعلب في حجر-إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يغيرك، وحينئذ عزم رسول الله ﷺ على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال رسول الله ﷺ أغدوا على القتال، فغدوا فأصابهم جراح فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، فجعلوا يرحلون .. ورسول الله ﷺ يضحك، ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قالوا: آيبون تائبون، لربنا حامدون.
وقيل يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وئت بهم.
وفد ثقيف: كانت وفادتهم في رمضان سنة ٩ بعد مرجع رسول الله ﷺ من تبوك، وأسلمت ثقيف.
وفد هوازن: وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما وهم أربعة عشر رجلا.
لم يكن يكفي سقوط معقل الوثنية - مكة لانتهاء المقاومة المسلحة، فالقبائل المجاورة من هوازن وثقيف لا تزال مركز قوة ضخم، وتشكل خطرا على الوجود الإسلامي كله. ومن أجل هذا كانت خطة النبي ﷺ تتجه إلى إنهاء كل الجيوب الوثنية المتبقية، وهي ذات قوة ضارية فعالة.
وحيث أن التربية جزء أساسي من حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة، وحيث أن هذا التجمع الجديد الذي وصل تعداده إلى اثني عشر ألف مقاتل، لم تتح له فرصة التميص المناسبة، ولم تصهره المحنة بعد، إذ تم دخول مكة دون قتال يذكر. فهذا يعني أن هذا الجيش الذي يزيد في أكثر من نصفه من حديثي عن عهد بالاسلام. فكانت المحنة سبرا لهذه النفوس.
لقد أثر هذا الحشد الضخم على أعصاب المسلمين، ورأوا هذه الأعداد الهائلة، فيقول قائلهم: لن نغلب اليوم أو يقول ﵊: لن يغلب اثنا عشر ألف عن قلة. فالأمر في النتيجة واحد. هو أن التجمع الذي لا تصهره التربية، يصعب عليه أن ينتصر، وهذا ما نزل بالمسلمين يوم حنين.
﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ (١).
стр. 598
وفي لحظة من لحظات الضعف البشري بالاعتماد على الأسباب المادية والثقة بها، يأتي التأديب الرباني لينال الجماعة المسلمة كلها وهذا التأديب يتناسب مع طبيعة الخطأ الذي تخطئه هذه المجموعة.
ومن خلال المحنة والإبتلاء. يتم انصهار هذا التجمع ليتحول إلى جماعة.
وكان الابتلاء الرباي في هذه المعركة ذي محورين.
المحور الأول في الضراء، حيث كانت هزيمة حنين الأولى، وعدم نجاح حصار الطائف.
المحور الثاني في السراء، وذلك من خلال غنائم حنين.
فلقد أعد المسلمون من الأسباب المادية ما يفوق الإعداد في أية معركة. وكان قوام الجيش إثني عشر ألفا. وكانت الأسلحة متوفرة كذلك، ومن أحدث أنواع الأسلحة. كان رسول الله ﷺ قد غنمها من اليهود في خيبر. فقد كان عند المسلمين المنجنيق والدبابة ولأول مرة في تاريخ حروبهم كانوا يمتلكون ذلك. واستعار رسول الله ﷺ مائة درع من صفوان بن أمية.
هذا من حيث الإعداد المادي، الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الجيوش الإسلامية لكن هذا التجمع الإسلامي لا يزال في صفوفه الكثير ممن دخل في الإسلام وهو في قمة النصر. ورأى أن المسير في الاتجاه الإسلامي يعني نصرا مستمرا وغنائم ضخمة. فكان لا بد من هزة حنين.
وبعث رسول الله ﷺ استطلاعه الجيد قبل المعركة. وشاءت إرادة الله تعالى أن لا يرى ذلك الاستطلاع كمائن العدو المنبثة في جميع شعاب الجبل. وكانت المعركة.
وحين يقرأ المسلم أحداث هذه المعركة يذهله الخبر. فالهجوم المباغت من هوازن أفقد الجيش المسلم كله توازنه، حتى القاعدة الصلبة. فقدت توازنها، ولاذت بالفرار من هول المفاجأة. ولم يسبق لهذه القاعدة الصلبة أن اهتزت هذا الاهتزاز في تاريخها كله إلا يوم أحد.
ومع هول المفاجأة، فر الجيش الإسلامي كله، ولم يثبت مع رسول الله ﷺ إلا بضعة عشر رجلا وكانوا فريقين:
الفريق الأول: أقرباؤه الأدنين. العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
стр. 599
وهذه نماذج جديدة على الساحة ورغم دخولها الجديد في الإسلام، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة بجوار رسول الله ﷺ .
الفريق الثاني: وهم الخميرة الأولى للدعوة. أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أبو دجانة.
كما برز فريق ثالث من الشباب هما: أيمن بن عبيد الخزرجي، وأسامة بن زيد ﵄.
وبرز فريق رابع من النساء هن: أم سليم بنت ملحان، هي يومئذ حامل بولدها عبد الله بن أبي طلحة، وأم عمارة بنت كعب، وأم سليط وأم الحارث.
ولا يبعد أن يكون هناك قتال ضار في مكان آخر. غير أن هذه المجموعة الفدائية بقيت حول رسول الله ﷺ .
وحين يكون الصف المسلم فيه من يفكر بقتل رسول الله ﷺ ، يعني أن التربية لم تشمله كله بعد. ويحدثنا أحد المغامرين شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، عن هذه اللحظات من الأزمة فيقول: (لما رأيت النبي ﷺ غزا مكة فظفر بها وخرج إلى هوازن. قلت: أخرج لعلي أدرك ثأري. وذكرت قتل أبي يوم أحد وعمي. فلما انهزم أصحابه جئته عن يمينه، فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء كالفضة، فقلت، عمه! لن يخذله! ثم جئته عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله. فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره (١) بالسيف إذ رفع لي فيما بيني وبينه شواظ من النار كأنه برق، وخفت أن يمحشني (٢)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى فالتفت إلي وقال: يا شيب! أدن مني! فوضع يده على صدري وقال: اللهم اذهب عنه الشيطان. فرفعت رأسي إليه وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي ثم قال:
يا شيب قاتل الكفار! فتقدمت بين يديه أحب والله أقيه بنفسي كل شيء. فلما انهزت هوازن ودخلت عليه، فقال: الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت ثم حدثني بما هممت به (٣).
وهذه الظاهرة التي حالت دون شيبة وقتله للنبي ﷺ كانت ظاهرة عامة. فلم تر هوازن أن الجيش الإسلامي قد فر ولم يبق منه إلا بضعة عشر. لقد جاء المدد الإلهي مباشرة. ونزلت الملائكة
стр. 600
بعمائمها الحمر تسد الأفق بين الأرض والسماء.
﴿ثم أنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها﴾.
وكانت المرحلة الثانية من المعركة هي النداء الخالد للعصبة المؤمنة: يا أصحاب سورة البقرة. كان النداء إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فبدأت الأفراد تفد إلى ساحة المعركة. حتى بلغت المائة، ويقال إن المائة الصابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وسبعة وستون من الأنصار.
ثم خصص رسول الله ﷺ في المرحلة الثالثة: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة (فنادى العباس بذلك وكان رجلا صيتا فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك: فأشرف رسول الله ﷺ كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم وقال: الآن حمي الوطيس، ثم أخذ بيده من الحصا، فرماهم بها وهو يقول: شاهت الوجوه ثم لا ينصرون. ثم قال: انهزموا ورب الكعبة. فما زال أمرهم مدبرا وانهزموا) (١).
وكانت هذه المراحل المتلاحفة بسرعة. تحدد مراحل المعركة. وتثبت الإيمان في قلوب ضعاف الإيمان. فلو استثنينا تلك القاعدة الصلبة التي تبلغ الألفين من المسلمين، لرأينا أن العمود الفقري من الجيش وهو من حديثي العهد بالإسلام كان لا بد أن يرى هذه المعجزة الإلهية بأم عينه، ويرى نصر الله تعالى لنبيه، ويرى ثبات هذا النبي وحده وبضعة عشر نفرا وهو يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
ولقد كان هذا التحدي مثلجا لصدور العصبة الصغيرة حرولهم، فحوالي ثلثهم من بني عبد المطلب الذين ثبتوا معه، وكانوا بالأمس يحاربونه ويهجونه ويقاومونه.
ولا بد أن يطرق هذا المعنى، أذهان الشباب المسلم ويتسع بأفقه بعيدا. ويعترف بقوة رابطة النسب إلى جوار رابطة العقيدة. حين يرى أبا سفيان بن الحارث وأخاه ربيعة والعباس وابنه. وعلي بن أبي طالب. وهذا يعني الاستفادة من روابط النسب وغيرها إلى جوار رابطة العقيدة وتحت ظلها ورايتها، وأكدت هذه المعركة كذلك، أن الصف المسلم سيبقى في محن متتابعة حتى يتم انصهاره وتلاحمه، وأن النصر بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء وأن الإعجاب النفسي بالقوة والطاقة قمين بالمحنة القاسية لتعديل هذه النظرة وتغييرها حتى يتطامن ذلك الإعجاب ويخضع صاحبه لله رب العالمين.
وكانت المحنة الثانية العنيفة التي واجهها الجيش المسلم هي حصار الطائف الذي استمر
стр. 601
أربعين يوما على ما تقوله روايات الإمام مسلم عن أنس ﵁. واستمرار هذا الحصار لثقيف التي لا تقل عزة ومنعة عن قريش. كان درسا جديدا لهذا الجيش كذلك، لأن نصر حنين يغري، فلم يكن بد لهم أن يتحملوا مسؤولية الحصار الطويل ويجربوا الالتزام والانضباط، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا بد أن يشعروا أن النصر ليس دائما حليف المسلمين، فلئن لم يتأخر نصر حنين ساعات. فنصر الطائف لم يتم إلا بعد شهور، ولأول مرة في تاريخ الجيش الإسلامي كذلك يتم انسحابه دون تحقيق هدفه، وعظم ذلك على القاعدة الصلبة المؤمنة. حين تلقوا أوامر الانسحاب. فأمرهم رسول الله ﷺ بالقتال في اليوم الثاني. فخرجوا مشمرين نشيطين. غير أن سكك الحديد المحماة، والسهام ومطر النبل عليهم، أدت إلى أن أثخنتهم الجراح. وحين جاء الأمر في اليوم الثاني فسروا له وبشوا به. وضحك القائد العظيم ﵊.
ولا بد أن تكون التجربة من القيادة حية حين ترى تلكؤا في تنفيذ أوامرها وتعالج هذه النفوس الصعبة من خلال التجربة الحية، حين تزداد قناعة الجنود بقيادتهم.
إن عملية بناء الجماعة ورص الصف هي من أشق العمليات. وقد تواجه القيادة أحيانا بخلل حتى في الصفوة المختارة، والقاعدة الصلبة، سواء في الجزع والهلع من المواقف أو بالصورة المعاكسة في التبرم من التريث والصبر. والأمر الذي لا يلامس شغاف القلب لا يمكن أن يثمر ثمرته. ولو أدى الحرص على الإقناع فيه الخسائر في الأموال والأرواح بقدر.
لكن كيف انتهت هذه الجيوب الوثنية الضخمة: هوزان وثقيف.
إذ أن هوازن قد أمعنت في الهرب وطوردت من المسلمين، لكنها لم تدخل حظيرة الإسلام، وثقيف تمنعت وتأبت، وانصرف المسلمون عنها وفكوا الحصار دون شروط.
بقي دور الجهاد السياسي، واستغلال كل الظروف لتفتيت الحقد النفسي. كي تفيء هذه النفوس إلى الإسلام.
يقول ابن إسحاق: ثم أن وفد هوازن بالجعرانة أتوا رسول الله ﷺ وقد أسلموا فقال: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. قال: وقام رجل من هوازن، لم أحد بني سعد بن بكر يقال له زهير يكنى أبا صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا (١) للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.
стр. 602
فقال رسول الله ﷺ : أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا فقال: لهم: أما ماكان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم؛ وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نتشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ : وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال: المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقاك بنو سليم، ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . قال يقول عباس بن مرداس: لبني سليم: وهنتموني.
فقال رسول الله ﷺ : أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي. فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه. فردوا إلى الناس أبنائهم ونساءهم (١).
وفي رواية (فقال الناس. قد طبنا لرسول الله ﷺ فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن. فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك وكسا رسول الله ﷺ السبي قبطية قبطية) (٢).
وقال رسول الله ﷺ لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال رسول الله ﷺ : أخبروا مالكا أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل. فأتي مالك بذلك فخرج إليه من الطائف وقد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله ﷺ قال له ما قال فيحبسوه. فأمر براحلته فهيئت له. وأمر بفرس له، فأتي به إلى الطائف، فخرج ليلا فجلس على فرسه فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس. فركبها فلحق برسول الله ﷺ فأدركه بالجعرانة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه. فقال مالك بن عوف حين أسلم:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد
فاستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه: وتلك القبائل: ثمالة وسلمة وفهم،
стр. 603
فكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم فقال أبو محجن:
هابت الأعداء جانبنا ... ثم تغزونا بني سلمة
وأتانا مالك بهم ... ناقضا للعهد والحرمة
وأتونا في منازلنا ... ولقد كنا أولي نقمة (١).
لقد انهزت هوازن في المعركة وحقق رسول الله ﷺ نصرا ساحقا عليهم حتى ساق نعمهم ونساءهم وأبناءهم سبايا في المعركة. وفر قائدهم إلى ثقيف. لكن ماذا استفاد الإسلام من هذه المعركة. إذا كان الحقد والكراهية والكفر هو الذي يسود في صفوف هوازن؟ إن النصر العسكري يهم القائد العسكري فقط، ويهم أصحاب المناصب والمراكز والمتصارعين على السلطة. أما الحركة الإسلامية، فالنصر بالنسبة لها هو في دخول كتائب جديدة في الإسلام. وفتح مغاليق هذه النفوس لتجد الرحمة والملاذ والأمن في ظل الإسلام. ومن أجل هذا، فما يركز عليه الداعية المسلم، في السيرة المطهرة هو ما وراء المعارك، وما وراء النصر العسكري. لأن هذا التفكير يعني أن فصائل جديدة تنضم إلى الإسلام كل يوم، لا ترتدعنه وتثور عليه وهذا هو وفد هوازن، أربعة عشر رجلا من قادتهم جاؤوا إلى رسول الله ﷺ مسلمين. وكان بالإمكان أن ينضم إلى الصف الإسلامي هذا الوفد فقط. لأن الأوان قد فات وتم توزيع السبايا على المسلمين، وهو حق مكتسب لهم. فكيف يفعل رسول الله ﷺ معهم. إنه القائد الفذ الذي لم تشهد البشرية مثيلا له ولن تشهد. إنه يفكر في أن ينتزع هذه السبايا من إثني عشر ألف مقاتل. ومثل هذا الأمر من خلال النص الشرعي. قد يدفع الجيش كله إلى الثورة عليه. ولو صمت الجيش لصمت على مضض وكتم على ألم وتوتر. فكيف استطاع ﵊ أن يستعيد هذه السبايا من الجيش. والجيش هانىء راض يتسابق على التخلي عنهن؟
إنها عظمة النبوة ولا شك، وهي بالتالي درس لكل قيادة في الأرض أن تحقق أهدافها من خلال استخراج كل ما في النفس الإنسانية من خير ونبل، ولو كان قابعا في أعمق أعماق هؤلاء الناس وأن يتمكن الرسول ﷺ من استعادة السبايا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، من أصحاب الكتيبة الخضراء من الذين أعادوا بثباتهم النصر من جديد للجيش المسلم، من الذين استحقوا بجدارة هذه السبايا. أن يسترد هذه السبايا من المسلمين الجدد الذين مر على إسلامهم سنة ونيف، ولا يزالون يتحركون من خلال الرغبة الجامحة في الغنيمة. هذا هو عظمة المعاملة النبوية في فقه هذه النفوس، ولم يهدد ﵊ بسلطة، ولم يلوح بعصا إنما كانت الخطوة الأولى من خلال الأريحية. والثقة وحصر ثقته بأهله بني عبد المطلب. وبذلك خط منطلقا لتيار كبير في الجيش أن يحذو حذوه. وكان لهذا الخط حدود، ما أمكن له أن يستوعب
стр. 604
الجيش كله فلجأ ﵊ إلى الخط الثاني. خط الترغيب بالعوض عن هذه السبايا. وتمكن ﵊ بهذا الخط أن يستوعب بقية الجيش حتى العجوز الشمطاء التي كانت من نصيب عيينة بن حصن وألح في الاحتفاظ بها. وترك لزعيم وفد هوازن أن يهز عيينة بن حصن بقوله له: خذها عنك، فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد؛ ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (١). فردها بست فرائض، وعلى النهج نفسه أمكن جلب قائد هوازن الذي استعصى في ثقيف فأرسل إليه يدعوه إلى الإسلام وسيعطيه أهله وماله ومائة من الإبل، وكان هذا العرض السخي كفيلا بأن يستجيب مالك للإسلام. وليست استجابة سلبية فقط بحيث يركن إلى ماله وإبله وأهله: بل استجابة فاعلة إيحابية ارتضى أن يغزو ثقيفا. الذين كان بحمايتهم وكانوا معه في المعركة ضد محمد رسول الله ﷺ .
وهكذا دخلت هوازن في الإسلام، وبالتركيز على قرابة الرحم والنسب كما قال أبو صرد: إنما في الحظائر عماتك وخالاتك فامنن عليهم، ومن خلال رابطة النسب نفسها استطاع ﵊ أن يستثير النخوة العربية، والعزة القبلية، فيوظفها في خدمة الإسلام.
ألا ما أحوج الحركة الإسلامية اليوم إلى هذه المعاني، أن تخطط لتدخل الأمة كلها في حظيرة الإسلام، وحين تقارن بين طريقين نجد البون شاسعا جدا بينهما:
الطريق الأول: الذي ينطلق فقط من خلال حرفية النظام، وحرفية القرار، فيستعبده النظام والقرار ولو أدى إلى كسر النفوس، وذبح القلوب، وتغير الثقة وتخلخل الصف.
الطريق الثاني الذي ينطلق إلى جوار القرار، من دوافع النفس، وخلجات القلب، وطبيعة الفطرة البشرية، ونوازع النسب فتسخر هذه جميعا لخدمة الهدف الأبعد من القرار. وهو حفظ مال الأمة أو حفظ شبابها أو حفظ صفها.
ولقد رأينا الحركة الإسلامية في إحدى فصائلها. تتخذ قرارا ماليا ذات يوم تحجب به شيئا من الراتب عن الإخوة الذين شاركوا معها في جهادها وضحوا بأرواحهم ودمائهم لتدفعهم إلى العمل وكسب المعيشة .. فكان الدرس قاسيا للفريقين القيادة والقاعدة.
فقساوة الدرس للقيادة أنها كسرت نفوس إخوانها بهذا القرار. فانصرفوا عنها والألم يذبح قلوبهم وماذا تربح القيادة إذا خسرت ثقة قواعدها بها وهم عدتها في الحرب والجهاد والمواجهة وقساوة الدرس للقاعدة أنها اهتزت عند أول أزمة، فنقص شيء بسيط من المال. دفعهم إلى العنف والاحتجاج واتهام القيادة فكيف لو كان الأمر بالتخلي عن ثمار المعركة كلها، وأعز ما فيها من ثمار.
стр. 605
وعلى النهج نفسه كانت معالجة قادة مكة بعد نصر حنين وتوزيع الغنائم عليهم. ونكتفي بعرضها فهي في غنى عن أي تعليق:
(وانتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس خلون من ذي القعدة والسبي والغنائم بها محبوسة وقد اتخذ السبي حظائر يستظلون بها من الشمس، وكانوا ستة آلاف، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أربعين ألفا وقيل أكثر، فأمر بسر بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابا يكسوهم، وكساهم كلهم، واستأنى رسول الله بالسبي، فلما رجع إلى الجعرانة بدأ بالأموال فقسمها. فأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، وكان مما غنم أربعة آلاف أوقية فضة، فجاء أبو سفيان بن حرب والفضة بين يديه، فقال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا: فتبسم ﵊، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول الله: قال يا بلال زن لأبي سفيان أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل، قال: ابني يزيد: قال: زنوا ليزيد أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال: ابني معاوية يا رسول الله: قال: زن له يا بلال أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمي: والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا. وسأل حكيم بن حزام يومئذ مائة من الإبل فأعطاه ثم سأل مائة فأعطاه، ثم سأل مائة فأعطاه، ثم قال: يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من السفلى وابدأ بمن تعول. فأخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك ما عداها.
وأعطى النضير بن الحارث -أخا النضر بن الحارث- مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية حليف بني زهرة مائة من الإبل وأعطى العلاء بن جار خمسين بعيرا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل وصفوان بن أمية مائة بعير. وفي صحيح مسلم عن الزهري أن رسول الله ﷺ أعطى صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل، ويقال إنه طاف مع النبي ﷺ وهو يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوءا. فأعجب صفوان، وجعل ينظر إليه فقال: أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب. قال: نعم. قال هو لك وما فيه: فقال: أشهد ما طابت نفس أحد قط إلا نبي وأشهد أنك رسول الله.
وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس السلمي دون المائة فعاتب النبي ﷺ في شعر قاله فقال رسول الله ﷺ : اقطعوا عني لسانه. فأعطوه مائة (١)).
стр. 606
لكن التعامل مع القاعدة الصلبة يختلف كثيرا عن التعامل مع صفوة الصف المسلم، الذي ينطلق من الثقة العميقة بقائده. غير أن هذه القاعدة لا بد من تذكيرها دائما بهذا الأصل، وإلا فقد تقلق حين تغيب عنها هذه المعاني، وقد تطفوا على السطح أحيانا بعض المعاني المادية وكأن تقويم المرء المسلم من خلالها، فلا بد من اليقظة المستمرة والتربية المستمرة للمحافظة على الأفق العالي لهذه الجماعة:
(قال سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة. وتركت جعيل بن سراقة الضمري. فقال: أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع. ولكني أتألفهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه) (١) وكانت هذه عند جعيل ﵁ تعدل مال الأرض كله.
كان هذا على المستوى الفردي. وكان هذا على المستوى الجماعي.
(ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم: لقد لقي رسول الله ﷺ قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا للحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: فأين أنت من ذاك يا سعد قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. قال: فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال المهاجرين فدخلوا فتركهم، وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار. فأتاهم رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم، موجدة (٢) وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم: قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل: قال ﷺ : أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (٣) من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم: ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء
стр. 607
والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم. فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف رسول الله وتفرقوا (١).
لقد كلف إنهاء جيوب الوثنية في الأرض العربية أن وضع المال كله أداة لتطييب النفوس وترقيقها وتحبيبها للإسلام. وهذه هي وظيفة المال أن يكون أداة لطاعة الله.
والعدالة في التوزيع هي أصل في المال. وتربية النفوس على أن لا تستعبد لهذا المال أصل آخر، ومن أجل هذا أجل رسول الله ﷺ توزيع هذا الفيء، بعد أن أصدر أوامره بمنع أخذ أي شيء منه حتى الخياط والمخيط. وضبط النفوس ظاهرا على الأقل - والنفسية العربية التي ترى المال بين يديها من الدراهم والدنانير والإبل والشياه. ثم تتمالك دون أن تلتهمه. شيء يختلف مع طبيعة هذه النفسية. وكان هذا هو الدرس الأول.
(ثم ثار بعض الأعراب، وهم يلحون على رسول الله ﷺ بقسمة الغنائم حتى خطفوا رداءه فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا، ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها ثم قال: أيها الناس والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم) (٢) وكان هذا هو الدرس الثاني.
(وجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر؟ فقال: أما نصيبي منها فهو لك. قال: أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها، ثم طرحها من يده.) (٣) وكان هذا هو الدرس الثالث.
ثم كان التوزيع الآنف الذكر على المؤلفة قلوبهم على أوسع مظانه، وكان هذا هو الدرس الرابع.
(وجاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت هذا اليوم. فقال رسول الله: أجل فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي. ثم قال: ويحك: إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله. ألا أقتله؟ قال: لا. دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية (٤) وكان هذا هو الدرس الخامس.
стр. 608
ثم كان أعظم الدروس على الإطلاق هو هذا اللقاء مع الأنصار.
ولا معنى لأن يكسب رسول الله ﷺ زعماء تلك القبائل وزعماء قريش مقابل فقدان الثقة من صفه الأول من المهاجرين والأنصار. وعندما توضح الالتباس وعرف هذا الصف موقعه من رسول الله ﷺ . أن يكون المحيا محياهم والممات مماتهم، وأن يذهب الناس بالشياه والبعير ويذهب الأنصار برسول الله ﵊. فهو قرة عيونهم وهم قرة عينه، ومن أجل هذا مسحت هذه الموجدة وذابت والسعادة تغمرهم بهذه الغنيمة.
وفي هذا الأمر دروس غنية للصف المسلم اليوم قاعدة وقيادة يحسن أن نستوعبها فنستفيد منها.
أولا: التفريق بين المال العام والمال الخاص. وحرمة التصرف في المال العام قبل توزيعه، مهما كان حجمه. ولو كان كبة الشعر والخيط والمخيط والتساهل في التصرف فيه يقود إلى النار:
(فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة) (١).
ثانيا: تقدير التوزيع وعدالته عائد لقيادة الجماعة وأميرها. فهو آمر الصرف فيها، وهو يقدر كمية التوزيع وأهميته. ومصلحة الدعوة تحكمه، ونصوص الشريعة تحكمه.
ثالثا: والأصل أن يكون المال في الدعاية إلى الإسلام ولو على حساب الدعاة. وفي كسب القلوب النافرة ورد النفوس الجامحة.
رابعا: والصف المسلم القوي قد يحرم من هذا التوزيع كله. وذلك في ذات الله والأصل أن يكون الإيثار خلقه. فلا يقيم المرء من خلال ما يأخذ من راتب. بل تقييم من خلال التقوى والعمل الصالح.
خامسا: أن تبقى القيادة على صلة بقواعدها فتلاحق الشبهات التي تثور في نفوسها، وتوضح خط السير العام لجنودها، وتقضي على قالة السوء في صفوفها. وإلا خسرت هذه القاعدة.
سادسا: وأن يضع الجندي نفسه موضع قائده، ويصدر أحكامه على قيادته هو أمر خطير وذلك من خلال التمسك بحرفية النص الذي يقوده إلى الخروج من الإسلام من حيث يريد الإسلام، والذي يقوده إلى الصف غير المسلم من حيث حرصه عليه.
سابعا: وطبيعة هؤلاء الشباب من حيث صلاحهم وتقواهم لا يرقى إليها الشك،
стр. 609
(تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم). لكنهم يضعون أنفسهم موضع القاضي، وموضع المفتي، وموضع إصدار الأحكام. وهذه الظاهرة المرضية. لا بد من التفريق بينها وبين ظاهرة النصيحة والاستفسار والسؤال.
فسعد ﵁ والأنصار ﵃ عتبوا على رسول الله ﷺ حين رأوا أنهم محرومون من هذا المال، لكن بقي الأمر خلال السؤال والاستفسار لا من باب الإقرار بينما وجدنا ذا الخويصرة تدفعه جرأته أن يتهم رسول الله ﷺ في عدله.
ثامنا: ولا بد من التفريق بين موقف الجندي من رسول الله ﷺ ، وموقف الجندي من أمير جماعته. فالشك في عدل رسول الله ﷺ كفر بواح. أما الشك في عدالة القائد فلا يدخل في هذا الإطار. إنما يدخل في إطار الخطأ التنظيمي الذي يفسد صف الجماعة ويفتت تماسكها.
تاسعا: ويبقى الجندي المجاهد أعظم في ميزان الله وميزان قيادته من كل قوى الأرض الأخرى وزعاماتها وقياداتها. طالما أنها تنطلق من مصلحتها لا من دينها. ويبقى جعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع، وكلاهما قد دخل في الإسلام حديثا. ونالا من الإكرام ما لا يوصف.
عاشرا: وبقيت ثقيف دون أن تنهار معاقلها بالقوة والمواجهة، لتنهار بعد ذلك من خلال حرب العصابات التي شنها عليها مالك بن عوف رئيس هوازن، ومن خلال الحرب النفسية التي زلزلت كيانها فأقنعتها ألا جدوى من المقاومة.
***
стр. 610
السمة الرابعة عشرة:
الجزيرة العربية تدخل في الإسلام
حين نتحدث عن السمات نلحظ أنها حلقات من سلسلة. كل حلقة تقود إلى التي تليها.
وتحدد لنا طبيعة التدرج في السير خطوة عقب خطوة. فلا يمكن أن يقبل الناس على الدخول في دين الله أفواجا، والإسلام ضعيف محارب مضطهد. ممنوع من إعلان صوته وشرح فكرته وعقيدته.
وتأتي هذه السمة في موقعها من المنظومة الإسلامية فحين استسلمت قريش العدو الأكبر للإسلام وصار الرسول ﷺ سيد الجزيرة العربية. وتحطمت قوى المعارضة المسلحة. كان من الطبيعي أن تفد القبائل العربية الضخمة لتحاور أو تناقش أو تسلم. أو تفرض شروطها حسب تصورها عن طبيعة قوتها. ونشهد في هذه السمة الحدود الدقيقة، فيما يحوز التساهل فيه، ومراعاة طبيعة النفوس فيه، وما لا يدخل ضمن إطار المساومة. فنعلم حدود التميز والمفاصلة، وحدود التساهل والمعاملة. وذلك من خلال عرض لمراكز القوى العربية. بعد قريش.
ثقيف، تميم، عامر، بنو حنيفة، طيء، كندة، ملوك حمير؛ بنو الحارث بن كعب، بنو عبد النبي.
أولا: وفد ثقيف:
لقد كانت العرب ترى في ثقيف وقريش. أهم مواقع القوى فيها. وذكر القرآن الكريم هذا المعنى عن القريتين، وهو ينقل مقولتهم ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (١).
وشاءت إرادة الله تعالى أن ينتهي عظيم قريش الوليد بن المغيرة كافرا مشركا بينما كان عظيم ثقيف شهيدا وفي قومه بالذات، وهو عروة بن مسعود الثقفي ﵁.
وكان من حديثهم أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة. فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له رسول الله ﷺ ، كما يتحدث قومه: إنهم قاتلوك، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم محببا مطاعا. فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية له؛ وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه. فأصابه سهم فقتله - فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله تعالى بها
стр. 611
وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال فيه: إن مثله في قومه لكمثل صاحب يسن في قومه.
وعظيما القريتين. مرا بموقف متشابه. فالوليد بن المغيرة عرف في قرارة قلبه أن ما يقوله محمد ما هو بكلام الإنس وما هو بكلام الجن. لكنه خاف على موقعه. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. فكانت عاقبته النار. بينما تخلى عروة عن موقعه، وأعلن إسلامه على قومه وهو يعلم أنه أحب إليهم من أبكارهم وبشره رسول الله ﷺ بالشهادة (إنهم قاتلوك) فما توانى ولا تراجع، ورموه بالسهام حتى سقط شهيدا في سبيل الله فكان أول داعية في قومه إلى الله ورسوله كما كان صاحب يسن في قومه.
وها هو عمرو بن أمية يأتي إلى زعيم ثقيف الثاني عبد يا ليل بن عمرو فيقول له: إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها، وليست لك بحربهم طاقة. فانظروا في أمركم فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع. فأتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا فكلموا عبد يا ليل بن عمرو .. وأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة (١). وعبد يا ليل. هو الذي قال قبل ترابة اثني عشر عاما لرسول الله ﷺ : أنا أمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك هو نفسه اليوم يمضي إلى المدينة وافدا لرسول الله ﷺ يعلن إسلام قومه، وفي الوقت الذي كان المسلمون يدعون على ثقيف ويطلبون من رسول الله ﷺ ذلك كان يقول: (اللهم اهد ثقيفا وائت بهم). ولم يغير رسول الله نهجه مع ثقيف سواء وهم يطاردونه بالحجارة، أو يحاصرهم في حصونهم فلقد كانت هدايتهم عزيزة عليه جدا (عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله).
ولتمكن هذا المعني في نفس النبي ﷺ ومعرفة المسلمين به كان أبو بكر والمغيرة بن شعبة يتسابقان لنقل هذه البشرى لرسول الله صلوات الله عليه.
وجاء الوفد ومعه عزة الجاهلية. وتركه النبي ﷺ في الجو الإسلامي والبيئة الإسلامية يتعرف على مبادىء الدعوة ومفاهيم الإسلام. وكانت نفسية الوفد منطلقة من صورة معاهدة صلح أكثر من صورة استسلام لله ؛ ومن أجل ذلك قدموا شروطا خمسة. أن (يأذن لهم بالزنا وشرب الخمور، وأكل الربا، ويترك لهم طاغيتهم اللات ثلاث سنين على الأقل ويعفيهم
стр. 612
من الصلاة (١) ورفضت الشروط كلها. بلا استثناء لأن الأمر ليس أمر ملك دنيوي، بل هو أمر الله تعالى وشريعته. ولا يمكن أن يكون القوم مسلمين، ويحلوا حراما، أو يبيحوا ترك فريضة. والإسلام هو الاستسلام الكامل لله تعالى في كل شيء يحل حلاله ويحرم حرامه وحين رأت ثقيف أن لا مناص من ذلك - طلبت طلبا واحدا تمت تلبيته وهو أن يعفيهم ﵊ من هدم آلهتهم بأيديهم. فقبل ذلك منهم ﵊، وبعث المغيرة بن شعبة الثقفي فهدمها بعد ذلك ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة وخوفهم بالحرب والقتال، وأظهر الحزن والكآبة وأن رسول الله ﷺ سألهم الإسلام وترك الزنا والربا والخمر وغيرهم وإلا يقاتلهم. فأخذت ثقيفا نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وأبدى الوفد حينئذ حقيقة الأمر، وأظهروا ما صالحوا عليه وأسلمت ثقيف (٢).
وبذلك انهارت أمنع الحصون العربية ودخلت في الإسلام؛ وتوضح الأمر أن لا مساومة على دين الله ولو كانت المساومة تأجيل هدم اللات شهرا واحدا فقط وهذا في موقع القوة بينما قبل الرسول ﷺ محو (رسول الله) و (الرحمن الرحيم) يوم الحديبية.
وتجلى الفرق بين الدخول في الإسلام ودولة الإسلام؛ وبين التفاوص من موقع المساواة في القوة بل يتضح الفرق أكثر يوم رأينا رسول الله ﷺ قبل ثلاثة عشر عاما يطلب فقط حمايته من ثقيف ليدعو إلى الله دون أن يتدخل في دينها ومقدساتها وأي شأن من شؤونها وبين الوضع اليوم والمسلمون قد تمكنوا من الأرض؛ وتزلزلت ثقيف رعبا من حروبهم.
والحركة الإسلامية المبصرة، تعرف الفرق بين المرحلتين، وتنطلق حسب الظروف التي تملكها لتمكن لنفسها ولدين الله. وتتعلم كذلك ما يمكن قبوله من الشروط وهي في موقع القوة؛ وما لا يمكن قبوله وهي في الموقع نفسه حين وجدنا رسول الله ﷺ يرفض شرطا يحل حراما أو يحرم حلالا بينما لا يجد حرجا من إعفائهم من كسر أصنامهم بأيديهم.
ثانيا - وفد تميم:
أما وفد تميم. ففد جاء يباهي بشعره وبيانه فأجابه بالأسلوب نفسه فرد على الشعر بالشعر حيث أفحم شاعر تميم من حسان ورد على الخطبة بالخطبة حيث أفحم تميم من ثابت بن قيس وانتهى الأمر عندهم أن (قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا؛ ولأصواتهم أحلى من أصواتنا. فلما فرغ
стр. 613
القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم) (١).
وهذا الأسلوب من الدعوة والطراز الجديد فيها يدعونا إلى أن نعطي الإعلام الإسلامي حقه وأن نتأكد أن معركة الإسلام ليست معركة عسكرية فحسب. بل هي معركة سياسية، ومعركة إعلامية يمكن حين نبرز فيها أن نحول الخصوم إلى أصدقاء، أو محايدين، وننشر فكرنا وعقيدتنا ومبادئنا من هذا المنبر، ونقطع كثيرا من الأشواط التي لا نتصور أن تقطع إلا من خلال القوة مع الإشارة كذلك أن القوة التي ينطلق منها الإعلام، هي التي تفتح القلوب له لكن القلوب تبقى مسدودة أمام منطق الضعفاء.
ثالثا - وفد عامر:
وجاء وفد عامر ليعرض عضلاته ويفرض شروطه:
(فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله ﷺ وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقيبي، أفأنا أتبع عقيب هذا الفتى من قريش: ثم قال لأربد (٢): إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال عامر بن الطفيل: يا محمد: خالني (٣). قال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. قال يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئا. قال: فلما رأى عامر ما يصنع أربد. قال: يا محمد خالني، قال: لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فلما أبى عليه رسول الله ﷺ قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال رسول الله ﷺ : اللهم اكفني عامر بن الطفيل ... وخرجوا راجعين إلى بلادهم (٤).
وفي صحيح البخاري: أن عامرا أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء (٥).
حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه. فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول. فجعل يقول: أغدة كغدة البكر (٦)، في بيت امرأة من بني سلول.
لا يغيب عن البال أن غزوة الأحزاب كان نصف جيشها من غطفان التي بلغت قرابة خمسة
стр. 614
آلاف مقاتل وهم الذين عرض عليهم رسول الله ﷺ ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم من حربه في الخندق، ومن أجل ذلك كان عامر ينطلق ويتكلم من منطق القوة. وجاء يطالب بالوراثة بعد النبي ﷺ أو اقتسام السلطة بين الإسلام والجاهلية، فرفض ﵊ ذلك كله ولم يقبل منه إلا الإسلام، وكان لتهديده بقوته دعوة رسول الله ﷺ : اللهم اكفني عامر بن الطفيل فقضي عليه قبل أن يصل إلى قومه.
والفهم الحركي لهذا الوفد يعطينا صورة جديدة من الصور المرفوضة في المساومات، وهي قضية الوراثة أو المشاركة بين الكفر والإسلام في الحكم، وقد رفضت هذه الصورة منذ المرحلة المكية حين كان رسول الله ﷺ يدعو القبائل إلى الإسلام.
فالجانب السياسي له حدود محددة. وهذه الحدود لا يمكن أن يكون الإسلام فيها موضع مساومة أو موضع مفاوضة، لا يجتمع الإسلام والجاهلية في حكم واحد. أو موقع واحد.
رابعا: وفد بني حنيفة:
ولم تكن بنو حنيفة أقل سطوة وقوة من تميم وغطفان. فلقد كانت تحكم ريف اليمامة. وجاء وفدهم ومعه مسيلمة بن حبيب الذي جاء يراوغ ويداور لعله يصل إلى شيء فكان جواب رسول الله ﷺ له وفي يده عسيب من سعف النخل: لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه ..
(ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ وجاؤوه بما أعطاه. فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب له وقال إني أشركت في الأمر معه) (١).
وكان ثمامة بن أثال أصدق دينا وأثبت أصلا وأندى مروءة من مسيلمة الذي أسره رسول الله ﷺ (ويأتيه رسول الله فيقول له: أسلم يا ثمامة، فيقول: إيها يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل ما شئت. فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبي ﷺ : أطلقوا ثمامة. فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع. فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبي ﷺ على الإسلام .. ثم خرج معتمرا فلما قدم مكة، قالوا: أصبوت يا ثمام؟ فقال: لا. ولكني اتبعت خير دين، دين محمد ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ . فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فكتبوا إلى رسول الله: إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. فكتب رسول الله ﷺ إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل) (٢) وبقيت اليمامة بزعامة مسلمة تتهيأ للوثوب.
ولعل هذه القيادات القبلية. لم تكن تدرك حقيقة الإسلام، إنما كانت تتصور الأمر هزيمة
стр. 615
أمام سلطان حاكم. ولم يفكر الرسول ﷺ باللين مع هذه القيادات بصورة من الصور حين تريد أن تجعل لرأيها وزنا مع الله ورسوله.
خامسا: وفد طيء:
وقدم على رسول الله ﷺ وفد طيء، فيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله ﷺ كما حدثني من لا أتهم من رجال طيء: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل. فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه، ثم سماه رسول الله ﷺ زيد الخير.
وأما عدي بن حاتم فكان يقول: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله ﷺ حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع (١). فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي، لما كان يصنع بي. فلما سمعت برسول الله ﷺ كرهته فقلت لغلام كان لي عربي، وكان راعيا لإبلي: لا أبا لك اعدد لي من إبلي جمالا ذللا سمانا.
فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذني. ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي: ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت عنها. فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت: فقرب إلي أجمالي، فقربها.
فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام. فسلكت الجوشية (٢). وتخالفني خيلي لرسول الله ﷺ فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت. فقدم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طيء. وقد بلغ رسول الله ﷺ هربي إلى الشام المسجد. كانت السبايا يحسسن فيها، فمر بها رسول الله ﷺ فقامت إليه وكانت امرأة جزلة فقالت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الرافد، فامنن علي من الله عليك. قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: ثم مضى رسول الله ﷺ وتركني، حتى إذا كان من الغد مر بي. فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست منه. فأشار إلي رجل من خلفه أن قومي فكلميه؛ قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك فقال ﷺ : قد فعلت. فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم اذنيني فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن أكلمه فقيل: علي بن أبي طالب. وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، قال:
стр. 616
وإنما أريد أن آتي أخي بالشام. قالت: فجئت رسول الله فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني رسول الله وأعطاني نفقة. فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي، إذا نظرت إلى ظعينة يصوب إلي تؤمنا، قال: فقلت: ابنة حاتم قال: فإذا هي هي فلما وقفت علي انسحلت. تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك. قلت: أي أخية. لا تقولي إلا خيرا .. فوالله مالي من عذر لقد صنعت ما ذكرت ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها: وكانت امرأة حازمة: - ما ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله. وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرأي.
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ فدخلت عليه، وهو في مسجده فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله ﷺ . فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها؛ قال: قلت في نفسي، والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بي بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي، فقال: اجلس على هذه، قال، قلت بل أنت فاجلس عليها فقال: بل أنت فجلست عليها، وجلس رسول الله ﷺ بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم ألم تكن ركوسيا (١)؟ قال: قلت: بلى، قال: أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قال: قلت: بلى. قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال: قلت: أجل والله. وقال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال: لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم: قال: فأسلمت.
وكان عدي يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرآة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وايم الله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه (٢).
طيء تمتد في بادية الشام والعراق والحجاز وحاتم الطائي من أشهر العرب في الجاهلية
стр. 617
بالكرم وبه يضرب المثل. إذ يقول الشاعر:
إقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس.
ومكارم الأخلاق لها وزن في هذه القبيلة فقد أطلق رسول الله ﷺ سراح سفانة بنت حاتم لأن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وزيد الخيل فبما سمعه رسول الله ﷺ عنه من ثناء كان أقل مما فيه، وأطلق عليه زيد الخير، وحصافة سفانة. وذكاء عدي وعمق فكره في التفريق بين الملك والنبوة، حيث أدرك الفرق من خلال وقوفه للمرأة العجوز، ومجلسه التواضع في بيته، وعلمه بمظالم عدي أقنعته بنبوة محمد ﵊.
وأدرك الرسول ﷺ أبعاد عدي بن حاتم الذي لجأ إلى ملوك غسان، وأنه ينتمي إلى النصرانية التي تقودها مملكة الروم. فكان لابد من غزو هذه الأبعاد، والإحاطة بهذه الأعماق حيث أبرزها على السطح وهي الخوف من الفقر والضعف وقلة العدد. وحيث أن عديا قد تجاوز مرحلة التشكيك في النبوة. كان هذا الحديث عن أفق المستقبل الوضيء ضروريا له ليقوده إلى الحق فتلين قناته، ويذلل جماحه.
ولا شك أن النماذج البشرية تختلف فلا بد من الحديث مع كل نموذج بما يناسبه. والحديث المشهور الذي رواه الترمذي عن عدي في لقائه مع رسول الله ﷺ وهو على نصرانيته. وفي عنقه صليب ذهبي كبير. ورسول الله ﷺ يتلو: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ قال: يا رسول الله ما عبدناهم. قال: ألم يحلوا لهم الحرام، ويحرموا لهم الحلال قال: بلى قال: فتلك عبادتهم إياهم.
ويدرك عدي بن حاتم أعماق هذا المعنى، فهو على الركوسية وهو يأخذ ربع الغنائم من قومه وهذا لا يحل له. ومع ذلك يفعله. وهو بهذه النقلة الجديدة ينتقل من دين البشر إلى دين الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أجل ذلك كان إيمانه عميقا متغلغلا في كل ذرة من ذرات كيانه. وبقي على نهج الإسلام دون تعلثم أو تردد حتى لقي وجه ربه، وشهد كتائب الإيمان تفتح الأرض، ومدائن كسرى تهوي بين قدمي المسلمين، وشرفه الله تعالى بأن كان أحد القادة الذين حاصروا القصر الأبيض. وشهد بأم عينه الظعينة تمضي من القادسية إلى البيت الحرام لا تخشى إلا الله.
إن عظمة النبي ﷺ كانت في كشف المخبوء من الخلل في دينه، من حيث الفكر، وكاث في تقديم القدوة بين يديه في الصورة البديلة، في مواصفات النبوة التي تعيش آلام الناس وحياتهم.
ومن هنا تدرك الجماعة المسلمة دورها الكبير في التعامل مع خصومها، بحيث تسبر أغوار
стр. 618
نفوسهم وحقيقة فكرهم، وزيف عقائدهم، وهي لا تنجح حين تداهنهم في هذا الباطل، وتتدسس إليهم في هذا الباطل، إنها حين تفعل ذلك يدرك خصوم الدعوة أن هذه الجماعة فكر بشري قاصر مثل فكرهم. وإن إصرار دعاة الباطل على باطلهم، لا يقتضي من الدعاة تقريظه، أو السكوت عليه فلا بد في الحوار الفكري من الوضوح التام الذي لا يقبل التلجلج والتردد.
ومن المأساة حقا على سبيل المثال، أن نجد بعض دعاة الإسلام بحجة الدعوة إلى الله بالحسنى يزينون للنصارى باطلهم، ويقولون لهم، كلنا مؤمنون بالله. والنصراني الذي يعيش هذا التناقض في نفسه. سوف يستخف بهذا الداعية الذي يربت على كتفه ويبارك باطله، ويعلم أن لا مبرر لهذا الداعية أن تكون له السيادة في الأرض طالما أنه مثله في الباطل.
ومن جهة ثانية: تبقى عملية القدوة العملية في التعامل والخلق والسلوك؛ ويبقى شرف الخصومة والحفاظ على العهد والصدق في الرضا والغضب. هو مدار الدعوة الحقيقي، ومحوره فإذا تزلزل المحور، تمزقت الصورة وتبعثرت في تقييم الخصوم لهذه الدعوة.
وحين نربح أولئك الخصوم، من خلال القدوة العملية، والوضوح الفكري. نستطيع أن نتكلم معهم من منطق القوة والاعتزاز بهذا الدين والثقة بأن المستقبل لهذا الدين. وحين نربط هذه القضايا معا بالقضية المادية المكافئة. نستطيع أن نتحرك بهذه المحاور جميعا نحو الهدف الأول، هدف: إسقاط الخصم في خضم هذه العقيدة. وفي لب هذا الدين. لا بإسقاطه وتصفيته، وتكوين تجمع يثأر له من بعده.
وحرص رسول الله ﷺ على أن يتلوا آية براءة بين يدي حاتم ويوضح له من خلال هذه الآية أنه ليس على دين كما كان يحسب عدي وتصور وبذلك تنقطع المبررات التي تدفع الخصم للتمسك بمبادئه.
ونقول في هذا الصدد إن هذا الخط من الوضح الفكري والقدوة العملية ليس مرتبطا بمرحلة معينة فقد رأينا. والمسلمون في أشد حالات الضعف في الحبشة. ونراه اليوم والمسلمون أسياد الجزيرة العربية. لكن الذي يحكم هذا الخط، هو أن لا يتحول هذا الموقف إلى السباب والشتيمة. والغضب للنفس، فإن القيد الأكبر لهذا الحوار والجدل؛ هو أن يكون بالتي هي أحسن. أي بالصورة التي لا يوجد أحسن منها على الإطلاق ... وجدال التي هي أحسن هو الذي يثمر خصما منفعلا مع عقيدة الإسلام. أو معترفا بعظمة التعامل فيه.
سادسا: وفود الجنوب:
وكانت هذه الوفود ترد إلى رسول الله ﷺ معلنة ولاءها ودخولها في الإسلام، وذلك من خلال الدعوة إلى الله تعالى. ودون توجيه جيوش إليها. وذلك بعد أن رأت سقوط مقاومة قريش
стр. 619
وثقيف وغطفان وتميم وطيء قلب جزيرة العرب، ودخولها في الإسلام ونعرض لهذه الوفود بحيث نرى نماذج الدعوة إلى الله من خلالها.
أ - فهذا ضمام بن ثعلبة الذي يمثل صدق الأعراب وصفاءهم وقوة شكيمتهم (... فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا ابن عبد المطلب. قال: أمحمد؟ قال: نعم: قال: يا ابن عبد المطلب الله سائلك ومغلظ عليك بالمسألة فلا تجدن في نفسك. قال: لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك. قال: انشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك ﷺ آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هوكائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا. وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهم نعم قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها. حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه، ثم انصرف إلى بعيره راجعا قال. فقال رسول الله ﷺ : إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة. قال فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام! إتق البرص، إتق الجذم، اتق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليكم كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ررسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١)).
إنه ليدور في خلدي ذلك الإنسان الذي عاش في صحرائه. ضمام بن ثعلبة. منسجما مع نفسه في إبله وأهله. وله السيادة في قومه. جاء إليه من حدثه عن محمد رسول الله. فسر في قلبه سرورا عظيما. وعزم على أن يمضي بنفسه ليلقى هذا الرسول من عند رب العالين، وسوف يناشده الله أن يصدقه، ومضى بهذا التصميم إليه، ونفسه تتوق طيلة الطريق إلى ذلك اللقاء الذي يتعرف به على هذا المرسل من عند الله رب السماء والأرض. ووصل، واعتذر سلفا عن الأغلاظ في المسألة. وصمم على أن يناشده ربه عن كل شيء. حتى إذا تأكد من صحة كلام هذا المبعوث من عند الله تعالى، أخذ الأوامر المرسلة، والنواهي المجتنبة، ومضى إلى قومه وقد انتهى
стр. 620
إلى اليقين النهائي في نفسه، وأمام هذا الإيمان العجيب، دخل قومه كلهم في الإسلام، ولم يكلف دخول هذه القبيلة كلها أكثر من كلمات: (اللهم نعم) من رسول الله ﷺ بينما كلف دخول قريش في الإسلام حرب عشرين عاما أو تزيد.
وهكذا تضم الحركة الإسلامية إلى رصيدها هذه الصورة الجديدة من الدعوة التي لا تعدو أكثر من إجابة واحدة على أسئلة محددة. وتدخل إلى قلوب هذه النماذج. بهذا الوضوح والصراحة.
قد نجد الشباب الإسلامي يقرأ المجلدات من الفكر الإسلامي ولكنه يعجز عن الوصول إلى عامة الناس وسوادهم، فهو لا يعرف اللغة التي يفهمون بها. قد يتحدث معهم عن الفلسفة الإسلامية ونظام الحكم، ونظام القضاء والايديرلوجية لكن دون جدوى فهو في واد، وجماهير الأمة في واد آخر، وقد لا يكلف التفاهم مع هذه الجماهير أكثر من وليمة أو كلمة ثناء أو أريحية في خدمة. أو تبسيط دون أي تعقيد، وهذا ما رأيناه في هذا الموقف الذي لم يكلف نبي الله تعالى أكثر من قوله (اللهم نعم) ثم أععطى الدرس لأصحابه: إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة.
ب - وعلى نهج ضمام كان مقدم الجارود في وفد عبد القيس. (فلما عرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام ودعاه إليه ورغبه فيه فقال: يا محمد إني كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك. أفتضمن لي ديني، فقال: رسول الله ﷺ : نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه، قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله ﷺ الحملان فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه قال: يا رسول الله فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من الناس. أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: لا إياك وإياها فإنما تلك حرق النار. فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام صلبا على دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة. فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول قام الجارود فتكلم شهادة الحق، ودعا إلى الإسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد (١)).
فقد اكتفى الجارود حين ترك دينه بضمانة رسول الله ﷺ له دينه السابق، ومثل القاعدة الصلبة في البحرين. حيث سبقه حاكمها المنذر بن ساوى العبدي إلى الإسلام وعلى رأس هؤلاء العلاء بن الحضرمي موفد رسول الله ﷺ إليهم وكان الجارود والعلاء هما اللذان وقفا مع المؤمنين في وجه المرتدين الذين قادهم الغرور بن المفذر بن النعمان بن المنذر. وتبقى القاعدة الصلبة هي الحصن الحصين للدعوة وقت الأزمات.
стр. 621
ج - ومن قبائل الجنوب مراد وزبيد ومذحج يقدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله ﷺ مفارقا لملوك كندة، ومباعدا لهم إلى رسول الله صلوات الله عليه (فلما انتهى إلى رسول الله قال له: يا فروة هل ساءك ما أصاب يومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك فقال رسول الله ﷺ أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا واستعمله النبي ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله ﷺ ).
فالمعارك بين مراد وهمدان هي التي دفعت فروة بن مسيك لمفارقة قومه إلى المدينة، ومن أجل هذا قال له ﵊: (أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا) إذ دفعه ليكون من السابقين للإسلام.
ونلحظ أن رسول الله ﷺ كان يحرص على إبقاء قادة القبائل في مواقعهم من زعامة قبيلتهم بينما يبعث معهم أحد صحابته ليفقه القوم بالإسلام، وبذلك تبقى النفوس على عهدها دون أن تحس بإهانة أو تحطيم، ويبقى كيان القبيلة وزعامتها ضمن إطار الإسلام. وهذا خط نبوي واضح يحسن أن تعيه الحركة الإسلامية في الاستفادة من الزعامات بحيث لا تشعر أن الإسلام خطر عليها إن هي انضوت تحت لوائه لكن دون أن يتخذ الإسلام مطية لظلمها وتعسفها.
د - وقد أدى دخول مراد في الإسلام إلى أن تنافسها همدان. فيتحرك وفدها إلى المدينة فيلتقوا مع رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك بكل ثقلها شعراء وأمراء (فقام مالك بن نمط بين يديه فقال: يا رسول الله نصية (١) من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص (٢) نواج (٣) متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السواد (٤) والقود (٥)، أجابوا دعوة الرسول وفارقوا الإلهات (٦) الأنصاب (٧) عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور (٨) بصلع (٩). فكتب لهم رسول الله ﷺ هذا كتاب من رسول الله محمد، مخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف (١٠) الرمل مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه على أن لهم فراعها ووهاطها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها (١١) ويرعون عافيها (١٢) لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار فقال في ذلك مالك
стр. 622
بن نمط.
فما حملت من ناقة فوق رأسها ... أشد على أعدائه من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفي المهند
هـ - وقدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسوله إليه بإسلامهم، الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل (١) ذي رعين ومعافر وهمدان! وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله.
و- ثم بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام، وكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وبذلك كان أمره ﷺ إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
فأقبل خالد إلى رسول الله ﷺ وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب. فلما وقفوا على رسول الله ﷺ سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. ثم قال رسول الله ﷺ ، أنتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار فقال رسول الله ﷺ : لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألفيت رؤوسكم تحت أقدامكم، فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: فمن حمدتم؟ قالوا: حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله، قال صدقتم، ثم قال رسول الله ﷺ بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا، قال: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم، قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع رلا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: صدقتم، وأمر رسول الله ﷺ على بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفي رسول الله ﷺ ، ورحم وبارك ورضي وأنعم.
لقد تحرك جنوب الجزيرة العربية كلها، نجران وهمدان ومراد وزبيد ومذحج، بقلوب مفتوحة للإسلام، ونفوس متعطشة إليه، بينما دخل وسط الجزيرة العربية هربا من السيف. فكان
стр. 623
محضن الردة فيما بعد. وبقي الشمال العربي مستعصيا فلم تتحرك وفوده إلى المدينة، أما ملوك العرب في الجنوب حمير وكندة فقد جاؤوا مستسلمين لله منيبين إليه كما وصفهم رسول الله ﷺ أرق قلوبا وأرق أفئدة.
غير أن بني الحارث بن كعب كانت طريقة دعوتهم مختلفة فقد بعث رسول الله ﷺ خالدا إليهم، لأنهم مشهورون بقوة شكيمتهم وشدة بأسهم، وخالد بن الوليد قد طغت شهرته في الأرض العربية من حيث كفاءته القيادية فلا بد أن يشعر القوم بالقوة المرهوبة الجانب، ومن طرف آخر فالفشل الدعوي الذي لقيه خالد ﵁ في بني جذيمة. كان لا بد أن يغسله في موقف دعوي آخر فكانت الفرصة المتاحة الجديدة في بني الحارث بن كعب. كان لا بد له أن يضبط أعصابه ويتحلى بالصبر الطويل على الخلق البشري، والتعنت البشري وهذا أشق عليه ألف مرة من الصبر في المعارك وتحمل ضراوتها، وأن يتعود هذا السيف الذي سله الله على المشركين، أن يغمد أمام سيل الدعوة المنطلق فترة من الفترات هو أمر ضروري فعظمة الالتزام أن يكون هذا السيف تحت إمرة الله ورسوله وأن تجرب مشاق الدعوة ووعورتها وأثرها الضخم في النفس الإنسانية.
ونجح ابن الوليد أيما نجاح في هذه الدورة التدريبية على الدعوة، وهيأ الله تعالى له في مدخر أجر أن يكون إسلام بني الحارث بن كعب على يديه، وبذلك أصبح الجنوب العربي إسلاميا خالصا لله وحده.
стр. 624
السمة الخامسة عشرة:
التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك
في شمال الجزيرة العربية كما ذكرنا من قبل كان إقبال الوفود العربية قليلا جدا، إلا ما ذكر من وفد بلى، ووفد فرع من قضاعة غير أن الحدث المهم في شمال جزيرة العرب هو إسلا م فروة بن عمرو الجذامي الذي كان قائدا من قواد الروم، وواليا لهم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام. فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فقال في محبسه ذاك:
ولقد علمت أبا كبيشة أنني ... وسط الأعزة لا يحص (١) لساني
فلئن هلكت لتفقدن أخاكم ... ولئن بقيت لتعرفن مكاني
ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى ... من جودة وشجاعة وبيان
فلما أجمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له عفراء بفلسطين قال:
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل
ولما قدموه ليقتلوه قال:
بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي
وكما كان السبب المباشر في مؤتة مقتل الحارث بن عمير الأزدي رسول الله ﷺ وكان السبب المباشر في تبوك هو مقتل فروة بن عمرو الجذامي الذي استغاث بالمسلمين وبر سول الله ﷺ وتبع هذا الأمر حشود ضخمة على الحدود الشمالية، وكانت الأنباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين حتى كان الخوف يتسورهم في كل حين لا يسمعون صوتا غير معتاد ولا ويظنونه زحف الرومان. ويظهر ذلك جليا مما وقع لعمر بن الخطاب فقد كان النبي ﷺ آلى من نسائه شهرا فهجرهن (٢) ففي صحيح البخاري (وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أنائم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، وقال حدث أمر عظيم، فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال لا بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله ﷺ نساءه) (٣).
стр. 625
وإن قيمة الجندي المسلم عظيمة في الإسلام؛ وحين يكون المسلمون قادرين على حمايته فلا بد من ذلك أو الثأر له ولو اقتضى الأمر إشعال حرب كاملة من أجله، وما بيعة الرضون بسر، وما غزوة تبوك بسر، وما غزوة مؤتة بسر، وما سرية أسامة إلى تخوم الشام بسر إذ قامت هذه جميعا ثأرا من الغادرين الذين يقتلون الرسل ويستخفون بالأعراف الدبلوماسية حين يكون عدوهم مهيض الجناح حسب ما يتصورون. فالرسل لا تقتل في الأصل وما يقدم على ذلك الغادرون إلا تحديا لخصومهم في ذلك.
وسنعرض لغزوة تبوك في خطوط عريضة تتناسب مع طبيعة هذه السمة.
الخط الأول: التظاهرة الكبرى في تحرك ثلاثين ألفا من المسلمين: فقد أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس، لبعد الشقة وشدة الزمان، وكثرة العدو، الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم (١).
(ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق في ذلك عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها) (٢).
(ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار فاستحملوا رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) (٣).
(وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله تعالى) (٤)).
وكان الاتجاه الإسلامي أن لا يتخلف أحد عن المعركة، فقد كان ﵊ بعد انطلاقه من المدينة كلما ذكر له تخلف أحد من أصحابه أو الخلص منهم كان يقول: إن يكن به خير فسيلحق بنا.
وجرى ذلك مع أبي ذر الغفاري وأبا خيثمة.
ويحدث كلثوم بن الحصين يقول: (فقلت: استنغفر لي يا رسول الله، فقال: سر فجعل رسول الله يسألني عمن تخلف من غفار فأخبرته، فقال: ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل
стр. 626
على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله، إن أعز أهلي علي أن يتخلف عن المهاجرون والأنصار وغفار وأسلم) (١).
فلما رحل رسول الله ﷺ من ثنية الوداع عقد الألوية والرايات فدفع لواء الأعظم إلى أبي بكر ﵁، ورايته العظمى إلى الزبير، وراية الأوس إلى أسيد بن الحضير، ولواء الخزرج إلى أبي دجاذة، وأمر كل بطن من الأنصار، والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء أو راية وساروا معه ثلاثون ألفا، وعشرة ألاف فرس، واثنا عشر ألف بعير) (٢).
ولا شك أن هذه التظاهرة الضخمة سوف تكون حديث الركبان في جزيرة العرب، فقد ارتفع العدد ثلاثة أضعاف عما كان في فتح مكة. ولئن كانت العملية الفدائية الأولى إلى تخوم الروم ثلاثة آلاف في مؤتة فقد بلغت هذه الحملة عشرة أضعاف تلك، إنه لتطور ضخم ابتدأ في العام الأول للهجرة بثلاثين راكبا. وانتهت في العام التاسع للهجرة بثلاثين ألفا. وهذا يعني أن الجيش الإسلامي ارتفع خلال تسع سنوات ألف ضعف عما ابتدأ به.
الخط الثاني مسير الغزوة وعملياتها.
كما ذكرت فلم يكن في الحملة الضخمة مواجهة تذكر لأن عرب الشام سمعوا بضخامة الحملة فتفرقوا في البلاد، كما أن هرقل لم يكن بنيته مواجهة محمد رسول الله لما يعرفه عنه.
(وشاور رسول الله ﷺ في التقدم فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن كنت أمرت بالمسير فسر، فقال: لو أمرت به ما استشرتكم فيه! قالوا: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك فلو رجعت هذه السنة حتى ترى، أو يحدث الله لك في ذلك أمرا) (٣).
كما كلف رسول الله البطل المغوار خالد بن الوليد باختطاف أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل في أربعمائة فارس، وكان أكيدر نصرانيا (فقال خالد يا رسول الله كيف لي به وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في أناس يسير فقال: ستجده يصيد البقر فتأخذه وقال: فلا تقتله وائت به، فإن أبى فاقتلوه فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة وهو على سطح له من الحر، ومعه امرأته وقينة تغنيه وقد شرب فأقبلت البقر (٤) تحك بقرونها باب الحصن، فأشرفت امرأته فرأت البقر فقالت: ما رأيت كالليلة من اللحم، هل رأيت مثل
стр. 627
هذا قط؟ قال: لا قالت: من يترك هذا؟ قال: لا أحد.
قال أكيدر والله ما رأيت جاءتنا ليلا بقر غير تلك الليلة، ولقد كنت أضمر لها الخيل شهرا أو أكثر ثم أركب بالرجال وبالآلة فنزل فأمر بفرسه فأسرج وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، فخرجوا قباء حصنهم بمطاردهم وخيل خالد تنتظرهم لا يصهل منها فرس ولا يحرك فساعة فصل أخذته الخيل. واستلب خالد بن الوليد أخاه حسانا قباء ديباج نخوصا (١) بذهب فبعث به إلى رسول الله ﷺ مع عمرو بن أمية فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال ﵇: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. ثم خرج خالد إلى المدينة ومعه أكيدر وأخوه فصالحه رسول الله ﷺ على الجزية وخلى سبيله وسبيل أخيه (٢)) وخاف أهل أيلة وتيماء فقدم يحنة بن رؤبة ومعه أهل جرباء وأذرح، فصالحهم ﵇ وقطع عليهم الجزية) (٣).
وهذه هي العمليات الحربية والسياسية التي قام بها جيش النبي ﷺ حيث تسارع الناس هناك لمصالحته، وذلك من خلال اختطاف أكيدر في عملية حربية ناجحة وأدت التظاهرة العسكرية والسياسية دورها في إرهاب الشمال العربي وكفه عن التفكير بالهجوم على المدينة مستندا إلى قوة الرومان العسكرية.
الخط الثالث: بروز المنافقين وتخطيطهم من جديد.
بعد أن صفي المنافقون تقريبا عند صلح الحديبية وبقي وجودهم لا يتعدى بضعة أفراد عاد المجتمع الإسلامي فأخذ أبعاده بعد الحديبية ثم بعد الفتح، فتضاعف الجيش الإسلامي عشرين ضعفا، وكثير ممن دخل هذا المجتمع كان دافعه الرغبة والرهبة، وكان عبد الله بن أبي لا يزال على قيد الحياة، فاستعاد بناء معسكره من جديد، ونظم صفوفه من خلال القاعدة الجديدة العريضة التي انضمت له وبرزت مخططات المنافقين بتوزيع المهام بين المدينة قبل النفير ومع الجيش وبعد العودة إليها.
أما دورهم قبل النفير فكان ينصب على تخذيل الناس عن رسول الله ﷺ ودعوتهم إلى الركون للدنيا ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة
стр. 628
بالكافرين (١)، ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ (٢)، ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ (٣).
وأما دورهم في الجش فكان في مخالفة الأوامر، وبث الفتنة في الجيش والفرقة فيه. وعلى رأس هذه المخططات جميعا محاولة اغتيال رسول الله ﷺ ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفوا بعد اسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾ (٤) وأحبط الله تعالى مخططاتهم بإطلاع نبيه عليها حين هموا بما لم ينالوا ومع وضوح الجريمة الغادرة فلم تقم ضدهم عمليات قتل أو تصفية جسدية، حفاظا على السمعة العامة للجماعة المسلمة أن يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه، ومنعا لتكتل قد يظهر على الساحة فيجر بعض الموتورين وهم كثر ممن دخل في دين الله خوفا على مصلحته، وأما في المدينة فقد كانوا يخططون لافتتاح مركز خاص لهم يأوي إليه كل المنافقين وهو مسجد الضرار الذي وعد رسول الله ﷺ بافتتاحه والصلاة فيه بعد العودة من تبوك، وأطلع الله تعالى نبيه على الهدف من ذلك، فبعث من يحرق مسجد الضرار بمن فيه: ﴿والذين اتخذا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ (٥).
وكانت آيات سورة براءة التي نزلت في المنافقين قرابة مائة آية أعنف حرب إعلامية عليهم، كشفت جميع مخططاتهم وعرتهم تعرية كاملة في المجتمع الإسلامي حتى كان الصحابة يطلقون عليها أسماء عديدة منها المخزية والفاضحة والمبعثرة واستطاعت هذه الحملة الناجحة أن تهزم معسكر النفاق، وتعيد الكثيرين منه إلى الصف الإسلامي الخالص، فيحسن إسلامهم وكان أكبر فاجعة نزلت بهم هي موت عبد الله بن أبي زعيمهم، وكي لا يفتح رسول الله ﷺ معركة مع أتباعه فيما بعد فصلى عليه واستغفر له وأعطاه كساءه وعاتب الله تعالى نبيه في ذلك بقوله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (٦).
وهذا الخط السياسي الذي اختاره النبي ﷺ في عملية البناء الداخلي تحتاج الحركة الإسلامية اليوم إلى دراسة أبعاده وجوانبه وأساليبه بحيث تستطيع أمام أي خلل في صفها أن تعالجه بتفتيت ذلك التجمع المضاد. وفضح أهدافه وضرب مركز القوة فيه حتى لا ينساق سواد الصف معه، وأية معالجة غير هذه المعالجة تصل بالصف الإسلامي كله إلى التفجر والتشرذم
стр. 629
والصلة المستمرة بالقواعد، والتوعية التربوية والسياسية التي تشير إلى دور المغامرين والمقامرين بمصير الجماعة، دون أن تتحول القضية إلى حرب شخصية أو صراعات فردية هي صمام الأمان لسلامة خط الجماعة، وحسن سيرها إلى الهدف الذي تسعى إليه وجهاز الأمن القوي للجماعة الذي يكشف كل المحاولات الخبيثة لتهديم الصف المسلم هو ضرورة ماسة في كل حركة إسلامية ويبقى المحور الإسلامي في هذا المجال هو عزل قادة النفاق أو المشاقين للجماعة المستغلين لها، دون أن يبقى معهم مفرر واحد.
الخط الرابع: المخلفين (١) الثلاثة وموقف المجتمع الإسلامي منهم.
ورغم أن الصحابة الثلاثة ﵃ هم واحد من عشرة آلاف بالقياس إلى الجيش المسلم لكن أثر موقفهم في المجتمع الإسلامي لم يكن أقل من خط منهجي للحركة تقتفي أثاره.
فقد تخلفوا عن المعركة دون عذر، وصدقوا الله ورسوله وقال لهم ﵊: (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يحكم الله فيك).
وكان التوجيه الرباني بالنسبة لهؤلاء الثلاثة هو مقاطعتهم من المسلمين (ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة) وكانت محنة من الطرف الآخر لهذا الصف، ومدى استجابته للموقف الحازم من المخالفين من جنوده، وثبتت قوة الصف والتحامه في المفاصلة مع هؤلاء الثلاثة في أروع ما يحمل تاريخ الدعوات من صور لدرجة أنهم يسلمون فلا يرد ﵈، ولكن أعظم ما في هذه المفاصلة ولا شك هو الأمر الأخير لزوجاتهم بمقاطعتهم، وقد نجحت حتى هذه الخطوة وتحقق العزل الكامل لهم في صورة لم يشهد التاريخ مثيلا لها: وما أظنه يشهد (فأقمنا على ذلك أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله يأتيني فقال إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك قال قلت أطلقها أم ماذا؟ قال لا بل اعتزلها ولا تقربها).
وتبلغ أهمية هذا الموضوع وخطره على الصف الإسلامي أن بلغ أعداء الإسلام في الشام حتى بعثوا يتصلون بكعب بن مالك أحد الثلاثة والشاعر الإسلامي المشهور يعرضون عليه الإنضمام إليهم إذا نبطي يسأل عني من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك قال فجعل الناس يشيرون إلي حتى إذا جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكتب كتابا في سرقة من حرير فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك قال: قلت: حين قرأتها؛ وهذا من البلاء أيضا قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع بي رجل من الشرك فعمدت بها إلى تنور فسجرته فيها) وإذا كان كعب رضي الله تعالى عنه قد فضح هذه الصلة، وعمد إلى الكتاب فأحرقه فكم إذن يا ترى من
стр. 630
الصلات والرسائل والمخططات كانت تصل لابن أبي فيكتمها ويجيب عليها، ويتآمر من خلالها على الجماعة المسلمة.
وحتى تعرف الحركة الإسلامية سلامة صفها فلا بد من أن تعرف مقدرتها على تنفيذ مثل هذه الأوامر في قطاع خاص من قطاعاتها وحين لا تنجح في هذا الحيز الضيق فهي على المستوى الأوسع أعجز وهي بالتالي تحتاج الى معاناة مستمرة في محاولة البناء المستمر في الانضباط والإلتزام.
ونشر في النهاية إلى أن هذا المجتمع قد عاش مأساة إخوته الثلاثة في أشد ما يكون يقظة والتزاما وألما حتى أن التوبة حين نزلت من السماء ما تمالك صارخ أن يصرخ مع الفجر بأعلى صوته من قمة الجبل أن أبشر يا كعب بن مالك حتى إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تبشره من السماء فقال ﵊، إذن لا يدعكم الناس تنامون) وظهر الصف الإسلامي فعلا أنه كالجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وكان أروع ما في الأمر تمام الانضباط مع تمام العاطفة والحب والاشتراك في الأمل والألم.
***
стр. 631
السمة السادسة عشرة:
سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني
عاد رسول الله ﷺ من تبوك؛ واتجهت العرب إلى المدينة تعلن ولاءها وكان موسم الحج الجديد (ثم أقام رسول الله ﷺ بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين).
قال ابن إسحاق: (وحدثتني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي ﵁ أنه قال: لما نزلت سورة براءة على رسول الله ﷺ وقد كان بعث أبا بكر ليقيم للناس الحج قيل له يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته، فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق تقال: أأمير أم مأمور؟ قال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم في الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن بالناس بالذي أمره به رسول الله ﷺ ففال: أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم اإلى مأمنهم أو بلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله ﷺ عهد إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان).
لقد كان حج العام التاسع من حيث الشعائر فيه كامل الحرية للمسلمين والمشركين دون وجود سلطة محددة تمنع هذا أو ذاك، ولكن ظهر المجتمع الإسلامي الضخم الذي يقوده أبو بكر ﵁ والمسلمون معه يحجون بحجه، ولا يبعد أن يكون كثير من المسلمين مع قبائلهم وفي مواقعها.
وكان هذا التجمع مناسبة طيبة لإعلان الأوامر الربانية في إنهاء الوجود الوثني في جزيرة العرب والذي استمر عدة قرون وفي الكعبة المشرفة.
стр. 632
ولقد تم خلال الحج الماضي إزالة الأصنام من مكة فقط وكانت تظاهرة عمرة الجعرانة قبيل الحج فقط. غير أن إعلان الأحكام الإسلامية في منى يوم النحر كان من الأهمية بمكان ويعني أن شريعة الله سوف تطبق كل أحكامها وعلى الناس جميعا خلال مدة زمنية أقصاها أربعة أشهر إلى السنة فخلال سنة وحتى يحل الحج القادم فيمكن التساهل وغض النظر عن بعض مظاهر الشرك في البيت الحرام، أما الذين كان لهم وجود قانوني ثابت من خلال عهود ومواثيق مع رسول الله ﷺ ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ لكن استمرار الشرك بصورة دائمة فهذا مرفوض في شريعة الله في مكة وجزيرة العرب فالعهود المفتوحة بدون قيد، والتجمعات المشركة القائمة بدون عهد حدد الإنذار النهائي لها أربعة أشهر لإعلان الإنضمام إلى المسلمين أو المواجهة معهم.
﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفرر رحيم وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ (١).
وكان هذا الإعلان الرسمي بمثابة حل لأحزاب الشرك والوثنية في أرض العرب، إلا التي أقامت وجودها بإذن خاص من رسول الله ﷺ .
وأهم ما يحسن أن تعيه الحركة الإسلامية من هذا الإعلان أن تفقه قصة التدرج في الحكم والأحكام والخطوات المرحلية المؤدية إلى الهدف، وشرف التعامل والعهود والمواثيق مع الآخرين.
وإننا لنذكر الشباب الدعاة أنه ما بين تطبيق أحكام الإسلام في الشعائر وما بين فتح مكة سنتان تماما. وكان بإمكان النبي ﷺ بعد أن انتهى من هوازن وحنين وما حولها مظفرا منتصرا. أن يقيم في مكة إلى الحج، ويمنع خلال شهر أداء كل هذه الشعائر إذ أنه دخل مكة ﵊ في ذي القعدة ولكن العبادات لا تتم بالحظر فقط، وبالأمر فقط لقد غادر رسول الله ﷺ مكة قبيل الحج وجعل أميرا على المسلمين في مكة عتاب بن أسيد الشاب الذي لم يمض على إسلامه شهران أو أكثر، وبقي عتاب بن أسيد ﵁ مع
стр. 633
من أسلم حديثا من أهل مكة فحج بالمسلمين، وبقي معاذ بن جبل ﵁ في مكة يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.
مضى عام كامل ومعاذ تحت إمرة عتاب يفقه الناس في الدين، وإن كان قد استدعي ﵁ لأداء المهمة نفسها في اليمن، وكانت سنة كافية لأسلمه الحج كله إذا صح التعبير ولكن رسول الله ﷺ مدد الأمر عاما آخر حتى تأخذ التربية مداها، ويأخذ التفقيه مداه وأن يتعامل مع قلوب الناس لا مع أجسادهم لا بد من سلخ آثار الوثنية من القلوب والنفوس التي علقت بها هذه الآثار واستمرت التربية سنتين كاملتين حتى كانت حجة الوداع.
لقد ارتبط الحكم الإسلامي في جانبيه الشعائر والشرائع بهذا المدى الزمني العظيم والسلطة الوحيدة المسيطرة هي سلطة المسلمين، وهي القوة الوحيدة في الساحة ومع ذلك اقتضى الأمر هذا المدى الزمني الطويل ليمنع فيه حج المشرك وطواف العُريان.
إننا نجد الشباب الإسلامي المتحمس وهو يتصور دولة الإسلام القادمة من خلال بلاغات حربية وانقلاب عسكري ومنذ اليوم الأول الذي تعلن فيه إسلامية الدولة. وفي بلاغات متلاحقة. وأيام قلائل. تلغى كل مظاهر الكفر والشرك في الإذاعة والتلفاز، ومظاهر الفساد ومواخير الزنا في المسارح والملاهي والسينمات، ويصدر قرار بالحجاب الإسلامي.
إن هذا التصور العجيب الذي يملأ قلوب الكثير من الشباب هو تصور غير إسلامي، بل ويبالغ الشباب بكل أسف في ذلك لدرجة إتهام القيادة المسلحة بالمداهنة في دين الله لو تلكأت عن هذا التنفيذ وبالإنحراف، وبموالاة الكفار.
لقد سمعت ذلك الشاب المتحمس وهو يناقشني على صوت موسيقي ظهر خطأ في برنامج إسلامي، من إذاعة لدولة حليفة يقول لي: هذا هو الانحراف، وكما انحرف الفلسطينيون في فتح، وانتقلوا من الإسلام في البداية إلى العلمانية ها أنتم تنحرفون كذلك، بل وبلغ الحماس عند بعض الشباب أن نفض يديه من الجماعة المسلمة حين وجد هذا الصوت في هذا البرنامج.
لهؤلاء الشباب الذين تقرأ عتابهم وهم رصيد هذه الحركة، لهؤلاء نقول رويدا رويدا. فها هو رسول الله ﷺ يستلم السلطة في مكة ويبقى الحرم يعج بالمشركين والعراة سنتين كاملتين حيث تم التمهيد المناسب والتفقيه اللازم، والتهيئة النفسية الكاملة وتم بعد هذا كله إلغاء هذه المظاهر الماجنة في ظل الكعبة.
إنه نداء حار إلى الشباب كي يفقه هذا الدرس في أعظم صور المفاصلة بين الإسلام والشرك ومع هذا وضع له مدى أربعة أشهر لإلغاء التجمع ومدى سنة كاملة لتنفيذ الحكم الإسلامي الكامل في البيت الحرام وغيره وإعلان الحرب على الوجود المشرك، كان في بلاغات لا
стр. 634
تغدر بالناس ولا تفرض عليهم الأمر فرضا بل تتيح لهم الفرصة للتعرف والتفقه بحيث يتمكن كل فرد في الأمة أن يتعرف على الإسلام من خلال الدعاة المنبثين في كل مكان وكانت عظمة الإنذار السادس أن الأمان مفتوح لكل مشرك جاء ليتعرف على الإسلام وله كامل حريته أن يسلم أو يعود إلى تجمعه المشرك إن لم يقتنع بالإسلام، دون خطر على وجوده وحياته بل على المسلمين أن يبلغوه مأمنه إنها دورة تدريبية كاملة لمدة سنة تتيح لكل مشرك في أرض العرب أن يتعرف على الإسلام ويفقه أحكامه خلال هذا العام وله كامل الحرية بعدها في اختيار الإسلام أو الشرك لأن ضمان عودته إلى حزبه قائم فأبلغه مأمنه وبعدها تكون الحرب المعلنة أو الدخول في الدين وليت الشباب يدركون عظمة هذا الدرس، وإنهم يتعاملون مع بشر يحرصون على دخولهم في حظيرة الإسلام ولا يتعاملون مع صنم يكسر ويحطم، وانتهى الأمر ولا ينسوا أبدا أن المظاهر الماجنة في ظل الكعبة بقيت سنتين ورسول الله ﷺ حاكم أرض العرب طالما أن هذا الأمر يخص مقدسات الناس فلا بد من التدرج في إزالته حتى يألفه الناس ولا يفرون أو ينفرون.
стр. 635
السمة السابعة عشرة:
الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين
قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسول الله ﷺ ذو القعدة تجهز للناس، وأمر الناس بالجهاز له، وعن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ لخمس ليال بقين من ذي القعدة.
ثم مضى رسول الله ﷺ على حجه فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية أما بعد أيها الناس. فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد في أرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم.
أيها الناس. إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا. منها أربعة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعتلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت.
وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه نلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟