← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مُنْيَةُ السَّاجِدِ بِشَرْحِ بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة لدار ركائز للنشر والتوزيع الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م

стр. 3

مُنْيَةُ السَّاجِدِ بِشَرْحِ بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ للعلامة عبد الرحمن بن عبد الله البعلي الحنبلي (ت: ١١٩٢ هـ) شرح د. أنس بن عادل اليتامى د. عبد العزيز بن عدنان العيدان

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمدُه ونَستعينُه ونَستغفرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفسِنا وسَيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، ونَشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصَحبِه وسلَّم تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: فهذا شرحٌ لطيفٌ، وتعليقٌ منيفٌ، على متنِ (بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ (١)، للعلامةِ الفقيهِ عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ مُصطفى الحلبيِّ البَعليِّ الدِّمشقيِّ الحنبليِّ، الَّذي ابتدأ طريقَ العلمِ في سِنٍّ مُبكرةٍ، فأفاد مِن مشايخِ عصرِه، واشتَغل بعلماءِ وقتِه، ولازَم مِن كُلِّ أهلِ فنٍّ رَمزَه، حتَّى قال عن نفسِه: (أَخذْتُ عن مَشايِخَ كثيرين يطولُ ذِكرُهُم)، فبَرَع في العلومِ، وَفَاق أقرانَه في الفهومِ، وصار ثناءُ العلماءِ عليه في كتبِهِم مَسطورًا، وفي مؤلفاتِهِم مَرقومًا، فقال ابنُ بَدرانَ: (كان فَقيهًا، مُتَفنِّنًا، أَديبًا، شاعِرًا)، ووُصِف بالعبادةِ والصَّلاحِ، ، غَفَر الله له، وأسكنه أعلى مَنازِلِ بِلادِ الأفراحِ. وكانت مُصنَّفاتُه في سائِرِ الفنونِ كثيرةً، والعلومُ التي أَوْدَعَها فيها

стр. 6

غَزِيرةً، وكان مِن أَبْرَزِها: (كَشْفُ المُخَدَّرَاتِ) الَّذي شَرَح فيه كتابَ شَيخِ مَشايِخِه ابنِ بَلْبانَ: (أَخْصَرَ المُخْتَصَرَاتِ (١)، و (بُلُوغُ القَاصِدِ جُلَّ المَقَاصِدِ) الَّذي شَرَح فيه مُختصَرَهُ هذا (بِدايَةَ العَابِدِ)، وهو شَرْحٌ صَغيرٌ لم يَذكُرْ فيه دَليلًا، ولم يَقصِدْ فيه تَطويلًا، وقد مَنَّ اللهُ عليه بالاستِقامَةِ إلى وَفاتِهِ سَنَةَ (١١٩٢ هـ)، فَرَحِمَهُ اللهُ رَحمةً واسِعةً، وأَجْزل له الثوابَ في الآخِرةِ. ولَمَّا رَأيْنا في مُصَنَّفِه هذا حُسنَ تَصنيفٍ، وبَديعَ تأليفٍ، وصَلاحيَّتَه للمُبتَدي، ونَفْعَه للمُنتَهي، وإنارَتَه للنَّاسكِ المُقتَدي، استعَنَّا المولى في رَقْمِ شرحٍ يُبيِّنُ مُرادَه، ويَحُلُّ ألفاظَه، ويُذلِّلُ صِعابَه، على وجهٍ يَكْشِفُ النِّقابُ عن مَسائلِه، ويَمتزِجُ فيه الشَّرحُ بعِبارتِه، وتَنقسِمُ فيه المسائلُ إلى أقسامِها، وتَتنوَّعُ فيه الفُروعُ إلى أنواعِها، وتَنحصِرُ فيه المباحِثُ إلى أحوالِها، مُشتمِلًا في كُلِّ مَسألةٍ على دَليلٍ أو تعليلٍ، دون إسهابٍ أو تطويلٍ، ولم نَخرُجْ في ذلك كُلِّه عن المُعتَمَدِ عند الحنابِلةِ المتأخِّرين، وكان غَالِبُ استِمْدادِنا مما كَتَبَه عُمْدَةُ المُؤَلِّفِين، الشَّيخُ مَنصورُ بنُ يُونُسَ البُهُوتيُّ ﵀، في كتابَيْهِ: (كَشَّافِ القِنَاعِ)، و (شَرْحِ مُنْتَهَى الإرَادَاتِ). فإن كان ثَمَّ رَوايةٌ، أو وَجهٌ، أو قَولٌ له حَظٌّ مِن النَّظَرِ ذَكَرْناه؛ إِلفاتًا للطَّالِبِ المُبتَدي لِيَرْشُدَ، وتَنْبيهًا للعالِمِ المُنْتَهِي لِئَلَّا يَنْسَى فَيَفْسُدَ= إلى أنَّ العِلمَ المحبوبَ إلى اللهِ هو العِلمُ الموصِلُ إليه، المعرِّفُ به وبأمرِه ونهيِه،

стр. 7

وطريقُ ذلِك اتِّباعُ نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ومُطالَعَةُ فُهومِ سلفِ الأمَّةِ، وما هذه المذاهِبُ الأَربعَةُ المُتَّبَعةُ السُّنِّيَّةُ، وأقاويلُ أئِمَّتِها وعلمائِها الفِقهيَّةُ إلَّا آلةً تَنْسَبِكُ فيها الأبوابُ، وتَنتظِمُ فيها مَسائِلُ العلمِ في الكتابِ، وتُعرَفُ بها مَناطاتُ الأحكامِ، وإشاراتُ الأئمَّةِ الأعلامِ، ويُلمسُ مِن خِلالِها النظائِرُ والمُتَشابِهاتُ، وتَتَّضحُ الفوارِقُ والمُختلِفاتُ، فَيَتَمَكَّنُ النَّاظِرُ فيها مِن مَعرفِةِ مَوارِدِ الأدلَّةِ، وسَننَ استنباطِ الحُكمِ والعلَّةِ، فإذا خالَفَ قَولُ إمامٍ مِن الأئمَّةِ - بعدَ اجتهادٍ ونظرٍ - مَدلولَ الكتابِ والسُّنَّةِ، فقد وَقَع أجرُه على اللهِ، ولا يَسوغُ لنا مُتابعتُه في ذلك، بل المُتَعيِّنُ أنْ يَسيرَ الموفَّقُ مِن المُتعلِّمِين في طريقِه بِعَينيْنِ، ويَلْحَظَ في سَبيلِه بِنَظريْنِ، فَعَينٌ تَلحظُ عُلومَ الأوَّلينَ، وتَتَرحَّمُ على علمائِه السَّالِفينَ، وعَينٌ تَلحظُ مُرادَ اللهِ، وتَأْرِزُ إلى النُّصوصِ الموصلةِ إلى محبوبِ الإلهِ، فَيَعبدُ اللهَ على بَصيرةٍ، ويَسلَمُ مِن الوُقوعِ في المَزالِقِ الخَطيرَةِ، فتلِك واللهِ الطَّريقُ الوسطُ، الَّتي لا وَكْسَ فيها ولا شَطَط، أقامَنا اللهُ على السَّبيلِ المستقيمِ، وألْزَمَنا هَديَ نبيِّه القويمِ، وغَفَر لنا زَلَّاتِنا إنَّه غفورٌ رحيمٌ. ثُمَّ إنَّ مِن علاماتِ التَّوفيقِ، سُلوكَ المُتعلِّمِ الجَادَّةَ المَألوفَةَ في التَّعلُّمِ، وإنزالَ المَطايا عندَ كلِّ مَتنٍ بِحفظِ مَسائِلِه، وتَكرارِ النَّظرِ في دَلائلِه، حتَّى يَقضِيَ فِيه نَهمَتَه، ويَقْطُفَ مِنه ثَمَرتَه، ثُمَّ يَرتقي إلى ما بعدَه ممَّا هو أعلى منه رُتبةً، وأَمتنُ منه فائِدةً، فيُكرِّرُ تلك المسائلَ مَرَّةً أُخرى بمعناها، ويَستزيدُ مَسائِلَ أُخرى حتَّى يَبلُغَ مُنتَهاها، فيَشتَدَّ عُودُ عَقلِه، ويَقوى صُلبُ فَهمِه، ويَأنَسَ مِن نفسِه قُدرةً على المُطالعةِ والمُناقشةِ.

стр. 8

وإنَّ الطُّرقَ في ذلك مُتَّسعةٌ، والوسائِلَ مُتنوِّعةٌ، وممَّا يَحسُنُ في ذلك: أنْ يَبتدِئَ الطَّالبُ النَّبيهُ بدِراسةِ (بِدايَةِ العَابِدِ) على النَّمَطِ السَّابِقِ، ثُمَّ (أَخْصَرِ المُخْتَصَرَاتِ)، ثُمَّ (زَادِ المُسْتَقْنِعِ)، فإذا قَضى مِن ذلك عَرَف الطَّريقَ بإذنِ اللهِ تَعالى. وقد سَمَّينا هذا الشَّرْحَ: (مُنْيَةَ السَّاجِدِ فِي شَرْحِ بِدَايَةِ العَابِدِ وَكِفَايَةِ الزَّاهِدِ)، مع اعتِرافِنا بالعجزِ والتَّقصيرِ، واللهُ المسؤولُ أنْ يَجعلَه مُنيةً للرَّاغِبِ، وغُنيةً للطَّالِبِ، وطُعمةً للرَّاهِبِ، إنَّه سَميعٌ مُجيبٌ.

стр. 9

(بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم) ابتدأ المصنِّف كتابه بالبسملة؛ تأسيًّا بالكتاب العظيم، واقتداءً بالنَّبيِّ الكريم. والجار والمجرور في قوله: (بِسْمِ) متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ مؤخَّرٍ مناسبٍ للمقام، وتقديره هنا: باسم الله أؤلِّف، والمعنى: أؤلِّف مستعينًا بجميع أسماء الله الحسنى المتضمِّنة لصفاته العليا، متبرِّكًا بذكرها حال تأليف هذا المختصر. و(اللهِ): عَلَمٌ على الباري جلَّ وعلا. و (الرَّحْمَنِ): اسمٌ من أسماء الله المختصَّة به، لا يُطلَق على غيره، ومعناه: المتَّصف بالرَّحمة الواسعة، و (الرَّحِيمِ): من أسماء الله أيضًا، ومعناه: ذو الرَّحمة الواصلة. و(الحَمْدُ): هو وصف المحمود بصفات الكمال على وجه المحبَّة والتَّعظيم، سواءً كان في مقابلة نِعمةٍ أم لا، واللَّام في (الحَمْدُ) للاستغراق أو الجنس، فكلُّ أنواع المحامد أو جنسها مستحقَّةٌ ومملوكةٌ (لِله) تعالى؛ لكماله في أسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 10

(الَّذِي فَقَّهَ) أي: فهَّم (فِي الدِّينِ) وهو ما شرعه الله تعالى من الأحكام، (مَنْ شَاءَ) أي: أراد، (مِنَ العِبَادِ، وَوَفَّقَ)، والتَّوفيق: ألَّا يَكِل اللهُ الإنسانَ إلى نفسه، (أَهْلَ طَاعَتِهِ لِلْعِبَادَةِ وَالسَّدَادِ)، أي: الصَّواب من القول والعمل. (وَالصَّلاةُ) على نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ ، وهي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، (وَالسَّلَامُ) أي: السَّلامة من النَّقائص والرَّذائل (عَلَى سَيِّدِنَا) والسَّيد: مَن ساد في قومه، (مُحَمَّدٍ) ﷺ ، سُمِّيَ به لكثرة خصاله الحميدة، وشمائله المجيدة، (الهَادِي) هداية دلالةٍ وإرشادٍ، (إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ) أي: الصَّواب؛ كما قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]، (وَعَلَى آلِهِ) وهم أتباعه على دينه؛ لأنَّ الله تعالى أطلق الآل على الأتباع في الدِّين، فقال: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٦]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّهم أهل بيته. (وَ) على (صَحْبِهِ) جمع صاحبٍ، بمعنى الصَّحابي: وهو من اجتمع بالنَّبيِّ صلَّى لله عليه وسلَّم مؤمنًا به ومات على ذلك، (السَّادَةِ) من السِّيادة (القَادَةِ) أي: المقتدى بهم، (الأَمْجَادِ) جمع ماجدٍ، والمجد: نيل الشَّرف والكرم، فوصف

стр. 11

الصَّحابة ﵃ بثلاثة أوصافٍ يستحقُّونها وأكثرَ، وقد أثنى الله عليهم في كتابه دون قيدٍ فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) [التوبة: ١٠٠]، (وَعَلَى تَابِعِيهِمْ) أي: تابع الصَّحب في الاعتقاد والأقوال والأفعال، وقد أثنى الله عليهم بقيدٍ فقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) [التوبة: ١٠٠]، ولذا قال المؤلِّف: (بِإِحْسَانٍ)، فهنيئًا لمن أحسن في اتِّباع الصَّحابة الكرام يوم القرار، ومن يخالف طريقهم فقال الله تعالى في حقِّه: (ومن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥]، فاللَّهُمَّ صلِّ عليهم (صَلَاةً دَائِمَةً مُتَّصِلَةً) لا ينقطع مددها (إِلَى يَوْمِ المَعَادِ) أي: القيامة. (أَمَّا بَعْدُ)، بالبناء على الضَّمِّ، أي: بعْدَ ما ذُكر من حَمْد الله والصَّلاة والسَّلام على رسوله، وهي كلمةٌ يُؤْتَى بها للشُّروع في المقصود، ويُسْتَحَبُّ الإتيان بها في المكاتبات؛ اقتداءً به ﷺ . (فَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى) أي: طلبت منه الخيرة في أمري، (فِي جَمْعِ مُخْتَصَرٍ) وهو ما قلَّ لفظه وكثر معناه، (مُفِيدٍ، مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى) بيان أحكام (العِبَادَاتِ؛ تَرْغِيبًا لِلمُرِيدِ، وَتَقْرِيبًا لِلمُسْتَفِيدِ، فِي فِقْهِ) مذهب (الإِمَامِ) أي:

стр. 12

المقتدى (المُبَجَّلِ) أي: المعظَّم (أَبِي عَبْدِالله أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ) الشَّيبانيِّ، (وَسَمَّيْتُهُ) أي: هذا الكتاب: («بِدَايَةَ العَابِدِ وَكِفَايَةَ الزَّاهِدِ»، وَمِنَ الله تَعَالَى) لا من غيره (أَرْتَجِي لَهُ) أي: لهذا الكتاب (القَبُولَ، وَالنَّفْعَ لِكُلِّ مَنِ اشْتَغَلَ بِهِ؛ مِنْ سَائِلٍ وَمَسْؤُولٍ، إِنَّهُ) ﵎ (أَكْرَمُ مَأْمُولٍ)

стр. 13

(كِتَابُ الطَّهَارَةِ) - مسألةٌ: الطَّهارة لغةً: النَّظافة والنَّزاهة عن الأقذار. (وَهِيَ) في الاصطلاح تُطْلَق على أمرين: ١ - (ارْتِفَاعُ الحَدَثِ)، والحدث: هو الوصف القائم بالبدن المانع من الصَّلاة ونحوها. ٢ - (وَزَوَالُ الخَبَثِ)، أي: النَّجاسة. - مسألةٌ: (وَ) تنقسم (المِيَاهُ) باعتبار ما تتنوَّع إليه في الشَّرع إلى (ثَلَاثَةِ) أقسامٍ: (طَهُورٍ، وَطَاهِرٍ، وَنَجِسٍ)؛ لقوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) [الأنفال: ١١]، فوصف الماء بوصفٍ زائدٍ؛ وهو كونه مطهِّرًا لغيره. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنَّ المياه تنقسم إلى قسمين: طهورٌ، ونجسٌ؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ مرفوعًا: «الماءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [أحمدُ ١١٢٥٧، وأبو داودَ ٦٦، والترمذيُّ ٦٦، والنسائيُّ ٣٢٦].

стр. 14

(فَـ) القسم الأَوَّلُ: (الطَّهُورُ) ، أي: الطَّاهر في ذاته المطهِّر لغيره، و (هُوَ البَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) أي: صفته الَّتي خُلِقَ عليها، إمَّا حقيقةً: بأن يبقى على ما وُجِدَ عليه من برودةٍ، أو ملوحةٍ، ونحوهما، أو حكمًا: بأن طرأ عليه شيءٌ لا يسلُبه الطَّهوريَّة، كالمتغيِّر بغير ممازجٍ ونحوه. و(طَهُورٌ) بفتح الطَّاء: الطَّاهر (فِي نَفْسِهِ)، الـ (مُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ)، فهو من الأسماء المتعدِّية، قال تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: ١١]، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ ، فقال: إنَّا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضَّأنا به عطشنا، أفنتوضَّأ من ماء البحر؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ» [أحمدُ ٨٧٣٥، وأبو داودَ ٨٣، والترمذيُّ ٦٩، والنَّسائيُّ ٥٩، وابن ماجهْ ٣٨٦]، ولو لم يكن متعدِّيًا بمعنى المطهِّر لم يكن ذلك جوابًا للقوم حين سألوه عن الوضوء به، إذ ليس كلُّ طاهرٍ مطهِّرًا. - مسألةٌ: (يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ) أي: الماء الطَّهور (مُطْلَقًا) أي: في رفع الحدث وإزالة خبثٍ وغير ذلك، فحكمه أنَّه: ١ - لا يرفع الحدثَ غيرُه؛ لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماءً فتيمَّموا). ٢ - ولا يُزِيلُ النَّجسَ الطَّارئَ غيرُه؛ لأمر النَّبيِّ ﷺ أن يهراق على بول الأعرابيِّ ذنوبًا من ماءٍ. [البخاريُّ ٢٢١، ومسلمٌ ٢٠٠٤].

стр. 15

واختار شيخ الإسلام: أنَّ النَّجاسةَ تُزَال بأيِّ مزيلٍ، ويأتي في باب إزالة النَّجاسة. (وَ) القسم الثَّانِي من أقسام المياه: (الطَّاهِرُ) وهو (مَا تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ، أَوْ طَعْمِهِ، أَوْ رِيحِهِ بِطَاهِرٍ)؛ كزعفرانٍ ولبنٍ، (وَهُوَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ)؛ لأنَّه ليس بماءٍ مطلقٍ. وعلى الرِّواية الثَّانية الَّتي اختارها شيخ الإسلام: يجوز التَّطهُّر به مادام اسمُ الماء باقيًا عليه؛ لحديث أمِّ هانيءٍ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ وَمَيْمُونَةَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ العَجِينِ» [أحمد ٢٦٨٩٣، والنسائي ٢٤٠، وابن ماجهْ ٣٧٨]. (يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ رَفْعِ حَدَثٍ وَزَوَالِ خَبَثٍ)؛ كالأكل والشُّرب، فلا يرفع الحدثَ ولا يزيل الخبثَ؛ لما تقدَّم. (وَ) القسم الثَّالِثُ من أقسام المياه: (النَّجِسُ) ، وَهُوَ (مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ) قليلًا كان الماء أو كثيرًا، وحكى ابن المنذر الإجماعَ عليه، (فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَطْهِيرٍ)، أمَّا إذا كان الماء الملاقي للنَّجاسة في محلِّ التَّطهير فلا ينجس؛ لضرورة التَّطهير.

стр. 16

(وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا) أي: في العبادات وغيرها، ولو لم يُوجَد غيرُه؛ لقوله تعالى: (ويحرِّم عليهم الخبائث) [الأعراف: ١٥٧]، والنَّجس خبيثٌ، (إِلَّا لِضَرُورَةٍ) كدفع غُصَّةٍ؛ لأنَّ الضَّرورات تبيح المحظورات. مسألةٌ: (وَ) الماء (الكَثِيرُ) إذا أُطْلِقَ: (قُلَّتَانِ) من قلال هَجَر (فَأَكْثَرُ، وَ) الماء (اليَسِيرُ مَا) كان (دُونَهُمَا) أي: دون القلَّتين، (وَهُمَا) أي: القُلَّتان: (مِئَةُ رِطْلٍ وَسَبْعَةُ أَرْطَالٍ وَسُبُعُ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ، وَمَا وَافَقَهُ)، وهي تساوي: خمسمائة رطلٍ عراقيٍّ، والرّطل العراقيُّ بالمثاقيل يساوي ٩٠ مثقالًا، فـ (٥٠٠ رطلٍ × ٩٠) = ٤٥ ألفَ مثقالٍ. والمثقال حُرِّرَ الآن بالغرامات، فيساوي (٤.٢٥٠) غرام، فالقُلَّتَان: (٤.٢٥٠ × ٤٥ ألف) = ١٩١٢٥٠ غرام = (١٩١,٢٥) كيلًا.

стр. 17

فَصْلٌ في أحكام الآنية - ضابطٌ: الأصل في الآنية الطَّهارة؛ لأنَّ الأصل في الأشياء كلِّها الطَّهارة. - ضابطٌ: (وَكُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ) كالخشب، ولو ثمينًا كالجوهر (يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ) بلا كراهةٍ؛ لأنَّ الأصل في الأشياء الحلُّ. والاتِّخاذ: مجرد الاقتناء ولو لم يباشره بالانتفاع، والاستعمال: مباشرته بالانتفاع. - فرعٌ: كلُّ إناءٍ يُبَاح اتِّخاذه واستعماله (غَيْرَ): الأوَّل: آنيةُ (ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ)، خالصٍ أو غير خالصٍ، فيحرم؛ لحديث حذيفةَ بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُم فِي الآخِرَةِ» [البخاري: ٥٦٣٣، ومسلم: ٢٠٦٧]. الثاني: جِلدُ الآدميِّ وعظمُه فيحرم؛ لحرمته. - مسألةٌ: استعمال آنية الذَّهب والفضَّة على ثلاثة أقسامٍ:

стр. 18

القسم الأوَّل: استعمالها في الأكل والشُّرب: فيحرم، وقد حُكِيَ الإجماع على ذلك؛ لحديث حذيفةَ السَّابق. القسم الثَّاني: استعمالها في غير الأكل والشُّرب ؛ كاستعمالها في الطَّهارة، أو حفظ الأشياء كالمحبرة: فيحرم باتِّفاق الأئمَّة؛ إلحاقًا لها بالأكل والشُّرب. القسم الثَّالث: اتِّخاذها دون المباشرة بالاستعمال: فيحرم عند جمهور العلماء؛ لما تقدَّم. واختار الشَّوكانيُّ، والصَّنعانيُّ، وابنُ عثيمينَ: جواز اتِّخاذ آنية الذَّهب والفضَّة، وجواز استعمالها في غير الأكل والشُّرب؛ لما روى عثمانُ بن عبد الله بن موهبٍ، قَالَ: «أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ» [البخاري: ٥٨٩٦]؛ ولأنَّ النَّهي ورد في الأكل والشُّرب خاصَّةً فلا يُلْحَق به غيرُه.

стр. 19

(فَصْلٌ) في آداب دخول الخلاء وأحكام الاستنجاء - مسألةٌ: (وَالِاسْتِنَجَاءُ) لغةً: القطع، واصطلاحًا: (إِزَالَةُ مَا خَرَجَ مِنْ سَبِيلٍ بِمَاءٍ) طهورٍ، (أَوْ) بـ (حَجَرٍ وَنَحْوِهِ)؛ كخرقٍ. - ضابطٌ: (وَهُوَ) أي: الاستنجاء بماءٍ أو حجرٍ ونحوِه (وَاجِبٌ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ) من سبيلٍ، قليلًا كان أو كثيرًا، إذا أراد الصَّلاة ونحوها؛ لحديث سلمانَ ﵁: «نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» [مسلم: ٢٦٢]. - ضابطٌ: يجب الاستنجاء لكلِّ خارجٍ (إِلَّا) ثلاثة أمورٍ: ١ - (الرِّيحَ)، قال الإمام أحمدُ: (ليس في الرِّيح استنجاءٌ في كتاب الله، ولا في سنَّة رسوله). ٢ - (وَالطَّاهِرَ)، كالمنيِّ؛ لأنَّ الاستنجاء إنَّما شُرِع لإزالة النَّجاسة، ولا نجاسةَ فيها. ٣ - (وَغَيْرَ المُلَوِّثِ)، كالبعر النَّاشف؛ لما تقدَّم.

стр. 20

- مسألةٌ: (وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِجَمَارُ إِلَّا) بثمانية شروطٍ: الشَّرط الأوَّل: أن يكون الاستجمار (بِطَاهِرٍ) ، فلا يصحُّ بنجسٍ؛ لقول ابن مسعودٍ ﵁: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» يعني: نجسٌ [البخاري: ١٥٦]. والشَّرط الثَّاني: أن يكون بشيءٍ (مُبَاحٍ) ، فلا يصحُّ بمغصوبٍ؛ لأنَّ الاستجمار رخصةٌ، والرُّخَص لا تُسْتَبَاح على وجهٍ محرَّمٍ، وهذا من المفردات. وعنه، وفاقًا للثَّلاثة: يصحُّ؛ لأنَّ النَّهي يعود إلى شرط العبادة على وجهٍ لا يختصُّ. والشَّرط الثَّالث: أن يكون بشيءٍ (يَابِسٍ) ، فلا يصحُّ بليِّنٍ لا يُنقِي؛ والمقصود من الاستجمار الإنقاء. والشَّرط الرَّابع: أن يكون بشيءٍ (مُنَقٍّ) ، فلا يصحُّ بأملسَ كزجاجٍ؛ لأنَّ المقصود من الاستجمار الإنقاء، وهذا لا يُنقي. - فرعٌ: (فَالإِنْقَاءُ بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ أَنْ يَبْقَى أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا المَاءُ). (وَشُرِطَ لَهُ) أي: للاستجمار شرطٌ خامسٌ: أن يكون بـ (ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ

стр. 21

فَأَكْثَرَ مُنْقِيَةٍ)، فلا يجزئ أقلُّ منها؛ لقول سلمانَ ﵁: «نَهَانَا -يعني النَّبيَّ ﷺ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» [مسلم: ٢٦٢]. (وَ) الشَّرط السَّادس: (عَدَمُ تَعَدِّي خَارِجٍ مَوْضِعَ العَادَةِ) ، فإن انتشر الخارج على شيءٍ من الصَّفحة، أو امتدَّ إلى الحشفة امتدادًا غير معتادٍ فلا يجزئ فيه إلَّا الماء؛ لأنَّ الاستجمار رخصةٌ، فَتُقَدَّرُ بقدرها. واختار شيخ الإسلام: يجزئ الاستجمار ولو انتشر، وليس للانتشار حدٌّ؛ لعموم أدلَّة الاستجمار، ولأنَّ الاستجمار مسحٌ وقد خُفِّف في أصله، فلا يُشَدَّد فيه. - فرعٌ: (وَ) الإنقاء (بِمَاءٍ عَوْدُ المَحَلِّ كَمَا كَانَ، وَظَنُّهُ كَافٍ)؛ لأنَّ الظَّنَّ معمولٌ به في الشَّرع. (وَ) الشَّرط السَّابع: ألَّا يكون روثًا أو عظمًا، ولو طاهرين ، فإن فعل لم يجزئه، وإليه أشار بقوله: (حَرُمَ بِرَوْثٍ، وَعَظْمٍ)؛ لحديث ابن مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ» [الترمذي: ١٨]، والنَّهي يقتضي الفساد. واختار شيخ الإسلام الإجزاء مع الإثم؛ لأنَّه لم يُنْهَ عنه لكونه لا يُنْقِي؛ بل لإفساده، ولأنَّ العلَّة النَّجاسة وقد زالت، والحكم يدور مع

стр. 22

علَّته وجودًا وعدمًا. (وَ) الشَّرط الثَّامن: ألَّا يكون بـ (طَعَامٍ وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ) ؛ لأنَّه ﵇ علَّل المنع من الرَّوث والعظم بأنَّه زاد الجنِّ، فزادنا وزاد بهائمنا أَوْلى. - مسألةٌ: (وَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا تَيَمُّمٌ قَبْلَهُ) ، أي: قبل الاستنجاء؛ لحديث المقداد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ لِيَتَوَضَّأْ» [النسائي ٤٣٩] وعنه، واختاره ابن قدامةَ: يصحُّ؛ لأنَّها إزالة نجاسةٍ فلم تُشْتَرَطْ لصحَّة الطَّهارة، والرِّواية المحفوظة: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» [البخاري ٢٦٩، ومسلم ٣٠٣]، والواو لا تقتضي التَّرتيب. - مسألةٌ: (وَحَرُمَ) عند قضاء الحاجة: ١ - (لُبْثٌ) في الخلاء (فَوْقَ قَدْرِ حَاجَتِهِ)؛ لما فيه من كشف العورة بلا حاجةٍ. وعنه: يُكْرَهُ؛ لما فيه من كشف العورة من غير حاجةٍ، ولا يحرم؛ لعدم الدَّليل على التَّحريم. ٢ - (وَ) يحرم (تَغَوُّطُهُ بِمَاءٍ) قليلٍ أو كثيرٍ، راكدٍ أو جارٍ؛ لأنَّه يُقَذِّرُهُ

стр. 23

ويمنع النَّاسَ الانتفاعَ به. ٣ - (وَ) يحرم (بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ بِمَوْرِدِهِ)، أي: مورد الماء؛ لحديث معاذٍ ﵁ قال: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا المَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: البَرَازَ فِي المَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» [أبوداود ٢٦، وابن ماجهْ ٣٢٨]. ٤ - (وَ) يحرم بَوْله وتغوُّطه (بِطَرِيقٍ مَسْلُوكٍ، وَظِلٍّ نَافِعٍ)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ»، قالوا: وما اللَّعَّانَانِ يا رسول الله؟ قال: «الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» [مسلم: ٢٦٩]. ٥ - (وَ) يحرم بولٌ وتغوُّطٌ (تَحْتَ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا ثَمَرٌ يُقْصَدُ)، مأكولًا أو غير مأكولٍ؛ لأنَّه يُقَذِّرُهَا، وتعافه النَّاس. ٦ - (وَ) حرم (اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَاسْتِدْبَارُهَا) حال قضاء حاجةٍ (بِفَضَاءٍ)؛ لخبر أبي أيوبَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» [البخاري: ٣٩٤، مسلم: ٢٦٤]. ولا يحرم استقبالها ولا استدبارها في بنيانٍ؛ لقول عبد الله بن عمرَ ﵄: «لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ» [البخاري: ١٤٥، مسلم: ٢٦٦]، فَتُحْمَلُ أحاديث النَّهي على الفضاء، وأحاديث الرُّخصة على البنيان.

стр. 24

وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيَّم: يحرم الاستقبال والاستدبار في البنيان والفضاء؛ لعموم حديث أبي أيوبَ رضي الله السَّابق، وهو قولٌ، وحديث ابن عمرَ فعلٌ، فَيُقَدَّمُ القول على الفعل، لأنَّ الفعل يحتمل عدَّة احتمالاتٍ. (فَصْلٌ) في السِّواك وما أُلْحِقَ به من الادِّهان وسنن الفطرة - مسألةٌ: (وَالسِّوَاكُ) له وقتان: الوقت الأوَّل: وقتٌ مطلقٌ ، وأشار إليه بقوله: (مَسْنُونٌ مُطْلَقًا) أي: في كلِّ وقتٍ، باتِّفاق الأئمَّة؛ لحديث عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» [أحمد: ٢٤٢٠٣، والنسائي: ٥، وابن ماجهْ: ٢٨٩، والبخاري معلَّقًا بصيغة الجزم: ٣/ ٣١]. - مسألةٌ: يُسَنُّ السِّواك كلَّ وقتٍ، (إِلَّا لِصَائِمٍ) ، فرضًا كان الصَّوم أو نفلًا، فللصَّائم مع السِّواك ثلاثة أحوالٍ: الأُولى: وقت الكراهة، وذلك (بَعْدَ الزَّوَالِ فَيُكْرَهُ) السِّواك بيابسٍ ورطبٍ؛ لحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالغَدَاةِ وَلَا

стр. 25

تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ» [الدارقطني: ٢٣٧٢، والبيهقي: ٨٣٣٦]. الثَّانية: وقت الإباحة، وأشار إليه بقوله: (وَيُبَاحُ) السِّواك (قَبْلَهُ) أي: قبل الزَّوال (بِعُودٍ رَطْبٍ)؛ لما يتحلَّل منه بخلاف اليابس. (وَ) الثَّالثة: وقت الاستحباب، وذلك قبل الزَّوال، فـ (يُسْتَحَبُّ بِـ) عودٍ (يَابِسٍ) لا رطبٍ؛ لقول عامر بن ربيعةَ ﵁: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» [أبو داود: ٢٣٦٤، والترمذي: ٧٢٥ وقال: حسن صحيح]، وحُمِلَ على ما قبل الزَّوال؛ لما تقدَّم من الأدلَّة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يُسَنُّ التَّسوُّك للصَّائم مطلقًا قبل الزَّوال وبعده، باليابس والرَّطب؛ لعموم الأدلَّة على استحباب السِّواك دون تفريقٍ بين الصَّائم وغيره، وأمَّا حديث عليٍّ ﵁ فلا يصحُّ. - مسألةٌ: يُسَنُّ السِّواك بالعودِ ، (وَلَمْ يُصِبِ السُّنَّةَ مَنِ اسْتَاكَ بِغَيْرِ عُودٍ)؛ كمن استاك بإصبعٍ وخرقةٍ ونحوهما؛ لأنَّ الشَّرع لم يَرِدْ به، ولا يحصل به الإنقاء كالعود. واختار ابن قدامةَ: يصيب من السُّنَّة بقدر ما يحصل من الإنقاء؛ لعموم حديث عائشةَ ﵄ مرفوعًا: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ».

стр. 26

الوقت الثَّاني: وقتٌ مقيَّدٌ ، وأشار إليه بقوله: (وَيَتَأَكَّدُ) السِّواك في ثمانية مواطنَ: ١ - (عِنْدَ صَلَاةٍ)، فرضًا كانت أو نفلًا؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» [البخاري: ٨٨٧، ومسلم: ٢٥٢]. ٢ - (وَ) عند (قِرَاءَةِ) قرآنٍ؛ لحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا تَسَوَّكَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَامَ المَلَكُ خَلْفَهُ، فَتَسَمَّعَ لِقِرَاءَتِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ، فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، إِلَّا صَارَ فِي جَوْفِ المَلَكِ، فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلقُرْآنِ» [البزار: ٦٠٣، وجود إسناده المنذري والألباني]. ٣ - (وَ) عند (وُضُوءٍ)، ومحلُّه عند المضمضة؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» [أحمد: ٩٩٢٨، والبخاري معلَّقًا: ٣/ ٣١]. ٤ - (وَ) عند (انْتِبَاهٍ مِنْ نَوْمِ) ليلٍ أو نهارٍ؛ لحديث حذيفةَ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» [البخاري: ٢٤٥، ومسلم: ٢٥٥]. ٥ - عند دخول المنزل؛ لقول عائشةَ ﵁: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» [مسلم: ٢٥٣].

стр. 27

٦ - (و) عند (دُخُولِ مَسْجِدٍ)؛ لأنَّه كالمنزل، أو أَوْلى. واختار ابن عثيمين: لا يتسوَّك إذا دخل المسجد؛ بناءً على أنَّ سبب سواكه دخول المسجد؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يدخل المسجد ولم يُرْوَ عنه أنَّه كان يستاك. ٧ - (وَ) عند (تَغَيُّرِ) رائحةِ (فَمٍ)، إمَّا بسبب إطالة السُّكوت، أو اصفرار الأسنان، أو غيره؛ لأنَّ السِّواك مشروعٌ لتطييب الفم وإزالة رائحته، فَتَأَكَّدَ عند تغيُّرِهِ. ٨ - (وَنَحْوِهِ)؛ كعند الاحتضار؛ لحديث عائشةَ في تسوِّك النَّبيِّ ﷺ عند احتضاره [البخاري: ٤٤٣٨]. - مسألةٌ: (وَسُنَّ بُدَاءَةٌ بِـ) الجانبِ (الأَيْمَنِ في سِوَاكٍ) ، باتِّفاق الأئمَّة؛ لحديث عائشةَ السَّابق، وفي بعض ألفاظه: «وَسِوَاكِهِ» [أبو دواد: ٤١٤٠]، (وَ) سُنَّ أيضًا البداءة بالجانب الأيمن في (طُهُورٍ، وَ) في (شَأْنِهِ كُلِّهِ)، وتقدَّم في باب الاستنجاء. - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (ادِّهَانٌ) في البدن، وشعر الرَّأس، واللِّحية؛ غِبًّا ، أي: يومًا يدَّهن ويومًا لا يدَّهن؛ لما روى عبد الله بن مغفَّلٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا» [أحمد: ١٦٧٩٣، وأبو داود: ٤١٥٩، والترمذي: ١٥٧٦، والنسائي: ٥٠٥٥]، والتَّرجُّل: تسريح الشَّعر ودهنه. فإن احتاج المسلم إلى أن يدَّهن كلَّ يومٍ فلا بأسَ؛ لحديث

стр. 28

أبي هريرةَ مرفوعًا: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» [أبو داود: ٤١٦٣]. وقال شيخ الإسلام: (يفعل ما هو الأصلح للبدن من الادِّهان أو غيره، كالغسل بماءٍ حارٍّ ببلدٍ رطبٍ). - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (اكْتِحَالٌ) في كلِّ عينٍ ثلاثًا بالإثمد المطيَّب ، كلَّ ليلةٍ قبل أن ينام؛ لما روى ابن عبَّاسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالإِثْمِدِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَكَانَ يَكْتَحِلُ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» [أحمد: ٣٣٢٠، والترمذي: ٢٠٤٨، وابن ماجهْ: ٣٤٩٩]. ولكن حديث ابن عبَّاسٍ المذكور ضعيفٌ، وعليه فيمكن أن يُقَال: إنَّ الاكتحال ينقسم إلى قسمين: ١ - أن يكون المقصود صلاح العين وتقوية النَّظر: فَيُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ المسلم مأمورٌ بحفظ البدن. ٢ - أن يكون لمجرد التَّزيُّن والتَّجمُّل: فلا يخلو: أأن تكون امرأةً متزوِّجةً: فَيُسْتَحَبُّ لها ذلك؛ لأنَّ المرأة يُطْلَبُ منها أن تتجمَّل لزوجها. ب أن يكون رجلًا، أو امرأةً غير متزوِّجةٍ: فَيُبَاح؛ لأنَّ الأصل الإباحة، إلَّا إذا كان سيترتَّب عليه فتنةٌ فإنَّه يحرم. - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (نَظَرٌ فِي مِرْآةٍ) ؛ ليزيل ما عسى أن يكون بوجهه من

стр. 29

أذًى؛ ولحديث عائشةَ ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَظَرَ فِي المِرْآةِ قَالَ: الحَمْدُ لِلهِ، اللهمَّ كَمَا أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي» [البيهقي في الدعوات: ٤٨٩]، وهو ضعيفٌ. - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (تَطَيُّبٌ) ، في الجملة؛ لحديث أنسٍ ﵁ مرفوعًا: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» [أحمد: ١٢٢٩٤، والنسائي: ٣٩٣٩]. - مسألةٌ: (وَ) يُسَنُّ (اسْتِحْدَادٌ) وهو: حلق شعر العانة، وبأيِّ شيءٍ أزاله فلا بأسَ، والحلق أفضلُ، (وَ) يُسَنُّ (حَفُّ شَارِبٍ)، والحفُّ: المبالغة في قصِّهِ، (وَ) يُسَنُّ (تَقْلِيمُ ظُفُرٍ، وَنَتْفُ إِبْطٍ)، وبأيِّ شيءٍ أزاله جاز، والنَّتف أفضلُ؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» [البخاري: ٥٨٨٩، ومسلم: ٢٥٧]. - مسألةٌ: (وَيَجِبُ خِتَانُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وخنثى ، فالذَّكر: بأخذ جلدة الحشفة، والأنثى: بأخذ جلدةٍ فوق محلِّ الإيلاج تشبه عُرْفَ الدِّيك، والخنثى بأخذهما؛ لحديث كُلَيْبٍ الحضرميِّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لرجلٍ أسلم: «أَلْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» [أحمد: ١٥٤٣٢، وأبو داود: ٣٥٦]. وعنه، واختاره ابن قدامةَ: أنَّ الختان واجبٌ على الذُّكور؛ لما تقدَّم، ومُسْتَحَبٌّ للإناث؛ لأنَّ الختان للذَّكر يتعلَّق بمصلحةٍ تعود إلى شرطٍ من

стр. 30

شروط صحَّة الصَّلاة، وهو اجتناب النَّجاسة، وأمَّا بالنَّسبة للمرأة فهو لتحصيل كمالٍ، وهو التَّقليل من الشَّهوة. - مسألةٌ: وقت الختان ينقسم إلى أربعة أقسامٍ: الأوَّل: وقت الوجوب؛ وذلك (عِنْدَ بُلُوغٍ) مع أمن الضَّرر؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄: «وَكَانُوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ» [البخاري: ٦٢٩٩]. الثَّاني: وقت التَّحريم؛ وذلك في موطنين: ١ - إذا خِيفَ الهلاك أو فساد العضو؛ لقوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم). ٢ - الميت، بالاتِّفاق؛ لعدم الفائدة منه. الثَّالث: وقت الاستحباب؛ وأشار إليه بقوله: (وَزَمَنَ صِغَرٍ أَفْضَلُ)؛ لأنَّه أقربُ إلى البُرْء. الرَّابع: وقت الكراهة؛ من الولادة وحتَّى اليوم السَّابع؛ لأنَّه يُخشى على الطِّفل. وقِيلَ: لا يُكْرَهُ في الوقتين؛ لعدم الدَّليل، قال الشَّارح: (ولا يثبت في ذلك توقيتٌ، فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيبًا).

стр. 31

(فَصْلٌ) في فروض الوضوء - مسألةٌ: (وَالوُضُوءُ) لغةً: من الوضاءة وهي النَّظافة، وشرعًا: (اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ فِي الأَعْضَاءِ الأَرْبَعَةِ)، وهي: الوجه، واليدان، والرَّأس، والرِّجْلان، (عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) في الشَّرع، بأن يأتيَ بها مرتَّبةً متواليةً مع باقي الفروض. - مسألةٌ: (وَالتَّسْمِيَةُ) ، أي: قول: باسم الله، (وَاجِبَةٌ فِيهِ) أي: في الوُضوء، وهو من المفردات؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ» [أحمد: ٩٤١٨، وأبو داود: ١٠١، وابن ماجهْ: ٣٩٩]. (وَ) تجب التَّسمية في (غُسْلٍ، وَتَيَمُّمٍ، وَغَسْلِ يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ، وَغَسْلِ مَيْتٍ)؛ قياسًا على الوضوء في الكلِّ. وعنه: التَّسمية في الوضوء مُسْتَحَبَّةٌ؛ لأنَّ الَّذين وصفوا وضوء النَّبيِّ ﷺ لم يذكروا التَّسمية، ولو كان واجبًا لنُقِلَ إلينا.

стр. 32

وأمَّا الحديث فقال أحمدُ: (ليس في هذا حديثٌ يثبت). ودلَّ على الاستحباب: حديث أنسٍ ﵁ قال: طلب بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ وضوءًا، فقال رسول الله ﷺ : «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ؟ » فوضع يده في الماء ويقول: «تَوَضَّئُوا بِاسْمِ الله» [النسائي: ٧٨]. - مسألةٌ: (وَيَجِبُ غَسْلُ يَدَيِ القَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) النَّاقض للوضوء (ثَلَاثًا)؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» [البخاري ١٦٢، ومسلم ٢٧٨]، والبيتوتة لا تكون إلَّا باللَّيل، (بِنِيَّةٍ)؛ لحديث عمرَ ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [البخاري ١، ومسلم ١٩٠٧]، (وَتَسْمِيَةٍ)؛ قياسًا على الوضوء. وعنه: يجب غسلهما من نوم اللَّيل ونوم النَّهار؛ لأنَّ العلَّة وهي: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، متحقِّقةٌ في نوم اللَّيل والنَّهار، والحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا، أمَّا لفظ البيتوتة فخرج مخرج الغالب. - مسألة: (وَشُرُوطُ الوُضُوءِ) ولو مستحبًّا (ثَمَانِيَةٌ) ، وزاد في الإقناع والمنتهى تاسعًا: ١ - (انْقِطَاعُ مَا يُوجِبُهُ)، سواءً كان خارجًا؛ كبولٍ، أو غيره؛ كلمس ذَكَرٍ.

стр. 33

٢ - (وَالنِّيَّةُ)؛ لحديث عمرَ ﵁ السَّابق: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». - فرع: (وَهِيَ) أي: النِّيَّة (شَرْطٌ لِكُلِّ طَهَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ غَيْرَ) أربعة مواطنَ: الأوَّل: في (إِزَالَةِ خَبَثٍ)، فلا تُشْتَرَط له النِّيَّة؛ لأنَّه من قبيل التُّروك. وأشار إلى البقيَّة بقوله: (وَنَحْوِهَا): الثَّاني: غسل كتابيَّةٍ لحيضٍ، أو نفاسٍ، أو جنابةٍ؛ لحلِّ وطءٍ لزوجٍ أو سيِّدٍ، فلا تُعْتَبَرُ فيه النِّيَّة؛ للعذر. والثَّالث: غُسل مسلمةٍ انقطع حيضها أو نفاسها ممتنعةٍ من الغسل، فتُغَسَّل قهرًا لحلِّ وطءٍ لزوجٍ أو سيِّدٍ، فلا تُعْتَبَر النِّيَّة هنا للعذر، كالممتنع من الزَّكاة، ولا تُصَلِّ به. والرَّابع: غسل مجنونةٍ من حيضٍ أو نفاسٍ، مسلمةً كانت أو كتابيَّةً، حرَّةً أو أمةً، فلا تُعْتَبَر النِّيَّة منها؛ لتعذُّرِهَا، وينويه عنها من يُغَسِّلُهَا. ٣ - (وَالإِسْلَامُ)؛ كسائر العبادات. ٤ - (وَالعَقْلُ)؛ لتتأتَّى النِّيَّة. ٥ - (وَالتَّمِيِيزُ)؛ لأنَّ غير المميِّز لا تُعْقَل منه النِّيَّة. ٦ - (وَالمَاءُ الطَّهُورُ) وتقدَّم في أوَّل المياه، (المُبَاحُ)، فلا يصحُّ بماءٍ

стр. 34

مغصوبٍ؛ لحديث عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [البخاري ٢٦٩٧، ومسلم ١٧١٨]. وعنه: يصحُّ مع إثم الغَصْب؛ لأنَّ النَّهي يعود إلى شرط العبادة على وجهٍ لا يختصُّ. ٧ - (وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَهُ)، أي: الماء إلى البَشَرَة؛ كعجينٍ ونحوِه؛ ليحصل الإسباغ المأمور به. وفي وجهٍ -واختاره شيخ الإسلام: إن مَنَعَ يسيرُ وسخٍ في ظفرٍ ونحوه؛ كيسير دمٍ، أو عجينٍ وصولَ الماء صحَّت الطَّهارة؛ لأنَّ اليسير معفوٌّ عنه في الشَّرع؛ كأثر الاستجمار. ٨ - (وَالِاسْتِنْجَاءُ) والاستجمار قبل الوضوء، وتقدَّم. ٩ - ودخول الوقت على مَنْ حدثه دائمٌ لفرض ذلك الوقت؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لفاطمةَ بنت أبي حُبَيْشٍ -وكانت مستحاضةً: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» [البخاري ٢٢٨]. - مسألةٌ: (وَفُرُوضُهُ سِتَّةٌ): أحدها: (غَسْلُ الوَجْهِ) إجماعًا؛ لقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) [المائدة: ٦].

стр. 35

وحدُّ الوجه: من منابت شعر الرَّأس المعتاد إلى ما انحدر من اللَّحْيَيْنِ والذَّقَن طولًا، ومن الأُذُن إلى الأُذُن عرضًا. - فرعٌ: (وَمِنْهُ) أي: من الوجه، (فَمٌ وَأَنْفٌ)، فيجب غسلهما مع غسل الوجه، وهو من المفردات؛ لحديث لقيط ابن صبرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ» [أبو داود: ١٤٤]، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» [البخاري: ١٦٢، ومسلم: ٢٣٧]. (وَ) الثَّاني: (غَسْلُ اليَدَيْنِ) إجماعًا، (مَعَ المِرْفَقَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، و (إلى) بمعنى (مع)، لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا، وفيه: «ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي العَضُدِ» [مسلم: ٢٤٦]، وفِعْلُه ﷺ بيانٌ لمجمل الآية. (وَ) الثَّالث: (مَسْحُ) الرَّأس، إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والواجب مسح (الرَّأْسِ كُلِّهِ)؛ لأنَّ الباء في الآية للإلصاق، والمعنى: امسحوا ملصقين أيديكم برؤوسكم، وأمَّا دعوى أنَّها للتَّبعيض فضعيفٌ، إذ لا يعرفه حذَّاق العربيَّة. - فرعٌ: (وَمِنْهُ) أي: من الرَّأس (الأُذُنَانِ)، فيجب مسح ظاهرهما وباطنهما؛ لحديث أبي أمامةَ ﵁ مرفوعًا: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ»

стр. 36

[أحمد: ٢٢٢٨٢، والترمذي: ٣٧، وابن ماجهْ: ٤٤٤]. (وَ) الرَّابع: (غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ) إجماعًا، (مَعَ الكَعْبَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، و (إلى) بمعنى (مع)؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق، وفيه: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ» [مسلم: ٢٤٦]، وفِعْلُه ﷺ بيانٌ لمجمل الآية. (وَ) الخامس: (تَرْتِيبُ) الأعضاء على ما ذكر الله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدةً غير التَّرتيب؛ وللقاعدة: (كلُّ عبادةٍ مركَّبةٍ من أجزاءٍ يُشْتَرَطُ فيها التَّرتيب والموالاة إلَّا لدليلٍ). (وَ) السَّادس: الـ (مُوَالَاةُ)؛ لما روى خالد بن معدانَ عن بعض أصحاب النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الماءُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» [أحمد: ١٥٤٩٥، وأبو داود: ١٧٥]. واختار شيخ الإسلام: أنَّ الموالاة فرضٌ، وتسقط مع العذر؛ كسقوط تتابع الصِّيام في كفارة الظِّهار للعذر. - مسألةٌ: ضابط الموالاة: أن لا يُؤَخَّر غَسْلُ عضوٍ حتَّى ينشفَ الَّذي قبله بزمنٍ معتدلٍ. وعنه: التَّفريق المبطل هو ما يفحش في العادة؛ لأنَّه لم يُحَدَّ في

стр. 37

الشَّرع، فرُجِعَ فيه إلى العادة. - مسألةٌ: (وَيَسْقُطَانِ) أي: التَّرتيب والموالاة (مَعَ غُسْلٍ) عن حدثٍ أكبرَ ، لاندراج الوضوء فيه، كاندراج العمرة في الحجِّ. (فَصْلٌ) في المسح على الخفَّين وغيرهما من الحوائل - مسألةٌ: (يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ) ، وهو ما يُلْبَس في الرِّجْل من جلدٍ، قال الإمام أحمدُ: (ليس في قلبي من المسح شيءٌ، فيه أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ . - مسألةٌ: (وَ) يجوز المسح على (نَحْوِهِمَا) كالجورب ممَّا كان من غير الجلد؛ كقطنٍ أو صوفٍ؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» [أحمد ١٨٢٠٦، وأبو داود ١٥٩، والترمذي ٩٩ وقال: حسن صحيح، وابن ماجهْ ٥٥٩]، قال ابن المنذر: (رُوِيَ إباحة المسح على الجوربين عن تسعةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 38

- مسألةٌ: يجوز المسح على الخفَّين ونحوهما (بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ): الشَّرط الأوَّل: (لُبْسُهُمَا بَعْدَ كَمَالِ طَهَارةٍ بِمَاءٍ)؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁: قال: كنت مع النَّبيِّ ﷺ في سفرٍ، فأهويت لأنزع خُفَّيْهِ، فقال: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فمسَحَ عليهما. [البخاري ٢٠٦، ومسلم ٢٧٤]، فلو غسل رِجْلًا ثمَّ أدخلها الخفَّ قبل غسل الأخرى؛ خلع الخفَّ ثمَّ لبس بعد غسل الأخرى؛ ليكون لبسهما بعد كمال الطَّهارة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يُشْتَرَط تقدُّم كمال الطَّهارة؛ لأنَّه يصدق عليه أنَّه لبس الخفَّيْن على طهارةٍ، فلا يلزمه خلع الخفِّ في الصُّورة السَّابقة. (وَ) الشَّرط الثَّاني: (سَتْرُهُمَا لِمَحَلِّ فَرْضٍ)، وهو كلُّ القَدَمِ، فخرج بذلك: ١ - ما لا يستر محلَّ الفرض لقصره؛ كالخفِّ المقطوع أسفل الكعبين، فلا يُمْسَحُ عليه باتِّفاق الأئمَّة، واختاره شيخ الإسلام (١).

стр. 39

٢ - الخفُّ المخرَّق وإن صغر الخرق؛ لأنَّ حكم ما استتر المسح، وما ظهر الغسل، ولا سبيلَ إلى الجمع بينهما، فوجب الغَسْل؛ لأنَّه الأصل. واختار شيخ الإسلام: جواز المسح على الخفِّ المخرَّق ما دام اسمُ الخفِّ باقيًا، والمشي فيه ممكنًا. (وَ) الشَّرط الثَّالث: (إِمْكَانُ مَشْيٍ بِهِمَا) أي: الممسوح من خفٍّ ونحوه (عُرْفًا) ولو لم يكن معتادًا، فدخل في ذلك الجلود، والخشب، والحديد، ونحوها؛ لأنَّه خفٌّ ساترٌ يمكن المشي فيه، أشبه الجلود. (وَ) الشَّرط الرَّابع: (ثُبُوتُهُمَا) أي: الخفَّيْن ونحوهما (بِنَفْسِهِمَا)، فإن لم يثبت الخفُّ إلَّا بشدِّه لم يجز المسح عليه؛ إذ الرُّخصة وردت في الخفِّ المعتاد، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه، فلا يصحُّ المسح عليه. واختار شيخ الإسلام: جواز المسح عليه وإن لم يثبت بنفسه بل بخيوطٍ ونحوها، ما دام اسم الخفِّ باقيًا عليه. (وَ) الشَّرط الخامس: (إِبَاحَتُهُمَا)، فلا يصحُّ المسح على مغصوبٍ، ولا على حريرٍ لِرَجُلٍ؛ لأنَّ لبسه معصيةٌ، فلا تُسْتَبَاح به الرُّخْصة. وعنه: يصحُّ المسح عليه؛ لعموم أدلَّة المسح، والنَّهي يعود إلى شرط العبادة على وجهٍ لا يختصُّ. (وَ) الشَّرط السَّادس: (طَهَارَةُ عَيْنِهِمَا)، فلا يمسح على نجسٍ؛ وحكاه

стр. 40

النَّووي إجماعًا. وأمَّا إن كان طاهرَ العين لكن عليه نجاسةٌ: فيجوز المسح عليه؛ لوجود شرطه، ولا يصلِّي فيه، بل يستبيح به؛ نحو مسِّ المصحف. (و) الشَّرط السَّابع: (عَدَمُ وَصْفِهِمَا) أي: الخفَّيْن ونحوهما، (البَشَرَةَ) لصفائه أو خفَّته، فإن وَصَفَ القدمَ لصفائه؛ كزجاجٍ رقيقٍ، أو خفَّته؛ كجوربٍ خفيفٍ؛ لم يصحَّ المسح عليه؛ لأنَّه غير ساترٍ لمحلِّ الفرض أشبه النَّعل. واختار ابن عثيمينَ: جواز المسح عليهما مادام الاسم باقيًا عليهما. (١) - مسألةٌ: (فَيَمْسَحُ مُقِيمٌ) يَوْمًا وَلَيْلَةً، (وَ) يمسح (عَاصٍ بِسَفَرِهِ مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً) كمقيمٍ، فلا يستبيح الرُّخصة بمعصيته، ويأتي الكلام عن ابتداء المسح . واختار شيخ الإسلام: أنَّ العاصي بسفره يمسح ثلاثة أيَّامٍ بلياليهنَّ؛ لإطلاق الأدلَّة.
следующие страницы →