← Фараид

Фараид · id 147659

الفتوحات الربانية بشرح الدرة المضية في علم القواعد الفرضية

عبد العزيز العيدان

Полный текст (327 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الفتوحات الربانية بشرح الدرة المضية في علم القواعد الفرضية للعلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي (ت: ١١٩٢ هـ) شرح د. عبد العزيز بن عدنان العيدان د. أنس بن عادل اليتامى

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن علم الفرائض من العلوم الشرعية التي اعتنى بها الأولون والآخرون من فقهاء هذه الأمة، فصنفوا فيه المصنفات، ونظموا فيه المنظومات، ودرسوه في المدارس والكتاتيب، وتلوا آياته في المساجد والمحاريب، وما ذاك إلا لشرف هذا العلم في الشريعة، ومكانته العالية الرفيعة. وإن من تلكم المصنفات النافعة، والمنظومات السهلة الماتعة، ما نظمه العلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي ﵀، والتي سماها: (الدُّرَّةَ المُضِيَّةَ فِي عِلْمِ القَوَاعِدِ الفَرَضِيَّةِ)، اختصر فيه المنظومة الرَّحَبِيَّة

стр. 3

بإعادة صياغتها، وحذف حشوها، وتقصير ما تطاول منها، فجاءت في (١١٩) بيتًا، وقام بحنبلة المواطن التي ما خالف المذهب عندنا مذهب الشافعية خلا بابي الغرقى والخنثى، فكانت منظومة جديرة بالعناية، وكفيلة بالاستغناء والكفاية (١). ولما كانت المنظومة تمتاز بما تقدم زَبْرُه، وتحتوي على ما لا يسعف التقدمة ذكرُه، ولم يكن لها شرحٌ سوى شرحِ ناظمها الموسوم بـ: (الفَوَائِدِ المَرْضِيَّةِ لِشَرْحِ الدُّرَّةِ المُضِيَّةِ فِي عِلْمِ القَوَاعِدِ الفَرَضِيَّةِ) (٢)؛ استعنَّا الله تعالى بوضع شرحٍ على أبياتها يوضح معناها، ويسهل على دارسها محتواها، مستفيدين من كتب علماء الحنابلة؛ ككشاف القناع وشرح منتهى الإرادات، مع ما سطره علماؤنا الأكابر؛ مثل كتاب: (الفوائد الجلية في المباحث الفرضية)، لسماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀، وكتاب (تسهيل الفرائض)، للعلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀، وكتاب (التحقيقات المرضية في المباحث الفرضية)، لشيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، وكتاب (الفرائض)، لشيخنا العلامة عبد الكريم بن محمد اللاحم ﵀، وسميناه: (الفُتُوحَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ لِشَرْحِ الدُّرَّةِ المُضِيَّةِ).

стр. 4

نسأل الله تعالى أن يكون هذا الشرح نوعًا من نشر العلم الذي يحب الله نشره، ومن البرِّ بأهل العلم الذين صنفوا تلك المصنفات، وأفنوا أعمارهم في تبيين شرع الله تعالى وحكمه، وأن يبارك في هذا النظم وشرحه فتُعمر به المجالس العلمية والدروس الشرعية. وما كان من اجتهاد خاطئ فمنَّا ومن الشيطان، ونرجو من الله العفو والغفران، ومن القارئ النصح والبيان. والحمد لله رب العالمين المؤلفان

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة ؛ تأسياً بالكتاب العظيم، واقتداءً بالنبي الكريم ﷺ . والجار والمجرور في قوله: (بِسْمِ) متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام، وتقديره هنا: بسم الله أؤلف، والمعنى: أؤلف مستعيناً بجميع أسماء الله الحسنى المتضمنة لصفاته العليا، متبركاً بذكرها حال تأليف هذا النظم. و(الله): عَلَمٌ على الباري جل وعلا، أصله: (الإله)، حُذفت الهمزة، وأُدغمت اللام في اللام، فصارتا لاماً واحدة مشددة مفخمة، و (الإله) هو المألوه، أي: المعبود، من أَلِهَ يألَه: إذا تعبَّد، قال ابن عباس ﵄: «هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ» [تفسير الطبري ١/ ١٢١]. و(الرَّحْمَن): اسم من أسماء الله المختصة به، لا يُطلق على غيره، ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة. و(الرَّحِيم): من أسماء الله أيضاً، ومعناه: ذو الرحمة الواصلة.

стр. 6

الحَمْدُ للهِ القَدِيمِ البَاقِي ... سُبْحانَهُ مِنْ وارِثٍ خَلَّاق ثُمَّ الصَّلاةُ للنَّبِيْ والآلِ ... وَصَحْبِهِ مَعَ السَّلَامِ التَّالِي (الحَمْدُ): هو وصف المحمود بصفات الكمال على وجه المحبة والتعظيم، سواءٌ كان في مقابلة نِعمة أم لا، واللام في (الحَمْد) للاستغراق أو الجنس، فكل أنواع المحامد أو جنسها مستحَقَّة ومملوكة (للهِ) تعالى؛ لكماله في أسمائه وصفاته وأفعاله. (القَدِيمِ) بمعنى الأوَّل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، ولكن لم يرد إطلاق لفظ (القديم) في الكتاب ولا في السنة، فلا يطلق على الله تعالى على أنه اسم له؛ لأنه ليس من الأسماء الحسنى، ولكن يخبر به عنه، قال ابن القيم ﵀: (ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يُطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه) (١). (البَاقِي) الذي لا يفنى، والبقاء من صفات الله تعالى، كما قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وأما اسم

стр. 7

(الباقي) فأثبته ابن منده وقوَّام السنة اسماً لله تعالى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ الطويل في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» [الترمذي: ٣٥٠٧]، والحديث ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)، ولم يصح دليل آخر في إثبات هذا الاسم. (سُبْحانَهُ) اسم مصدر، من سبَّح يُسبِّح تسبيحًا وسبحانًا، وهو تنزيه لله تعالى وتبعيده عن كل ما لا ينبغي أن يُوصَف به. (مِنْ وارِثٍ) وهو الله، وعدَّه كثير من أهل العلم من أسماء الله الحسنى، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، ولحديث أبي هريرة ﵁ السابق في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ». قال ابن عثيمين: (الوارث: لم يرد بهذا اللفظ من أسماء الله تعالى، ولكنه ورد بلفظ الجمع الدال على التعظيم في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]) (٢). وسبحانه من (خَلَّاقِ) أي: الموجد للشَّيء على غير مثال سَبَقَ، وهو من أسماء الله تعالى؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾.

стр. 8

(ثُمَّ) بعد الثناء على الله، (الصَّلاةُ للنَّبِيِّ) ﷺ ، وهي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، قال أبو العالية: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة» [البخاري معلقاً ٦/ ١٢٠]. (و) الصلاة على (الآلِ) وهم أتباعه على دينه؛ لأن الله تعالى أطلق الآل على الأتباع في الدَّين، فقال: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب). وعنه واختاره شيخ الإسلام: أنهم أهل بيته. وأدخل شيخ الإسلام فيهم: زوجاته ﵅. (وَ) الصلاة على (صَحْبِهِ) جمع صاحب، وهو من اجتمع بالنَّبيِّ ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام. والصلاة (مَعَ السَّلَامِ) أي: السلامة من النقائص والرذائل (التَّالِي) أي: التابع، والجمع بين الصَّلاة والسَّلام؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً﴾، وخروجًا من خلاف من كَرِهَ إفراد أحدهما عن الآخر.

стр. 9

وَبَعْدَ ذَا فَهَذِهِ قَوَاعِدُ ... فِي الإِرْثِ فِيهَا لِلوَرَى فَوَائِدُ قَدِ اخْتَصَرْتُهَا لِأَهْلِ الطَّلَبِ ... مِنْ دُرِّ مَا نَظَمَهُ ابْنُ الرَّحَبِيْ ... لِكَيْ يَنَالَ المُرْتَجِيْ مِنْها الأَمَلْ ... مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ بِهِ يُبْطِي العَمَلْ سَمَّيتُها بالدُّرَّةِ المُضِيَّهْ ... جَامِعَةِ القَوَاعِدِ الفَرْضِيَّهْ وَأَسْأَلُ اللهَ الغَنِيْ بِفَضْلِهِ ... يَجْعَلُها خَالِصَةً لِوَجْهِه (وَبَعْدَ ذَا) الذي تقدَّم من البسملة والحمدلة، والصَّلاةِ والسَّلامِ على سيِّد الأنام، (فَهَذِهِ) المسائل الَّتي تُذكر في هذا الكتاب (قَوَاعِدُ) جمع قاعدة، وهي: حكمٌ كلِّيٌّ ينطبق على جزئيَّاته؛ لتعرف أحكامها منه، (فِي الإِرْثِ) أي: متعلقة بالميراث، (فِيهَا) أي: في تلك المسائل (لِلوَرَى) أي: للخلق (فَوَائِدُ) جمع فائدة، وهي: ما استفدْتَه من علم أو مال. (قَدِ اخْتَصَرْتُهَا) والاختصار: هو تجريد اللَّفظ اليسير من اللَّفظ الكثير، مع بقاء المعنى، (لِأَهْلِ الطَّلَبِ) أي: طلب العلم، (مِنْ دُرِّ) جمع

стр. 10

درَّة، وهي اللُّؤلؤة العظيمة، (مَا نَظَمَهُ) أي: ألَّفه، (ابْنُ الرَّحَبِيْ) وهو الشَّيخ محمَّد بن علي بن محمَّد بن الحسن، أبو عبد الله الرَّحَبيُّ، فقيه فاضل، صنَّف كتباً صغيرة؛ منها منظومة الفرائض، سمَّاها: «بغية الباحث»، وهي أصل هذه المنظومة المباركة، مات ﵀ سنة تسع وسبعين وخمسِ مِائة من الهجرة. اختصرها المؤلف (لِكَيْ يَنَالَ) أي: يُعطى (المُرْتَجِيْ) أي: المؤمِّل (مِنْها) من هذه المنظومة (الأَمَلْ) أي: الرَّجاء، (مِنْ غَيْرِ) أن يكون فيها (تَطْوِيلٌ) وإسهاب (بِهِ) أي: بهذا التطويل (يُبْطِي) أي: يتأخر (العَمَلْ) أي: عمل المسائل، (سَمَّيتُها) أي: هذه المنظومة (بالدُّرَّةِ المُضِيَّهْ جَامِعَةِ القَوَاعِدِ الفَرْضِيَّهْ)، فجاءت هذه الدرَّة براَّقة في ألفاظها، غنية في معانيها، جامعة لأبواب الفرائض، حاوية لأمات المسائل. ولما كانت هذه الدرَّة بحاجة إلى ما يُجلي قيمتها، ويكشف الخدر عن ضيائها وبريقها؛ استعنا الله الكريم بوضع نقاطٍ على حروفها، وإبراز فوائدها وعلومها، شرحًا حنبليًّا موافقًا لما عليه علماء المذهب الكرام، مشيرين إلى قول آخر إن كان لأحد من المحققين العظام، مع العناية بالتمثيل، والحرص قدر الإمكان على التذليل والتسهيل، وإلحاق المسائل بما تحتاج إليه من التدليل والتعليل، فغدى الشرح للناظر فيه سلوةً وللمستفيد منه منوةً، وسميناه: (الفتوحات الربانية لشرح الدرة المضية).

стр. 11

(وَأَسْأَلُ اللهَ) ﷻ ولا مسؤول سواه، (الغَنِيَّ) والغني: هو الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه والاعتبارات لكماله وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، أتوسل إليه (بِفَضْلِهِ) وهذا من التوسل المشروع، إذ هو من التوسل إلى الله بأفعاله سبحانه، أن (يَجْعَلَها) أي: هذه المنظومة (خَالِصَةً لِوَجْهِهِ) أي: خالصة من الرِّياء والسُّمعة لأجل وجهه تعالى.

стр. 12

فصل في الحقوق المتعلقة بالتركة التركة: هي ما يخلفه الميت من مال أو حق أو مختص. ويتعلق بتركة الميت خمسة حقوق، وهي مرتبة إن ضاقت التركة على الترتيب التالي: الحق الأول: مؤنة تجهيز الميت، وهي ما يحتاج إليه الميت من كفن، وحنوط، وأجرة تغسيل وحفر، وغير ذلك؛ لأنها من حوائج الميت، فهي بمنزلة الطعام والشراب واللباس للمفلس. فيبدأ بها أولًا وجوبًا، وهي مقدمة على جميع الحقوق الأخرى؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قصة المُحْرِم الذي وقصته ناقته، قال رسول الله ﷺ : «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» [البخاري: ١٨٥١، ومسلم: ١٢٠٦]، ولم يستفصل هل عليه دين أم لا، ولأن مصعب بن عمير ﵁ لمَّا مات لم يوجد له إلا ثوب واحد، فكُفِّن فيه [البخاري: ١٢٧٥]، ولأن لباس المفلس يقدم على وفاء دينه، فكذا كفن الميت. - فرع: تجهيز الميت يكون بما يليق به عُرفًا، بحسب يسار الميت وإعساره، ولا عبرة بما كان عليه في حياته من إسرافه وتقتيره.

стр. 13

- مسألة: لا يلزم الزوج مؤنة تجهيز زوجته، بل يكون ذلك من مالها ، ولو كان الزوج موسرًا؛ لأن النفقة والكسوة في النكاح وجبت للتمكين من الاستمتاع، ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة، وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبهت الأجنبية. وقيل، وحُكي رواية عن أحمد، واختاره ابن عثيمين: إن كان الزوج موسرًا فإن مؤنة تجهيز الزوجة على الزوج، وإن كانت الزوجة موسرة؛ لقوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف)، وتجهيزها من العشرة بالمعروف، ولأن عليه نفقتها في حال حياتها، فأشبهت القريب، ولأن علاقة الزوجية باقية، بدليل أنه يغسلها ويرثها. الحق الثاني: الحقوق المتعلقة بعين التركة، فيبدأ بها بعد مؤنة الميت وقبل الديون المرسلة؛ لأنها تُقدَّم عليها حال الحياة، فكذلك حال الوفاة. مثال ذلك: ١ - العبد الجاني، بأن قتل نفسًا، أو قطع طرفًا خطأً أو شبه عمد، أو عمدًا لا قصاص فيه، أو فيه قصاص لكن عفا مستحقه، أو أتلف مال إنسان بغير تسليط؛ فإن حق المجني علىه يكون مقدَّمًا على مؤن التجهيز وعلى الديون المرسلة وغيرها مما سيأتي؛ لتعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني. ويقدم على حق المرتهن بغير خلاف، قاله في المبدع، لأنها مقدمة على حق المالك، والملك أقوى من الرهن، فأولى أن تقدم على الرهن.

стр. 14

٢ - الرهن الذي وُثِّق بالدَّين، بأن رهن عينًا؛ كبيت أو سيارة أو نحو ذلك بدينٍ عليه أو على غيره؛ فإن هذا الدَّين قد تَعلَّق بهذه العين المرهونة، فيكون مُقدَّمًا على غيره؛ لتعلق حق المرتهن بالعين المرهونة. أما إن كان الدَّين غير موثق برهن، فهو الدَّين المرسل، وسيأتي في الحق الثالث. ٣ - الزكاة المستقرة في الذمة، كما لو ملك نصابًا من المال، وحال عليها الحول، واستقرت في ذمته ثم مات، ولم يبق من ماله إلا قدر الواجب من الزكاة؛ فإن أهل الزكاة يُقدَّمون على أصحاب الديون المرسلة؛ لأن حق الزكاة هنا يكون كالمرهون بالتركة. الحق الثالث: الديون المرسلة، وهي الدَّيون المتعلقة بذمة الميت لا بعين تركته، سواء أذن الميت في ذلك أم لا، وسواء كان الدَّين لله تعالى؛ كالزكاة والكفارة، أم لآدمي؛ كالقرض وثمن المبيع والأجرة، فتُقَّدم الديون على الوصايا والإرث إجماعًا؛ لما روي عن علي ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ» [علقه البخاري بصيغة التمريض ٤/ ٥، ووصله أحمد: ١٠٩١، والترمذي: ٢٠٩٤، وابن ماجه: ٢٧١٥]، ولأنها حقوق واجبة عليه، فتُقدَّم على الوصية؛ لأنها تبرع.

стр. 15

- فرع: يُسوَّى بين الدِّيون بالحصص إن لم تف التركة بالجميع، سواء كان الدَّين لله تعالى أم للآدمي، وسواء كان سابقًا أم لاحقًا، واختاره ابن عثيمين؛ لأنها متساوية في وجوب القضاء، فتتساوى في الترتيب. وطريقة القسمة: بأن تنسب الموجود من مال الميت إلى مجموع الدِّيون، ثم يُدفع لكل حقِّ بمقدار هذه النسبة من المال الموجود. مثاله: هلك شخص وعليه زكاة بألفين دينار، ودين بثلاثة آلاف دينار، ودين آخر بخمسة آلاف، فمجموع الدِّيون = عشرة آلاف، وتركته: خمسة آلاف دينار، فنسبة الخمسة إلى العشرة = (النصف)، فيُدفع لكل واحد نصف حقِّه. الحق الرابع: الوصية: فيُبدأ بعد ذلك بتنفيذها؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ١١]، فتُقدَّم على الإرث إجماعًا. - مسألة: يشترط لصحة الوصية شرطان: الشرط الأول: أن تكون الوصية من الثلث فأقل. فتلزم الوصية في الثُلُث فما دون من غير إجازة، وأما ما زاد على الثُلُث فيقف على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز؛ لأن المنع لحقهم، فإذا رضوا بإسقاطه سقط، وإن ردوه بطل في قول جميع العلماء؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ لما مرض بمكة، وفيه: قلت:

стр. 16

يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: «لَا»، قلت: فالشطر، قال: «لَا»، قلت: الثُلُث، قال: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ» [البخاري: ٢٧٤٢، ومسلم: ١٦٢٨]. - فرع: إن أوصى بأكثر من الثُلُث وكان وارثه أحد الزوجين فقط، وردَّ الوصية ولم يُجِزها: أُعطي الموصى له الثُلُث؛ لأنه لا يتوقف على إجازة، ويأخذ أحد الزوجين فرضه من الثلثين، والباقي من الثلثين يكون للموصى له؛ لأن الزوجين لا يُرد عليهما الميراث، فلا يأخذان من المال أكثر من فرضيهما. الشرط الثاني: أن تكون الوصية لأجنبي، وهو من ليس بوارث عند الموت، فإن كانت الوصية لوارثٍ؛ لم تصح إجماعًا إلا بإجازة الورثة كما تقدم، قليلًا كان المال أو كثيرًا؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» [أحمد: ٢٢٢٩٤، وأبو داود: ٢٨٧٠، والترمذي: ٢١٢٠، وابن ماجه: ٢٧١٣]، قال شيخ الإسلام: (هذا مما تلقته الأمة بالقبول والعمل بموجبه). - فرع: تعتبر الإجازة بعد موت الموصي؛ لأن حق الورثة لا يثبت إلا بموته. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تصح الإجازة في حياة الموصي إذا وقعت في حال مرضه؛ فليس له الرجوع؛ لأنه تعلق حقهم بماله

стр. 17

وانعقد لهم سبب الإرث؛ فيصح ولو قبل وجود الشرط. - فرع: تحرم المضارة في الوصية عند شيخ الإسلام، لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، وقال ابن عباس ﵄: «الإِضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ» [النسائي في الكبرى: ١١٠٢٦]. قال شيخ الإسلام: (فمتى أوصى بزيادة على الثلث فهو مضارٌّ، قصد أو لم يقصد، فَتُرَدُّ هذه الوصية، وإن وصى بدونه ولم يُعلم أنه قصد الضرار فيمضيها، فإن عَلِم الموصى له إنما أوصى له ضرارًا؛ لم يحل له الأخذ). الحق الخامس: الإرث، فما بقي من المال بعد الحقوق الأربعة المتقدمة فإنه يكون ميراثًا، وهو المقصود في هذا النظم.

стр. 18

بَابُ أَسْبَابِ الإِرْثِ أسبابُ ميراثٍ نكاحٌ ونَسَب ثمَّ ولاءٌ ما سواهُنَّ سبب الأسباب جمع سبب، وهو لغة: ما يتوصل به إلى غيره. واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. - مسألة: (أَسْبَابُ مِيرَاثٍ) مجمعٍ عليها ثلاثة: السبب الأول: (نِكَاحٌ) وهو: عقد الزوجية الصحيح، سواء دخل بالزوجة أو لا، فيرث به الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها بمجرد العقد، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم﴾ [النساء: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، ولما ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال في رجل تزوج امرأةً فمات عنها، ولم يَدخل بها ولم يَفرض لها الصداق: «لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَعَلَيْهَا العِدَّةُ، وَلَهَا المِيرَاثُ»، فقال معقل بن سنان ﵁: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِهِ فِي بَرْوَع بِنْتِ وَاشِقٍ ﵂» [أحمد: ٤٢٧٦، وأبو داود: ٢١١٤، والترمذي: ١١٤٥، والنسائي: ٣٣٥٥، وابن ماجه: ١٨٩١].

стр. 19

فلا ميراث في النكاح الفاسد؛ كالنكاح بلا ولي، ولا الباطل؛ كنكاح خامسة؛ لأن وجوده كعدمه. - مسألة: ينقطع التوارث بين الزوجين بأحد أمرين: الأمر الأول: البينونة بينهما، إما بفسخ أو بطلاق بائن، ولا يخلو ذلك من قسمين: ١ - أن تكون البينونة في حال الصحة: فينقطع التوارث بين الزوجين بمجرد الفرقة، سواء في العدة أم بعدها؛ لأن العلاقة الزوجية تنقطع به، واختاره ابن باز وابن عثيمين. ٢ - أن تكون البينونة في حال مرض الموت المخوف، ولا يخلو من حالتين: الأولى: أن تقع الفرقة بغير قصد حرمانها من الميراث: فينقطع التوارث فيهما بين الزوجين بمجرد الفرقة، سواء في العدة أم بعدها؛ لما تقدم، ولأنه غير مُتَّهم. الثانية: أن تقع الفرقة من أحدهما في حالٍ يُتَّهم فيها بقصد حرمان الآخر من الإرث؛ فإن المتهم يُورَث ولا يَرِث؛ معاقبة له بنقيض قصده السيِّئ. مثال التهمة من قِبَل الزوج: أن يطلق الرجل زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها.

стр. 20

فأما الرجل: فلا يرثها لو ماتت؛ لأن البينونة منه. وأما المرأة: فإنها ترثه في العدة وبعدها؛ معاملة له بنقيض قصده؛ لأن الحيل لا تبطل الحقوق، ما لم تتزوج أو ترتد؛ لأنها إذا تزوجت فلا يمكن أن ترث زوجين، وإذا ارتدت - والعياذ بالله - فقد أتت بمانع من موانع الإرث، واختاره ابن باز. ومثال التهمة من قِبل الزوجة: أن تفعل في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها من زوجها متهَمةً بقصد حرمانه، مثل: أن يُعقَد عليها لطفل صغير فترضعه رضاعاً تثبت به الأمومة، فإن النكاح ينفسخ، ويرث الطفل منها لو ماتت؛ لأنه أحد الزوجين، فلم يُسقِط فعلها ميراث الآخر؛ كالزوج، فيرثها ما دامت في عدتها لا بعد انقضاء العدة (١)، وأما هي فلا ترث. الأمر الثاني: الطلاق الرجعي، ولا يخلو من حالين: ١ - أن يموت أحدهما بعد انتهاء العدة: فينقطع التوارث بينهما؛ لانقطاع العلاقة الزوجية بذلك. ٢ - أن يموت أحدهما قبل انتهاء العدة: فيتوارثان؛ لما ورد عن

стр. 21

مكحول: أن أبا بكر، وعمر، وعليًّا، وابن مسعود، وأبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن قيس الأشعري ﵃، كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين: «إِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ، يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» [ابن أبي شيبة: ١٨٨٩٩]، ولأن الرجعية في حكم الزوجة، قال في المغني: (بغير خلاف نعلمه). (وَ) السبب الثاني: (نَسَبٌ) أي: قرابة، وهي: الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة، قريبة أو بعيدة، فيرث بها؛ لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: ٧٥]. - فرع: جهات النسب ثلاثة: ١ - جهة الأصول: وهم من ينتمي إليهم الشخص من الآباء والأمهات، والأجداد والجدات. ٢ - جهة الفروع: وهم من ينتمي إلى الشخص من الأولاد وأولادهم. ٣ - جهة الحواشي: وهم من ينتمي إلى أَبَوَيِ الشخص وأجداده، من الإخوة وأولادهم، والأعمام وأولادهم. (ثُمَّ) السبب الثالث: (وَلاءٌ) وهي: عصوبةٌ سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق، فيرث بالولاء المعتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم، لا بغيرهم ولا مع غيرهم، من العتيق، ولا عكس؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما

стр. 22

مرفوعاً: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» [ابن حبان ٤٩٥٠، والحاكم ٧٩٩٠]، فشبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء. ولا يرث العتيق من معتِقه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» [البخاري: ٢١٥٦، ومسلم: ١٥٠٤]. واختار شيخ الإسلام: أن العتيق يرث من سيده؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَاتَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا إِلَّا عَبْدًا لَهُ هُوَ أَعْتَقَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَهُ» [أحمد ١٩٣٠، والترمذي ٢١٠٦، وأبو داود ٢٩٠٥، وابن ماجه ٢٧٤١، وضعفه البخاري، وقال ابن القيم بعده: وبهذه الفتوى نأخذ]، ولأن له ولاء، فهو أولى من بيت المال. - فرع: (مَا سِوَاهُنَّ) أي: هذه الأسباب الثلاثة (سَبَبٌ) يحصل به التوارث؛ لعدم الدليل على الإرث بغيرها. وعنه، اختاره شيخ الإسلام، ومال إليه ابن عثيمين: يثبت الإرث عند عدم النكاح والنسب والولاء بأسباب أخرى، وهي: ١ - الموالاة والمعاقدة: وهو الاتفاق على الولاء والنصرة والتوارث، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الخلة والمعاقدة، يقول لصاحبه: دمي دمك وترثني وأرثك، واستمر ذلك أول الإسلام، فكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، والموالاة كالمعاقدة.

стр. 23

٢ - الإسلام على يديه؛ لحديث تميم الداري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يسلم على يدي الرجل؟ فقال: «هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» [أحمد ١٦٩٤٤، وأبوداود ٢٩١٨، والترمذي ٢١١٢، وابن ماجه ٢٧٥٢]، وعن مجاهد: أن رجلًا أتى عمر ﵁ فقال: إن رجلًا أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فتحرجت منها، ورفعتها إليك، فقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ جَنَى جِنَايَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ تَكُونُ؟ » قال: علَيَّ، قال: «فَمِيرَاثُهُ لَكَ» [ابن أبي شيبة ٣١٥٧٧]. ٣ - الالتقاط؛ لحديث واثلة بن الأسقع ﵁: أن النبي ﷺ قال: «المَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَنْهُ» [أحمد ١٦٠٠٤، وأبوداود ٢٩٠٦، والترمذي ٢١١٥، وابن ماجه ٢٧٤٢]، ولقول عمر ﵁ لمن التقط لقيطاً: «هُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لَكَ، وَعَلَيْنَا رَضَاعُهُ» [ابن أبي شيبة ٣١٥٦٩]، ولأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه؛ ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعتقه. ٤ - كونهما من أهل الديوان، وهو اسم الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء، والمراد: كونهما مكتوبين في ديوان واحدٍ، قال أبو الخطاب في توريثهم من بعض: (يروى عن عمر ﵁ (١). ٥ - وزاد شيخ الإسلام: العتيق من سيده وتقدم.

стр. 24

مَوَانِعُ الإِرْثِ مَوَانعُ الإِرْثِ اخْتِلَافُ الدِّينِ وَالرِّقُّ وَالقَتْلُ فَخُذْ تَبْيِيني المانع في اللغة: الحائل بين الشيئين. وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، عكس الشرط. - مسألة: (موانعُ الإِرْث) ثلاثة: المانع الأول: (اخْتِلَافُ الدِّينِ)، بأن يكون أحدهما على ملة والثاني على ملة أخرى، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم؛ لحديث أسامة بن زيد ﵄ مرفوعًا: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِمَ» [البخاري ٤٢٨٣، ومسلم ١٦١٤]. وأهل الذمة يرث بعضهم بعضًا مع اتفاق أديانهم؛ كيهودي ويهودي، ولا يرث بعضهم من بعض مع اختلاف أديانهم؛ كاليهود مع النصارى؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» [أحمد ٦٦٦٤، وأبو داود ٢٩١١، وابن ماجه ٢٧٣١]، وعن محمد بن الأشعث: أن عمَّةً له توفيت

стр. 25

باليمن وهي يهودية، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، فقال: «لَيْسَ ذَاكَ لَكَ، يَرِثُهَا أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْهَا مِنْ أَهْلِ دِينِهَا، لَا يَتَوَارَثُ مِلَّتَانِ» [سنن الدارمي ٣٠٣٩]. - فرع: يستثنى من اختلاف الدين أمران: ١ - الولاء، فيرث المسلم عتيقه الكافر؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ» [الدارقطني ٦٣٥٦]، ولأن ولاءه له بالإجماع، وهو شعبة من الرق، فورثه به كما يرثه قبل العتق. ويرث الكافر عتيقه المسلم بالولاء؛ قياسًا على ما تقدم. ٢ - إذا أسلم كافر قبل قسم ميراث مورثه المسلم، فيرث منه؛ لحديث عروة وابن أبي مليكة عن النبي ﷺ : «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» [سعيد بن منصور ١٨٩، ١٩٠]، ولما روي: (أن عمر ﵁ قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فإنه يصيبه، وقضى به عثمان ﵁ [ابن عبد البر بإسناده في التمهيد ٢/ ٥٧]، والحكمة فيه الترغيب في الإسلام والحث عليه. فإن قُسِم البعض دون البعض؛ وَرِثَ مما بقي دون ما قُسِم. ولا يرث من أسلم قبل قسم الميراث إن كان زوجًا؛ لانقطاع علق الزوجية عنه بموتها بخلافها، وكذا لا ترث هي منه إن أسلمت بعد عدتها.

стр. 26

واختار شيخ الإسلام: أنه يستثنى من مانع اختلاف الدِّين أيضاً ثلاثة أمور: ١ - المسلم، فإنه يرث من قريبه الكافر الذمي، لا العكس؛ لحديث عائذ بن عمرو ﵁: أن النبي ﷺ قال: «الإِسْلامُ يَعْلُو وَلا يُعْلَى» [الدارقطني ٣٦٢٠]، و «كَانَ مُعَاوِيَةُ، يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَا يُوَرِّثُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُسْلِمِ» [سعيد بن منصور ١٤٦]، ولئلا يمتنع قريبه من الإسلام. ٢ - المرتد إن قُتِل في ردته أو مات عليها؛ فماله لوارثه المسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لوروده عن علي وابن مسعود ﵄ [سنن الدارمي ٣١١٦، ٣١١٧]، قال شيخ الإسلام: (وهو المعروف عن الصحابة)، ولأن توريث قرابته المسلمين أولى من توريث عموم المسلمين. والمذهب: أن ماله فيء؛ لأنه كافر فلا يرثه المسلم، ولا يمكن جعله لأهل دينه؛ لأنه لا يرثهم فلا يرثونه. ٣ - الزنديق: وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهو المنافق: فإنه يرث ويورث؛ لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا، ولا جعله فيئًا، فعُلم أن التوارث مداره على النصرة الظاهرة، واسم الإسلام يجري عليه في الظاهر إجماعًا. والمذهب: أن المنافق كالمرتد على ما تقدم؛ لأنه في الحقيقة كافر.

стр. 27

وعنه، واختاره ابن باز وابن عثيمين: أن اختلاف الدين مانع من التوارث مطلقًا ولا يستثنى شيء مما تقدم؛ لحديث أسامة بن زيد ﵁ السابق: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ المُسْلِمَ». وقال ابن عثيمين: (أما المنافق الذي لم يظهر نفاقه؛ فإنا نحكم بإسلامه في الظاهر، فيرث ويورث، إلا إن كان معلوم النفاق). (وَ) المانع الثاني: (الرِّقُّ)، وهو: عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر. وهو مانع من الجانبين: - فلا يرث الرقيق اتفاقاً، ولو مدبرًا أو مكاتبًا أو أم ولد؛ لأنه لو ورث لكان لسيده، وهو أجنبي عن الميت، قال الموفق: (لا أعلم فيه خلافًا، إلا ما روي عن ابن مسعود ﵁. - ولا يورث الرقيق؛ لأنه لا مال له. وأما المبعَّض: فيرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، واختاره ابن باز؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَصَابَ المُكَاتَبُ حَدًّا، أَوْ وَرِثَ مِيرَاثًا؛ يَرِثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» [أبوداود ٤٥٨٢، والترمذي ١٢٥٩، والنسائي ٤٨١١، وقال شيخ الإسلام: وهو إسناد جيد، يجب العمل به]، وروي عن علي ﵁ [عبدالرزاق ١٥٧٣٤]، قال الزركشي: (وهذا الحديث دل على شيئين: أحدهما: أن المكاتب يعتق،

стр. 28

منه بقدر ما أدى. والثاني: أن المعتق بعضه يحد، ويودي، ويرث بقدر ما عتق منه)، ولأنه يجب أن يثبت لكلٍّ بعض حكمه، كما لو كان الآخر معه. مثاله: ابنٌ نصفه حر، وأم وعم حران، فلو كان الابن كامل الحرية كان للأم السدس وله الباقي، وهو نصف وثلث، ولا شيء للعم، فللابن مع نصف حريته نصف ما يرث لو كان حرًّا كله، وهو ربع وسدس وللأم ربع، لأن الابن الحر يحجبها إلى السدس، فنصفه الحر يحجبها إلى نصف سدس، فلها سدس ونصف سدس، ومجموعهما ربع، والباقي وهو ثلث للعم تعصيبًا، وتصح من اثني عشر، للأم ثلاثة، وللمبعض خمسة، وللعم أربعة. (وَ) المانع الثالث: (القَتْلُ)، فلا يرث القاتل باتفاق الأئمة، مكلف أو غير مكلف، انفرد بقتل مورثه أو شارك فيه، ولو كان القتل بسبب؛ كحفر نحو بئر؛ لحديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» [الموطأ ٢/ ٨٦٧، وأحمد ٣٤٨، وابن ماجه ٢٦٤٦]. والقتل مانع من جهة القاتل فقط، وليس بمانع من جهة المقتول؛ فلو جرح مُوَرِّثه، ثم مات الجارح قبل موت المجروح؛ ورثه المجروح. - فرع: القتل الذي يكون مانعًا من موانع الإرث: هو الذي يلزم القاتل فيه قود أو دية أو كفارة. فشمل القتل العمد العدوان، والخطأ، وشبه العمد؛ لعموم حديث عمر ﵁ السابق.

стр. 29

فأما ما لا يُضمن من القتل بشيء؛ كالقتل لمورثه قصاصًا، أو حدًّا، أو دفعًا عن نفسه؛ كالصائل إن لم يندفع إلا بالقتل، وكقتل العادل الباغيَ؛ فلا يمنع الإرث؛ لأنه مأذون فيه، فالمنع من الميراث بالقتل يتبع الضمان. واختار ابن القيم وابن عثيمين: إن قتل مورثه عمدًا عدوانًا، فلا يرث من مال مورثه ولا من ديته؛ لحديث عمر ﵁ السابق، وإن قتله خطأ فإنه يرث من ماله ولا يرث من ديته؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: «المَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَمَالِهِ، وَهُوَ يَرِثُ مِنْ دِيَتِهَا وَمَالِهَا، مَا لَمْ يَقْتُلْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا لَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ وَمَالِهِ شَيْئًا، وَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَطَأً وَرِثَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَرِثْ مِنْ دِيَتِهِ» [ابن ماجه ٢٧٣٦، وقال ابن القيم: وبه نأخذ (١)]، ووجه كونه يرث من المال: أنه لم يتعجله بالقتل، ووجه كونه لم يرث من الدية: أنها واجبة عليه، ولا معنى لكونه يرث شيئًا وجب عليه. وقوله: (فَخُذْ تَبْيِينِي) أي: افهم معنى كلامي الذي تقدم.

стр. 30

بَابُ أَرْكَانِ الإِرْثِ أَرْكَانُ إِرْثٍ: وَارِثٌ، مُوَرِّثُ مَوْرُوثُ مَالٍ، هاكَ يَا مُوَرَّثُ الركن لغةً: هو جانب الشيء الأقوى. واصطلاحًا: عبارة عن جزء الماهية، أي: ما لا توجد الحقيقة إلا به. - مسألة: (أَرْكَانُ إِرْثٍ) ثلاثة: الأول: (وَارِثٌ): وهو من انتقلت التركة إليه، من الأحياء أو الملحق بالأحياء حكمًا. الثاني: (مُوَرِّثٌ): وهو من انتقلت التركة منه، وهو الميت أو الملحق بالأموات حكمًا. الثالث: (مَوْرُوْثُ مالٍ): وهي التركة. فهذه الثلاثة هي أركان الإرث، (هاك) أي: خذ يا (مورَّث) بفتح الراء المشددة، ما بينت لك وافهم معناه.

стр. 31

بَابُ شُرُوطِ الإِرْثِ شُرُوطُ إِرْثٍ صَحِّح إِنْ تُوَرِّثِ تَحْقِيقُ مَوْتِ ذَلِكَ المُوَرِّثِ كَذَاكَ تَحْقِيقُ وُجُودِ وَارِثِ وَعِلْمُ جِهَةِ اقْتِضَا التَّوَارُثِ الشرط في اللغة: العلامة. واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. - مسألة: (شُرُوطُ إِرْثٍ صَحِّحِ انْ تُوَرِّثِ) أي: يشترط لصحة الإرث ثلاثة شروط: الشرط الأول: (تَحْقِيقُ مَوْتِ ذَلِكَ الْمُوَرِّثِ)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فعلق الإرث على الهلاك وهو الموت. ويحكم بموت المورث بأحد ثلاث طرق: ١ - حقيقة: وذلك بمشاهدة، أو استفاضة، أو شهادة عدلين.

стр. 32

٢ - حكمًا: وذلك بإلحاقه بالأموات حكمًا؛ كالمفقود. ٣ - تقديرًا: وذلك بإلحاقه بالأموات تقديرًا؛ كالجنين إذا جُني على أمه فسقط ميتًا، فإنه يجب فيه غرة - عبد أو أمة -، فيقدر حيًّا، ثم يقدر أنه مات؛ لتورث عنه تلك الغرة. (كذاك) الشرط الثاني: (تحقيقُ وجودِ) أي: حياة (وارث) حين موت المورث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، فذكر استحقاق الإرث باللام الدالة على التملك، والتملك لا يكون إلا للحي. ويحكم بحياة المورث بأحد ثلاث طرق: ١ - حقيقة: وذلك بمشاهدةٍ، أو استفاضةٍ، أو شهادةِ عدلين. ٢ - حكمًا: وذلك بإلحاقه بالأحياء حكمًا؛ كالمفقود. ٣ - تقديرًا: وذلك بإلحاقه بالأحياء تقديرًا؛ كالحمل إذا انفصل حيًّا حياة مستقرة في وقت يظهر وجوده في الرحم عند موت مورثه، ولو نطفة، فيقدر حيًّا حين موت المورث حتى يستحق الإرث، ويأتي تفصيله في ميراث الحمل. (و) الشرط الثالث: (عِلْمُ جِهَةِ اقْتِضَا) بالقصر؛ للوزن، بمعنى الفاعل، أي: بمقتضي (التَّوَارُثِ). والمراد: العلم بالسبب المقتضي للتوارث، من قرابة أو نكاح أو

стр. 33

ولاء، والعلم بجهة القرابة؛ من بنوة وأبوة وأخوة وعمومة، والعلم بالدرجة التي اجتمع الميت والوارث فيها، ونحو ذلك؛ لحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الجَنَّةِ: فَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجَارَ فِي الحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» [أبو داود: ٣٥٧٣، والترمذي: ١٣٢٢، وابن ماجه: ٢٣١٥].

стр. 34

بَابُ مَنْ يَرِثُ مِنَ الذُّكُورِ وَعَشْرَةٌ مِنَ الذُّكُورِ وُرِّثُوا الأَبُ وَابْنٌ وَابْنُ إِبْنٍ وَرَّثُوا كَذَاكَ جَدٌّ لأَبٍ وَالأخُ مِنْ أَيِّ الجِهَاتِ كَانَ وَابْنُهُ زُكِنْ وَالعَمُّ وَابْنُهُ الثَّلَاثُ لَا لِأُمّْ وَالزَّوْجُ وَالمَوْلَى، فَلِلْحِفْظِ هَلُمّْ - مسألة: (وَعَشْرَةٌ مِنَ الذُّكُورِ وُرِّثُوا) التركة ، وهم على سبيل البسط خمسة عشر: الأول: (الأَبُ. وَ) الثاني: (ابْنٌ. وَ) الثالث: (ابْنُ ابْنٍ) وإن نزل، (وَرَّثُوا) أي: أهل العلم. والرابع: الجد من قِبل الأب وإن علا بمحض الذكور، وذكره بقوله: (كَذَاكَ جَدٌّ لِأَبٍ. وَ) الخامس: الأخ شقيق. والسادس: الأخ لأب. والسابع: الأخ لأم، وأشار إلى هؤلاء الثلاثة بقوله: (وَالأَخُ مِنْ أَيِّ الِجهَاتِ كَانَ. وَ) الثامن: (ابْنُهُ) أي: ابن الأخ الشقيق. والتاسع: ابن الأخ لأب، دون ابن الأخ لأم فلا يرث، وقوله: (زُكِن) أي: عُلِم. والعاشر: العم الشقيق وإن علا. والحادي عشر: العم لأب وإن علا، وأشار إليهما

стр. 35

بقوله: (وَالعَمُّ). والثاني عشر: ابن العم الشقيق وإن نزل. والثالث عشر: ابن العم لأب وإن نزل، وأشار إليها بقوله: (وَابْنُهُ) أي: ابن العم (الثَّلَاثُ لَا لِأُمٍّ)، فلا يرث ابن الأخ لأم، ولا العم لأم، ولا ابن العم لأم؛ بل هؤلاء من ذوي الأرحام. (وَ) الرابع عشر: (الزَّوْجُ. وَ) الخامس عشر: (الْمَوْلَى) أي: المعتق وعصبته المتعصبون بأنفسهم، (فَلِلْحِفْظِ) أي: لحفظ هذا النظم وغيره من أنواع العلوم النافعة (هَلُمْ) أي: تعال، وفي هذا تحفيز للحفظ وإيقاظ للهمم. ويأتي ذكر الأدلة على ذلك كله في بابه.

стр. 36

بَابُ مَنْ يَرِثُ مِنَ الإِنَاثِ وَوَارِثٌ مِنَ الإنَاثِ: البِنْتُ ... وَبِنْتُ الابْنِ جَدَّةٌ وَالأُخْتُ وَالأُمُّ والزَّوْجَةُ مَعْ مَنْ حَرَّرَتْ ... رِقًّا فَذِي سَبْعُ نِسَاءٍ حُرِّرَتْ - مسألة: (وَ) الـ (وَارِثُ) من (الإِنَاثِ) بالإجماع عشر على سبيل البسط: الأولى: (البِنْتُ. وَ) الثانية: (بِنْتُ الابْنِ) وإن نزل أبوها بمحض الذكور. والثالثة والرابعة: الـ (جَدَّةُ) من قبل الأم، والجدة من قبل الأب. (وَ) الخامسة: الأخت الشقيقة. والسادسة: الأخت لأب. والسابعة: الأخت لأم، وأشار إلى الثلاثة بقوله: (الأُخْتُ). (وَ) الثامنة: (الأُمُّ. وَ) التاسعة: (الزَّوْجَةُ). والعاشرة: المعتِقة، وأشار إليها بقوله: (مَعْ مَنْ حَرَّرَتْ رِقًّا، فَذِي سَبْعُ نِسَاءٍ حُرِّرَتْ) أي: ضُبطت بطريق الاختصار، وعشر على سبيل البسط، ويأتي ذكر الأدلة على ذلك كله في بابه. ومن عدا المذكورين من الرجال والإناث فمن ذوي الأرحام، ويأتي حكمهم.

стр. 37

بَابُ الفُرُوضِ المُقَدَّرَةِ فِي كِتَابِ اللهِ تعالى وَالإرْثُ نَوْعَانِ بِحَقٍّ قُسِمَا: ... فَرْضاً وَتَعْصِيباً بِنَصٍّ عُلِمَا فَالْفَرْضُ سِتَّةٌ بِإرْثٍ نَصُّوا ... وَمَا أَتى فِيمَا سِوَاهُ نَصُّ نِصْفٌ، وَنِصْفُهُ، وَنِصْفُ نِصْفِهِ ... سُدْسٌ، وضِعْفُهُ وَضِعْفُ ضِعْفِهِ - مسألة: (وَالإرْثُ نَوْعَانِ) لا ثالث لهما، (بِحَقّ قُسِمَا) هذا التقسيم ، وأشار إليهما بقوله: (فَرْضاً وَتَعْصِيباً بِنَصِّ) القرآن العظيم (عُلِمَا)، وأما ذوي الأرحام فمبني على الفرض والتعصيب؛ لأنه يرث بواسطة الفرض أو التعصيب. فالقسم الأول: الإرث بالفرض. والفرض لغةً يطلق على معان منها: الحزُّ، والقطع، والتقدير. وفي الاصطلاح: نصيب مقدر شرعًا، لوارث مخصوص، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.

стр. 38

والقسم الثاني: الإرث بالتعصيب. والتعصيب لغة: مشتق من العصب، وهو الشد والتقوية. وفي الاصطلاح: الإرث بلا تقدير، وسيأتي. - مسألة: الإرث باعتبار الفرض والتعصيب لا يخلو من أربعة أقسام: ١ - من يرث بالفرض فقط: وهم سبعة: الأم، وولدا الأم، والزوجان، والجدتان. ٢ - من يرث بالتعصيب فقط: وهم اثنا عشر: الابن، وابن الابن - وإن نزل -، والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب - وإن نزلا -، والعم الشقيق، والعم لأب - وإن عليا -، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب - وإن نزلا -، والمعتق، والمعتقة. ٣ - من يرث بالفرض تارةً، وبالتعصيب تارةً، ويجمع بينهما تارةً: وهم اثنان: الأب، والجد. ٤ - من يرث بالفرض تارةً، وبالتعصيب تارةً، ولا يجمع بينهما أبدًا: وهم أربعة: البنت فأكثر، وبنت الابن فأكثر - وإن نزل أبوها -، والأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر. - مسألة: الفروض المقدرة تنقسم إلى قسمين: (فَـ) القسم الأول: (الْفَرْضُ) الثابت بالنص والإجماع وهي: (سِتَّةٌ

стр. 39

بِإرْثٍ نَصُّوا) أي: نص عليها الفرضيون، (وَمَا أَتى فِيمَا سِوَاهُ نَصٌّ) بل ثبت بالاجتهاد، ويأتي في القسم الثاني. فما ثبت بالنص ستة وهي: (نِصْفٌ، وَ) الثاني: (نِصْفُهُ) أي: نصف النصف، وهو الربع، (وَ) الثالث: (نِصْفُ نِصْفِهِ) أي: نصف الربع، وهو الثمن، والرابع: (سُدْسٌ، و) الخامس: (ضِعْفُهُ) أي: ضعف السدس، وهو الثلث، (وَ) السادس: (ضِعْفُ ضِعْفِهِ) أي: ضعف الثلث، وهو الثلثين، (النصف والربع والثمن، والسدس والثلث والثلثين). القسم الثاني: الفرض الثابت بالاجتهاد، وهو: ثلث الباقي في العمريتين (١)، وللجد مع الإخوة في بعض أحواله، ويأتي. - فائدتان: الأولى: لا يجتمع فرضان من جنس واحد في مسألة واحدة إلا النصف والسدس. الثانية: جميع الفروض الثابتة بالقرآن يمكن اجتماعها في مسألة واحدة إلا الثمن لا يجتمع مع الثلث، ولا مع الربع.

стр. 40

بَابُ مَنْ يَرِثُ النِّصْفَ فَالنِّصْفُ: فَرْضُ خَمْسَةٍ إنْ أُفْرِدُوا ... بِنْتٌ، وَبِنْتُ ابْنٍ، وَزَوْجٌ يُوجَدُ كَذَا شَقِيقَةٌ، وَأُخْتٌ لأبِ ... مَعَ انْفِرَادِهِنَّ عَنْ مُعَصِّبِ - مسألة: (فَالنِّصْفِ فَرْضُ خَمْسَةِ) أصناف (إنْ أُفْرِدُوا) أي: إن انفرد كل واحد منهم عن الفرع الوارث، كما يأتي بيانه . الصنف الأول: الـ (بِنْتُ)، وتستحق النصف بثلاثة شروط: ١ - عدم المعصب، وهو أخوها، سواء كان شقيقًا، أو أخاً لأب، أو أخاً لأم؛ لقول الله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، فأعطى الأنثى مع الذكر نصف نصيبه، ولم يفرض لها النصف. فإن وُجَد المعصب؛ فللذكر مثل حظ الأنثيين.
следующие страницы →