جميع الحقوق محفوظة
لدار ركائز للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
стр. 3
الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات
للإمام
محمد بن بدر الدين البلباني الحنبلي
ت: ١٠٨٣ هـ
شرح
د. عبد العزيز بن عدنان العيدان
د. أنس بن عادل اليتامى
المجلد الأول
من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الصيام
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
الحمد لله الذي فقَّه من شاء من عباده في الدين، وشرح صدورهم لاقتفاء سنن الأنبياء والمرسلين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسيد العلماء أجمعين، مَن بيَّن لنا الحلال والحرام بأخصر سبيل، وأوضح دليل، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أولي الذكر الحسن والثناء الجميل.
أما بعد:
فإنه لما كان كتاب (أَخْصَرِ المُخْتَصَرَاتِ)، للإمام المتفنن والعلامة المتقن، شيخ الحنابلة في زمانه، ومرجع فقهاء الشام في أوانه، محمد بن بدر الدين بن عبد القادر بن بلبان الخزرجي الحنبلي، المتوفى سنة (١٠٨٣ هـ)، غايةً في الإفادة، وجامعاً لأمات المسائل وزيادة، وكان محطَ عنايةِ المبتدئين، ومرتقىً للطلاب المجتهدين، استخرنا الله تعالى بوضعِ تعليقاتٍ عليه، تحرر منطوقَه، وتبين مفهومَه، وتقيد مطلقَه، وتشرح عبارته، مع العناية بالتقسيمِ والتدليلِ، وذكرِ الضوابطِ والتعليلِ، ولم نخرجْ في ذلك كله عن المعتمد عند المتأخرين من الأصحاب، إلا أن يكون في المسألة قولٌ آخر له حظٌ من النظر والصواب، مع التنويه غالباً بمن قال به من المحققين أولي النهى والألباب.
стр. 6
فمتى قلنا: (اتفاقاً) فالمراد به قول الأربعة الذين انتشر قولهم وطاب، وإذا قلنا: (قيل) فالمراد به قولٌ في مذهب الحنابلة الأحباب، ولم نذكر الخلاف العالي إلا لسبب من الأسباب، فكان شرحاً متوسطاً بين الإيجاز والإطناب، وسميناه: (الدَّلَائِلَ وَالإِشَارَاتِ عَلَى أَخْصَرِ المُخْتَصَرَاتِ (١)، مع الإقرار بالعجز وضعف الآلة، وعدم الأهلية وقلة البضاعة، فكنا على موائد أهل العلم متطفلين، ومن معين كتاباتهم ناهلين، سائلين الله رب الأولين والآخرين، أن ينفع به كما نفع بالسابقين الأولين، وأن يغفر ما تضمنه من الزلات، ويعفو عما اقترفته أيدينا من الذنوب والسيئات، إنه سميع قريب مجيب الدعوات.
стр. 7
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(وَبِهِ تَوْفِيقِي)
ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة؛ تأسياً بالكتاب العظيم، واقتداءً بالنبي الكريم ﷺ .
والجار والمجرور في قوله: (بِسْمِ) متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام، وتقديره هنا: بسم الله أؤلف، والمعنى: أؤلف مستعيناً بجميع أسماء الله الحسنى المتضمنة لصفاته العليا، متبركاً بذكرها حال تأليف هذا المختصر.
و(اللهُ): عَلَمٌ على الباري جل وعلا، أصله (الإله)، حُذفت الهمزة، وأُدغمت اللام في اللام، فصارتا لاماً واحدة مشددة مفخمة، و (الإله) هو المألوه، أي: المعبود، من أَلِهَ يألَه: إذا تعبَّد، قال ابن عباس ﵁: «هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ» [تفسير الطبري ١/ ١٢١].
و(الرَّحْمَنُ): اسم من أسماء الله المختصة به، لا يُطلق على غيره، ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
و(الرَّحِيمُ): من أسماء الله أيضاً، ومعناه: ذو الرحمة الواصلة.
(وَبِهِ) وحده سبحانه لا بغيره.
(تَوْفِيقِي) وهدايتي، والتوفيق: هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، [، وضده الخذلان: وهو أن يخلي بينك وبين نفسك.] [*]
стр. 8
و (الحَمْدُ): هو وصف المحمود بصفات الكمال على وجه المحبة والتعظيم، سواءٌ كان في مقابلة نِعمة أم لا، واللام في (الحَمْدُ) للاستغراق أو الجنس، فكل أنواع المحامد أو جنسُها مستحَقَّة ومملوكة (لِله) تعالى؛ لكماله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
فالله هو (المُفَقِّهُ) أي: المفهِّم، - وليس ذلك من أسمائه -، الذي يتفضَّل على (مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ) ممن أراد به الخير بالفقه (فِي الدِّينِ) , مِن دان للشيء: إذا ذل له وانقاد، والدين: الذل والانقياد لله تعالى في أمره ونهيه، والفقه في دين الله: هو فهم ما أمر الله به وما نهى عنه.
وجاء في فضل الفقه في الدين دلائل وآثار، كحديث معاوية ﵁ مرفوعاً: «مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [البخاري: ٧١، ومسلم: ١٠٣٧]، قال سفيان بن عيينة: (لم يُعْط أحد بعد النبوة شيئاً أفضل من طلب العلم والفقه)، قيل له: عمن هذا؟ قال: (عن الفقهاء كلهم).
والفقه لغة: الفهم، واصطلاحاً: العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية.
(وَالصَّلَاةُ) على نبينا محمد ﷺ ، وهي ثناء الله عليه في الملأ الأعلى، قال أبو العالية: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة» [البخاري معلقاً ٦/ ١٢٠].
стр. 9
(وَالسَّلَامُ) أي: السلامة من النقائص والرذائل (عَلَى نَبِيِّنَا) ورسولنا محمد ﷺ ، فسلَّمه الله في حياته حتى انتشر دينه، وسلَّم سنته من التحريف والتبديل والزيادة والنقص بعد وفاته، والنبي: من النَّبْوة وهي الرفعة، وهو الذي ينبئ بما أنبأه الله به، وكان يعمل بشريعة من قبله، فإن أرسل الله إليه برسالة ليبلغ غيره فهو الرسول. أفاده شيخ الإسلام.
و(مُحَمَّدٌ) من أسماء نبينا الخاتم صلوات الله وسلامه عليه، سُمي به؛ لكثرة خصاله الحميدة، وشمائله المجيدة، (الأَمِينُ) على وحي الله وتبليغه؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «أَلا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [البخاري: ٤٣٥١، ومسلم: ١٠٦٤]، (المُؤَيَّدُ) أي: المقوَّى من عند الله بروح القدس، الذي نزل (بِكِتَابِهِ) العزيز، قال تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ البقرة: ٨٧
، (المُبِينِ) أي: الواضحة معانيه على أتم وجه وأعظم بيان، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٣٨، وهو ﷺ (المُتَمَسِّكُ بِحَبْلِهِ) أي: بحبل الله (المَتِينِ) وهو دينه وكتابه، وفي حديث زيد بن أرقم ﵁ مرفوعاً: «أَلَا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ ، هُوَ حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ» [مسلم: ٢٤٠٨].
стр. 10
(وَ) الصلاة والسلام (عَلَى آلِهِ) وهم أتباعه على دينه؛ لأن الله تعالى أطلق الآل على الأتباع في الدين، فقال: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).
وعنه واختاره شيخ الإسلام: أنهم أهل بيته.
وأدخل شيخ الإسلام فيهم: زوجاته ﵅.
(وَ) على (صَحْبِهِ) جمع صاحب، بمعنى الصحابي: وهو من اجتمع بالنبي صلى لله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك، (أَجْمَعِينَ) توكيد لدخول جميع الآل والأصحاب في الصلاة والسلام بلا استثناء، وفي الجمع بين الصلاة والسلام على الآل والأصحاب مخالفةٌ لأهل الأهواء والبدع.
(وَبَعْدُ) بالبناء على الضم، أي: بعْدَ ما ذُكر من حَمْد الله والصلاةِ والسلام على رسوله، وهي كلمة يؤتَى بها للشروع في المقصود، ويُستحب الإتيان بها في المكاتبات؛ اقتداءً به ﷺ ، ففي حديث ابن عباس ﵄ حين كتب ﷺ لهرقل، وفيه: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ» [البخاري: ٧، ومسلم: ١٧٧٣].
стр. 11
(فَقَدْ سَنَحَ) أي: عرض (بِخَلَدِي) أي: بالي ونفسي، (أَنْ أَخْتَصِرَ) أي: أوجز وأقلل، والمختصر: ما قلَّ لفظه وكثرت معانيه، (كِتَابِي) الآخر المختصر (المُسَمَّى بِـ «كَافِي المُبْتَدِي») من الطلاب)، كما سماه بذلك في مقدمة كتابه المذكور، الذي اجتهد في تحريره واختصاره وتهذيبه، (الكَائِنَ فِي فِقْهِ الإِمَامِ) حقًّا، وشيخ الإسلام صدقاً، المقتدى به في أصول الدين وفروعه، العالم المبجل، أبي عبد الله (أَحْمَدَ بنِ) محمد بن (حَنْبَلٍ) الشيباني البغدادي، (الصَّابِرِ لِحُكْمِ المَلِكِ المُبْدِي) أي: المنفرد بإيجاد الخلق من العدم، وذلك حين افتُتن المسلمون بفتنة خلق القرآن، فثبَّته الله وثبَّت به معالم الدِّين، وكشف به تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، حتى صار مقصدًا للطالبين، وطِلبة للمتفقهين، ورُحلة للمتعلمين، ﵀ رحمة يبلغ بها منازل الصديقين.
ثم سار على سَننه في الفقه جماعاتٌ من الفقهاء في قرون من الأزمان، قسَّمهم أهل المعرفة إلى ثلاث طبقات بحسب الزمان، وتميزت كل طبقة بجملة من الميزات:
الطبقة الأولى: المتقدمون (٢٠٤ هـ-٤٠٣ هـ): وهم أصحاب الإمام وتلاميذه، الذين كتبوا عنه كلامه، وقيدوا آراءه، ودوَّنوا أجوبته، كابنيه صالح
стр. 12
وعبد الله، وإسحاق بن إبراهيم، والمرُّوذي، وجماعات يبلغ عددهم المئات.
ثم جاء مَن بعدهم من أهل هذه الطبقة، فجمعوا أقوال الإمام وتتبعوها، وسطروا أجوبته في أسفار ورتَّبُوها، أمثال الإمام أبي بكر الخلال في جامع المذهب، وغلامه أبي بكر عبد العزيز في كتبه: الشافي والتنبيه وزاد المسافر، وأبي القاسم الخرقي في مختصره، وغيرهم، فحفظوا للأمة فقه الإمام الشيباني، واجتمعت في أيديهم الآلاف من المسائل والفتاوي، فغدا ذلك المجموع مقصِداً يقصده المتعلمون، وغايةً يعمِد إليها المتفقهون، وأصبح هؤلاء الفقهاء السالف ذكرهم وتلاميذهم كأبي عبد الله ابن بطة وأبي حفص العُكْبَري ومن في طبقتهما، ومن بعدهم إلى خاتمة هذه الطبقة؛ أبي عبد الله الحسن بن حامد، يحذون في الفتوى حذو الإمام في أجوبته، ويُخَرِّجون الأقوال على أقواله، فكان نِتاج هذه الطبقة يجتمع في أمرين: تتبع فتاوي الإمام وجمعها، والتخريج على أصول مسائل الإمام وأجوبتها.
الطبقة الثانية: المتوسطون (٤٠٣ هـ-٨٨٤ هـ): ويبتدئون بإمام الحنبلية في زمانه، القاضي أبي يعلى الفراء، وتلاميذه الفضلاء، كأبي الخطاب وابن عقيل وابن البناء، وتبعهم بعد ذلك المقادسة، كالموفق ابن قدامة، وابن أخيه شمس الدين ابن أبي عمر المعروف بالشارح، وآل تيمية كالمجد وتقي الدين المعروف بشيخ الإسلام، وآل مفلح كشمس الدين محمد، وحفيده برهان الدين، وهو خاتمتهم.
стр. 13
فاجتهد أصحاب هذه الطبقة في استخراج مناطات أحكامه، واستنباط قواعد مذهبه من أقواله، فكان منهم العلماء الأذكياء، الذين قاموا للإمام بأعظم الوفاء، فسَبَكوا عباراتِه وما يخرَّج عليها في متون فقهية، وقعَّدوا لأقواله قواعد علمية، ونصروا مذهبه بأدلة نقلية وعقلية، وقارنوا بين الأقوال الواردة عمن سبقهم، فصححوا ورجحوا، ونقدوا وضعَّفوا، فكان من أهم تلك المتون التي حظيت بعناية فقهاء المذهب متنان: (الهداية) لأبي الخطاب الكلوذاني، و (المقنع) لابن قدامة المقدسي، وكان من أوسع تلك المصنفات التي جمعت ما سبقها من المتون والمؤلفات: كتاب (الفروع) لشمس الدين ابن مفلح.
وهي طبقة زَخَرت بعلماء وكُتُب شيدت للمذهب أركانه، وشدت له عموده وبنيانه، فرحم الله أهلها وجمعنا بهم في جنات النعيم.
الطبقة الثالثة: المتأخرون (٨٨٥ هـ- .... ): ويبتدئون بعلَّامة المذهب في زمانه، القاضي علاء الدين المرداوي، المعروف بالمصحِّح والمرجِّح والمنقِّح، ومن جاء بعده من فقهاء وعلماء، فنظروا في أقوال السابقين وأدلتهم، واشتغلوا فيها بالترجيح، والنظر فيما هو المذهب المعتمد والقول الصحيح، فجاءت مؤلفاتهم لتحقيق هذا المراد، فألَّف المرادوي كتابه العظيم الذي صار عمدة من جاء بعده من المؤلفين: (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)، ثم اختصره في كتابه: (التنقيح المشبع)، وجاء بعده إماما المذهب: شرف الدين موسى الحجاوي، وألَّف كتابه: (الإقناع)، وتقي
стр. 14
الدين محمد ابن النجار الفتوحي وألف كتابه: (منتهى الإرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات)، وصار هذان الكتابان عمدةً عند المتأخرين، ومفزعاً للفقهاء المفتين، ومنبعاً للعلماء المؤلفين، فأَوْلَاهما الفقهاء الذين لحقوهم عنايةً فائقة، بالشرح والتحشية، والحفظ والإقراء، والشغل والإشغال.
ومع تطاول الأيام، وضعف الهمم عن دراسة المتون العظام، اختُصرت هذه المتون؛ ليتمكن طالب فقه الحنابلة من اعتلائها لبلوغ ما فوقها، فكان من أشهر تلك المختصرات مختصران: (زاد المستقنع) للحجاوي، وقد اختصر فيه كتاب (المقنع) لابن قدامة، والآخر (دليل الطالب) لمرعي الكرمي، وقد استقاه من كتاب (منتهى الإرادات)، وشرح الأول منهما البهوتي في كتابه (الروض المربع)، وشرح الثاني ابن ضويان في كتابه (منار السبيل)، فصار هذان المتنان وشرحاهما محط اهتمام المتفقهين، وعناية المدرسين إلى يومنا هذا.
وكان من جملة المتون التي بُنيت على المتون المعتمدة السالفة الذكر: كتاب (كافي المبتدي من الطلاب) للإمام العلامة المتقن محمد ابن بلبان، فبناه على قول واحد هو المعتمد عند الأصحاب، ثم اجتهد في اختصاره (لِيَقْرُبَ تَنَاوُلُهُ) أي: دراسته (عَلَى المُبْتَدِئِينَ) من صغار الطلاب, (وَيَسْهُلَ حِفْظُهُ عَلَى الرَّاغِبِينَ) بحفظ متن من متون الأصحاب, ..........
стр. 15
(وَيَقِلَّ حَجْمُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ) لفقه الأئمة الأنجاب, وقال (َسَمَّيْتُهُ) أي: هذا المختصر (أَخْصَرَ المُخْتَصَرَاتِ)، بعيداً عن التطويل والإطناب، وذلك؛ (لِأَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى) كتاب (أَخْصَرَ مِنْهُ) أي: من هذا الكتاب، عند المتأخرين من الأصحاب، (جَامِعٍ لِمَسَائِلِهِ فِي فِقْهِنَا) معشرَ الحنابلة (مِنَ المُؤَلَّفَاتِ)، فكان مختصراً سهل العبارات، جامعاً للمسائل الأمات، واضحاً معناه، ومعتمَداً عند الأصحاب ما حواه، فجعله المدرسون في زماننا سلماً يرتقي به الدارس إلى ما فوقه من المتون، ويضبطون به أصول المسائل وينهلون.
ومما ينبغي معرفته عند النظر في كتب الأصحاب، والوقوف عليه عند دراسة أي كتاب، ما اصطلحوا عليه من العبارات والألفاظ، إذ التخليط فيها تخليط في فهم الكلام، ونسبة أقوال غير الإمام إلى الإمام، فيقع الناقل في أخطاء جسام، ويُنسب إلى الوهم والإيهام، ومن تلك الألفاظ في مذهب الحنابلة الكرام:
الرواية: وهي الحكم المروي عن الإمام أَحمد في مسألةٍ ما، نصًّا أو إِيماءً، وقد تكون تخريجاً من الأصحاب على نصوص أحمد فتكون: (روايةً مخرَّجةً)، ويطلقون على ذلك جملة من الألفاظ، منها: (نصَّ عليه)، و (نصًّا)، (وعنه)، (والمنصوص).
стр. 16
الوجه: وهو الحكم المنقول في مسألةٍ عن بعض الأصحاب المجتهدين في المذهب، المعروفين بأصحاب الوجوه، جارياً على قواعد الإمام غالباً.
الاحتمال: وهو في معنى الوجه، إلَّا أَن الوجه مجزوم بالفتيا به، والاحتمال تبيين أَن ذلك صالح لكونه وجهاً، فيقولون: (ويحتمل كذا)، (وفي احتمال).
التخريج: وهو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه، فيقولون: (ويتخرج كذا).
القول: ويشمل جميع ما تقدم، من الرواية والوجه والتخريج والاحتمال، فيقولون: (وفي قول).
المذهب: هو القول المشهور من المذهب، سواء كان رواية أم وجهاً ونحوه.
وإذا أطلق الأصحاب (القاضي) فيريدون به أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء، وإذا قالوا: (الموفق) فيعنون به الشيخ أبا محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة صاحب المقنع والكافي والمغني، وإذا أطلقوا (الشارح) أو (الشرح) فيعنون به شمس الدين ابن أبي عمر المقدسي، وشرحَه (الشرح الكبير على المقنع)، وإذا قالوا: (الشيخان)، فيريدون بهما الموفق ابن قدامة، ومجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية، وإذا أطلقوا (شيخ الإسلام) فيعنون به الإمام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية، وإذا قالوا: (المنقِّح) أو
стр. 17
(المصحِّح) فيريدون به القاضي علاء الدين علي بن سليمان المرداوي.
(وَاللهَ) ﷻ (أَسْأَلُ) ولا مسؤولَ سواه (أَنْ يَنْفَعَ بِهِ قَارِئِيهِ) من غير حفظ، (وَحَافِظِيهِ) عن ظهر قلب، (وَنَاظِرِيهِ) من غير قراءة ولا حفظ، (إِنَّهُ) سبحانه (جَدِيرٌ) أي: حقيق وحري (بِإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ)؛ لأنه قال في محكم التنزيل: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم)، (وَ) أسأله أيضاً (أَنْ يَجْعَلَهُ) أي: هذا المؤلَّف (خَالِصاً لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ)؛ لأنه سبحانه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه، موافقاً لسنة نبيه ﷺ ، وأسأله أن يجعله (مُقَرِّباً إِلَيْهِ فِي جِنَانِ النَّعِيمِ) التي لا نعيم إلا نعيمها، ولا استقرار للعبد إلا بدخولها.
(وَمَا تَوْفِيقِي) إلا بالله، والتوفيق كما تقدّم: هو أن لا يكلك الله إلى نفسك، وضده الخذلان: وهو أن يخلي بينك وبين نفسك، (وَ) ما (اعْتِصَامِي إِلَّا بِالله)، والعصمة: هي الحماية والحفظ من المعاصي والزلل، ولا تكون إلا بلطف الله ورحمته، (عَلَيْهِ) وحده دون ما سواه (تَوَكَّلْتُ) أي: اعتمدت، والتوكل عمل قلبي، وهو: صدق الاعتماد على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار، (وَإِلَيْهِ) سبحانه وحده دون ما سواه (أُنِيبُ) أي: أرجع إليه عند الغفلة، وأسارع في مرضاته عند وقوع الزلة.
стр. 18
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ)
الكتاب لغةً: الجمع، مِن تَكتَّب بنو فلان: إذا اجتمعوا، والمراد به هنا: المكتوب، أي: هذا مكتوب جامع لمسائل الطهارة مما يوجبها ويُتطهَّر به ونحو ذلك.
- مسألة: الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار.
وفي الاصطلاح لها معنيان:
الأول: الطهارة المعنوية: وهي طهارة القلب مِن أدران الشرك، ومساوئ الأخلاق.
الثاني: الطهارة الحسية، وتطلق شرعاً على ثلاثة أمور:
١ - ارتفاع الحدث، والحدث: هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها مما تُشترط له الطهارة.
٢ - ما في معنى ارتفاع الحدث: كالحاصل بغسل الميت، والوضوء والغسل المستحبين، وغَسل يَدَي القائم من نوم الليل.
٣ - زوال الخبث، أي: النجاسة.
стр. 19
وبدأ بالطهارة؛ لأن آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة، والطهارة شرط لها، والشرط مقدم على المشروط.
- مسألة: تنقسم (المِيَاهُ) باعتبار ما تتنوع إليه في الشرع إلى (ثَلَاثَةِ) أقسام: طهور، وطاهر، ونجس؛ لقوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) [الأنفال: ١١]، فوصف الماء بوصف زائد وهو كونه مطهِّراً لغيره، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا استَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِل يَدَهُ قَبْل أَنْ يُدْخِلهُمَا فِي الإِنَاءِ ثَلَاثاً؛ فَإِنَّ أَحَدَكُم لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَت يَدُه» [البخاري ١٦٢، ومسلم ٢٨٧]، فدل النهي عنه على أنه لا يرفع الحدث.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن المياه تنقسم إلى قسمين: طهور، ونجس؛ لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) [النساء: ٤٣]، و (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «الماءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [أحمد ١١٢٥٧، وأبو داود ٦٦، والترمذي ٦٦، والنسائي ٣٢٦].
قال شيخ الإسلام: (وإثبات ماء طاهر غير مطهِّر لا أصل له في الكتاب والسنة).
- ضابط: على الرواية الثانية نقول: إن الأصل في المياه أنها طاهرة مطهِّرة، إلا في موضعين:
стр. 20
١ - إذا خالطه نجس فغير أحد أوصافه الثلاثة، فينجس إجماعاً.
٢ - إذا خالطه طاهر فغيَّر مسماه وسَلَب منه وصف الماء المطلق، فلا يسمى ماء.
- مسألة: أقسام المياه ثلاثة:
القسم (الأَوَّلُ: طَهُورٌ)، أي: الطاهر في ذاته المطهِّر لغيره.
- فرع: (وَهُوَ) أي: الماء الطهور: (البَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) أي: صفته التي خُلق عليها، إما:
١ - حقيقةً: بأن يبقى على ما وجد عليه من برودة، أو حرارة، أو ملوحة ونحوها.
٢ - أو حكماً: بأن طرأ عليه شيء لا يسلُبه الطهورية، كالمتغيِّر بغير ممازج ونحوه.
- فرع: حكم الماء الطهور:
١ - لا يرفع الحدث غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ المائدة ٦، وأما التراب والاستجمار فمبيحان لا رافعان، ويأتي الكلام عليهما.
٢ - ولا يزيل النجسَ الطارئَ غيرُه؛ لأمر النبي ﷺ أن يُهَرَاقَ على بول الأعرابي ذَنوباً من ماء. [البخاري ٢٢١، ومسلم ٢٠٠٤].
стр. 21
واختار شيخ الاسلام: أن النجاسة تُزال بأي مزيل، ويأتي في باب إزالة النجاسة.
- مسألة: الماء الطهور على أربعة أقسام:
القسم الأول: طهور غير مكروه، ومنه: المتغير بمكثه، والمتغير بطاهر يشق صون الماء عنه؛ كورق الشجر، والمتغير بمجاورة ميتة.
والقسم الثاني: وأشار إليه بقوله: (وَمِنْهُ): طهور (مَكْرُوهٌ) أي: يكره التطهر به؛ (كَمُتَغَيِّرٍ بِغَيْرِ مُمَازِجٍ) أي: غير مخالط؛ كقطع كافور لا مطحون، أو بدهن، فيكره هذا القسم؛ خروجاً من الخلاف في سلبه الطهورية.
وفي وجه اختاره ابن قدامة وابن عثيمين: عدم الكراهة؛ لأن الأصل في المياه أنها طاهرة مطهرة، ولأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولم يوجد.
(وَ) القسم الثالث: طهور (مُحَرَّمٌ)، أي: يحرم استعماله، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
وحكمه: أنه (لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ وَيُزِيلُ الخَبَثَ) الطارئ.
(وَهُوَ) أي: الطهور المحرم أنواع، منها:
стр. 22
١ - الماء (المَغْصُوبُ)، فلا يصح به وضوء ولا غسل، وهو من المفردات؛ لتحريم الغصب، وقد قال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم ١٧١٨].
وعنه وفاقًا للثلاثة: تصح؛ لأن النهي يعود لشرط العبادة على وجه لا يختص، فتصح.
٢ - (وَ) منه أيضاً: (غَيْرُ بِئْرِ النَّاقَةِ مِنْ آبارِ) ديار (ثَمُودَ)، فلا يباح من آبار ديار ثمود إلا بئر الناقة، ويحرم غيرها؛ لقول ابن عمر ﵄: «إنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الحِجْرِ - أَرْضِ ثَمُودَ - فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ العَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» [البخاري ٣٣٧٩، ومسلم ٢٩٨١]، قال شيخ الإسلام: (وهي البئر الكبيرة التي يردها الحاج في هذه الأزمنة).
والقسم الرابع: طهور يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى، وهو الطهور اليسير -دون القلتين- الذي خلت به امرأة مكلفة كخلوة نكاح، بأن لا يشاهدها مميِّز، لطهارة كاملة عن حدث، وهذا القسم من المفردات؛ لحديث الحَكَم بن عمرو الغفاري ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ المَرْأَةِ» [أبو داود ٨٢، والترمذي ٦٤ وحسنه]، قال أحمد في رواية أبي طالب: (أكثر أصحاب رسول الله ﷺ يقولون ذلك، وهو تعبُّدي).
стр. 23
وعنه: يرفع الحدث مطلقاً، وفاقاً للثلاثة، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» [مسلم ٣٢٣]، ويُحمل النهي على التنزيه جمعاً بين الأدلة.
القسم (الثَّانِي) من أقسام المياه: (طَاهِرٌ) في نفسه غير مطهر لغيره.
- فرع: الماء الطاهر: (لَا يَرْفَعُ الحَدَثَ وَلَا يُزِيلُ الخَبَثَ)؛ وتقدمت المسألة.
- فرع: (وَهُوَ) أي: الماء الطاهر أنواع، منها:
١ - (المُتَغَيِّرُ بِمُمَازِجٍ طَاهِرٍ) لا يشق صونه عنه؛ كزعفرانٍ ولبن؛ لأنه ليس بماء مطلق.
٢ - (وَمِنْهُ) أي: من الطاهر: (يَسِيرٌ) أي: ماء يسير دون القلتين (مُسْتَعْمَلٌ فِي رَفْعِ حَدَثٍ)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» [مسلم ٢٨٣]؛ ولولا أنه يفيد منعاً لم يُنْهَ عنه.
وعلى الرواية الثانية التي اختارها شيخ الإسلام: أن الماء ينقسم إلى قسمين فقط، فلا وجود لهذا القسم، ويجوز التطهر به ما دام اسم الماء باقياً عليه؛ لحديث أم هانئ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ وَمَيْمُونَةَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ العَجِينِ» [أحمد ٢٦٨٩٣، والنسائي ٢٤٠، وابن ماجه ٣٧٨]، ولحديث ابن عباس ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» [مسلم ٣٢٣]، والنهي الوارد في حديث أبي هريرة إنما هو نهيٌ عن الاغتسال،
стр. 24
وليس فيه تعرُّض لحكم الماء.
القسم (الثَّالِثُ) من أقسام المياه: (نَجِسٌ)، وهو لغة: المستقذر، ضد الطاهر، (يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقاً) أي: في العبادات وغيرها، ولو لم يوجد غيره؛ لقوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث) [الأعراف: ١٥٧]، والنجس خبيث، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ)؛ كدفع غصة؛ قياساً على الطعام المحرم.
(وَهُوَ) أي: النجس أنواع، منها:
١ - (مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ) قليلاً كان أو كثيراً، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه، (فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَطْهِيرٍ).
أما إذا كان الماء الملاقي للنجاسة في محل التطهير فلا ينجس؛ لضرورة التطهير، إذ لو قلنا: ينجس بمجرد الملاقاة لم يمكن تطهير نجس بماء قليل.
٢ - ما أشار إليه بقوله: (أَوْ لَاقَاهَا) أي: لاقى الماءُ النجاسةَ (فِي غَيْرِهِ) أي: غير محل التطهير (وَهُوَ يَسِيرٌ) دون القلتين، فينجس بمجرد الملاقاة، ولو كانت النجاسة قليلة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال ﷺ : «إِذَا كَانَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ» [أحمد ٤٦٠٥، وأبو داود ٦٣، والترمذي ٦٧، والنسائي ٥٢، وابن ماجه ٥١٧]، ويُحمل مطلق حديث بئر بضاعة الآتي على القيد في هذا الحديث.
стр. 25
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، يسيراً كان أو كثيراً، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يُلقى فيها الحِيَض والنتن ولحوم الكلاب؟ فقال رسول الله ﷺ : «الماءُ طَهُورٌ، لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [أحمد ١١٢٥٧، وأبو داود ٦٦، والترمذي ٦٦، والنسائي ٣٢٦].
وأما حديث القلتين، فهو مفهوم، والمفهوم لا عموم له، فلا يلزم أن يكون كل ما لم يبلغ القلتين ينجس، ولأن التقييد بالقلتين ذُكِر جواباً لسؤال، والتخصيص إذا كان له سبب لم يَبْقَ حجة بالاتفاق، ولأن الحكم في الحديث عُلِّق بحمل الخبث، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
- فرع: (وَ) الماء (الجَارِي) في هذا الحكم (كَالرَّاكِدِ)؛ إن بلغ مجموع الجاري قلتين فلا ينجس إلا بالتغير، وإن لم يبلغ قلتين تنجس مجموعه بمجرد الملاقاة؛ لعموم ما سبق.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أن الجاري لا ينجس قليله إلا بالتغير؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَ) الماء (الكَثِيرُ) اصطلاحاً: (قُلَّتَانِ) من قلال هَجَرٍ فصاعداً، (وَهُمَا) أي: القلتان: (مِائَةُ رِطْلٍ وَسَبْعَةُ أَرْطَالٍ وَسُبُعُ رِطْلٍ
стр. 26
بِالدِّمَشْقِيِّ)، تساوي: خمسمائة رطل عراقي، والرطل العراقي بالمثاقيل يساوي ٩٠ مثقالًا، فـ (٥٠٠ رطل × ٩٠) = ٤٥ ألف مثقال.
والمثقال حرِّر الآن بالغرامات، فيساوي (٤.٢٥٠) غراماً، فالقلتان: (٤.٢٥٠ × ٤٥ ألفاً) = ١٩١٢٥٠ غراماً، = (١٩١,٢٥) كيلاً.
(وَ) الماء (اليَسِيرُ) اصطلاحاً: (مَا) كان (دُونَهُمَا) أي: دون القلتين.
- فرع: وجه التحديد بقلال هجر: ما روى الخطابي بإسناده إلى ابن جريج عن النبي ﷺ : «إذَا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ بقِلَالِ هَجَرٍ ... » [ابن عدي في الكامل ٨/ ٨٢، وهو ضعيف]، ولأنها مشهورة الصفة معلومة المقدار لا تختلف كالصِّيعانِ.
(فَصْلٌ) في أحكام الآنية
لمَّا ذكر الماء وحكمه، ناسب أن يذكر ظرفه ووعاءه.
- ضابط: الأصل في الآنية الطهارة؛ لأن الأصل في الأشياء كلها الطهارة، واليقين لا يزول بالشك.
- ضابط: (كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ) كالخشب، ولو ثميناً كالجوهر، (يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ
стр. 27
وَاسْتِعْمَالُهُ) بلا كراهة؛ لأن الأصل في الأشياء الحل.
والاتخاذ: مجرد الاقتناء ولو لم يباشره بالانتفاع. والاستعمال: مباشرته بالانتفاع.
- فرع: يستثنى من الإباحة أمران:
الأول: جلد الآدمي وعظمه فيحرم؛ لحرمته.
والثاني: ما ذكره المؤلف بقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَباً، أَوْ فِضَّةً، أَوْ مُضَبَّباً بِأَحَدِهِمَا) فيحرم؛ لحديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُم فِي الآخِرَةِ» [البخاري: ٥٦٣٣، ومسلم: ٢٠٦٧]، وسواء كان إناء الذهب أو الفضة خالصاً أو غير خالص؛ كالمضبب والمطلي؛ لأن الشارع إذا نهى عن شيء تعلَّق النهي بجميع أفراده.
- مسألة: استعمال آنية الذهب والفضة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: استعمالها في الأكل والشرب: فيحرم, وقد حُكِيَ الإجماع على ذلك؛ لحديث حذيفة السابق.
القسم الثاني: استعمالها في غير الأكل والشرب؛ كاستعمالها في الطهارة، أو حفظ الأشياء كالمحبرة: فيحرم باتفاق الأئمة؛ إلحاقاً لها بالأكل والشرب، وإنما نص الشارع على الأكل والشرب؛ لأنه الغالب في الاستعمال.
стр. 28
القسم الثالث: اتخاذها دون المباشرة بالاستعمال: فيحرم عند جمهور العلماء؛ لما تقدم.
واختار الصنعاني، والشوكاني، وابن عثيمين: جواز اتخاذ آنية الذهب والفضة، وجواز استعمالها في غير الأكل والشرب؛ لما روى عثمان بن عبد الله بن موهب، قَالَ: «أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ» [البخاري: ٥٨٩٦]، ولأن النهي ورد في الأكل والشرب خاصة فلا يلحق به غيره.
- مسألة: (لَكِنْ تُبَاحُ) الآنية التي فيها شيء من الفضة بأربعة بشروط:
الشرط الأول: أن تكون (ضَبَّةً)، وهي خيط من فضة يُربط به الإناء المنكسر، أو يسد به الثقب.
والشرط الثاني: أن تكون (يَسِيرَةً) عرفاً، لا كثيرة.
والشرط الثالث: أن تكون (مِنْ فِضَّةٍ) لا ذهب، فإن كان مضبباً بذهب حرم مطلقاً.
والشرط الرابع: أن تكون (لِحَاجَةٍ)، وهي أن يتعلق بها غرض غير الزينة.
والدليل على ذلك: ما ورد عن أنس ﵁: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ،
стр. 29
فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» [البخاري: ٣١٠٩].
- مسألة: آنِيَةُ الكُفَّار وثيابهم لا تخلو من أمرين:
١ - الأواني التي صنعوها أو الثياب التي نسجوها، (فلا خلاف في إباحتها) قاله الشارح، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه يَلبَسون من ثياب الكفار التي صنعوها.
٢ - الأواني والثياب التي باشروها بالاستعمال: فقال المؤلف: (وَمَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ مِنْ آنِيَةِ كُفَّارٍ، وَثِيَابِهِمْ؛ طَاهِرٌ)، سواء كانوا من أهل الكتاب أم غيرهم؛ لحديث عمران بن حصين ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ» [البخاري ٣٤٤، ومسلم ٦٨٢]، ولأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك.
وأما حديث أبي ثعلبة الخُشَني ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا؛ فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» [البخاري: ٥٤٧٨، ومسلم: ١٩٣٠]، فيحمل على التنزيه جمعاً بين الأدلة، أو على أُناس عُرفوا بمباشرة النجاسات؛ لرواية أبي داود [٣٨٣٩]: «وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الخَمْرَ».
- مسألة: (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ مَيْتَةٍ) -وهي ما مات حتف أنفه، أو لم يُذَكَّ ذكاة شرعية- (بِدِبَاغٍ): وهو تنشيف الجلد من الرطوبة وتنقيته من الخبث؛
стр. 30
لما روى عبد الله بن عُكَيم ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» [أحمد: ١٨٧٨٠، وأبو داود: ٤١٢٧، والترمذي: ١٧٢٩، والنسائي: ٤٢٤٩ وابن ماجه: ٣٦١٣].
وعنه واختاره شيخ الإسلام: يطهر جلد ما كان طاهراً في حال الحياة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» [مسلم: ١٠٥]، ولأنه إنما نجس باتصال الدماء والرطوبات به بالموت، والدبغ يزيل ذلك.
وأما حديث عبدالله بن عكيم فضعيف، ولو صح فالإهاب في اللغة: (إنما يطلق على الجلد قبل أن يدبغ، أما إذا دبغ فإنه لا يسمى إهاباً) قاله الخليل.
والرواية الثالثة: يطهر جلد ما كان مأكولاً في حال الحياة، واختارها شيخ الإسلام في الفتاوى المصرية؛ لقول عائشة ﵂: سئل رسول الله ﷺ عن جلود الميتة، فقال: «دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا» [النسائي: ٤٢٤٥]، فشبه الدبغ بالذكاة؛ والذكاة إنما تعمل في مأكول اللحم.
- ضابط: (وَكُلُّ أَجْزَائِهَا) أي: الميتة (نَجِسَةٌ، إِلَّا شَعْراً وَنَحْوَهُ)؛ كصوف ووبر وريش، من طاهر في الحياة، فلا ينجس بالموت.
فقرنُ الميتة، وظُفُرُها، وعصبُها، وحافرُها، وجلدتُها، ولبنُها، وإنْفَحَتُها؛ نَجِسَة؛ لأن ذلك داخل في عموم الميتة في قول الله : (قُلْ لا
стр. 31
أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [الأنعام: ١٤٥].
والضابط عند شيخ الإسلام: أن الميتة كلها طاهرة إلا اللحم.
فالشعر، والصوف، والوبر، والريش، والقرون، والأظلاف، والعظم، واللبن، والإنْفَحَة، طاهرة؛ لأن علة التنجيس في الميتة هي احتباس الدم، فما لا دم فيه لا يحكم عليه بالنجاسة.
واختار ابن عثيمين: أن الميتة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - الشَّعر ونحوه: طاهر.
٢ - اللحم وجميع الأجزاء الداخلية، ومنه العظم واللبن: نجس، ولا ينفع فيه الدَّبغ.
٣ - الجلد: يطهر بالدباغ.
- ضابط: كل ميتة نجسة إلا ثلاثًا: الآدمي، وما لا نفس له سائلة، وحيوان البحر.
- ضابط: (وَالمُنْفَصِلُ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ)، طهارةً ونجاسةً، حلًّا وحرمة.
فما قطع من السمك: طاهر، وما قطع من بهيمة الأنعام مع بقاء حياتها: نجس؛ لحديث أبي واقد الليثي ﵁: «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ» [الترمذي: ١٤٨٠].
стр. 32
- فرع: يستثنى من هذا الضابط خمسة أشياء: المسك ووعاؤه، والطريدة؛ لفعل الصحابة، والشعر والصوف كما تقدم، والولد، والبيضة إذا صلب قشرها.
(فَصْلٌ) في آداب دخول الخلاء وأحكام الاستنجاء
الاستنجاء لغة: مأخوذ من نجوت الشجرة, أي: قطعتها؛ لأن المستنجي يقطع الأذى، فيطهّر بدنه من الأذى.
وفي الاصطلاح: إزالة الخارج من السبيلين بالماء، أو بالأحجار ونحوها.
ويسمى إزالة الخارج من السبيلين إذا كان بالماء: استنجاء، وإذا كان بالحجارة ونحوها: استجماراً.
- ضابط: (وَالاسْتِنْجَاءُ) بماء أو حجر ونحوه (وَاجِبٌ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ) من سبيل، قليلاً كان أو كثيراً، إذا أراد الصلاة ونحوها؛ لحديث سلمان ﵁: «نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» [مسلم: ٢٦٢].
- ضابط: يجب الاستنجاء لكل خارج (إِلَّا) ثلاثةَ أمور:
١ - (الرِّيحَ)؛ قال الإمام أحمد: (ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا
стр. 33
في سنة رسوله).
٢ - (وَالطَّاهِرَ)؛ كالمني، والولد العاري عن الدم؛ لأن الاستنجاء إنما شُرِع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة فيها.
٣ - (وَغَيْرَ المُلَوِّثِ)؛ كالبعر الناشف؛ لما تقدم.
- مسألة: (وَسُنَّ عِنْدَ دُخُولِ خَلَاءٍ) آدابٌ منها:
أولاً: الآداب القولية:
١ - (قَوْلُ: بِسْمِ الله) عند إرادة الدخول، إجماعاً؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً: «سِتْرُ مَا بَيْنَ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله» [ابن ماجه: ٢٩٧].
٢ - ويسن أيضاً قول: (اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ)، بإسكان الباء وهو الشر، (وَالخَبَائِثِ) وهي الأنفس الشريرة، فكأنه استعاذ من الشر وأهله، وقيل: بضم الباء وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، فكأنه استعاذ من ذُكرانهم وإناثهم؛ لحديث أنس ﵁: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ» [البخاري: ١٤٢، ومسلم: ٣٧٥].
٣ - (وَ) يستحب أن يقول (بَعْدَ خُرُوجٍ مِنْهُ) أي: الخلاء ونحوه:
стр. 34
(غُفْرَانَكَ)، أي: أسألك غفرانك، من الغفر وهو الستر؛ لحديث عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الغَائِطِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» [أحمد: ٢٥٢٢٠، وأبو داود: ٣٠، والترمذي: ٧، وابن ماجه: ٣٠٠].
٤ - وسن له أيضاً أن يقول: (الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي)؛ لقول أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنْ الخَلَاءِ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» [ابن ماجه: ٣٠١، وفيه ضعف]، وصح عن أبي ذر ﵁ موقوفاً [ابن أبي شيبة ١٠].
ثانياً: الآداب الفعلية:
١ - (وَ) يستحب له (تَغْطِيَةُ رَأْسٍ) حال قضاء حاجته؛ لثبوته عن أبي بكر الصديق ﵁ [البيهقي في الكبرى: ٤٥٥].
٢ - (وَ) يستحب له حال قضاء الحاجة (انْتِعَالٌ)؛ لئلا تتنجس رجلاه.
٣ - (وَ) يستحب له (تَقْدِيمُ رِجْلِهِ اليُسْرَى دُخُولاً)، أي: عند دخول الخلاء ونحوه من مواضع الأذى؛ كالحمام والمغتسل.
وإذا أراد قضاء حاجته في غير البنيان قدَّم يسرى رجليه إلى موضع جلوسه، وقدم يمناه عند منصرفه منه؛ لأن موضع قضاء حاجته في الصحراء في معنى الموضع المعد لذلك في البنيان.
стр. 35
٤ - (وَ) يستحب له (اعْتِمَادُهُ عَلَيْهَا)، أي: على رجله اليسرى، بأن يضع أصابعها على الأرض ويرفع قدمها، (جَالِساً)، أي: حال جلوسه لقضاء الحاجة؛ لقول سراقة بن مالك ﵁: «عَلَّمَنَا رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى اليسْرَى، وَيَنْصِبَ اليُمْنَى» [البيهقي في الكبرى: ٤٥٧].
واختار جمع من أهل العلم: عدم مشروعية هذا الفعل؛ لضعف الحديث، ولأن العبادات توقيفية.
٥ - (وَ) يستحب له تقديم رجله (اليُمْنَى خُرُوجاً، عَكْسُ مَسْجِدٍ، وَنَعْلٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كدخول منزل، ولبس القميص؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» [البخاري: ١٦٨، ومسلم: ٢٦٨]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليُمْنَى، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ» [البخاري: ٥٨٥٥، ومسلم: ٢٠٩٧].
- فرع: تقديم اليمنى واليسرى لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أأن يكون من قبيل التكريم: فتُقدم اليمنى؛ كدخول المسجد، ولبس النعل والقميص.
ب- أن يكون من قبيل الأذى: فتُقدم اليسرى؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد.
стр. 36
جـ- ما تردد فيه, هل هو من قبيل التكريم أو من قبيل الأذى؟ كالسواك: فالأصل تقديم اليمنى؛ لحديث عائشة السابق: «وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ».
٦ - (وَ) يستحب (بُعْدٌ) إذا كان (فِي فَضَاءٍ) حتى لا يراه أحد؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَهَبَ المَذْهَبَ أَبْعَدَ» [أحمد: ١٨١٧١، وأبو داود: ١، والترمذي: ٢٠، والنسائي: ١٧، وابن ماجه: ٣٣١]، وعن جابر نحوه [أبو داود: ٢].
فإن كان في بنيان: استتر ببيت الخلاء.
٧ - (وَ) يستحب له (طَلَبُ مَكَانٍ رخْوٍ)، بتثليث الراء، أي: ليناً هشًّا، (لِبَوْلٍ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعاً» [أحمد: ١٩٥٣٧، وأبو داود: ٣]، ولسائر الأدلة الدالة على التنزه من النجاسة، لأنه إذا بال في مكان صلب كحجارة وغيرها فإن هذا يؤدي إلى أن يرتدَّ البولُ على بدنه أو على ثوبه.
٨ - (وَ) يستحب له (مَسْحُ الذَّكَرِ بِاليَدِ اليُسْرَى إِذَا انْقَطَعَ البَوْلُ مِنْ أَصْلِهِ)، أي: من حَلْقَةِ دبره، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذَّكر، والإبهام فوقه، ويمر بهما (إِلَى رَأْسِهِ)، أي: رأس الذكر، (ثَلَاثاً)؛ لئلا يبقى من البول فيه شيء، ويسمى: السَّلت.
٩ - (وَ) يستحب له (نَتْرُهُ)، أي: نتر الذَّكر، بأن يجتذب بوله بنَفَسه أو
стр. 37
بيده ويستخرج بقيته عند الاستنجاء (ثَلَاثاً)؛ لما فيه من التنزه من البول، ولحديث عيسى بن يزداد عن أبيه مرفوعاً: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثاً» [أحمد: ١٩٠٥٣، وابن ماجه: ٣٢٦، قال النووي: اتفقوا على ضعفه].
وقال شيخ الإسلام: (السلت والنتر بدعة، ولا يجب باتفاق الأئمة).
- مسألة: (وَكُرِهَ) عند قضاء الحاجة:
١ - (دُخُولُ خَلَاءٍ بِمَا فِيهِ ذِكْرُ الله تَعَالَى)؛ ولا يخلو ذلك من أمرين:
أ) المصحف: فيحرم؛ لعظم حرمته.
ب) غير المصحف، كنقود وأوراق ونحوها: فيكره؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» [أبو داود: ١٩، والترمذي: ١٧٤٦، والنسائي: ٥٢١٣، وابن ماجه: ٣٠٣].
وعنه: لا يكره؛ لعموم البلوى ومشقة التحرز، وأما حديث أنس ﵁ فقد أعلَّه ابن القيم.
٢ - (وَ) يكره (كَلَامٌ فِيهِ)، أي: في الخلاء ونحوه، ولو بردِّ سلام وتشميت عاطس؛ لما روى ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَجُلاً مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» [مسلم: ٣٧٠]، (بِلَا حَاجَةٍ)؛ كتحذير ضرير وغافل
стр. 38
عن هلكة، فلا يكره؛ للحاجة.
٣ - (وَ) يكره استكمال (رَفْعِ ثَوْبٍ قَبْلَ دُنُوٍّ مِنَ الأَرْضِ) بلا حاجة، فيرفع شيئاً فشيئاً؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ» [أبو داود: ١٤، الترمذي: ١٤].
ويحرم إن كان ثَمَّ من ينظره؛ للأمر بستر العورة.
٤ - (وَ) يكره (بَوْلٌ فِي شَقٍّ وَنَحْوِهِ) مما تتخذه الدواب بيتاً لها، إجماعاً؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الجُحْرِ»، قالوا لقتادة: ما يُكرهُ مِن البول في الجُحْرِ؟ قال: كان يُقال: إنَّها مساكن الجِنِّ. [أحمد: ٢٠٧٧٥، وأبو داود: ٢٩، والنسائي: ٣٤]، ولأنه يخاف أن يخرج ببوله دابة تؤذيه، أو ترده عليه فتنجسه.
٥ - (وِ) يكره (مَسُّ فَرْجٍ بِيَمِينٍ بِلَا حَاجَةٍ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁ مرفوعاً: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» [البخاري: ١٥٤، ومسلم: ٢٦٧]، وسواء كان في حال البول أم في غير حال البول؛ لأن وقت البول يحتاج فيه إلى مس الذكر، فإذا نهى عن إمساكه باليمين وقت الحاجة فغيره أوْلى.
وقيل: يكره حال البول فقط؛ عملاً بالقيد المذكور في الحديث، وهو قوله: «وَهُوَ يَبُولُ».
стр. 39
فإن احتاج إلى مسِّه بيمينه؛ كما لو كان به جرحٌ بيساره؛ فتزول الكراهة حينئذ.
٦ - (وَ) يكره (اسْتِقْبَالُ النَّيِّرَيْنِ)، وهما الشمس والقمر؛ لما فيهما من نور الله تعالى، وقد رُوي أن معهما ملائكة، وأن أسماء الله تعالى مكتوبة عليها.
واختار ابن القيم: الجواز؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ مرفوعاً: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» [البخاري: ٣٩٤، مسلم: ٢٦٤]، وليس للكراهة أصل في الشرع.
- مسألة: (وَحَرُمَ) عند دخول الخلاء:
١ - (اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَاسْتِدْبَارُهَا) حال قضاء حاجة (فِي غَيْرِ بُنْيَانٍ)؛ لخبر أبي أيوب السابق.
ولا يحرم استقبالها ولا استدبارها في بنيان؛ لقول عبد الله بن عمر ﵄: «لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْماً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ» [البخاري: ١٤٥، ومسلم: ٢٦٦]، وعن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر ﵄ أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: «بَلَى إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ القِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ»
стр. 40
[أبو داود: ١١] فهذا تفسير لنهيه ﷺ العام، فتحمل أحاديث النهي على الفضاء، وأحاديث الرخصة على البنيان.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: يحرم الاستقبال والاستدبار في البنيان والفضاء؛ لعموم حديث أبي أيوب ﵁ السابق.
وأما حديث ابن عمر ﵄: ففعلٌ، وحديث النهي عن الاستقبال والاستدبار في البنيان قولٌ, والقول مقدم على الفعل، لأن الفعل يحتمل عدة احتمالات.
٢ - (وَ) يحرم (لُبْثٌ فَوْقَ الحَاجَةِ) في الخلاء؛ لما فيه من كشف العورة بلا حاجة، ولأنه مضر عند الأطباء.
وعنه: يكره؛ لما فيه من كشف العورة من غير حاجة، ولا يحرم؛ لعدم الدليل على التحريم.
٣ - (وَ) يحرم (بَوْلٌ) وتغوطٌ (فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ وَنَحْوِهِ)؛ كظلٍّ نافع، ومُشمس بزمن الشتاء، ومتحدَّث الناس؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قالوا: وما اللَّعَّانَانِ يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [مسلم: ٢٦٩].
٤ - (وَ) يحرم بولٌ وتغوطٌ (تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ ثَمَراً مَقْصُوداً)، مأكولاً أو غير مأكول؛ لأنه يقذرها وتعافه الناس، ومثله: موارد الماء.