← Фикх общий

Фикх общий · id 147665

مناسك الحج لابن تيمية ط ركائز

ابن تيمية

Полный текст (178 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن الفقه في الدين من أجل ما يتقرب به المسلم إلى ربه ﵎، وهو الوسيلة العظمى لتحقيق عبودية الرب جل وعلا، لا سيما ما يتعلق بالأركان الخمسة للإسلام، ودعائمه العظام. ولما كانت أحكام الحج والعمرة من أدق الأحكام، كما قال شيخ الإسلام ﵀: (وعلم المناسك أدق ما في العبادات) (١)، أفرد لها أهل العلم التصانيف في بيان مسائلها وفروعها، وبيان أحكامها ودلائلها، فتنوعت التصانيف فيه ما بين مختصر ومطول، فلم يخلُ مذهب من المذاهب الأربعة إلا ونُظمت فيه أحكام المناسك في مؤلف مستقل.

стр. 2

وممن كتب فيه وأفاد، وهو أهل لهذه المسالك والجواد، فارس المنقول والمعقول، الإمام القدوة العلامة شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى (ت ٧٢٨ هـ)، فكتب منسكاً في أوائل عمره، وقلد فيه في الأحكام من كان قبله، قال ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٣٣٩): (وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري، لبعض الشيوخ، جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة) (١). ثم كتب منسكاً آخر في أواخر عمره (٢) -وهو الذي بين أيدينا-، بعد أن اكتملت فيه آلة الاجتهاد، وبلغ من العلم مبلغاً كبيراً، فكتب فيه ما تبين له من سنة رسول الله ﷺ ، مختصراً مبيناً، ولم يلتزم فيه بمذهبٍ معين، بل ذكر فيه ما ترجح عنده من المسائل، وربما ذكر الخلاف في بعضها وأطلق، حتى تم هذا المنسك بأجمل حلة، وأبهى صورة. وقد طُبع الكتاب قديماً بالمطبعة العامرة بمصر عام ١٣٢٣ هـ،

стр. 3

ويسر لي المولى جل وعلا الوقوف على أربع نسخٍ خطية، فاستعنت بالله تعالى بمقابلتها وتحقيقها، وإخراجها بهذه الصورة. توثيق اسم الكتاب: يظهر والله أعلم أن شيخ الإسلام ﵀ لم يسم هذا المنسك، وإنما قال في مقدمته: (فقد تكرر السؤال من كثير من المسلمين أن أكتب في بيان مناسك الحج)، ولكن ذكرت تسميته في نسختين من النسخ الخطية -وهي (أ) و (د) - بـ (مناسك الحج). منهج التحقيق: ١ - اعتمدت في تحقيق الكتاب على أربع نسخة خطية يأتي وصفها. ٢ - لم أعتمد نسخة من النسخ على أنها هي الأصل؛ إذ إنها جميعاً متأخرة عن زمن المؤلف، وإنما قمت بالتلفيق بينها، فما كان أقرب للصواب أثبته. ٣ - أثبت جميع الفروق بين النسخ المعتمدة، عدا ما يتعلق بصيغ الترضي والترحم والصلاة والسلام، وكذلك ما يتعلق بالآيات، فتارة تذكر الآية كاملة أو يذكر جزء منها، فلم أشر إلى ذلك. ٤ - قمت بتوثيق الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث والآثار

стр. 4

تخريجاً مختصراً يتناسب مع المختصر. ٥ - متى أطلق المصنف الخلاف، فقال: (فيه نزاع)، أو (على أصح القولين) ونحو ذلك، بينت الأقوال في الحاشية باختصار، مع العزو للمصادر. ٦ - أشرت إلى المسائل التي خالف فيها المصنف المشهور من مذهب الحنابلة المتأخرين. ٧ - شرحت الكلمات التي تحتاج إلى شرح من مصادرها المعتمدة. وصف النسخ المعتمدة اعتمدت في تحقيق الكتاب على أربع نسخ خطية: النسخة الأولى: نسخة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين . عدد أوراقها (١٠) ورقات، عدد أسطرها (٢٨)، من محفوظات دارة الملك عبدالعزيز برقم (آل عبداللطيف/١٥)، مصححة، وناسخها هو الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين ﵀، وتاريخ نسخها ١٢١٤ هـ. ورمزت لها بـ (أ).

стр. 5

النسخة الثانية: إدارة المخطوطات في وزارة الأوقاف الكويتية . عدد أوراقها (٢٤) ورقة، وعدد أسطرها (٢٠)، مصححة ومقابلة، ورقم حفظها (٧/ ٣٣٤)، وعليها بعض الحواشي، فيها سقط يسير من أولها، وعليها قيد تملك لإبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن عيسى وغيره، نسخت عام ١٢٧٥ هـ. ورمزت لها بـ (ب). النسخة الثالثة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية . عدد أوراقها (٤٥) ورقة، وعدد أسطرها (١٥)، مصورة من دشت روضة خيري بمصر، وناسخها محمد المكي بن عزوز، وتاريخ النسخ عام ١٣٢٧ هـ. رقم حفظها (١٦٧٩). ورمزت لها بـ (ج). النسخة الرابعة: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية . عدد أوراقها (٣٨) ورقة، وعدد أسطرها (١٧)، رقم حفظها (٤/ ٨٧٨٢)، وناسخها عبدالله بن محمد دليقان، وتاريخ النسخ عام ١٣٢٢ هـ. وعليها تملك لمحمد السعيد ابن عبدان سنة ١٣٣٥ هـ.

стр. 6

ورمزت لها بـ (د). والله المسؤول أَن يجعل هذا العمل لوجهه خالصاً، وأن ينفع به مؤلفه ومحققه والناظر فيه، في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وأَهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين. وكتبه أنس بن عادل اليتامى غفر الله لوالديه ولمشايخه وللمسلمين

стр. 7

و نماذج النسخ الخطية النسخة (أ) النسخة (ب)

стр. 8

النسخة (ج) النسخة (د)

стр. 9

مناسك الحج لشيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية الحراني ﵀ (ت ٧٢٨ هـ) قوبل على أربع نسخ خطية ومعه ملحق باختيارات شيخ الإسلام في المناسك مما لم ترد في المنسك تحقيق: د. أنس بن عادل اليتامى

стр. 10

بسم الله الرحمن الرحيم (١) [وبه نستعين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين، قال شيخ الإسلام] (٢): الحمدُ للهِ، نحمدُه، ونستعينُه، ونستهديه (٣)، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا، ومِنْ سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلَا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلَا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللَّهُ عليهِ، وعلَى آلِه وصحبِه (٤)، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: فقدْ تكرَّرَ السؤالُ مِنْ كثيرٍ منَ المسلمينَ أنْ أَكْتُبَ في بيانِ

стр. 11

مناسكِ الحجِّ ما يحتاجُ إليهُ غالِبُ الْحُجَّاجِ في غالِبِ الأوقاتِ على سبيل الاختصار (١)؛ فإنِّي كنتُ (٢) كتبتُ مَنْسَكًا في أوائلِ عُمُرِي، وذكرتُ (٣) فيه أدعيةً كثيرةً، وقلَّدتُ في الأحكامِ مَنِ اتَّبَعْتُهُ قبلي مِنَ العلماءِ، وكتبتُ في هذا ما تبيَّنَ لي مِنْ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ مختصَرًا مبيَّنًا، ولَا حولَ ولَا قوَّةَ إلَّا باللهِ. (٤)

стр. 12

فصلٌ أولُ (١) ما يفعلُه قاصِدُ الحجِّ أو العمرةِ (٢) إذَا أرادَ الدخولَ فيهما: [أنْ يُحْرِمَ بذلكَ، وقبلَ ذلكَ فهو قاصِدٌ الحجَّ أوِ العمرةَ ولم يدخلْ فيهما] (٣)، بمنزلةِ الذي يخرجُ إلى صلاةِ الجمعةِ؛ فله أجرُ السَّعْيِ، ولا يدخلُ في الصلاةِ حتى يُحْرِمَ بها، وعليه إذا وصلَ إلى (٤) الميقاتِ أنْ يُحْرِمَ. والمواقيتُ خمسةٌ (٥): ذُو الْحُلَيْفَةِ (٦)،

стр. 13

والْجُحْفَةُ (١)، وقَرْنُ المنازلِ (٢)، ويَلَمْلَمُ (٣)،

стр. 14

وذاتُ عِرْقٍ (١)، ولَمَّا وَقَّتَ النبيُّ ﷺ المواقيتَ قالَ: «هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ (٢)، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ (٣) يُرِيدُ الْحَجَّ أو الْعُمْرَةَ (٤)، وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ» (٥). فذُو الحُلَيْفَةِ: هي أبعدُ المواقيتِ، بينها وبين مكةَ عَشْرُ (٦) مراحِلَ (٧)، أو أقلُّ، أو أكثرُ، بحسبِ اختلافِ الطُّرُقِ؛ فإنَّ منها إلى مكةَ عدةَ طُرُقٍ، وتسمَّى (٨) وادِيَ العَقِيقِ، ومسجدُها يسمَّى مسجدَ الشجرةِ.

стр. 15

وفيها بئرٌ تسمِّيها جُهَّالُ (١) العامةِ: «بئرَ عَلِيٍّ»؛ لظنِّهم أنَّ عَلِيًّا قاتَلَ الجنَّ بها، وهو كَذِبٌ؛ فإنَّ الجنَّ لم يقاتِلْهم أحدٌ مِنَ الصحابةِ، وعَلِيٌّ أرفعُ قَدْرًا مِنْ (٢) أنْ يَثْبُتَ الجنُّ لقتالِه. ولا فضيلةَ لهذا البئرِ ولا مَذَمَّةَ، ولَا يُسْتَحَبُّ أنْ يَرْمِيَ بها حجرًا ولا غيرَهُ. وأمَّا الْجُحْفَةُ: فبَيْنَها وبين مكةَ نحوُ ثلاثِ مراحلَ، وهي قريةٌ كانتْ قديمةً معمورةً، وكانتْ تسمَّى: مَهْيَعَةَ، وهِيَ اليومَ خرابٌ، ولهذا صارَ (٣) الناسُ يُحْرِمُونَ قَبْلَها؛ مِنَ المكانِ الذي يسمَّى: رَابِغًا. وهذا ميقاتٌ لِمَنْ حجَّ مِنْ ناحيةِ الْمَغْرِبِ؛ كأهلِ الشامِ، ومصرَ، وسائرِ المغربِ. لكنْ أهلُ الشامِ (٤) إذا اجتازُوا بالمدينةِ النبويةِ - كما يفعلونَهُ في هذه الأوقاتِ - أَحْرَمُوا مِنْ ميقاتِ أهلِ (٥) المدينةِ؛ فإنَّ هذا هو المستحبُّ لهم بالاتفاقِ، فإنْ أَخَّرُوا (٦) الإحرامَ إلى الْجُحْفَةِ؛

стр. 16

ففيهِ نِزَاعٌ (١). وأمَّا المواقيتُ الثلاثةُ (٢): فبَيْنَ كلِّ واحدٍ منها وبينَ مكةَ نحوٌ (٣) من (٤) مرحلتَيْنِ. وليسَ لأحدٍ أنْ يُجَاوِزَ الميقاتَ إذا أرادَ الحجَّ أوِ العمرةَ إلَّا بإحرامٍ (٥). وإنْ قصدَ مكةَ لتجارةٍ أوِ لزيارةٍ (٦)؛ فينبغي له أنْ يُحْرِمَ، وفي الوجوبِ نزاعٌ (٧).

стр. 17

ومَنْ وَافَى الميقاتَ في أَشْهُرِ الحجِّ فهو مُخَيَّرٌ بينَ ثلاثةِ أنواعٍ، وهي التي يقالُ لها: التمتُّعُ، والإفرادُ، والقِرَانُ: - إنْ شاءَ أَحرم (١) بعمرةٍ، فإذا حَلَّ (٢) منها أَهَلَّ بالحجِّ، وهذا الذي يَختَصُّ (٣) باسمِ التمتُّعِ. - وإنْ شاءَ أَحْرَمَ بهما جميعًا، أو أَحْرَمَ بالعمرةِ ثم أَدْخَلَ عليها الحجَّ قبلَ الطوافِ؛ وهو القِرَانُ، وهو داخِلٌ في اسمِ (٤) التمتُّعِ في الكتابِ، والسُّنَّةِ، وكلامِ الصحابةِ ﵃. - وإنْ شاءَ أَحْرَمَ بالحجِّ مُفْرِدًا، وهو الإفرادُ.

стр. 18

فصل في (١) الأفضلِ منْ ذلكَ فالتحقيقُ في ذلك: أنَّهُ يتنوَّعُ باختلافِ حالِ الحاجِّ (٢). - فإنْ كانَ يسافِرُ سَفْرَةً للعمرةِ (٣) وسَفْرَةً أخرى للحَجِّ (٤) (٥)، أو

стр. 19

يسافِرُ إلى مكةَ قبلَ أَشْهُرِ الحجِّ ويعتمرُ ويُقِيمُ بها حتى يَحُجَّ، فهذا الإفرادُ له أفضلُ باتفاقِ الأئمةِ الأربعةِ (١). و الإحرامُ بالحجِّ قبلَ أَشْهُرِهِ (٢) ليس بمَسْنُونٍ (٣)، بل مكروهٌ، وإذا فعلَهُ فهلْ يصيرُ مُحْرِمًا بعمرةٍ أو بحَجٍّ؟ فيهِ نزاعٌ (٤). - وأمَّا إذا فَعَلَ ما يفعلُه غالبُ الناسِ؛ وهو أنْ يَجْمَعَ بينَ العمرةِ والحجِّ في سَفْرَةٍ واحدةٍ، ويَقْدَمَ مكةَ في أَشْهُرِ الحجِّ

стр. 20

- وهنَّ: شوالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ من ذِي الْحِجَّةِ-: فهذا إنْ ساقَ الهَدْيَ فالقِرَانُ أفضلُ له (١)، وإنْ لم يَسُقِ الهَدْيَ؛ فالتحلُّلُ مِنْ إحرامِه بعمرةٍ أفضلُ (٢). فإنَّهُ قد ثبتَ [بالنقولِ الْمُسْتَفِيضَةِ التي لم يختلفْ في صِحَّتِهَا أهلُ العلمِ] (٣) بالحديثِ أنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا حجَّ حَجَّةَ الوداعِ هو وأصحابُه أَمَرَهُمْ جميعَهم أنْ يَحِلُّوا مِن إحرامِهم، ويجعلُوها عُمْرَةً، إلَّا مَنْ ساقَ الهَدْيَ فإنَّه أَمَرَهُ أنْ يَبْقَى على إحرامِه حتى يبلُغَ مَحِلَّهُ يومَ النَّحْرِ (٤)، وكانَ النبيُّ ﷺ قدْ ساقَ الهَدْيَ هو وطائفةٌ من أصحابِه، وقَرَنَ هو بين العمرةِ والحجِّ، فقالَ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (٥). ولم يعتمِرْ بعدَ الحجِّ أحدٌ ممنْ كانَ معَ النبيِّ ﷺ إلَّا عائشةَ

стр. 21

وحدَها؛ لأنَّها كانتْ قدْ (١) حاضَتْ، فلم يُمْكِنْهَا الطوافُ؛ [لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ] (٢) بِالْبَيْتِ» (٣)، فَأَمَرَهَا (٤) أنْ تُهِلَّ بالحجِّ وتَدَعَ أفعالَ العمرةِ؛ لأنَّها كانتْ مُتَمَتِّعَةً، ثُمَّ إنَّها طلبتْ مِنَ النبيِّ ﷺ أنْ يُعْمِرَهَا، فأَرسلَها مع أَخِيهَا عبدِ الرحمنِ فاعتمرتْ مِنَ التَّنْعِيمِ (٥). والتنعيمُ هو أقربُ الحِلِّ إلى مكةَ، وبه اليومَ المساجدُ التي تسمَّى: «مساجدَ عائشةَ»، ولم تكنْ هذِه على عَهْدِ النبيِّ ﷺ ، وإنَّما بُنِيَتْ بعدَ ذلك علامةً على (٦) المكانِ الذي أَحْرَمَتْ منه عائشةُ ﵂. وليس دخولُ هذهِ المساجدِ والصلاةُ (٧) فيها - لِمَنِ اجتازَ بِهَا مُحْرِمًا - لَا فرضًا ولا سُنَّةً، بلْ قَصْدُ ذلك واعتقادُ (٨) أنَّهُ يُسْتَحَبُّ؛

стр. 22

بدعةٌ مكروهةٌ، لكنْ مَنْ خرجَ مِنْ مكةَ ليعتمرَ (١)؛ فإنَّهُ إذا (٢) دخلَ واحدًا منها، وصلَّى فيه لأجلِ الإحرامِ؛ فلا بأسَ بذلك. ولم يكنْ على عهدِ النبيِّ ﷺ وخلفائِه الراشدِينَ أحدٌ يخرُجُ مِنْ مكةَ لِيَعْتَمِرَ (٣) إلَّا لِعُذْرٍ (٤)، لَا في رمضانَ، ولَا في (٥) غيرِ رمضانَ، والذينَ حَجُّوا مع النبيِّ ﷺ ليسَ فيهم (٦) مَنِ اعتمرَ بعدَ الحجِّ مِنْ مكةَ إلَّا عائشةَ، كما ذُكِرَ، ولا كَانَ هذا مِنْ فِعْلِ الخلفاءِ الراشدِينَ. والذين استحبُّوا الإفرادَ مِنَ الصحابةِ؛ إنما استحبُّوا أنْ يَحُجَّ في سَفرةٍ ويعتمرَ في أخرى، ولم (٧) يستحبُّوا أنْ يحجَّ ويعتمرَ عَقِبَ (٨) ذلك عمرةً مَكِّيَّةً (٩)، بلْ هذا لم يكونُوا يفعلونَهُ قطُّ، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكونَ شيئًا نادِرًا (١٠).

стр. 23

وقد (١) تنازَعَ السلفُ في هذا: هلْ يكونُ متمتِّعًا عليه دمٌ، أمْ لَا؟ (٢) وهلْ تُجْزِئُهُ هذه العمرةُ عنْ عمرةِ الإسلامِ، أمْ لَا؟ (٣) وقدِ اعتمرَ النبيُّ ﷺ بعدَ هِجْرَتِهِ أربعَ عُمَرٍ: عمرةَ الْحُدَيْبِيَةِ؛ وَصَلَ إلى الحديبيةِ -والحديبيةُ (٤) وراءَ الجبلِ

стр. 24

الذي بالتنعيمِ عندَ مساجدِ عائشةَ، عنْ يمينِكَ وأنتَ داخِلٌ إلى مكةَ-، فصَدَّهُ (١) المشركونَ عنِ البيتِ، فصالَحَهُمْ (٢)، وحَلَّ مِنْ إحرامِه وانصرَفَ. وعمرةُ القَضِيَّةِ؛ اعْتَمَرَ مِنَ العامِ القابِلِ. وعمرةُ الجِعْرَانَةِ؛ لأنَّهُ (٣) كانَ قدْ قَاتَلَ المشركِينَ بِحُنَيْنٍ - وحُنَيْنٌ مِنْ ناحيةِ المشرقِ (٤) مِنْ ناحيةِ الطائفِ-، وأمَّا بدرٌ فهي بين المدينةِ وبين مكةَ، وبين الغزوتَيْنِ سِتُّ سنينَ، ولكنْ قُرِنَا (٥) في الذِّكْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أَنْزَلَ فيهما الملائكةَ لِنَصْرِ النبيِّ ﷺ والمؤمنِينَ في القتالِ، ثم ذهبَ فَحَاصَرَ المشركِينَ بالطائفِ، ثم رجعَ، وقَسَمَ غنائمَ حُنَيْنٍ بالجِعْرَانَةِ (٦)، فلمَّا قَسَمَ غنائمَ حُنَيْنٍ اعتمرَ مِنَ الجِعْرَانَةِ داخِلًا إلى مكةَ لا خارجًا منها للإحرامِ. والعمرةُ الرابعةُ مع حَجَّتِهِ، فإنَّه قَرَنَ بين العمرةِ والحجِّ باتفاقِ أهلِ المعرفةِ بِسُنَّتِهِ، وباتفاقِ الصحابةِ على ذلك، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ

стр. 25

مِنَ الصحابةِ أنَّهُ تمتَّعَ تمتُّعًا (١) حَلَّ فيه، بل كانُوا يُسَمُّونَ القِرَانَ (٢): تمتُّعًا، ولا نُقِلَ عن أحدٍ مِنَ الصحابةِ أنَّه لَمَّا قَرَنَ طافَ طَوَافَيْنِ وسَعَى سَعْيَيْنِ. وعامةُ المنقولِ عنِ الصحابةِ في صفةِ حَجَّتِهِ ليستْ (٣) بمختلفةٍ، وإنَّما اشتبهتْ على مَن لم يعرفْ مُرَادَهُمْ، وجميعُ الصحابةِ الذينَ نُقِلَ عنهم أنَّه أَفْرَدَ الحجَّ؛ كعائشةَ (٤)، وابنِ عمرَ (٥)، [وجابرٍ (٦)؛ قالُوا: إنَّه تمتَّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ، وقدْ (٧) ثبتَ هذا (٨) في الصحيحَيْنِ عنْ عائشةَ (٩)

стр. 26

وابنِ عمرَ (١)] (٢) بإسنادٍ أصحَّ مِنْ إسنادِ الإفرادِ، ومُرادُهُم بالتمتُّعِ القِرَانُ، كما ثَبَتَ ذلكَ في الصِّحَاحِ أيضًا (٣). فإذَا أرادَ الإحرامَ: - فإنْ كانَ قارِنًا قالَ: لبَّيْكَ [عمرةً وحَجًّا. - وإنْ كانَ متمتِّعًا قالَ: لَبَّيْكَ عمرةً. - وإنْ كانَ مُفْرِدًا قالَ: لَبَّيْكَ] (٤) حَجَّةً. أوْ قالَ: اللهُمَّ إنِّي قد (٥) أوجبتُ عمرةً وحَجًّا، أوْ أَوْجَبْتُ عمرةً أوجبت حجًّا، [أو أوجبت عمرةً أتمتَّعُ بها إلى الحجِّ، أو قال: اللهم إني أريد العمرة] (٦)، أو أريدُ الحجَّ، أو أريدُهُمَا، أو أريدُ التمتُّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ، فمهما قالَ (٧) مِنْ ذلكَ؛ أَجْزَأَهُ باتفاقِ

стр. 27

الأئمةِ، ليسَ في ذلكَ عبارةٌ مخصوصةٌ، ولا يجبُ شيءٌ مِنْ هذهِ العباراتِ باتفاقِ الأئمةِ؛ كما لا يجبُ التلفُّظُ بالنيةِ في الطهارةِ والصلاةِ والصيامِ باتفاقِ الأئمةِ، بلْ متى لَبَّى قاصِدًا للإحرامِ؛ انعقدَ إحرامُهُ باتفاقِ المسلمينَ. ولا يجبُ عليه أنْ يتكلَّمَ قبلَ التلبيةِ بشيءٍ، ولكنْ تنازَعَ العلماءُ: هلْ يُستحبُّ أن يتكلَّم بذلكَ (١)؟ (٢) كمَا تنازَعُوا: هلْ يُسْتَحَبُّ التلفُّظُ بالنيةِ في الصلاةِ؟ (٣)

стр. 28

والصوابُ المقطوعُ به: أنَّهُ لا يُسْتَحَبُّ شيءٌ من ذلكَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يَشْرَعْ للمسلمينَ (١) شيئًا مِن ذلكَ، ولَا كانَ يتكلَّمُ قبلَ التكبيرِ بشيءٍ (٢) مِنْ ألفاظِ النيةِ، لا هو ولا أصحابُه، بلْ لَمَّا أَمَرَ ضُبَاعَةَ بنتَ الزُّبَيْرِ بالاشتراطِ قالتْ: فكيفَ أقولُ؟ قالَ: قُولِي: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، مَحِلِّي مِنَ الأرضِ حيثُ تَحْبِسُنِي»، رواهُ أهلُ السُّنَنِ (٣)، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، ولفظُ النسائِيِّ: إنِّي أريدُ الحجَّ، فكيفَ أقولُ؟ قال: «قُولِي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، مَحِلِّي مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي، فَإِنَّ لَكِ (٤) عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»، وحديثُ (٥) الاشتراطِ في الصحيحَيْنِ (٦). لكنَّ المقصودَ بهذَا اللفظِ: أنَّهُ أَمَرَهَا بالاشتراطِ في التلبيةِ (٧)، ولم (٨) يَأْمُرْهَا أنْ تقولَ قبلَ التلبيةِ شيئًا، لَا اشتراطًا ولا غيرَهُ،

стр. 29

وكانَ يقولُ في تلبيتِهِ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا (١)» (٢)، وكانَ يقولُ للواحدِ منْ أصحابِهِ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟ » (٣). وقالَ في المواقيتِ: «مُهَلُّ أهلِ المدينةِ مِنَ ذي (٤) الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ» (٥)، والإهلالُ هو التلبيةُ. فهذَا هُوَ الذِّي شَرَعَ النبيُّ ﷺ للمسلمِينَ (٦) التكلُّمَ بِهِ في ابتداءِ الحجِّ والعمرةِ، وإنْ كانَ مشروعًا بعدَ ذلِكَ، كما تُشْرَعُ تكبيرةُ الإِحرامِ (٧)، ويُشْرَعُ التكبيرُ بعد ذلكَ عندَ تغيُّرِ الأحوالِ. ولو أَحْرَمَ إحرامًا مطلقًا جازَ، فلو أَحْرَمَ بالقصدِ للحجِّ (٨) مِنْ

стр. 30

حيثُ الجملةُ، ولا يَعْرِفُ هذا التفصيلَ؛ جازَ. ولَوْ أَهَلَّ ولَبَّى كما يَفعلُ الناسُ قاصِدًا (١) للنُّسُكِ، ولم يُسَمِّ شيئًا بلفظِهِ، ولا (٢) قَصَدَ بقلبِه لَا تمتُّعًا ولا إفرادًا ولا قِرَانًا؛ صَحَّ حجُّهُ أيضًا (٣)، وفَعَلَ واحدًا مِنَ الثلاثةِ، فإنْ فَعَلَ ما أَمَرَ بهِ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ كانَ حسنًا. وإنِ اشترطَ على رَبِّهِ خوفًا مِنَ العارِضِ فقالَ: (وإنْ حَبَسَنِي حابِسٌ فمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي)؛ كانَ حسنًا (٤)؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ ابنةَ عَمِّهِ ضُبَاعَةَ بنتَ الزُّبيرِ بنِ عبدِ المطلبِ أَنْ تشترِطَ على رَبِّها (٥) لَمَّا كانتْ شاكيةً، فخافَ أنْ يَصُدَّهَا المرضُ عنِ البيتِ، ولم يكنْ يأمرُ بذلكَ كلَّ مَنْ حَجَّ. وكذلك إنْ شاءَ الْمُحْرِمُ أنْ يتطيَّبَ في بدنِه فهو حَسَنٌ، ولا يُؤْمَرُ

стр. 31

الْمُحْرِمُ قبلَ الإحرامِ بذلكَ (١) (٢)؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ فعلَهُ ولم يأمُرْ بهِ الناسَ. ولم يكنِ النبيُّ ﷺ يأمُرُ أحدًا بعبارةٍ بعينِها، وإنَّما يقالُ: أَهَلَّ بالحجِّ، أَهَلَّ بالعمرةِ، أو يقالُ: لَبَّى بالحجِّ، أو (٣) لَبَّى بالعمرةِ، وهوَ تأويلُ قولِه تعالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقد ثَبَتَ (٤) عنه في الصحيحَيْنِ (٥) أنَّهُ قالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ (٦) مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وهذَا على قراءةِ مَن قَرَأَ: ﴿فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ﴾ بالرفعِ (٧)، فالرَّفَثُ: اسمٌ للجِمَاعِ قولًا وعملًا، والفسوقُ: اسمٌ للمعاصِي

стр. 32

كلِّها، والجِدَالُ على هذه القراءةِ هو الْمِرَاءُ في أَمْرِ الحَجِّ، فإنَّ اللهَ قَدْ أَوْضَحَهُ (١) وبَيَّنَهُ وقَطَعَ المراءَ فيه، كَما كانُوا في الجاهليةِ يَتَمَارَوْنَ في أحكامِه. وعلى القراءةِ الأُخرى قد يُفَسَّرُ بهذا (٢) المعنَى أيضًا، وقدْ فَسَّرُوهَا: بألَّا يمارِيَ الحاجُّ أحدًا. والتفسيرُ الأولُ أصحُّ؛ فإنَّ اللهَ لم يَنْهَ الْمُحْرِمَ ولا غيرَه (٣) عن الجِدَالِ مطلقًا، بلِ (٤) الجدالُ قد يكونُ واجبًا أو مُسْتَحَبًّا، كما قالَ تعالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقدْ يكونُ الجِدَالُ مُحَرَّمًا في الحجِّ وغيرِهِ؛ كالجدالِ بغيرِ عِلْمٍ، والجدالِ (٥) في الحقِّ بعدَما تَبَيَّنَ.

стр. 33

ولفظُ: (الفُسوقِ) يتناولُ ما حَرَّمَهُ (١) اللهُ تعالَى، ولا يختصُّ بالسِّبَابِ، وإنْ كانَ سِبَابُ المسلمِ فسوقًا، فالفسوقُ يَعُمُّ هذا وغيرَهُ. وَ (الرَّفَثُ) هو الجِمَاعُ، وليسَ في المحظوراتِ مَا يُفْسِدُ الحجَّ إلا جنسُ الرَّفَثِ، فلهذا مَيَّزَ بينَهُ وبينَ الفسوقِ. فأمَّا (٢) سائرُ المحظوراتِ؛ كاللِّبَاسِ والطِّيبِ؛ فإنَّهُ وإن كانَ يَأْثَمُ بها، فلا تُفسِدُ (٣) الحجَّ عندَ أحدٍ مِنَ الأئمةِ المشهورِينَ. وينبغِي للمُحْرِمِ أن (٤) لا يتكلَّمَ إلا بما يَعْنِيهِ، وكانَ شُرَيْحٌ إذا أَحْرَمَ كأنَّهُ الحيَّةُ الصَّمَّاءُ (٥). ولا يكونُ الرجلُ مُحْرِمًا بمجرَّدِ ما في قلبِه مِن قَصْدِ الحجِّ ونِيَّتِهِ (٦)؛ فإنَّ القصدَ مَا زالَ في القلبِ منذُ خرجَ مِن بلدِهِ، بلْ لا بُدَّ مِن قولٍ أو عملٍ يصيرُ بِهِ (٧) مُحْرِمًا،

стр. 34

هذا هو الصحيحُ مِن القولَيْنِ (١). والتجرُّدُ مِنَ اللباسِ واجبٌ في الإحرامِ، وليسَ (٢) شرطًا فيهِ، فلو أَحْرَمَ وعليه ثيابه (٣)؛ صَحَّ ذلك بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ (٤)، وباتِّفاقِ أئمةِ أهلِ العلمِ، وعليه أنْ يَنْزِعَ اللباسَ المحظورَ.

стр. 35

فصلٌ (١) يُسْتَحَبُّ (٢) أنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ صلاةٍ؛ إِمَّا فرضٍ، وإمَّا تطوُّعٍ إن كانَ وقتَ تطوُّعٍ، في أحدِ القولَيْنِ (٣)، وفي الآخرِ إِنْ كانَ يصلِّي فرضًا أَحْرَمَ عَقِيبَهُ، وإلَّا فليسَ للإحرامِ صلاةٌ تَخُصُّهُ، وهذا أَرْجَحُ (٤). ويُسْتَحَبُّ أنْ يغتسلَ للإحرامِ، ولو كانتْ نُفَسَاءَ أو حائِضًا. وإنِ احتاجَ إلى التنظيفِ؛ كتقليمِ الأظفارِ، ونَتْفِ الإبْطِ، وحَلْقِ العانةِ، ونحوِ ذلك؛ فَعَلَ ذلكَ (٥)، وهذا ليسَ مِن خصائصِ الإحرامِ، وكذلكَ (٦) لم يكنْ له (٧) ذِكْرٌ فيما نقلَهُ الصحابةُ، لكنَّهُ مشروعٌ بحسبِ الحاجةِ، وهكذا يُشْرَعُ لمصلِّي الجمعةِ والعيدِ على هذا الوجهِ (٨).

стр. 36

ويُسْتَحَبُّ أنْ يُحْرِمَ في ثوبَيْنِ نَظيفَيْنِ، فإنْ كانَا أَبْيَضَيْنِ فهو (١) أفضلُ، ويجوزُ أنْ يُحْرِمَ في جميعِ أجناسِ الثيابِ المباحةِ؛ مِنَ القُطنِ والكَتَّانِ والصوفِ. والسُّنَّةُ أنْ يُحْرِمَ في إزارٍ ورِدَاءٍ، سواءٌ كانَا مَخِيطَيْنِ أو غَيْرَ مَخِيطَيْنِ باتفاقِ الأئمةِ، ولوْ أَحْرَمَ في غيرِهما؛ جازَ إذا كانَ مما يجوزُ لُبْسُهُ. ويجوزُ أنْ يُحْرِمَ في الأبيضِ وغيرِهِ مِنَ الألوانِ الجائزةِ وإنْ كانَ مُلَوَّنًا. والأفضلُ أنْ يُحْرِمَ في نَعْلَيْنِ إنْ (٢) تيسَّرَ، والنعلُ: هي التي يُقَالُ لها: التَّاسُومَةُ (٣). فإنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وليسَ عليهِ أنْ يقطعَهُمَا دونَ الكَعْبَيْنِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بالقطعِ أوَّلًا (٤)، ثمَّ رَخَّصَ بعدَ ذلك في

стр. 37

عَرَفَاتٍ في لُبْسِ السراويلِ لمنْ لم يَجِدْ [إزارًا، ورخَّصَ في (١) لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لمنْ لم يَجِدْ] (٢) نَعْلَيْنِ (٣)، وإنَّما رَخَّصَ في المقطوعِ أوَّلًا؛ لأنَّهُ يَصِيرُ بالقطعِ كالنعلَيْنِ. ولهذا كانَ الصحيحُ: أنَّهُ يجوزُ أنْ يلبسَ ما دونَ الكَعْبَيْنِ، مثلَ الْخُفِّ الْمُكَعَّبِ والجمجمِ (٤) والْمَدَاسِ، ونحوِ ذلكَ، [سواءٌ كانَ واجدًا للنَّعْلَيْنِ أو فاقِدًا لهما (٥). وإذا لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ ولا ما يقومُ مقامَهُمَا؛ مثلَ الجمجمِ والمداسِ (٦)، ونحوِ ذلكَ] (٧)؛ فله أنْ يَلْبَسَ الخُفَّ، ولا يقطعَهُ،

стр. 38

وكذلكَ إذا لم يجدْ إزارًا؛ فإنَّهُ يلبسُ السراويلَ، ولا يَفْتُقُهُ، هذا أصحُّ قَوْلَيِ العلماءِ (١)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ في البدلِ (٢) في عرفاتٍ (٣)، كما رواهُ ابنُ عُمَرَ (٤). وكذلكَ يجوزُ أنْ يلبَسَ كلَّ ما كانَ مِن (٥) جِنْسِ الإزارِ والرِّدَاءِ، فلهُ أنْ يلتَحِفَ بالقَبَاءِ (٦) والْجُبَّةِ والقميصِ، ونحوِ ذلكَ، ويتغطَّى بهِ باتفاقِ الأئمةِ عرضًا، ويلبَسَهُ مقلوبًا؛ يجعلُ أسفلَهُ أعلَاهُ، ويتغطَّى باللِّحافِ وغيرِهِ، لكنْ لا يُغَطِّي رأسَهُ إلَّا لحاجةٍ، والنبيُّ ﷺ نَهَى

стр. 39

الْمُحْرِمَ أنْ يلبسَ القميصَ والبُرْنُسَ (١) والسراويلَ والخُفَّ [والعِمامةَ (٢)، ونَهَاهُمْ أنْ يُغَطُّوا رأسَ الْمُحْرِمِ بعدَ الموتِ (٣)، وأَمَرَ مَنْ أَحْرَمَ] (٤) فِي جُبَّتِهِ (٥) أنْ يَنْزِعَهَا عنهُ (٦)، فما كانَ مِن هذا الجنسِ فهو [في مَعْنَى ما نَهَى عنه النبيُّ ﷺ . فمَا كانَ في معنى القميصِ فهو] (٧) مثلُهُ، وليسَ له أنْ يَلْبَسَ

стр. 40

القميصَ، لَا بِكُمٍّ ولَا بِغَيْرِ كُمٍّ، وسواءٌ (١) أَدْخَلَ فيه (٢) يَدَيْهِ (٣) أو لم يُدْخِلْهُمَا (٤)، وسواءٌ (٥) كان سليمًا أو مخروقًا. وكذلكَ لا يلبسُ الْجُبَّةَ ولا القَبَاءَ الذي يُدْخِلُ يَدَيْهِ (٦) فيه، وكذلكَ الدِّرْعُ الذي يُسَمَّى: «عرق جين» (٧)، وأمثالَ (٨) ذلك باتفاقِ الأئمةِ، وأمَّا إذا طَرَحَ القباءَ (٩) على كَتِفَيْهِ مِن غيرِ إدخالِ يَدَيْهِ ففيهِ نِزَاعٌ، وهذا معنى قولِ الفقهاءِ: لا يَلْبَسُ المخيط. والْمَخِيطُ: ما (١٠) كانَ مِن اللِّبَاسِ على قَدْرِ العضوِ. وكذلك لا يَلْبَسُ ما كانَ في معنى الخُفِّ؛ كالْمُوقِ (١١) والْجَوْرَبِ ونحوِ ذلكَ.
следующие страницы →