← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 147663

منية الساجد بشرح بداية العابد وكفاية الزاهد

أنس بن عادل اليتامى

Полный текст (520 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[أحمد: ٢٢٢٨٢، والترمذي: ٣٧، وابن ماجهْ: ٤٤٤]. (وَ) الرَّابع: (غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ) إجماعًا، (مَعَ الكَعْبَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، و (إلى) بمعنى (مع)؛ لحديث أبي هريرةَ السَّابق، وفيه: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ» [مسلم: ٢٤٦]، وفِعْلُه ﷺ بيانٌ لمجمل الآية. (وَ) الخامس: (تَرْتِيبُ) الأعضاء على ما ذكر الله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدةً غير التَّرتيب؛ وللقاعدة: (كلُّ عبادةٍ مركَّبةٍ من أجزاءٍ يُشْتَرَطُ فيها التَّرتيب والموالاة إلَّا لدليلٍ). (وَ) السَّادس: الـ (مُوَالَاةُ)؛ لما روى خالد بن معدانَ عن بعض أصحاب النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الماءُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» [أحمد: ١٥٤٩٥، وأبو داود: ١٧٥]. واختار شيخ الإسلام: أنَّ الموالاة فرضٌ، وتسقط مع العذر؛ كسقوط تتابع الصِّيام في كفارة الظِّهار للعذر. - مسألةٌ: ضابط الموالاة: أن لا يُؤَخَّر غَسْلُ عضوٍ حتَّى ينشفَ الَّذي قبله بزمنٍ معتدلٍ. وعنه: التَّفريق المبطل هو ما يفحش في العادة؛ لأنَّه لم يُحَدَّ في

стр. 37

الشَّرع، فرُجِعَ فيه إلى العادة. - مسألةٌ: (وَيَسْقُطَانِ) أي: التَّرتيب والموالاة (مَعَ غُسْلٍ) عن حدثٍ أكبرَ ، لاندراج الوضوء فيه، كاندراج العمرة في الحجِّ. (فَصْلٌ) في المسح على الخفَّين وغيرهما من الحوائل - مسألةٌ: (يَجُوزُ المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ) ، وهو ما يُلْبَس في الرِّجْل من جلدٍ، قال الإمام أحمدُ: (ليس في قلبي من المسح شيءٌ، فيه أربعون حديثًا عن رسول الله ﷺ . - مسألةٌ: (وَ) يجوز المسح على (نَحْوِهِمَا) كالجورب ممَّا كان من غير الجلد؛ كقطنٍ أو صوفٍ؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» [أحمد ١٨٢٠٦، وأبو داود ١٥٩، والترمذي ٩٩ وقال: حسن صحيح، وابن ماجهْ ٥٥٩]، قال ابن المنذر: (رُوِيَ إباحة المسح على الجوربين عن تسعةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 38

- مسألةٌ: يجوز المسح على الخفَّين ونحوهما (بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ): الشَّرط الأوَّل: (لُبْسُهُمَا بَعْدَ كَمَالِ طَهَارةٍ بِمَاءٍ)؛ لحديث المغيرة بن شعبةَ ﵁: قال: كنت مع النَّبيِّ ﷺ في سفرٍ، فأهويت لأنزع خُفَّيْهِ، فقال: «دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» فمسَحَ عليهما. [البخاري ٢٠٦، ومسلم ٢٧٤]، فلو غسل رِجْلًا ثمَّ أدخلها الخفَّ قبل غسل الأخرى؛ خلع الخفَّ ثمَّ لبس بعد غسل الأخرى؛ ليكون لبسهما بعد كمال الطَّهارة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يُشْتَرَط تقدُّم كمال الطَّهارة؛ لأنَّه يصدق عليه أنَّه لبس الخفَّيْن على طهارةٍ، فلا يلزمه خلع الخفِّ في الصُّورة السَّابقة. (وَ) الشَّرط الثَّاني: (سَتْرُهُمَا لِمَحَلِّ فَرْضٍ)، وهو كلُّ القَدَمِ، فخرج بذلك: ١ - ما لا يستر محلَّ الفرض لقصره؛ كالخفِّ المقطوع أسفل الكعبين، فلا يُمْسَحُ عليه باتِّفاق الأئمَّة، واختاره شيخ الإسلام (١).

стр. 39

٢ - الخفُّ المخرَّق وإن صغر الخرق؛ لأنَّ حكم ما استتر المسح، وما ظهر الغسل، ولا سبيلَ إلى الجمع بينهما، فوجب الغَسْل؛ لأنَّه الأصل. واختار شيخ الإسلام: جواز المسح على الخفِّ المخرَّق ما دام اسمُ الخفِّ باقيًا، والمشي فيه ممكنًا. (وَ) الشَّرط الثَّالث: (إِمْكَانُ مَشْيٍ بِهِمَا) أي: الممسوح من خفٍّ ونحوه (عُرْفًا) ولو لم يكن معتادًا، فدخل في ذلك الجلود، والخشب، والحديد، ونحوها؛ لأنَّه خفٌّ ساترٌ يمكن المشي فيه، أشبه الجلود. (وَ) الشَّرط الرَّابع: (ثُبُوتُهُمَا) أي: الخفَّيْن ونحوهما (بِنَفْسِهِمَا)، فإن لم يثبت الخفُّ إلَّا بشدِّه لم يجز المسح عليه؛ إذ الرُّخصة وردت في الخفِّ المعتاد، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه، فلا يصحُّ المسح عليه. واختار شيخ الإسلام: جواز المسح عليه وإن لم يثبت بنفسه بل بخيوطٍ ونحوها، ما دام اسم الخفِّ باقيًا عليه. (وَ) الشَّرط الخامس: (إِبَاحَتُهُمَا)، فلا يصحُّ المسح على مغصوبٍ، ولا على حريرٍ لِرَجُلٍ؛ لأنَّ لبسه معصيةٌ، فلا تُسْتَبَاح به الرُّخْصة. وعنه: يصحُّ المسح عليه؛ لعموم أدلَّة المسح، والنَّهي يعود إلى شرط العبادة على وجهٍ لا يختصُّ. (وَ) الشَّرط السَّادس: (طَهَارَةُ عَيْنِهِمَا)، فلا يمسح على نجسٍ؛ وحكاه

стр. 40

النَّووي إجماعًا. وأمَّا إن كان طاهرَ العين لكن عليه نجاسةٌ: فيجوز المسح عليه؛ لوجود شرطه، ولا يصلِّي فيه، بل يستبيح به؛ نحو مسِّ المصحف. (و) الشَّرط السَّابع: (عَدَمُ وَصْفِهِمَا) أي: الخفَّيْن ونحوهما، (البَشَرَةَ) لصفائه أو خفَّته، فإن وَصَفَ القدمَ لصفائه؛ كزجاجٍ رقيقٍ، أو خفَّته؛ كجوربٍ خفيفٍ؛ لم يصحَّ المسح عليه؛ لأنَّه غير ساترٍ لمحلِّ الفرض أشبه النَّعل. واختار ابن عثيمينَ: جواز المسح عليهما مادام الاسم باقيًا عليهما. (١) - مسألةٌ: (فَيَمْسَحُ مُقِيمٌ) يَوْمًا وَلَيْلَةً، (وَ) يمسح (عَاصٍ بِسَفَرِهِ مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً) كمقيمٍ، فلا يستبيح الرُّخصة بمعصيته، ويأتي الكلام عن ابتداء المسح . واختار شيخ الإسلام: أنَّ العاصي بسفره يمسح ثلاثة أيَّامٍ بلياليهنَّ؛ لإطلاق الأدلَّة.

стр. 41

- مسألةٌ: (وَ) يمسح (مُسَافِرٌ سَفَرَ قَصْرٍ لَمْ يَعْصِ بِهِ) أي: بالسَّفر، بأن كان غير محرَّمٍ ولا مكروهٍ، ولو عصى فيه: (ثَلَاثَةَ) أيَّامٍ (بِلَيَالِيهِنَّ)؛ لحديث عليٍّ ﵁: «جَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ» [رواه مسلم ٢٧٦] . واختار شيخ الإسلام: أنَّ المسح على الخفَّيْن محدَّدٌ إلَّا في حال الضَّرورة والمشقَّة؛ لحديث عقبةَ بن عامرٍ ﵁: أنَّه قَدِم على عمرَ بفتح دمشقَ، فقال له عمرُ: «كَمْ لَكَ يَا عُقْبَةُ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ؟ » فقال: منذ ثمانية أيَّامٍ من الجمعة إلى الجمعة، قال: «أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ السُّنَّةَ» [الدارقطني ٧٦٦]. - مسألةٌ: تَبْتدِئ مدَّةُ المسح من حدثٍ بعد لبسٍ؛ لحديث صفوان بن عسَّالٍ ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» [أحمد ١٨٠٩١، والترمذي ٩٦]، فدلَّ بمفهومه: أنَّها تُنْزَعُ لثلاثٍ مضَيْنَ من الغائط . وعنه، واختاره السِّعدي: تبدأ من المسح بعد الحدث؛ لأنَّ الشَّرع جاء بلفظ المسح، ولا يتحقَّق المسح إلَّا بوجوده فعلًا. - مسألةٌ: (فَلَوْ مَسَحَ فِي سَفَرٍ ثُمَّ أَقَامَ) أتمَّ مسح مقيمٍ إن بقي منه

стр. 42

شيءٌ، وإلَّا خلع؛ لأنَّه صار مقيمًا، قال الشَّارح: (بغير خلافٍ نعلمه). - مسألةٌ: (أَوْ) مسح (فِي حَضَرٍ ثُمَّ سَافَرَ) أتمَّ مسح مقيمٍ؛ تغليبًا لجانب الحضر . وعنه: يتمُّ مسح مسافرٍ؛ لأنَّه مسافرٌ، قال الخلَّال: (رجع أحمدُ عن قوله الأوَّل إلى هذا). - مسألةٌ: (أَوْ شَكَّ) ماسحٌ بسفرٍ (فِي ابْتِدَاءِ المَسْحِ) بأن لم يدر: أمسح مقيمًا أو مسافرًا؟ ؛ (لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ)؛ لأنَّه اليقين، وما زاد عليه لم يتحقَّق شرطه، والأصل عدمه . - مسألةٌ: (وَيَجُوزُ المَسْحُ عَلَى جَبِيرَةٍ) مشدودةٍ على كسرٍ أو جرحٍ ونحوهما؛ لحديث جابرٍ ﵁ في صاحب الشَّجَّة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، ويَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» [أبو داود ٣٣٦]، وصحَّ عن ابن عمرَ وابن عبَّاسٍ ﵃ [الأوسط لابن المنذر ٥٢٦ - ٥٢٧] . - فرعٌ: يُشْتَرَطُ للمسح على الجبيرة شروطٌ، منها: ١ - (إِنْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى طَهَارَةٍ) كاملةٍ؛ قياسًا على المسح على الخفَّيْن.

стр. 43

وعنه، واختاره ابن قدامةَ: لا يُشْتَرَطُ تقدُّم الطَّهارة؛ لما تقدَّم من حديث صاحب الشَّجَّة، فلم يذكر الطَّهارة، ولأنَّ اشتراط الطَّهارة يشقُّ؛ لأنَّه يقع فجأةً. ٢ - (وَلَمْ تُجَاوِزِ) الجبيرة (قَدْرَ الحَاجَةِ)، وهو موضع الجرح والكسر وما قرب منه، بحيث يحتاج إليه في شدِّها؛ لأنَّه موضع الحاجة فتُقَيَّد بقدرها. - فرعٌ: (وَ) على ما سبق: فـ (إِنْ جَاوَزَتْهُ)، أي: جاوزت الجبيرةُ موضعَ الحاجة، (أَوْ كَانَ وَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) سواءً تجاوزت أو لا؛ (وَجَبَ نَزْعُهَا)؛ ليغسل ما يمكنه غسله، (فَإِنْ خَافَ ضَرَرًا) أو تلفًا بنزع الجبيرة (تَيَمَّمَ) وجوبًا لما زاد عن قدر الحاجة، أو وُضِع على غير طهارةٍ، وغَسَلَ ما سوى ذلك، (مَعَ مَسْحٍ) على جبيرةٍ (مَوْضُوعَةٍ عَلَى طَهَارَةٍ مُجَاوِزَةٍ مَحَلَّ الحَاجَةِ)، فيجمع بين غسل الصَّحيح ومسح قدر الحاجة والتَّيمم لما زاد عنه. واختار ابن عثيمينَ: أنَّه إذا خاف الضَّرر بنزع الزَّائد مسح على الجميع بلا تيمُّمٍ؛ لأنَّه لما كان يتضرَّر بنزع الزَّائد صار الجميع بمنزلة الجبيرة.

стр. 44

- مسألةٌ: (وَ) يبطل المسح على الخفِّ ونحوه بأمورٍ، منها: ١ - (وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ممن مسح بعد الحدث، بخرق الخفِّ، أو خروج بعض القدم إلى ساق الخفِّ، أو ظهر بعض رأسٍ وفحش، أو زالت جبيرةٌ؛ بطل الوضوء؛ لأنَّ المسح أقيم مقام الغسل، فإذا ظهر بعض محلِّ الفرض؛ بطلت الطَّهارة في الممسوح فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعَّض. واختار شيخ الإسلام: أنَّ الطَّهارة لا تبطل؛ لأنَّ طهارته حصلت بمقتضى دليلٍ شرعيٍّ، ولا دليلَ على بطلانها. ٢ - (أَوْ حَصَلَ مَا يُوجِبُ الغُسْلَ) كالجنابة، فيبطل المسح على الخفِّ ونحوه؛ لحديث صفوان بن عسَّالٍ السَّابق، إلَّا في المسح على الجبيرة؛ لحديث صاحب الشَّجَّة، ولأنَّ المسح عليها عزيمةٌ. ٣ - (أَوِ انْقَضَتِ المُدَّةُ) أي: مدَّة المسح (بَطَلَ الوُضُوءُ)؛ لأنَّ المسح أقيم مقام الغسل، فإذا انقضت مدَّته؛ بطلت الطَّهارة في الممسوح فتبطل في جميعها؛ لكونها لا تتبعَّض. واختار شيخ الإسلام: أنَّ الطَّهارة لا تبطل؛ لأنَّ طهارته حصلت بمقتضى دليلٍ شرعيٍّ، ولا دليلَ على بطلانها.

стр. 45

(فَصْلٌ) في (نَوَاقِضِ الوُضُوءِ) أي: مفسداته، وهي (ثَمَانِيَةٌ) بالاستقراء: أحدها: (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ) أي: مخرج بولٍ أو غائطٍ ، ولا يخلو من أمرين: الأوَّل: أن يكون الخارج معتادًا؛ كالبول، والغائط، والمذي، والرِّيح؛ فينقض إجماعًا، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا كان أو نجسًا؛ لحديث صفوان بن عسَّالٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» الحديث [أحمد ١٨٠٩١، والترمذي ٩٦، والنسائي ١٢٧، وابن ماجهْ ٤٧٨]. الثَّاني: أن يكون غير معتادٍ؛ كالدَّم، والدُّود، والحصى، وأشار إليه بقوله: (مُطْلَقًا)، أي: نادرًا كان أو معتادًا، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا كان أو نجسًا؛ لحديث فاطمةَ بنت أبي حُبَيْشٍ: أَنَّها قالت: يا رسول الله؛ إنِّي امرأةٌ أُسْتَحَاض فلا أطهر أفأدع الصَّلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ» [البخاري ٢٢٨]، فأمرها بالوضوء لكلِّ صلاةٍ، ودمها غير معتادٍ، فيقاس عليه ما سواه، وللإجماع على النَّقض بالودي وهو غير معتادٍ.

стр. 46

(وَ) النَّاقض الثَّاني: خارج من بقيَّة البدن من غير السَّبيلين ، ولا يخلو من أمرين: الأمر الأوَّل: أن يكون (خُرُوجُ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ مِنْ بَاقِي البَدَنِ)، فينقض (قَلَّ أَوْ كَثُرَ)، من تحت المعدة أو فوقها؛ لعموم قوله تعالى: (أو جاء أحدٌ منكم من الغائط) [النساء: ٤٣]، فجعل الاعتبار بالغائط، أي: بالخارج لا بالمخرج. (وَ) الأمر الثَّاني: وأشار إليه: (أَوْ غَيْرِهِمَا) أي: غير البول والغائط، (كَقَيْءٍ أَوْ دَمٍ)، فينقض إن كان نجسًا، (إِنْ فَحُشَ)؛ لحديث أبي الدَّرداء ﵁: «اسْتَقَاءَ رَسُولُ الله ﷺ فَأَفْطَرَ، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ» [أحمد ٢٧٥٣٧، والترمذي ٨٧]، ولقول ابن عبَّاسٍ ﵄ في الدَّم: (إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة) [الأوسط لابن المنذر ٦٤]، وأمَّا اليسير فلا ينقض، قال أحمدُ: (عدَّةٌ من الصَّحابة تكلَّموا فيه، وابن عمرَ عَصَرَ بثرةً فخرج الدَّم فصلَّى ولم يتوضَّأ [الأوسط لابن المنذر ٦٥]، وابن أبي أوفى عَصَرَ دملًا)، قال ابن قدامةَ: (ولم يُعْرَف لهم مخالفٌ من الصَّحابة فكان إجماعًا). واختار شيخ الإسلام: لا ينقض الوضوء بل يُسْتَحَبُّ؛ لحديث جابرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ»، ولعدم الدَّليل على النَّقض، والأصل بقاء الطَّهارة، وتُحْمَل آثار الصَّحابة على الاستحباب.

стр. 47

- فرعٌ: الفاحش: ما فحُش (فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ). (وَ) النَّاقض الثَّالث: (زَوَالُ عَقْلٍ) بجنونٍ، أو تغطيته بإغماءٍ أو نومٍ ، ولا يخلو من أمرين: الأوَّل: غير النَّوم، وهو الإغماء والجنون والسُّكْر، فينقض الوضوء يسيرُه وكثيرُه إجماعًا. الثَّاني: النَّوم، فينقض الوضوء مطلقًا، قليلًا كان أو كثيرًا، على أي هيئةٍ كان؛ لقوله ﷺ : «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ ونَومٍ»، (إِلَّا): ١ - نوم النَّبيِّ ﷺ ؛ لحديث عائشةَ ﵄ قالت: قال النَّبيُّ ﷺ : «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» [أحمد ١٩١١، وأبو داود ٢٠٢]. ٢ - (يَسِيرَ نَوْمٍ) عُرْفًا (مِنْ قَائِمٍ أَوْ جَالِسٍ) غير محتبٍ أو متكئٍ أو مستندٍ؛ لقول ابن عبَّاسٍ ﵄ في قصَّةِ تهجُّده ﷺ : «فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» [مسلم ٧٦٣]، ولقول أنسٍ ﵁: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ الآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» [أبو داود ٢٠٠، وأصله في مسلم ٢٧٦]. واختار شيخ الإسلام: أنَّ النَّوم لا ينقض الوضوء مطلقًا إنَّ ظنَّ بقاء الطَّهارة؛ جمعًا بين الأدلَّة، ويؤيِّده حديث معاويةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العَيْنَيْنِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتُطْلِقَ الوِكَاءُ» [أحمد ١٦٨٧٩].

стр. 48

(وَ) النَّاقض الرَّابع: (غُسْلُ مَيْتٍ)، مسلمًا كان أو كافرًا، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا كان أو كبيرًا، (أَوْ) غسل (بَعْضِهِ) أي: الميت ، وهو من المفردات؛ لأنَّ ابن عمرَ وابن عبَّاسٍ ﵃: «كَانَا يأْمُرَانِ غَاسِل الميِّتِ بِالوُضُوءِ» [مصنف عبدالرزاق ١/ ٤٠٥]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا ينقض؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ، وَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجَسٍ، حَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ» [الدارقطني ١٨٣٩، وحسنه الحافظ]، قال شيخ الإسلام: (وأمَّا الاستحباب فمتوجِّهٌ ظاهرٌ). - فرعٌ: الغاسل من يقلِّبه ويباشره ولو مرَّةً، لا من يصبُّ عليه الماء، ولا من ييمِّمه. (وَ) النَّاقض الخامس: (أَكْلُ لَحْمِ إِبِلٍ) خاصَّةً، (وَلَوْ نِيِّئًا) ، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام (١)؛ لحديث جابر بن سمرةَ ﵁: أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضَّأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ

стр. 49

فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ» [مسلم ٣٦٠]، قال أحمدُ: (فيه حديثان صحيحان: حديث البراء، وجابر بن سمرةَ). - فرعٌ: يجب الوضوء من لحم الإبل (تَعَبُّدًا)؛ لأنَّه لا يُعْقَل معناه، فلا يتعدَّى إلى غيره، والنَّصُّ لم يتناوله، (فَلَا نَقْضَ بِبَقِيَّةِ أَجْزِائِهَا)؛ كالكبد والطُّحال والسَّنام، (وَ) لا بـ (شُرْبِ لَبَنِهَا، وَمَرَقِ لَحْمِهَا). واختار شيخ الإسلام وابن القيِّم: أنَّ العلَّة معقولة المعنى، وهي لما فيها من القوة الشَّيطانيَّة، لحديث أبي لاسٍ الخزاعيِّ مرفوعًا: «مَا مِنْ بَعِيرِ إِلَّا عَلَى ذُرْوَتِهِ شَيْطَانٌ» [أحمد ١٧٩٣٨]، قال شيخ الإسلام: (فيها من القوَّة الشَّيطانيَّة ما أشار إليه النَّبيُّ ﷺ بقوله: «فَإِنَّهَا جِنٌّ مِنْ جِنٍّ خُلِقَتْ» [مسند الشافعي ١/ ٢١]، وقد قال ﷺ فيما رواه أبو داودَ [٤٧٨٤]: «إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ»، فأمر بالتَّوضُّؤ من الأمر العارض من الشَّيطان، فأكل لحمها يورث قوَّةً شيطانيَّةً تزول بما أمر به النَّبيُّ ﷺ من الوضوء من لحمها). ويمكن أن يقال: إنَّ أجزاء الإبل بالنَّسبة للنَّقض لا تخلو من أربعة أقسامٍ: ١ - اللَّحم: فينقض؛ لما تقدَّم من حديث جابر بن سمرةَ، والبراء.

стр. 50

٢ - الهبر غير اللَّحم: كالكبد والكرش والشحم، ينقض، وهي روايةٌ اختارها السِّعدي؛ لأنَّه داخلٌ في حكمها، ولهذا أجمع العلماء أنَّ شحم الخنزير محرَّمٌ مع أنَّ الله تعالى لم يذكر في القرآن إلَّا اللَّحم. ٣ - اللَّبن: لا ينقض بل يُسْتَحَبُّ؛ لحديث أنسٍ ﵁ في قصَّة العرنيِّين، فقد أمرهم النَّبيُّ ﷺ بالشُّرب من أبوالها وألبانها. [البخاري ٢٣٣، ومسلم ١٦٧١]، ولم يأمرهم بالوضوء منها مع كونهم حديثي عهدٍ بجاهليَّةٍ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنَّما يُسْتَحَبُّ؛ لحديث أُسَيْدِ بن الحُضَيْر ﵁ مرفوعًا: «لَا تَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الغَنَمِ، وَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الإِبِلِ» [أحمد: ١٩٠٩٧، وابن ماجهْ: ٤٩٦، وفيه ضعفٌ]، ورواه الشَّالنجيُّ من حديث البراء بن عازبٍ، قال شيخ الإسلام: (إسناده جيِّدٌ). ٤ - ما خالط لحم الإبل، كمرق لحمها: فقال ابن عثيمينَ: الأحوط: الوضوء إن ظهر طعمه، وإلَّا فلا يضرُّ. (وَ) النَّاقض السَّادس: (مَسُّ فَرْجٍ)، لا العانة ولا الأُنْثَيَيْن ، فينقض بشروط خمسةٍ: ١ - أن يكون المسُّ لفرجٍ أصليٍّ لا زائدٍ، سواءً من نفسه أو من غيره. ٢ - أن يكون الفرج الممسوس من (آدَمِيٍّ)، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، فلا ينقض مسُّه من بهيمةٍ اتِّفاقًا. ٣ - أن يكون الفرج (مُتَّصِلًـ) ـا لا بائنًا؛ لذهاب حرمته، تعمَّدَهُ أو لا.

стр. 51

- فرعٌ: (أَوْ) أي: ينقض مسُّ (حَلْقَةِ دُبُرِهِ) أي: الآدميّ؛ لأنَّه فرجٌ. - فرعٌ: ينقض مسُّ الفرج (وَلَوْ) كان الممسوس (مَيْتًا)؛ للعموم، ولبقاء حرمته. ٤ - أن يكون المسُّ (بِيَدِهِ) أي: بالكفِّ، لا بالذِّراع أو غيره، ولا فرقَ في ذلك بين بطن الكفِّ وظهرها وحرفها، زائدةً كانت أو أصليَّةً. ٥ - أن يكون المسُّ بلا حائلٍ. والدَّليل على ذلك: حديث بسرةَ بنت صفوانَ ﵂: أنَّها سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» [أحمد ٢٧٢٩٣، وأبو داود ١٨١، والترمذي ٨٣، والنسائي ١٦٣، وابن ماجه ٤٧٩]، وفي روايةٍ للنَّسائيِّ [٤٤٥]: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال البخاريُّ: (هو أصحُّ شيءٍ في هذا الباب)، ولوروده عن جماعةٍ من الصَّحابة؛ كعمرَ، وابنه، وابن عبَّاسٍ، وغيرهم. وعنه، واختاره شيخ الإسلام (١): يُسْتَحَبُّ الوضوء ولا يجب، جمعًا بين حديث بسرةَ السَّابق وحديث طلق بن عليٍّ عن أبيه ﵁ قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ أيتوضَّأ أحدنا إذا مسُّ ذكره؟ قال: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ

стр. 52

مِنْكَ أَوْ جَسَدِكَ» [أحمد ١٦٢٨٦، وأبو داود ١٨٢، والترمذي ٨٥، والنسائي ١١٩، وابن ماجهْ ٤٨٣]. - مسألةٌ: (لَا) ينقض (مَسُّ الخُصْيَتَيْنِ)؛ لأنَّه ليس بذكرٍ، (وَلَا) ينقض مسُّ (مَحَلِّ الفَرْجِ البَائِنِ)؛ لأنَّه ليس بفرجٍ . (وَ) النَّاقض السَّابع: (لَمْسُ ذَكَرٍ) أنثى لشهوةٍ، سواءً كان اللَّمس باليد أو بغيرها، ولو بزائدٍ ؛ لقوله تعالى (أو لامستم النِّساء) [المائدة: ٦]، قال ابن مسعودٍ ﵁: (القُبْلَة من اللَّمس، ومنها الوضوء) [مصنف عبدالرزاق ٥٠٠]. (أَوْ) لمس (أُنْثَى الآخَرَ) أي: الذِّكر (لِشَهْوَةٍ)؛ لأنَّها ملامسةٌ تنقض الوضوء، فاستوى فيها الذَّكَر والأنثى؛ كالجماع. فيُشْتَرَطُ للنَّقض شرطان: ١ - أن يكون بشهوةٍ، جمعًا بين الآية وبين حديث عائشةَ ﵂ قال: (فَقَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ لَيْلَةً مِنَ الفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ) [مسلم ٤٨٦]. ٢ - أن يكون اللَّمس (بِلَا حَائِلٍ)؛ لأنَّه لم يلمس البَشَرَةَ. - فرعٌ: ينقض مسُّ المرأة بشهوةٍ، (وَلَوْ) كان المسُّ (بِـ) عضوٍ (زَائِدٍ لزائِدٍ)؛ كاليد، أو الرِّجْل، أو الأصبع الزَّائدة؛ كالنَّقض بالعضو الأصليِّ. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا ينقض لمسُّ الذَّكر الأنثى، وعكسه مطلقًا؛ لحديث عائشةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ

стр. 53

إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» [أحمد ٢٥٧٦٦، أبوداود ١٧٩، الترمذي ٨٦، ابن ماجهْ ٥٠٢]، والملامسة في الآية المراد بها: الجماع، كذلك فسَّرها عليٌّ، وابن عبَّاسٍ ﵁ [ابن أبي شيبة ١٧٧١، ١٧٦٨] (وَ) النَّاقض الثَّامن: (الرِّدَّةُ) عن الإسلام ، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام، فيبطل بها الوضوء؛ لحديث أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» [مسلم ٢٢٣]، فإذا بطل الإيمان بالكليَّة فشطره أَوْلَى، ولأنَّ ما منع ابتداء الوضوء منع استدامته. - مسألةٌ: (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا) كإسلامٍ، وانتقال منيٍّ ونحوهما، (أَوْجَبَ وُضُوءًا) ؛ لأنَّه إذا قام الحدث الأكبر في البدن فقد قام الحدث الأصغر من باب أَوْلى، فلا يكفي رفع الحدث الأكبر، (غَيْرَ مَوْتٍ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الغُسْلَ)، و (لَا) يُوجِب (الوُضُوءَ)؛ لأنَّ تغسيل الميت ليس عن حدثٍ، (بَلْ يُسَنُّ) الوضوء للميت، ويأتي في الجنائز. واختار شيخ الإسلام: أنَّه لا يُوجِب الوضوء، لدخول الحدث الأصغر في الأكبر؛ لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطَّهَّروا).

стр. 54

- مسألةٌ: (وَلَا نَقْضَ): ١ - (بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ)، كالكذب والغيبة، ونحوهما، بل يُسْتَحَبُّ. وقال شيخ الإسلام: يُسْتَحَبُّ الوضوء عقيب الذَّنب؛ لحديث أبي بكرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ إِلَّا غَفَرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ» [أحمد ٢، وأبوداود ١٥٢١، والترمذي ٤٠٦، وابن ماجهْ ١٣٩٥]. ٢ - (وَلَا) نقض (بِإِزَالَةِ شَعْرٍ وَظُفُرٍ وَنَحْوِهِمَا)؛ لأنَّ غسله أو مسحه أصليٌّ، لا بدل عمَّا تحته، بخلاف الخفِّ ونحوه. - مسألةٌ: (وَمَنْ شَكَّ فِي طَهَارَةٍ) وتيقَّن الحدث، بنى على اليقين؛ وهو الحدث ، (أَوْ) شكَّ في (حَدَثٍ وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) وتيقَّن الطَّهارة (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ) وهو الطَّهارة، سواءً تساوى عنده الأمران، أو غلب على ظنِّه أحدهما؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: قال النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» [مسلم ٣٦٢]. وقال شيخ الاسلام: يُعمَل بالظَّنِّ في عامَّة أمور الشَّرع.

стр. 55

(فَصْلٌ) في الغُسْلِ - مسألةٌ: (مُوجِبَاتُ الغُسْلِ) أي: الأشياء الَّتي تُوجِبُهُ (سَبْعَةٌ): الأوَّل: (انْتِقَالُ مَنِيٍّ) من مكانه دون خروجه، (فَلَوْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ فَحَبَسَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ وَجَبَ) عليه (الغُسْلُ)؛ لأنَّ الماء قد باعد محلَّه، فصدق عليه اسم الجنب، وهو من المفردات. وعنه، واختاره ابن قدامةَ وفاقًا للثَّلاثة: لا يجب الغسل حتَّى يخرج؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعًا: «إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ» [مسلم: ٣٤٣]، فعلَّق الغسل بوجود الماء. - فرعٌ: (فَلَوِ اغْتَسَلَ لَهُ) أي: لانتقال المنيِّ (ثُمَّ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ لَمْ يُعِدْهُ) أي: لم يُعِدِ الغسلَ؛ لما روي عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه سُئِلَ عن الجنب يخرج منه الشَّيء بعد الغسل؟ قال: «يَتَوَضَّأُ» [مصنف ابن أبي شيبة ١٤٨٣]. (وَ) الثَّاني: (خُرُوجُهُ) أي: المنيُّ (مِنْ مَخْرَجِهِ وَلَوْ) كان المنيُّ (دَمًا)

стр. 56

أي: أحمر كالدَّم؛ للعمومات. ولا يخلو خروج المنيِّ من حالين: ١ - أن يكون من نائمٍ ونحوه؛ كسكران ومغمًى عليه: فيجب الغسل بالاتِّفاق، ولو بدون لذَّةٍ؛ لحديث أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: لما جاءت أمُّ سُلَيْمٍ تسأل النَّبيَّ ﷺ : هل على المَرْأَةِ من غُسْلٍ إذا هي احْتَلَمَتْ؟ فقال رسول الله ﷺ : «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ» [البخاري: ٢٨٢، ومسلم: ٣١٣]، فعلَّق النَّبيُّ ﷺ الأمر برؤية الماء. ٢ - أن يكون من يقظان: فيجب الغسل، وأشار إليه بقوله: (وَتُعْتَبَرُ لَذَّةٌ) عند خروجه (فِي غَيْرِ نَائِمٍ وَنَحْوِهِ)، كمجنونٍ ومغمًى عليه، لا إن خرج بدون شهوةٍ؛ لحديث عليٍّ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا فَضَخْتَ المَاءَ فَاغْتَسِلْ» [أحمد: ٨٦٨، وأبو داود: ٢٠٦، والنسائي: ١٩٣]، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، يعني: باللَّذَّة والدَّفع، فدلَّ على أنَّه إذا خرج بدون لذَّةٍ وإنَّما بسبب بردٍ أو مرضٍ لم يجب الغسل. (وَ) الثَّالث: الجماع؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ»، وفي رواية لمسلمٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» [البخاري: ٢٩١، ومسلم: ٣٤٩]، والجماع الموجب للغسل هو: (تَغْيِيبُ) جميع الـ (حَشَفَةِ)؛ وهي رأس الذَّكر، فلا غسلَ إذا مسَّ الختانُ الختانَ، ولا بإيلاج بعض الحشفة، الـ

стр. 57

(أَصْلِيَّةِ)، فلا غسلَ بتغييب حشفةٍ زائدةٍ، أو من خنثى مشكلٍ؛ لاحتمال الزِّيادة، (أَوْ) تغييب (قَدْرِهَا) أي: الحشفة من مقطوع الحشفة، (فِي فَرْجٍ أَصْليٍّ)، وإن لم يُنْزِلْ، (وَلَوْ) كان الفرج الأصليُّ (دُبُرًا)؛ لأنَّه فرجٌ. - فرعٌ: يجب الغسل بتغييب الحشفة ولو كان الفرج (لِبَهِيمَةٍ)؛ لأنَّه إيلاجٌ في فرجٍ أصليٍّ، أشبه فرج الآدميَّة. وقيل: لا يجب الغسل بوطء البهيمة؛ لأنَّ هذا الفرج غير منصوصٍ عليه. - فرعٌ: يجب الغسل بتغييب الحشفة، سواءً كان الفرج لحيٍّ (أَوْ) كان الفرج لـ (مَيْتٍ مِمَّنْ يُجَامَعُ مِثْلُهُ)؛ وهو ابن عشرٍ، وبنت تسعٍ، (وَلَوْ) كان (نَائِمًا)؛ لعموم حديث: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ». (وَ) الرَّابع: (إِسْلَامُ كَافِرٍ؛ وَلَوْ) كان (مُرْتَدًّا أَوْ لَمْ يُوجَدْ مِنْه فِي كُفْرِهِ مَا يُوجِبُهُ)، أي: الغسل، ولو كان مميِّزًا فأسلم، وهو من المفردات، واختاره ابن القيَّم؛ لما روى قيس بن عاصمٍ ﵁: «أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [أحمد: ٢٠٦١١، وأبو داود: ٣٥٥، والترمذي: ٦٠٥، والنسائي: ١٨٨]، وأمرُه للواحد أمرٌ لجميع الأمَّة.

стр. 58

واختار شيخ الإسلام: لو اغتسل الكافر حال كفره بسببٍ يُوجِب الغسلَ، ثمَّ أسلم؛ لا يلزمه إعادته إن اعتقد وجوبه؛ بناءً على أنَّه يُثَاب على طاعته في الكفر إذا أسلم. (وَ) الخامس: (خُرُوجُ) دم (حَيْضٍ)؛ لقوله ﷺ لفاطمةَ بنت أبي حُبَيْشٍ ﵂: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» [البخاري: ٣٢٠، ومسلم: ٣٣٣]. (وَ) السَّادس: (خُرُوجُ دَمِ نِفَاسٍ)؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سمَّى الحيض: «نفاسًا»، فقال لعائشةَ لما حاضت: «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ » [البخاري: ٣٠٥، ومسلم: ١٢١١]، ولا خلاف في وجوب الغسل عليهما، قاله في «المغني»، (فَلَا يَجِبُ) غسلٌ (بِوِلَادَةٍ عَرَتْ عَنْهُ) أي: عن الدَّم؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص. (وَ) السَّابع: (مَوْتٌ)، فإذا مات المسلم وجب تغسيله؛ لحديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في الَّذي وقصته ناقته: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» [البخاري: ١٢٦٥، ومسلم: ١٢٠٦]. - فرعٌ: يجب غسل الميت (تَعَبُّدًا)، لا عن حدثٍ؛ لأنَّه لو كان عنه لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض لا تغتسل مع جريان الدَّم، ولا عن نجسٍ؛ لأنَّه لو كان عنه لم يطهر، مع بقاء سبب التَّنجيس وهو الموت. - فرعٌ: يُغَسَّلُ الميت (غَيْرَ):

стр. 59

١ - (شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ): وهو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فيحرم تغسيله؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ» [البخاري: ١٣٤٧]. ٢ - (وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا): يحرم تغسيله، وهو من المفردات؛ لحديث سعيد بن زيدٍ ﵁ مرفوعًا: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [أحمدُ: ١٦٥٢، وأبو داود: ٤٧٧٢، والترمذي: ١٤٢١، والنسائي: ٤٠٩٥]، فسمَّى النبي ﷺ هؤلاء: «شهداء»، والشَّهيد لا يُغَسَّل. وعنه، واختاره الموفَّق وفاقًا للثَّلاثة: يُغَسَّل المقتول ظلمًا؛ لأنَّ عمرَ وعثمانَ وعليًّا ﵃ قُتلوا ظلمًا وقد اتَّفق الصَّحابة ﵃ على تغسيلهم. - مسألةٌ: (وَمُصَلَّى العِيدِ لَا) مصلَّى (الجَنَائِزِ مَسْجِدٌ)؛ لحديث أمِّ عطيَّةَ ﵂ قالت: قال النَّبيُّ ﷺ : «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى» [البخاري ٣٢٤، ومسلم ٨٩٠] . - مسألةٌ: (وَيَحْرُمُ تَكَسُّبٌ بِصَنْعَةٍ فِيهِ) أي: في المسجد؛ لأنَّه لم يُبْنَ لذلك، ولحديث أبي هريرةَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي المَسْجِدِ، فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ» [الترمذي ١٣٢١] .

стр. 60

(فَصْلٌ) - مسألةٌ: (وَشُرُوطُ الغُسْلِ سَبْعَةٌ): الأوَّل: (انْقِطَاعُ مَا يُوجِبُهُ، وَ) الثَّاني: (النِّيَّةُ، وَ) الثَّالث: (الإِسْلَامُ، وَ) والرَّابع: (العَقْلُ، وَ) الخامس: (التَّمْيِيزُ، وَ) السَّادس: (المَاءُ الطَّهُورُ المُبَاحُ، وَ) السَّابع: (إِزَالَةُ مَا يَمْنعُ وُصُولَهُ) أي: الماء، وسبقت في الوضوء. - مسألةٌ: تنقسم صفة الغسل إلى قسمين: القسم الأوَّل: الصِّفة الكاملة، كما في حديث ميمونةَ ﵂ قالت: «أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» [البخاري ٢٤٩، ومسلم ٣١٧]. القسم الثَّاني: الصِّفة المجزئة: وأشار إليها بقوله: (وَفَرْضُهُ: أَنْ) ينويَ

стр. 61

ويُسَمِّيَ على ما مرَّ في الوضوء، و (يَعُمَّ بِالمَاءِ) ظاهر (جَمِيعِ بَدَنِهِ)؛ لقول النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم للجنب لما حضر الماء: «اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ» [البخاري ٣٤٤، ومسلم ٦٨٢]، ولم يذكر له صفةً معيَّنةً، (وَدَاخِلَ فَمِهِ وَأَنْفِهِ)؛ لحديث ميمونةَ ﵂ السَّابق، (حَتَّى مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِ امْرَأَةٍ عِنْدَ قُعُودِهَا لِحَاجَتِهَا)؛ لأنَّه في حكم الظَّاهر، ولا مشقَّةَ في غسله، فوجب كباقيه. - فرعٌ: (وَيَكْفِي الظَّنُّ) أي: ظنُّ المغتَسِل (فِي الإِسْبَاغِ)، أي: في وصول الماء إلى البَشَرَة؛ لحديث عائشةَ ﵂ في صفة غسل النَّبيِّ ﷺ : «حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ» [البخاري ٢٧٢]، ولأنَّ اعتبار اليقين حرجٌ ومشقَّةٌ. - مسألةٌ: (وَمَنْ) اجتمع له غسلٌ مسنونٌ وغسلٌ واجبٌ لم يَخْلُ من أحوالٍ: ١ - إن (نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كغسل الجمعة والعيد؛ وعليه غسلٌ واجبٌ لجنابةٍ أو غيرها؛ أجزأ عن الغسل الواجب إن كان ناسيًا للحدث الَّذي أوجبه. (١)

стр. 62

٢ - (أَوْ) نوى غسلًا (وَاجِبًا) في محلٍّ مسنونٍ؛ (أَجْزَأَ عَنِ الآخَرِ)، وهو الغسل المسنون. ٣ - وإن نوى الواجب والمسنون بغسلٍ واحدٍ؛ حصل له ثوابهما، لأنَّه نواهما. - مسألةٌ: يُسَنُّ لجنبٍ الوضوء لنومٍ؛ لما جاء عن عمرَ ﵁: أنَّه سأل رسول الله ﷺ : أيرقد أحدنا وهو جنبٌ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» [البخاري: ٢٨٧، ومسلم: ٣٠٦]، ولم يجب؛ لأنَّه جوابُ سؤالٍ، (وَكُرِهَ نَوْمُ جُنُبٍ بِلَا وُضُوءٍ)؛ لظاهر الحديث السَّابق . - مسألةٌ: (وَيُكْرَهُ): ١ - (بِنَاءُ الحَمَّامِ) -وهو: المغتَسَل- (وَبَيْعُهُ، وَإِجَارَتُهُ)؛ لما فيه من كشف العورة، والنَّظر إليها، ودخول النِّساء إليه. وقال شيخ الإسلام: بناء الحمَّام على أربعة أقسامٍ: القسم الأول: ألَّا يكون هناك محظورٌ، سواءً احتاج إليه أو لا؛ وقد بنيت الحمامات في عهد الصحابة في الحجاز والعراق. القسم الثاني: إذا اشتملت على الحاجة والمحظور غالبًا؛ كغالب الحمامات الَّتي في البلاد الباردة؛ فلا يطلق كراهة بنائها وبيعها، لأن من

стр. 63

الأغسال ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، فهذه الأغسال لا تمكن في البلاد الباردة إلَّا في الحمَّام، وإن اغتسل في غيره خِيفَ عليه التَّلف، ولا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذ ولا يجوز الانتقال إلى التَّيمُّم مع القدرة عليه في الحمَّام. وإذا تبين ذلك فقد يقال: بناء الحمام واجب حينئذ حيث يحتاج إليه؛ لأداء الواجب العام، وقد يقال: إنما يجب الاغتسال فيها عند وجودها ولا يجب تحصيلها ابتداء. القسم الثالث: إذا اشتمل على محظورٍ مع إمكان الاستغناء عنه، فهذا محلُّ نصِّ أحمدَ، وتجنُّب ابن عمرَ، وقد يُقَال عنه: إنَّما يُكْرَهُ بناؤها ابتداءً، فأمَّا إذا بناها غيره فلا نأمر بهدمها؛ لما في ذلك من الفساد، وكلام أحمدَ إنَّما هو في إحداث البناء لا في الإبقاء، والاستدامة أقوى من الابتداء. ٢ - (وَالقِرَاءَةُ فِيهِ)، أي: الحمَّام، ولو خفض صوته؛ لورود النَّهي عن ذلك عن عليٍّ ﵁ [الأوسط لابن المنذر ٢/ ١٢٤]. ٣ - (وَالسَّلَامُ) في الحمَّام، ردًّا وابتداءً. وقال في الشَّرح: الأَوْلى جوازه من غير كراهةٍ؛ لعموم قوله ﷺ : «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [مسلم ٥٣]. - فرعٌ: (لَا) يُكْرَهُ: (الذِّكْرُ) في الحمَّام؛ لعموم حديث عائشةَ ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» [مسلم ٣٧٣].

стр. 64

- فرعٌ: (وَدُخُولُهُ) أي: الحمَّام لا يخلو من حالين: الأُولى: أن يكون رَجُلًا، فلا يخلو من ثلاثة أحوالٍ: ١ - أن يكون (بِسُتْرَةٍ مَعَ أَمْنِ الوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ: مُبَاحٌ)؛ بأن يسلم من النَّظر إلى عورات النَّاس ومسِّها، ويسلم من نظرهم إلى عورته ومسِّها؛ لأنَّ «ابْن عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامَ الجُحْفَةِ» [مصنف ابن أبي شيبة ١١٦٩]. ٢ - (وَإِنْ خِيفَ) الوقوع في محرَّمٍ بدخول الحمَّام: (كُرِهَ) دخوله؛ خشية المحظور. ٣ - (وَإِنْ عَلِمَ) الوقوع في محرَّم: حَرُمَ دخوله؛ لحديث جابرٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ» [أحمد ١٤٦٥١، والترمذي ٢٨٠١، والنسائي ٣٩٩]. الثَّانية: أن تكون امرأةً، فلا يخلو من حالين: ١ - وأشار إليه بقوله: (أَوْ دَخَلَتْهُ) أي: الحمَّام (أُنْثَى بِلَا عُذْرٍ: حَرُمَ)؛ لما يأتي في الحديث. ٢ - إن كان لعذرٍ؛ كحيضٍ، أو جنابةٍ، أو مرضٍ، أو حاجةٍ إلى الغسل، وأمنت الوقوع في محرَّمٍ: جاز؛ لحديث عبدالله بن عمرٍو مرفوعًا: «إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا:

стр. 65

الحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالْأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ؛ إِلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» [أبوداود ٤٠١١، وابن ماجهْ ٣٧٤٨]. واختار شيخ الإسلام: أنَّ المرأة إذا اعتادت الحمَّام وشقَّ عليها ترك دخوله إلَّا لعذرٍ أنَّه يجوز لها دخوله. (فَصْلٌ) في التيمُّمِ - مسألةٌ: (التَّيَمُّمُ) لغةً: القصد، وشرعًا: التَّعبُّد لله بـ (اسْتِعَمَالِ تُرَابٍ مَخْصُوصٍ، لِـ) مسح (وَجْهٍ وَيَدَيْنِ) على وجهٍ مخصوصٍ . وهو ثابتٌ بالإجماع، وهو من خصائص هذه الأمَّة؛ توسعةً عليها وإحسانًا. - مسألةٌ: التَّيمُّم (بَدَلُ طَهَارَةِ مَاءٍ، لِكُلِّ مَا يُفعَلُ بِهِ) أي: بالماء (عِنْدَ عَجْزٍ عَنْهُ شَرْعًا)، فيقوم التَّيمُّم مقام استعمال الماء في ثلاثة أمورٍ: ١ - رفع الحدث الأكبر ٢ - رفع الحدث الأصغر.

стр. 66

ودلَّ عليهما قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا). ٣ - لإزالة نجاسةٍ على بدنه فقط تضرُّه إزالتها، أو عدم ما يزيلها، بعد تخفيفها ما أمكن، وهو من المفردات؛ لعموم حديث أبي ذرٍّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ المسلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، وَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ» [أحمد ٢١٣٧١، وأبوداود ٣٣٢، والنسائي ٣٢١، والترمذي ١٢٤]، وهذا يعمُّ طهارَتَيِ الحدث والخبث المتعلِّقة بالبدن دون الثَّوب؛ لقوله «فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ»، ولأنَّه محلٌّ من البدن يجب تطهيره بالماء مع القدرة عليه فوجب بالتُّراب عند العجز، كمواضع الحدث، وبدن الميت. - فرعٌ: التَّيمُّم بدل طهارة الماء في كلِّ ما يُفْعَلُ بالماء (سِوَى): ١ - (نَجَاسَةٍ عَلَى غَيْرِ بَدَنٍ)، فلا يتيمَّم لنجاسةٍ على ثوبه أو بقعته؛ لأنَّ البدن له مدخلٌ في التَّيمُّم لأجل الحدث، فدخل فيه التَّيمُّم لأجل النَّجس، وذلك معدومٌ في الثَّوب والمكان. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يجوز التَّيمُّم عن النَّجاسة؛ لأنَّ الشَّرع إنَّما ورد بالتَّيمُّم للحدث، وغسل النَّجاسة ليس في معناه؛ لأنَّ المقصود إزالة النَّجاسة، ولا يحصل ذلك بالتَّيمُّم. ٢ - (ولُبْثٍ بِمَسْجِدٍ) للجنب إن كان (لِحَاجَةٍ) مع تعذُّر الماء، فإنَّه يجوز

стр. 67

له اللُّبث بلا تيمُّم، ولكن التَّيمُّم أَوْلى. واختار ابن قدامةَ: يتيمَّم، ويمكث في المسجد؛ لأنَّ البدل يقوم مقام المبدل منه. - مسألةٌ: (وَشُرُوطُهُ) أي: التَّيمُّم (ثَلَاثَةٌ): الشَّرط الأوَّل: (دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) الَّتي يريد التَّيمُّم لها إن كانت فرضًا، أو أُبِيحَتْ فيه نافلةٌ، فلا يصحُّ التَّيمُّم لفرضٍ قبل وقته، ولا لنفلٍ في وقت نهيٍ؛ لأنَّ القائم إلى الصَّلاة أُمِرَ بالوضوء؛ فإن لم يجده تيمَّم، وهذا يقتضي أن لا يفعله إلَّا بعد قيامه إليها، وإعوازه الماء، والوضوء إنَّما جاز قبل الوقت لكونه رافعًا للحدث، بخلاف التَّيمُّم فإنَّه طهارةُ ضرورةٍ؛ فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يُشْتَرَط دخول الوقت؛ كالوضوء، بناءً على أنَّه رافعٌ للحدث، لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦]، فأخبر تعالى أنَّه يريد أن يطهِّرَنا بالتُّراب كما يطهِّرُنا بالماء. (وَ) الشَّرط الثَّاني: (تَعَذُّرُ المَاءِ) وذلك في حالين: الأُولى: إذا عدم الماء؛ لقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا)،

стр. 68

وسواءً كان العدم (لِحَبْسِهِ) أي: الماء (عَنْهُ)، (وَنَحْوِهِ)، كعجزه عن تناوله من بئرٍ؛ لعموم حديث أبي ذرٍّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ المسلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، وَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ خَيْرٌ» [أحمد ٢١٣٧١، وأبوداود ٣٣٢، والنسائي ٣٢١، والترمذي ١٢٤]. الثَّانية: إذا كان يلحقه باستعمال الماء ضررٌ أو مشقَّةٌ ظاهرةٌ، وأشار إليه بقوله: (أَوْ لِخَوْفِهِ بِطَلَبِهِ) أي: الماء، (أَوْ) خوفه بـ (اسْتِعْمَالِهِ ضَرَرًا بِبَدَنِهِ) من جرحٍ أو بردٍ شديدٍ، (أَوْ) ضررًا بـ (مَالِهِ، أَوْ) ضرر (غَيْرِهِمَا)، كضرر آدميٍّ أو بهيمةٍ محترمَيْنِ، بعطشٍ، أو مرضٍ، أو هلاكٍ، ونحوه، شُرِعَ له التَّيمُّم. - مسألةٌ: (وَمَنْ وَجَدَ مَاءً) يكفي بعض طهره، من حدثٍ أكبرَ أو أصغرَ، و (لَا يَكْفِي طَهَارَتَهُ) كاملةً، (اسْتَعْمَلَهُ وُجُوبًا) فيما يقدر عليه، (ثُمَّ تَيَمَّمَ) للباقي؛ لحديث أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري ٧٢٨٨، ومسلم ١٣٣٠]، ويكون التَّيمُّم بعد استعمال الماء ليتحقَّق الشَّرط الَّذي هو عدم الماء .

стр. 69

(وَ) الشَّرط الثَّالث: (أَنْ يَكُونَ) المُتَيَمَّم به مشتملًا على قيودٍ، وهي: ١ - أن يكون التَّيمُّم (بِتُرَابٍ)، لا بغيره من رملٍ وجصٍّ؛ لحديث جابرٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي ... وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ولمسلمٍ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» [البخاري ٣٣٥، ومسلم ٥٢١]، فعمَّ الأرض بحكم المسجد، وخصَّ ترابها بحكم الطَّهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عمَّا عداها. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: يجوز التَّيمُّم بغير التُّراب من أجزاء الأرض إذا لم يجد ترابًا. واختار ابن عثيمينَ: جواز التَّيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض؛ كالجصِّ والصَّخرة الملساء؛ لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا)، والصَّعيد: هو الصَّاعد على وجه الأرض، وهذا يعمُّ كلَّ صاعدٍ، والجواب عن الاستدلال برواية مسلمٍ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»: أنَّ التُّربة فردٌ من أفراد الصَّعيد، وذِكْرُ بعض أفراد العامِّ بحكمٍ يوافق حكم العامَّ لا يكون تخصيصًا. ٢ - أن يكون بترابٍ (طَهُورٍ)، فلا يجوز بترابٍ تُيُمِّمَ به؛ لزوال طهوريَّته باستعماله، أشبه الماء المستعمل في الطَّهارة. والوجه الثَّاني: يجوز، بناءً على أنَّ الماء قسمان فقط كما سبق. ٣ - أن يكون بترابٍ (مُبَاحٍ)، فلا يصحُّ بمغصوبٍ، وهو من المفردات؛

стр. 70

لحديث عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم ١٧١٨]. وعنه، وفاقًا للثَّلاثة: يصحُّ بمغصوبٍ مع الإثم؛ لأنَّ النَّهي يعود إلى شرط العبادة على وجهٍ لا يختصُّ فلا يفسدها. ٤ - أن يكون التُّراب (غَيْرِ مُحْتَرِقٍ)، فلا يصحُّ التَّيمُّم بما حُرِقَ من خزفٍ ونحوه؛ لأنَّ الطَّبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التُّراب. واختار ابن عثيمينَ: لا يُشْتَرَطُ، وأنَّه يصحُّ التَّيمُّم بكلِّ ما على الأرض من تُرابٍ، ورَمْلٍ، وحجرٍ محتَرِقٍ، أو غير محتَرِقٍ، لما يأتي. ٥ - أن يكون التُّراب (لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ)؛ لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦]، و (مِنْ) في الآية تبعيضيَّةٌ، وما لا غبارَ له كالصَّخر لا يُمْسَحُ بشيءٍ منه. واختار ابن عثيمينَ: جواز التَّيمُّم بكلِّ ما كان من جنس الأرض؛ وإن لم يعلَّق بيده، كالجصِّ والصَّخرة الملساء؛ لقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا)، و (مِنْ) في الآية لابتداء الغاية، وفي الآية إشارةٌ لذلك، قال تعالى في آخرها: (مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ)، فدلَّت على نفي جميع أنواع الحرج، والتَّكليف بخصوص ما فيه غبارٌ يعلق باليد لا يخلو من حرجٍ في الجملة. - ضابطٌ: ما يُتَيَمَّم عليه ينقسم إلى قسمين على ما اختاره ابن عثيمينَ:

стр. 71

١ - أن يكون من جنس الأرض: فيصحُّ التَّيمُّم عليه مطلقًا، سواءً كان عليه غبارٌ أو لا. ٢ - أن يكون من غير جنس الأرض: فلا يصحُّ التَّيمُّم عليه إلَّا بشرط أن يكون عليه غبارٌ؛ لكي يكونَ التَّيمُّم على الغبار الَّذي من جنس الأرض. - مسألةٌ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ) أي: الماء والتُّراب؛ كمن حُبِسَ بمحلٍّ لا ماءَ فيه، ولا ترابَ، أو لم يمكنه استعمالهما؛ كمن به جراحاتٌ لا يمكن مسُّها: ١ - (صَلَّى الفَرْضَ فَقَطْ) دون النَّوافل (عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) ولا يؤخِّرها؛ لأنَّ الطَّهارة شرطٌ فلم تُؤَخَّر الصَّلاة عند عدمها كالسُّترة. ٢ - (وَلَا يَزِيدُ) عادم الماء والتُّراب (فِي صَلَاتِهِ عَلَى مُجْزِئٍ)، فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يُسَبِّح أكثر من مرَّةٍ، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوعٍ، وسجودٍ، ونحو ذلك، ولا يتنفَّل؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ له الفرض لحاجته إليه؛ لأنَّها صلاةُ ضرورةٍ، فتقيَّدت بالواجب، إذ لا ضرورةَ للزَّائد. واختار شيخ الإسلام: أنَّ له فعلَ ما شاء؛ لأنَّ التَّحريم إنَّما ثبت مع إمكان الطَّهارة، ولا تحريم مع العجز. ٣ - (وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ)؛ لحديث عائشةَ ﵂: (أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ

стр. 72

الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ) [البخاري ٣٣٤، ومسلم ٣٦٧]. - مسألةٌ: (وَفُرُوضُهُ) أي: فروض التَّيمُّم أربعةٌ: الفرض الأوَّل: (مَسْحُ) جميع (وَجْهِهِ)؛ لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) [المائدة: ٦]، ومنه اللِّحية؛ لأنَّها من الوجه، سوى: ١ - ما تحت الشَّعَر ولو خفيفًا. ٢ - داخل فمٍ وأنفٍ. (وَ) الفرض الثَّاني: مسح (يَدَيْهِ إِلَى كُوعَيْهِ)، والكوع: مفصل الكفِّ؛ لحديث عمَّارٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» [البخاري ٣٤٧، ومسلم ٣٦٨]، قال ابن القيَّم: (ولم يصحَّ عنه أنَّه تيمَّمَ إلى المرفقين). (وَ) الفرض الثَّالث: (تَرْتِيبٌ) لحدثٍ أصغرَ دون الحدث الأكبر، فيبدأ بمسح الوجه، ثمَّ اليدين؛ لأنَّ التَّرتيب فرضٌ في الوضوء، والتَّيمُّم بدلٌ عنه. والوجه الثَّاني، واختاره شيخ الإسلام: لا يجب التَّرتيب؛ لرواية البخاريِّ في حديث عمَّارٍ ﵁ [٣٤٧]: «ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ

стр. 73

ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ»، فعطف الوجه على الكفَّيْن بـ (ثمَّ) الدَّالَّةِ على التَّرتيب، وسائر الرِّوايات مجملةٌ، وفيها عطف الكفَّيْن على الوجه بـ (الواو)، فدلَّ على عدم وجوب التَّرتيب. (وَ) الفرض الرَّابع: (مُوَالَاةٌ لِحَدَثٍ أَصْغَرَ)، دون الحدث الأكبر، (وَهِيَ) أي: الموالاة في التَّيمُّم (بِقَدْرِهَا) زمنًا (فِي وُضُوءٍ)، بأن لا يُؤَخَّر مسح اليدين بحيث يجفُّ الوجه لو كان مغسولًا؛ لأنَّ الموالاة فرضٌ في الوضوء دون الغسل، والتَّيمُّم بدلٌ عنهما. والقول الثَّاني في المذهب: اشتراط الموالاة في الحدث الأكبر كذلك؛ بناءً على الرِّواية الثَّانية في المذهب من اشتراط الموالاة في الغسل، فَتُشْتَرَط هنا؛ لأنَّ البدل له حكم المبدَل منه. (وَ) الفرض الخامس: (تَعِيينُ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ) أصغرَ أو أكبَرَ، (أَوْ نَجَاسَةٍ) على بدنه -على المذهب -، (فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنِ الآخَرِ)؛ لأنَّها أسبابٌ مختلفةٌ، (وَ) لا يخلو ذلك من أربعة أحوالٍ: ١ - (إِنْ نَوَاهُمَا) أي: الحدث -أصغرَ كان أو أكبرَ- والنَّجاسة على بدنه (أَجْزَأَ)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يدخل في العموم فيكون منويًّا. ٢ - إن نوى رفع الحدث الأصغر فقط: لم يرتفع الأكبر؛ لأنَّها أسبابٌ مختلفةٌ.

стр. 74

٣ - إن نوى رفع الحدث الأكبر فقط: لم يرتفع الأصغر؛ لما تقدَّم. وعند شيخ الإسلام: يرتفع الأصغر أيضًا؛ لدخول الأصغر في الأكبر؛ لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطَّهَّروا)، ولم يأمر بالوضوء. ٤ - إن نوى إزالة النَّجاسة عن بدنه - على المذهب-: لم يرتفع حدثه الأكبر ولا الأصغر. - مسألةٌ: (وَيُبْطِلُهُ) أي: التَّيمُّم بخمسة أمورٍ: الأوَّل: (مَا يُبْطِلُ الوُضُوءَ) إن كان تيمُّمُه عن حدثٍ أصغرَ؛ لأنَّه بدلٌ عن الوضوء فحكمه حكمه، ويبطل التَّيمُّم عن حدثٍ أكبرَ بموجباته، إلَّا غسل حيضٍ ونفاسٍ إذا تيمَّمَتْ له، فلا يبطل بمبطلات غسلٍ ووضوءٍ، بل بوجود حيضٍ ونفاسٍ. (وَ) الثَّاني: (خُرُوجُ الوَقْتِ)؛ لما ورد عن ابن عمرَ ﵄: «أَنَّهُ كَانَ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» [البيهقي ٧٠٩]، ولأنَّه طهارةٌ ضرورةٌ فَتُقَيَّدُ بالوقت. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يبطل بخروج الوقت؛ لأنَّ البدل يقوم مقام المبدَل منه، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ ﵄. [رواه حرب الكرماني، ذكره ابن عبدالهادي في التنقيح (١/ ٣٨٢)]، قال ابن القيَّم: (لم يصحَّ عنه التَّيمُّم لكلِّ صلاةٍ، ولا أمرَ به). (وَ) الثَّالث: (وُجُودُ المَاءِ) المقدور على استعماله بلا ضررٍ؛ إجماعًا

стр. 75

(إِنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِهِ)؛ لحديث أبي ذرٍّ السَّابق: «وَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». (وَ) الرَّابع: (زَوَالُ المُبِيحِ لَهُ) أي: للتَّيمُّم، كبُرْء مرضٍ أو جرحٍ تَيَمَّمَ له؛ لأنَّه طهارةُ ضرورةٍ، فيزول بزوالها. (وَ) الخامس: (خَلْعُ مَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ)؛ كخفٍّ، وعمامةٍ، وجبيرةٍ لُبِسَتْ على طهارةِ ماءٍ إن تيمَّم بعد حدثه وهو عليه، سواءً مسحه قبل ذلك أو لا، لقيام تيمُّمه مقام وضوئه، وهو يبطل بخلع ذلك، فكذا ما قام مقامه، والتَّيمُّم وإن اختصَّ بعضوين صورةً فهو متعلِّقٌ بالأربعة حكمًا، وكذا لو انقضت مدَّة مسحٍ. واختار شيخ الإسلام: لا يبطل تيمُّمه؛ بناءً على عدم بطلان الطَّهارة بخلع الخفِّ، وانقضاء المدَّة، وتقدَّم في المسح على الخفَّيْنِ.
следующие страницы →