← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147657

الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات

عبد العزيز العيدان

Полный текст (1 743 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

- مسألة: (وَ) لو سأل المدعي إحلاف المدعى عليه ولا يقيم البينة، فحلف المدعى عليه؛ كان للمدعي إقامتها، وعلى هذا: (يُحْكَمُ بِالبَيِّنَةِ) التي أقامها المدعي (بَعْدَ التَّحْلِيفِ) أي: تحليف المدعى عليه؛ لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف، كما لو كانت غائبة عن البلد. - مسألة: (وَشُرِطَ فِي بَيِّنَةٍ: عَدَالَةٌ) وهي: الصلاح في الدين والمروءة، وسيأتي تفصيلها في كتاب الشهادات؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]، والفاسق لا يؤمن كذبه. - فرع: اشتراط العدالة في البينة على قسمين: الأول: في عقد النكاح: فتكفي العدالة في البينة (ظَاهِراً) ولا تعتبر العدالة في الباطن، فلا يبطل عقد النكاح لو بانَا فاسقين؛ لما في اعتبارها من المشقة، وتقدم في كتاب النكاح. (وَ) الثاني: (فِي غَيْرِ نِكَاحٍ): فتعتبر العدالة في البينة ظاهرًا و (بَاطِناً أَيْضاً)؛ لأن العدالة شرط، فيجب العلم بها؛ كالإسلام، ولأن الغالب الخروج عن العدالة، ولذا يقول شيخ الإسلام: (من قال: إن الأصل في الإنسان العدالة فقد أخطأ، وإنما الأصل الجهل والظلم؛ لقوله تعالى ﴿إنه كان ظلومًا جهولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢])، فاعتبر العلم بها باطنًا أيضًا.

стр. 1682

- فرع: (وَ) يشترط (فِي مُزَكٍّ) ثلاثة شروط: ١ - (مَعْرِفَةُ جَرْحٍ) أي: بم يكون الجرح، (وَ) معرفة (تَعْدِيلٍ) أي: بم يكون التعديل لمن يعدِّله. لأنه لا يتمكن من التزكية إلا بذلك. ٢ - خبرة المزكي الباطنة لمن يزكيه، بصحبة، أو معاملة، أو كونه جارًا له ونحو ذلك؛ لأن عادة الناس إظهار الطاعات وإسرار المعاصي، فإن لم يكن ذا خبرة باطنة؛ فربما اغتر بحسن ظاهره، وهو فاسق في الباطن. ٣ - أن يكون غير متهم بعصبية أو غيرها؛ لأنها كالشهادة يعتبر لها ما يعتبر فيها. - فرع: (وَ) يشترط في قبول مُزكٍّ: (مَعْرِفَةُ حَاكِمٍ خِبْرَتَهُ) أي: خبرة المزكي (البَاطِنَةَ) بمن يزكيه، وذلك بألا يقبل تعديل المعدل حتى يعلم أو يظن أن له خبرة بالمعدل؛ لقول خَرَشَة بن الحُرِّ: شهد رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ بشهادة فقال له: «لَسْتُ أَعْرِفُكَ, وَلَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا أَعْرِفَكَ, ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ»، فقال رجل من القوم: أنا أعرفه , قال: «بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُهُ؟ » قال: بالعدالة والفضل , فقال: «فَهُوَ جَارُكَ الْأَدْنَى الَّذِي تَعْرِفُ لَيْلَهَ وَنَهَارَهَ , وَمَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟ » قال: لا، قال: «فَمُعَامِلُكَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الْوَرَعِ؟ » قال: لا، قال: «فَرَفيِقُكَ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ؟ » قال: لا، قال: «لَسْتَ تَعْرِفُهُ» , ثم قال للرَّجل: «ائْتِ بِمَنْ يَعْرِفُكَ» [البيهقي: ٢٠٤٠٠، وصححه الألباني].

стр. 1683

- فرع: (وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ جَرْحٍ) على بينة تعديل؛ لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على العدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت لجرح والمعدل نافٍ له، والمثبت مقدم على النافي. - فرع: الشاهد لا يخلو من ثلاث حالات: ١ - أن يعلم القاضي عدالته: فيعمل بعلمه ولا يحتاج إلى تزكية بغير خلاف قاله في المغني؛ لأن التهمة لا تلحقه في ذلك، ولأنه لو لم يكتف بذلك لتسلسل، لأن الحاكم يحتاج إلى معرفة عدالتهما، فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مُزكِّين، ثم كل واحد ممن يزكيهما إلى مزكين، فيتسلسل. ٢ - أن يعلم القاضي فِسْقه: فيعمل بعلمه بغير خلاف أيضًا؛ لما تقدم، قاله في المغني. ٣ - أن يجهل القاضي حاله، وأشار إليه بالمؤلف بقوله: (فَمَتَى جَهِلَ حَاكِمٌ حَالَ بَيِّنَةٍ) أي: حال الشاهد؛ (طَلَبَ) من المدعي (التَّزْكِيَةَ)؛ لتثبت عدالتهم فيحكم له؛ لما تقدم عن عمر ﵁، ولأن العدالة شرط، فالشك في وجودها كعدمها؛ كشرط الصلاة، (مُطْلَقاً) أي: سواء طلب الخصم ذلك أو سكت؛ لأنها حق للشرع، فطلبها للحاكم. - فرع: الجرح والتعديل والترجمة والتعريف والرسالة: شهادة، تفتقر

стр. 1684

إلى العدد والعدالة، ويعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في الشهادة، (وَ) لذا (لَا يُقْبَلُ فِيهَا) أي: في تزكية الشاهد، (وَ) لا (فِي جَرْحِ) الشاهد، (وَ) لا في (نَحْوِهِمَا)؛ كترجمة، ومن يرسله الحاكم يبحث عن حال الشهود، وتعريف عند الحاكم (إِلَّا) العدد الذي يقبل في الشهادة على ما يأتي في كتاب الشهادات، وعليه: - فإذا كان في حد زنىً ولواط: اشتُرط أربعة رجال عدول؛ كشهود الأصل. - وإذا كان في مال: اشتُرط رجلان، أو رجل وامرأتان؛ لأنه نقل ما يخفى على الحاكم بما يستند الحاكم إليه، أشبه الشهادة. - وإذا كان في غير مال؛ كنكاح ونسب وطلاق وقذف وقصاص: اشتُرط (رَجُلَانِ)؛ كشهود الأصل. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يقبل قول عدل واحد فيما تقدم؛ لما ورد عن زيد بن ثابت ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ اليَهُودِ حَتَّى كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُتُبَهُ، وَأَقْرَأْتُهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ» [علقه البخاري: ٧١٩٥، ووصله في تاريخه: ١٢٧٨]، وقال أبو جمرة: «كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَبَيْنَ النَّاسِ» [البخاري: ٨٧]، ولأنه كالرواية وأخبار الديانات. واختار شيخ الإسلام أيضًا: أنه يقبل التعديل والجرح بالاستفاضة؛ لأن المقصود فيها البيان والتعريف؛ فهي خبرٌ، وليست بشهادةٍ كما تقدم.

стр. 1685

- مسألة: (وَمَنِ ادَّعَى) على إنسانٍ لم يَخلُ المدعى عليه من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون المدعى عليه غائبًا عن البلد، ولا يخلو ذلك من أمرين: ١ - أن يدعي (عَلَى) إنسان (غَائِبٍ) عن البلد (مَسَافَةَ قَصْرٍ) فأكثرَ (١): حكم عليه القاضي إذا كانت له بينة بشرطه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قالت هند أمُّ معاوية ﵄ لرسول الله ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرًّا؟ قال: «خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ» [البخاري: ٢٢١١، ومسلم: ١٧١٤]، فقضى لها، ولم يكن أبو سفيان حاضرًا، ولأن المدعي هنا له بينة حاضرة، فجاز الحكم بها، كما لو كان الخصم حاضرًا، وأما التقييد بمسافة القصر؛ فلأن ما دونها في حكم الإقامة. وقال شيخ الإسلام: إنْ أمكن القاضي أن يرسل إلى الغائب رسولًا، ويكتب إليه الكتاب والدعوى، ويجاب عن الدعوى بالكتاب والرسول؛ فهذا

стр. 1686

هو الذي ينبغي؛ كما فعل النبي ﷺ بمكاتبة اليهود لما ادعى الأنصاري عليهم قتل صاحبهم، وكاتبهم ولم يحضروه [البخاري: ٣١٧٣، ومسلم: ١٦٦٩]. ٢ - أن يدعي على إنسان غائب عن البلد دون مسافة قصر: فهو في حكم المقيم على ما يأتي. الحالة الثانية: أن يكون المدعى عليه في حكم الغائب، ويدخل في ذلك: ١ - المستتر، وأشار إليه بقوله: (أَوْ مُسْتَتِرٍ فِي البَلَدِ) أو دون مسافة قصر: فحكمه حكم الغائب؛ لتعذر حضوره كالغائب، بل أولى؛ لأن الغائب قد يكون له عذر، بخلاف المتواري، ولئلا يجعل الاستتار وسيلة إلى تضييع الحقوق. ٢ - الميت، وأشار إليه بقوله: (أَوْ مَيِّتٍ): فحكمه حكم الغائب؛ لأن الغائب قد يحضر بخلاف الميت. ٣ - الصغير والمجنون، وأشار إليه بقوله: (أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ): فحكمه كالغائب؛ لأن كل واحد منهما لا يُعبِّر عن نفسه. (وَ) على هذا؛ فإذا ادعي على الغائب مسافة قصر ومن في حكمه، وكان (لَهُ) أي: للمدعي (بَيِّنَةٌ؛ سُمِعَتْ) بينته، (وَحُكِمَ) أي: حكم القاضي له (بِهَا) بشرطه؛ لما تقدم، ثم إذا حضر الغائب، وبلغ الصغير ورشد، وأفاق

стр. 1687

المجنون، وظهر المستتر؛ فهم على حججهم؛ لأن المانع إذا زال صاروا كالحاضرين المكلفين. أما إذا لم تكن له بينة؛ فلا يسمع القاضي دعواه؛ لأنه لا فائدة فيها. - فرع: يقضي القاضي على الغائب ومن في حكمه إذا كانت الدعوى (فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى) أي: إذا كانت في حقوق الآدميين، أما إذا كانت في حقوق الله؛ كالزنى والسرقة؛ فلا يقضي علىه؛ لأن مبنى حق الله تعالى على المسامحة. لكن يقضي في السرقة بالمال فقط، دون القطع؛ لأنه حق آدمي. الحالة الثالثة: أن يكون المدعى عليه غائبًا عن مجلس الحكم، حاضرًا في البلد مكلفًا غير مستتر، وأشار إليه بقوله: (وَلَا تُسْمَعُ) البينة (عَلَى غَيْرِهِمْ) أي: ممن تقدم ذكرهم، (حَتَّى): ١ - (يَحْضُرَ) المدعى عليه مجلس الحكم؛ لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ، فَلَا تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي» [أحمد: ١٢١١، والترمذي: ١٣٣١]، ولأنه أمكن سؤاله، فلم يجز الحكم عليه قبله، بخلاف الغائب البعيد. وقيل: تسمع، ويحكم عليه؛ لأنه غائب؛ أشبه الغائب البعيد. قال شيخ الإسلام: (وإن أقام بينة فمن الممكن أيضًا أن يقال: إذا كان

стр. 1688

الخصم في البلد لم يجب عليه حضور مجلس الحاكم، بل يقول أرسلوا إلى من يعلمني بما يدعي به علي، وإذا كان لا بد للقاضي من رسول إلى الخصم يبلغه الدعوى بحضوره، فيجوز أن يقوم مقامه رسول، فإن المقصود من حضور الخصم سماع الدعوى ورد الجواب بإقرار أو إنكار)، واستدل بأن أنيسًا كان نائب النبي ﷺ في إقامة الحد بعد سماع الاعتراف [البخاري: ٢٣١٤، ومسلم: ١٦٩٧]. ٢ - (أَوْ) حتى (يَمْتَنِعَ) الحاضر بالبلد أو الغائب دون المسافة عن الحضور، وتسمع الدعوى والبينة؛ لتعذر حضوره كالغائب البعيد. - مسألة: (وَلَو رُفِعَ إِلَيْهِ) أي: إلى الحاكم (حُكْمٌ) في مختلَفٍ فيه؛ كنكاح امرأة نفسها، وكان هذا الحكم (لَا يَلْزَمُهُ نَقْضُهُ)، بأن لم يخالف نص كتاب أو سنة صحيحة أو إجماعًا قطعيًّا، فرُفِع إليه (لِيُنَفِّذَهُ؛ لَزِمَهُ) أي: الحاكم (تَنْفِيذُهُ) وإن لم ير الحكم صحيحًا عنده; لأنه حُكْم بما ساغ الاجتهاد فيه، لا يجوز نقضه، فوجب تنفيذه لذلك. وكذا إن كان نفس الحكم مختلفًا فيه؛ كحكمه بعلمه، وحكمه بشاهد ويمين، وتزويجه يتيمة، وحكمه على غائب، أو بالثبوت بطريق الشهادة على الخط، ونحوه.

стр. 1689

فصل في كتاب القاضي إلى القاضي أجمعوا على قبول كتاب القاضي إلى القاضي؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن من له حق في غير بلده لا يمكنه إثباته والطلب به بغير ذلك، إذ يتعذر عليه السفر بالشهود، وربما كانوا غير معروفين به، فيتعذر الإثبات به عند حاكم. - مسألة: (وَ) الذي (يُقْبَلُ) فيه (كِتَابُ قَاضٍ إِلَى قَاضٍ) لا يخلو من قسمين: القسم الأول: أن يكون (فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ)، ولا يخلو من أمرين: ١ - أن يكون الحق مالًا أو ما يقصد به المال؛ كبيع، وقرض، وغصب، ووصية بمال، ورهن وجناية توجب مالًا: فإنه يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)؛ لأنه في معنى الشهادة على الشهادة. ٢ - أن يكون فيما لا يُقبل فيها إلا رجلان؛ كقود، وطلاق، ونسب، ونكاح، وتوكيل وإيصاء في غير مال، وحد قذف ونحو ذلك: فيقبل كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأنه حق آدمي لا يدرأ بالشبهة. القسم الثاني: أن يكون في حقوق الله؛ كحد زنىً وشرب مسكر، وكالعبادات، فلا يُقبل؛ لأن حقوق الله مبنية على الستر

стр. 1690

والدرء بالشبهة، ولهذا لا تقبل فيها الشهادة على الشهادة؛ فكذا كتاب القاضي إلى القاضي. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في حقوق الله تعالى؛ كزنىً، وشرب خمر، وسرقة، وترك صلاة، وما يوجب تعزيرًا؛ لأن الحاجة إليه حاصلة كما هي حاصلة في حقوق الآدميين. - مسألة: (وَ) كتاب القاضي إلى القاضي له صورتان: الصورة الأولى: أن يكتب إليه (فِيمَا حَكَمَ بِهِ) الكاتب، مِن حقٍّ على إنسان، فيتعين عليه وفاؤه، أو على غائب بعد إقامة البينة عنده، (لِيُنَفِّذَهُ) المكتوب إليه، سواء كان الكاتب والمكتوب إليه ببلد واحد أو ببلدين؛ لأن الحكم يجب إمضاؤه بكل حال. الصورة الثانية: أن يكتب إليه فيما ثبت عنده ليحكم به الآخر، فـ (لَا) يقبل (فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ) أي: الحاكم (لِيَحْكُمَ بِهِ) المكتوب إليه؛ (إِلَّا فِي مَسَافَةِ قَصْرٍ) فأكثر، فيجوز؛ لأنه نقل شهادة، فيُعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة على الشهادة، وكتابه بالحكم ليس هو نقلًا، وإنما هو خبر. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز أن يكتب فيما ثبت عنده ليحكم به، وإن كانا في بلد واحد؛ لأنه كالخبر، والخبر لا يشترط له طول المسافة، ولأنه كتاب الحاكم بما ثبت عنده، فجاز قبوله مع القرب؛ ككتابه بحكمه.

стр. 1691

(فَصْلٌ) في القسمة القِسمة: اسم مصدر من قسمت الشيء، جعلته أقسامًا. وعرفًا: تمييز بعض الأنصباء عن بعض، وإفرازها عنها. وأجمعوا على جوازها؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة﴾ [النساء: ٨]، وقوله: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم﴾ [القمر: ٢٨]، وكان النبي ﷺ يقسم الغنائم بين أصحابه، والحاجة داعية إلى ذلك؛ ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على حسب اختياره، ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي. - مسألة: (وَالقِسْمَةُ نَوْعَانِ): القسم الأول: (قِسْمَةُ تَرَاضٍ)، لا تجوز إلا برضا الشركاء كلهم: (وَهِيَ فِيمَا) أي: في مشترك (لَا يَنْقَسِمُ إِلَّا بِضَرَرٍ) على الشركاء أو أحدهم، (أَوْ) لا ينقسم إلا بـ (رَدِّ عِوَضٍ) من أحد الشركاء على آخر؛ (كَحَمَّامٍ) صغير، وطاحون صغير، (وَدُورٍ صِغَارٍ) بحيث يتعطل الانتفاع بها إذا قُسمت أو يقل، ونحو ذلك مما لا يمكن قسمه بالأجزاء والتعديل.

стр. 1692

- فرع: (وَشُرِطَ لَهَا) أي: لجواز قسمة التراضي: (رِضَا كُلِّ الشُّرَكَاءِ)؛ لأن فيها إما ضررًا أو رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه. - فرع: (وَحُكْمُهَا) أي: قسمة التراضي (كَبَيْعٍ)، فلا يجوز فيها ما لا يجوز في البيع، ويثبت لها ما يثبت للبيع من خيار، وشفعة، ورد بعيب، وغير ذلك؛ لأن صاحب الزائد بذل المال عوضًا عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع. واختار المجد وشيخ الإسلام: أنها بيع فيما فيه رد عوض؛ لأن صاحب الرد بذل المال عوضاً عما حصل له من حق شريكه، وهذا هو البيع. وإن لم يكن فيها رد عوض؛ فهي إفراز النصيبين، وتمييز الحصص، وليست بيعًا؛ لأنه يجوز تعليقها على القرعة، ويدخلها الإجبار، ولو كانت بيعاً حتماً؛ لم يجز ذلك فيها، كما في سائر البيوع. - فرع: (وَمَنْ دَعَا شَرِيكَهُ فِيهَا) أي: قسمة التراضي، (وَ) كذا لو دعا شريكه (فِي شَرِكَةِ نَحْوِ عَبْدٍ، وَسَيْفٍ، وَفَرَسٍ)، وكتاب، ونحوه، (إِلَى بَيْعٍ، أَوْ) دعا شريكه إلى (إِجَارَةٍ) فإنه يترتب عليه أمور: - (أُجْبِرَ) شريكه على البيع معه، وكذا على الإجارة؛ ليتخلص الطالب من ضرر الشركة.

стр. 1693

- (فَإِنْ أَبَى) أي: امتنع الشريك من بيع أو إجارة معه؛ (بِيعَ أَوْ أُؤجِرَ) أي: باعه أو أجره حاكم (عَلَيْهِمَا)؛ لأنه حق عليه، كما يبيع الرهن إذا امتنع الراهن، (وَقُسِمَ ثَمَنُ) مبيع (أَوْ أُجْرَةٌ) بينهما بحسب الملك؛ لأنه عوضه. والقسم (الثَّانِي) من أقسام القسمة: (قِسْمَةُ إِجْبَارٍ)، سميت بذلك؛ لإجبار الممتنع منهما إذا كملت شروطه: (وَهِيَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ) على أحد من الشركاء، (وَلَا رَدَّ عِوَضٍ) من واحد على غيره؛ (كَمَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ)؛ كدهن من زيت، ولبن، وتمر وعنب وسائر الحبوب والثمار المكيلة، (وَدُورٍ كِبَارٍ)، وأرض واسعة، وبستان واسع، سواء كانت متساوية الأجزاء أو لا إذا أمكن قسمتها بتعديل السهام من غير شيء يجعل معها، فإن لم يمكن تعديل السهام إلا بجعل شيء معها فلا إجبار؛ لأنه معاوضة. فإذا طلب أحد الشركاء القسمة في هذا النوع، وأبى الشريك الآخر؛ (فَـ) ـإنه (يُجْبَرُ شَرِيكـ) ـه الممتنع، (أَوْ وَلِيُّهُ) إن كان الشريك محجورًا عليه، ولو كان وليُّه حاكمًا، (عَلَيْهَا) أي: على القسمة؛ لأنه يتضمن إزالة الضرر الحاصل بالشركة، وحصول النفع للشريكين، لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره، ويتمكن من إحداث الغراس

стр. 1694

والبناء، وذلك لا يمكن مع الاشتراك. - فرع: (وَيَقْسِمُ حَاكِمٌ عَلَى غَائِبٍ) من الشريك أو وليه; لأنها حق عليه، فجاز الحكم به؛ كسائر الحقوق، (بِطَلَبِ شَرِيكٍ) للغائب (أَوْ وَلِيِّهِ) أي: ولي شريك للغائب إن كان محجورًا عليه. (وَهَذِهِ) أي: قسمة الإجبار: (إِفْرَازُ) حق أحد الشريكين من حق الآخر، وليست بيعًا؛ لمخالفتها للبيع في الأحكام والأسباب، ولو كانت بيعًا لم تصح بغير رضا الشريك، ولوجبت فيها الشفعة. - مسألة: يصح من الشريكين أن يتقاسما بأنفسهما، وأن ينصبا قاسمًا بأنفسهما; لأن الحق لا يعدوهما، ولهما أن يسألا حاكمًا نصب القاسم; لأنه أعلم بمن يصلح للقسمة، وإذا سألوه وجبت عليه إجابتهم؛ لقطع النزاع. - فرع: (وَشُرِطَ: كَوْنُ قَاسِمٍ) نصبه الإمام للقسمة: ١ - (مُسْلِماً)؛ ليقبل قوله في القسمة. ٢ - (عَدْلاً)؛ لما تقدم. ٣ - (عَارِفاً بِالقِسْمَةِ)؛ ليحصل منه المقصود، لأنه إذا لم يعرفها لم يكن تعيينه للسهام مقبولًا. فإن كان القاسم كافرًا، أو فاسقًا، أو جاهلًا بالقسمة؛ لم تلزم، إلا

стр. 1695

بتراضيهم، ولذلك قال: (مَا لَمْ يَرْضَوْا بِغَيْرِهِ) أي: بغير من توفرت فيه الشروط، فإن رَضُوا بغيره جاز؛ لأن الحق لا يعدوهم. - فرع: لا تخلو القسمة من أمرين: ١ - ألا تحتاج إلى تقويم، وأشار إليها المؤلف بقوله: (وَيَكْفِي) قاسم (وَاحِدٌ) حيث لم يكن في القسمة تقويم؛ لأنه كالحاكم. ٢ - أن تحتاج إلى تقويم، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وَمَعَ تَقْوِيمٍ) لا يكفي واحد، بل (اثْنَانِ)؛ لأنه شهادة بالقيمة، فاعتبر النصاب؛ كباقي الشهادات. - فرع: (وَتُعَدَّلُ السِّهَامُ) أي: يعدل القاسم سهام القسمة، ولا يخلو التعديل من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يمكن قسمتها (بِالأَجْزَاءِ) أي: أجزاء المقسوم، وذلك (إِنْ تَسَاوَتْ) قيمة تلك الأجزاء؛ كالمكيلات، والموزونات، والأرض التي ليس بعضها أجودَ من بعض، ولا بناءَ ولا شجر بها. القسم الثاني: ألا يمكن قسمتها بالأجزاء؛ كما لو كانت الأجزاء مختلفة القيمة، ويمكن تعديلها بالقيمة، وأشار إليه بقوله: (وَإِلَّا) تكن قيمة الأجزاء متساوية، قُسمت (بِالقِيمَةِ)، فيجعل السهم الرديء أكثر منه من الجيد، بحيث

стр. 1696

إذا قُوِّما كانت قيمتهما سواء؛ لأنه إذا تعذر التعديل بالأجزاء، لم يبق إلا التعديل بالقيمة. القسم الثالث: ألا يمكن تعديل السهام بالأجزاء ولا بالقيمة؛ فإنها تعدَّل بالرد، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) تعدل السهام بـ (الرَّدِّ إِنِ اقْتَضَتْهُ)، بأن يجعل مع الرديء أو القليل دراهم ودنانير على من يأخذ الجيد أو الأكثر. (ثُمَّ) إذا تمت القسمة؛ بأن عُدِّلت السهام بواحد مما سبق؛ فإنه (يُقْرَعُ) بين الشركاء؛ لإزالة الإبهام، فمن خرج له سهم صار له، (وَتَلْزَمُ القِسْمَةُ بِهَا)؛ لأن القاسم مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق، فوجب أن تلزم قرعته. واختار شيخ الإسلام: أن المكيلات والموزونات المتساوية من كل وجه إذا قسمت لا يحتاج فيها إلى قرعة؛ لأن التساوي في الأنصاب حاصل فيها، فلا معنى للقرعة حينئذ. - فرع: (وَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الشريكين (الآخَرَ)؛ بأن قال له: اختر أي القسمين شئت بلا قرعة، ولم يكن ثَمَّ قاسم؛ (صَحَّتْ) القسمة، (وَلَزِمَتْ بِرِضَاهُمَا وَتَفَرُّقِهِمَا) من المجلس بأبدانهما؛ كتفرُّق المتبايعين.

стр. 1697

(كِتَابُ الشَّهَادَاتِ) واحدها شهادة، مشتقة من المشاهدة؛ لإخبار الشاهد بما يشاهده، يقال: شهد الشيء، إذا رآه. وأجمعوا على قبول الشهادة في الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، ولحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» [البخاري ٣٥١٥، ومسلم ١٣٨]، ولدعاء الحاجة إليها؛ لحصول التجاحد، قال شريح: «القضاء جَمْر، فنحِّه عنك بعودين» يعني: الشاهدين [ابن أبي شيبة ٢٢٩٨١]. والشهادة حجة شرعية، تبين الحق المدعى به، ولا توجبه، بل القاضي يوجبه بها. - مسألة: الشهادة شرعاً: الإخبار بما علمه بلفظ خاص، وهو: أشهد، أو: شهدت بكذا. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصح تأديتها بأي لفظ أو صيغة تفيد المعنى؛ لأن الغرض من الشهادة هو إخبار الشاهد عما علمه، ليتمكن القاضي من الحكم وإيصال الحق إلى أصحابه، وهذا يتحقق بأي لفظ يفيد

стр. 1698

العلم، ولا دليل على اشتراط لفظ الشهادة. - مسألة: تحمُّل الشهادة وأداؤها على قسمين: القسم الأول: تحملها وأداؤها في حق الله تعالى: أما الأداء: فيباح لمن عنده شهادة بحد الله تعالى؛ كزنىً وشرب خمر ونحوه؛ إقامتُها وتركُها من غير تقدم دعوى؛ لأن الجارود وأبا هريرة أقاما الشهادة على قدامة بن مظعون ﵃ بشرب الخمر [عبد الرزاق ١٧٠٧٦]. ولا تستحب؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [البخاري ٢٤٤٢، ومسلم ٢٥٨٠]، ولأن حقوق الله مبنية على المسامحة، ولا ضرر في تركها على أحد، وقال القاضي والموفق: تركها أولى؛ للترغيب في الستر. وقال في الفروع: (ويتوجه فيمن عرف بالشر والفساد ألا يستر عليه). وأما في تحمُّل ذلك: فظاهر ما في الإقناع عدم الاستحباب (١) أيضاً لما تقدم. وقال ابن عثيمين: (لا يتعين التحمل، فلو دعاك شخص وقال: تعال اشهد على فلان أنه يشرب الخمر، فإنه لا يجب عليك أن تتحمل الشهادة،

стр. 1699

لأن هذا لا يضيع حق آدمي، إنما هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والستر على فاعل المحرم قد يكون أفضل من إظهاره وإعلانه، لكن لو فرض أن امتناعك يتضمن ضررًا على هذا الذي دعاك، فربما نقول: يجب؛ دفعًا للضرر، وهذا يختلف بحسب الحال). القسم الثاني: (تَحَمُّلُهَا) أي: الشهادة (فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ) تعالى، مالًا كان حق الآدمي؛ كالبيع والغصب، أو غيره؛ كحد قذف: (فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ إذا قام به من يكفي سقط عن غيره؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال ابن عباس ﵄: «المراد به التحمل للشهادة، وإثباتها عند الحاكم» [تفسير الطبري ٦/ ٧٠]، ولدعاء الحاجة إلى ذلك في إثبات الحقوق والعقود؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (وَ) أما (أَدَاؤُهَا) أي: الشهادة في غير حق الله تعالى: فهو (فَرْضُ عَيْنٍ) (١)، واختاره ابن عثيمين؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣].

стр. 1700

- فرع: يشترط في وجوب التحمل ووجوب الأداء: ١ - أن يُدْعى إليهما من تقبل شهادته لدون مسافة قصر، عند سلطان لا يَخاف تعديه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولأن مقصود الشهادة لا يحصل ممن ليس من أهلها. ٢ - أن يكون (مَعَ القُدْرَةِ) على التحمل والأداء (بِلَا ضَرَرٍ) يلحقه في بدنه، أو ماله، أو أهله، أو عرضه، وبلا ضرر يلحقه بتبذل نفسه إذا طلبت منه تزكيتها، فإن حصل له ضرر بشيء من ذلك؛ لم تجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولأنه لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره. - مسألة: (وَحَرُمَ أَخْذُ أُجْرَةٍ) على الشهادة، (وَ) حرم أيضاً أخذ (جُعْلٍ عَلَيْهَا)، تحمُّلًا وأداء، ولو لم تتعين عليه؛ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منه فرضًا، ولا يجوز أخذ الجعل عليه؛ كصلاة الجنازة. وفي وجه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز للمحتاج؛ لقول الله تعالى في ولي اليتيم: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف). - فرع: (لَا) يحرم أخذ (أُجْرَةِ مَرْكُوبٍ) من رب الشهادة (لِـ) شاهدٍ (مُتَأَذٍّ بِمَشْيٍ) إلى محل الشهادة، أو عاجز عن المشي.

стр. 1701

- مسألة: (وَ) حرم (أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]، ولقوله تعالى: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون)، قال المفسرون: (وهو يعلم ما شهد به عن بصيرة ويقين) [تفسير الطبري ٢١/ ٦٥٤]. - فرع: مَدْرَك العلم الذي تكون به الشهادة: إما (بِرُؤْيَةٍ، أَوْ) بـ (سَمَاعٍ) غالبًا؛ لجواز الشهادة ببقية الحواس؛ كالذوق واللمس، فيشهد من رأى زيدًا يقرض عمرًا ونحوه، أو سمعه يبيعه أو يقر له، وإن احتمل أنه أقاله البيع، أو وفَّاه القرض، أو وفاه ما أقر له به؛ فالمعتبر العلم في أصل المدرك لا في دوامه، وإلا لتعطلت منافع الناس. - فرع: الرؤية تختص بالأفعال؛ كالقتل والسرقة والرضاع وعيوب المبيع، ونحو ذلك؛ لأنه يمكن الشهادة على ذلك قطعاً، فلا يرجع إلى غيره. - فرع: السماع ضربان: الضرب الأول: سماع من المشهود عليه؛ كالطلاق، والعتاق، والإبراء، والعقود من البيع والإجارة والشركة ونحوها، والإقرار بنسب أو مال أو قود، ونحوها، فيلزم الشاهد أن يشهد به على من سمعه منه؛ لأنه بسماعه ذلك حصل العلم بالمشهود به كما لو رآه. الضرب الثاني: سماع من جهة الاستفاضة، وذلك فيما يتعذر علمه غالباً

стр. 1702

بدونها، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) سماع بـ (اسْتِفَاضَةٍ)؛ بأن يَشْتَهِر المشهود به بين الناس، فيتسامعوا به بإخبار بعضهم بعضًا. ولا يجوز لأحد أن يشهد باستفاضة إلا إن سمع ما يشهد به (عَنْ عَدَدٍ يَقَعُ بِهِ) أي: بخبرهم (العِلْمُ)؛ لأن لفظ الاستفاضة مأخوذ من فيض الماء لكثرته، قال في شرح المنتهى: ويكون ذلك العدد عدد التواتر; لأنها شهادة، فلا يجوز أن يشهد بها من غير علم، وقال الخرقي: ما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به. وقال شيخ الإسلام: يشهد بالاستفاضة، ولو عن واحد تسكن إليه النفس. - فرع: لا تسمع شهادة بالاستفاضة إلا (فِيمَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ غَالِباً بِغَيْرِهَا) أي: بغير الاستفاضة؛ (كَـ): ١ - (نَسَبٍ)، إجماعًا، وإلا لاستحالت معرفته به، إذ لا سبيل إلى معرفته قطعًا بغير الاستفاضة، ولا يمكن المشاهدة فيه. ٢ - وولادة (وَمَوْتٍ)، إذ الولادة قد لا يباشرها إلا المرأة الواحدة، والموت قد لا يباشره إلا الواحد والاثنان ممن يحضره، ويتولى غسله وتكفينه. ٣ - وملك مطلق؛ لأن الملك قد يتقادم سببه، فتوقُّف الشهادة في ذلك على المباشرة يؤدي إلى العسر، خصوصًا مع طول الزمن.

стр. 1703

وخرج بالمطلق: ملكه بالشراء من فلان، أو الإرث، أو الهبة، فلا تكفي فيه الاستفاضة. ٤ - (وَنِكَاحٍ) عقداً ودواماً، (وَطَلَاقٍ)، وخلع؛ لأنه مما يشيع ويشتهر غالبًا، والحاجة داعية إليه. ٥ - (وَوَقْفٍ)؛ بأن يشهد بأن هذا وقفُ زيد، لا أن زيداً أوقفه، (وَمَصْرِفِهِ) أي: مصرف الوقف؛ لدعاء الحاجة إلى ذلك، خصوصًا مع طول المدة. وكذلك: العتق، والولاء، والولاية، والعزل، وما أشبه ذلك؛ فيشهد بالاستفاضة في ذلك كله؛ لأن هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها في الغالب بمشاهدتها ومشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة؛ كالنسب. - مسألة: (وَ) من شهد بعقدٍ من العقود (اعْتُبِرَ) في صحة شهادته به (ذِكْرُ شُرُوطِ مَشْهُودٍ بِهِ) أي: شروط العقد الذي شهد به؛ للاختلاف فيها، فربما اعتقد الشاهد صحة ما لا يصح عند القاضي. فإن شهد برضاع -مثلاً-: فلا بد من ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها، أو من لبنٍ حُلِب منه؛ لأن الناس يختلفون في عدد الرضعات، وفي الرضاع المحرم، ولا بد أن يشهد أنه ارتضع في الحولين؛ لأن الرضاع بعدهما غير محرم، فلا يكفي أن يشهد الشاهد أنه ابنها من الرضاع؛ لاختلاف الناس فيما يصير به ابنها.

стр. 1704

- مسألة: (وَيَجِبُ إِشْهَادُ) اثنين (فِي نِكَاحٍ)؛ لأنه شرط فيه، فلا ينعقد بدونهما، وتقدم في النكاح. (وَيُسَنُّ) الإشهاد (فِي) كل عقد (غَيْرِهِ)، من بيع، وإجارة، وصلح، ونحو ذلك، ولا يجب؛ لقوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم)، وحمل على الاستحباب؛ لقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته)، وقيس على البيع باقي العقود. فصل في شروط من تقبل شهادته والحكمة في اعتبار هذه الشروط: حفظ الأموال، والأعراض، والأنفس أن تنال بغير حق، فاعتبرت أحوال الشهود بخلوهم عما يوجب التهمة فيهم، ووجوب ما يوجب تيقظهم؛ ليغلب على الظن صدقه. - مسألة: (وَشُرِطَ فِي شَاهِدٍ) ستة شروط: الشرط الأول: (إِسْلَامٌ)، فلا تقبل شهادة كافر، ولو شهد على كافر مثله؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، والكافر ليس منا، ولو قبلت شهادة غير المسلمين لم يكن لقوله: (منكم) فائدة، ولأن الكافر غير مأمون.

стр. 1705

وأما حديث جابر ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ، أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ» [ابن ماجه ٢٣٧٤] فضعيف؛ لأنه من رواية مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، ولو سُلِّم؛ فيحتمل أنه أراد اليمين؛ لأنها تسمى شهادة، قال الله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: ٦]. - فرع: يستثنى من شرط الإسلام: شهادة رجلين كتابيين في سفر على وصية مسلم أو كافر عند عدم مسلم؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦]» [البخاري ٢٧٨٠]، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري [أبو داود ٣٦٠٥]، وابن مسعود ﵄ [الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ٢٨٩]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تقبل شهادة الكفار في موضعين: ١ - قبول شهادة الكافر -ولو من غير أهل الكتاب- في الشهادة لمسلم في كل موضع ضرورة إذا لم يوجد غيره، حضراً وسفراً؛ قياساً على الوارد في حديث ابن عباس ﵄ السابق.

стр. 1706

٢ - قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وإن اختلفت مللهم، فتقبل شهادة اليهودي على النصراني، والعكس؛ لقوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، فتقبل شهادة بعضهم على بعض؛ لأن بعضهم يلي على بعض، ولحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ» [البخاري ١٣٢٩، ومسلم ١٦٩٩]، وفي حديث جابر عند أبي داود [٤٤٥٢]: «فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاؤُوا بِأَرْبَعَةٍ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ»، وفي رواية: «ائْتُوا بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ يَشْهَدُونَ» [شرح معاني الآثار ٦٠٩٦]. (وَ) الشرط الثاني: (بُلُوغٌ)، فلا تقبل شهادة من صغير، ذكر أو أنثى، ولو كان في حال أهل العدالة؛ بأن كان متصفًا بما يتصف به المكلف العدل؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] والصبي لا يسمى رجلًا؛ ولأنه غير مقبول القول في حق نفسه، ففي حق غيره أولى. واختار شيخ الإسلام: تقبل شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه الرجال؛ لما روى مسروق: «أَنَّ سِتَّةَ غِلْمَةٍ ذَهَبُوا يَسْبَحُونَ، فَغَرِقَ أَحَدُهُمْ، فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ، وَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُم غَرَّقُوهُ، فَقَضَى علي ﵁ عَلَى الثَّلَاثَةِ خُمُسَيِ الدِّيَةِ، وَعَلَى الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ» [ابن أبي شيبة ٢٧٨٧٣]، ولما روى ابن أبي مليكة: «أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ، فَلَمْ يُجِزْهُمْ وَلَمْ يَرَ شَهَادَتَهُمْ شَيْئًا،

стр. 1707

فَسَأَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِذَا جِيءَ بِهِمْ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ» [البيهقي ٢٠٦١٢]، ولأنه لو لم تقبل شهادتهم في هذه الحال لضاعت الحقوق مع غلبة الظن بصدقهم أحياناً. (وَ) الشرط الثالث: (عَقْلٌ)، فلا تقبل الشهادة من معتوه ولا مجنون؛ لأنه لا يمكنه تحمُّل الشهادة ولا أداؤها؛ لاحتياجها إلى الضبط، وهو لا يعقله. (وَ) الشرط الرابع: (نُطْقٌ)، أي: كون الشاهد متكلمًا، فلا تقبل شهادة أخرسَ ولو فهمت إشارته؛ لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، ولذلك لا يكتفى بإشارة الناطق، وإنما اكتفي بإشارة الأخرس في أحكامه المختصة به للضرورة، (لَكِنْ تُقْبَلُ مِنْ أَخْرَسَ) إذا أداها (بِخَطِّهِ)؛ لدلالة الخط على الألفاظ. واختار ابن عثيمين: أن شهادة الأخرس تقبل إذا فهمت إشارته؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا» [البخاري ٦٨٨، ومسلم ٤١٢]، فدل على أن الإشارة طريق يحصل به العلم.

стр. 1708

- فرع: (وَ) تقبل الشهادة (مِمَّنْ) أي: من مجنون (يُفِيقُ) أحياناً إذا شهد (حَالَ إِفَاقَتِهِ)؛ لأنها شهادة من عاقل، أشبه من لم يجن. والشرط الخامس: الحفظ، فلا تقبل شهادةٌ من مغفَّل، ولا من معروفٍ بكثرة غلط ونسيان؛ لأن الثقة لا تحصل بقوله؛ لاحتمال أن تكون شهادته مما غلط فيها وسها؛ ولأنه ربما شهد على غير من استشهد عليه، أو بغير ما شهد به، أو لغير من أشهده. وعُلِمَ منه: أنها تقبل ممن يقِلُّ منه ذلك؛ لأنه لا يسلم أحد من الغلط والنسيان. (وَ) الشرط السادس: (عَدَالَةٌ)، ظاهرًا وباطنًا؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: ٦]، ولأن غير العدل لا يؤمن منه أن يتحامل على غيره، فيشهد عليه بغير حق. والعدالة لغة: الاستقامة والاستواء، وشرعاً: استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله. - مسألة: (وَيُعْتَبَرُ لَهَا) أي: للعدالة (شَيْئَانِ): (الأَوَّلُ مِنْهُمَا: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ):

стр. 1709

١ - (أَدَاءُ الفَرَائِضِ)، أي: الصلوات الخمس، والجمعة، وما وجب من صوم، وحج، وزكاة، وغيرهم، (بِرَوَاتِبِهَا) أي: سنن الصلاة الراتبة، فلا تقبل الشهادة إن داوم على ترك الرواتب (١)؛ لأن تهاونه بها يدل على عدم محافظته على أسباب دينه. ٢ - (وَاجْتِنَابُ المَحَارِمِ)؛ لأن من أدى الفرائض واجتنب المحارم عُدَّ صالحاً عرفاً، فكذا شرعًا، وذلك: (بِأَلَّا يَأْتِيَ كَبِيرَةً)؛ لأن الله تعالى نهى عن قبول شهادة القاذف، وقيس عليه كل مرتكب كبيرة، (وَ) أن (لَا يُدْمِنَ) أي: لا يداوم (عَلَى صَغِيرَةٍ)؛ لأن من لم يرتكب كبيرة وأدمن على الصغيرة لا يعد مجتنبًا للمحارم. أما مجرد ارتكاب الصغيرة فلا يؤثر؛ لأنه يؤدي إلى عدم قبول شهادة أحد. (الثَّانِي) مما يعتبر للعدالة: (اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ، بِفِعْلِ مَا يُزَيِّنُهُ وَيُجَمِّلُهُ) عادة؛ كالسخاء وحسن الخلق، (وَتَرْكِ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ) أي: يعيبه عادة من

стр. 1710

الأمور المزرية؛ كمتمسخر، ومتزين بزيٍّ يُسخر منه، ونحو ذلك؛ لأن من فقدهما فقد اتصف بالدناءة والسقاطة، فلا تحصل الثقة بكلامه. وقال شيخ الإسلام: (يعتبر العدل في كل زمن ومكان وطائفة بحسبها؛ لئلا تضيع الحقوق). فصل في موانع الشهادة الموانع: جمع مانع، وهو ما يحول بين الشيء ومقصوده، وهذه الموانع تحول بين الشهادة والمقصود منها، وهو قبولها، والحكم بها. - مسألة: موانع الشهادة ثمانية (١)، وهي: المانع الأول: قرابة الولادة، وأشار إليه بقوله: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِ عَمُودَيِ النَّسَبِ لِبَعْضٍ)، فلا تقبل شهادة من والد وإن علا، ولو من جهة الأم؛ كأبي الأم، وأبيه، وجده، ولا من ولدٍ، وإن سَفَل من ولد البنين والبنات؛ لأن كلًّا من الوالدين والأولاد متهم في حق صاحبه؛ لأنه يميل إليه بطبعه، بدليل حديث المسور بن مخرمة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» [البخاري ٥٢٣٠، ومسلم ٢٤٤٩].

стр. 1711

ويستثنى الولد من زنىً أو رضاع؛ فتقبل شهادة الولد لأبيه من زنىً ورضاع، وشهادة الوالد لولده من زنىً أو رضاع؛ لعدم وجوب الإنفاق والصلة، وعدم عتق أحدهما على صاحبه. وعنه (١)، واختاره ابن القيم: أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه؛ لعموم قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، وقال عمر ﵁: «تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ، وَالْأَخِ لِأَخِيهِ إِذَا كَانُوا عُدُولًا، لَمْ يَقُلِ الله حِينَ قَالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ أَخًا» [عبد الرزاق ١٥٤٧١]، وقال الزهري: «لم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لامرأته، ثم دخل الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة وصار ذلك من الولد، والوالد، والأخ، والزوج، والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان»، ولأنه عدل تقبل شهادته في غير هذا الموضع، فتقبل شهادته فيه؛ كالأجنبي.

стр. 1712

- فرع: تقبل شهادة الشخص لباقي أقاربه؛ كأخيه، وعمه؛ لعموم الآيات، ولأنه عدل غير متهم، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة). - فرع: تقبل شهادة بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥]، ولأن شهادته عليه لا تهمة فيها، وهي أبلغ في الصدق كشهادته على نفسه. (وَ) المانع الثاني: المِلك أو الزوجية، فـ (لَا) تقبل شهادة (أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ)؛ لأنه ينتفع بشهادته لتبسُّط كل واحد في مال الآخر واتساعه بسعته، ولأن كل واحد منهما يرث الآخر من غير حجب، فأوجب التهمة في شهادته، ولو كان زوجاً في الماضي، بأن يشهد أحد الزوجين للآخر بعد طلاق بائن أو خلع فلا تقبل (١). وعنه، واختاره ابن عثيمين: أنها تقبل؛ لعموم قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، وروي: «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ شَهِدَ لِفَاطِمَةَ ﵂ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَمَعَهُ أُمُّ أَيْمَنَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ

стр. 1713

شَهِدَ مَعَك رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ أُخْرَى لَقَضَيْت لَهَا بِذَلِكَ» [علقه ابن حزم في المحلى ٨/ ٥٠٦]. ولا تقبل شهادة السيد لعبده؛ لأن مال العبد لسيده، فشهادته له شهادة لنفسه. ولا تقبل العبد لسيده؛ لأنه يتبسط في ماله، وتجب فيه نفقته، فهو كالأب وابنه. - فرع: تقبل شهادة أحد الزوجين على صاحبه في غير الزنى، فلا تقبل شهادته عليها بالزنى؛ لأنه يقر على نفسه بعداوته لها؛ لإفسادها فراشه. (وَ) المانع الثالث: (لَا) تقبل شهادة (مَنْ يَجُرُّ بِهَا) أي: بشهادته (إِلَى نَفْسِهِ نَفْعاً)؛ كشهادة السيد لمكاتبه، وشهادة المكاتب لسيده؛ لأن المكاتب رقيق؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعاً: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ» [أبو داود ٣٩٢٦]، أو شهادته لموصيه، أو شهادته لموكِّله فيما وكل فيه؛ لأنه يثبت له حق التصرف فيه، فهو متهم، قال شيخ الإسلام: (وقوم أجَروا شيئًا، لا تقبل شهادة أحد منهم على المستأجر؛ لأنهم وكلاء أو أولياء). والمانع الرابع: ما أشار إليه بقوله: (أَوْ يَدْفَعُ بِهَا) أي: بشهادته (عَنْهَا) أي: عن نفسه (ضَرَراً)؛ كشهادة العاقلة بجرحِ شهودِ قتل الخطأ، أو شبه العمد؛ لأنهم متهمون في دفع الدية عن أنفسهم.

стр. 1714

(وَ) المانع الخامس: العداوة الدنيوية، فـ (لَا) تقبل شهادة (عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ) لغير الله تعالى؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» [أحمد ٦٩٤٠، وأبو داود ٣٦٠١، وابن ماجه ٢٣٦٦]، والغمر: الحقد، ولأن العداوة تورث تهمة شديدة، فمنعت من الشهادة؛ كالقرابة القريبة، فلا تقبل شهادة المقذوف على قاذفه، ولا شهادة المقتول وليُّه على القاتل، ولا شهادة المقطوع عليه الطريقُ على قاطعه. وتقبل شهادة العدو لعدوه؛ لعدم التهمة. واختار شيخ الإسلام: أنه إذا كان علم منه العدالة الحقيقية؛ قبلت شهادته، بخلاف من كانت عدالته ظاهرة مع إمكان أن يكون في الباطن على خلافه؛ لعموم قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، وقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]، وشنآن بمعنى: بغض وعداوة، فلا تحملكم العداوة والبغض على ترك العدل. - فرع: يستثنى من عدم قبول شهادة العدو على عدوه ما أشار إليه بقوله: (فِي غَيْرِ نِكَاحٍ)، فتقبل شهادة العدو على عدوه في عقد نكاح؛ بأن يكون الشاهد عدوًّا للزوجين، أو لأحدهما، أو للولي؛ لعموم قول ابن عباس ﵄: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» [البيهقي: ١٣٦٥٠]،

стр. 1715

ولأنه ينعقد بهما غير هذا النكاح، فانعقد هو أيضاً بهما؛ كسائر العقود. - فرع: أما العداوة في الدِّين؛ كالمسلم يشهد على الكافر، والمحِقِّ من أهل السنة يشهد على المبتدع؛ فلا ترد شهادته؛ لأن الدِّين يمنعه من ارتكاب محظور في دينه. - فرع: (وَمَنْ سَرَّهُ مَسَاءَةُ أَحَدٍ، أَوْ غَمَّهُ فَرَحُهُ)، وطلب له الشر ونحوه؛ (فَهُوَ عُدُوُّهُ)، لا تقبل شهادته عليه؛ للتهمة. - مسألة: (وَ) كل (مَنْ) قلنا (لَا تُقْبَلُ) شهادته (لَهُ)؛ كعمودي نسبه، ومكاتبه؛ فإنها (تُقْبَلُ عَلَيْهِ)؛ لأنه لا تهمة فيها. والمانع السادس: من شهد عند حاكم، فردت شهادته بتهمة؛ لرحم، أو زوجية، أو عداوة، أو طلب نفع، أو دفع ضرر، أو فسق، ثم زال المانع، فأعادها؛ لم تقبل؛ للتهمة في أدائها؛ لكونه يُعيَّر بردها، فربما قصد بأدائها أن يقبل؛ لإزالة العار الذي لحقه بردها، ولأنها ردت باجتهاد، فقبولها نقض لذلك الاجتهاد. أما إن رُدَّت لكفر، أو صغر، أو جنون، أو خَرَسٍ، ثم أعادها بعد زوال المانع؛ قُبلت شهادته؛ لأن التهمة هنا منتفية. والمانع السابع: العصبية، فلا شهادة لمن عرف بها، وبالإفراط في الحمية؛ كتعصب قبيلة على قبيلة، وإن لم تبلغ رتبة العداوة؛ للتهمة.

стр. 1716

والمانع الثامن: الحرص على أدائها قبل استشهاد من يعلم بها، قبل الدعوى أو بعدها؛ فترد؛ لحديث عمران بن الحصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ» [البخاري ٣٦٥٠، ومسلم ٢٥٣٥]، فإن لم يعلم مشهود له بها؛ لم يقدح. إلا في عتق وطلاق وظهار ونحوها؛ فلا ترد؛ لعدم اشتراط تقدم الدعوى فيها على الشهادة. واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز أداء الشهادة قبل طلبها، ولو علمها المشهود له إذا دل على طلب الشهادة العرف أو الحال؛ لحديث زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» [مسلم ١٧١٩]، وأما حديث عمران فقال شيخ الإسلام: (والصحيح: أن الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث: «ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ» [أحمد ١١٤، والترمذي ٢٣٠٣، وابن ماجه ٢٣٦٣، من حديث عمر ﵁]).

стр. 1717

(فَصْلٌ) أقسام المشهود به من حيث عددُ شهوده؛ لاختلاف الشهود باختلاف المشهود به. وأقسامه سبعة بالاستقراء: القسم الأول: الزنى واللواط، وأشار إليه بقوله: (وَشُرِطَ فِي الزِّنَى)، واللواط: (أَرْبَعَةُ رِجَالٍ) عدول (يَشْهَدُونَ بِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ الآية [النور: ١٣]، فجعلهم كاذبين إن لم يأتوا بالأربعة، فوجب ألا تقبل الثلاثة، واللواط في معنى الزنى المستدعي لوجوب الحد، (أَوْ) يشهد أربعة شهود (أَنَّهُ) أي: المشهود عليه (أَقَرَّ بِهِ) أي: بالزنى أو اللواط (أَرْبَعاً)؛ لأنه إثبات للزنى، فاعتبر فيه أربعة؛ كشهود الفعل، وتقدم في حد الزنى ما يشترط في الشهود. (وَ) القسم الثاني: (فِي دَعْوَى فَقْرٍ)، فلا تقبل (مِمَّنْ عُرِفَ بِغِنًى): أنه فقير؛ ليأخذ من نحو زكاة، إلا بـ (ثَلَاثَةِ) رجال؛ لحديث قبيصة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ، ... -وذكر منهم-: وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا

стр. 1718

سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا» [مسلم: ١٠٤٤]. (وَ) القسم الثالث: (فِي) دعوى (قَوَدٍ)، فيثبت برجلين؛ لأنه أحد نوعي القصاص، فيقبل فيه اثنان؛ كقطع الطريق. (وَ) كذا في دعوى (إِعْسَارٍ، وَ) وطءٍ (مُوجِبِ تَعْزِيرٍ)؛ كوطء أمة مشتركة، وبهيمة: فيثبت برجلين. (أَوْ) دعوى إثبات (حَدٍّ) غير الزنى واللواط؛ كحد قذف وشرب وقطع طريق؛ يثبت برجلين؛ لقول الزهري: «مَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ: أَلَّا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ» [ابن أبي شيبة ٢٨٧١٤]، و «اتَّفَقَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄: عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الطَّلَاقِ؛ وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الدِّمَاءِ، وَلَا الْحُدُودِ» [علقه ابن حزم في المحلى ٨/ ٤٧٨]، ولأنه يسقط، فلا تقبل فيه شهادة النساء بالشبهة. (وَ) القسم الرابع: في دعوى (نِكَاحٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ) عقوبة، ولا (مَالاً، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ)؛ كطلاق، ورجعة، ونسب، وولاء، وإيصاء في غير مال، وتوكيل في غير مال، وتعديل شهود وجرحهم، (وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِباً): فيقبل فيه (رَجُلَانِ)، ولا يقبل أقل من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، قاله في الرجعة، والباقي قياسًا، ولأنه ليس بمال ولا يقصد به المال، فلا مدخل للنساء فيه، أشبه العقوبات،

стр. 1719

ولأن الله تعالى ذكر شهادة الرجل والمرأتين في الأموال، دون الرجعة والوصية وما معهما. وقال شيخ الإسلام: (والصحيح قبول شهادة النساء في الرجعة، فإن حضورهن عنده أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق). وقوى ابن القيم، وحكاه رواية: أنه يقبل في العتق والنكاح والرجعة ونحوهما: رجل وامرأتان؛ لقول الله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)، ولحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» [البخاري ٣٠٤، ومسلم ٧٩]، فجعل شهادة الرجل والمرأتين شهادة على الإطلاق، فاقتضى أن يكون لهن شهادة في سائر الأحكام إلا ما قيد بدليل. وأما قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، فقال ابن القيم: (قد استقر في عرف الشارع أن الأحكام المذكورة بصيغة المذَكَّرين إذا أطلقت ولم تقترن بالمؤنث، فإنها تتناول الرجال والنساء؛ لأنه يغلب المذكر عند الاجتماع). (وَ) القسم الخامس: (فِي) دعوى (مَالٍ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ) المال؛ كقرض، ورهن، ووديعة، وغصب، وإجارة، وشركة، وإتلاف مال، وتوكيل فيه، وإيصاء فيه، وبيع، وأجله، وخيار فيه، وجناية خطأ أو عمدًا لا توجب قودًا بحالٍ؛ كجائفة؛ فيقبل فيه:

стр. 1720

١ - (رَجُلَانِ). ٢ - (أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ). ويدل له: قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، وسياق الآية يدل على الاختصاص بالأموال، والإجماع منعقد على ذلك. ٣ - (أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُ المُدَّعِي)؛ لما روى ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ» [مسلم ١٧١٢]. - فرع: لا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وما يقصد به المال؛ لأن شهادة المرأة ناقصة، وإنما انجبرت بانضمام الرجل إليها. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز القضاء بشهادة المرأتين ويمين المدعي فيها؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)، فالله تعالى لما جعل شهادة امرأتين بدل شهادة رجل؛ وجب أن يكون حكمُهما حكمَه، فكما أن للمدعي أن يحلف مع الشاهد، فإن له أن يحلف مع شهادة المرأتين. وقال شيخ الإسلام: (ولو قيل: يحكم بشهادة امرأة ويمين الطالب؛ لكان متوجهًا، فالطريق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله
следующие страницы →