- فرعٌ: (وَلَا يُجْزِئُ بَدَنةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) تُذْبَح عقيقةً (إِلَّا كَامِلَةً) فلا يُجْزِئ فيها شركٌ في بدنةٍ أو بقرةٍ؛ لعدم وروده، واختاره ابن عثيمينَ.
- مسألةٌ: وقت ذبح العقيقة ينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:
القسم الأوَّل: وقت الجواز: من حين الولادة؛ لأنَّ سبب العقيقة شكر الله على نعمة الولد، وهي موجودةٌ من حين الولادة.
القسم الثَّاني: وقت الاستحباب: يُسَنُّ أن (تُذْبَحَ) العقيقة (فِي سَابِعِ) يومٍ من (وِلَادَتِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ)؛ لحديث سمرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى» [أبو داود ٢٨٣٨، والترمذي ١٥٢٢، والنسائي ٤٢٣١، وابن ماجهْ ٣١٦٥].
(فَإِنْ فَاتَ) اليوم السَّابع ولم يعقَّ عنه (فَـ) يُسَنُّ (فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ) أي: اليوم الرَّابع عشرَ من ميلاده، (فَإِنْ فَاتَ فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ)؛ لقول عائشةَ ﵂: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، تُقْطَعُ جُدُولًا، وَلَا يُكْسَرَ لَهَا عَظْمٌ، فَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ وَيَتَصَدَّقُ، وَلْيَكُنْ ذَاكَ يَوْمَ السَّابِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ» [الحاكم ٧٥٩٥، وصححه، ووافقه الذهبي]، (وَلَا تُعْتبَرُ الأَسَابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ لأنَّه قضاء دمٍ فائتٍ فلم يتوقَّف على يومٍ؛ كقضاء الأضحيَّة.
стр. 492
- فرعٌ: (وَلَا يُكْسَرُ عَظْمُهَا)؛ لقول عائشةَ ﵂ السابق: «تُقْطَعُ جُدُولًا، وَلَا يُكْسَرَ لَهَا عَظْمٌ».
- فرعٌ: (وَطَبْخُهَا أَفْضَلُ) من إخراجها نيِّئةً؛ لقول عائشةَ السَّابق، (وَيَكُونُ مِنْهُ) أي: الطَّبيخ (بِـ) ـشيءٍ (حُلْوٍ)؛ تفاؤلًا بحلاوة أخلاقه.
- مسألةٌ: (وَحُكْمُهَا) أي: العقيقة (كَأُضْحِيَّةٍ فِيمَا يُجْزِئُ) منها، (وَ) ما (يُسْتَحَبُّ، وَ) ما (يُكْرَهُ) أي: في أكثر أحكامها، كالأكل والهديَّة والصَّدقة، وما يجوز من الحيوان، وما يجتنبه من العيوب ونحو ذلك؛ لاشتراكهما في تعلُّق حقِّ الفقراء بهما .
(لَكِنْ) تخالف العقيقةُ الأضحيَّةَ في أنَّ العقيقةَ يجوز أن (يُبَاعُ جِلْدٌ وَرَأْسٌ وَسَوَاقِطُ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ)؛ لأنَّها شُرِعَت لسرورٍ حادثٍ أشبهت الوليمة، بخلاف الأضحيَّة، فلا يُبَاع شيءٌ منها؛ لأنَّها شُرِعَت يوم النَّحر، فأشبهت الهدي.
وعنه روايةٌ مخرَّجةٌ: أنَّه لا يُبَاع منها شيءٌ؛ كالأضحيَّة.
- مسألةٌ: (وَإِنِ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ)؛ بأن يكون اليوم السَّابع من الولادة أو نحوه من أيَّام النَّحر؛ (أَجْزَأَتْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى)؛ كما لو
стр. 493
اتَّفق يوم عيدٍ وجمعةٍ فاغتسل لأحدهما.
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: لا تجزئ إحداهما عن الأخرى؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما مقصودةٌ لذاتها.
стр. 494
(كِتَابُ الجِهَادِ)
لغةً: بذل الطَّاقة والوسع، مصدر جاهد، أي: بالغ في قتل عدوِّه.
وشرعًا: قتال الكفَّار خاصَّةً.
وهو مشروعٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى: (كتب عليكم القتال)، ولفعله ﷺ .
- مسألةٌ: (وَهُوَ) أي: الجهاد (فَرْضُ كِفَايَةٍ)، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي، وإلَّا أثم الكلُّ؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) [التوبة: ١٢٢]؛ ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يبعث السَّرايا ويقيم هو وأصحابه .
- فرعٌ: الجهاد فرض كفايةٍ (إِلَّا) في أربعة أحوالٍ يكون فيها الجهاد فرضَ عينٍ:
١ - (إِذَا حَضَرَهُ) أي: حضر صفَّ القتال؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥].
٢ - (أَوْ حَصَرَهُ عَدَوٌّ)، إجماعًا؛ لأنَّه من باب دفع الصَّائل، وهو في معنى الَّذي حضر صفَّ القتال.
стр. 495
٣ - (أَوْ كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا) ولم يكن له عذرٌ: (فَـ) ـهو (فَرْضُ عَيْنٍ) عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨].
٤ - إذا احتيج إليه، كمن يعرف شيئًا من آلات الحرب أو مكان العدوِّ ونحوه؛ لأنَّه إذا لم يقم به أحدٌ تضرَّر النَّاس، فصار فرضَ عينٍ عليه.
- فرعٌ: (وَيُسَنُّ) جهادٌ (بِتَأَكُّدٍ مَعَ قِيَامِ مَنْ يَكْفِي بِهِ)؛ للآيات والأخبار الدَّالَّة على فضله.
- فرعٌ: (وَلَا يَجِبُ) جهادٌ (إِلَّا عَلَى) من توفَّرت فيه شروطٌ، وهي:
١ - (ذَكَرٌ) فلا يجب على المرأة؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله؛ على النِّساء جهادٌ؟ قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحجُّ وَالْعُمْرَةُ» [أحمد: ٢٤٤٦٣، وابن ماجه: ٢٩٠١].
٢ - (مُسْلِمٌ) فلا يجب على كافرٍ؛ لأنَّ الإسلام شرطٌ للوجوب في سائر الفروع.
٣ - (حُرٌّ) فلا يجب على العبد؛ لعدم قدرته الماليَّة.
٤ - (مُكَلَّفٍ) فلا يجب على صبيٍّ، ولا مجنونٍ؛ لأنَّ هذه من شرائط
стр. 496
التَّكليف بسائر الفروع.
٥ - (صَحِيحٍ) فلا يلزم نحو: أعمى وأعرجَ ومريضٍ؛ لقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾ [الفتح: ١٧].
- مسألةٌ: (وَأَفْضَلُ مُتَطَوَّعٍ بِهِ) من العبادات هو (الجِهَادُ) قال أحمدُ: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضلَ من الجهاد؛ لحديث أبي سعيدٍ قال: قيل يا رسول الله: أي النَّاس أفضلُ؟ قال: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» [البخاري: ٢٧٨٦، ومسلم: ١٨٨٨] .
- فرعٌ: (وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ) من غزو البرِّ؛ لأنَّ البحر أعظمُ خطرًا ومشقَّةً.
- مسألةٌ: (وَسُنَّ رِبَاطٌ، وَهُوَ: لُزُومُ ثَغْرٍ لِجِهَادٍ)، والثَغْر هو: كلُّ مكانٍ يُخيف أهلُهُ العدوَّ ويخيفهم؛ لحديث سهل بن سعدٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» [البخاري: ٢٨٩٢]، (وَلَوْ) كان الرِّباط (سَاعَةً)؛ لإطلاق الأدلَّة .
- فرعٌ: (وَتَمَامُهُ) أي: الرِّباط: (أَرْبَعُونَ يَوْمًا)؛ لما صحَّ عن ابن عمرَ ﵄: أنَّ ابنًا له رابط ثلاثين ليلةً ثمَّ رجع، فقال له ابن عمرَ ﵄: «أَعْزِمُ
стр. 497
عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتُرَابِطَنَّ عَشْرًا حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ» [ابن أبي شيبة: ١٩٤٥٨].
- فرعٌ: (وَأَفْضَلُهُ) أي: الرِّباط (بِأَشَدِّ خَوْفٍ) من الثُّغور؛ لأنَّ مقامه به أنفعُ وأهله به أحوجُ.
- فرعٌ: (وَهُوَ) أي: الرِّباط (أَفْضَلُ مِنَ المُقَامِ بِمَكَّةَ)، ذكره شيخ الإسلام إجماعًا.
- مسألةٌ: (وَلَا يَتَطَوَّعُ بِهِ) أي: الجهاد (مَدِينٌ لَا وَفَاءَ لَهُ)، حالًّا كان الدَّيْن أو مؤجَّلًا؛ لأنَّ الجهاد يُقْصَدُ منه الشَّهادة، فتفوت به النَّفس فيفوت الحقُّ، (إِلاَّ) في حالاتٍ:
١ - أن يكون الدَّيْن لله تعالى.
٢ - أن يكون الدَّيْن لآدميٍّ وله وفاءٌ، فيجوز؛ لعدم ضياع حقِّ الغريم إذن.
٣ - (مَعَ إِذْنٍ) ربِّ الدَّيْن؛ فيجوز؛ لرضاه.
٤ - (أَوْ) مع (رَهْنٍ مُحْرَزٍ) لدَّيْنٍ، أي: يمكنه وفاؤه منه؛ لأنَّه لا ضررَ على ربِّ الدَّيْن.
٥ - (أَوْ) مع (كَفِيلٍ مَلِيءٍ) بالدَّيْن، فيجوز؛ لما تقدَّم.
стр. 498
- مسألةٌ: (وَلَا) يَتَطَوُّع بالجهاد (مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ حُرٌّ) لا عبدٌ؛ لعدم ولايته، أشبه المجنون، (مُسْلِمٌ) لا كافرٌ، فلا يُشْتَرَطُ إذنُه حينئذٍ؛ لأنَّ الكافر لا يسعى في مصلحة المسلمين، وكثيرٌ من الصَّحابة جاهد وأحدُ أبويه كافرٌ ولم يَرِدْ عنهم استئذانهم، (إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: الوالد الحرُّ المسلم العاقل؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ »، قال: نعم، قال: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [البخاري: ٣٠٠٤، ومسلم: ٢٥٤٩]، ولأنَّ بِرَّهما فرض عينٍ، والجهاد فرض كفايةٍ، والأوَّل مقدَّم .
وفي وجهٍ: لا يُشْتَرَطُ كون أحد الأبوين حرًّا، بل يجب استئذانه ولو كان رقيقًا؛ للقاعدة: (الأصل تساوي الأحرار والأرقَّاء في العبادات البدنيَّة المحضة).
- مسألةٌ: (وَلَا يَحِلُّ لِلمُسْلِمِينَ الفِرَارُ مِنْ مِثْلَيْهِمْ؛ وَلَوْ) كان الفارُّ (وَاحِدًا مِنِ اثْنَيْنِ) كافرين إلَّا في ثلاثة أحوالٍ:
١ - أن يكون متحرِّفًا لقتالٍ، بأن ينحاز إلى موضعٍ يكون القتال فيه أمكنَ؛ لقوله تعالى: (إلَّا متحرِّفًا لقتالٍ أو متحيِّزًا إلى فئةٍ) [الأنفال: ١٦].
٢ - أن يكون متحيِّزًا إلى فئةٍ ناصرةٍ تقاتل معهم، ولو بَعُدَتْ؛ للآية السابقة.
стр. 499
٣ - (فَإِنْ زَادُوا) أي: الكفَّار (عَلَى مِثْلَيْهِمْ) أي: مِثْلَيِ المسلمين؛ (جَازَ) الفرار؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
- مسألةٌ: (وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ):
- (صَبِيٍّ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» [البخاري: ٣٠١٤، ومسلم: ١٧٤٤].
- (وَأُنْثَى)؛ لما تقدَّم.
- (وَخُنْثَى)؛ لاحتمال أن يكون امرأةً.
- (وَرَاهِبٍ)؛ لوروده عن أبي بكرٍ [الموطأ: ١٦٢٧].
- (وَشَيْخٍ فَانٍ)؛ لأنَّه ليس من أهل القتال أشبه المرأة.
- (وَزَمِنٍ)، والزمانة هي العاهة؛ لأنَّه ليس من أهل القتال، فهو كالمرأة.
- (وَأَعْمَى)؛ لما تقدَّم في الزَّمِن.
فلا يجوز قتل هؤلاء بشرطين:
стр. 500
الأوَّل: أن يكون (لَا رَأْيَ لَهُمْ)، فإن كان لأحدٍ منهم رأيٌ في القتال جاز قتله؛ لأنَّ دريد بن الصِّمَّة قُتِلَ يوم حنينٍ وهو شيخٌ فانٍ [البخاري: ٤٣٢٣، ومسلم: ٢٤٩٨]، وكانوا قد خرجوا به معهم ليستعينوا برأيه، فلم ينكر ﷺ قتلَه، ولأنَّ الرَّأي من أعظم المعونة في الحرب، وربّما كان أبلغَ من القتال.
(وَ) الثَّاني: إذا (وَلَمْ يُقَاتِلُوا أَوْ يُحَرِّضُوا عَلَى القِتَالِ)؛ فإن قاتل أحدٌ منهم أو حرَّض عليه جاز قتله؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على امرأةٍ مقتولةٍ يوم الخندق، فقال: «من قَتَلَ هذه؟ » فقال رجلٌ: أنا، نازعتني قائمَ سَيْفِي فَسَكَتَ. [معجم الطبراني ١٢٠٨٢].
- مسألةٌ: (وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِي أَسِيرٍ، حُرٍّ، مُقَاتِلٍ بَيْنَ) أربعة أمورٍ:
١ - (قَتْلٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥].
٢ - (وَرِقٍّ)؛ لأنَّهم يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية، فبالرِّق أَوْلَى؛ لأنَّه أبلغُ في صغارهم.
٣ - (وَمَنٍّ)؛ لقوله تعالى: ﴿فإمَّا منَّا بعدُ وإمَّا فداءً﴾ [محمد: ٤].
٤ - (وَفِدَاءٍ بِمُسْلِمٍ، أَوْ بمَالٍ)؛ للآية السَّابقة.
стр. 501
- فرعٌ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أي: الإمام (اخْتِيَارُ الأَصْلَحِ) للمسلمين من تلك الأربع؛ لأنَّ من يختار لغيره فاختياره اختيار مصلحةٍ لا اختيار تَشَهٍّ، (فَإِنْ تَرَدَّدَ نَظَرُهُ) أي: الإمام في هذه الخصال (فَقَتْلُ) الأسرى (أَوْلَى)؛ لكفاية شرِّهم.
(فَصْلٌ) فيما يلزم الإمام في الغزو
- مسألةٌ: (وَيَلْزَمُ) كلًّا من (الإِمَامِ أَوِ الجَيْشِ إِخْلَاصُ النِّيَّةِ لله تَعَالَى فِي الطَّاعَاتِ) كلِّها من جهادٍ وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥] .
- مسألةٌ: (وَعَلَيْهِ) أي: الإمام (عِنْدَ المَسِيرِ) أي: مسير الجيش:
١ - (تَعَاهُدُ الرِّجَالِ وَالخَيْلِ)؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي» [الترمذي: ١٣٦١، وابن ماجهْ: ٢٥٤٣]، ولأنَّ ذلك من مصالح الجيش فلزمه فعله.
стр. 502
٢ - (وَمَنْعُ) جماعةٍ من المسير معه، وهم:
- (مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلحَرْبِ) من الرِّجال والخيل؛ كصبيٍّ لم يشتدَّ، ومجنونٍ، وخيلٍ مهزولٍ، وهرمٍ ونحوِه؛ لأنَّه لا منفعةَ بهم.
- (وَمُخَذِّلٍ)، وهو: الَّذي يفند النَّاس عن القتال، ويزهِّدُهم فيه.
- (ومُرْجِفٍ)، وهو: الَّذي يُحدِّث بقوَّة الكفَّار ويضعِّف المسلمين؛ لقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادوكم إلا خبالا﴾ [التوبة: ٤٧].
- (وَمُكَاتِبٍ) الكفَّار (بِأَخْبَارِنَا)؛ ليدلَّ العدوَّ على عوراتنا.
- (وَمَعْرُوفٍ بِنِفَاقٍ) وزندقةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا﴾ [التوبة: ٨٣].
- (وَرَامٍ بَيْنَنَا) أي: المسلمين (بِفِتَنٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ الآية [التوبة: ٤٧].
- (وَصَبِيٍّ) ولو مميِّزًا؛ لأنَّ في دخولهما أرض العدوِّ تعرُّضًا للهلاك من غير فائدةٍ.
- (وَنِسَاءٍ)؛ لأنَّهنَّ لَسْنَ من أهل القتال، ولا يُؤْمَنُ ظفر العدوِّ بهنَّ، فيستحلون ما حرَّم الله منهنَّ، (إِلَّا عَجُوزًا لِسَقْيِ مَاءٍ وَنَحْوِهِ)؛ كمعالجة
стр. 503
جرحى؛ لحديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذٍ ﵂ قالت: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي وَنُدَاوِي الجَرْحَى، وَنَرُدُّ القَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ» [البخاري: ٢٨٨٢].
- مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ اسْتِعَانَةٌ بِكَافِرٍ) في الغزو، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ قِبَل بدرٍ، فلمَّا كان بحَرَّة الوبرة أدركه رجلٌ قد كان يذكر منه جرأةً ونجدةً، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رَأَوْهُ، فلمَّا أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتَّبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ : «تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ » قال: لا، قال: «فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» [مسلم: ١٨١٧]، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ) ككون الكفَّار أكثرَ عددًا ونحوه، بشرط أن يكون حسن الرَّأي في المسلمين، وأن يكون مأمونًا، لما ورد من دخول النَّبيِّ ﷺ في جوار المطعم بن عديٍّ بعد عودته من الطَّائف [سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٥]، واستعانته بعبد الله بن أُرَيْقِط في الهجرة [البخاري: ٢٢٦٣] .
- مسألةٌ: (وَيَمْنَعُ) الإمام (جَيْشَهُ مِنْ) أمورٍ، منها:
١ - (مُحَرَّمٌ) من إفسادٍ ومعاصٍ؛ لأنَّها أسباب الخذلان.
٢ - (وَتَشَاغُلٌ بِتِجَارَةٍ) تمنعهم من الجهاد.
- مسألةٌ: (وَيَعِدُ) الإمام (الصَّابِرَ) في القتال (بِأَجْرٍ وَنَفَلٍ)؛ ترغيبًا له فيه .
стр. 504
- مسألةٌ: (وَيُشَاوِرُ) الإمام (ذَا رَأْيٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
- مسألةٌ: (وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا) من الكفَّار، أو أثخنه بالجراح (فِي حَالَةِ الحَرْبِ) لا إن انهزم الكفَّار كلُّهم فأدرك إنسانًا منهزمًا فقتله؛ (فَلَهُ) أي: المسلم (سَلَبُهُ) قال في «المبدع»: (بغير خلافٍ نعلمه)، سواءً شرطه له الإمام أم لا؛ لحديث أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ» [أحمدُ: ١٢١٣١، وأبو داود: ٢٧١٨] .
- فرعٌ: (وَهُوَ) أي: السَّلب: (مَا عَلَيْهِ) أي: الكافر (مِنْ ثِيَابٍ، وَحُلِيٍّ، وَسِلَاحٍ، وَكَذَا دَابَّتُهُ الَّتِي قَاتَلَ عَلَيْهَا، وَمَا عَلَيْهَا) من آلتها؛ لأنَّه تابعٌ لها ويُسْتَعَان به في الحرب فأشبه السَّلاح، (وَأَمَّا نَفَقَتُهُ) أي: المقتول، (وَرَحْلُهُ، وَخَيْمَتُهُ، وَجَنِيبُهُ) أي: الدَّابَّة الَّتي لم يكن راكبها حال القتال؛ (فَـ) ـهو (غَنِيمَةٌ)؛ لأنَّه ليس من سلبه.
стр. 505
(فَصْلٌ) في الغنيمة وغيرها
- مسألةٌ: (وَتُمْلَكُ الغَنِيمَةُ) وهي: ما أُخِذَ من مال حربيٍّ قهرًا بقتالٍ وما أُلِحِقَ به؛ كفداء الأسرى، مشتقَّةٌ من الغُنْم وهو الرِّبح، (بِالِاسْتِيَلَاءِ عَلَيْهَا فِي دَارِ الحَرْبِ)، ولو لم يقسمها أو يحوزها إلى بلاد المسلمين؛ لأنَّها مالٌ مباحٌ، فَمُلِكَت بالاستيلاء عليها كسائر المباحات .
- فرعٌ: يَقْسِم الإمامُ الغنيمةَ خمسة أقسامٍ متساويةٍ، (فَيُجْعَلُ خُمُسُهَا) الأوَّل (خَمْسَةَ أَسْهَمٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]، وسهم الله ورسوله شيءٌ واحدٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].
- فرعٌ: الخُمُس الأوَّل يُقْسَم خمسة أقسامٍ:
١ - (سَهْمٌ لله وَرَسُولِهِ) ﷺ ، (يُصْرَفُ مَصْرِفَ الفَيْءِ)، للمصالح؛ لحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: «لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الفَيْءِ
стр. 506
شَيْءٌ، وَلَا هَذَا -وَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ- إِلَّا الخمُسَ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» [أحمدُ: ٦٧٢٩، أبو داودَ: ٢٦٩٤، والنَّسائيُّ: ٤١٣٩]، ولا يكون مردودًا علينا إلَّا إذا صُرِفَ في مصالحنا.
٢ - (وَسَهْمٌ لِذَوِي القُرْبَى)؛ للآية السَّابقة، وهو ثابتٌ بعد موته ﷺ لم ينقطع؛ لأنَّه لم يأتِ ناسخٌ ولا مغيِّرٌ، (وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَالمُطَّلِبِ) ابنَيْ عبد منافٍ؛ لما رَوَى جبيرُ بن مُطْعِمٍ قال: مشيتُ أنا وعثمانُ بن عفَّانَ ﵃ إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله؛ أعطيتَ بني المطَّلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلةٍ واحدةٍ؟ فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، قال جبيرٌ: ولم يَقْسِمِ النَّبيُّ ﷺ لبني عبد شمسٍ، ولا لبني نوفلٍ. [البخاري: ٣١٤٠].
٣ - (وَسَهْمٌ لِليَتَامَى)؛ للآية، واليتيم: من لا أبَ له ولم يبلغ؛ لحديث عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: قال ﷺ : «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» [أبو داودَ: ٢٨٧٣].
- فرعٌ: يُشْتَرَطُ في اليتامى أن يكونوا من (الفُقَرَاءِ)؛ لأنَّ اسم اليتيم في العُرْف للرَّحمة، ومن أُعْطِيَ لذلك اعْتُبِرَتْ فيه الحاجة، بخلاف القرابة.
واختار ابن قدامةَ وابن عثيمينَ: لا يُشْتَرَطُ الفقر في اليتامى، بل يشمل الفقير والغنيَّ؛ لعموم الآية، ولأنَّه لو اشُتِرِطَ الفقر لما احتاج إلى التَّنصيص على اليُتْمِ؛ لاندراجه في سهم المساكين.
стр. 507
٤ - (وَسَهْمٌ لِلمَسَاكِينِ)؛ للآية، وهم: من لا يجدون تمام كفايتهم، فيدخل فيهم الفقراء، فهما صنفان في الزَّكاة فقط، وفي سائر الأحكام صنفٌ واحدٌ.
٥ - (وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ)؛ للآية.
- فرعٌ: (ثُمَّ يُقْسَمُ البَاقِي) وهو أربعة أخماسِ الغنيمةِ (بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الوَقْعَةَ) أي: الحرب (لِقَصْدِ قِتَالٍ)، قاتَلَ أو لم يقاتِلْ؛ لقول عمرَ ﵁: «الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ» [ابن أبي شيبةَ: ٣٣٢٢٥، وصحَّحه ابن كثيرٍ]، (وَنَحْوِهِ)؛ كالتُّجَّار، وأرباب الصَّنائع، ونحوهم؛ إذا كانوا مستعدِّين للقتال، ومعهم السَّلاح؛ لأنَّه رِدْءٌ للمقاتِل لاستعداده أشبه المقاتِل.
- فرعٌ: يُقْسَمُ باقي الغنيمة على التَّفصيل التَّالي:
- (لِلرَّاجِلِ) أي: للَّذي قاتل بلا دابَّةٍ: (سَهْمٌ) بغير خلافٍ؛ لأنَّه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة.
- (وَلِلفَارِسِ عَلَى فَرَسٍ عَرِبِيٍّ: ثَلَاثَةُ) أسهمٍ؛ سهمٌ له، وسهمان لفرَسِهِ؛ لما ورد عن ابن عمرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا» [البخاريُّ: ٢٨٦٣، ومسلمٌ: ١٧٦٢].
- (وَ) للفارس (عَلَى) فَرَسٍ (غَيْرِهِ) أي: غير العربيِّ، أو كان أحدُ
стр. 508
أبوَيْهِ غير عربيٍّ: سهمانِ (اثْنَانِ)؛ سهمٌ له، وسهمٌ لفَرَسِهِ؛ لما روى خالد بن معدانَ ﵁ قال: «أَسْهَمَ رَسُولَ الله ﷺ للعِرَابِ سَهْمَيْنِ، وَلِلْهَجِينِ سَهْمًا (١)» [ابن أبي شيبةَ: ٣٣١٨٩].
وعنه: إن أدرك غيرُ العربيِّ إدراكَ العراب أُسْهِمَ لها كالعربيِّ، وإلَّا فلا.
- فرعٌ: (وَلَا يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ)؛ لما روى الأوزاعيُّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْلِ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِلرَّجُلِ فَوْقَ فَرَسَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ» [سنن سعيد بن منصورٍ: ٢٧٧٤، وهو معضلٌ]؛ ولأنَّ به حاجةً إلى الثَّاني بخلاف الثَّالث.
وعند الثَّلاثة: لا يُسْهَم لأكثرَ من فرسٍ واحدٍ؛ لأنَّه لا يمكن أن يُقَاتِلَ على أكثرَ منها، فلم يُسْهَمْ لما زاد عليها.
- فرعٌ: (وَلَا) يُسْهَمُ ولا يُرْضَخ (لِغَيْرِ الخَيْلِ)؛ كفيلٍ، وبعيرٍ، وبغلٍ، ونحوها، ولو عظم نفعها، وقامت مقام الخيل؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ عنه ﷺ أنَّه أسهمَ لغير الخيل، وقد كان معه يوم بدرٍ سبعون بعيرًا.
وعند شيخ الإسلام: يُرْضَخُ لكلِّ حيوانٍ يُنْتفَعُ به، قال: (وهو قياس الأصول والمذهب).
стр. 509
- مسألةٌ: (وَشُرِطَ فِيمَنْ يُسْهَمُ لَهُ) من الغنيمة (أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ):
١ - (البُلُوغُ)، فلا يُسْهَمُ للصِّبيان؛ لأنَّهم ليسوا من أهل الجهاد.
٢ - (وَالعَقْلُ)، فلا يُسْهَمُ للمجانين؛ لأنَّهم ليسوا من أهل الجهاد.
٣ - (وَالحُرِّيَّةُ)، فلا يُسْهَمُ للعبيد؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «كَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ المَرْأَةِ وَالْعَبْدِ يَحْضُرَانِ المَغْنَمَ، هَلْ يُقْسَمُ لهُمَا شَيْءٌ؟ وَإِنَّهُ لَيْسَ لهُمَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا» [مسلمٌ: ١٨١٢].
٤ - (وَالذُّكُورَةُ)، فلا يُسْهَمُ للنِّساء؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْزُو بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ» [مسلمٌ: ١٨١٢]، وفي رواية أبي داودَ: «وَقَدْ كَانَ يُرْضَخُ لَهُنَّ» [٢٧٢٨].
- فرعٌ: (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ) من الشُّروط الأربعة السَّابقة (رَضَخَ لَهُ) الإمام (وَلَمْ يُسْهِمْ) له؛ كالنِّساء، والعبيد، والصِّبيان، والكفَّار، واختاره شيخ الإسلام، فَيُعْطَوْنَ الرَّضْخ بعد تقسيم الخُمُس الأوَّل، وقبل قسمة باقي الأخماس على الغانمين؛ لما تقدَّم من الأدلَّة.
- فرعٌ: (وَالرَّضْخُ): هو (العَطَاءُ) القليل (دُونَ السَّهْمِ).
стр. 510
- مسألةٌ: (وَإِذَا فَتَحُوا أَرْضًا بِالسَّيْفِ) أي: قهرًا وغلبةً؛ (خُيِّرَ الإِمَامُ) تخيير مصلحةٍ؛ لأنَّه نائب المسلمين فلا يفعل إلَّا ما فيه صلاحهم، (بَيْنَ) أمرين:
الأوَّل: (قَسْمِهَا) بين الغانمين؛ لحديث سهل بن أبي حثمةَ ﵁: «قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ، نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا» [أبو داود ٣٠١٠، وصحَّحه ابن حجرٍ]، ولا خراجَ عليها؛ لأنَّها ملكٌ للغانمين.
(وَ) الثَّاني: بين (وَقْفِهَا عَلَى المِسْلِمِينَ) بلفظٍ من ألفاظ الوقف؛ لأنَّ الوقف لا يثبت بنفسه، (ضَارِبًا) أي: الإمام (عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ)، من مسلمٍ وذمِّيٍّ، فيمتنع بيعها وهبتها كسائر الوقوف، ويكون أجرة لها في كلِّ عامٍ، كما فعل عمرُ ﵁ فيما فتحه من أرض الشَّام والعراق ومصرَ، وقال ﵁: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا» [البخاريُّ ٤٢٣٥] أي: كالخزانة يقتسمون ما فيها كلَّ وقتٍ.
واختار شيخ الإسلام وابن القيِّم هذا القول، لكن قالا: إنَّ المراد بالوقف هنا ليس هو الوقف الاصطلاحيَّ؛ لأنَّ الأرض الخراجيَّة تُورَثُ بالاتِّفاق وتُوهَبُ، والوقف لا يُورَثُ ولا يُوهَب.
(فَصْلٌ) في عقد الذِّمَّة وأحكامها
الذِّمَّة لغةً: العهد، والضَّمان، والأمان.
ومعنى عقد الذِّمَّة: إقرار بعض الكفَّار على كفرهم، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملَّة.
- مسألةٌ: (وَ) لا (وَيَجُوزُ) أي: يصحُّ (عَقْدُ الذِّمَّةِ) إلَّا بشرطين:
١ - أن تكون (لِمَنْ لَهُ كِتَابٌ)، وهم اليهود والنَّصارى على اختلاف طوائفهم، ومن تبعهم؛ فَتَدَيَّنَ بأحد الدِّينَيْنِ كالسَامِرَة: وهم قبيلةٌ من بني إسرائيلَ نُسِبَ إليهم السَّامريُّ، والفرنج: وهم الرُّوم، إجماعًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، (أَوْ) له (شبهةُ كِتَابٍ كَالمَجُوسِ)؛ لأَنَّ «عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ شَهِد أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ» [البخاريُّ ٣١٥٦].
وأمَّا من عداهم فلا يُقْبَلُ منهم إلَّا الإسلام أو القتل؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: قال رسول الله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله» [البخاريُّ ٢٥، ومسلمٌ ٢٢].
واختار شيخ الإسلام: أنَّها تُعْقَدُ مع جميع الكفَّار؛ لحديث أنسٍ ﵁:
стр. 513
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأُخِذَ فَأَتَوْهُ بِهِ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ» [أبو داودَ ٣٠٣٧، وحسَّنه الألبانيُّ]، وأُكَيْدِرُ كان من مشركي العرب.
٢ - أن يعقدها الإمام أو نائبه، وأشار إليه بقوله: (وَلَا يَصِحُّ عَقْدُهَا) أي: الذِّمَّة: (إِلَّا مِنْ إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ)؛ لأنَّ ذلك يتعلَّق بنظر الإمام وما يراه من المصلحة.
- مسألةٌ: (وَيَجِبُ) على الإمام عقد الذِّمَّة (إِنْ أَمِنَ مَكْرَهُمْ)؛ لحديث عبادةَ بن الصَّامت ﵁ مرفوعًا: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمدُ: ٢٢٧٧٨، وابن ماجهْ: ٢٣٤٠]، (وَالْتَزَمُوا لَنَا بِأَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ):
١ - (أَنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)؛ بأن يُمْتَهَنُون عند أخذها، وهم صاغرون؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
٢ - (وَأَلَّا يَذْكُرُوا دِينَ الإِسْلَامِ إِلَّا بِخَيْرٍ)؛ لما فيه من الضَّرر على المسلمين، أشبه الامتناع من بذل الجزية.
٣ - (وَأَلَّا يَفْعَلُوا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى المِسْلِمِينَ)؛ لحديث عبادةَ بن الصَّامت ﵁ مرفوعًا: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
стр. 514
٤ - (وَأَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الإِسْلَامِ فِي) ضمان (نَفْسٍ، وَمَالٍ، وَعِرْضٍ، وَ) في (إِقَامَةِ حَدٍّ فِيمَا يُحَرِّمُونَهُ) أي: يعتقدون تحريمه؛ (كَالزِّنَى، لَا فِيمَا يُحِلُّونُهُ) أي: يعتقدون حلَّه (كَـ) ـشرب (الخَمْرِ)؛ لحديث أنسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ يَهُودِيًّا بِجَارِيَةٍ قَتَلَهَا عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا» [البخاريُّ ٢٤١٣، ومسلمٌ ١٦٧٢].
- مسألةٌ: (وَلَا تُؤْخَذُ الجِزْيةُ) إلَّا مـ (ـمَّنْ) توفَّرت في خمسة شروطٍ:
١ - أن يكون بالغًا: فلا جزيةَ على (صَبِيٍّ) إجماعًا؛ لأنَّ عمرَ ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد: «أَنَ لَا يَضْرِبُوا الجِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الصِّبْيَانِ، وَأَنْ يَضْرِبُوا الجِزْيَةَ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ المُوسَى مِنَ الرِّجَالِ، وَأَنْ يُخْتَمُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَيَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ مَنِ اتَّخَذَ مِنْهُمْ شَعْرًا، وَيُلْزِمُوهُمُ الْمَنَاطِقَ، وَيَمْنَعُوهُمُ الرُّكُوبَ إِلَّا عَلَى الأَكُفِّ عَرْضًا» [مصنَّف عبد الرَّزَّاق ١٠٠٩٠].
٢ - (وَ) أن يكون حرًّا: فلا جزيةَ على (عَبْدٍ) إجماعًا؛ قال أحمدُ: (العبد ليس صدقةً، لنصرانيٍّ كان أو لمسلمٍ، كما قال ابن عمرَ ﵄، ولأنَّه مالٌ فلم تجب عليه كسائر الحيوانات.
стр. 515
٣ - (وَ) أن يكون ذكرًا: فلا جزيةَ على (امْرَأَةٍ) إجماعًا؛ لأثر عمرَ السَّابق، ولا على خنثى مشكلٍ؛ لأنَّه لا يعلم كونه ذكرًا.
٤ - (وَ) أن يكون غنيًّا: فلا جزيةَ على (فَقِيرٍ عَاجِزٍ عَنْهَا)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فإن كان الفقير غير عاجزٍ عنها كالمعتمل؛ وجبت عليه الجزية؛ لوروده عن عمرَ ﵁ [الأموال لأبي عبيدٍ ١٠٤، وهو مرسلٌ].
٥ - أن يكون من أهل القتال: فلا جزيةَ على مجنونٍ، ولا زَمِنٍ، ولا أعمى، ولا شيخٍ فانٍ، (وَنَحْوِهِمْ)؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]، فدلَّ على أنَّ الجزية تُؤْخَذُ ممَّن كان من أهل القتال دون غيرهم، وقياسًا على النِّساء والصِّبيان.
- مسألةٌ: (وَيَلْزَمُهُمُ) أي: أهل الذِّمَّة (التَّمْيِيزُ عَنِ المُسْلِمِينَ)، فيشترطه الإمام عليهم، ويكون التَّمييز في أمورٍ؛ كاللِّباس، والكلام، وركوب الدَّوابِّ، والكُنَى، غير ذلك؛ لكتاب عبد الرَّحمن بن غنمٍ إلى عمرَ ﵁ [أحكام أهل الملل للخلَّال: ١٠٠٠] .
- مسألةٌ: (وَيُمْنَعُونَ) أي: أهل الذِّمَّة (مِنْ):
١ - (رُكُوبِ الخَيْلِ)؛ لأنَّ الخيل هي مادة القتال والجهاد، ولهم ركوب غير ذلك؛ كالبغال والحمير.
стр. 516
٢ - (وَ) يُمْنَع أهل الذِّمَّة من (حَمْلِ السِّلَاحِ)؛ لأنَّه يعين على الحرب.
٣ - (وَ) يُمْنَعُ أهل الذِّمَّة من (تَعْلِيَةِ بِنَاءٍ عَلَى مُسْلِمٍ) مجاورٍ لهم، (وَلَوْ رَضِيَ) جارُهم المسلم بتعلية بنائهم عليه؛ لأنَّه لحقِّ الله، ولحقِّ من يحدث بعدهم، (وَيَجِبُ نَقْضُهُ) أي: ما علا من بنائهم على بناء جارهم المسلم إزالةً لعدوانهم.
- فرعٌ: (وَيَضْمَنُ ذِمِّيٌّ) علا بناؤه على بناء جاره المسلم (مَا تَلِفَ بِهِ)، أي: البناء المعلَّى قبل النَّقض؛ لتعدِّيه، ولعدم إذن الشَّارع فيها.
- فرعٌ: (لَا) يُهْدَمُ بناءٌ عالٍ (إِنْ مَلَكُوهُ مِنْ مُسْلِمٍ)؛ لأنَّه لم يحصل منهم تعليةٌ، (وَلَا يُعَادُ عَالِيًا لَوْ انْعَدَمَ) ما ملكوه من مسلمٍ عاليًا؛ لأنَّه بعد انهدامه كأنَّه لم يُوجَدْ.
(وَلَا) يُنْقَضُ بناؤهم (إِنْ بَنَى مُسْلِمٌ دَارًا عِنْدَهُمْ) في محلَّتِهم (دُونَ بِنَائِهِمْ)؛ لأنَّهم لم يُعْلُوا بناءَهم على بنائه.
- مسألةٌ: (وَ) يُمْنَعُ أهل الذِّمَّة (مِنْ إِحْدَاثِ كَنَائِسَ)، وبيعٍ، ومجتمعٍ للصَّلاة فيه، في شيءٍ من أرض المسلمين، سواءً مَصَرَّهُ المسلمون؛ كالبصرة، أو فُتِحَ عَنْوَةً؛ كمصرَ والشَّام؛ لما ورد عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه
стр. 517
قال: «أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ العَرَبُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بَيْعَةً، وَلَا يُبَاعَ فِيهِ خَمْرٌ، وَلَا يُقْتَنَى فِيهِ خِنْزِيرٌ، وَلَا يُضْرَبَ فِيهِ بِنَاقُوسٍ، وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُوَفُّوا لَهُمْ بِهِ» [أبو عبيدٍ في الأموال: ٢٦٩، واحتجَّ به أحمدُ].
- فرعٌ: (وَ) يُمْنَعُون من (بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا) أي: الكنيسة ونحوها؛ لأنَّه بعد الهدم كأنَّه لم يكن.
- مسألةٌ: (وَ) يُمْنَعُون (مِنْ إِظْهَارِ مُنْكَرٍ)؛ كنكاحٍ محرَّمٍ، (وَ) من إظهار (عِيدٍ، وَ) إظهار (صَلِيبٍ، وَ) إظهار (أَكْلٍ وَشُرْبٍ نَهَارَ رَمَضَانَ، وَ) إظهارِ (خَمْرٍ، وَخَنْزِيرٍ)؛ لأنَّه يؤذينا، (وَ) يُمْنَعُون من (رَفْعِ صَوْتٍ عَلَى مَيْتٍ، وَ) من (قِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَ) من ضرب (نَاقُوسٍ، وَجَهْرٍ بِكِتَابِهِمْ)؛ لأنَّ في كتاب ابن غنمٍ لعمرَ: «وأن لا نضربَ ناقوسًا إلَّا ضربًا خفيفًا في جوف كنائسنا»، (وَ) يُمْنَعُون من (شِرَاءِ مُصْحَفٍ وَفِقْهٍ وَحَدِيثٍ)؛ لأنَّه يتضمَّن ابتذال ذلك بأيديهم .
- مسألةٌ: (وَ) يجب (عَلَى الإِمَامِ حِفْظُهُمْ) أي: أهل الذِّمَّة، (وَمَنْعُ مَنْ يُؤْذِيهِمْ) من مسلمٍ، وذمِّيٍّ، وحربيٍّ، لأنَّهم إنَّما بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم .
стр. 518
(فَصْلٌ) في نقض العهد وما يتعلَّق به
- مسألةٌ: (وَ) ينتقض عهد أهل الذِّمَّة بأمورٍ، منها:
١ - (مَنْ أَبَى مُنْهُمْ) أي: أهل الذِّمَّة (بَذْلَ الِجزْيَةِ، أَوْ) أبى (الصَّغَارَ، أَوِ) أبى (الْتِزَامَ حُكْمِنَا)؛ لأنَّ الله تعالى أمرنا بقتالهم حتَّى يُعْطُوا الجزية، ويلتزموا أحكام الملَّة الإسلاميَّة؛ لأنَّها نسخت كلَّ حكمٍ يخالفها، فلا يجوز بقاء العهد مع الامتناع من ذلك.
٢ - (أَوْ قَاتَلَنَا) منفردًا أو مع أهل الحرب؛ لأنَّ إطلاق الأمان يقتضي عدم القتال.
٣ - (أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ، أَوْ أَصَابَهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ)؛ لما روى سويدُ بن غفلةَ عن عمرَ ﵁: أنَّه رُفِعَ إليه ذِمِّيٌّ أراد استكراه امرأةٍ على الزِّنا فصلبه، وقال: «مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاكُمْ»، ثمَّ قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ اتَّقُوا الله فِي ذِمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ هَذَا فَلَا ذِمَّةَ لَهُ» [الأموال لأبي عبيدٍ: ٤٨٦].
٤ - (أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ)؛ لعدم وفائه بمقتضى الذِّمَّة من أَمْنِ جانبه.
стр. 519
٥ - (أَوْ تَجَسَّسَ، أَوْ آوَى جَاسُوسًا)؛ لما فيه من الضَّرر على المسلمين، أشبه الامتناع من بذل الجزية.
٦ - (أَوْ ذَكَرَ اللهَ تَعَالَى، أَوْ) ذكر (كِتَابَهُ، أَوْ) ذكر (دِينَهُ، أَوْ) ذكر (رَسُولَهُ) ﷺ ؛ (بِسُوءٍ) ونحوه؛ لما فيه من الضَّرر على المسلمين، أشبه الامتناع من بذل الجزية.
٧ - (أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسْلِمٍ بِقَتْلٍ) عمدًا (أَوْ فِتْنَةٍ عَنْ دِينِهِ)؛ لأنَّه ضررٌ يعمُّ المسلمين، أشبه ما لو قاتلهم.
- فرعٌ: من وقع منه شيءٌ ممَّا تقدَّم ذكرُه؛ (انْتَقَضَ عَهْدُهُ دُونَ ذُرِّيَّتِهِ) أي: أولاده، وكذا نسائه، فلا ينتقض عهدهم تبعًا له؛ لأنَّ النَّقض وُجِدَ منه فاختصَّ به.
ويدلُّ على انتقاض عهده: كتاب أهل الجزيرة إلى عبد الرَّحمن بن غنمٍ السَّابق الَّذي أقرَّه عليه عمرُ، وفيه: «وَإِنْ نَحْنُ غَيَّرْنَا، أَوْ خَالَفْنَا عَمَّا شَرَطْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا، وَقَبِلْنَا الْأَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا ذِمَّةَ لَنَا، وَقَدْ حَلَّ لَكَ مِنَّا مَا يَحِلُّ لِأَهْلِ المُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ».
- فرعٌ: وحيث انتقض عهد أحد من أهل الذِّمَّة؛ (فَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيهِ)، تخيير مصلحةٍ واجتهادٍ للمسلمين، لا تخيير شهوةٍ، (كَـ) ما يتخيَّر في (الأَسِيرِ
стр. 520
الحَرْبِيِّ)، وهو الرَّجل البالغ المقاتل، فيخيَّر الإمام بين أربعة أمورٍ: القتل، والاسترقاق، والمنّ، والفداء كما تقدَّم.
واختار شيخ الإسلام: أنَّه إن سبَّ النَّبيَّ ﷺ تعيَّن قتلُه، وما عدا ذلك فَيُخَيَّرُ فيه الإمام على ما سبق؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قتل كعب بن الأشرف، وكان يَسُبُّ النَّبيَّ ﷺ [البخاريُّ ٤٠٣٧، ومسلمٌ ١٨٠١].
- فرعٌ: (وَمَالُهُ) أي: الذِّمِّيَّ الَّذي انتقض عهده (فَيْءٌ)؛ لأنَّ المال لا حرمةَ له في نفسه، بل هو تابعٌ لمالكه حقيقةً، وقد انتقض عهد المالك في نفسه، فكذا في ماله.
- فرعٌ: (وَيَحْرُمُ قَتْلُهُ) أي: الَّذي انتقض عهدُه (إِنْ أَسْلَمَ، وَلَوْ كَانَ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ؛ لعموم حديث عمرو بن العاص ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» [مسلمٌ: ١٢١].
وهذا آخرُ ما تيسَّر جَمْعُهُ بتوفيقِ الله تعالى ومعونتهِ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا، والحمدُ لله ربِّ العالمين