← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1716–1743 · переход к 1721.

стр. 1716

والمانع الثامن: الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، قبل الدعوى أو بعدها؛ فترد؛ لحديث عمران بن الحصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ» [البخاري ٣٦٥٠، ومسلم ٢٥٣٥]، فإن لم يعلم مشهود له بها؛ لم يقدح. إلا في عتق وطلاق وظهار ونحوها؛ فلا ترد؛ لعدم اشتراط تقدم الدعوى فيها على الشهادة. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز أداء الشهادة قبل طلبها، ولو علمها المشهود له إذا دل على طلب الشهادة العرف أو الحال؛ لحديث زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» [مسلم ١٧١٩]، وأما حديث عمران فقال شيخ الإسلام: (والصحيح: أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث: «ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ» [أحمد ١١٤، والترمذي ٢٣٠٣، وابن ماجه ٢٣٦٣، من حديث عمر ﵁]).

стр. 1717

(فَصْلٌ) أقسام المشهود به من حيث عددُ شهوده؛ لاختلاف الشهود باختلاف المشهود به. وأقسامه سبعة بالاستقراء: القسم الأول: الزنى واللواط، وأشار إليه بقوله: (وَشُرِطَ فِي الزِّنَى)، واللواط: (أَرْبَعَةُ رِجَالٍ) عدول (يَشْهَدُونَ بِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ الآية [النور: ١٣]، فجعلهم كاذبين إن لم يأتوا بالأربعة، فوجب ألا تقبل الثلاثة، واللواط في معنى الزنى المستدعي لوجوب الحد، (أَوْ) يشهد أربعة شهود (أَنَّهُ) أي: المشهود عليه (أَقَرَّ بِهِ) أي: بالزنى أو اللواط (أَرْبَعاً)؛ لأنه إثبات للزنى، فاعتبر فيه أربعة؛ كشهود الفعل، وتقدم في حد الزنى ما يشترط في الشهود. (وَ) القسم الثاني: (فِي دَعْوَى فَقْرٍ)، فلا تقبل (مِمَّنْ عُرِفَ بِغِنًى): أنه فقير؛ ليأخذ من نحو زكاة، إلا بـ (ثَلَاثَةِ) رجال؛ لحديث قبيصة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ، ... -وذكر منهم-: وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا

стр. 1718

سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» [مسلم: ١٠٤٤]. (وَ) القسم الثالث: (فِي) دعوى (قَوَدٍ)، فيثبت برجلين؛ لأنه أحد نوعي القصاص، فيقبل فيه اثنان؛ كقطع الطريق. (وَ) كذا في دعوى (إِعْسَارٍ، وَ) وطءٍ (مُوجِبِ تَعْزِيرٍ)؛ كوطء أمة مشتركة، وبهيمة: فيثبت برجلين. (أَوْ) دعوى إثبات (حَدٍّ) غير الزنى واللواط؛ كحد قذف وشرب وقطع طريق؛ يثبت برجلين؛ لقول الزهري: «مَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ: أَلَّا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ» [ابن أبي شيبة ٢٨٧١٤]، و «اتَّفَقَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄: عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ؛ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الدِّمَاءِ، وَلَا الْحُدُودِ» [علقه ابن حزم في المحلى ٨/ ٤٧٨]، ولأنه يسقط، فلا تقبل فيه شهادة النساء بالشبهة. (وَ) القسم الرابع: في دعوى (نِكَاحٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ) عقوبة، ولا (مَالاً، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ)؛ كطلاق، ورجعة، ونسب، وولاء، وإيصاء في غير مال، وتوكيل في غير مال، وتعديل شهود وجرحهم، (وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِباً): فيقبل فيه (رَجُلَانِ)، ولا يقبل أقل من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، قاله في الرجعة، والباقي قياسًا، ولأنه ليس بمال ولا يقصد به المال، فلا مدخل للنساء فيه، أشبه العقوبات،

стр. 1719

ولأن الله تعالى ذكر شهادة الرجل والمرأتين في الأموال، دون الرجعة والوصية وما معهما. وقال شيخ الإسلام: (والصحيح قبول شهادة النساء في الرجعة، فإن حضورهن عنده أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق). وقوى ابن القيم، وحكاه رواية: أنه يقبل في العتق والنكاح والرجعة ونحوهما: رجل وامرأتان؛ لقول الله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)، ولحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» [البخاري ٣٠٤، ومسلم ٧٩]، فجعل شهادة الرجل والمرأتين شهادة على الإطلاق، فاقتضى أن يكون لهن شهادة في سائر الأحكام إلا ما قيد بدليل. وأما قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، فقال ابن القيم: (قد استقر في عرف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذَكَّرين إذا أطلقت ولم تقترن بالمؤنث، فإنها تتناول الرجال والنساء؛ لأنه يغلب المذكر عند الاجتماع). (وَ) القسم الخامس: (فِي) دعوى (مَالٍ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ) المال؛ كقرض، ورهن، ووديعة، وغصب، وإجارة، وشركة، وإتلاف مال، وتوكيل فيه، وإيصاء فيه، وبيع، وأجله، وخيار فيه، وجناية خطأ أو عمدًا لا توجب قودًا بحالٍ؛ كجائفة؛ فيقبل فيه:

стр. 1720

١ - (رَجُلَانِ). ٢ - (أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ). ويدل له: قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، وسياق الآية يدل على الاختصاص بالأموال، والإجماع منعقد على ذلك. ٣ - (أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُ المُدَّعِي)؛ لما روى ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» [مسلم ١٧١٢]. - فرع: لا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وما يقصد به المال؛ لأن شهادة المرأة ناقصة، وإنما انجبرت بانضمام الرجل إليها. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز القضاء بشهادة المرأتين ويمين المدعي فيها؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، فالله تعالى لما جعل شهادة امرأتين بدل شهادة رجل؛ وجب أن يكون حكمُهما حكمَه، فكما أن للمدعي أن يحلف مع الشاهد، فإن له أن يحلف مع شهادة المرأتين. وقال شيخ الإسلام: (ولو قيل: يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب؛ لكان متوجهًا، فالطريق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله

стр. 1721

صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها) (١). - فرع: لا تقبل شهادة أربع نسوة فأكثر مقام رجلين، إجماعًا، قاله في المبدع. واختار ابن حزم وابن عثيمين: أنها تثبت بشهادة أربع نسوة؛ لأن الله تعالى جعل المرأتين مقام الرجل الواحد، فقامت الأربع مقام الرجلين. (وَ) القسم السادس: (فِي) دعوى (دَاءِ دَابَّةٍ، وَ) في دعوى (مُوضِحَةٍ، وَنَحْوِهَا)؛ كهاشمة، ومنقِّلة، وداء بعين: فيقبل فيه (قَوْلُ اثْنَيْنِ) أي: طبيبين، أو بيطاريين؛ كسائر ما يطلع عليه الرجال وليس بمال. (وَمَعَ عُذْرٍ)؛ بأن لم يكن بالبلد من أهل المعرفة به أكثرُ من واحد يعلم ذلك: يقبل قول طبيب (وَاحِدٍ)، وبيطار واحد، وكَحَّال واحد؛ لأنه مما يعسر إشهاد اثنين عليه، فكفى الواحد؛ كالرضاع. (وَ) القسم السابع: (مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِباً؛ كَعُيُوبِ نِسَاءٍ تَحْتَ ثِيَابٍ، وَرَضَاعٍ، وَاسْتِهْلَالٍ) أي: صراخ المولود، وبكارة وثيوبة، ونحو

стр. 1722

ذلك، (وَ) كـ (جِرَاحَةٍ وَنَحْوِهَا فِي حَمَّامٍ وَعُرْسٍ) مما لا يحضره رجال، فيكفي فيه: (امْرَأَةٌ عَدْلٌ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ)؛ لحديث عقبة بن الحارث ﵁: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ : «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ»! ففارقها عقبة، ونكحت زوجًا غيره [البخاري ٨٨]، ولحديث ابن عمر ﵄ قال: سئل النبي ﷺ : ما يجوز في الرضاعة من الشهود؟ قال: «رَجُلٌ، أَوِ امْرَأَةٌ» [أحمد ٥٨٧٧، وإسناده ضعيف]، وروي عن علي ﵁ موقوفاً: «شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ جَائِزَةٌ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ» [الدارقطني ٤٥٥٨، قال البيهقي: لايصح]، والرجل فيه كالمرأة؛ لأنه أكمل، وكالرواية. (فَصْلٌ) في الشهادة على الشهادة قال أبو عبيد: (أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال). والمعنى شاهد بذلك؛ لأن الحاجة داعية إليها؛ لأنها لو لم تقبل لتعطلت الشهادة على الوقوف، وما يتأخر إثباته عند الحاكم، أو ماتت شهوده، وفي ذلك ضررٌ على الناس ومشقة شديدة، فوجب قبولها؛ كشهادة الأصل.

стр. 1723

- مسألة: (وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ) بثمانية شروط: الشرط الأول: أن تكون (فِي كُلِّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي)، وهو حق الآدمي؛ من مال، وقصاص، وحد قذف، دون حق الله تعالى؛ لأن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهة، والشهادة على شهادة فيها شبهة؛ لتطرق احتمال الغلط والسهو وكذب شهود الفرع فيها، مع احتمال ذلك في شهود الأصل، وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهود الأصل، ولهذا لا تقبل مع القدرة على شهود الأصل، ولأنه لا حاجة إليها في الحد؛ لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة عليه. واختار شيخ الإسلام: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في حقوق الله تعالى؛ كزنىً وشرب خمر وسرقة وترك صلاة وما يوجب تعزيرًا؛ لأن الحاجة إليه حاصلة كما هي حاصلة في حقوق الآدميين، وتقدم في كتاب القاضي إلى القاضي. (وَشُرِطَ) شرط ثانٍ، وهو: (تَعَذُّرُ) شهادة (شُهُودِ أَصْلٍ بِمَوْتٍ، أَوْ بِمَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ مَسَافَةَ قَصْرٍ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ)؛ لأن شهادة الأصل أقوى؛ لأنها تُثبت نفس الحق، وشهادة الفرع إنما تثبت الشهادة

стр. 1724

عليه؛ ولأنه إذا أمكن أن يسمع شهادة شاهدي الأصل استغني عن البحث عن عدالة شاهدي الفرع. والشرط الثالث: دوام تعذر شهود الأصل إلى صدور الحكم. فإذا شهد الفروع فلم يحكم الحاكم حتى حضر الأصول من السفر، أو حتى صحوا من المرض، ونحوه؛ وُقِفَ حكمه على سماعه شهادتهم منهم؛ لأنه قدر على الأصل قبل العمل بالبدل؛ كالمتيمم يقدر على الماء. وإن كان ذلك بعد الحكم؛ لم يؤثر فيه. (وَ) الشرط الرابع: (دَوَامُ عَدَالَتِهِمَا) أي: عدالة شاهد أصل وشاهد فرع إلى صدور الحكم، فمتى حدث قبل الحكم من أحد شهود الأصل وشهود الفرع ما يمنع قبوله؛ من نحو فسق أو جنون؛ وُقِف الحكم؛ لأنه مبني على شهادة الجميع، وإذا فُقِد شرط الشهادة التي هي شرط للحكم؛ لم يجز الحكم بها. (وَ) الشرط الخامس: (اسْتِرْعَاءُ) شاهد (أَصْلٍ لِـ) شاهد (فَرْعٍ، أَوِ) استرعاء شاهد أصل (لِغَيْرِهِ) أي: لغير شاهد فرع (وَهُوَ) أي: الفرع (يَسْمَعُ) استرعاء الأصل لغيره. - فرع: أصل الاسترعاء من قول المحدث لمن يحدثه: أرْعني سمعك، يريد: اسمع مني، مأخوذ من رعيت الشيء: حفظته، فشاهد الأصل يطلب من شاهد الفرع أن يحفظ شهادته ويؤديها.

стр. 1725

- فرع: الاسترعاء له ثلاث صفات، وهي ما ذكره بقوله: ١ - (فَيَقُولُ) شاهد الأصل لمن يسترعيه: (اشْهَدْ) على شهادتي (أَنِّي أَشْهَدُ)، أو يقول: اشهد أني أشهد (أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ) وقد عرفته (أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ)، أو شهدت عليه، (أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا وَنَحْوِهِ)، وإلا يَسْتَرْعِهِ ولا غيره مع سماعه؛ لم يشهد؛ لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، ولا ينوب عنه إلا بإذنه. ٢ - (أَوْ يَسْمَعُهُ) أي: يسمع الفرع الأصل (يَشْهَدُ عِنْدَ حَاكِمٍ)، فله أن يشهد على شهادته؛ لأن شهادته عند الحاكم تزيل الاحتمال، أشبه ما لو استرعاه. ٣ - (أَوْ) يسمع الفرعُ الأصلَ (يَعْزُوهَا) أي: شهادته (إِلَى سَبَبٍ؛ كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ)، ونحوه، فله أن يشهد على شهادته؛ لأنه بنسبته الحق إلى سببه يزول الاحتمال، أشبه ما لو استرعاه. - فرع: ما عدا هذه المواضع المذكورة في الاسترعاء لا يجوز للفرع أن يشهد فيها على الشهادة: فإذا سمعه يقول عند غير الحاكم: أشْهدُ أنَّ لفلان على فلان ألف درهم؛ لم يجز لمن سمعه أن يشهد على شهادته؛ لأن الأصل لم يسترعه

стр. 1726

الشهادةَ، ولم يعزها الأصل إلى سبب من بيع ونحوه؛ لأنه يحتمل أن ذلك وعد، ويحتمل أن يريد بالشهادة العلم، فلم يجز أن يشهد مع الاحتمال، بخلاف ما إذا استرعاه فإنه لا يسترعيه إلا على واجب. واختار ابن عثيمين: أنه لا يشترط أن يسترعيه، وأنه إذا سمع شخصًا يقول: أشهد أن فلانًا له عند فلان كذا وكذا؛ فللسامع أن يشهد، فيقول: أشهد أن فلانًا يشهد بأن على فلان كذا وكذا، ولا يقول: أشهدني. - فرع: يجوز للشاهد أن يشهد على الإقرار، وإن لم يسترعه؛ لأن الإقرار قول الإنسان على نفسه، وهو غير متهم عليها. (وَ) الشرط السادس: (تَأْدِيَةُ) شاهد (فَرْعٍ بِصِفَةِ تَحَمُّلِهِ) لها، وإلا لم يحكم بها. فيقول: أشهد أن فلان بن فلان، وقد عرفته بعينه واسمه ونسبه وعدالته - وإن لم يعرف عدالته لم يذكرها- أشهدني أنه يشهد أن لفلان بن فلان كذا، أو يقول: أشهدني أنه يشهد أن فلانًا أقر عندي بكذا. فإن لم يؤدها الفرع على صفة تحمله؛ لم يحكم بها؛ للاختلاف في كيفية الاسترعاء، فقد يرى الشاهد في الاسترعاء ما لا يراه الحاكم، فلا يسوغ له الحكم. (وَ) الشرط السابع: (تَعْيِيِنُهُ) أي: تعيين شاهد فرع (لِـ) شاهد (أَصْلٍ)،

стр. 1727

قال القاضي: حتى لو قال تابعيان: أشهدنا صحابيان؛ لم يجز حتى يعيناهما. (وَ) الشرط الثامن: (ثُبُوتُ عَدَالَةِ الجَمِيعِ) أي: شهود الأصل والفرع؛ لأنها شهادتان، فلا يحكم بهما بدون عدالة الشهود؛ لأن الحكم ينبني على الشهادتين جميعًا. - مسألة: (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ)، أو شهود عتق عن شهادتهم، فلا يخلو ذلك من أمرين: الأول: أن يرجعوا (قَبْلَ حُكْمٍ) بشهادتهم؛ فإنه تُلغى شهادتهم، و (لَمْ يُحْكَمْ) بها؛ لأن الرجوع أوجب ظنًّا في شهادتهم ببطلانها، فلا يجوز العمل بها. (وَ) الثاني: إن رجعوا (بَعْدَهُ) أي: بعد حكمٍ بشهادتهم، قبل الاستيفاء أو بعده؛ (لَمْ يُنْقَضِ) الحكم؛ لأنه قد تم، ووجب المشهود به للمشهود له، لأنهم إن قالوا: تعمدنا؛ فقد شهدوا على أنفسهم بالفسق، فهم متهمون بإرادة نقض الحكم؛ كما لو شهد فاسقان على الشاهدين بالفسق، فإنه لا يوجب التوقف في شهادتهما، وإن قالوا: أخطأنا؛ لم يلزم نقضه أيضًا؛ لجواز خطئهما في قولهما الثاني، بأن اشتبه عليهم الحال.

стр. 1728

(وَضَمِنُوا) أي: الشهود الراجعين بدل ما شهدوا به من المال، قبض أو لم يقبض، قائمًا كان أو تالفًا، وضمنوا قيمة ما شهدوا بعتقه؛ لأنهم أخرجوه من يد مالكه بغير حق، وحالوا بينه وبينه؛ كما لو أتلفوه. ومحل ذلك: ما لم يصدقهم المشهود له بالمال على بطلان الشهادة، فلا تضمنه الشهود. - مسألة: (وَإِنْ بَانَ خَطَأُ مُفْتٍ) ليس أهلاً للفتيا، (أَوْ) خطأ (قَاضٍ فِي إِتْلَافٍ؛ لِمُخَالِفَةِ) دليل (قَاطِعٍ) لا يحتمل التأويل؛ كقتل في شيء ظناه ردة، أو قطع في سرقة لا قطع فيها؛ (ضَمِنَا) أي: المفتي والقاضي؛ لأنه إتلاف حصل بفعلهما، أشبه ما لو باشراه. وعلم منه: أنه لو أخطأ فيما ليس بقاطع مما يقبل الاجتهاد؛ أنه لا ضمان؛ لأن ما ترتب على المأذون غير مضمون.

стр. 1729

(كِتَابُ الإِقْرَارِ) وهو لغة: الاعتراف، مأخوذ من المقَرِّ، وهو المكان، كأن المقِرَّ جعل الحق في موضعه. وأجمعوا على صحة الإقرار؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ الآية [آل عمران: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ورجم النبي ﷺ ماعزًا والغامدية بإقرارهما [مسلم: ١٦٩٥]، ولأنه إخبار على وجه ينتفي فيه التهمة والريبة، ولهذا كان آكد من الشهادة. وهو شرعًا: إظهار مكلف مختار ما عليه من الحق. - مسألة: لا (يَصِحُّ) الإقرار إلا (مِنْ): ١ - (مُكَلَّفٍ)، فلا يصح من مجنون، ولا من صغير غير مأذون له؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أحمد ٢٤٦٩٤، وأبو داود ٤٤٠٣، والنسائي ٣٤٣٢، وابن ماجه ٢٠٤١]، ولأنه قول ممن لا يصح تصرفه، فلم يصح؛ كفعله.

стр. 1730

فأما إن كان الصغير مأذونًا له بالبيع والشراء؛ فيصح إقراره في قدر ما أُذِن له فيه؛ كالحر البالغ، لأنه لا حَجْر عليه فيما أُذِن له فيه. ٢ - (مُخْتَارٍ)، فلا يصح من مكره عليه؛ لمفهوم لحديث أبي ذر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الله قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه ٢٠٤٣]، وكالبيع. أما إن أقرَّ بغير ما أُكره عليه؛ فيصح إقراره؛ مثل أن يكره على أن يُقرَّ لزيد فيُقرَّ لعمرو، أو على الإقرار بطلاق امرأة، فيُقر بطلاق غيرها؛ لأنه أقر بغير ما أكره عليه، فصح كما لو أقر به ابتداء. ٣ - غير محجور عليه؛ فلا يصح من سفيه إقرار بالمال؛ لأنه محجور عليه لحظه، كالصبي والمجنون، لكن يصح في ذمته، فيطالب به بعد فك الحجر، وتقدم في فصل الحجر. - فرع: يصح الإقرار سواء كان (بِلَفْظٍ، أَوْ) كان الإقرار بـ (كِتَابَةٍ، أَوْ) كان بـ (إِشَارَةِ أَخْرَسَ)؛ لقيامها مقام نطقه ككتابته، أما الناطق فلا يصح إقراره بالإشارة؛ لقدرته على الإقرار بلسانه. - مسألة: (لَا) يصح الإقرار (عَلَى الغِيَرِ)؛ لأن الإقرار على ما في يد الغير دعوى أو شهادة، (إِلَّا مِنْ) ثلاثة:

стр. 1731

١ - (وَكِيلٍ) به، إذا أقر على مُوكِّله فيما وكل فيه؛ لأنه يملك إنشاء ذلك؛ فصح إقراره به. ٢ - (وَ) من (وَلِيٍّ) على موليه مما يملك إنشاءه؛ كإقراره ببيع عين ماله ونحوه؛ لما تقدم. ٣ - (وَ) من (وَارِثٍ) على مورثه بما يمكن صدقه، بخلاف ما لو أقرَّ بجناية من عشرين سنة، وسِنُّهُ عشرون فما دونها. - مسألة: (وَيَصِحُّ) الإقرار (مِنْ مَرِيضٍ)، ولو كان في (مَرَضِ المَوْتِ) المخوف، كما يصح إقراره في صحته؛ لأنه غير متهم فيه، ولكن (لَا) يصح إقرار مريض مرض الموت (بِمَالٍ لِوَارِثٍ)؛ لأنه متهم فيه، وقياسًا على الهبة في مرض الموت، (إِلَّا): ١ - (بِبَيِّنَةٍ) تثبت الحق للوارث. ٢ - (أَوْ إِجَازَةِ) باقي الورثة؛ لأن الحق لهم، فلم يصح بغير رضاهم. لكن يلزم المريض أن يقرَّ لوارثه بدينه ونحوه، وإن لم يُقبَل منه الإقرار، إذا كان حقًّا؛ كالإقرار للأجنبي. واختار شيخ الإسلام: أنه يصح إقرار المريض مرض الموت بمالٍ

стр. 1732

للوارث إذا لم يكن هناك تهمة، وظهرت شواهد صدقه؛ لأن العادة جرت أن الأقارب يكون بينهم مداينات غير موثقة، فالقول بعدم بقبول إقراره مطلقًا فيه مشقة وفساد أحيانًا، وعلة المنع هي التهمة، فيختص تعليق الحكم بها فقط. - فرع: الاعتبار بكون المقَرِّ له وارثًا أو غير وارث بحالة إقراره، لا بحالة موته؛ لأنه قول تعتبر فيه التهمة، فاعتبرت حال وجوده؛ كالشهادة، بخلاف الوصية والعطية؛ فالاعتبار فيهما بوقت الموت، وتقدم. (وَ) على هذا: (لَوْ صَارَ) الوارث المقَرُّ له (عِنْدَ المَوْتِ) أي: موت المقِرِّ (أَجْنَبِيًّا) أي: غير وارث؛ لم يلزم إقراره (١)؛ لاقتران التهمة به حين وجوده، فلا ينقلب لازمًا؛ كمن أقرَّ لأخيه فحدث له ابن، أو قام به مانع. (وَيَصِحُّ) إقراره لو أقر (لِأَجْنَبِيٍّ)؛ كإقرار لأخيه مع وجود ابنه، حتى (وَلَوْ صَارَ) الأجنبي (عِنْدَ المَوْتِ) أي: موت المقِرِّ (وَارِثاً)، بأن مات الابن قبل المقِرِّ؛ لوقوعه من أهله خاليًا من التهمة، فيثبت الحق به ولم يوجد ما يسقطه. - مسألة: (وَإِعْطَاءٌ كَإِقْرَارٍ)، فلو أعطى غير وارث؛ صحت العطية، وإن

стр. 1733

صار المعطى عند الموت وارثًا؛ لعدم التهمة إذ ذاك، وتبع في ذلك صاحب الإقناع. وفي تصحيح الفروع، وتبعه في المنتهى، واختاره ابن عثيمين: أن العبرة في العطية بحالة الموت؛ قياسًا على الوصية، وتقدم في فصل تصرفات المريض. - مسألة: (وَإِنِ) ادعى رجل على امرأة ولو بكرًا بنكاح، و (أَقَرَّتْ) على نفسها، (أَوْ) أقرَّ (وَلِيُّهَا) المجبر، أو الذي أذنت له فيه؛ لأنهما يملكان عقد النكاح، (بِنِكَاحٍ) عليها، و (لَمْ يَدَّعِهِ) أي: النكاح (اثْنَانِ) أي: رجلان؛ (قُبِلَ) إقرارها؛ لأن النكاح حقٌّ عليها، كما لو أقرت بمال، ولزوال التهمة بإضافة الإقرار إلى شرائطه، كما لو أقرت ببيع وليِّها مالَها قبل رشدها. وعلم من كلامه: أنه لو ادعى عليها رجلان بنكاح، فأقرَّت لأحدهما به؛ أنه لا يقبل إقرارها؛ وهي رواية جزم بها في الإقناع؛ لأن الآخر يدعي مِلك بُضْعِها، وهي معترفة أن ذلك قد ملك عليها، فصار إقرارها بحقِّ غيرها، ولأنها متهمة، فإنها لو أرادت ابتداءً تزويجَ أحد المتداعيين؛ لم يكن لها قبل الانفصال من دعوى الآخر. والمذهب كما في الإنصاف والمنتهى: أنه يقبل إقرارها بالنكاح على نفسها؛ لما تقدم في إقرارها لواحد.

стр. 1734

- مسألة: (وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ صَبِيٍّ لَهُ عَشْرُ) سنين (أَنَّهُ بَلَغَ بِاحْتِلَامٍ)، ومثله جارية لها تسع سنين؛ لأنه لا يعلم إلا من جهتهما. ولا يقبل قوله أنه بلغ بسنٍّ، أي: تم له خمس عشرة سنة إلا ببينة؛ لأنه لا تتعذر إقامة البينة على ذلك. فصل فيما يحصل به الإقرار - مسألة: (وَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ)؛ كألف دينار مثلًا، (فَقَالَ) في جوابه: (نَعَمْ، أَوْ) قال: (بَلَى، وَنَحْوَهُمَا)؛ كما لو قال: أجل، أو قال: صدقت، فقد أقرَّ؛ لأن هذه الألفاظ وضعت للتصديق. - فرع: (أَوْ) أي: من ادعي عليه بشيء فقال: (اتَّزِنْهُ، أَوْ) قال: (خُذْهُ؛ فَقَدْ أَقَرَّ)؛ لأنه قالها عقب الدعوى، فيُصرَف إليها، ولأن الضمير يرجع إلى ما تقدم. - فرع: (لَا) يكون مقِرًّا من قال لمن ادعى عليه شيئًا: (خُذْ)؛ لاحتمال أن يكون مراده: خُذ الجواب مني، (أَوْ) قال له: (اتَّزِن، وَنَحْوَهُ)؛ كما لو قال له: احرز؛ لاحتمال أن يكون لشيء غير المدَّعى به.

стр. 1735

- مسألة: (وَلَا يَضُرُّ الإِنْشَاءُ فِيهِ) أي: في الإقرار؛ كأن قال: له عليَّ ألف إن شاء الله، أو قال: لك عليَّ ألف إن شئت، أو قال: له عليَّ ألف لا يلزمني إلا أن يشاء زيد، بل هو إقرار صحيح؛ لأنه قد وُجد منه، وعقَّبه بما يرفعه، فلم يرتفع الحكم به. فصل فيما إذا وصل بإقراره ما يغيِّره - مسألة: (وَ) إذا قال مكلف مختار: (لَهُ) أي: لفلان (عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي، أَوْ) قال: له علي ألف (مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَنَحْوِهِ)، كما لو قال: له عليه ألف من ثمن مبيع فاسد لم أقبضه؛ فإنه (يَلْزَمُهُ) أي: المقِرَّ (أَلْفٌ) في جميع تلك الصور؛ لأن ما ذكره بعد قوله: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ)، رفعٌ لجميع ما أقر به، فلا يقبل؛ كاستثناء الكل. - فرع: (وَ) إن قال: (لَه) عليَّ ألفٌ، (أَوْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ) و (قَضَيْتُهُ) إياه، (أَوْ) قال: (بَرِئْتُ مِنْهُ) أو: أبرأني منه؛ فلا يخلو ذلك من ثلاث حالات: الحالة الأولى: ألا يذكر المقِرُّ سببًا للحق؛ بأن لم يقل: له علي كذا من ثمن مبيع، أو قرض: (فَـ) ـالقول (قَوْلُهُ) أي: المقِرِّ بيمينه، واختاره ابن

стр. 1736

عثيمين؛ لأنه دَفَع ما أثبته بدعوى القضاء متصلًا، وهذا لا يتناقض، فقد يكون له عليه ألف وقضاه. وعنه، واختاره أبو الخطاب: يكون مقِرًّا؛ لأن قوله: (كَانَ لَهُ عَلَيَّ) يقتضي وجوب المقَرِّ به عليه، بدليل ما لو سكت عليه، ويكون مدَّعيًا للقضاء؛ لأن قوله: (قَضَيْتُهُ) دعوى لذلك؛ فلا يقبل إلا ببينة. (وَ) الحالة الثانية: أن يثبت الحق ببينة، وأشار إليه بقوله: (إِنْ ثَبَتَ) ما أقرَّ به (بِبَيِّنَةٍ)؛ فيعمل بالبينة. والحالة الثالثة: أن يذكر المقِرُّ سببًا للحق، وأشار إليه بقوله: (أَوْ عَزَاهُ) أي: (لِسَبَبٍ)، بأن يقول المقِرُّ: له عليه ألف من ثمن مبيع، أو قرض، أو قيمة متلف، ونحوه، (فَلَا) يقبل قوله إلا ببينة؛ لأنه مُقِرٌّ، مدعٍ للقضاء أو الإبراء، فيطالب بالبيان. - فرع: (وَإِنِ) ادعى رجل على آخر أنه اشترى منه شيئًا، أو اقترض منه، فـ (ـأَنْكَرَ) المدَّعى عليه (سَبَبَ الحَقِّ) الموجِب للحقِّ، ثم ثبت أنه اقترض أو اشترى منه ببينة أو إقرار، (ثُمَّ ادَّعَى) المدَّعى عليه (الدَّفْعَ) أو الإبراء، فلا يخلو من حالين: ١ - أن يكون ادعاء القضاء أو الإبراء سابقًا زمن إنكاره: فلا يقبل منه ولو أتى (بِبَيِّنَةٍ)؛ لأن إنكار الحق يقتضي نفي القضاء أو الإبراء منه؛ لأنهما

стр. 1737

لا يكونان إلا عن حق سابق؛ فيكون مكذبًا لنفسه. فلو ادعى عليه ألفًا من قرض أو ثمن مبيع، فقال: ما اقترضت منه، أو ما اشتريت منه، فثبت أنه اقترض منه أو اشترى ببينة أو إقرار، فقال: قضيته، أو أبرأني قبل هذا الوقت؛ (لَمْ يُقْبَلْ) ذلك منه. ٢ - أن يكون ادعاء القضاء أو الإبراء بعد إنكاره: فإنها تسمع منه دعواه بعد ذلك، وتُقبل منه ببينته؛ لأن قضاءه بعد إنكاره كالإقرار به؛ فيكون قاضيًا لما هو مُقِرٌّ به؛ فتسمع دعواه به كغير المنكر، وإبراء المدعي بعد إنكاره إقرار بعدم استحقاقه، فلا تنافي. - مسألة: (وَمَنْ) باع رجلًا شيئًا و (أَقَرَّ بِقَبْضِ) ثمن المبيع، أو أجَره وأقر بقبض الأجرة، (أَوْ) رهنه شيئًا وأقرَّ بـ (إِقْبَاضِ) المرهون، (أَوْ) أقر في (هِبَةٍ) أنه أقبضه إياها، (وَنَحْوِهِنَّ) من المسائل؛ كمن اشترى شيئًا وأقر المشتري بأن البائع أقبضه المبيع، (ثُمَّ أَنْكَرَ) المقِرُّ، فقال: ما قبضت الثمن أو الأجرة، أو قال المقِرُّ: ما أقبضت الرهن أو الهبة، (وَلَمْ يَجْحَدْ إِقْرَارَهُ) الصادر منه بالقبض أو الإقباض، (وَلَا بَيِّنَةَ) له تشهد بذلك، (وَسَأَلَ إِحْلَافَ خَصْمِهِ) أنه أقبضه أو قبضه؛ (لَزِمَهُ) أي: لزم الخصمَ اليمينُ، واختاره شيخ الإسلام، ؛ لأن العادة جارية بالإقرار بالقبض قبله، فيحتمل صحة ما قاله،

стр. 1738

فينبغي أن يستحلف خصمه؛ لنفي الاحتمال، فإن نكل الخصم حلف هو وحُكِم له. - مسألة: (وَمَنْ بَاعَ، أَوْ وَهَبَ) شيئًا، (أَوْ أَعْتَقَ) عبدًا أو أمةً، (ثُمَّ أَقَرَّ بِذَلِكَ) الذي باعه أو وهبه أو أعتقه أنه كان (لِغَيْرِهِ؛ لَمْ يُقْبَلْ) قوله على المشتري، أو المتهب، أو العتيق؛ لأنه يقِرُّ على غيره، ولأنه متهم، ولم ينفسخ البيع أو الهبة أو العتق، ما لم يوجد ما يوجب ذلك، (وَيَغْرَمُهُ) أي: يغرم المقِرُّ (لِمُقَرٍّ لَهُ)؛ لأنه فوته عليه بالبيع أو الهبة أو العتق. - مسألة: (وَإِنْ قَالَ) البائع، أو الواهب، أو المعتِق: (لَمْ يَكُنِ) المبيع ونحوه (مِلْكِي، ثُمَّ مَلَكْتُهُ بَعْدَ) البيع أو الهبة أو العتق؛ فلا يخلو من حالين: ١ - ألا يكون له بينة على ذلك: فلا يقبل قوله؛ لأنه خلاف الأصل والظاهر. ٢ - أن يكون له بينة، وأشار إليه بقوله: (قُبِلَ) قوله (بِبَيِّنَةٍ)؛ لإمكان أن يكون حين البيع ليس ملكًا له، ثم يملكه بعد ذلك، (مَا لَمْ يُكَذِّبْهَا) أي: ما لم يكذب البائعُ ونحوُه البينةَ، (بِنَحْوِ) أن يقِرَّ بأنه مِلكه، أو أن يقول: (قَبَضْتُ ثَمَنَ مِلْكِي)؛ لأنها تشهد بخلاف ما أقر به، فهو مُكذِّب لها.

стр. 1739

وذكر شيخ الإسلام: فيما إذا ادعى بعد البيع أنه كان وقفًا عليه؛ فهو بمنزلة أن يدعي أنه قد ملكه الآن. - مسألة: رجوع المقِرِّ عن إقراره لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون ذلك في حقوق الآدميين، وأشار إليه بقوله: (وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ مُقِرٍّ) عن إقرار، قال في المغني: (لا نعلم في هذا خلافًا)؛ لتعلق حق المقَرِّ له بالمقَرِّ به. الحالة الثانية: أن يكون ذلك في حقوق الله، ولا تخلو من أمرين: ١ - أن يكون في الحدود: فيقبل رجوعه عن إقراره فيها، وأشار إليه بقوله: (إِلَّا فِي حَدٍّ لِلهِ)؛ كزنىً وسرقة وشرب مسكر؛ لأن الحد يُدرأ بالشبهة، ولأن النبي ﷺ لما أتاه ماعز، فشهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي صلى الله عليه سلم فقال: «أَبِهِ جُنُونٌ؟ » [البخاري: ٥٢٧١، ومسلم: ١٦٩٥]، فلو لم يسقط بالرجوع، لما عرَّض له به، وتقدم في موضعه في الحدود. ٢ - أن يكون في غير الحدود؛ كالزكاة والكفارات ونحوها: فلا يقبل رجوعه عن إقراره، قال في المغني: (لا نعلم في هذا خلافًا)؛ لأنه حقٌّ ثبت لغيره، فلم يسقط بغير رضاه، كما لو ثبت ببينة.

стр. 1740

فصل في الإقرار بالمجمل المجمل: وهو ما احتمل الأمرين فأكثر على السواء، وقيل: ما لا يفهم معناه عند الإطلاق. - مسألة: (وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، أَوْ) قال: له علي (كَذَا، أَوْ) قال: له علي (مَالٌ عَظِيمٌ، وَنَحْوُهُ)؛ كقوله: له علي مال كثير، أو مال نفيس، فإنه يترتب عليه أمور: ١ - صحة إقراره؛ قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ ويفارق الدعوى حيث لا تصح بالمجهول؛ لكون الدعوى له والإقرار عليه، فلزمه ما عليه مع الجهالة دون ما له؛ ولأن الدعوى إذا لم تصح فله تحريرها، والمقِر لا داعِيَ له إلى التحرير، ولا يُؤمن رجوعه عن إقراره؛ فألزمناه مع الجهالة. ٢ - ويقول الحاكم له: فسِّر ذلك، ويلزمه تفسيره، قال في الشرح: (بغير خلاف)؛ لأن الحكم بالمجهول لا يصح. ٣ - (وَ) إن (أَبَى تَفْسِيرَهُ) أي: تبيينه؛ (حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَهُ)؛ لأن التفسير حق عليه، فإذا امتنع منه حبس عليه؛ كما يُحبس في المال. - فرع: (وَيُقْبَلُ) تفسيره (بِأَقَلِّ مَالٍ)؛ لأن الشيء يصدق عليه أقل مال،

стр. 1741

(وَ) يقبل تفسيره أيضًا (بِكَلْبٍ مُبَاحٍ) نفعه؛ ككلب الصيد والماشية في الأصح؛ لأنه شيء يجب رده وتسليمه إلى المقر له، والإيجاب يتناوله؛ فقُبِل لذلك. واختار شيخ الإسلام: أنه يرُجع إلى عرف المتكلم، فما كان يسميه مثله كثيرًا، حُمل مطلق كلامه على أقل محتملاته؛ للقاعدة: (أن ما ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع، فإنه يرجع إلى العرف). - فرع: (لَا) يقبل تفسيره: - (بِمَيْتَةٍ) نجسة، (أَوْ خَمْرٍ) لا يجوز إمساكها، أو خنزير؛ لأنها ليست حقًّا عليه، فإن كانت الميتة طاهرة؛ كسمك وجراد يتمول؛ قُبِل. - لا يقبل تفسيره بغير متمول عادة؛ كحبة بُرٍّ، (أَوْ قِشْرِ جَوْزَةٍ، وَنَحْوِهِ)؛ كحبة شعير أو نواة؛ لأن إقراره اعتراف بحق عليه يثبت مثله في الذمة، بخلاف نحو هذه، فلا تثبت في الذمة. - مسألة: (وَ) إن قال: (لَهُ) عندي (تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ): له عندي (سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ، أَوْ): له عندي (فَصٌّ فِي خَاتَمٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ)؛ كقوله: له عندي دابة عليها سَرْج، أو: له عبد عليه عمامة، أو: ثوب في منديل؛ فإنه (يَلْزَمُهُ الأَوَّلُ)، وهو المظروف، ولا يلزمه الثاني، وهو الظرف، وكذا

стр. 1742

كل مُقِرٍّ بشيء جعله ظرفًا أو مظروفًا؛ لأنهما شيئان لا يتناول الأول منهما الثاني، ولا يلزم أن يكون الظرف والمظروف لواحد، والإقرار إنما يثبت مع التحقيق لا مع الاحتمال، ولذا يحسن أن يقول: له عندي تمرٌ في جراب لي. واختار شيخ الإسلام: يُفرَّق بين أمرين: ١ - ما يتصل أحدهما بالآخر عادة؛ كالسكين في القراب، أو الفص في الخاتم، أو التمر في الجراب، أو العبد عليه عمامة: يكون مقِرًّا بهما. ٢ - ما لا يتصل به عادة؛ نحو: له عندي ثوب في منديل: يكون مقرًّا بالثوب خاصة. - مسألة: (وَإِقْرَارُ) الشخص (بِشَجَرٍ) أو شجرة (لَيْسَ إِقْرَاراً بِأَرْضِهِ)؛ لأن الأصل لا يتبع الفرع، بخلاف إقراره بالأرض فيشمل غرسها وبناءها؛ على ما تقدم تفصيله في الأصول والثمار. (وَ) إقراره (بِأَمَةٍ) حامل (لَيْسَ إِقْرَاراً بِحَمْلِهَا)؛ لأنه ظاهر اللفظ، وموافق للأصل، ودخوله مشكوك فيه، ومثله: لو أقرَّ بفرس أو أتان أو ناقة حامل ونحوها.

стр. 1743

(وَ) أما إقراره (بِبُسْتَانٍ) فإنه (يَشْمَلُ أَشْجَارَهُ) وبناءه وأرضه؛ لأنه اسم للجميع. - مسألة: (وَإِنِ) اتفق اثنان على عقد، و (ادَّعَى أَحَدُهُمَا) أي: أحد المتعاقدين (صِحَّةَ العَقْدِ)، من بيع أو إجارة أو غير ذلك، (وَ) ادعى (الآخَرُ فَسَادَهُ) أي: فساد العقد؛ (فَـ) ـالقول (قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ) بيمينه؛ لأن الأصل في تصرفات المسلمين الصحة، والأصل عدم المفسد. (وَاللهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ المَرْجِعُ وَالمَآبُ) تم بحمد الله تعالى وتوفيقه ومعونته كتاب (الدَّلَائِلِ وَالإِشَارَاتِ عَلَى أَخصَرِ المُخْتَصَرَاتِ) في ليلة الأحد التاسع والعشرين من شهر شوال لعام ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف، من هجرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والله نسأل أن ينفع ويبارك فيه، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، آمين.