← Фикх общий

Фикх общий · id 147665

مناسك الحج لابن تيمية ط ركائز

ابن تيمية

Полный текст (178 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ أَمَرَ بالطهارةِ للطوافِ، ولا نَهَى (١) الْمُحْدِثَ أنْ يطوفَ، ولكنَّهُ طافَ طاهِرًا (٢)، لكن (٣) ثبتَ عنه ﷺ أنَّهُ نَهَى الحائِضَ عنِ الطوافِ (٤)، وقدْ قالَ النبي ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٥)، فالصلاةُ الَّتِي أَوْجَبَ لها الطهارةَ: مَا كانَ يُفْتَتَحُ بالتكبيرِ ويُخْتَمُ بالتسليمِ؛ كالصلاةِ الَّتِي فيها ركوعٌ وسجودٌ؛ وكصلاةِ (٦) الجنازةِ، وسجدَتَيِ السهوِ، وأمَّا الطوافُ وسجودُ التلاوَةِ؛ فليسَ (٧) مِنْ هذَا، والاعتكافُ يُشْتَرَطُ له المسجدُ، ولا يُشْتَرَطُ له الطهارةُ بالاتفاقِ، والمعتكِفَةُ الحائضُ تُنْهَى عَنِ اللُّبْثِ في المسجدِ [مع الحيضِ، وإنْ

стр. 72

كانتْ تَلْبَثُ في المسجدِ] (١) وهي مُحْدِثَةٌ. قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ في «مناسكِ (٢) الحجِّ» لابنِهِ عبدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سهلُ بنُ يوسفَ، أنبأنَا شعبةُ، عنْ حمادٍ ومنصورٍ، قالَ: سألتُهما عنِ الرجلِ يطوفُ بالبيتِ وهو غيرُ متوضِّئٍ؟ فلمْ يَرَيَا بهِ (٣) بأسًا. قالَ عبدُ اللهِ: سألتُ أبِي عنْ ذلِكَ، فقالَ: (أَحَبُّ إلَيَّ ألَّا يطوفَ بالبيتِ وهو (٤) غيرُ متوضِّئٍ؛ لأنَّ الطوافَ بالبيتِ صلاةٌ) (٥). وقدِ اختلفتِ الروايةُ عنْ أحمدَ في اشتراطِ الطهارةِ فيهِ ووجوبِها؛ كما هو أَحَدُ القولَيْنِ في مذهبِ أبي حنيفةَ، لكنْ لا يختلفُ مذهبُ أبِي حنيفةَ أنَّها ليستْ بشرطٍ. ومَنْ طافَ في جَوْرَبٍ ونحوِه؛ لئلَّا يَطَأَ نجاسةً مِن ذَرقِ (٦) الحمامِ (٧)، أو غَطَّى يَدَيه (٨) لئلَّا يمسَّ امرأةً (٩)، ونحوُ ذلِكَ؛ فقدْ

стр. 73

خالَفَ السُّنَّةَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ والتابعِينَ ما زالُوا يطوفونَ بالبيتِ، وما زالَ الحَمَامُ بمكةَ، والاحتياطُ (١) حَسَنٌ ما لم يفضِ بصاحبه إلى مخالفة (٢) السُّنَّةِ المعلومةِ، فإذا أفضَى إلى (٣) ذلك كانَ خطأً. واعلَمْ أنَّ القولَ الذي يتضمَّنُ مخالفةَ السُّنَّةِ: خطأٌ؛ كمَنْ يخلعُ نعلَيْهِ في الصلاةِ المكتوبةِ وصلاةِ (٤) الجنازةِ خوفًا مِن أنْ يكونَ فيهما نجاسةٌ، فإنَّ هذا خطأٌ مخالِفٌ للسُّنَّةِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصلِّي في نعلَيْهِ، وقالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ فَخَالِفُوهُمْ» (٥)، وقالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ (٦) فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذًى؛ فَلْيَدْلُكْهُمَا فِي التُّرَابِ؛ فَإِنَّ التُّرَابَ (٧) لَهُمَا طَهُورٌ» (٨)، وكمَا يجوزُ أنْ يصلِّيَ في نَعْلَيْهِ؛ فكذلِكَ (٩) يجوزُ أنْ يطوفَ في نَعْلَيْهِ.

стр. 74

وإنْ لم يمكِنْهُ الطوافُ ماشِيًا، فطافَ راكِبًا أو محمولًا؛ أَجْزَأَهُ بالاتفاقِ. وكذلِكَ ما يَعْجِزُ عنهُ مِنْ واجباتِ الطوافِ؛ مثلُ مَنْ كانَ (١) به نجاسةٌ لا يمكِنُه (٢) إزالتُها؛ كالمستحاضَةِ (٣) ومَنْ به سَلَسُ البولِ، فإنَّهُ يطوفُ ولا شيءَ عليهِ باتِّفاقِ الأئمةِ. وكذلِكَ لوْ لَمْ يمكِنْهُ الطوافُ إلا عُرْيَانًا، فطافَ بالليلِ، كمَا لو لم يُمْكِنْهُ الصلاةُ إلا عُرْيَانًا (٤). وكذلِكَ المرأةُ الحائِضُ إذا لم يُمْكِنْهَا طوافُ الفرضِ إلا حائضًا بحيث لا يمكِنُهَا التأخُّرُ بمكةَ (٥).

стр. 75

ففِي (١) أحدِ قولَيِ العلماءِ الذين يُوجِبُونَ الطهارةَ على الطائِفِ: إذَا طافَتِ الحائضُ، أو الْجُنُبُ، أو الْمُحْدِثُ، أو حامِلُ النجاسةِ مطلقًا: أجزأَهُ الطوافُ، وعليه دَمٌ؛ إمَّا شاةٌ، وإمَّا (٢) بَدَنَةٌ معَ الحيضِ والجنابةِ، وشاةٌ معَ الحَدَثِ الأصغرِ. ومَنْعُ الحائضِ مِنَ الطوافِ قَدْ (٣) يُعَلَّلُ: بأنَّهُ يُشبِهُ الصلاةَ (٤)، وقدْ يُعَلَّلُ: بأنَّها ممنوعةٌ من المسجد (٥) كما تُمْنَعُ منه

стр. 76

بالاعتكافِ (١)، كمَا (٢) قالَ لإبراهيمَ ﷺ : ﴿وطَهِّر بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٣) [الحج: ٢٦]، فأَمَرَ (٤) بتطهيره لهذِهِ العباداتِ، فمُنِعَتِ الحائضُ مِنْ دخولِهِ. وقَد أجمع (٥) العلماءُ على أنَّهُ لا يجبُ للطوافِ ما يجبُ للصلاةِ مِنْ تحريمٍ وتحليلٍ وقراءةٍ وغيرِ ذلكَ، ولا يُبْطِلُهُ ما يبطِلُهَا مِنَ الأكلِ والشُّربِ والكلامِ وغيرِ ذلِكَ، ولهذا كانَ مُقْتَضَى (٦) تعليلِ مَن مَنَعَ الحائِضَ لِحُرْمَةِ المسجدِ: أنَّهُ لا يَرَى الطهارَةَ شرطًا، بلْ مقتضَى قولِه أنَّه يَجُوزُ لها [ذلك عندَ الحاجةِ، كما يجوز لها] (٧) دخولُ المسجِدِ عندَ الحاجةِ، وقدْ أَمَرَ اللهُ تعالَى بتطهيرِهِ للطائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ، والعاكِفُ فيهِ لا يُشْتَرَطُ له الطهارةُ، ولا تَجِبُ (٨) عليه الطهارةُ مِنَ الحَدَثِ الأصغرِ باتفاقِ المسلمِينَ، ولو اضْطُرَّتِ العاكِفَةُ الحائِضُ إلى لُبْثِهَا فيه للحاجةِ؛ جازَ ذلِكَ، وأمَّا

стр. 77

الرُّكَّعُ السجودُ فَهُمُ المصلُّونَ، والطهارةُ (١) شرطٌ للصلاةِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، والحائِضُ لا تُصَلِّي لا قضاءً ولا أداءً. يبقَى الطائِفُ؛ هل يُلْحَقُ بالعاكِفِ، أو بالمصلِّي، أو يكونُ قِسْمًا ثالثًا بينهما؟ هذا (٢) مَحَلُّ اجتهاد (٣). وقولُه: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ»، لَمْ يثبُتْ عنِ النبيِّ ﷺ ، ولكنْ هو ثابِتٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٤)، وقدْ رُوِيَ مرفوعًا (٥)، ونَقَلَ (٦) بعضُ الفقهاءِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: «إِذَا طَافَ بالبيتِ وهو جُنُبٌ: عليهِ دَمٌ» (٧).

стр. 78

ولَا رَيْبَ أنَّ المرادَ بذلِكَ: أنَّهُ يُشْبِهُ الصلاةَ مِنْ بَعْضِ الوجوهِ، ليس المرادُ: أنَّهُ نوعٌ مِنَ (١) الصلاةِ التي يُشْتَرَطُ لها الطهارةُ، وهكذا قولُه (٢): «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يُشَبِّكن (٣) بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» (٤)، وقولُه: «إِنَّ الْعَبْدَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، مَا (٥) دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَمَا كَانَ يَعْمِدُ (٦) إِلَى الصَّلَاةِ» (٧)، ونحوُ ذلِكَ. فلا يجوزُ لحائضٍ أنْ تطوفَ إلا طاهرةً إذَا أَمْكَنَهَا ذلِكَ، باتفاقِ العلماءِ. ولَوْ قَدِمَتِ المرأةُ حائِضًا (٨)؛ لم (٩) تَطُفْ بالبيتِ، لكنْ تَقِفُ بعرفةَ، وتفعلُ سائرَ المناسكِ كلِّها (١٠) معَ الحيضِ إلَّا الطوافَ،

стр. 79

فإنَّها تنتظِرُ حتى تَطْهُرَ إنْ أمكنَها ذلك، ثم تطوفُ، وإنِ اضطُرَّتْ إلى الطوافِ فطافَتْ؛ أَجْزَأَهَا ذلك (١) على الصحيحِ مِنْ قَوْلَيِ العلماءِ. فإذَا قضَى الطوافَ؛ صلَّى ركعَتَينِ للطوافِ (٢)، وإنْ صلَّاهُمَا عندَ مَقَامِ إبراهيمَ فهو أَحْسَنُ (٣)، ويُسْتَحَبُّ أنْ يقرأَ فيهما بسورَتَيِ الإخلاصِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثمَّ إِذَا صلَّاهُمَا اسْتُحِبَّ له (٤) أنْ يستلِمَ الحَجَرَ. ثمَّ يخرجُ إلى الطوافِ بينَ الصَّفَا والمروةِ، ولو أَخَّرَ ذلك إلى ما (٥) بَعْدِ طوافِ الإفاضةِ؛ جازَ. فإنَّ الحَجَّ فيهِ ثلاثةُ أَطْوِفَةٍ (٦): - طوافٌ عندَ الدخولِ، وهو يسمَّى: طوافَ القُدومِ والدخولِ (٧) والورودِ.

стр. 80

- والطوافُ الثانِي: هو (١) بعدَ التعريفِ، ويقالُ له: طوافُ الإفاضةِ والزيارَةِ، وهو طوافُ الفرضِ الذي لا بُدَّ منه، كما قالَ تعالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. -[والطوافُ (٢) الثالِثُ: هو لِمَنْ أرادَ الخروجَ مِنْ مكَّةَ، وهو طوافُ الوَدَاعِ] (٣). وإذَا سعَى عَقِيبَ (٤) واحدٍ منها (٥): أَجْزَأَهُ. فإذَا خرجَ للسعيِ: خرجَ مِنْ بابِ الصَّفَا، وكانَ النبيُّ ﷺ يَرْقَى

стр. 81

على الصَّفَا والمروةِ، وهما في جانبَي (١) جَبَلَيْ (٢) مكةَ، فيُكَبِّرُ ويُهَلِّلُ ويدعو اللهَ تعالَى، واليومَ قد بُنِيَ فوقَهما دَكَّتَانِ (٣)، فمَنْ وصلَ إلى أسفلِ البِنَاءِ؛ أَجْزَأَهُ السعيُ وإنْ لم يَصْعَدْ فوقَ البناءِ. فيطوفُ بالصَّفَا (٤) [والمرْوَةِ سبعًا؛ يبتدِئُ بالصَّفَا] (٥)، ويختِمُ بالمروةِ، فينتهي طوافه عند المروة (٦)، ويُستحَبُّ أنْ يسعَى في بطنِ الوادِي؛ مِنَ العَلَمِ إلى العَلَمِ، وهُمَا مُعلَّمَانِ (٧) هُنَاكَ، وإنْ لم يَسْعَ في بطنِ الوادِي، بَلْ مَشَى على هَيْئَتِهِ جميعَ ما (٨) بينَ الصَّفَا والمرْوَةِ؛ أَجْزَأَهُ (٩) باتفاقِ العلماءِ، ولَا (١٠) شيءَ عليه. ولَا صلاةَ عَقِيبَ الطوافِ بالصَّفَا والمرْوَةِ، وإنَّما الصلاةُ عَقِيبَ الطوافِ بالبيتِ؛ بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، واتفاقِ السلفِ والأئمَّةِ.

стр. 82

فإذَا طافَ بينَ الصَّفَا والمرْوَةِ؛ حَلَّ مِنْ إحرامِهِ، كما أَمَرَ النبيُّ ﷺ أصحابَه لَمَّا طافُوا بهما أنْ يَحِلُّوا، إلَّا مَنْ كانَ معه هَدْيٌ فلَا يَحِلُّ حتى ينحرَهُ (١) (٢). والْمُفْرِدُ والقَارِنُ لَا يَحِلَّانِ إلَّا يومَ النحرِ. ويُستحَبُّ له أنْ يُقَصِّر مِنْ شعرِهِ لِيَدَعَ الحِلَاقَ (٣) للحجِّ، وكذلك أمرهم النبي ﷺ (٤) (٥). وإذَا حَلَّ (٦): حَلَّ له ما حرم عليه بالإحرامِ (٧).

стр. 83

فصلٌ فإذَا (١) كانَ يومُ التَّرْوِيَةِ: أَحْرَمَ وأهَلَّ (٢) بالحجِّ، فيفعلُ كمَا فَعَلَ عندَ الْمِيقَاتِ، إنْ (٣) شاءَ أَحْرَمَ مِنْ مكةَ، وإنْ شاءَ (٤) مِنْ خارجِ مكةَ، هذَا هُوَ الصوابُ، وأصحابُ النبيِّ ﷺ إنَّما أَحْرَمُوا كمَا أَمَرَهُمُ النبيُّ ﷺ مِنَ البَطْحَاءِ (٥). والسُّنَّةُ أنْ يُحْرِمَ مِنَ الموضعِ الذِي هو نازِلٌ فيهِ، [وكذلك أمرهم النبي ﷺ ] (٦)، وكذلِكَ المكِّيُّ يُحْرِمُ مِنْ أهلِهِ، كما قالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ مَكَّةَ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْها (٧)» (٨).

стр. 84

والسُّنَّةُ أنْ يَبِيتَ الحاجُّ بِمِنًى، فيُصَلُّونَ بها (١) الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ، ولا يَخْرُجونَ منها حتَّى تطلُعَ الشمسُ، كمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ . [وأَمَّا الإِيقادُ فهو بِدْعَةٌ مكروهةٌ باتفاقِ العلماءِ (٢)] (٣)، وإنَّما الإِيقادُ بِمُزْدَلِفَةَ خاصةً (٤) بعدَ الرجوعِ مِن عرفةَ، وأمَّا الإِيقادُ بعرفةَ

стр. 85

أو مِنًى (١) فبدعةٌ أيضاً (٢). ويَسيرونَ (٣) منها إلى نَمِرَةَ (٤) على طَرِيقِ ضَبٍّ (٥) مِنْ يمينِ الطريقِ، وَنَمِرَةُ كانتْ قريةً (٦) خارجةً عَنْ (٧) عرفاتٍ مِنْ جهةِ اليمنِ (٨)، فيُقِيمُونَ بها إلى الزَّوَالِ، كما فعلَ النبيُّ ﷺ ، ثم يَسيرونَ منها إلى بَطْنِ الوادِي (٩)، وَهُوَ مَوْضِعُ النبيِّ ﷺ الذي صلَّى فيه الظهرَ

стр. 86

والعصرَ وخَطَبَ، وهُوَ في حُدودِ عرفةَ بِبَطْنِ عُرَنَةَ (١)، وهُنَاكَ مسجدٌ يقالُ له: مسجدُ إبراهيمَ (٢)، وإنَّما بُنِيَ في أولِ دولةِ بني العباسِ. فيُصَلِّي هناك (٣) الظهرَ والعصرَ قَصْرًا وجمعاً (٤)، كما فَعَلَ رسول الله ﷺ ، ويصلِّي خَلْفَهُ جميعُ الحاجِّ؛ أهلُ مكةَ وغيرُهم (٥)، قَصْرًا وجَمْعًا، يَخْطُبُ (٦) بهم الإمامُ كمَا خطبَ النبيُّ ﷺ على بَعِيرِهِ. ثمَّ إذا قَضَى الْخُطبةَ: أَذَّنَ المؤذِّنُ وأقامَ، ثم يُصَلِّي، كما جاءتْ بذلِكَ السُّنَّةُ، ويُصَلِّي بعرفةَ ومُزْدَلِفَةَ ومِنًى قَصْرًا، ويقصر (٧) أهلُ مكةَ وغيرُ أهلِ مكةَ، وكذلك يَجْمَعُونَ الصلاةَ بعَرفةَ ومُزْدَلِفَةَ ومِنًى (٨)، كما كان أهلُ مكَّةَ خَلْفَ النَّبيِّ ﷺ بعرَفةَ ومُزدَلِفة ومِنًى،

стр. 87

وكذلك (١) كانوا يَفْعَلُونَ خَلْفَ أبِي بكرٍ وعُمَرَ ﵄، ولم يأمُرِ النبيُّ ﷺ ولا خُلَفَاؤُهُ (٢) أَحَدًا مِنْ أهلِ مكةَ أنْ يُتِمُّوا الصلاةَ، ولا قالُوا (٣) لهم بعرفَةَ ومزدلفةَ ومِنًى: «أَتِمُّوا صلاتَكُمْ؛ فإنَّا قومٌ (٤) سَفْرٌ»، ومَنْ حكَى ذلِكَ عنهم فقدْ أَخْطَأَ، ولكنَّ المنقولَ عَنِ النبيِّ ﷺ (٥) أنَّهُ قالَ ذلِكَ في غزوة الفتح (٦) لَمَّا صلَّى بهم في مكةَ (٧) (٨). وأمَّا في حَجِّهِ فإنَّهُ لم (٩) ينزلْ بمكةَ، ولكنْ كانَ نازِلًا خارِجَ

стр. 88

مكةَ، وهناكَ كانَ يصلِّي بأصحابِهِ، ثم لَمَّا خرجَ إلى مِنًى وعرفةَ؛ خرجَ معهُ أهلُ مكةَ وغيرُهم، ولَمَّا رجعَ مِنْ عرفةَ رجعُوا معه، ولَمَّا (١) صلَّى بهم (٢) بِمِنًى (٣) أيامَ مِنًى؛ صلَّوْا معه، ولم يَقُلْ لهم: «أَتِمُّوا صلاتَكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ»، ولم يَحُدَّ النبيُّ ﷺ السفرَ لا بمسافةٍ ولا بزمانٍ، ولم يكنْ بِمِنًى أحدٌ ساكنًا في زَمَنِهِ، ولهذا قالَ: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ (٤)» (٥). ولكنْ قِيلَ: إِنَّهَا سُكِنَتْ في خلافةِ عثمانَ، وأنَّه (٦) بسببِ ذلك أَتَمَّ عثمانُ الصلاةَ؛ لأنَّه كانَ يرى [أنَّه (٧) نَزَلَ بِمكانٍ لا يَحتاجُ فيهِ إلى حَمْلِ (٨) الزَّادِ والمزادِ (٩)، وكان يرى] (١٠) أنَّ المسافِرَ مَنْ

стр. 89

يَحْمِلُ الزادَ والْمَزَادَ (١). ثمَّ بعدَ ذلِكَ يذهبُ إلى عرفاتٍ، فهذِه السُّنَّةُ، لكنْ في هذِه الأوقاتِ لا يكادُ يذهبُ أحدٌ إلى نَمِرَةَ، ولَا إلى مُصَلَّى النبيِّ ﷺ ، بل يدخُلونَ إلى (٢) عرفاتٍ على طريقِ (٣) الْمَأْزِمَيْنِ (٤)، ويدخُلُونَها قبلَ الزَّوَالِ، ومنهم مَنْ يدخُلُهَا ليلًا ويَبِيتُونَ بها قبلَ التعريفِ، وهذا (٥) الذي يفعلُه الناسُ كلُّه يُجْزِئ معه الحجُّ، لكنْ فيه نقصٌ عَنِ السُّنَّةِ، فيفعلُ ما يُمْكِنُ مِنَ السُّنَّةِ؛ مثلُ الجمعِ بينَ الصلاتَيْنِ، فيؤذِّنُ أذانًا واحدًا، ويُقِيمُ لكلِّ صلاةٍ. والإيقادُ بعرفةَ بدعةٌ مكروهةٌ، وكذلِكَ الإيقادُ بِمِنًى بدعةٌ باتِّفاقِ العلماءِ، وإنَّما (٦) الإيقادُ بِمُزْدَلِفَةَ خاصَّةً في الرجوعِ.

стр. 90

ويَقِفُونَ بعرفاتٍ إلى غُرُوبِ (١) الشمسِ، لا (٢) يَخرُجونَ منها حتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، وإذا غَرَبَتْ (٣) خرجوا (٤) إنْ شاؤوا بينَ العَلَمَيْنِ، وإنْ شاؤوا مِنْ جَانِبَيْهِما (٥)، والعلمانِ (٦) الأوَّلَانِ حَدُّ (٧) عرفةَ، فلا يُجَاوِزُوهُمَا (٨) حتى تغرُبَ الشمسُ، والْمِيلَانِ بعدَ ذلكَ حَدُّ مزدلفةَ، وما بينهما بطنُ (٩) عُرَنَةَ. ويَجتهِدُ في الذِّكْرِ والدعاءِ هذهِ العَشِيَّةَ؛ فإنَّهُ مَا رُئِيَ إبليسُ في يومٍ هو (١٠) فيه أصغرُ (١١) ولا أحقرُ ولا أَغْيَظُ ولا أَدْحَضُ مِنْ عَشِيَّةِ عرفةَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ تنزيلِ (١٢) الرحمةِ، وتجاوُزِ اللهِ سبحانَهُ عَنِ

стр. 91

الذُّنُوبِ العِظَامِ، إلَّا مَا رُئِيَ يومَ بَدْرٍ؛ فإِنَّهُ رأَى جبريلَ يَزَعُ (١) الملائكةَ (٢). ويَصِحُّ وُقوفُ الحائضِ وغيرِ الحائضِ. ويجوزُ الوقوفُ رَاكِبًا وماشياً (٣)، وأمَّا الأفضلُ فيختلِفُ باختلافِ النَّاسِ (٤)؛ فإنْ كانَ مِمَّنْ إذَا رَكِبَ رآهُ الناسُ لحاجَتِهِمْ (٥) إليه، أو كانَ يَشُقُّ عليهِ تَرْكُ الرُّكُوبِ؛ وَقَفَ راكبًا؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وقفَ رَاكِبًا (٦). وهكذا الحجُّ، فإنَّ مِنَ الناسِ مَنْ يكونُ حَجُّهُ راكبًا أفضلَ،

стр. 92

ومنهم مَنْ يكونُ حَجُّهُ ماشيًا أفضلَ (١). ولم يُعَيِّنِ النبيُّ ﷺ لعرفةَ دعاءً ولا ذِكْرًا، بل يدعو الرَّجُلُ بما شاءَ مِنَ الأدعيةِ الشرعيةِ، وكذلِكَ يُكَبِّرُ، ويُهَلِّلُ، ويَذْكُرُ اللهَ تعالَى حتى تَغْرُبَ الشمسُ. والاغتسالُ لعرفةَ (٢) قد رُوِيَ في (٣) حديثٍ عَنِ (٤) النبيِّ ﷺ (٥)، ورُوِيَ عنِ ابنِ عُمَرَ وغيرِه (٦)، ولم يُنْقَلْ عنِ النبيِّ ﷺ ولا عَنْ أصحابِه في الحجِّ إلَّا ثلاثةُ أغسالٍ: - غُسْلُ الإحرامِ. - والغُسْلُ عندَ دخولِ مكَّةَ. - والغُسْلُ يومَ عرفةَ.

стр. 93

ومَا سِوَى ذلك؛ كالغُسْلِ لِرَمْيِ الجِمَارِ (١)، وللطوافِ، وللْمَبِيتِ (٢) بمزدلفةَ، فلا أَصْلَ له (٣)، لا (٤) عَنِ النبيِّ ﷺ ، ولَا عنْ أصحابِهِ، ولا اسْتَحَبَّهُ جمهور الأئمة، لا (٥) مالكٌ، ولا أبو حنيفةَ، ولا أحمدُ (٦)، وإنْ كانَ قد (٧) ذَكَرَهُ طائفةٌ مِنْ متأخِّري أصحابه (٨)، بل هو بدعة (٩)، إلَّا أنْ يكونَ هناك سببٌ يَقتضِي الاستحبابَ، مثلُ أنْ يكونَ عليه رائحةٌ يُؤذِي بها الناسَ (١٠)؛ فيغتسلُ لإِزالَتِهَا. وعرفةُ كلُّها مَوْقِفٌ، ولا يَقِفُ ببطنِ عُرَنَةَ. وأمَّا صعودُ الجبلِ الذي هناكَ؛ فليسَ مِنَ السُّنَّةِ، ويسمَّى: «جبلَ الرحمةِ» (١١)، ويُقالُ له: «إِلَالٌ»، على وَزْنِ: «هِلَالٍ».

стр. 94

وكذلك (١) القُبَّةُ التي فوقَهُ التي (٢) يقالُ لها: «قُبَّةُ آدَمَ»، لا يُسْتَحَبُّ دخولُها ولا الصلاةُ فيها، [والطَّوَافُ بها مِنَ (٣) الكبائِرِ. وكذلِكَ المساجِدُ التي عِندَ الجَمَرَاتِ (٤) لا يُسْتَحَبُّ دخولُ شيءٍ منها، ولا الصلاةُ فِيهَا] (٥).

стр. 95

وأمَّا الطَّوافُ بها، أو بالصَّخرةِ، أو بحجرةِ النَّبيِّ ﷺ ، أو ما (١) كانَ غَيْرَ البَيْتِ العتيقِ؛ فهو مِنْ أعظمِ البِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ (٢).

стр. 96

فصلٌ (١) فإذَا أَفاضَ مِنْ عرفاتٍ: ذهبَ إلى الْمَشْعَرِ الحَرَامِ على طريقِ الْمَأْزِمَيْنِ، وهُوَ طريقُ الناسِ اليومَ، [وإنَّمَا قالَ الفقهاءُ: علَى طريقِ المأزِمَيْنِ] (٢)؛ لأنَّه (٣) إلى عرفات (٤) طريقٌ أُخْرَى تسمَّى طريقَ ضَبٍّ، ومنها دخلَ النبيُّ ﷺ إلى عرفاتٍ، وخرجَ على طريقِ المأزِمَيْنِ (٥). وكانَ النبي ﷺ (٦) في المناسِكِ والأعيادِ يذهبُ مِنْ طريقٍ، ويرجِعُ مِنْ أخرَى (٧)، [فدَخَلَ مكَّة (٨) مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وخرجَ (٩) مِنَ

стр. 97

الثَنِيَّةِ السُّفْلَى (١)، ودَخَلَ المسجدَ مِنْ بابِ بَنِي شَيْبَةَ (٢)، وخَرَجَ عند (٣) الوَدَاعِ مِنْ بابِ [حَزْوَرَةَ] (٤) اليومَ (٥)، ودخلَ إلى عرفاتٍ مِنْ طريقِ ضَبٍّ، وخرجَ مِنْ طريقِ المأْزِمَيْنِ] (٦)، وأَتَى إلى (٧) جَمْرَةِ

стр. 98

العقبةِ - يومَ العيدِ - مِنَ الطريقِ الوُسطَى (١) التي يخرجُ منها إلى خارِجِ مِنًى، ثم يعطف على يسارِهِ إلى الجَمْرَةِ، ثم لَمَّا رجعَ إلى (٢) مَوْضِعِهِ بِمِنًى الذي نَحَرَ فيه هَدْيَهُ وحَلَقَ رأسَهُ رجعَ مِنَ الطريقِ المتقدِّمَةِ الَّتِي يسيرُ منها جمهورُ الناسِ اليومَ. فيؤخِّرُ المغرِبَ إلى أنْ يصلِّيَها مع العشاءِ بمزدلِفَةَ، ولَا يُزَاحِمُ الناسَ، بلْ إنْ وَجَدَ خَلْوَةً أسرعَ. فإذا وصلَ إلى مزدلفةَ (٣): صلَّى المغربَ قبلَ تَبْرِيكِ (٤) الجِمَالِ (٥) إنْ أمكنَ، ثم إذا بَرَّكُوهَا صلَّوُا العشاءَ، وإنْ أخَّرَ العشاءَ لم يَضُرَّه ذلك. ويَبِيتُ بمزدلِفَةَ، ومزدلِفَةُ كلُّهَا (٦) يُقَالُ لها (٧): الْمَشْعَرُ الحَرَامُ، وهِيَ ما بَيْنَ مَأْزِمَيْ عرفةَ إلى بطنِ مُحَسِّرٍ؛ فإنَّ بَيْنَ كلِّ مَشْعَرَيْنِ حَدًّا

стр. 99

ليسَ مِنْهُمَا (١)، فإنَّ (٢) بينَ عرفةَ ومزدلِفَةَ: بطنَ عُرَنَةَ، وبَيْنَ مزدلِفَةَ ومِنًى: بطنَ مُحَسِّرٍ، قالَ النبيُّ ﷺ : «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا طَرِيقٌ» (٣). والسُّنَّةُ أنْ يَبِيتَ بمزدلِفَةَ إلى أنْ يطلُعَ الفجرُ، فيُصلِّي بها الفجرَ (٤) في أوَّلِ وقتها (٥)، ثُمَّ يَقِفُ بالْمَشْعَرِ الحرام (٦) إلى أنْ يُسْفِرَ جِدًّا قبلَ طلوعِ الشمسِ. فإنْ (٧) كانَ مِنَ الضَّعَفَةِ (٨)؛ كالنِّساءِ والصِّبيانِ ونحوِهم: فإنَّهُ

стр. 100

يتعجَّلُ مِنْ مزدلِفَةَ إلى مِنًى إذَا غَابَ القمرُ، ولَا ينبغِي لأَهْلِ القُوَّةِ أنْ يخرُجُوا مِنْ مزدلِفَةَ حتَّى يطلُعَ الفجرُ. فيُصَلُّوا بها الفجرَ، ويَقِفُوا بها (١). ومزدلفةُ كلُّها موقفٌ، لكنَّ الوقوفَ عند قُزَحَ (٢) أفضلُ، وهو جبلُ [الميقدة] (٣)، وهُوَ المكانُ الذي يَقِفُ فيه الناسُ اليومَ (٤)، وقدْ (٥) بُنِيَ عليه (٦) بِنَاءٌ، وهو المكانُ الذِي يَخُصُّهُ كثيرٌ مِنَ الفقهاءِ باسمِ: الْمَشْعَرِ الحَرَامِ. فإذَا كانَ قبلَ طلوعِ الشمسِ: أفاضَ مِن مزدلفةَ إلى مِنًى، فإذَا

стр. 101

أتى مُحَسِّرًا أَسْرَعَ قَدْرَ رَمْيَةٍ بحجرٍ. فإذَا أتى مِنًى: رَمَى جمرةَ العقبةِ بسبعِ حَصَيَاتٍ، ويرفعُ يَدَه (١) في الرَّمْيِ (٢)، وهي الجمرةُ الَّتِي هي آخِرُ الجَمَرَاتِ مِنْ ناحيةِ مِنًى، وأَقْرَبُهُنَّ مِنْ مكةَ، وهي الجَمْرَةُ الكُبْرَى، ولا يَرْمِي يومَ النحرِ غيرَها، يَرْمِيهَا مستقبِلًا لها، يجعلُ البيتَ عنْ يسارِهِ، ومِنًى عنْ يَمِينِهِ، هذا (٣) هو الَّذِي صحَّ عنِ النبيِّ ﷺ فيها (٤). ويُسْتَحَبُّ أنْ يُكَبِّرَ معَ كُلِّ حَصَاةٍ، وإنْ شاءَ قالَ مع ذلك: «اللَّهُمَّ اجعلْهُ حَجًّا مَبْرورًا، وسَعْيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا» (٥) ويَرْفَعُ

стр. 102

يَدَيْهِ في الرَّمْيِ (١). ولا يزالُ يُلَبِّي في ذَهَابِهِ مِنْ مَشْعَرٍ إلى مَشْعَرٍ؛ مثلُ: ذهابِهِ إلى عرفاتٍ، وذهابِهِ مِنْ عرفاتٍ إلى مزدلِفَةَ حتى يَرْمِيَ جمرةَ العقبةِ، فإذَا شَرَعَ في الرَّمْيِ قَطَعَ التلبيةَ؛ فإنَّهُ حينئذٍ يَشْرَعُ في التحلُّلِ (٢). والعلماءُ في التَّلْبِيَةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: منهم مَنْ يقولُ: يقطعُهَا إذا وَصَلَ إلى عرفات (٣). ومنهم مَنْ يقولُ: بل (٤) يُلَبِّي بعرفةَ وغيرِها (٥) إلى أنْ يَرْمِيَ الجمرةَ (٦). والقولُ الثالثُ: أنَّهُ إذا أفاضَ مِنْ عرفةَ إلى مزدلِفَةَ لَبَّى، وإذَا أفاضَ مِنْ مزدلفةَ إلى مِنًى لَبَّى، حتى يَرْمِيَ جمرةَ العقبةِ (٧)، وهكذا

стр. 103

صَحَّ عَنِ النبيِّ ﷺ (١) (٢)، [وأمَّا التلبيةُ في وُقوفِهِ بعرفةَ ومزدلِفَةَ فلم يُنْقَلْ عنِ النبيِّ ﷺ (٣)] (٤)، وقدْ نُقِلَ عنِ الخلفاءِ الراشدِينَ وغيرِهِمْ أنَّهُمْ كانُوا لا (٥) يُلَبُّونَ بعرفةَ (٦).

стр. 104

فإذَا رمَى جمرةَ العقبةِ: نَحَرَ هَدْيَهُ (١) إنْ كانَ معه هديٌ (٢). ويُسْتَحَبُّ أنْ تُنْحَرَ (٣) الإبلُ مستقبِلَةً القِبْلَةَ، قائمةً معقولَةَ اليدِ (٤) اليُسْرَى، والبقرُ والغنمُ يُضْجِعُهَا على شِقِّهَا الأيسرِ مستقبِلًا بها القِبْلَةَ، ويقولُ: «بِاسْمِ اللهِ واللهُ أكبرُ، اللَّهُمَّ (٥) مِنْكَ ولَكَ» (٦)،

стр. 105

«اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ (١) مِنِّي كمَا تقبَّلْتَ مِنْ إبراهيمَ خَلِيلِكَ». وكُلُّ ما ذُبِحَ بِمِنًى، وقدْ سِيقَ مِن الحِلِّ إلى الحَرَمِ: فإنَّهُ هَدْيٌ، سواءٌ كانَ مِنَ الإبلِ أوِ البقرِ أوِ الغنمِ، ويُسمَّى أيضًا أُضْحِيَّةً، بخلافِ مَا يُذْبَحُ يومَ النَّحْرِ بالحِلِّ؛ فإنَّهُ أُضْحِيَّةٌ وليسَ بِهَدْيٍ، [وليسَ بِمِنًى ما هو أُضْحِيَّةٌ وليس بِهَدْيٍ] (٢) كما في سائرِ الأمصارِ. فإذَا اشترَى الهَدْيَ مِن عرفاتٍ، وساقَه إلى مِنًى: فهو هَدْيٌ باتِّفاقِ العلماءِ. وكذلِكَ إذا (٣) اشْتَرَاهُ مِنَ الحَرَمِ، فذهبَ به إلى التَّنْعِيمِ (٤).

стр. 106

وأمَّا إذا اشترى الهَديَ (١) مِنْ مِنًى، وذَبَحَهُ فيها (٢) ففيهِ نِزَاعٌ: - فمذهبُ مالكٍ: أنَّهُ ليسَ بِهَدْيٍ (٣)، وهو منقولٌ عن ابن عمر (٤). - ومذهبُ الثلاثةِ: أنَّه هَدْيٌ (٥)، وهو منقولٌ عَنْ عائشةَ (٦). ولَهُ أنْ يَأْخُذَ الحَصَى مِنْ حيثُ شاءَ (٧)، لكنْ لَا يَرْمِي بِحَصًى قدْ رُمِيَ بهِ.

стр. 107

ويُسْتَحَبُّ أنْ يكونَ فوقَ الِحمّصِ (١) ودُونَ البُنْدُقِ (٢). وإنْ كَسَرَه (٣): جازَ (٤)، والتِقَاطُ الحَصَى أفضلُ مِن تكسيرِهِ (٥) مِنَ الجبلِ. ثم يَحْلِقُ رأسَهُ أو يُقَصِّرُهُ (٦)، والحَلْقُ أفضلُ مِنَ التقصيرِ. وإذَا قَصَّرَهُ: جَمَعَ الشَّعرَ وقصَّر (٧) منه بقدرِ الأَنْمُلَةِ (٨) أو أقلَّ أو

стр. 108

أكثرَّ (١)، والمرأةُ لا تَقُصُّ (٢) أكثرَ مِن ذلِكَ، وأمَّا الرجلُ فلَهُ أنْ يُقَصِّر ما شاءَ (٣). وإذَا فعلَ ذلِكَ: فقدْ تَحَلَّلَ باتفاقِ المسلمِينَ التَّحَلُّلَ الأوَّلَ، فيلبَسُ الثيابَ، ويُقَلِّمُ الأظفارَ (٤)، وكذلِكَ له - على الصحيحِ - أنْ يتطيَّبَ، وأن يتزوَّجَ (٥)، وأنْ يصطادَ، ولا يبقَى عليه مِنَ المحظورَاتِ إلا النساءُ. وبعدَ (٦) ذلِكَ يدخُلُ مكةَ؛ فيطوفُ طوافَ الإفاضةِ إنْ أَمْكَنَهُ ذلِكَ يومَ النحرِ، وإلَّا فَعَلَهُ بعدَ ذلِكَ، لكِنْ ينبغِي أنْ يكونَ في أيامِ التشريقِ؛ فإنَّ تأخِيرَهُ (٧) عنْ ذلِكَ فيهِ (٨) نِزَاعٌ (٩).

стр. 109

ثمَّ يسعَى بعدَ ذلِكَ سَعْيَ (١) الحَجِّ، وليس على الْمُفْرِدِ إلَّا سَعْيٌ واحِدٌ. [وكذلِكَ القارِنُ عندَ جمهورِ العلماءِ. وكذلِكَ المتمتِّعُ في أَصَحِّ قولِهِمْ (٢)، وهُوَ أصحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ (٣)؛ ليسَ (٤) عليهِ (٥) إلَّا سَعْيٌ واحِدٌ] (٦)؛ فإنَّ الصحابةَ الَّذِينَ (٧)

стр. 110

تمتَّعُوا معَ النبيِّ ﷺ لم يطوفوا (١) بينَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ إلَّا مرةً (٢) واحدةً قبلَ التعريفِ (٣)، فإذَا اكْتَفَى المتمتِّعُ بالسَّعْيِ الأوَّلِ؛ أَجْزَأَهُ ذلِكَ، كمَا يُجْزِئُ القارِنَ والمفرد (٤). وكذلِكَ قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: قلت (٥) لأبِي: المتمتِّعُ كمْ يسعَى بينَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ؟ قالَ: «إنْ طافَ طوَافَيْنِ -يعنِي بالبيتِ وبينَ (٦) الصَّفَا والمروةِ- فهُوَ أَجْوَدُ، وإنْ (٧) طافَ طوافًا واحدًا فلا بأسَ، وإنْ طافَ طَوَافَيْنِ فهو أَعْجَبُ إِلَيَّ» (٨).
следующие страницы →