جـ- ما تردد فيه, هل هو من قبيل التكريم أو من قبيل الأذى؟ كالسواك: فالأصل تقديم اليمنى؛ لحديث عائشة السابق: «وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ».
٦ - (وَ) يستحب (بُعْدٌ) إذا كان (فِي فَضَاءٍ) حتى لا يراه أحد؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَهَبَ المَذْهَبَ أَبْعَدَ» [أحمد: ١٨١٧١، وأبو داود: ١، والترمذي: ٢٠، والنسائي: ١٧، وابن ماجه: ٣٣١]، وعن جابر نحوه [أبو داود: ٢].
فإن كان في بنيان: استتر ببيت الخلاء.
٧ - (وَ) يستحب له (طَلَبُ مَكَانٍ رخْوٍ)، بتثليث الراء، أي: ليناً هشًّا، (لِبَوْلٍ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعاً» [أحمد: ١٩٥٣٧، وأبو داود: ٣]، ولسائر الأدلة الدالة على التنزه من النجاسة، لأنه إذا بال في مكان صلب كحجارة وغيرها فإن هذا يؤدي إلى أن يرتدَّ البولُ على بدنه أو على ثوبه.
٨ - (وَ) يستحب له (مَسْحُ الذَّكَرِ بِاليَدِ اليُسْرَى إِذَا انْقَطَعَ البَوْلُ مِنْ أَصْلِهِ)، أي: من حَلْقَةِ دبره، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذَّكر، والإبهام فوقه، ويمر بهما (إِلَى رَأْسِهِ)، أي: رأس الذكر، (ثَلَاثاً)؛ لئلا يبقى من البول فيه شيء، ويسمى: السَّلت.
٩ - (وَ) يستحب له (نَتْرُهُ)، أي: نتر الذَّكر، بأن يجتذب بوله بنَفَسه أو
стр. 37
بيده ويستخرج بقيته عند الاستنجاء (ثَلَاثاً)؛ لما فيه من التنزه من البول، ولحديث عيسى بن يزداد عن أبيه مرفوعاً: «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثاً» [أحمد: ١٩٠٥٣، وابن ماجه: ٣٢٦، قال النووي: اتفقوا على ضعفه].
وقال شيخ الإسلام: (السلت والنتر بدعة، ولا يجب باتفاق الأئمة).
- مسألة: (وَكُرِهَ) عند قضاء الحاجة:
١ - (دُخُولُ خَلَاءٍ بِمَا فِيهِ ذِكْرُ الله تَعَالَى)؛ ولا يخلو ذلك من أمرين:
أ) المصحف: فيحرم؛ لعظم حرمته.
ب) غير المصحف، كنقود وأوراق ونحوها: فيكره؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» [أبو داود: ١٩، والترمذي: ١٧٤٦، والنسائي: ٥٢١٣، وابن ماجه: ٣٠٣].
وعنه: لا يكره؛ لعموم البلوى ومشقة التحرز، وأما حديث أنس ﵁ فقد أعلَّه ابن القيم.
٢ - (وَ) يكره (كَلَامٌ فِيهِ)، أي: في الخلاء ونحوه، ولو بردِّ سلام وتشميت عاطس؛ لما روى ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَجُلاً مَرَّ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» [مسلم: ٣٧٠]، (بِلَا حَاجَةٍ)؛ كتحذير ضرير وغافل
стр. 38
عن هلكة، فلا يكره؛ للحاجة.
٣ - (وَ) يكره استكمال (رَفْعِ ثَوْبٍ قَبْلَ دُنُوٍّ مِنَ الأَرْضِ) بلا حاجة، فيرفع شيئاً فشيئاً؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْضِ» [أبو داود: ١٤، الترمذي: ١٤].
ويحرم إن كان ثَمَّ من ينظره؛ للأمر بستر العورة.
٤ - (وَ) يكره (بَوْلٌ فِي شَقٍّ وَنَحْوِهِ) مما تتخذه الدواب بيتاً لها، إجماعاً؛ لما روى قتادة عن عبد الله بن سرجس ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الجُحْرِ»، قالوا لقتادة: ما يُكرهُ مِن البول في الجُحْرِ؟ قال: كان يُقال: إنَّها مساكن الجِنِّ. [أحمد: ٢٠٧٧٥، وأبو داود: ٢٩، والنسائي: ٣٤]، ولأنه يخاف أن يخرج ببوله دابة تؤذيه، أو ترده عليه فتنجسه.
٥ - (وِ) يكره (مَسُّ فَرْجٍ بِيَمِينٍ بِلَا حَاجَةٍ)؛ لحديث أبي قتادة ﵁ مرفوعاً: «لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» [البخاري: ١٥٤، ومسلم: ٢٦٧]، وسواء كان في حال البول أم في غير حال البول؛ لأن وقت البول يحتاج فيه إلى مس الذكر، فإذا نهى عن إمساكه باليمين وقت الحاجة فغيره أوْلى.
وقيل: يكره حال البول فقط؛ عملاً بالقيد المذكور في الحديث، وهو قوله: «وَهُوَ يَبُولُ».
стр. 39
فإن احتاج إلى مسِّه بيمينه؛ كما لو كان به جرحٌ بيساره؛ فتزول الكراهة حينئذ.
٦ - (وَ) يكره (اسْتِقْبَالُ النَّيِّرَيْنِ)، وهما الشمس والقمر؛ لما فيهما من نور الله تعالى، وقد رُوي أن معهما ملائكة، وأن أسماء الله تعالى مكتوبة عليها.
واختار ابن القيم: الجواز؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ مرفوعاً: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» [البخاري: ٣٩٤، مسلم: ٢٦٤]، وليس للكراهة أصل في الشرع.
- مسألة: (وَحَرُمَ) عند دخول الخلاء:
١ - (اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَاسْتِدْبَارُهَا) حال قضاء حاجة (فِي غَيْرِ بُنْيَانٍ)؛ لخبر أبي أيوب السابق.
ولا يحرم استقبالها ولا استدبارها في بنيان؛ لقول عبد الله بن عمر ﵄: «لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْماً عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ» [البخاري: ١٤٥، ومسلم: ٢٦٦]، وعن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر ﵄ أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: «بَلَى إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ القِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ»
стр. 40
[أبو داود: ١١] فهذا تفسير لنهيه ﷺ العام، فتحمل أحاديث النهي على الفضاء، وأحاديث الرخصة على البنيان.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: يحرم الاستقبال والاستدبار في البنيان والفضاء؛ لعموم حديث أبي أيوب ﵁ السابق.
وأما حديث ابن عمر ﵄: ففعلٌ، وحديث النهي عن الاستقبال والاستدبار في البنيان قولٌ, والقول مقدم على الفعل، لأن الفعل يحتمل عدة احتمالات.
٢ - (وَ) يحرم (لُبْثٌ فَوْقَ الحَاجَةِ) في الخلاء؛ لما فيه من كشف العورة بلا حاجة، ولأنه مضر عند الأطباء.
وعنه: يكره؛ لما فيه من كشف العورة من غير حاجة، ولا يحرم؛ لعدم الدليل على التحريم.
٣ - (وَ) يحرم (بَوْلٌ) وتغوطٌ (فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ وَنَحْوِهِ)؛ كظلٍّ نافع، ومُشمس بزمن الشتاء، ومتحدَّث الناس؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قالوا: وما اللَّعَّانَانِ يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [مسلم: ٢٦٩].
٤ - (وَ) يحرم بولٌ وتغوطٌ (تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ ثَمَراً مَقْصُوداً)، مأكولاً أو غير مأكول؛ لأنه يقذرها وتعافه الناس، ومثله: موارد الماء.
стр. 41
فصل في أحكام الاستنجاء
- مسألة: الاستنجاء والاستجمار على مرتبتين:
١ - أن يجمع بين الحجارة والماء، وهو الأفضل، وحكي الإجماع عليه، وأشار إليه بقوله: (وَسُنَّ اسْتِجْمَارٌ) بحجر أو خشب أو نحوه (ثُمَّ اسْتِنْجَاءٌ بِمَاءٍ)؛ لقول علي بن أبي طالب ﵁: «إِنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْراً، وَأَنْتُمْ تَثْلِطُونَ ثَلْطاً، فَأتْبِعُوا الحِجَارَةَ الماءَ» [ابن أبي شيبة: ١٦٣٤]، ولأنه أبلغ في الإنقاء.
٢ - الاقتصار على أحدهما، وأشار إليه بقوله: (وَيَجُوزُ الاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا) مع وجود الآخر؛ لحديث أنس ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالمَاءِ» [البخاري: ١٥٢، ومسلم: ٢٧١]، ولحديث عائشة ﵂ مرفوعاً: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ لِحَاجَتِهِ، فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ» [أحمد: ٢٤٧٧١، والنسائي: ٤٤].
(لَكِنِ المَاءُ أَفْضَلُ حِينَئِذٍ)؛ لأنه يزيل العين والأثر والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ... (٢٢٢)﴾ البقرة: ٢٢٢.
- مسألة: (وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ إِلَّا) بشروط عشرة:
стр. 42
الشرط الأول: أن يكون الاستجمار (بِطَاهِرٍ)، فلا يصح بنجس؛ لقول ابن مسعود ﵁: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» يعني: نجس. [البخاري: ١٥٦].
الشرط الثاني: أن يكون بشيء (مُبَاحٍ)، فلا يصح بمغصوب؛ لأن الاستجمار رخصة، والرخص لا تستباح على وجه محرم، وهذا من المفردات.
وعنه، وفاقاً للثلاثة: يصح؛ لأن النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص.
الشرط الثالث: أن يكون بشيء (يَابِسٍ)، فلا يصح بليِّنٍ لا يُنقِي.
الشرط الرابع: أن يكون بشيء (مُنْقٍ)، فلا يصح بأملسَ كزجاج؛ لأن المقصود من الاستجمار الإنقاء، وهذا لا يُنقي.
(وَ) الشرط الخامس: ألا يكون روثاً أو عظماً، ولو طاهرين، وإليه أشار بقوله: (حَرُمَ الاستجمار بِرَوْثٍ وَعَظْمٍ)؛ لحديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ» [الترمذي: ١٨].
- مسألة: إن استجمر بالروث أو العظم لم يجزئه؛ لأن النهي يقتضي الفساد.
стр. 43
واختار شيخ الإسلام: الإجزاء مع الإثم؛ لأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقي، بل لإفساده، ولأن العلة النجاسة وقد زالت، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
(وَ) الشرط السادس: ألا يكون بـ (طَعَامٍ) ولو لبهيمة؛ لأنه ﵇ علل المنع من الروث والعظم بأنه زاد الجن، فزادُنا وزاد بهائمنا أوْلى.
(وَ) الشرط السابع: ألا يكون بـ (ذِي حُرْمَةٍ)؛ ككتب علم؛ لما فيه من هتك الشريعة، والاستخفاف بحرمتها، والله تعالى يقول: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: ٣٢].
(وَ) الشرط الثامن: ألا يكون بـ (مُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ)؛ كذَنَب البهيمة وصوفها المتصل بها؛ لأن الحيوان له حرمة.
(وَشُرِطَ) شرط تاسع (لَهُ) أي: للاستجمار بحجر ونحوه: وهو (عَدَمُ تَعَدِّي خَارِجٍ مَوْضِعَ العَادَةِ)، فإن انتشر الخارج على شيء من الصفحة، أو امتد إلى الحشفة امتداداً غير معتاد؛ فلا يجزئ فيه إلا الماء؛ لأن الاستجمار رخصة، فتقدر بقدرها.
وحَدَّ شيخ الإسلام في شرح العمدة ما يتجاوز موضع العادة: بأن ينتشر الغائط إلى نصف باطن الألية فأكثر، والبول إلى نصف الحشفة فأكثر.
стр. 44
واختار شيخ الإسلام: أنه يجزئ الاستجمار ولو انتشر، وليس للانتشار حد؛ لعموم أدلة الاستجمار، ولأن الاستجمار مسحٌ، وقد خُفِّف في أصله، فلا يشدد فيه.
(وَ) الشرط العاشر: أن يكون بـ (ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ مُنْقِيَةٍ فَأَكْثَرَ)، فلا يجزئ أقل منها؛ لقول سلمان ﵁: «نَهَانَا - يعني النبي ﷺ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» [مسلم: ٢٦٢].
ويعتبر أن تعم كل مسحة المحل.
- ضابط: الاستجمار المجزئ: أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء.
- ضابط: الاستنجاء المجزئ: حصول الإنقاء ولو ظنًّا.
(فَصْلٌ) في السواك وما ألحق به من الادهان وسنن الفطرة
السواك والمسواك: اسم للعود الذي يستاك به.
ويطلق السواك على الفعل، أي: دَلْكِ الفم بالعود لتطهيره.
- مسألة: (يَسُنُّ السِّوَاكُ بِالعُودِ)، فلا يصيب السنة من استاك بإصبع
стр. 45
وخرقة ونحوهما؛ لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل به الإنقاء كالعود.
واختار ابن قدامة والنووي: أنه يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء؛ لعموم حديث عائشة ﵄ مرفوعاً: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» [أحمد: ٢٤٢٠٣، والنسائي: ٥، وابن ماجه: ٢٨٩، والبخاري معلقاً بصيغة الجزم: ٣/ ٣١].
- مسألة: السواك له وقتان:
الوقت الأول: وقت مطلق، فيسن السواك (كُلَّ وَقْتٍ) باتفاق الأئمة؛ لإطلاق حديث عائشة ﵂ السابق.
الوقت الثاني: وقت مقيد، ويأتي قريباً.
- مسألة: السواك مسنون كل وقت (إِلَّا لِصَائِمٍ)، فرضاً كان الصوم أو نفلاً، فللصائم مع السواك ثلاث حالات:
الأولى: وقت الكراهة: وذلك (بَعْدَ الزَّوَالِ؛ فَيُكْرَهُ)؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالغَدَاةِ، وَلَا تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ» [الدارقطني: ٢٣٧٢، والبيهقي: ٨٣٣٦]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ» [البخاري: ١٨٩٤، ومسلم: ١١٥١]، والخلوف أثر عبادة مستطاب، فلم تستحب إزالته كدم الشهداء، وهو إنما يظهر غالباً بعد الزوال، فوجب اختصاص الحكم به.
стр. 46
الثانية: وقت الاستحباب: وذلك قبل الزوال، فيستحب بعود يابس لا رطب؛ لقول عامر بن ربيعة ﵁: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» [أبو داود: ٢٣٦٤، والترمذي: ٧٢٥ وقال: حسن صحيح]، وحُمل على ما قبل الزوال؛ لما تقدم من الأدلة.
الثالثة: وقت الإباحة: وذلك قبل الزوال بعود رطب؛ لما يتحلل منه بخلاف اليابس.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يسن التسوك للصائم مطلقاً قبل الزوال وبعده، باليابس والرطب؛ لعموم الأدلة على استحباب السواك دون تفريق بين الصائم وغيره، وأما حديث علي ﵁ فلا يصح.
الوقت الثاني: وقت مقيد، وأشار إليه بقوله: (وَيَتَأَكَّدُ) السواك في سبعة مواطن:
١ - (عِنْدَ صَلَاةٍ)، فرضاً كانت أو نفلاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» [البخاري: ٨٨٧، ومسلم: ٢٥٢].
٢ - عند الوضوء، وأشار إليه بقوله: (وَنَحْوِهَا)، ومحله عند المضمضة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» [أحمد: ٩٩٢٨، والبخاري معلقاً: ٣/ ٣١].
٣ - عند قراءة قرآن؛ لحديث علي ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَسَوَّكَ، ثُمَّ
стр. 47
قَامَ يُصَلِّي؛ قَامَ المَلَكُ خَلْفَهُ، فَتَسَمَّعَ لِقِرَاءَتِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا صَارَ فِي جَوْفِ الْمَلَكِ، فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرْآنِ» [البزار: ٦٠٣، وجود إسناده المنذري والألباني].
٤ - (وَ) عند (تَغَيُّرِ) رائحة (فَمٍ)، إما بسبب إطالة السكوت، أو اصفرار الأسنان، أو غيره؛ لأن السواك مشروع لتطييب الفم وإزالة رائحته، فتأكد عند تغيره.
٥ - عند انتباه من نوم ليل أو نهار، وأشار إليه بقوله: (وَنَحْوِهِ)؛ لحديث حذيفة ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» [البخاري: ٢٤٥، ومسلم: ٢٥٥].
٦ - عند دخول المنزل؛ لقول عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» [مسلم: ٢٥٣].
٧ - عند الاحتضار؛ لحديث عائشة ﵂ في تسوِّك النبي ﷺ عند احتضاره [البخاري: ٤٤٣٨].
٨ - عند دخولِ مسجدٍ؛ لأنه كالمنزل أو أولى.
واختار ابن عثيمين: لا يشرع السواك عند دخول المسجد؛ لأن النبي ﷺ كان يدخل المسجد ولم يرو عنه أنه كان يستاك.
стр. 48
- مسألة: (وَسُنَّ بُدَاءَةٌ بِـ) الجانب (الأَيْمَنِ فِيهِ)، أي: في السواك، باتفاق الأئمة؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» [البخاري: ١٦٨، ومسلم: ٢٦٨]، وفي بعض ألفاظه: «وَسِوَاكِهِ» [أبو دواد: ٤١٤٠].
(وَ) سن أيضاً البداءة بالجانب الأيمن (فِي طُهْرٍ، وَ) في (شَأْنِهِ كُلِّهِ)، وتقدم في باب الاستنجاء.
- مسألة: (وَ) يسن (ادِّهَانٌ) في البدن وشعر الرأس واللحية، (غِبًّا) أي: يوماً يدهن ويوماً لا يدهن؛ لما روى عبد الله بن مغفَّل ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا» [أحمد: ١٦٧٩٣، وأبو داود: ٤١٥٩، والترمذي: ١٥٧٦، والنسائي: ٥٠٥٥]، والترجُّل: تسريح الشعر ودهنه، والمقصود من النهي: المبالغة في التنعم.
فإن احتاج المسلم إلى أن يدهن كل يوم فلا بأس؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» [أبو داود: ٤١٦٣].
وقال شيخ الإسلام: (يفعل ما هو الأصلح للبدن من الادهان أو غيره، كالغسل بماء حار ببلد رطب).
- مسألة: (وَ) يسن (اكْتِحَالٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثاً) بالإثمِدِ المطيَّب، كل ليلة قبل أن ينام؛ لما روى ابن عباس ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْتَحِلُ
стр. 49
بِالإِثْمِدِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَكَانَ يَكْتَحِلُ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» [أحمد: ٣٣٢٠، والترمذي: ٢٠٤٨، وابن ماجه: ٣٤٩٩].
ولكن حديث ابن عباس المذكور ضعيف، وعليه فيمكن أن يقال: إن الاكتحال ينقسم إلى قسمين:
١ - أن يكون المقصود صلاحَ العين وتقويةَ النظر: فيستحب؛ لأن المسلم مأمور بحفظ البدن.
٢ - أن يكون لمجرد التزيُّن والتجمل: فلا يخلو:
أأن تكون امرأةً متزوجة: فيستحب لها ذلك؛ لأن المرأة يطلب منها أن تتجمل لزوجها.
ب أن يكون رجلاً، أو امرأة غير متزوجة: فيباح؛ لأن الأصل الإباحة، إلا إذا كان سيترتب عليه فتنة فإنه يحرم.
- مسألة: (وَ) يسن (نَظَرٌ فِي مِرْآةٍ)؛ ليزيل ما عسى أن يكون بوجهه من أذىً؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَظَرَ فِي المِرْآةِ قَالَ: الحَمْدُ لِلهِ، اللهمَّ كَمَا أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي» [البيهقي في الدعوات: ٤٨٩]، وهو ضعيف.
- مسألة: (وَ) يسن (تَطَيُّبٌ)، وله أربعة أوقات:
الأول: وقت استحباب مطلق: وذلك في كل وقت إلا ما يستثنى؛
стр. 50
لحديث أنس ﵁ مرفوعاً: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» [أحمد: ١٢٢٩٤، والنسائي: ٣٩٣٩].
الثاني: وقت تأكد الاستحباب، وذلك في ستة مواطن:
١ - عند الإحرام.
٢ - قبل طواف الإفاضة للمُحِلِّ.
٣ - لصلاة الجمعة.
٤ - لصلاة العيد.
٥ - للحائض بعد الطهر.
٦ - للميت.
الثالث: وقت تحريم، وذلك في موطنين:
١ - المعتدة من وفاة.
٢ - المُحْرِم.
الرابع: وقت كراهة: وذلك للمعتكف.
وعنه: يتطيب المعتكف؛ لظاهر الأدلة، وقياساً على التنظف.
- مسألة: في ذكر سنن الفطرة: (وَ) يسن (اسْتِحْدَادٌ) وهو: حلق شعر العانة، وبأي شيء أزاله فلا بأس، والحلق أفضل، (وَ) يسن (حَفُّ شَارِبٍ)، والحف: المبالغة في قصه، (وَ) يسن (تَقْلِيمُ ظُفُرٍ، وَنَتْفُ إِبْطٍ)، وبأي شيء أزاله جاز، والنتف أفضل؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» [البخاري: ٥٨٨٩، ومسلم: ٢٥٧].
- مسألة: أوقات أخذ سنن الفطرة:
الأول: وقت استحباب: وذلك في كل جمعة قبل الذهاب إلى الصلاة؛
стр. 51
لما روى أبو هريرة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، ويَقُصُّ شَارِبَهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلَى الصَّلاةِ» [الطبراني في الأوسط: ٣٣٣، وفيه ضعف]، وصح ذلك من فعل ابن عمر ﵄ [البيهقي: ٥٩٦٤].
الثاني: وقت كراهة: وذلك أن يتركها حتى تتجاوز أربعين يوماً؛ لحديث أنس ﵁ قال: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، وَحَلْقِ العَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [مسلم: ٢٥٨].
فأما الشارب: ففي كل جمعة، لأنه يصير وحشاً.
ويمكن أن يزاد وقت ثالث: وقت تحريم: وذلك إذا طالت وتفاحشت، فيحرم أن يتركها؛ لما في ذلك من التشبه بالسباع، والبهائم، والكفار.
- مسألة: (وَكُرِهَ قَزَعٌ)، وهو حلق بعض الرأس وترك بعض، وحكى النووي الإجماع عليه؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ القَزَعِ» [البخاري: ٥٩٢١، ومسلم: ٢١٢٠].
قال ابن عثيمين: فإن ترتب على القزع تشبه بالكفار حرم؛ لحديث ابن عمر ﵁ مرفوعاً: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [أحمد: ٥١١٥، وأبو داود: ٤٠٣١].
- مسألة: (وَ) يكره (نَتْفُ شَيْبٍ)؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ»، وقال: «إِنَّهُ نُورُ المُسْلِمِ» [أحمد: ٦٩٢٤، والترمذي: ٢٨٢١، والنسائي: ٥٠٦٨، وابن ماجه: ٣٧٢١].
стр. 52
- مسألة: (وَ) يكره (ثَقْبُ أُذُنِ صَبِيٍّ) لا جارية؛ لحاجتها للتزين، بخلافه.
- مسألة: (وَيَجِبُ خِتَانُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وخنثى، فالذكر: بأخذ جلدة الحشفة، والأنثى: بأخذ جلدة فوق محل الإيلاج تُشبه عُرْفَ الديك، والخنثى بأخذهما.
ودليل الوجوب: حديث كليب الحضرمي ﵁: أن النبي ﷺ قال لرجل أسلم: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» [أحمد: ١٥٤٣٢، وأبو داود: ٣٥٦]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُّومِ» [البخاري ٣٣٥٦، ومسلم ٢٣٧٠]، وقال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) [النحل: ١٢٣]، وفي حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً: «إذا مَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ» [مسلم: ٣٤٩]، فدل الحديث أن النساء كُنَّ يختتِنَّ.
وعنه، واختاره ابن قدامة: أن الختان واجب على الذكور؛ لما تقدم، ومستحب للإناث؛ لأن الختان للذكر يتعلق بمصلحة تعود إلى شرط من شروط صحة الصلاة، وهو اجتناب النجاسة، وأما بالنسبة للمرأة فهو لتحصيل كمال، وهو التقليل من الشهوة.
- مسألة: وقت الختان ينقسم إلى أربعة أقسام:
стр. 53
الأول: وقت الوجوب: وذلك (بُعَيْدَ بُلُوغٍ مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ)؛ لقول ابن عباس ﵄: «وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ» [البخاري: ٦٢٩٩]، ولأنه قبل ذلك ليس بأهل للتكليف.
الثاني: وقت التحريم، وذلك في موطنين:
١ - إذا خيف الهلاك أو فساد العضو؛ لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم).
٢ - الميت، بالاتفاق؛ لعدم الفائدة منه.
(وَ) الثالث: وقت الاستحباب: فـ (يُسَنُّ قَبْلَهُ)، أي: قبل زمن البلوغ؛ لأنه أقرب إلى البرء، ولينشأ على أكمل الأحوال.
(وَ) الرابع: وقت الكراهة، فـ (يُكْرَهُ) في وقتين:
١ - (سَابِعِ) يوم من (وِلَادَتِهِ)؛ لما فيه من التشبه باليهود.
٢ - من الولادة إلى اليوم السابع، وأشار إليه بقوله: (وَمِنْهَا إِلَيْهِ)؛ لأنه يُخشى على الطفل، قال في الفروع: (ولم يَذكُر كراهَته الأكثرُ).
وقيل: لا يكره في الوقتين؛ لعدم الدليل، قال الشارح: (ولا يثبت في ذلك توقيت، فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيباً).
стр. 54
(فَصْلٌ) في فروض الوضوء
الفُرُوضُ: جمع فرض، وهو لغة: يقال لمعان أصلها: الحز والقطع.
وشرعاً: ما أثيب فاعله قصداً، واستحق تاركه العقاب.
والوُضُوءُ لغة: من الوضاءة وهي النظافة.
وشرعاً: التعبد لله باستعمال ماء طهور، في الأعضاء الأربعة، على صفة مخصوصة.
- مسألة: (فروض الوضوء سِتَّةٌ):
أحدها: (غَسْلُ الوَجْهِ) إجماعاً؛ لقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦].
وحد الوجه: من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللَّحْيَين والذَّقَنِ طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
- فرع: يجب غسل الوجه (مَعَ مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ)، وهو من المفردات؛ لحديث لَقِيطِ بن صَبِرَةَ ﵁ مرفوعاً: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ» [أبو داود: ١٤٤]، ولحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي
стр. 55
أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لْيَنْتَثِرْ» [البخاري: ١٦٢، ومسلم: ٢٣٧]، ولدخولهما في حد الوجه، بدليل أن الصائم يدخل الماء إلى فمه ولا يفطر.
(وَ) الثاني: (غَسْلُ اليَدَيْنِ) إجماعاً، مع المرفقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، و (إلى) بمعنى (مع)، لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، وفيه: «ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي العَضُدِ» [مسلم: ٢٤٦]، وفعله ﷺ بيان لمجمل الآية.
(وَ) الثالث: غسل (الرِّجْلَيْنِ) بالإجماع، مع الكعبين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، و (إلى) بمعنى (مع)؛ لحديث أبي هريرة السابق، وفيه: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ» [مسلم: ٢٤٦]، وفعله ﷺ بيان لمجمل الآية.
(وَ) الرابع: (مَسْحُ) الرأس، إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
والواجب مسح (جَمِيعِ الرَّأْسِ)؛ لأن الباء في الآية للإلصاق، والمعنى: امسحوا مُلْصِقِينَ أيديَكم برؤوسكم، وأما دعوى أنها للتبعيض فضعيف، إذ لا يعرفه حذاق العربية.
- فرع: يجب مسح جميع الرأس (مَعَ الأُذُنَيْنِ)، ظاهرِهما وباطِنهما؛ لحديث أبي أُمامة ﵁ مرفوعاً: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» [أحمد: ٢٢٢٨٢، والترمذي: ٣٧، وابن ماجه: ٤٤٤].
стр. 56
- مسألة: مسح الرأس والأذنين مرةً واحدة فقط؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁ مرفوعاً، وفيه: «فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً» [مسلم: ٢٣٥].
(وَ) الخامس: الـ (تَرْتِيبُ) على ما ذكر الله تعالى؛ لأن الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب، وللقاعدة: (كل عبادة مركبة من أجزاء يشترط فيها الترتيب والموالاة إلا لدليل).
(وَ) السادس: الـ (مُوَالَاةُ)؛ لما روى خالد بن مَعْدانَ، عن بعض أصحاب النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الماءُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» [أحمد: ١٥٤٩٥، وأبو داود: ١٧٥].
واختار شيخ الإسلام: أن الموالاة فرض وتسقط مع العذر؛ كسقوط تتابع الصيام في كفارة الظهار للعذر، وكسقوط الموالاة في قراءة الفاتحة للعذر.
- مسألة: ضابط الموالاة: ألَّا يؤخر غسل عضو حتى ينشَفَ الذي قبله بزمن معتدل.
وعنه: التفريق المبطل هو ما يفحش في العادة؛ لأنه لم يحد في الشرع، فرُجع فيه إلى العادة.
стр. 57
- مسألة: (وَالنِّيَّةُ) لغة: القصد، ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وهي (شَرْطٌ لِكُلِّ طَهَارَة شَرْعِيَّةٍ)؛ كالوضوء، والغسل، والتيمم، ولو مستحباتٍ؛ لحديث عمر ﵁ مرفوعاً: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
- مسألة: النية شرط لكل طهارة شرعية (غَيْرَ) أربعة مواطن:
الأول: في (إِزَالَةِ خَبَثٍ)، فلا تشترط له النية؛ لأنه من قبيل التروك.
(وَ) الثاني: (غُسْلُ كِتَابِيَّةٍ) لحيض أو نفاس أو جنابة (لِحِلِّ وَطْءٍ) لزوج أو سيد، فلا تعتبر فيه النية؛ للعذر.
(وَ) الثالث: غُسل (مُسْلِمَةٍ) انقطع حيضها أو نفاسها (مُمْتَنِعَةٍ) من الغسل، فتُغَسَّل قهراً (لِذلِكَ)، أي: لحِلِّ وطءٍ لزوج أو سيد، فلا تعتبر النية هنا للعذر، كالممتنع من الزكاة، ولا تصلِّي به.
والرابع: غسل مجنونة من حيض أو نفاس، مسلمةً كانت أو كتابية، حرةً أو أَمَة، فلا تعتبر النية منها؛ لتعذرها، وينويه عنها من يغسلها.
- مسألة: (وَالتَّسْمِيَةُ)، أي: قول: باسم الله، (وَاجِبَةٌ فِي وُضُوءٍ)، وهو من المفردات؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ
стр. 58
اسْمَ الله عَلَيْهِ» [أحمد: ٩٤١٨، وأبو داود: ١٠١، وابن ماجه: ٣٩٩].
(وَ) تجب التسمية في (غُسْلٍ، وَتَيَمُّمٍ، وَغَسْلِ يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ)؛ قياساً على الوضوء في الكل.
(وَتَسْقُطُ) التسمية (سَهْواً وَجَهْلاً)؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [ابن ماجه: ٢٠٤٥].
وعنه: التسمية في الوضوء مستحبة، وفاقاً للثلاثة، قال الخلال: (الذي استقرت عليه الروايات عنه: أنه لا بأس إذا ترك التسمية)؛ لأن الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا التسمية، ولو كان واجباً لنُقل إلينا، وأما الحديث فضعيف، قال أحمد: (ليس في هذا حديث يثبت)، ودل على الاستحباب: حديث أنس ﵁ قال: طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءاً، فقال رسول الله ﷺ : «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ؟ » فوضع يده في الماء ويقول: «تَوَضَّؤُوا بِاسْمِ الله» [النسائي: ٧٨].
- مسألة: (وَمِنْ سُنَنِهِ)، أي: من سنن الوضوء:
الأول: (اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ) عند الوضوء؛ قال في الفروع: (وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل).
стр. 59
قال ابن عثيمين: (وهذه القاعدة فيها نظر، إذ الأصل في العبادات الحظر)، وعلى هذا فلا يسن استقبال القبلة عند الوضوء؛ لعدم الدليل.
(وَ) الثاني: (سِوَاكٌ)، ومحله عند المضمضة، وتقدم في فصل السواك.
(وَ) الثالث: (بُدَاءَةٌ بِغَسْلِ يَدَيْ) المتوضئِ، أي: الكفين، ولا يخلو المتوضئُ من حالين:
الأولى: أن يكون (غَيْرَ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) ناقض لوضوء: فيسن للمتوضئ غسل الكفين ثلاثاً؛ لفعل النبي ﷺ كما في حديث عثمان ﵁ [البخاري: ١٥٩، ومسلم: ٥٣٧]، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ [البخاري: ١٨٦، ومسلم: ٥٥٤]، (ولا يجب غسلهما بغير خلاف) قاله في الشرح.
(وَ) الثانية: أن يكون قائماً من نوم ليل ناقض لوضوء: فـ (يَجِبُ) غسلهما (لَهُ) أي: للوضوء (ثَلَاثاً)، وهو من المفردات؛ لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» [البخاري: ١٦٢، ومسلم: ٢٧٨].
- مسألة: يجب غسل الكفين ثلاثاً (تَعَبُّداً) أي: أنه لا يعقل معناه، وعلى هذا فمن أدخل يده في جراب ونام، وجب عليه أن يغسلهما ثلاثاً.
(وَ) الرابع: بداءة قبل غسل وجه (بِمَضْمَضَةٍ فَاسْتِنْشَاقٍ)؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ اسْتَنْثَرَ،
стр. 60
ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً» [مسلم: ٢٣٦].
(وَ) الخامس: (مُبَالَغَةٌ فِيهِمَا)، أي: في المضمضة والاستنشاق؛ لحديث لَقيط بن صَبِرَةَ ﵁ مرفوعاً: «وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً» [أحمد: ١٧٨٤٦، وأبو داود: ١٤٢، والترمذي: ٧٨٨، والنسائي: ١١٤، وابن ماجه: ٤٤٨]، وتقاس المضمضة على الاستنشاق.
(لِغَيْرِ صَائِمٍ)، فلا تستحب له المبالغة فيهما، (بغير خلاف) قاله في الشرح، وتكره له؛ لأنها مَظِنَّةُ إيصال الماء إلى جوفه.
- فرع: المضمضة لها صفتان:
١ - صفة مجزئة: وهي أن يدير الماء في فمه أدنى إدارة، فلا يكفي وضع الماء في فيه بدون إدارة؛ لأنه لا يسمى مضمضة.
٢ - صفة كاملة: وهي أن يدير الماء في جميع فمه.
- فرع: الاستنشاق له صفتان:
١ - صفة مجزئة: وهي أن يجذب الماء إلى باطن الأنف وإن لم يبلغ أقصاه، ولا يكفي وضعه في أنفه بدون جذب إلى باطن الأنف؛ لأنه لا يسمى استنشاقاً.
٢ - صفة كاملة: وهي أن يجذبه بنفَس إلى أقصى الأنف.
(وَ) السادس: (تَخْلِيلُ شَعْرٍ كَثِيفٍ)؛ لما روى أنس ﵁: «أَنَّ
стр. 61
رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي » [أبو داود: ١٤٥]، وصح التخليل من فعل ابن عمر ﵄ [ابن أبي شيبة: ١٠٠]، ولا يجب؛ لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله ﷺ لم يَحْكِهِ، ولو كان واجباً لما أخل به.
واختار ابن القيم: أن التخليل يسن أحياناً؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يواظب عليه.
- مسألة: شعر الوجه -كاللحية والشارب والعنفقة ونحوها- على قسمين:
١ - أن يكون كثيفاً: وهو الذي يستر البشرة، فيجب غسل ظاهره؛ لحصول المواجهة به، ويستحب تخليل باطنه، ولا يجب؛ لأنه مستور أشبه باطن الأنف.
٢ - أن يكون خفيفاً: وهو الذي لا يستر البشرة، فيجب أن يُوصل الماء إلى ما تحته من البشرة؛ لأن البشرة ظاهرة تحصل بها المواجهة.
- مسألة: صفة تخليل اللحية: أن يأخذ كفًّا من ماء يضعه من تحتها ومن جانبيها فيعركها؛ لما صح عن ابن عمر ﵄: «أنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يَعْرُكُ عَارِضَيْهِ، وَيُشَبِّكُ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ أَحْيَاناً، وَيَتْرُكُ أَحْيَاناً» [الدارقطني: ٥٥٦].
(وَ) السابع: تخليل (الأَصَابِعِ)، أي: أصابع اليدين والرجلين؛ لحديث
стр. 62
لَقيط بن صَبِرَةَ السابق، وفيه: «وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ».
وأصابع الرجلين آكد؛ لحديث المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ ﵁ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ» [أحمد: ١٨٠١٦، وأبو داود: ١٤٨، والترمذي: ٤٠، وابن ماجه: ٤٤٦].
واختار ابن القيم: أنه لا يواظب على تخليل أصابعه؛ لأن أكثر الذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا تخليل الأصابع.
(وَ) الثامن: غَسْلةٌ (ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ)، فتستحب فيما عدا مَسْحَ الرأس والأذنين، والواجب هي الغسلة الأولى فقط؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً» [البخاري: ١٥٧]، فدل على أن ما زاد مستحب.
- مسألة: عدد الغَسَلاتِ الواردة في وضوء النبي ﷺ أربع:
١ - أن يتوضأ مرة مرة؛ لحديث ابن عباس ﵄ السابق.
٢ - أن يتوضأ مرتين مرتين؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» [البخاري: ١٥٨].
٣ - أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً؛ لحديث عثمان ﵁ السابق في صفة وضوء النبي ﷺ .
٤ - أن يخالف في عدد الغسل، فيغسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين مرتين، ويمسح رأسه ويغسل رجليه مرة؛ لحديث عبد الله بن زيد ﵁ لما
стр. 63
توضأ لهم وضوء رسول الله ﷺ ، وفيه: «أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ» [مسلم: ٢٣٥].
- فرع: (وَكُرِهَ أَكْثَرُ) من ثلاث مرات إنْ عَمَّتْ كلُّ مرةٍ محلَّ الفرض؛ لحديث عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: «هَكَذَا الوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» [أحمد: ٦٦٨٤، وأبو داود: ١٣٥، والنسائي: ١٤٠، وابن ماجه: ٤٢٢].
(وَ) التاسع: الذكر عند الوضوء، وهو على ثلاثة أقسام:
١ - الذكر قبل الوضوء: وهو التسمية فقط، وهي واجبة، وتقدمت.
٢ - الذكر في أثناء الوضوء: قال ابن القيم: (والأذكار التي تقولها العامة على الوضوء عند كل عضو لا أصل لها).
٣ - الذكر بعد الوضوء: وهو ما أشار إليه بقوله (سُنَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ)، أي: المتوضئ (رَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ)؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ في فضل الذكر بعد الوضوء، وفيه: «ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ» [أبو داود: ١٧٠]، (وَ) سن (قَوْلُ مَا وَرَدَ)، كما في حديث عمر ﵁ مرفوعاً: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
стр. 64
يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوَضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» [مسلم: ٢٣٤]، وفي سنن الترمذي زيادة: «اللهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» [الترمذي: ٥٥]، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، كُتِبَ فِي رَقٍّ، ثُمَّ طُبِعَ بِطَابَعٍ، فَلَمْ يُكْسَرْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [الحاكم: ٢٠٧٢، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم: ٢٣٣٣].
والظاهر: أن رفع البصر إلى السماء لا يسن؛ لأن الزيادة المذكورة ضعيفة، قال الألباني: (وهذه الزيادة منكرة)، (وَالله) تعالى (أَعْلَمُ).
(فَصْلٌ) في المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل
مناسبة هذا الباب لما قبله: أن أحكام المسح على الخفين تتعلق بأحد أعضاء الوضوء، وهما الرِّجْلان.
- مسألة: (يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى خُفٍّ)، وهو ما يلبس في الرجل من جلد، قال ابن المبارك: (ليس فيه خلاف)، وقال الإمام أحمد: (ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ .
стр. 65
- مسألة: يجوز المسح على الجورب (وَنَحْوِهِ) مما كان من غير الجلد؛ كقطن أو صوف؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» [أحمد ١٨٢٠٦، وأبو داود ١٥٩، والترمذي ٩٩ وقال: حسن صحيح، وابن ماجه ٥٥٩]، قال ابن المنذر: (رُوي إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله ﷺ .
- مسألة: (وَ) يجوز المسح على الـ (عِمَامَةِ)، وهو من المفردات؛ لحديث المغيرة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى العِمَامَةِ وَعَلَى الخُفَّيْنِ» [مسلم ٢٤٧]، وثبت ذلك: عن أبي بكر، وعمر، وأنس، وأبي أمامة ﵃ [ابن أبي شيبة ١/ ٢٨].
- فرع: يشترط للمسح على العِمامة شروط، منها:
١ - أن تكون العمامة لـ (ذَكَرٍ) لا امرأة؛ لأن المرأة منهية عن التشبه بالرجال، والرخصة لا تُستباح بالمعصية.
٢ - أن تكون (مُحَنَّكَةً)، وهي التي يُدار منها تحت الحنك كَور فأكثر، (أَوْ) تكون (ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) وهي طرف العمامة المرخى؛ لأن عمائم العرب بهذه الصفة، ولأنه يشق نزعها.
فعُلم من ذلك: أنه لا يصح المسح على العمامة الصماء؛ لأنها تشبه عمائم أهل الذمة، وقد نُهي عن التشبه بهم.
стр. 66
واختار شيخ الإسلام: جواز المسح على العمامة الصماء؛ لإطلاق الأدلة.
٣ - أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه؛ كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس، فيعفى عنه لمشقة التحرز منه.
٤ - تقدُّمُ كمال الطهارة، ويأتي.
- مسألة: (وَ) يجوز المسح على (خُمُرِ نِسَاءٍ مُدَارَةٍ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ)، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لما ثبت عن أم سلمة ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى الخِمَارِ» [ابن أبي شيبة ٢٢٣]، ولأنه يشق نزعه كالعمامة.
- مسألة: (وَ) يجوز المسح (عَلَى جَبِيرَةٍ) مشدودة على كسرٍ أو جرحٍ ونحوهما؛ لحديث جابر ﵁ في صاحب الشجة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، ويَعْصِبَ علَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» [أبو داود ٣٣٦]، وصح عن ابن عمر وابن عباس ﵃ [الأوسط لابن المنذر ٥٢٦ - ٥٢٧].
- فرع: يشترط للمسح على الجبيرة شروط، منها:
١ - أن تكون الجبيرة (لَمْ تُجَاوِزْ قَدْرَ الحَاجَةِ)، وهو موضع الجرح
стр. 67
والكسر وما قرب منه بحيث يحتاج إليه في شدها؛ لأنه موضع الحاجة فتقيّد بقدرها.
٢ - تقدُّمُ كمال الطهارة؛ قياساً على المسح على الخفين.
وعنه، واختاره ابن قدامة: لا يشترط تقدم الطهارة؛ لما تقدم من حديث صاحب الشجة، فلم يذكر الطهارة، ولأن اشتراط الطهارة يشق؛ لأنه يقع فجأة.
- فرع: المسح على الجبيرة عزيمة، فيمسح عليها (إِلَى حَلِّهَا) أو برء ما تحتها، وليس موقتاً كالمسح على الخفين ونحوهما؛ لأن مسحها للضرورة، فيتقدر بقدرها.
(وَ) على ما سبق: فـ (إِنْ جَاوَزَتْهُ)، أي: جاوزت الجبيرة موضع الحاجة، (أَوْ وَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ؛ لَزِمَ نَزْعُهَا)؛ ليغسل ما يمكنه غسله، (فَإِنْ خَافَ الضَّرَرَ) أو التلف بنزع الجبيرة (تَيَمَّمَ) لما زاد عن قدر الحاجة أو وُضِع على غير طهارة، وغسل ما سوى ذلك، (مَعَ مَسْحِ مَوْضُوعَةٍ عَلَى طَهَارَةٍ)، فيجمع بين غسل الصحيح ومسح قدر الحاجة والتيمم لما زاد عنه.
واختار ابن عثيمين: أنه إذا خاف الضرر بنزع زائدٍ مسح على الجميع بلا تيمم؛ لأنه لما كان يتضرر بنزع الزائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة.
стр. 68
- مسألة: (وَيَمْسَحُ مُقِيمٌ) يَوْماً وَلَيْلَة، (وَ) يمسح (عَاصٍ بِسَفَرِهِ: مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ)، ويأتي الكلام عن ابتداء المسح، (يَوْماً وَلَيْلَةً) كمقيم، فلا يستبيح الرخصة بمعصيته.
واختار شيخ الإسلام: أن العاصيَ بسفره يمسح ثلاثةَ أيام بليالِيهِنَّ؛ لإطلاق الأدلة.
- مسألة: (وَ) يمسح (مُسَافِرٌ سَفَرَ قَصْرٍ: ثَلَاثَةَ) أيام (بِلَيَالِيهَا)؛ لحديث علي ﵁: «جَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» [مسلم ٢٧٦].
واختار شيخ الإسلام: أن المسح على الخفين محدَّد إلا في حال الضرورة والمشقة؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁: أنه قَدِم على عمر ﵁ بفتح دمشق, فقال له عمر: «كَمْ لَكَ يَا عُقْبَةُ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ؟ » , فقال: منذ ثمانية أيام، من الجمعة إلى الجمعة, قال: «أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ» [الدارقطني ٧٦٦].
- فرع: تشترط المدة في المسح على الخفين ونحوهما، وفي المسح على العمامة، وعلى خمر النساء؛ لما روى الخلال بإسناده عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن أبي أُمامة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يُمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ وَالعِمَامَةِ ثَلَاثاً فِي السَّفَرِ، وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» [المغني ١/ ٢٢١]، قال شيخ
стр. 69
الإسلام: (وأحاديث شهر حسان)، وقال ابن حزم: (ثبت التوقيت عن عمر ﵁، ولأنه ممسوح على وجه الرخصة، فيوقت بذلك كالخف.
- مسألة: تبتدأ مدة المسح (مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ)؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَراً أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» [أحمد ١٨٠٩١، والترمذي ٩٦]، فدل بمفهومه: أنها تنزع لثلاث مضَيْنَ من الغائط، ولأنها عبادة مؤقتة فاعتبر لها أول وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة.
وعنه، واختاره السعدي: تبدأ من المسح بعد الحدث؛ لأن الشرع جاء بلفظ المسح، ولا يتحقق المسح إلا بوجوده فعلاً.
- مسألة: (فَإِنْ مَسَحَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أَقَامَ)؛ أتم مسح مقيم إن بقي منه شيء، وإلا خلع؛ لأنه صار مقيماً، قال الشارح: (بغير خلاف نعلمه).
(أَوْ عَكَسَ) أي: مسح مقيماً ثم سافر؛ (فَكَمُقِيمٍ)، تغليباً لجانب الحضر.
وعنه: يتم مسح مسافر؛ لأنه مسافر، قال الخلال: (رجع أحمد عن قوله الأول إلى هذا).
- مسألة: (وَشُرِطَ) لمسح خف ونحوه سبعة شروط:
الشرط الأول: (تَقَدُّمُ كَمَالِ طَهَارَةٍ) بالماء، للخفين ونحوهما، وللعمامة
стр. 70
والخمار والجبيرة؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأَنْزِعَ خُفيه، فقال: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فمسَحَ عليهما. [البخاري ٢٠٦، ومسلم ٢٧٤]، وقيس الباقي على الخفين، فلو غسل رِجْلاً ثم أدخلها الخف قبل غسل الأخرى؛ خلع الخف ثم لبس بعد غسل الأخرى؛ ليكون لُبْسُهما بعد كمال الطهارة.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يشترط تقدم كمال الطهارة في الخف ولا في العمامة؛ لأنه يصدق عليه أنه لبس الخفين على طهارة، فلا يلزمه خلع الخف في الصورة السابقة.
- تنبيه: تقدم اختيار ابن قدامة: أنه لا يشترط تقدم الطهارة في المسح على الجبيرة خاصة.
(وَ) الشرط الثاني: (سَتْرُ مَمْسُوحٍ) من خف ونحوه (مَحَلَّ فَرْضٍ)، وهو في الحق مثلاً جميع القدم، فخرج بذلك:
١ - ما لا يستر محل الفرض لقصره؛ كالخف المقطوع أسفل الكعبين، فلا يمسح عليه باتفاق الأئمة، واختاره شيخ الإسلام (١).
стр. 71
٢ - الخف المخرَّق وإن صَغُر الخَرْق؛ لأن حكم ما استُتر المسح، وما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، فوجب الغسل؛ لأنه الأصل.
واختار شيخ الإسلام: جواز المسح على الخف المخرَّق ما دام اسم الخف باقياً والمشي فيه ممكنًا.
(وَ) الشرط الثالث: (ثُبُوتُهُ) أي: الخف ونحوه (بِنفْسِهِ)، فإن لم يثبت إلا بشدِّه لم يجز المسح عليه؛ إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه، فلا يصح المسح عليه.
واختار شيخ الإسلام: جواز المسح عليه وإن لم يثبت بنفسه بل بخيوط ونحوها، ما دام اسم الخف باقياً عليه.
(وَ) الشرط الرابع: (إِمْكَانُ مَشْيٍ بِهِ) أي: الممسوح من خف ونحوه (عُرْفاً) ولو لم يكن معتاداً، فدخل في ذلك الجلود والخشب والحديد ونحوها؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه أشبه الجلود.
(وَ) الشرط الخامس: (طَهَارَتُهُ)، أي: طهارة عينه، فلا يمسح على نجسٍ؛ وحكاه النووي إجماعاً.
وأما إن كان طاهر العين لكن عليه نجاسة: فيجوز المسح عليه لوجود
стр. 72
شرطه، ولا يصلي فيه، بل يستبيح به نحو مس المصحف.
(وَ) الشرط السادس: (إِبَاحَتُهُ)، فلا يصح المسح على مغصوب، ولا على حريرٍ لرَجُلٍ؛ لأن لُبْسَه معصية، فلا تستباح به الرخصة.
وعنه: يصح المسح عليه؛ لعموم أدلة المسح، ولأن النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه لا يختص.
والشرط السابع: عدمُ وصف الخفين ونحوهما البشرة لصفائه أو خفته، فإن وصف القدم لصفائه؛ كزجاج رقيق، أو خفته؛ كجورب خفيف؛ لم يصح المسح عليه؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض أشبه النعل.
واختار ابن عثيمين: جواز المسح عليهما مادام الاسم باقياً عليهما.
والشرط الثامن: ألا يكون الخف واسعًا بحيث يُرى منه بعض محل فرض؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، أشبه المخرق الذي لا تنضم بلبسه.
- مسألة: (وَيَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ دَوَائِرِ عِمَامَةٍ)؛ لأنها ممسوحة على وجه البدل، فأجزأ فيها ذلك كالخف، واختص ذلك بدوائرها دون وسطها؛ لأنه يشبه أسفل الخف.
- مسألة: (وَ) يجب مسح (أَكْثَرِ ظَاهِرِ قَدَمِ خُفٍّ) ونحوه كجورب، دون أسفله وعقبه فلا يشرع مسحهما؛ لقول علي ﵁: «لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ
стр. 73
لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» [أحمد ٧٣٧، وأبو داود ١٦٢]، قال ابن القيم: (ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع، والأحاديث الصحيحة على خلافه).
- مسألة: (وَ) يجب مسح (جَمِيعِ جَبِيرَةٍ)؛ لما تقدم من حديث صاحب الشجة، ولأنه لا ضرر في تعميمها به، بخلاف الخف، فإنه يشق تعميم جميعه ويُتلِفُه المسح.
- مسألة: (وَ) يبطل المسح على الخف ونحوه بأمور، منها:
١ - (إِنْ ظَهَرَ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ممن مسح بعد الحدث، بخرق الخف، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخف، أو ظهر بعض رأس وفحش، أو زالت جبيرة؛ استأنف الطهارة؛ لأن المسح أقيم مقام الغسل، فإذا ظهر بعض محل الفرض؛ بطلت الطهارة في الممسوح، فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعض.
٢ - (أَوْ تَمَّتِ المُدَّةُ) أي: مدة المسح (اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ)؛ لأن المسح أُقيم مُقامَ الغسل، فإذا انقضت مدته بطلت الطهارة في الممسوح، فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعض.
واختار شيخ الإسلام: أن الطهارة لا تبطل في الصورتين؛ لأن طهارته حصلت بمقتضى دليل شرعي، ولا دليل على بطلانها.
стр. 74
٣ - بما يوجب الغسل كالجنابة، فيبطل المسح على الخف ونحوه؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ السابق، إلا في المسح على الجبيرة؛ لحديث صاحب الشجة، ولأن المسح عليها عزيمة.
(فَصْلٌ) في نواقض الوضوء
أي: مفسداته، وهي (ثَمَانِيَةٌ) بالاستقراء:
الناقض الأول: (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ) أي: مخرج بول أو غائط، ولا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون الخارج معتاداً؛ كالبول والغائط والمَذْيِ والريح؛ فينقض إجماعاً، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً كان أو نجساً؛ لحديث صفوانَ بن عَسَّالٍ ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» الحديث [أحمد ١٨٠٩١، والترمذي ٩٦، والنسائي ١٢٧، وابن ماجه ٤٧٨]، ولحديث علي ﵁: قال رسول ﷺ في المذي: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» [البخاري ٢٦٩، ومسلم ٣٠٣]، ولحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً» [البخاري ١٣٧، ومسلم ٣٦١].
الثاني: أن يكون غير معتاد؛ كالدم والدود والحصى، وأشار إليه بقوله:
стр. 75
(مُطْلَقاً)، أي: نادراً كان أو معتاداً، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً كان أو نجساً؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ أَنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاضُ فلا أطهُرُ أفأَدَعُ الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكِ الوَقْتُ» [البخاري ٢٢٨]، فأمرها بالوضوء لكل صلاة، ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه، وللإجماع على النقض بالوَدْيِ، وهو غير معتاد.
وعند الإمام مالك: أنه لا ينقض؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر المستحاضة بالوضوء، وأما الأمر بالوضوء في حديث فاطمة بنت أبي حُبيش ﵂ فقال ابن رجب: (الصواب: أن هذا من قول عروة).
(وَ) الناقض الثاني: (خَارِجٌ مِنْ بَقِيَّةِ البَدَنِ مِنْ) غير السبيلين، ولا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون (بَوْلـ) ـاً (وَغَائِطـ) ـاً، فينقض قليلاً كان أو كثيراً، من تحت المعدة أو فوقها؛ لعموم قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) [النساء: ٤٣]، وقوله ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ»، فجعل الاعتبار بالغائط، أي: بالخارج، لا بالمَخْرَج.
(وَ) الأمر الثاني: أن يكون (كَثِير) اً (نَجِسـ) ـاً (غَيْرَهُمَا) أي: غير البول