Полный текст (520 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
(وَتُجْزِئُ حَصَاةٌ نَجِسَةٌ مَعَ الكَرَاهَةِ)؛ لإطلاق حديث ابن عبَّاسٍ لما لقط الحصى لرسول الله ﷺ ، قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ» [أحمد: ١٨٥١، والنسائي: ٣٠٥٧].
- مسألةٌ: إذا وصل منًى (فَـ) ـإنَّه (يَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَحْدَهَا) دون الوسطى والصُّغرى، (بِسَبْعِ) حصياتٍ؛ واحدةً بعد أخرى؛ لحديث جابرٍ في صفة الحجِّ، وفيه: «حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا» .
- فرعٌ: (وَيُشْتَرَطُ) في رمي الجمار شروطٌ، منها:
١ - (الرَّمْيُ)، بأن يرميَ الحصى رميًا، (فَلَا يُجْزِئُ الوَضْعُ)؛ لأنَّه ليس برميٍ؛ لفعله ﷺ ، وقد قال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» [مسلم: ١٢٩٧].
٢ - (وَكَوْنُهُ) يرمي (وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى)، فلو رماها دفعةً واحدةً حُسِبَتْ واحدةً؛ لأنَّ المنصوص عليه تفريق الأعمال لا عين الحصيات، فإذا أتى بفعلٍ واحدٍ لا يكون إلَّا عن حصاةٍ واحدةٍ.
- فرعٌ: يُسْتَحَبُّ أن (يَرْفَعُ يُمْنَاهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) حال الرَّمي (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ)؛ لأنَّه أعونُ على الرَّمي.
- فرعٌ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أن (يُكَبِّرُ مَعَ) رمي (كُلِّ حَصَاةٍ)؛ لحديث جابرٍ
стр. 457
رضي الله عنه: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا».
- مسألةٌ: (ثُمَّ يَنْحَرُ) الهدي إن كان معه، واجبًا كان أو تطوُّعًا؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: «رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ» .
- مسألةٌ: (وَ) يجب على الحاجِّ أن (يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ) من جميع شعره، وهو نسكٌ من المناسك يجب بتركه دمٌ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ مرفوعًا، وفيه: «وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ» [البخاري: ١٦٩١، ومسلم: ١٢٢٧]، فلو لم يكن نسكًا لم يتوقَّف الحلُّ عليه .
- فرعٌ: يجب أن يحلقَ أو يقصرَ (مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ، لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا)؛ لأنَّ ذلك يشقُّ، واختاره شيخ الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧] وهو عامٌّ في جميع شعر الرَّأس.
- فرعٌ: (وَالمَرْأَةُ تُقَصِّرُ) من كلِّ قرنٍ (مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ أَنْمُلَةٍ) فأقلَّ؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» [أبو داود: ١٩٨٤].
- مسألةٌ: (ثُمَّ) إذا رمى وحلق أو قصَّر فـ (قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حرم عليه بالإحرام (إِلَّا النِّسَاءَ) وطئًا، ومباشرةً لشهوةٍ، وعقد نكاحٍ، وهو التَّحلُّل الأوَّل؛ لحديث عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ
стр. 458
لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» [أحمد: ٢٥١٠٣، وفي زيادة: "حلقتم" ضعف].
واختار شيخ الإسلام: لا يحرم عقد النِّكاح بعد التَّحلُّل الأوَّل؛ لأنَّ من تحلَّلَ التَّحلُّل الأوَّل لا يُطْلَق عليه الاسم المطلق للمُحْرِم.
فَصْلٌ
- مسألةٌ: (ثُمَّ يُفِيضُ) الحاجُّ (إِلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) ويقال: طواف الإفاضة، (الَّذِي هُوَ رُكْنٌ) بالإجماع؛ لأمر الله به بقوله: (وليطوفوا بالبيت العتيق) [الحج: ٢٩] .
- فرعٌ: (ثُمَّ يَسْعَى) المتمتِّع بين الصَّفا والمروة سعيًا ثانيًا اتِّفاقًا؛ لأنَّ سعيَه الأوَّل كان للعمرة، فيجب أن يسعى للحجِّ، لحديث ابن عبَّاسٍ، وفيه: «فطفنا بالبيت وبالصَّفا والمروة، وأتينا النِّساء ولبسنا الثِّياب، وقال: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ»، ثمَّ أمرنا عشيَّة التَّروية أن نُهِلَّ بالحجِّ، فإذا فرغنا من المناسك، جئنا فطفنا بالبيت وبالصَّفا والمروة، فقد تمَّ حجُّنا وعلينا الهدي» [البخاري معلَّقًا: ١٥٧٢، ووصله البيهقي: ٨٨٨٩].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجب على المتمتِّع سعيٌ واحدٌ؛
стр. 459
لحديث جابرٍ السَّابق: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا»، فعمَّم الفعل على جميع الصَّحابة، ولا يمكن حمله على القارنين منهم؛ لأنَّ القارنين مع النَّبيِّ ﷺ كانوا قلَّةً.
- فرعٌ: القارن أو المفرد لا يخلو من حالين:
١ - أن يكون قد سعى مع طواف القدوم: فلا يعيد السَّعي؛ لحديث عائشةَ ﵂: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» [مسلم: ١٢١١]، وكانت قارنةً.
٢ - (إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى) بعد طواف القدوم: فيسعى بعد طواف الزِّيارة سعي الحجِّ؛ لأنَّه من أركان الحجِّ، ويأتي.
- فرعٌ: (وَ) إذا طاف الحاجُّ وسعى، وكان (قَدْ) انتهى من الرَّمي، والحلق أو التَّقصير: (حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حتَّى النِّساء، وهذا هو التَّحلُّل الثَّاني؛ لحديث عائشةَ ﵂ لما قرنت الحجَّ بالعمرة، وفيه: حتَّى إذا طهرت طافت بالكعبة والصَّفا والمروة، ثمَّ قال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا» [مسلم: ١٢١٣].
- مسألةٌ: (وَسُنَّ) له بعد طواف الزِّيارة (أَنْ يَشْرَبَ مِنْ زَمْزَمَ)؛ لحديث جابرٍ السَّابق، وفيه: فأفاض إلى البيت، فصلَّى بمكَّةَ الظُّهر، فأتى بني عبد المطَّلب يسقون على زمزمَ، فقال: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ
стр. 460
يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فناولوه دلوًا فشرب منه.
- فرعٌ: آداب الشُّرب من ماء زمزمَ:
١ - أن يشرب منه (لِمَا أَحَبَّ) أن يعطيَه الله منه من خيري الدُّنيا والآخرة؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» [الدارقطني: ٢٧٣٩]، وفي حديث أبي ذرٍّ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» [مسلم: ٢٤٧٣].
٢ - (وَ) سُنَّ أن (يَتَضَلَّعَ) من ماء زمزمَ، بحيث يشرب حتَّى تمتلئ أضلاعه؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، إِنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ، مِنْ زَمْزَمَ» [ابن ماجهْ: ٣٠٦١، وحسنه الحافظ].
٣ - (و) سُنَّ أن (يَرُشَّ عَلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ)؛ لحديث جابرٍ ﵁ في صفة الحجِّ: «ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ» [أحمد: ١٥٢٤٣].
٤ - (وَ) سُنَّ عند شرب ماء زمزمَ أن (يَدْعُوَ بِمَا وَرَدَ)، ومن ذلك ما ورد عن عكرمةَ قال: كان ابن عبَّاسٍ ﵄ إذا شرب من زمزمَ قال: «اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ» [الدارقطني: ٢٧٣٨].
стр. 461
(فَصْلٌ)
- مسألةٌ: (ثُمَّ يَرْجِعُ) من مكَّةَ بعد الطَّواف والسَّعي (فَيُصَلِّي ظُهْرَ يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى) ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» [مسلم: ١٣٠٨]. (وَيَبِيتُ بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ) إن لم يتعجَّل، وليلتين إن تعجَّل في يومين، والمبيت بمنًى واجبٌ؛ لحديث ابن عمرَ ﵄ قال: «اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ الله ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ» [البخاري: ١٧٤٥، ومسلم: ١٣١٥] وفي لفظٍ للبخاريِّ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ »، ولحديث عاصم بن عديٍّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ» [أحمد: ٢٣٧٧٥، وأبو داود: ١٩٧٥، والترمذي: ٩٥٥، وابن ماجهْ: ٣٠٣٧]، والرُّخصة في مقابل العزيمة فدلَّ على الوجوب.
- مسألةٌ: (وَ) يجب أن (يَرْمِيَ الجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ) الصُّغرى، ثمَّ الوسطى، ثمَّ الكبرى اتِّفاقًا ، (بِهَا) أي: بمنًى، وذلك (أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) إن لم يتعجَّل، (كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ)؛ لقول عائشةَ ﵂: «ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الجَمْرَةَ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ كُلُّ
стр. 462
جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» [أبو داود: ١٩٧٣]، وقد قال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
- فرعٌ: (وَلَا يُجْزِئُ رَمْيُ) أيَّام التَّشريق إلَّا في وقته، (غَيْرِ سُقَاةٍ وَرُعَاةٍ) فلهم الرَّمي ليلًا ونهارًا؛ لأنَّهم يشتغلون باستقاء الماء والرَّعي، وأمَّا غيرهم فوقت الرَّمي بالنِّسبة لهم لا يخلو من أمرين:
١ - بدايته: وله وقتان:
أ) وقت الجواز: من بعد الزَّوال، وأشار إليه بقوله: (إِلَّا نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ)، فلا يجزئ الرَّمي قبله؛ لحديث جابرٍ ﵁ قال: «رَمَى رَسُولُ الله ﷺ الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» [مسلم: ١٢٩٩]، ولقول ابن عمرَ ﵄: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا» [البخاري: ١٧٤٦].
ب) وقت الاستحباب: قبل صلاة الظُّهر، ويأتي.
٢ - نهايته: ينتهي وقت الرَّمي في كلِّ يومٍ من أيَّام التَّشريق بغروب الشَّمس، فإن لم يرمِ حتَّى غربت الشَّمس، لم يَرَمِ إلَّا من الغد بعد الزَّوال، ولا يجزئ الرَّمي ليلًا، وأشار إليه المؤلِّف بقوله: (فَإِنْ رَمَى لَيْلًا أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «مَنْ نَسِيَ رَمْيَ الجِمَارِ إِلَى اللَّيْلِ؛
стр. 463
فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ» [البيهقي: ٩٦٧٢].
وقيل: يصحُّ الرَّمي ليلًا؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ فقال: رميتُ بعد ما أمسيتُ فقال: «لَا حَرَجَ» [البخاري: ١٧٢٣]، ويدخل في المساء ما بعد الغروب.
يُسْتَثْنَى من جواز الرَّمي ليلًا: اليوم الثَّالث عشرَ؛ لأنَّه بغروب الشَّمس من الثَّالث عشرَ تنتهي أيَّام الرَّمي إجماعًا.
- فرعٌ: (وَسُنَّ) كون الرَّمي بعد الزَّوال و (قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ)؛ لمفهوم قول ابن عمرَ السَّابق: «كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا».
- مسألةٌ: (وَطَوَافُ الوَدَاعِ) ويُسَمَّى: «طواف الصَّدر»: (وَاجِبٌ، يَفْعَلُهُ كُلُّ مَنْ أَرَادَ الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ) إذا فرغ من جميع أموره؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ» [البخاري: ١٧٥٥، ومسلم: ١٣٢٨] .
- فرعٌ: (ثُمَّ يَقِفُ) غير الحائض والنُّفساء بعد الوداع (فِي المُلْتَزَمِ) استحبابًا، وهو أربعة أذرعٍ (بَيْنَ الرُّكْنِ) الَّذي به الحجر الأسود (وَالبَابِ)؛ قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «الملْتَزَمُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالبَابِ» [عبد الرزاق: ٩٠٤٧].
وصفة الالتزام: أن يكون (مُلْصِقًا بِهِ) أي: بالملتزم (جَمِيعَهُ)؛ وجهه،
стр. 464
وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين؛ لما روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه، قال: طفت مع عبد الله فلمَّا جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوَّذ؟ قال: «نَعُوذُ بِالله مِنَ النَّارِ»، ثمَّ مضى حتَّى استلم الحجر وأقام بين الرُّكن والباب، فوضع صدره، ووجهه، وذراعيه، وكفيه هكذا، وبسطهما بسطًا، ثمَّ قال: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُهُ» [أبو داود: ١٨٩٩، وضعفه ابن حجر وقال: قد اضطرب فيه المثنى مع ضعفه].
وذكر شيخ الإسلام: أنَّ هذا الالتزام يكون حال الوداع أو قبله، والصَّحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكَّةَ.
- فرعٌ: (دَاعِيًا) عند الملتزم (بِمَا وَرَدَ)، ومنه ما رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان يقول: (اللَّهُمَّ البَيْتُ بَيْتُكَ، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ، حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلَادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي بِالعَافِيَةِ فِي بَدَنِي، وَالعِصْمَةِ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي)، قال البيهقيُّ: (وهذا من قول الشَّافعيِّ ﵀-وهو حسنٌ)، وعن مجاهدٍ قال: «جئتُ ابن عبَّاسٍ ﵄ وهو يتعوَّذ بين الرُّكن والباب» [عبد الرزاق: ٩٠٤٥].
- فرعٌ: (وَتَدْعُو الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ) بالدُّعاء السَّابق (عَلَى بَابِ
стр. 465
المَسْجِدِ)؛ لتعذُّر دخول المسجد عليها.
وقال ابن عثيمينَ: (ولا دليلَ على ذلك، والنَّبيُّ ﷺ لما قيل له: إنَّ صفيَّةَ ﵂ قد أفاضت، قال: «فَلْتَنْفِر»، ولم يقلْ فلتأتِ إلى المسجد وتقف ببابه، مع دعاء الحاجة إلى بيانه لو كان مشروعًا).
- مسألةٌ: (وَسُنَّ دُخُولُهُ البَيْتَ) أي: الكعبة، لما ورد عن ابن عمرَ ﵄ أنَّه قال: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَأَمَرَ بِالبَابِ فَأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيًّا، ثُمَّ فَتَحَ البَابَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَادَرْتُ النَّاسَ فَتَلَقَّيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَارِجًا وَبِلَالٌ عَلَى إِثْرِهِ، فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: «هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ » قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: «أَيْنَ؟ » قَالَ: «بَيْنَ العَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ»، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ: كَمْ صَلَّى؟ » [البخاري: ٥٠٤، ومسلم: ١٣٢٩]، فيدخلها (بِلَا خُفٍّ، وَلَا نَعْلٍ، وَلَا سِلَاحٍ)؛ تعظيمًا لها .
- مسألةٌ: (وَ) إذا قضى الحاجُّ نسكه (تُسْتَحَبُّ) له (زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ، ﵄ أي: زيارة مسجده، أو زيارة مسجده وقبره معًا؛ لعموم حديث بريدةَ ﵁: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» [مسلم: ١٩٧٧] .
وبين شيخ الإسلام: أنَّ السَّفر إلى مسجد وقبر النَّبيِّ ﷺ على ثلاثة أقسامٍ:
стр. 466
١ - أن يقصد السَّفر إلى مسجده فقط: فهذا مشروعٌ بالإجماع؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» [البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧].
٢ - أن يقصد السَّفر إلى مسجده وقبره معًا: فهذا مشروعٌ بالإجماع أيضًا؛ لما تقدَّم.
٣ - أن يقصد السَّفر إلى قبره فقط دون مسجده، فلا يخلو من أمرين:
أ) أن يقصد بذلك السَّفر التَّقرُّب إلى الله: فهذا محرمٌ بالإجماع.
ب) ألَّا يعتقد أنَّ ذلك السَّفر قُرْبَةٌ، وإنَّما يعتقد إباحته: فلا يجوز؛ لأنَّ قوله في الحديث: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» يتناول المنع من السَّفر إلى كلِّ بقعةٍ مقصودةٍ، ولم يُعْرَفْ عن أحدٍ من الصَّحابة القولُ باستحباب السَّفر لمجرد زيارة قبر النَّبيِّ ﷺ .
- تنبيهٌ: زيارة مسجد المدينة وقبره ﷺ ليس من مناسك الحجِّ، وإنَّما يذكرونه لأنَّ الحاجَّ يأتي من بعيدٍ غالبًا، فاستحبُّوا له زيارة مسجد المدينة؛ لما تقدَّم.
- فرعٌ: (فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ) أي: النَّبيِّ ﷺ إذا أتى قبره، (مُسْتَقْبِلًا لَهُ) موليًا ظهرَه القِبْلَة، فيقول: السَّلام عليك يا رسول الله؛ لقول نافعٍ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؛ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ» [عبدالرزاق: ٦٧٢٤]،
стр. 467
(ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ القِبْلةَ، وَيَجْعَلُ الحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِ وَيَدْعُو) هكذا ذكره بعض الأصحاب، وغيرهم مجردًا عن الدَّليل.
وقال شيخ الإسلام: ولا يقف عند القبر للدُّعاء لنفسه فإنَّ هذا بدعةٌ، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة يقف عنده يدعو لنفسه.
- فرعٌ: (وَيَحْرُمُ الطَّوَافُ بِهَا) أي: بالحجرة النَّبويَّة، وبغير البيت الحرام اتِّفاقًا؛ لأنَّه من البدع.
- مسألةٌ: (وَصِفةُ العُمْرَةِ):
أوَّلًا: (أَنْ يُحْرِمَ بِهَا) أي: بالعمرة، وهو ركنٌ من أركانها؛ كالحجِّ.
ولا يخلو مريد العمرة من ثلاثة أحوالٍ:
١ - (مَنْ) كان (بِالحَرَمِ) من مكَّيٍّ وغيره: فإنَّه يُحْرِمُ (مِنْ أَدْنَى الحِلِّ) أي: من أقرب الحلِّ من الحرم، كالتَّنعيم، وعرفةَ، ونحوها، ولا يجوز أن يُحْرِمَ بها من الحرم؛ لحديث عائشةَ لما خرجت إلى التَّنعيم، وسبق في المواقيت.
٢ - (وَغَيْرُه) أي: غير من كان بمكَّةَ: فإنَّه يُحْرِمُ بالعمرة (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) أي: من بلده، وذلك (إِنْ كَانَ) محلُّ بلده (دُونَ مِيقَاتٍ).
стр. 468
٣ - (وَإِلَّا) يكن محلُّ بلده دون الميقات: (فَـ) ـإنَّه يُحْرِمُ (مِنْهُ) أي: من الميقات، وتقدَّم ذلك كلُّه في باب المواقيت.
ثانيًا: أن يطوفَ وَيَسْعَى، وَيُقَصِّرَ شعرَه أو يحلقَه، ولا يحصل التَّحلُّل إلَّا به.
- مسألةٌ: (وَلَا بَأْسَ بِهَا) أي: العمرة (فِي السَّنَةِ مِرَارًا)؛ لعموم حديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» [البخاري: ١٧٧٣، مسلم: ١٣٤٩] .
- فرع: يكره الإكثار من العمرة والموالاة بينها باتفاق السلف، قال أحمد: (لا بد أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكنه)، وورد عن بعض ولد أنس بن مالك قال: "كنا مع أنس بن مالك ﵁ بمكة فكان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر" [مسند الشافعي ص ١١٣]، قال ابن قدامة: (ولأن النبي ﷺ لم تنقل عنه الموالاة بينهما، وإنما نقل عن السلف إنكار ذلك). وقال شيخ الإسلام: (ومن استحبه فليس معه في ذلك إلا مجرد القياس العام، وهو أن هذا تكثير للعبادات، أو التمسك بالعمومات في فضل العمرة ونحو ذلك)، وأما عمرة عائشة ﵂ من التنعيم، فلم يأمرها النبي ﷺ بذلك، بل أذن لها بعد أن راجعته، تطيبًا لقلبها.
стр. 469
ويستثنى من ذلك: العمرة في رمضان، فإنه يستحب تكرارها؛ لحديث ابن عباس ﵄ الآتي.
واختار شيخ الإسلام أن تكرار العمرة والإكثار منها مكروه، سواء أحرم من الميقات، أو من في مكة، وسواء كانت في رمضان، أو في غير رمضان؛ لعدم وروده عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، مع شدة رغبتهم في الخير.
- مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: العمرة (فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ) أفضلُ منها في أشهر الحجِّ، خروجًا من خلاف من كَرِهَها فيه، ولا تُكْرَهُ في أشهر الحجِّ .
واختار ابن القيِّم: أنَّ العمرة في أشهر الحجِّ أفضلُ؛ لأنَّ جميع عُمَرِ النَّبيِّ ﷺ كانت في أشهر الحجِّ؛ مخالفةً للمشركين، فإنَّهما كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحجِّ.
- مسألةٌ: (وَ) العمرة (فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً» [البخاري: ١٧٨٢، ومسلم: ١٢٥٦] .
стр. 470
(فَصْلٌ)
- مسألةٌ: (أَرْكَانُ الحَجِّ أَرْبَعَةٌ):
١ - (إِحْرَامٌ) إجماعًا، وهو نيَّة الدُّخول في النُّسك؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
٢ - (وَوُقُوفٌ) بعرفةَ إجماعًا؛ لحديث عبد الرَّحمن بن يعمرَ ﵁ مرفوعًا: «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجهْ: ٣٠١٥].
٣ - (وَطَوَافٌ) الزِّيارة إجماعًا؛ وتقدَّم.
٤ - (وَسَعْيٌ)؛ لحديث حبيبةَ بنت أبي تَجراة ﵂ مرفوعًا: «اسْعَوْا، فَإِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» [أحمد: ٢٧٣٦٧].
- مسألةٌ: (وَوَاجِبَاتُهُ) أي: الحجِّ (سَبْعَةٌ):
١ - (الإِحْرَامُ مِنَ المِيقَاتِ)؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «يُهِلُّ أَهْلُ المدِينَةِ، مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ ... » الحديث، وقوله: (يُهِلُّ) خبرٌ بمعنى الأمر.
стр. 471
٢ - (وَوُقُوفُ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا) بعرفة (إِلَى الغُرُوبِ) أي: إلى غروب الشَّمس.
٣ - (وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ) من بعد الدَّفع من عرفةَ (إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ)، وذلك (إِنْ وَافَاهَا) أي: وافى مزدلفةَ (قَبْلَهُ) أي: قبل نصف اللَّيل، على ما تقدَّم.
٤ - (وَالمَبِيتُ بِمِنًى لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ)، على ما تقدَّم.
٥ - (وَالرَّمْيُ) أي: رمي الجمار اتِّفاقًا، (مُرَتَّبًا)، على ما تقدَّم.
٦ - (وَالحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ)، وتقدَّم.
٧ - (وَطَوَافُ الوَدَاعِ)، وهو من واجبات الحجِّ كما تقدَّم، وليس بركنٍ بغير خلافٍ؛ ولذلك سقط عن الحائض، ولم يسقط عنها طواف الزِّيارة.
واختار شيخ الإسلام: أنَّ طواف الوداع ليس من أعمال الحجِّ، وإنَّما هو لكلِّ من أراد الخروج من مكَّةَ؛ لأنَّه لو كان من واجبات الحجِّ؛ لوجب على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكَّةَ.
стр. 472
- مسألةٌ: (وَأَرْكَانُ العُمْرَةِ ثَلَاثَةٌ):
١ - (إِحْرَامٌ) وهو النِّيَّة، كما تقدَّم في الحجِّ.
٢ - (وَطَوَافٌ)؛ لما تقدَّم في الحجِّ.
٣ - (وَسَعْيٌ)؛ لما تقدَّم في الحجِّ.
- مسألةٌ: (وَوَاجِبَاتُهَا) أي: العمرة (شَيْئَانِ):
١ - (الإِحْرَامُ مِنَ المِيقَاتِ)؛ كالحجِّ، على ما تقدَّم بيانه.
٢ - (وَالحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ)؛ كالحجِّ، على ما تقدَّم بيانه.
- مسألةٌ: (وَالمَسْنُونُ) من أفعال الحجِّ وأقواله؛ (كَالمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَطَوَافُ القُدُومِ، وَالرَّمَلُ، وَالِاضْطِبَاعُ) في موضعهما (وَنَحْوُ ذَلِكَ)؛ كاستلام الرُّكنين وتقبيل الحجر، وصعوده على الصَّفا والمروة، والتَّلبية والأذكار والدُّعاء في مواضعهما .
- مسألةٌ: (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا) غير الإحرام (لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ إِلَّا بِهِ)، وإن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ
стр. 473
بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
- مسألةٌ: (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا) عمدًا أو سهوًا أو جهلًا أو لعذرٍ، (فَعَلَيْهِ دَمٌ) بتركه؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا» [البيهقي ٨٩٢٥]، (وَحَجُّهُ صَحِيحٌ) .
- مسألةٌ: (وَمَنْ تَرَكَ مَسْنُونًا) من مسنونات الحجِّ، (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) .
فَصْلٌ في الفوات والإحصار
الفوات: مصدر فات: إذا سُبِقَ فلم يُدْرِكْ، والمراد به هنا: أن يطلع عليه الفجر قبل الوقوف بعرفةَ.
والإحصار: مصدر أحصره، أي: حبسه، مرضًا كان أو عدوًّا، والمراد به هنا: منع الحاجِّ من إتمام نسكه.
- مسألةٌ: (وَمَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ)، بأن طلع عليه فجر يوم النَّحر ولم يقف بعرفةَ؛ لقول جابرٍ ﵁: «لَا يَفُوتُ الحَجُّ حَتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ» [البيهقي: ٩٨١٧]، ترتَّب عليه الأحكام التَّالية، ولو كان معذورًا:
١ - (فَاتَهُ الحَجُّ)؛ لمفهوم حديث عبد الرَّحمن بن يعمرَ ﵁ مرفوعًا:
стр. 474
«الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» [أحمد: ١٨٧٧٣، وأبو داود: ١٩٤٩، والترمذي: ٨٨٩، والنسائي: ٣٠١٦، وابن ماجهْ: ٣٠١٥]، فدلَّ على فوات الحجِّ بخروج ليلة جَمْعٍ، ولما روى سليمانُ بن يسارٍ: أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريَّ ﵁ خرج حاجًّا، حتَّى إذا كان بالبادية من طريق مكَّةَ أضلّ رواحله، ثمَّ إنَّه قدم على عمرَ بن الخطَّاب ﵁ يوم النَّحر فذكر ذلك له، فقال له عمرُ: «اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ المُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكَكَ الحجُّ مِنْ قَابِلٍ فَاحْجُجْ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ» [الموطأ: ١٤٢٨].
٢ - (وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ) فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر؛ لأثر عمرَ السَّابق.
- فرعٌ: (وَلَا تُجْزِئُ) هذه العمرة (عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلَامِ)؛ لوجوبها عليه؛ كمنذورةٍ.
٣ - (وَهَدْيٌ) أي: يجب عليه أن يذبحَ هديًا في قضائه؛ لأثر عمرَ السَّابق.
- فرعٌ: يجب التَّحلُّل بعمرةٍ والقضاءُ والهديُ (إِنْ لَمْ يَكُنِ اشْتَرَطَ)، فإن اشترط بأن قال في ابتداء إحرامه: (إن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني)، فيتحلَّل بعمرةٍ، ولا هديَ عليه، ولا قضاءَ، إلَّا أن يكون الحجُّ
стр. 475
واجبًا فيؤدِّيه؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعةَ بنت الزُّبير، فقال لها: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ » قالت: والله لا أجدني إلَّا وجعةً، فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» [البخاري: ٥٠٨٩، ومسلم: ١٢٠٧].
٤ - (وَقَضَى) الحجَّ الفائتَ (مِنَ العَامِ القَابِلِ) إن لم يكن اشترط، ولا يخلو الحجُّ الفائت من أمرين:
أ) أن يكون فرضًا: فيجب عليه أن يقضيَه إجماعًا؛ لوجوبه بأصل الإسلام.
ب) أن يكون نفلًا: فيجب أن يقضيَه؛ للآثار السَّابقة.
وعنه: لا يجب قضاء حجُّ النَّفل الفائت؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمَّة.
- مسألةٌ: الإحصار أقسامٌ، منها:
الأوَّل: الإحصار عن البيت: وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ مُنِعَ) من الوصول إلى (البَيْتِ) الحرام حتَّى خشي فوات الحجِّ، (وَلَوْ) كان منعه (بَعْدَ الوُقُوفِ) بعرفةَ، (أَوْ) كان المنع (فِي) إحرامِ (عُمْرَةٍ: ذَبَحَ هَدْيًا بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وُجُوبًا)، واختاره شيخ الإسلام.
стр. 476
ولا يحلُّ حتَّى يذبحَ هديًا؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [البقرة: ١٩٦].
- فرعٌ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الهديَ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِالنِّيَّةِ) أي: بنيَّة التَّحلُّل؛ قياسًا على المتمتِّع إذا لم يجد هديًا، (وَحَلَّ)، وتقدَّمت المسألة في باب الفدية.
- فرعٌ: (وَلَا إِطْعَامَ فِيهِ) أي: في الإحصار؛ لعدم وروده.
الثَّاني: الإحصار عن دخول عرفةَ: وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ صُدَّ عَنْ) الوصول إلى (عَرَفَةَ فِي حَجٍّ) دون البيت (تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ)؛ لأنَّ قلب الحجِّ إلى عمرةٍ جائزٌ بلا حصرٍ، فمعه أَوْلَى.
- فرعٌ: من صُدَّ عن عرفةَ فتحلَّل بعمرةٍ لم يَخْلُ من حالين:
١ - أن يتحلَّل بالعمرة قبل ذهاب وقت الوقوف: فيكون محصرًا، ولا يأخذ حكم الفوات، ويترتَّب على هذا الإحصار أمران:
أ) لا يجب عليه قضاء حجِّ النَّفل، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لعدم الأمر به في الآية.
ب) (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ)؛ لأنَّه في معنى فسخ الحجِّ إلى عمرةٍ، وهو لا دمَ فيه.
стр. 477
٢ - أن لا يتحلَّل بالعمرة إلَّا بعد فوات الوقوف بعرفةَ: فيأخذ أحكام الفوات السَّابقة؛ لأنَّ الحجَّ قد فاته وهو مُحْرِمٌ.
(فَصْلٌ في الهدي والأُضحية والعقيقةِ)
- مسألةٌ: (الهَدْيُ مَا يُهْدَى لِلحَرَمِ مِنْ نَعَمٍ وَغَيْرِهِ)، سُمِّيَ بذلك؛ (لِأَنَّهُ يُهْدَى إِلَى الله تَعَالَى) .
- مسألةٌ: (وَالأُضْحِيَّةُ مَا يُذْبَحُ مِنْ إِبِلٍ، وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ أَهْلِيَّةٍ، أَيَّامَ النَّحْرِ، بِسَبَبِ العِيدِ، تَقَرُّبًا إِلَى الله تَعَالَى)، وهي مشروعةٌ إجماعًا، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: (اذْبَحْ يَوْمَ النَّحرِ) [تفسير الطبري ٢٤/ ٦٥٤] .
- مسألةٌ: (وَهِيَ) أي: الأضحيَّة (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ)؛ لحديث أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ العَشْرُ، فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» [مسلم ١٩٧٧]، فعلَّقه على الإرادة، والواجب لا
стр. 478
يُعلَّق عليها.
وعنه، واختار شيخ الإسلام: أنَّها واجبةٌ مع الغنى؛ لقوله تعالى: (فصلِّ لربك وانحر)، فأمر بالنَّحر كما أمر بالصَّلاة.
- فرعٌ: (وَتَجِبُ) الأضحيَّة (بِالنَّذْرِ)؛ لحديث عائشةَ ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» [البخاري: ٦٦٩٦].
- مسألةٌ: (وَالأَفْضَلُ) في هديٍ وأضحيَّةٍ (إِبلٌ، فَبَقرٌ) إن أخرج كاملًا، (فَغَنَمٌ)؛ جذع ضأنٍ، ثمَّ ثنيُّ معزٍ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ» الحديث [البخاري: ٨٨١، ومسلم: ٨٥٠]
- مسألةٌ: (وَلَا تُجْزِئُ) أضحيَّةٌ (مِنْ غَيْرِهِنَّ) أي: الإبل والبقر والغنم الأهليَّة اتِّفاقًا؛ لعدم وروده، قال ابن القيِّم: (ولم يُعْرَفْ عنه ﷺ ولا عن الصَّحابة هديٌ، ولا أضحيَّةٌ، ولا عقيقةٌ من غيرها) .
- مسألةٌ: (وَتُجْزِئُ شَاةٌ عَنْ وَاحِدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَعِيَالِهِ)؛ لحديث أبي أيوبَ ﵁: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ
стр. 479
بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ فَصَارَ كَمَا تَرَى» [الترمذي ١٥٠٥، وابن ماجهْ ٣١٤٧].
- مسألةٌ: (وَ) تجزئ (بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ عَنْ سَبْعَةٍ)؛ لقول جابرٍ ﵁: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» [مسلم ١٣١٨] .
- فرعٌ: (وَيُعْتَبَرُ ذَبْحُهَا) أي: البدنة أو البقرة (عَنْهُمْ) أي: عن السَّبعة؛ لحديث عمرَ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧].
- فرعٌ: (وَشَاةٌ): جذع ضأنٍ، أو ثنيُّ معزٍ (أَفْضَلُ مِنْ سُبُعِ بَدَنَةٍ أَوْ) سُبُعِ (بَقَرَةٍ، وَسَبْعُ شِيَاهٍ أَفْضَلُ مِنْ إِحْدَاهُمَا) أي: من البدنة أو البقرة؛ لأنَّ المقصود إراقة الدَّم.
- مسألةٌ: (وَلَا يُجْزِئُ) في الأضحيَّة، وكذا دم تمتُّعٍ ونحوه (إِلَّا):
١ - (جَذَعُ ضَأْنٍ)، وهو ما له ستَّة أشهرٍ؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قال: قسم النَّبيُّ ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبةَ جذعةٌ، فقلت: يا رسول الله؛ صارت لي جذعةٌ؟ قال: «ضَحِّ بِهَا» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤].
стр. 480
٢ - (أَوْ ثَنِيُّ غَيْرِهِ) أي: من غير الضَّأن، وهو الإبل، والبقر، والمعز؛ لحديث جابرٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» [البخاري ٢٥١٨، ومسلم ٨٤].
- فرعٌ: (فَثَنِيُّ إِبِلٍ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَثَنِيُّ بَقَرٍ مَا لَهُ سَنَتَانِ)، وثنيُّ معزٍ: ما له سنةٌ كاملةٌ.
- مسألةٌ: العيوب المانعة من الإجزاء على قسمين:
القسم الأوَّل: عيوبٌ مُجْمَعٌ عليها في الجملة، وهي أربعةٌ، أشار إليها بقوله: (وَلَا تُجْزِئُ) في الهدي والأضحيَّة:
١ - شاةٌ (هَزِيلَةٌ) لا مخَّ فيها، والمخُّ: هو الودك الَّذي في العظام، وهي العجفاء الَّتي لا تُنْقِي.
٢ - (وَ) لا (بَيِّنَةُ عَوَرٍ)، وهي الَّتي انخسفت عينها وذهبت، ولا العمياء؛ لأنَّ العَمَى أَوْلَى من العور في عدم الإجزاء.
٣ - ولا عرجاءُ بَيِّنٌ ضَلَعها، وأشار إليه بقوله: (أَوْ) بيِّنَةُ (عَرَجٍ)، وهي الَّتي لا تقدر على المشي مع الصَّحيحة إلى المرعى، ولا الكسيرة؛ لأنَّها أَوْلى من العرجاء في عدم الإجزاء، فإن كان عرجها لا يمنعها ممَّا ذُكِرَ؛ أجزأت.
٤ - ولا تجزئ المريضة البَيِّن مرضُها، وهو المفسد للَّحْمِ والمقلص له،
стр. 481
وفاقًا، أمَّا إذا لم يكن مرضها بيِّنًا أجزأت؛ لأنَّها قريبةٌ من الصَّحيحة.
ودليل هذه العيوب: حديث البراء ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِيِّ: العَوْرَاءُ بَيِّنٌ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ بَيِّنٌ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ بَيِّنٌ ظَلْعُهَا، وَالكَسِيرُ الَّتِي لَا تَنْقَى» [أبو داود ٢٨٠٢، والترمذي ١٤٩٧، والنسائي ٤٣٨١، وابن ماجه ٣١٤٤].
القسم الثَّاني: عيوبٌ مختلفٌ فيها، وأشار إليها بقوله:
١ - (وَلَا) تجزئ الهتماءُ، وهي (ذَاهِبَةُ الثَّنَايَا) من أصلها؛ لأنَّ أثر ذهاب الأسنان -لا سيَّما إذا ذهبت كلُّها-أكثر من ذهاب بعض القرن، وذهاب أكثر القرن غير مجزئٍ كما سيأتي.
وقال شيخ الإسلام: تجزئ الهتماء، وهي الَّتي سقط بعض أسنانها، ولم يقيِّد ذلك بالثَّنايا؛ لعدم الدَّليل على عدم الإجزاء.
٢ - (أَوْ) العَضْباء، وهي: ذاهبة (أَكْثَرِ أُذُنِهَا أَوْ) أكثر (قَرْنِهَا)، فلا تجزئ؛ لحديث عليٍّ ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ القَرْنِ وَالأُذُنِ»، قال قتادةُ: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيَّب، فقال: العضب، ما بلغ النِّصف فما فوق ذلك [أبو داود ٢٨٠٥، والترمذي ١٥٠٤، والنسائي ٤٣٨٩، وابن ماجهْ ٣١٤٥، وضعَّفه الألباني]، ولأنَّ الأكثر كالكلِّ، فإن قُطِعَ النِّصف أو أقلُّ؛ أجزأ وكُرِهَ.
وصوَّب المرداويُّ وابن عثيمينَ: تجزئ؛ لأنَّ الأصل الإجزاء.
стр. 482
- مسألةٌ: (وَسُنَّ) في (نَحْرِ إِبِلٍ): أن تكون (قَائِمَةً، مَعْقُولَةً يَدُهَا اليُسْرَى، بِأَنْ يَطْعُنَهَا) بالحربة أو نحوها (فِي الوَهْدَةِ) الَّتي (بَيْنَ) أصل (العُنُقِ وَالصَّدْرِ)؛ لقول عبد الرَّحمن بن سابطٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ البَدَنَةَ مَعْقُولَةَ اليُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا» [أبو داود ١٧٦٧، وصححه الألباني]، وفي قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها) [الحج: ٣٦] دليلٌ على أنَّها تُنْحَرُ قائمةً .
(وَ) السُّنَّة (ذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ)؛ لقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) [البقرة: ٦٧]، ولحديث أنسٍ ﵁: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» [البخاري ٥٥٥٨، ومسلم ١٩٦٦].
- فرعٌ: يُسَنُّ أن يذبحَ البقر والغنم (عَلَى جَنْبِهَا الأَيْسَرِ) عند الذَّبح، لأنَّه أيسرُ للذَّابح.
- فرعٌ: يُسَنُّ أن تكون الذَّبيحة (مُوَجَّهَةً إِلَى القِبْلَةِ) إجماعًا؛ لحديث جابرٍ الآتي.
- مسألةٌ: (وَيُسَمِّي وُجُوبًا حِينَ يُحَرِّكُ يَدَهُ بِالفِعْلِ) أي: النَّحر أو الذَّبح؛ لحديث رافع بن خديجٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ
стр. 483
وَذُكِرَ اسْمُ الله فَكُلْ، لَيْسَ الظُّفُرَ وَالسِّنَّ» [البخاري: ٢٤٨٨، ومسلم: ١٩٦٨].
- مسألةٌ: (وَيُكَبِّرُ) الذَّابح استحبابًا حين يحرِّك يده بالنَّحر أو الذَّبح، (وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ) استحبابًا؛ لحديث جابرٍ ﵁ قال: ذبح النَّبيُّ ﷺ يوم الذَّبح كبشين أقرنين أملحين مَوْجُوءَيْنِ، فلمَّا وَجَّهَهُمَا قال: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللهمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِاسْمِ الله وَالله أَكْبَرُ» ثُمَّ ذَبَحَ. [أبو داود ٢٧٩٥، وضعفه الألباني] .
- مسألةٌ: (وَوَقْتُ ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ، وَهَدْيِ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، وَمُتْعَةٍ، وَقِرَانٍ):
- يبدأ: (مِنْ بَعْدِ أَسْبَقِ صَلَاةِ العِيدِ بِالبَلَدِ)، ولو قبل الخطبة؛ لحديث جندبٍ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ الله» [البخاري ٩٨٥، ومسلم ١٩٦٠]، والأفضل بعد الخطبة؛ خروجًا من الخلاف.
стр. 484
(أَوْ) من بعد (قَدْرِهَا) أي: قدر زمن صلاة العيد بعد دخول وقتها (لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ) أي: لمن بمحلٍّ لا يُصَلَّى العيدُ فيه، كأهل البوادي من أهل الخيام؛ لأنَّه لا صلاةَ في حقِّهم تُعْتَبَرُ، فوجب الاعتبار بقدرها.
- فرعٌ: (فَإِنْ فَاتَتِ الصَّلَاةُ) أي: صلاة العيد (بِالزَّوَالِ) بأن زالت الشَّمس في موضعٍ تُصَلَّى فيه، كالأمصار والقرى قبل أن يصلُّوا، لعذرٍ أو غيره، (ذَبَحَ بَعْدَهُ) أي: عند الزَّوال فما بعده؛ لفوات التَّبعيَّة بخروج وقت الصَّلاة.
- ويستمرُّ وقت الذَّبح: (إِلَى آخِرِ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)، فتكون أيَّام النَّحر ثلاثةً: يوم العيد، ويومان بعده؛ لقول ابن عمرَ ﵄: «الأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الأَضْحَى» [الموطأ ٢/ ٤٨٧] ونحوه عن عليٍّ، وأنسٍ ﵃ [البيهقي ٩/ ٥٠٠]، قال أحمدُ: (أيَّام النَّحر ثلاثةٌ، عن ثلاثةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ .
- واختار شيخ الإسلام: أنَّ أيَّام الذَّبح أربعةٌ: يوم العيد وثلاثة أيَّامٍ بعده؛ لحديث جُبَيْر بن مُطْعِمٍ ﵁ مرفوعًا: «وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» [أحمد ١٦٥٧١، قال ابن القيِّم: (رُوِيَ من وجهين مختلفين يشدُّ أحدهما الآخر)، وصحَّحه الألباني]، ولقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «الأَضْحَى ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ» [سنن البيهقي ١٩٢٤٧، وفيه راوٍ متروكٌ].
стр. 485
- مسألةٌ: (وَوَقْتُ ذَبحِ هَدْيٍ وَاجِبٍ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ مِنْ حِينِهِ) أي: من حين فعل المحظور؛ كالكفَّارة بالحنث. وكذا دمٌ وَجَبَ لترك واجبٍ في حجٍّ أو عمرةٍ؛ فيدخل وقته من تركه .
(فَصْلٌ)
- مسألةٌ: (وَيَتَعَيَّنُ هَدْيٌ) بأمورٍ:
١ - (بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ)؛ لأنَّه لفظٌ يقتضي الإيجاب، لوضعه له شرعًا، فوجب أن يترتَّب عليه مقتضاه.
ومثله لو قال: هذا الهدي لله، أو قال: لله عليَّ ذبحه، ونحوه.
٢ - (أَوْ بِتَقْلِيدِهِ) النَّعل وآذان القرب بنيَّة كونه هديًا؛ لأنَّ الفعل مع النِّيَّة يقوم مقام اللَّفظ إذا كان الفعل يدلُّ على المقصود، كمن بنى مسجدًا وأَذِنَ للنَّاس في الصَّلاة فيه.
٣ - (أَوْ إِشْعَارِهِ) أي: الهدي؛ لما تقدَّم.
- مسألةٌ: (وَ) تتعيَّن (أُضْحِيَّةٌ بِـ) ـقوله: (هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ)؛ لما تقدَّم في
стр. 486
الهدي، (أَوْ) بقوله: هذه (لله، وَنَحْوَهُ) كقوله: لله عليه ذبحه.
- مسألةٌ: (وَلَا يَجُوزُ إِعْطَاءُ الجَازِرِ أُجْرَتَهُ مِنْهَا) أي: من الأضحيَّة، اتِّفاقًا؛ لقول عليٍّ ﵁: «أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا» [البخاري ١٧١٦، ومسلم ١٣١٧] .
(وَيَجُوزُ) إعطاؤه (هَدِيَّةً وَصَدَقَةً)؛ لأنَّه في ذلك كغيره، بل هو أَوْلَى؛ لأنَّه باشرها وتاقت نفسه إليها.
- مسألةٌ: (وَلَا يُبَاعُ جِلْدُهَا، وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا)، سواءً كانت واجبةً أو تطوُّعًا؛ لحديث عليٍّ السَّابق، (بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ) أي: بجلدها، أو يتصدَّق به استحبابًا، قال في «الشَّرح»: (لا خلافَ في جواز الانتفاع بجلودها وجلالها -وهو ما يُطْرَحُ على ظهر البعير من كساءٍ ونحوه-لأنَّ الجلد جزءٌ منها، فجاز للمضحِّي الانتفاع كاللَّحم) .
- مسألةٌ: (وَسُنَّ أَنْ يَأْكُلَ) من الهدي والأضحيَّة، (وَ) أن (يُهْدِيَ) منها، (وَ) أن (يَتَصَدَّقَ) منها؛ (أَثْلَاثًا)، أي: يأكلَ هو وأهل بيته الثُّلث، ويُهْدِي الثُلث، ويتصدَّق بالثُّلث؛ قال الإمام أحمدُ: (نحن نذهب إلى
стр. 487
حديث عبد الله -يعني: ابن مسعودٍ ﵁: يأكل هو الثُّلث، ويُطْعِم من أراد الثُّلث، ويتصدَّق بالثُّلث على المساكين [مصنف ابن أبي شيبة ١٣١٩٠]).
- مسألةٌ: ما يُشْرَعُ ذبحه من الدِّماء ينقسم من حيث جواز الأكل منه إلى ثلاثة أقسامٍ:
١ - ما يُسَنُّ الأكل منه، وهو:
أ) هدي التّطوُّع، وأشار إليه بقوله: (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ التَّطَوُّعِ) لحديث جابرٍ في صفة الحجِّ: «ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» [مسلم ١٢٨]، حيث أكل ﵊ من جميع هديه، وهو غير واجبٍ كلُّه.
ب) الأضحيَّة، وأشار إليه بقوله: (وَ) أن يأكل من (مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَلَوْ) كانت أضحيَّةً (وَاجِبَةً) بنذرٍ؛ لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج: ٢٨]، ولأنَّ أكثرَ ما في النَّذر: التزام حكم الأضحيَّة، ومن حكمها جواز الأكل.
٢ - ما يحرم الأكل منه: وهو كلُّ هديٍ واجبٍ غير هدي تمتُّعٍ وقرانٍ، ويدخل في ذلك ثلاثة دماءٍ:
أ) الدَّم الواجب لترك واجبٍ أو فعل محظورٍ؛ لأنَّه وجب بفعل محظورٍ أشبه جزاء الصَّيد.
ب) الدَّم الواجب للفوات والإحصار؛ لما سبق.
стр. 488
ج) الدَّم الواجب بالنَّذر؛ لتعلُّق حقِّ الفقراء به بالنَّذر.
٣ - ما يجوز الأكل منه: وأشار إليه بقوله: (وَيَجُوزُ) الأكل (مِنْ) هدي (المُتْعَةِ وَالقِرَانِ)؛ لحديث جابرٍ في صفة الحجِّ: «ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» [مسلم ١٢٨].
وعند القاضي: يُسْتَحَبُّ الأكل من هدي التَّمتُّع والقران؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ كما في حديث جابرٍ.
- مسألةٌ: يجوز أن يأكلَ المضحِّي أكثرَ أضحيَّتِهِ؛ لإطلاق الأمر بالأكل والإطعام، (وَ) لا يجوز أن يأكلها كلَّها، بل (يَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّحْمِ)؛ لأنَّه يجب الصَّدقة ببعضها؛ لعموم قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)، وهذا مطلقٌ، فيتناول أقلَّ ما يقع عليه اسم اللَّحم .
- فرعٌ: (وَيُعْتَبَرُ تَمْلِيكُ) شيءٍ من اللَّحم النَّيِّء (الفَقِيرَ، فَلَا يَكْفِي إِطْعَامُهُ)؛ كالواجب في كفَّارةٍ.
стр. 489
- مسألةٌ: (وَإِذَا دَخَلَ العَشْرُ) أي: عشر ذي الحجَّة (حَرُمَ عَلَى مَنْ يُضَحِّي أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفُرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ إِلَى الذَّبْحِ)؛ لحديث أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا»، وفي روايةٍ: «فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» [مسلم ١٩٧٧] .
- فرعٌ: (وَسُنَّ حَلْقٌ بَعْدَهُ) أي: بعد الذَّبح، لقول نافعٍ: «أَمَرَنِي عبد الله بن عمرَ ﵄ أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا فَحِيلًا أَقْرَنَ، ثُمَّ أَذْبَحَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى فِي مُصَلَّى النَّاسِ، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ، وَكَانَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ» [الموطأ ٢/ ٤٨٣].
وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ الأصل في العبادات المنع، وأمَّا فعل ابن عمرَ فَيَحْتَمل أنَّه فعلَه اتِّفاقًا لا قصدًا.
стр. 490
(فَصْلٌ) في العقيقة
العقُّ لغةً: القطع، وفي الاصطلاح: هي النَّسيكة الَّتي تُذْبَحُ عن المولود.
- مسألةٌ: (وَالعَقِيقَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ الأَبِ)؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا» [أبو داود ٢٨٤١، والنسائي ٤٢١٩ بلفظ: «كَبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ»] .
- فرعٌ: (وَهِيَ) أي: العقيقة: (عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ سِنًّا وَشَبَهًا، فَإِنْ عَدِمَ فَوَاحِدَةٌ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧]، (وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ)؛ لحديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ؛ عَنِ الغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الجَارِيَةِ شَاةٌ» [أبو داود ٢٨٤٢].
стр. 491
- فرعٌ: (وَلَا يُجْزِئُ بَدَنةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) تُذْبَح عقيقةً (إِلَّا كَامِلَةً) فلا يُجْزِئ فيها شركٌ في بدنةٍ أو بقرةٍ؛ لعدم وروده، واختاره ابن عثيمينَ.
- مسألةٌ: وقت ذبح العقيقة ينقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:
القسم الأوَّل: وقت الجواز: من حين الولادة؛ لأنَّ سبب العقيقة شكر الله على نعمة الولد، وهي موجودةٌ من حين الولادة.
القسم الثَّاني: وقت الاستحباب: يُسَنُّ أن (تُذْبَحَ) العقيقة (فِي سَابِعِ) يومٍ من (وِلَادَتِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ)؛ لحديث سمرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى» [أبو داود ٢٨٣٨، والترمذي ١٥٢٢، والنسائي ٤٢٣١، وابن ماجهْ ٣١٦٥].
(فَإِنْ فَاتَ) اليوم السَّابع ولم يعقَّ عنه (فَـ) يُسَنُّ (فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ) أي: اليوم الرَّابع عشرَ من ميلاده، (فَإِنْ فَاتَ فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ)؛ لقول عائشةَ ﵂: «عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، تُقْطَعُ جُدُولًا، وَلَا يُكْسَرَ لَهَا عَظْمٌ، فَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ وَيَتَصَدَّقُ، وَلْيَكُنْ ذَاكَ يَوْمَ السَّابِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ» [الحاكم ٧٥٩٥، وصححه، ووافقه الذهبي]، (وَلَا تُعْتبَرُ الأَسَابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ لأنَّه قضاء دمٍ فائتٍ فلم يتوقَّف على يومٍ؛ كقضاء الأضحيَّة.
стр. 492
- فرعٌ: (وَلَا يُكْسَرُ عَظْمُهَا)؛ لقول عائشةَ ﵂ السابق: «تُقْطَعُ جُدُولًا، وَلَا يُكْسَرَ لَهَا عَظْمٌ».
- فرعٌ: (وَطَبْخُهَا أَفْضَلُ) من إخراجها نيِّئةً؛ لقول عائشةَ السَّابق، (وَيَكُونُ مِنْهُ) أي: الطَّبيخ (بِـ) ـشيءٍ (حُلْوٍ)؛ تفاؤلًا بحلاوة أخلاقه.
- مسألةٌ: (وَحُكْمُهَا) أي: العقيقة (كَأُضْحِيَّةٍ فِيمَا يُجْزِئُ) منها، (وَ) ما (يُسْتَحَبُّ، وَ) ما (يُكْرَهُ) أي: في أكثر أحكامها، كالأكل والهديَّة والصَّدقة، وما يجوز من الحيوان، وما يجتنبه من العيوب ونحو ذلك؛ لاشتراكهما في تعلُّق حقِّ الفقراء بهما .
(لَكِنْ) تخالف العقيقةُ الأضحيَّةَ في أنَّ العقيقةَ يجوز أن (يُبَاعُ جِلْدٌ وَرَأْسٌ وَسَوَاقِطُ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ)؛ لأنَّها شُرِعَت لسرورٍ حادثٍ أشبهت الوليمة، بخلاف الأضحيَّة، فلا يُبَاع شيءٌ منها؛ لأنَّها شُرِعَت يوم النَّحر، فأشبهت الهدي.
وعنه روايةٌ مخرَّجةٌ: أنَّه لا يُبَاع منها شيءٌ؛ كالأضحيَّة.
- مسألةٌ: (وَإِنِ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ)؛ بأن يكون اليوم السَّابع من الولادة أو نحوه من أيَّام النَّحر؛ (أَجْزَأَتْ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى)؛ كما لو
стр. 493
اتَّفق يوم عيدٍ وجمعةٍ فاغتسل لأحدهما.
وعنه، واختاره ابن عثيمينَ: لا تجزئ إحداهما عن الأخرى؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما مقصودةٌ لذاتها.
стр. 494
(كِتَابُ الجِهَادِ)
لغةً: بذل الطَّاقة والوسع، مصدر جاهد، أي: بالغ في قتل عدوِّه.
وشرعًا: قتال الكفَّار خاصَّةً.
وهو مشروعٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى: (كتب عليكم القتال)، ولفعله ﷺ .
- مسألةٌ: (وَهُوَ) أي: الجهاد (فَرْضُ كِفَايَةٍ)، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقي، وإلَّا أثم الكلُّ؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) [التوبة: ١٢٢]؛ ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يبعث السَّرايا ويقيم هو وأصحابه .
- فرعٌ: الجهاد فرض كفايةٍ (إِلَّا) في أربعة أحوالٍ يكون فيها الجهاد فرضَ عينٍ:
١ - (إِذَا حَضَرَهُ) أي: حضر صفَّ القتال؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥].
٢ - (أَوْ حَصَرَهُ عَدَوٌّ)، إجماعًا؛ لأنَّه من باب دفع الصَّائل، وهو في معنى الَّذي حضر صفَّ القتال.
стр. 495
٣ - (أَوْ كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا) ولم يكن له عذرٌ: (فَـ) ـهو (فَرْضُ عَيْنٍ) عليه؛ لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨].
٤ - إذا احتيج إليه، كمن يعرف شيئًا من آلات الحرب أو مكان العدوِّ ونحوه؛ لأنَّه إذا لم يقم به أحدٌ تضرَّر النَّاس، فصار فرضَ عينٍ عليه.
- فرعٌ: (وَيُسَنُّ) جهادٌ (بِتَأَكُّدٍ مَعَ قِيَامِ مَنْ يَكْفِي بِهِ)؛ للآيات والأخبار الدَّالَّة على فضله.
- فرعٌ: (وَلَا يَجِبُ) جهادٌ (إِلَّا عَلَى) من توفَّرت فيه شروطٌ، وهي:
١ - (ذَكَرٌ) فلا يجب على المرأة؛ لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله؛ على النِّساء جهادٌ؟ قال: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحجُّ وَالْعُمْرَةُ» [أحمد: ٢٤٤٦٣، وابن ماجه: ٢٩٠١].
٢ - (مُسْلِمٌ) فلا يجب على كافرٍ؛ لأنَّ الإسلام شرطٌ للوجوب في سائر الفروع.
٣ - (حُرٌّ) فلا يجب على العبد؛ لعدم قدرته الماليَّة.
٤ - (مُكَلَّفٍ) فلا يجب على صبيٍّ، ولا مجنونٍ؛ لأنَّ هذه من شرائط
следующие страницы →