← Фикх общий

Фикх общий · id 147665

مناسك الحج لابن تيمية ط ركائز

ابن تيمية

Полный текст (178 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويُسْتَحَبُّ أنْ يُحْرِمَ في ثوبَيْنِ نَظيفَيْنِ، فإنْ كانَا أَبْيَضَيْنِ فهو (١) أفضلُ، ويجوزُ أنْ يُحْرِمَ في جميعِ أجناسِ الثيابِ المباحةِ؛ مِنَ القُطنِ والكَتَّانِ والصوفِ. والسُّنَّةُ أنْ يُحْرِمَ في إزارٍ ورِدَاءٍ، سواءٌ كانَا مَخِيطَيْنِ أو غَيْرَ مَخِيطَيْنِ باتفاقِ الأئمةِ، ولوْ أَحْرَمَ في غيرِهما؛ جازَ إذا كانَ مما يجوزُ لُبْسُهُ. ويجوزُ أنْ يُحْرِمَ في الأبيضِ وغيرِهِ مِنَ الألوانِ الجائزةِ وإنْ كانَ مُلَوَّنًا. والأفضلُ أنْ يُحْرِمَ في نَعْلَيْنِ إنْ (٢) تيسَّرَ، والنعلُ: هي التي يُقَالُ لها: التَّاسُومَةُ (٣). فإنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وليسَ عليهِ أنْ يقطعَهُمَا دونَ الكَعْبَيْنِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ بالقطعِ أوَّلًا (٤)، ثمَّ رَخَّصَ بعدَ ذلك في

стр. 37

عَرَفَاتٍ في لُبْسِ السراويلِ لمنْ لم يَجِدْ [إزارًا، ورخَّصَ في (١) لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لمنْ لم يَجِدْ] (٢) نَعْلَيْنِ (٣)، وإنَّما رَخَّصَ في المقطوعِ أوَّلًا؛ لأنَّهُ يَصِيرُ بالقطعِ كالنعلَيْنِ. ولهذا كانَ الصحيحُ: أنَّهُ يجوزُ أنْ يلبسَ ما دونَ الكَعْبَيْنِ، مثلَ الْخُفِّ الْمُكَعَّبِ والجمجمِ (٤) والْمَدَاسِ، ونحوِ ذلكَ، [سواءٌ كانَ واجدًا للنَّعْلَيْنِ أو فاقِدًا لهما (٥). وإذا لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ ولا ما يقومُ مقامَهُمَا؛ مثلَ الجمجمِ والمداسِ (٦)، ونحوِ ذلكَ] (٧)؛ فله أنْ يَلْبَسَ الخُفَّ، ولا يقطعَهُ،

стр. 38

وكذلكَ إذا لم يجدْ إزارًا؛ فإنَّهُ يلبسُ السراويلَ، ولا يَفْتُقُهُ، هذا أصحُّ قَوْلَيِ العلماءِ (١)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ في البدلِ (٢) في عرفاتٍ (٣)، كما رواهُ ابنُ عُمَرَ (٤). وكذلكَ يجوزُ أنْ يلبَسَ كلَّ ما كانَ مِن (٥) جِنْسِ الإزارِ والرِّدَاءِ، فلهُ أنْ يلتَحِفَ بالقَبَاءِ (٦) والْجُبَّةِ والقميصِ، ونحوِ ذلكَ، ويتغطَّى بهِ باتفاقِ الأئمةِ عرضًا، ويلبَسَهُ مقلوبًا؛ يجعلُ أسفلَهُ أعلَاهُ، ويتغطَّى باللِّحافِ وغيرِهِ، لكنْ لا يُغَطِّي رأسَهُ إلَّا لحاجةٍ، والنبيُّ ﷺ نَهَى

стр. 39

الْمُحْرِمَ أنْ يلبسَ القميصَ والبُرْنُسَ (١) والسراويلَ والخُفَّ [والعِمامةَ (٢)، ونَهَاهُمْ أنْ يُغَطُّوا رأسَ الْمُحْرِمِ بعدَ الموتِ (٣)، وأَمَرَ مَنْ أَحْرَمَ] (٤) فِي جُبَّتِهِ (٥) أنْ يَنْزِعَهَا عنهُ (٦)، فما كانَ مِن هذا الجنسِ فهو [في مَعْنَى ما نَهَى عنه النبيُّ ﷺ . فمَا كانَ في معنى القميصِ فهو] (٧) مثلُهُ، وليسَ له أنْ يَلْبَسَ

стр. 40

القميصَ، لَا بِكُمٍّ ولَا بِغَيْرِ كُمٍّ، وسواءٌ (١) أَدْخَلَ فيه (٢) يَدَيْهِ (٣) أو لم يُدْخِلْهُمَا (٤)، وسواءٌ (٥) كان سليمًا أو مخروقًا. وكذلكَ لا يلبسُ الْجُبَّةَ ولا القَبَاءَ الذي يُدْخِلُ يَدَيْهِ (٦) فيه، وكذلكَ الدِّرْعُ الذي يُسَمَّى: «عرق جين» (٧)، وأمثالَ (٨) ذلك باتفاقِ الأئمةِ، وأمَّا إذا طَرَحَ القباءَ (٩) على كَتِفَيْهِ مِن غيرِ إدخالِ يَدَيْهِ ففيهِ نِزَاعٌ، وهذا معنى قولِ الفقهاءِ: لا يَلْبَسُ المخيط. والْمَخِيطُ: ما (١٠) كانَ مِن اللِّبَاسِ على قَدْرِ العضوِ. وكذلك لا يَلْبَسُ ما كانَ في معنى الخُفِّ؛ كالْمُوقِ (١١) والْجَوْرَبِ ونحوِ ذلكَ.

стр. 41

ولا يَلْبَسُ ما كانَ في معنى السراويلِ؛ كالتُّبَّانِ (١) ونحوِهِ. وله أنْ يَعْقِدَ ما يحتاجُ إلى عَقْدِه؛ كالإِزَارِ وهِمْيَانِ النفقةِ (٢). والرِّدَاءُ (٣) لا يحتاجُ إلى عَقْدٍ (٤)، فلا يَعْقِدْهُ، فإنِ احتاجَ إلى عَقْدِهِ: ففيهِ نزاعٌ (٥)، والأَشْبَهُ جَوَازُهُ حينئذٍ. وهلِ المنعُ مِن عَقْدِهِ (٦) منعُ كراهةٍ أو تحريمٍ؟ فيهِ نزاعٌ، وليسَ

стр. 42

على تحريمِ (١) ذلكَ دليلٌ، إلا ما نُقِلَ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ [أنَّهُ كَرِهَ عَقْدَ الرِّدَاءِ (٢). وقدِ اختلفَ المتَّبِعُونَ لابنِ عمرَ] (٣)؛ فمنهم (٤) مَنْ قالَ: هو كراهةُ تَنْزِيهٍ؛ كأبي حنيفةَ وغيرِه، ومنهم مَن قالَ: هو (٥) كراهةُ تحريمٍ. وأمَّا الرأسُ فلا يغطِّيهِ (٦) بِمَخِيطٍ ولا غيرِهِ، فلا يُغَطِّيهِ بعِمامةٍ، ولا كُوفِيَّةٍ (٧)، ولا قَلَنْسُوَةٍ (٨)، ولا ثوبٍ يَلْصَقُ بهِ، ولا غيرِ ذلكَ.

стр. 43

وله أنْ يستظِلَّ تحتَ السقفِ والشجرِ، ويستظلَّ في الخيمةِ، ونحوِ ذلكَ، باتفاقِهِمْ. وأمَّا الاستظلالُ بالْمَحْمِلِ؛ كالمحارة (١) التي لها رأس في حالِ السيرِ؛ فهذا فيه نزاعٌ (٢)، والأفضلُ للمُحْرِمِ: أنْ يَضْحَى لمن أَحْرَمَ له، كما كانَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه يَحُجُّونَ، وقدْ رأى ابنُ عُمَرَ رجلًا ظُلِّلَ عليه، فقالَ: «أَيُّهَا الْمحرِمُ، اضْحَ (٣) لِمَنْ أحرمتَ لهُ» (٤). ولهذا كانَ السلفُ يكرهونَ القِبَابَ على المحامِلِ، وهي المحاملُ التي لها رأسٌ، وأمَّا المحاملُ المكشوفةُ فلم يَكْرَهْهَا إلا بعضُ النُّسَّاكِ.

стр. 44

وهذا في حقِّ الرجلِ، وأمَّا المرأةُ فإنها عورةٌ، فلذلك جازَ لها أنْ تلبسَ الثيابَ التي تَسْتُرُها (١)، وتستظِلُّ بالْمَحْمِلِ، لكنْ نهاهَا النبيُّ ﷺ أنْ تَنْتَقِبَ أو تلبسَ القُفَّازَيْنِ، والقفازُ (٢): غِلَافٌ (٣) يُصْنَعُ لليدِ كما يفعلُهُ حملة (٤) البُزَاةِ (٥). ولو غطَّتِ المرأةُ وجهَها بشيءٍ لا يَمَسُّ الوجهَ؛ جازَ بالاتفاقِ. وإنْ كانَ يَمَسُّهُ: فالصحيحُ أنه يجوزُ أيضًا (٦)، ولا تُكَلَّفُ المرأةُ أنْ تُجافِيَ سُترتَها عنِ الوجهِ، لا بِعُودٍ ولا بِيَدٍ (٧) ولا غيرِ ذلكَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ سوَّى بين وجهِها ويَدهَا (٨)، وكلاهُما كبدنِ الرجلِ لا كَرَأْسِهِ، وأزواجُه ﷺ كُنَّ يَسْدِلْنَ على وجوهِهنَّ مِن غيرِ مراعاةِ المجافاةِ (٩)، ولم يَنْقُلْ أحدٌ من أهلِ العلمِ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:

стр. 45

«إحرامُ المرأةِ في وجهِها»، وإنما قال هذا القولَ (١) بعضُ السلفِ (٢)، لكنَّ النبيَّ ﷺ نهاها أنْ تَنْتَقِبَ أو تلبَسَ القفازَيْنِ، كما نهى الْمُحْرِمَ أنْ يلبَسَ القميصَ والخُفَّ، مع أنَّه يجوزُ له أن يسترَ يَدَيهِ (٣) ورِجْلَيْهِ باتفاقِ الأئمةِ. والبُرْقُعُ (٤) أقوى مِنَ النقابِ، فلهذا يُنْهَى عنه باتفاقِهم، ولهذا كانتِ الْمُحْرِمَةُ لا تلبَسُ ما يُصْنَعُ لسترِ الوجهِ؛ كالبُرْقُعِ ونحوِه؛ فإنَّه كالنِّقَابِ.

стр. 46

وليسَ للمُحْرِمِ أنْ يلبَسَ شيئًا ممَّا نَهَى النبيُّ ﷺ عنهُ إلَّا لحاجةٍ، كما أنَّهُ ليسَ للصائِمِ أنْ يُفْطِرَ إلا لحاجةٍ، والحاجةُ مثلُ: البَرْدِ الذي يخافُ أنْ يُمْرِضَهُ إذا (١) لم يُغَطِّ رأسَهُ، أو مثلُ مرضٍ نَزَلَ به يحتاجُ معه إلى تغطيةِ رأسِهِ، فيَلْبَسُ قَدْرَ الحاجةِ، فإذَا استَغْنى عنه نَزَعَ. وعليهِ أنْ يَفْتَدِيَ (٢)؛ إمَّا بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، وإمَّا بِنُسُكٍ شاةٍ، وإما (٣) بإطعامِ ستةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ مِن تمرٍ أو شعيرٍ، أو مُدٌّ مِن بُرٍّ (٤). وإنْ أطعمَهُ (٥) خبزًا جازَ (٦)، ويكونُ رِطْلَيْنِ بالعِرَاقِيِّ؛ قريبًا من نصفِ رِطلٍ بالدِّمَشْقِيِّ. وينبغِي أنْ يكونَ مأدومًا.

стр. 47

وإنْ أطعمَهُ (١) مِمَّا يَأكُلُ؛ كالبقسماطِ (٢) والرُّقَاقِ ونحوِ ذلكَ؛ جازَ، وهو أفضلُ مِن أن (٣) يُعْطِيَهُ قمحًا أو شعيرًا. وكذلكَ في سائرِ الكفَّارَاتِ إذا أعطاهُ مما يُقْتَاتُ بهِ (٤) مع أُدْمِهِ، فهو أفضلُ مِن أن يُعْطِيَهُ حَبًّا مجرَّدًا إذا لم يكنْ عادتُهم أنْ يَطْحَنُوا بأيديهم ويَخْبِزُوا بأيديهِم. والواجبُ في ذلكَ كلِّه ما ذَكَرَهُ اللهُ تعالَى بقولِه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]، فأَمَرَ اللهُ تعالَى بإطعامِ المساكينِ مِن أوسطِ ما يُطْعِمُ الناسُ أهلِيهِمْ. وقد تنازَعَ العلماءُ في ذلِكَ: هَلْ ذلِكَ مُقَدَّرٌ بالشَّرعِ، أوْ يُرْجَعُ فيه (٥) إلى العُرْفِ؟ وكذلكَ تنازَعُوا في النفقةِ؛ نفقةِ الزوجةِ، والراجِحُ في هذا كلِّهِ (٦):

стр. 48

أنْ (١) يُرْجَعَ فيه إلى العُرْفِ (٢)، فيُطْعِمُ كلُّ قومٍ مما (٣) يُطْعِمُونَ أهلِيهِمْ، ولَمَّا كانَ كعبُ بنُ عُجْرَةَ ونحوُه يَقْتَاتُونَ التمرَ؛ أَمَرَهُ (٤) النبيُّ ﷺ أنْ يُطْعِمَ فَرَقًا مِنَ التمرِ بينَ سِتَّةِ مساكينَ (٥)، والفَرَقُ: ستةَ عَشَرَ رِطلًا بالبغدادِيِّ. وهذِه الفديةُ: يجوز أنْ يُخْرِجَهَا إذا احتاجَ إلى فِعْلِ المحظورِ قَبْلَهُ وبعدَهُ. [ويجوزُ أن يذبحَ النُّسُكَ] (٦) قبلَ أنْ يَصِلَ إلى مكةَ. ويصومُ الأيامَ الثلاثةَ متتابِعَةً إنْ شاءَ، أو متفرِّقَةً (٧) إنْ شاءَ، فإن كانَ له عذرٌ أخَّر فِعلَها، وإلَّا عجَّل فِعْلَها (٨).

стр. 49

وإذا لَبِسَ، ثم لَبِسَ مراراً (١)، ولم يكنْ أدَّى الفديةَ؛ أجزأتْهُ فديةٌ واحِدَةٌ في أظهرِ قَوْلَيِ العلماءِ. (٢)

стр. 50

فصلٌ فإذَا أَحْرَمَ لَبَّى بتلبيةِ (١) رسولِ اللهِ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» (٢). وإنْ زادَ على ذلِكَ: «لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ» (٣)، أَوْ «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ» (٤) وَنَحْوَ ذلِكَ (٥)؛ جَازَ، كما كانَ الصحابةُ يَزِيدُونَه (٦) ورسولُ اللهِ ﷺ يَسْمَعُهُمْ فلا يَنْهَاهُمْ (٧)، وكانَ هو يُدَاوِمُ على تَلْبِيَتِهِ. ويُلَبِّي مِن حينِ يُحْرِمُ، سواءٌ رَكِبَ دابَّته (٨) أو لم يَرْكَبْهَا، وإنْ

стр. 51

أَحْرَمَ بعد ذلِكَ (١) جازَ. والتلبيةُ هِيَ (٢): إجابةُ دعوةِ اللهِ تعالَى لخلقِه (٣) حينَ دعاهُم إلى (٤) حجِّ بيتِهِ على لسانِ خليلِهِ، والْمُلَبِّي: هو المستسلِمُ المنقادُ لغيرِه كما ينقادُ الذي (٥) لُبِّبَ وأُخِذَ بِلَبَّتِهِ (٦)، والمعنَى: إِنَّا مُجِيبُوكَ لدعوتِكَ، مستسلِمُونَ لحِكْمَتِكَ، مُطِيعُونَ لأمرِكَ، مرةً بعدَ مَرَّةٍ، دائماً (٧) لا نزالُ على ذلِكَ. والتلبيةُ شعارُ الحجِّ، فأفضلُ الحجِّ: «العَجُّ والثَّجُّ» (٨)، فالعَجُّ: رَفْعُ الصوتِ بالتلبية (٩)، والثَّجُّ: إراقةُ دماءِ الْهَدْيِ، ولهذا (١٠) يُسْتَحَبُّ رفعُ الصوتِ بها للرَّجلِ (١١) بحيثُ لا يُجْهِدُ نفسَهُ، والمرأةُ

стр. 52

ترفعُ صوتها (١) بحيثُ تُسْمِعُ رفيقَتَها. ويُسْتَحَبُّ الإكثارُ منها عندَ اختلافِ الأحوالِ، مثلُ: أدبارِ الصلواتِ، ومثلُ (٢) إذا صَعِدَ نَشْزًا، أو هَبَطَ وادِيًا، أو سمعَ مُلَبِّيًا، أو أقبلَ الليلُ والنهارُ (٣)، أو التقتِ الرِّفَاقُ، وكذلكَ إذا فعلَ ما نُهِيَ عنه. وقد رُوِيَ: «أنَّ (٤) مَن لَبَّى حتى تغرُبَ الشمسُ فقدْ أمسى مغفورًا لَهُ» (٥). وإنْ دعا عَقِيبَ (٦) التلبيةِ، وصلَّى على النبيِّ ﷺ ، وسألَ اللهَ رضوانَهُ والجنةَ، واستعاذَ برحمتِهِ مِن سخطِه والنارِ (٧)؛ فحَسَنٌ (٨).

стр. 53

فصلٌ وَمِمَّا يُنْهَى عنه المُحْرِمُ: أَنْ يتطيَّبَ بعدَ الإحرامِ في بَدَنِهِ أو (١) ثيابِه. أو يتعمَّدَ (٢) لشَمِّ (٣) الطِّيبِ. وأمَّا الدُّهنُ في رأسِهِ أو بَدَنِهِ بالزيتِ والسمنِ ونحوِه (٤) إذَا لم (٥) يكنْ فيهِ طِيبٌ؛ ففيهِ نِزَاعٌ مشهورٌ (٦)، وتَرْكُهُ أَوْلَى. ولَا يُقلِّمُ أظفارَهُ.

стр. 54

ولَا يقطعُ شعرَه. وله أنْ يَحُكَّ بدنَهُ إذا حَكَّهُ. ويحتجِمَ في رأسِه وغير رأسِه (١) ويفتصد (٢) إذا احتاج إلى ذلك (٣)، وإنِ احتاجَ أنْ يحلِقَ شعرًا لذلِكَ جازَ؛ فإنَّهُ قدْ ثَبَتَ في الصَّحيحِ (٤): «أنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، ولا يمكِنُ ذلِكَ إلَّا مَعَ حَلْقِ بعضِ الشعرِ (٥). وكذلِكَ إذا اغتسلَ وسقطَ شيءٌ مِن شعرِهِ بذلِكَ؛ لم يَضُرَّهُ، وإنْ

стр. 55

تيقَّنَ أنَّهُ انقطعَ بالغسلِ. ولهُ أنْ يغتسلَ مِنَ الجنابةِ بالاتِّفاقِ، وكذلِكَ لغيرِ الجنابةِ. ولَا ينكِحُ الْمُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ. ولَا يصيدُ (١) صيدًا بَرِّيًّا، ولا يتملَّكُهُ بشراءٍ ولا اتِّهابٍ، ولَا غيرِ ذلِكَ، ولَا يُعِينُ على صيدٍ، ولا يذبَحُ صيدًا. فأمَّا صيدُ البحرِ؛ كالسمكِ ونحوِه؛ فله أنْ يصطادَهُ (٢) ويأكُلَهُ. وله أنْ يقطعَ الشجرَ، لَكِنَّ نفسَ الحرمِ (٣) لَا يقطعُ شيئًا مِنْ شجرِهِ وإنْ كانَ غيرَ مُحْرِمٍ (٤)، ولا مِنْ نباتِهِ المباحِ إلَّا الْإِذْخِرَ (٥). وأمَّا ما غَرَسَ الناسُ أو زرعوه؛ فهو لهم. وكذلك ما يَبِسَ مِنَ النباتِ؛ يجوزُ أَخْذُهُ. ولا يصطادُ به (٦) صَيْدًا وإنْ كانَ مِنْ صَيْدِ (٧) الماءِ؛ كالسمكِ،

стр. 56

على الصحيحِ. بَلْ (١) ولَا يُنَفِّرُ صيدَهُ؛ مثلَ أنْ يُقِيمَهُ ليقعدَ مكانَهُ. وكذلك حَرَمُ مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهُوَ مَا بينَ لَابَتَيْهَا، وَاللَّابَةُ: هِيَ الْحَرَّةُ؛ وهِيَ الأرضُ الَّتِي فيها حجارةٌ سُودٌ، وهو (٢) بَرِيدٌ في بَرِيدٍ، والبَريدُ أربع فراسِخَ، وهو مِن (٣) عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، وعَيْرٌ هو جَبَلٌ عند المِيقَاتِ يُشْبِهُ العَيْرَ، وهو الحِمَارُ، وثَوْرٌ هو جبلٌ مِنْ ناحيةِ أُحُدٍ، وهو غَيْرُ جبلِ ثَوْرٍ الذي بمكةَ؛ فهذا الحَرَمُ أيضًا: لا يُصَادُ (٤) صيدُهُ. ولا يُقْطَعُ شجرُهُ إلَّا لحاجةٍ؛ كآلَةِ الركوبِ والحَرْثِ (٥). ويُؤْخَذُ مِنْ حَشِيشِهِ ما يُحْتَاجُ إليه للعَلَفِ (٦)؛ [فإنَّ النبيَّ ﷺ رَخَّصَ لأهلِ المدينةِ في هذا لِحَاجَتِهِمْ إلى ذلِكَ (٧)؛ إذْ ليسَ حَوْلَهُمْ

стр. 57

ما يستغنونَ به عنه، بِخِلَافِ الحرمِ المكيِّ] (١). وإذَا أَدْخَلَ (٢) إليه (٣) صيداً؛ لم يكنْ عليه إرسالُهُ. وليسَ (٤) في الدنيا حَرَمٌ - لا بيتُ المقدسِ ولا غيرُهُ - إلا هذانِ الحَرَمَانِ، ولا يسمَّى غيرُهما حَرَمًا؛ كما يسمِّي الْجُهَّالُ، فيقولونَ: حَرَمُ المقدِسِ، وحرمُ الخليلِ؛ فإنَّ هَذَيْنِ وغيرَهُما ليسَا (٥) بِحَرَمٍ باتفاقِ المسلمينَ. والحَرَمُ الْمُجْمَعُ عليه: حَرَمُ مكةَ، وأمَّا المدينةُ فلها حَرَمٌ أيضًا عندَ الجمهورِ (٦)، كمَا استفاضَتْ بذلِكَ الأحاديثُ عنِ النبيِّ ﷺ .

стр. 58

ولم يتنازَعِ (١) المسلمونَ في حَرَمٍ ثالِثٍ (٢)، إلَّا فِي «وَجٍّ» (٣)، وهُوَ وادٍ بالطائِفِ (٤)، وهو عندَ بعضِهم حَرَمٌ، وعندَ الجمهورِ ليس بِحَرَمٍ. (٥) وللمُحْرِمِ أنْ يقتُلَ ما يؤذِي بعادَتِهِ الناسَ؛ كالحيَّةِ، والفأرَةِ، والعقربِ (٦)، والغرابِ، والكلبِ العَقُورِ (٧). وله أنْ يدفَعَ ما يُؤْذِيهِ مِنَ الآدَمِيِّينَ والبهائِمِ، حتى لو صالَ عليه أحدٌ ولم يندفِعْ إلَّا بالقتالِ؛ قاتَلَهُ؛ فإن النبيُّ ﷺ قال (٨): «مَنْ [قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ] (٩) قُتِلَ

стр. 59

دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٍ، [وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ] (١)» (٢). وإذا قَرَصَتْهُ (٣) البراغيثُ (٤) أو القملُ (٥) (٦)؛ فله إلقاؤُهَا عنه، وله قَتْلُهَا، ولا شَيْءَ عليه، [وإلقاؤُها أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِهَا (٧). وكذلِكَ ما يتعرَّضُ له مِنَ الدوابِّ، فيُنْهَى عنْ قَتْلِهِ، وإنْ كانَ في نفسِهِ مُحَرَّمًا؛ كالأسدِ والفهدِ (٨)، فإذا قتلَهُ فلا جزاءَ عليه في أَظْهَرِ

стр. 60

قولَيِ العلماءِ] (١) (٢). وأمَّا التَّفَلِّي (٣) بدونِ التأذِّي؛ فهو مِنَ الترفُّهِ، فلا يفعلْهُ، ولو (٤) فعلَهُ فلا شَيْءَ عليه. ويَحْرُمُ على الْمُحْرِمِ الوطءُ ومقدِّمَاتُه، ولا يطأُ شيئًا، لا (٥) امرأةً ولا غيرَ امرأةٍ. ولا يتمتَّعُ بقُبلةٍ، ولا مسٍّ بِيَدٍ، ولا نظرٍ بشهوةٍ. فإنْ جامَعَ؛ فَسَدَ حَجُّهُ، وفي الإنزالِ بغيرِ جِماعِ (٦) نزاعٌ (٧). ولَا يَفْسُدُ الحجُّ بشيءٍ مِنَ المحظوراتِ إلَّا بهذا الجنسِ. فإنْ قَبَّلَ بشهوةٍ، أو أَمْذَى لشهوةٍ: فعليه دَمٌ.

стр. 61

فصلٌ إذَا أتَى مكةَ جازَ أنْ يدخُلَ مكةَ والمسجدَ مِنْ جميعِ الجوانبِ، لكنَّ الأفضلَ أنْ يأتِيَ مِنْ وجهِ الكعبةِ؛ اقتداءً بالنبيِّ ﷺ ؛ فإنَّهُ دخلَها مِنْ وَجْهِهَا مِنَ الناحيةِ العُلْيَا (١) التي فيها اليومَ بابُ الْمَعْلَاةِ، ولم يكنْ على عَهْدِ النبيِّ ﷺ لِمَكَّةَ ولا للمدينةِ سورٌ ولا أبوابٌ مَبْنِيَّةٌ، ولكنْ دخلَها مِنَ الثنيَّةِ العُلْيَا؛ ثنيةِ كَدَاءَ -بالفتحِ والمدِ- المشرِفَةِ على المقبرةِ، ودخلَ المسجدَ مِنَ البابِ الأعظمِ الذي يُقالُ له: بابُ بَنِي شَيْبَةَ (٢)، ثم ذهبَ إلى الحَجَرِ الأسودِ؛ فإنَّ هذا (٣) أقربُ الطرقِ إلى الحجرِ الأسودِ (٤) لمنْ دخلَ مِنْ ناحية (٥) الْمَعْلَاةِ (٦).

стр. 62

ولم يكنْ قديمًا بمكةَ بناءٌ يعلو على (١) البيتِ، ولا (٢) كانَ فوق (٣) الصَّفَا والمروةِ والْمَشْعَرِ الحرامِ بناءٌ، ولا كانَ بِمِنًى ولا بعرفاتٍ (٤) مسجدٌ، ولا عندَ الجمراتِ مساجدُ، بل كل (٥) هذه مُحْدَثَةٌ بعد الخلفاءِ الراشدِينَ، ومنها ما أُحْدِثَ [بعدَ الدولةِ الأمويَّةِ، ومنها ما أُحْدِثَ] (٦) بعدَ ذلِكَ، فكانَ البيتُ يُرَى قبلَ دُخولِ المسجدِ. وقدْ ذكرَ ابنُ جريج (٧): أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ (٨) إذا رأَى البيتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ (٩) شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ (١٠) تَشْرِيفًا

стр. 63

وَتَعْظِيمًا» (١)، فمَنْ رأَى البيتَ قبلَ دخولِ المسجدِ فَعَلَ ذلِكَ. وقدِ اسْتَحَبَّ ذلِكَ مَنِ استحبَّهُ عندَ رؤيةِ البيتِ ولو كانَ بعد دخولِ المسجدِ (٢)، لكنَّ النبيَّ ﷺ بعد أنْ دخلَ المسجدَ (٣) ابتدأَ بالطوافِ، ولم يُصَلِّ قبلَ ذلِكَ تحيةَ (٤) المسجدِ، ولا غيرَ ذلِكَ، بلْ تحيةُ المسجدِ الحرامِ هُوَ الطوافُ بالبيتِ. وكانَ ﷺ يغتسلُ لدخولِ مكةَ، كما كان يَبِيتُ بِذِي طُوًى (٥)، وهي (٦) عندَ الآبَارِ التي يقالُ لها اليوم (٧): آبارُ الزَّاهر (٨)، فمَنْ تيسَّرَ

стр. 64

له المبيتُ بها والاغتسالُ (١)، ودخولُ مكةَ نهارًا، وإلَّا فليسَ عليه شيءٌ مِنْ ذلِكَ. وإذا دخلَ المسجدَ: بدأَ بالطوافِ، فيبتدِئُ (٢) بالحَجَرِ (٣)

стр. 65

الأسودِ؛ يستقبِلُهُ (١) استقبالًا (٢)، ويستلِمُهُ (٣)، ويُقَبِّلُهُ إنْ أمكنَ، ولا يُؤْذِي أحدًا بالمزاحَمَةِ عليهِ، فإنْ لم يمكِنِ: استلَمَهُ (٤) وقبَّلَ يدَهُ، وإلَّا أشارَ (٥) إليهِ. ثمَّ يَنتقلُ للطوافِ، ويجعلُ البيتَ عنْ يَسَارِه، وليسَ عليه أنْ يذهبَ إلى مَا بينَ الرُّكْنَيْنِ، ولا يمشِي عَرْضًا [ثم ينتقلُ للطوافِ، بلْ] (٦) ولا يُسْتَحَبُّ ذلِكَ، ويقولُ إذا استلَمَهُ: «باسمِ اللهِ، واللهُ أكبرُ» (٧)، وإنْ شاءَ قالَ: «اللَّهُمَّ إيمانًا بِكَ، وتصديقًا بكتابِكَ، ووفاءً بعهدِكَ، واتِّبَاعًا لسنةِ نبيِّكَ محمدٍ ﷺ » (٨).

стр. 66

ويجعلُ البيتَ عنْ يسارِه، فيطوفُ (١) سبعًا، ولا يخترِقُ الحِجرَ في طوافِهِ؛ لأنَّ (٢) أكثرَ الحِجرِ مِنَ البيتِ، واللهُ أمرَ بالطوافِ به لا بالطوافِ فيه. ولا يستلمُ مِنَ الأركانِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ اليمانِيَيْنِ دون (٣) الشَّامِيَّيْنِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما استلَمَهُمَا خاصَّةً؛ لأنَّهما على قواعِدِ إبراهيمَ، والآخَرَانِ هما في دَاخِلِ البيتِ، فالرُّكنُ الأسودُ يُسْتَلَمُ ويُقَبَّلُ، واليَمَانِيْ يُسْتَلَمُ ولا يُقَبَّلُ، والآخرانِ لا يُسْتلَمانِ ولا يُقَبَّلانِ. والاستلامُ: هو مَسْحُهُ باليدِ. وأمَّا سائرُ جوانبِ البيتِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وسائرُ ما في الأرضِ مِن المساجدِ وحيطانِها، ومقابرِ الأنبياءِ والصالحينَ؛ كحُجْرَةِ نبيِّنَا محمد (٤) ﷺ ، ومغارةِ إبراهيمَ، ومقامِ نبيِّنَا ﷺ الذي كانَ يصلِّي

стр. 67

فيه، وغيرِ ذلك مِنْ مقابرِ الأنبياءِ والصالحينَ، وصخرةِ (١) بيتِ المقدسِ: فلا تُسْتَلَمُ (٢) ولا تُقَبَّلُ (٣) باتفاقِ الأئمةِ (٤). وأمَّا الطوافُ بذلك: فهو مِنْ أعظمِ البِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ، ومَنِ اتَّخَذَهُ دِينًا يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتِلَ. ولو وَضَعَ يدَهُ على الشَّاذَرْوَانِ (٥) الذي تربط (٦) فيه أستارُ

стр. 68

الكعبةِ؛ لم يَضُرَّهُ ذلك في أَصَحِّ قولَيِ العلماءِ (١)، وليسَ الشَّاذَرْوَانُ مِنَ البيتِ (٢)، بل جُعِلَ (٣) عمادًا للبيتِ (٤). ويُستحَبُّ له في الطوافِ الأولِ: أنْ يرمُلَ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ فِي الأطوافِ الثلاثةِ، والرَّمَلُ: مثلُ الهَرْوَلَةِ، وهو مسارعةُ المشيِ مع تقارُبِ الخُطَى، فإنْ لم يمكِنه (٥) الرَّمَلُ للزحمةِ (٦)؛ كانَ خروجُهُ إلى حاشيةِ المطافِ والرَّملُ أفضلَ مِن قُرْبِهِ إلى البيتِ بدونِ الرَّمَلِ، وأمَّا إذا أمكنَ القُرْبُ مِنَ البيتِ مع إكمالِ السُّنَّةِ فهو (٧) أَوْلَى. ويجوزُ أنْ يطوفَ مِن وراءِ قُبَّةِ زمزمَ ومَا وراءَها مِنَ السقائف (٨) المتصلةِ بحيطانِ المسجدِ. ولو صلَّى المصلِّي في المسجدِ والناسُ يطوفُونَ أمامَهُ؛ لم

стр. 69

يُكْرَهْ، سواءٌ مَرَّ أمامَهُ رجلٌ أو امرأةٌ، وهذا مِنْ خصائِصِ مكةَ. وكذلِكَ يُسْتَحَبُّ أنْ يَضْطَبِعَ في هذا (١) الطوافِ، والاضْطِبَاعُ: هو أنْ يُبْدِيَ ضَبْعَهُ الأيمنَ، فيضعَ (٢) وسطَ الرِّدَاءِ تحتَ إبْطِهِ الأيمنِ، وطرفَيه (٣) على عاتقِه (٤) الأيسرِ. وإنْ تَرَكَ الرَّمَلَ والاضطباعَ؛ فلا شيءَ عليه. ويُسْتَحَبُّ له في الطوافِ: أنْ يذكُرَ اللهَ تعالَى ويَدْعُوَهُ بما يُشْرَعُ، وإنْ قرأَ القرآنَ سِرًّا فلا بأسَ (٥)، وليسَ فيه ذِكْرٌ محدودٌ عنِ النبيِّ ﷺ ، لا بأَمْرِهِ، ولا بِقَوْلِهِ، ولا بتعلِيمِهِ، بلْ يدعُو (٦) فيه بسائرِ الأدعيةِ الشرعيةِ، ومَا يذكُرُهُ كثيرٌ مِنَ الناسِ مِنْ دعاءٍ معيَّنٍ تحتَ الميزابِ ونحوِ ذلِكَ فلَا أصلَ لَهُ، لكن كان (٧) يختِمُ طوافَهُ بينَ

стр. 70

الركنينِ بقولِهِ (١): «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٢)، كمَا كانَ يختِمُ سائِرَ الأدعية (٣) بذلِكَ، وليسَ في ذلك ذِكْرٌ وَاجِبٌ باتفاقِ الأئمةِ. والطوافُ بالبيتِ كالصلاةِ إلَّا أنَّ اللهَ أباحَ فيه الكلامَ، فمَنْ تكلَّمَ فيهِ فلا يتكلَّمْ إلَّا بخيرٍ، ولهذا يُؤْمَرُ الطائِفُ أنْ يكونَ متطهِّرًا الطهارَتَيْنِ الصغرى والكبرى (٤)، ويكونَ مستورَ العَوْرَةِ، مُجْتَنِبَ النجاسةِ التي يجتنِبُهَا المصلِّي، والمطافُ طاهِرٌ (٥)؛ لكنْ (٦) في وجوبِ الطهارةِ في الطوافِ نزاعٌ بين العلماءِ (٧)، فإنَّهُ لم يَنْقُلْ أحدٌ

стр. 71

عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ أَمَرَ بالطهارةِ للطوافِ، ولا نَهَى (١) الْمُحْدِثَ أنْ يطوفَ، ولكنَّهُ طافَ طاهِرًا (٢)، لكن (٣) ثبتَ عنه ﷺ أنَّهُ نَهَى الحائِضَ عنِ الطوافِ (٤)، وقدْ قالَ النبي ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٥)، فالصلاةُ الَّتِي أَوْجَبَ لها الطهارةَ: مَا كانَ يُفْتَتَحُ بالتكبيرِ ويُخْتَمُ بالتسليمِ؛ كالصلاةِ الَّتِي فيها ركوعٌ وسجودٌ؛ وكصلاةِ (٦) الجنازةِ، وسجدَتَيِ السهوِ، وأمَّا الطوافُ وسجودُ التلاوَةِ؛ فليسَ (٧) مِنْ هذَا، والاعتكافُ يُشْتَرَطُ له المسجدُ، ولا يُشْتَرَطُ له الطهارةُ بالاتفاقِ، والمعتكِفَةُ الحائضُ تُنْهَى عَنِ اللُّبْثِ في المسجدِ [مع الحيضِ، وإنْ

стр. 72

كانتْ تَلْبَثُ في المسجدِ] (١) وهي مُحْدِثَةٌ. قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ في «مناسكِ (٢) الحجِّ» لابنِهِ عبدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سهلُ بنُ يوسفَ، أنبأنَا شعبةُ، عنْ حمادٍ ومنصورٍ، قالَ: سألتُهما عنِ الرجلِ يطوفُ بالبيتِ وهو غيرُ متوضِّئٍ؟ فلمْ يَرَيَا بهِ (٣) بأسًا. قالَ عبدُ اللهِ: سألتُ أبِي عنْ ذلِكَ، فقالَ: (أَحَبُّ إلَيَّ ألَّا يطوفَ بالبيتِ وهو (٤) غيرُ متوضِّئٍ؛ لأنَّ الطوافَ بالبيتِ صلاةٌ) (٥). وقدِ اختلفتِ الروايةُ عنْ أحمدَ في اشتراطِ الطهارةِ فيهِ ووجوبِها؛ كما هو أَحَدُ القولَيْنِ في مذهبِ أبي حنيفةَ، لكنْ لا يختلفُ مذهبُ أبِي حنيفةَ أنَّها ليستْ بشرطٍ. ومَنْ طافَ في جَوْرَبٍ ونحوِه؛ لئلَّا يَطَأَ نجاسةً مِن ذَرقِ (٦) الحمامِ (٧)، أو غَطَّى يَدَيه (٨) لئلَّا يمسَّ امرأةً (٩)، ونحوُ ذلِكَ؛ فقدْ

стр. 73

خالَفَ السُّنَّةَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ والتابعِينَ ما زالُوا يطوفونَ بالبيتِ، وما زالَ الحَمَامُ بمكةَ، والاحتياطُ (١) حَسَنٌ ما لم يفضِ بصاحبه إلى مخالفة (٢) السُّنَّةِ المعلومةِ، فإذا أفضَى إلى (٣) ذلك كانَ خطأً. واعلَمْ أنَّ القولَ الذي يتضمَّنُ مخالفةَ السُّنَّةِ: خطأٌ؛ كمَنْ يخلعُ نعلَيْهِ في الصلاةِ المكتوبةِ وصلاةِ (٤) الجنازةِ خوفًا مِن أنْ يكونَ فيهما نجاسةٌ، فإنَّ هذا خطأٌ مخالِفٌ للسُّنَّةِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصلِّي في نعلَيْهِ، وقالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ فَخَالِفُوهُمْ» (٥)، وقالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ (٦) فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذًى؛ فَلْيَدْلُكْهُمَا فِي التُّرَابِ؛ فَإِنَّ التُّرَابَ (٧) لَهُمَا طَهُورٌ» (٨)، وكمَا يجوزُ أنْ يصلِّيَ في نَعْلَيْهِ؛ فكذلِكَ (٩) يجوزُ أنْ يطوفَ في نَعْلَيْهِ.

стр. 74

وإنْ لم يمكِنْهُ الطوافُ ماشِيًا، فطافَ راكِبًا أو محمولًا؛ أَجْزَأَهُ بالاتفاقِ. وكذلِكَ ما يَعْجِزُ عنهُ مِنْ واجباتِ الطوافِ؛ مثلُ مَنْ كانَ (١) به نجاسةٌ لا يمكِنُه (٢) إزالتُها؛ كالمستحاضَةِ (٣) ومَنْ به سَلَسُ البولِ، فإنَّهُ يطوفُ ولا شيءَ عليهِ باتِّفاقِ الأئمةِ. وكذلِكَ لوْ لَمْ يمكِنْهُ الطوافُ إلا عُرْيَانًا، فطافَ بالليلِ، كمَا لو لم يُمْكِنْهُ الصلاةُ إلا عُرْيَانًا (٤). وكذلِكَ المرأةُ الحائِضُ إذا لم يُمْكِنْهَا طوافُ الفرضِ إلا حائضًا بحيث لا يمكِنُهَا التأخُّرُ بمكةَ (٥).

стр. 75

ففِي (١) أحدِ قولَيِ العلماءِ الذين يُوجِبُونَ الطهارةَ على الطائِفِ: إذَا طافَتِ الحائضُ، أو الْجُنُبُ، أو الْمُحْدِثُ، أو حامِلُ النجاسةِ مطلقًا: أجزأَهُ الطوافُ، وعليه دَمٌ؛ إمَّا شاةٌ، وإمَّا (٢) بَدَنَةٌ معَ الحيضِ والجنابةِ، وشاةٌ معَ الحَدَثِ الأصغرِ. ومَنْعُ الحائضِ مِنَ الطوافِ قَدْ (٣) يُعَلَّلُ: بأنَّهُ يُشبِهُ الصلاةَ (٤)، وقدْ يُعَلَّلُ: بأنَّها ممنوعةٌ من المسجد (٥) كما تُمْنَعُ منه
следующие страницы →