أهلها إلا سلطنا عليهم البؤس وشظف المعيشة وضيقها، وسوء الأحوال في معيشتهم ودنياهم. قال ابن كثير: (يعني ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ ما يصيبهم من فقرٍ وحاجة ونحو ذلك).
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾
أي: يتضرعون. قال ابن جرير: (ولكن أدغمت التاء في الضاد لتقارب مخرجهما). والمعنى: أي امتحنهم الله تعالى بالشدة ليتضرعوا ويبتهلوا إليه سبحانه ويدعوه لكشف ما نزل بهم، إلا أنهم تكبروا فاختبرهم عندئذ بالرخاء.
وهو قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾.
قال قتادة: (مكان الشدة رخاء). وقال مجاهد: ﴿السَّيِّئَةِ﴾، الشر، و ﴿الْحَسَنَةَ﴾، الرخاء والمالُ والولد). أو قال: ﴿السَّيِّئَةِ﴾، الشر، و ﴿الْحَسَنَةَ﴾، الخير).
وقوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾.
قال ابن عباس: (يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم). وقال: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾، قال: جَمُّوا). وقال مجاهد: (كثرت أموالهم وأولادهم). وقال السدي: (حتى كثروا). وقال إبراهيم: (حتى جَمُّوا وكثروا). وقال ابن زيد: (كثروا كما يكثر النبات والرّيش، ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يشعرون).
قال القرطبي: (أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا).
وقوله: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾.
أي: فنحن مثلهم في تقلب الأيام والأحوال، وهكذا الدهر تاراتٌ وتاراتٌ، فيوم لنا ويوم علينا، ويوم نُساء ويوم نُسَرّ، وما استشعروا بغفلتهم ابتلاء الله لهم واختباره في الحالتين.
قال ابن جرير: (وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضله بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بتوضيح آلية الابتلاء، في الشدة والرَخاء، وكيف ينجو العبد وينجح في الاختبارين، ومن ذلك أحاديث:
стр. 1577
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [مَثَلُ المؤمن مَثَلُ الزرع، لا تزال الريح تُمِيلُهُ، ولا يزال المؤمن يصيبُهُ البلاء، ومَثَلُ المنافق كمثلِ شجرة الأرْزِ، لا تَهْتَزُّ حتى تُسْتَحْصَد] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد، من حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال: [قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال: فقال: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح على شرط مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: [أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٤).
الحديث الخامس: أخرج الدارمي وأحمد بسند صحيح عن صهيب قال: [بينا رسول الله ﷺ قاعدٌ مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٥).
стр. 1578
الحديث السادس: أخرج أبو يعلى في "المسند"، والحاكم في "المستدرك" بسند حسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الرَّجل ليكونُ له عند الله المَنْزِلَةُ، فما يَبْلُغُها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبَلِّغَهُ إيّاها] (١).
الحديث السابع: أخرج الترمذي بسند حسن في الشواهد عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [لَيَوَدَّن أهلُ العافية يومَ القيامة أنَّ جلودَهُم قُرِضَتْ بالمقاريض، مما يَرَوْنَ من ثواب أهلِ البلاء] (٢).
وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، وهم لا يدرون ولا يعلمون أنه يجيئهم، بل هُمْ بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه).
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبيد بن خالد السلمي - رجل من أصحاب النبي ﷺ قال مرة: عن النبي ﷺ : [مَوْتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةُ أسفٍ] (٣).
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال القرطبي: (يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أي: الشرك. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: المطر والنبات). قلت: (ويدخل في البركات كل وجوه الخير المختلفة).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا
стр. 1579
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود].
وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
أي: أخذناهم بالعذاب بتكذيبهم الرسل، وكفرهم وسوء كسبهم وما كانوا يعملون.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.
أي: هل أمن أهل القرى التي أرسل فيها الرسل أن ينزل بهم نكال الله وعذابه ليلًا وقت بياتهم وهم نائمون غافلون في كمال غفلتهم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
أي: وهل أمن أهل هذه القرى أن يباغتهم عذاب الله نهارًا وهم يخوضون في الباطل ويلهون ويلعبون.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
أي: هل يأمن هؤلاء المسرفون في غيهم وضلالهم عذاب الله وجزاءه مقابل مكرهم، أو استدراجه لهم بالنعمة والصحة وسعة الرزق، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الهالكون.
قال الحسن البصري: (المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق، وَجِلٌ خائف. والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن).
أخرج الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأَمْنُ من مكر الله] (١).
وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله] (٢).
стр. 1580
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال مجاهد: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾: قال: يُبَيِّن). وقال ابن عباس: (أو لم يبيّن).
وقال السدي: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، يقول: أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها، هم المشركون).
وقال ابن زيد: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، أولم نُبَيِّن لهم، ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، قال: و"الهدى"، البيان الذي بُعث هاديًا لهم، مُبَيّنًا لهم حتى يعرفوا. لولا البيان لم يعرفُوا).
وقوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
أي: ونختم على قلوبهم فلا يسمعون عندئذ موعظة ولا ينتفعون تذكيرًا.
وقوله: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
أي: هذه القرى التي أهلكناها - كما قصصنا عليك من أخبارها - كقرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب وغيرهم، قد جاءهم البلاغ المبين من رسلهم وحجة الله البالغة. وهذا فيه تسلية لنبينا محمد ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه.
وقوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾.
فيه أقوال متكاملة:
١ - قال مجاهد: (أي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم). وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. . .﴾ [الأنعام: ٢٨].
٢ - قال ابن عباس والربيع: (كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل).
٣ - قيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة.
واختار ابن جرير القول الثاني وقال: (سبق في علم الله ﵎ لمن هلك من الأمم التي قصّ نبأهم في هذه السورة، أنه لا يؤمن أبدًا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم لم
стр. 1581
يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه، قبل مجيء الرسل عند مجيئهم إليهم).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي: مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد ﷺ ).
وقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾
مِنْ زائدة، تدل على معنى الجنس. ومن أقوال المفسرين:
١ - قال ابن عباس: (يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذَّرِّ).
وقال أبي بن كعب: (في الميثاق الذي أخذه في ظهر آدم ﵇.
وقال مجاهد: (﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾، الآية، قال: القرون الماضية. و"عهده"، الذي أخذه من بني آدم في ظهر آدم ولم يفوا به).
٢ - وقال الحسن: (العهد الذي عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).
وقال ابن عباس: (وذلك أن الله إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به).
٣ - وقيل: أراد أن الكفار منقسمون، فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له أمانة مع كفره وإن قلوا، روي عن أبي عبيدة - ذكره القرطبي.
قلت: وكل ما ذكر يدخل في مفهوم تأويل هذه الآية، فإن خيانة العهد متأصلة في أهل الكفر وقد علم الله ذلك فيهم قبل أن يخلقهم، ثم مضى ذلك في سلوكهم أثناء حياتهم، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. قال مجاهد: (القرون الماضية).
١٠٣ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ
стр. 1582
رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن تتابع الرسل في الأرض بالمهمة نفسها، فبعث موسى ﵊ بالحجج والأدلة إلى فرعون وقومه فكذبوا بها. فانظر يا محمد بعين قلبك كيف أغرق الله فرعون وقومه المفسدين. وكان موسى ﵊ قد حذره من قبل، وأنذره بأنه رسول رب العالمين. فحق عليه أن لا يتكلم إلا بالحق وقد جاءهم ببرهان من ربه ليرسل معه بني إسرائيل. فقال له فرعون: إن كنت صادقًا بأنك تحمل بينة فأت بها، فألقى موسى عصاه حينئذ فتحولت إلى حية عظيمة، وأخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء أشد من اللبن، من غير برص، فنسب إليه - عند ذلك - فرعون وملأه السحر وإتقان الخفة، وحذّر قومه من قصده وما يبغي بذلك، وأنه يريد إخراجهم من البلاد واستذلالهم بذلك. فقالوا أخّره وابعث في مدائن ملكك إلى السحرة يأتوك مجموعين جاهزين ليكشفوا بمهارتهم وحيلتهم سحر موسى ويغلبوه حتى يخسر الجولة.
فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
أي: ثم بَعَثْنا مِن بعد الرسل الذين سبق ذكرهم موسى عليه وعليهم الصلاة والسلام، بحججنا ودلائلنا الواضحة إلى فرعون - ملك مصر آنذاك - وإلى قومه، فجحدوا تلك الآيات وأنكروها كبرًا وظلمًا وبغيًا وعلوًا في الأرض. كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]. أي: انظر - يا محمد - بعين قلبك، كيف أغرق الله فرعون ومن طغى معه في البحر.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
هكذا ناظر موسى ﵇ فرعون الطاغية - فقال له: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ
стр. 1583
الْعَالَمِينَ﴾. أي: أرسلني الله تعالى الذي هو خالق كل شيء، وقد دانت المخلوقات جميعًا لجبروته.
وقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
قرأ نافع وجماعة من أهل المدينة: ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ﴾ أي: واجب علي. والمعنى: حق عليَّ أن لا أقول على الله إلا الحق.
وقرأ بعض قراء المدينة والبصرة ومكة والكوفة: ﴿حَقِيقٌ على﴾. والمعنى: حريص على ألا أقول. وهما قراءتان مشهورتان.
قال ابن جرير: (﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، يقول: قال موسى لفرعون وملئه: قد جئتكم ببرهان من ربكم، يشهدُ، أيها القوم، على صحة ما أقول، وصدق ما أذكر لكم من إرسال الله إياي إليكم رسولًا، فأرسل يا فرعون معي بني إسرائيل).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
أي: أجاب فرعون: إن كنت يا موسى قد جئت بحجة وبينة تشهد على صدق ما تقول فائْتِ بها إن كنت صادقًا في دعواك.
وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.
قال قتادة: (تحولت حية عظيمة). قال القرطبي: (والثعبان: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. ﴿مُبِينٌ﴾ أي: حية لا لبس فيها).
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
قال ابن عباس: (أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء. قال: من غير برص).
وقال مجاهد: (نزع يده من جيبه بيضاء من غير برص). وقال: (وكان موسى رجلًا آدم، فأخرج يده فإذا هي بيضاء، أشد بياضًا من اللبن، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، قال: من غير برص، آيةً لفرعون).
стр. 1584
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ وهم الجمهور والسادة ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ موافقين لقول فرعون فيه، بعد ما رجع إليه روعه، واستقر على سرير مملكته بعد ذلك، قال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، فوافقوه وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره، وماذا يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتُهم في إطفاء نُوره وإخماد كلمته، وظهور كذِبه وافترائه، وتَخوَّفوا أن يستميل الناسَ بسحره فيما يعتقدون، فيكون ذلك سببًا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦]. فلما تشاوروا في شأنه، وائتمروا فيه، اتفق رأيُهم على ما حكاه الله - تعالى - عنهم):
في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
أرجه: يعني أرجئه، أي: أخِّره.
قال ابن عباس: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ قال: أخّره. ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾، قال: الشُّرَط).
وقال قتادة: (﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: احبسه وأخاه).
والمقصود: قال الملأ من قوم فرعون مقترحين مشيرين على ملكهم فرعون: ابعث في الأقاليم ومدائن ملكك الشُّرَط، ليحشروا إليك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم لديك، ليكونوا على جاهزية لكشف سحر موسى. كما قال تعالى في سورة طه - يحكي قول فرعون لموسى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾.
١١٣ - ١٢٦. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ
стр. 1585
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ أُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن مسارعة سحرة فرعون لمبارزة موسى بسحرهم طمعًا في جائزة فرعون وتقريبه لهم، وقد سألوه ذلك فأعطاهم العهد على ذلك، فلما التقوا سألوا موسى إن كان يحب أن يبدأ بعرض ما عنده، فأجابهم: بل أنتم ألقوا قبلي، وذلك أبلغ إذ يرى الناس صنيعهم ويتأملوه، فإذا فرغوا من استعراضهم ألقى موسى عصاه لتبتلع سحرهم وأدواتهم. وبالفعل، فقد أرهبوا الناس بحبالهم حين ألقوها وخيّلوا إلى أبصارهم أن ما يجري حقيقة، فلما ألقى موسى عصاه انقلبت بإذن الله حية فابتلعت ما يكذبون. فظهر الحق وانكشف الباطل والخداع وظهر فرعون وجنوده أذلاء مبهوتين مقهورين. وخرّ السحرة ساجدين، يشهدون أن لا إله إلا الله رب العالمين. رب موسى وهارون. ففزع فرعون من خشية السقوط أمام الناس فتوعد وهدّد، وأخذ يصطنع التدليس والمكر: أن ما كان مؤامرة قد أُعِدَّ لها بين موسى والسحرة - مع أن موسى لم يلقهم ولم يعرفهم قبل - وحاول إخافة القوم بأنه سيقطع أيديهم وأرجلهم مخالفة مع التصليب والنكال، فقابلوه بإيمان كالجبال، قال له السحرة: إنا إلى ربنا منقلبون - أي: آيبون راجعون -. وإنما تنقم منا أنا آمنا بالله العظيم، وقد أكرمنا برؤية بعض آياته يذكرنا بعظمته إنه هو الجبار الحكيم، ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين.
فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
стр. 1586
قال القرطبي: (﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وَحُذِف ذِكر الإرسال لعلم السامع. ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ (١) أي: جائزة ومالًا).
وقال ابن جرير: (قال فرعون للسحرة، إذ قالوا له: إن لنا عندك ثوابًا إن نحن غلبنا موسى؟ قال: نعم، لكم ذلك، وإنكم لممن أقرِّبه وأدْنيه مني).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا﴾.
قال ابن كثير: (هذه مبارزة من السحرة لموسى ﵇ في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾، أي: قَبْلك. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥]، فقال لهم موسى ﵇: ﴿أَلْقُوا﴾ أي: أنتم أولًا قبلي. والحكمة في هذا - والله أعلم - ليرى الناس صَنيعَهم ويتأمَّلُوه، فإذا فَرَغُوا من بَهْرَجِهِم ومحالهم، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد تَطَلُّب له وانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس. وكذا كان).
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.
قال ابن عباس: (ألقوا حبالًا غلاظًا طوالًا وخَشبًا طوالًا. قال: فأقبلت يخَيَّلُ إليه من سحرهم أنها تسعى).
وكان أن استرهبوا الناس بصنيعهم، وخيّلوا إلى أبصارهم أن ما يجري أمامهم حقيقة، فاختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
قال قتادة: (فألقى موسى عصاه، فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله).
وقال ابن عباس: (فألقى عصاه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون، لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبهم التي ألقوها إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمرٌ من السماء، وليس هذا بسحر، فخرّوا سجَّدًا وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾). وعن مجاهد: (﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، قال: يكذبون).
стр. 1587
وقوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال مجاهد: (ظهر الحق، وذهب الإفك الذي كانوا يعملون). وفي رواية عنه قال: (﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾، ظهر موسى).
وقوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.
أي: غُلب فرعون وجنوده والسحرة وصاروا أذلاء مقهورين مبهوتين بتغلب موسى ﷺ عليهم ودحضه كذبهم وألاعيبهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
قال ابن عباس: (لما رأت السحرة ما رأت، عرفت أن ذلك أمر من السماء وليس بسحر، فخروا سجدًا، وقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾).
قال الجشميّ: (دلت الآية على أن السحرة عرفوا أن أمر العصا ليس من جنس السحر، فآمنوا في الحال).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
قال القرطبي: (﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ إنكار منه عليهم. ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: جرت بينكم وبينه مُواطأة في هذا لتستولوا على مصر، أي: كان هذا منكم في مدينة مصر قبل أن تبرزوا إلى هذه الصحراء ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد لهم).
ولا شك أن هذا الذي قاله فرعون من أبطل الباطل. قال ابن كثير: (فإن موسى ﵇ بمجرد ما جاء من مَدْين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صِدْق ما جاء به، فعند ذلك أرسلَ فرعونُ في مدائن ملكه ومُعاملة سَلْطَنته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو والملأ من قومه، وأحضرهم عنده ووعدهم بالعطاء الجزيل. وقد كانوا من أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك والتقدم عند فرعون. وموسى ﵇ لا يعرف أحدًا منهم ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا تسترًا وتدليسًا على رَعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
стр. 1588
فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف: ٥٤]، فإن قومًا صدقوه في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، من أجْهل خلق الله وأضلهم).
وقوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قال ابن عباس: (أوّل من صلّب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف، فرعون).
قال ابن جرير: (وذلك أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، فيخالف بين العضوين في القَطْع، فمخالفته في ذلك بينهما هو "القطع من خلاف"). قال: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وإنما قال هذا فرعون، لما رأى من خذلان الله إياه، وغلبة موسى ﵇ وقهره له).
وقال القاسمي: (﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: تفضيحًا لكم، وتنكيلًا لأمثالكم).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
قال ابن كثير: (﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون، وعذابه أشد من عذابك، ونكاله مما تدعونا إليه اليوم ومما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرن اليوم على عذابك لنخلص من عذاب الله، ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عُمَّنا بالصبر على دينك، والثبات عليه، ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: متابعين لنبيك موسى ﵇.
قال مجاهد: (﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، قال: كانوا أول النهار سحرة، وآخره شهداء).
وقد حكى الله سبحانه في سورة طه مواجهة السحرة فرعون بعد تهديده، فقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٥].
قلت: والصبر من أنفع الأعمال للعبد، فهو حبس اللسان والقلب والنفس والجوارح عن التشكي والجزع والتسخط والتذمر. وقيل: (هو الثبات مع الله، وتلقي بلائه بالرحب والسعة).
стр. 1589
ومنه قول سحرة فرعون لما آمنوا وقد توقعوا البلاء من غضب فرعون وقومه: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
قال الجنيد: (المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن. وهجران الخلق في جنب الله شديد. والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد. وسئل عن الصبر؟ فقال: تجرّع المرارة من غير تعبّس).
وقال الإمام أحمد: (الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا). قال ابن القيم: (وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ. . .﴾ [النحل: ١٢٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. . .﴾ [الأحقاف: ٣٥].
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: [ما يصيب المسلمَ من نصَب ولا وصب ولا همٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ حتى الشوكة يشُاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهُم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نَفِدَ ما عِنْدَه، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ما يكن عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّه الله، ومن يستغن يُغْنِه الله، ومن يَتَصَبَّر يُصَبِّرْهُ الله. وما أعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر] (٢).
стр. 1590
الحديث الثالث: أخرج الحاكم والبيهقي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إن المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المُؤْنَة، وإن الصبرَ يأتي من الله على قدر المصيبة] (١). وفي لفظ: [على قدْر البلاء].
١٢٧ - ١٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن تدخل بعض قادة فرعون ووجهائه من الملأ مشيرين عليه أنْ كيف يترك موسى ومن سار معه من بني إسرائيل يفسدوا بذلك الخدم والعبيد ودين الرعية الذي استعبدهم به فرعون، فقال لهم فرعون: سنقتل الذكور من أبنائهم ونستبقي الإناث منهم وإننا قاهرون لهم بالحكم والقرار والسلطان. فقال موسى لقومه يصبرهم ويأمرهم بالاستعانة بالله العظيم، ثم بالصبر على البلوى والمحن، فإن الأرض لله يستخلف عليها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين خير في الدارين. فقالوا يا موسى: لقد أصابنا الأذى من فرعون بقتل الأبناء قبل مجيئك إلينا بالرسالة، وكذلك اليوم بعد مجيئك يشتد علينا البلاء والإيذاء، فقال لهم: عسى الله أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض من بعده فينظر كيف يكون شكركم وكيف تكون طاعتكم وعبادتكم.
فقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقالت جماعة رجال من قوم فرعون لفرعون: أتدع موسى وقومه من بني إسرائيل، ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، يقول: كي يفسدوا
стр. 1591
خدمك وعبيدك عليك في أرضك من مصر، ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، يقول: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ ويدع خِدْمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك).
وقوله: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
أي: قال فرعون: سنقتل الذكور من أبنائهم - من أولاد بني إسرائيل - ونستبقي الإناث منهم، وإنا قاهرون لهم بالملك والسلطان، عالون عليهم بالحكم والقرار.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
أَمْرٌ بالصبر والتقوى، فالعاقبة للمتقين في الدارين.
قال القرطبي: (أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الجنة لمن اتقى وعاقبة كل شيء: آخره. ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة لفلان فُهِمَ منه في العُرْف الخير).
وقوله: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا. . .﴾ الآية.
قال ابن جرير: (﴿قَالُوا أُوذِينَا﴾ بقتل أبنائنا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، يقول: من قبل أن تأتينا برسالة الله إلينا، لأن فرعون كان يقتل أولادهم الذكور حين أظلَّهُ زمان موسى).
وقال السدي: (فلما تراءى الجمعان فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد رَدِفَهم، قالوا: "إنا لمدركون"، وقالوا: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾، كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا، إنا لمدركون).
وعن ابن عباس قال: (سار موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم بِرَهَج دَوَّابِ فرعون، فقالوا: يا موسى - ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون بمن معه! قال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾). قلت: و"عسى" من الله واجب، وقد حقّق الله لهم الوعد (١).
стр. 1592
قال القرطبي: (﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء، لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم).
والمقصود: إن الله تعالى جدّد لهم الوعد وحقَّقَه، فيرى سبحانه ما يعملون بعد استخلافهم، من تسابق للطاعة أو تثاقل عنها.
١٣٠ - ١٣٧. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عن تسليطه القحط والجوع وقلة الزروع على آل فرعون لعلهم يتعظون. فإنهم كانوا إذا لمسوا العافية والرخاء قالوا نحن أحق بها، وإذا نزل بهم بلاء وعقوبة تشاءموا بموسى وأنزلوا المصائب الحاصلة به، وإنما الأمر كله لله لو كانوا يعلمون، ولكن أكثرهم يجهلون. وقد تطاولوا حتى قالوا لموسى: إنا لن نقبل منك أي آية أو حجة فما نحن لك بمؤمنين. فأرسل الله عليهم عندئذ المطر الشديد المهلك، والجراد المنتشر يسحق الزروع والثمار، وكذلك السوس ينخر في الطعام والمدخرات، والضفادع تقع في طعامهم وشرابهم فتفسدها عليهم، ثم الدم يعكر مياههم وآبارهم وأنهارهم وأوعيتهم جزاء بما كانوا يفسدون. ثم إنهم لما نزل بهم البلاء
стр. 1593
سألوا موسى أن يدعو ربه بما عهد له من النبوة لئن رفعت عنا الرجز لنصدقن بك وبدعوتك ولنقرن لك بالطاعة، وَلنخلين معك بني إسرائيل. فلما رفع الله عنهم ذلك العذاب - إلى حين موعد هلاكهم الأخير بالغرق - إذا هم ينقضون العهد والمواثيق، فما كان بعد هذه السلسلة من التكذيب والمكر إلا أن أنزل الله بهم نقمته وانتصر منهم فأغرقهم في البحر فكانوا كأمس الذاهب. ثم أورث الله المؤمنين من بني إسرائيل أرض الشام ومصر، وجميع جهات المشرق والمغرب التي بارك سبحانه فيها بإخراج الزروع والثمار وجريان الأنهار، وكونها مهد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وتمت كلمة الله الحسنى أن استحقوا وعده ونصره بعد طول جهاد وصبر، وأهلك الله فرعون وقومه، ودَمَّرَ ما عمروه وصنعوه، وما بنوه طمعًا في البقاء في منصة الحكم والكبر والعلو في الأرض.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾.
قال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: (سني الجوع). وقال مجاهد: (الجائحة). أي: ابتليناهم وامتحناهم بسني الجوع بسبب القحط والجدب وقلة الزروع. وفي الحديث: [اللهم اجعلها عليهم سنين كسِني يوسف] (١).
وقوله: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾.
قال رجاء بن حيوة: (حيث لا تحمل النخلة إلا ثمرة واحدة).
وقال قتادة: (أخذهم الله بالسنين، بالجوع، عامًا فعامًا، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فأما "السنين" فكان ذلك في باديتهم وأهل مواشيهم، وأما ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فكان ذلك في أمصارهم وقراهم).
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: ليرعووا ويتعظوا وترق قلوبهم.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾.
قال مجاهد: (﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾، العافية والرخاء، ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾، نحن أحق بها، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، بلاء وعقوبة، ﴿يَطَّيَّرُوا﴾، يتشاءموا بموسى).
стр. 1594
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن عباس: (﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يقول: الأمر من قبل الله. قال: مصائبهم عند الله. قال الله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: يقولون: إنه لن نقبل منك أي آية تأتي بها أو حجّة تقيمها علينا، فما نحن لك بمؤمنين. قال ابن جرير: (قال آل فرعون لموسى: يا موسى، مهما تأتنا به من علامة ودلالة، ﴿لِتَسْحَرَنَا﴾، يقول: لتلفتنا بها عما نحن عليه من دين فرعون، ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: فما نحن لك في ذلك بمصدقين على أنك محق فيما تدعونا إليه).
وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾.
الطوفان: هو المطر الشديد حتى الفيض وخشية الغرق. قال ابن عباس: (لما جاء موسى بالآيات، كان أول الآيات الطوفان، فأرسل الله عليهم السماء. قال الضحاك: (﴿الطُّوفَانَ﴾، الماء).
وقال أيضًا: (﴿الطُّوفَانَ﴾، الغرق). وقيل: (الطوفان: كثرة الموت). وقيل: (الطاعون). والأول أرجح، كما قال ابن عباس في الرواية المشهورة: (كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار). وهو اختيار القرطبي ﵀ حيث قال: (﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ أي: المطر الشديد حتى عامُوا فيه).
والجراد: حيوان معروف، جمع جرادة في المذكر والمؤنث، قيل: بعثه الله عليهم حتى أكل زروعهم وثمارهم، حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدِمَ ديارهم. ولم يدخل دُور بني إسرائيل منها شيء. والجراد حلال أكله كما ثبت في السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال] (١).
стр. 1595
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي يَعفُور قال: [سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد] (١).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي زهير، عن النبي ﷺ قال: [لا تقتلوا الجراد، فإنه من جند الله الأعظم] (٢).
قلت: الراجح أنه النهي عن قتله لغير الحاجة لأكله، أما إن كان الجراد بكميات كبيرة تؤذي الزرع ولا سبيل لطرده دون قتله، جاز قتله واستخدام المبيدات ضده، فإنه لا ضرر ولا ضرار.
وأما ﴿الْقُمَّلَ﴾ في معناه أقوال:
١ - قال ابن عباس: (هو السوس الذي يخرج من الحنطة).
٢ - وقال السدي: (الدَّبى، القمّل). والدّبى: صغار الجراد الذي لا أجنحة له.
٣ - وقال سعيد بن جبير: (القمّل: دواب سود صغار).
٤ - وقال ابن زيد: (زعم بعض الناس في القمل أنها البراغيث).
٥ - وقال عطاء الخراساني: (القُمَّل: القَمْل).
٦ - وقال أبو عبيدة: (القمّل: الحَمْنَان). وهو ضرب من القُراد، واحدها حَمْنانة. فأكلت دوابَّهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها الجُدري عليهم ومنعتهم النوم والقرار.
٧ - وقال حبيب بن أبي ثابت: (القمّل الجِعلان). وهو دابة سوداء من دواب الأرض.
قلت: لما عاهد القوم موسى أن يؤمنوا لو كشف عنهم الجراد، فدعا فكشف وقد بقي من زروعهم شيء فاعتبروها كافية، وجحدوا مرة أخرى، فسلط الله عليهم القُمّل، وهي أصغر من الجراد على ما مضى، حتى رأوا العنت والهلاك، فتضرعوا فلما كشف عنهم لم يؤمنوا، فسلط الله عليهم الضفادع.
стр. 1596
فقوله: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾.
جمع ضفدع، وهي المعروفة التي تكون في الماء. وقد ورد النهي عن قتلها وبالتالي أكلها، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجه وأبو داود وأحمد - واللفظ لابن ماجه - عن أبي هريرة قال: [نهى رسول الله ﷺ عن قتل الصُرَد والضفدع والنملة والهدهد] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عثمان: [أن طبيبًا سأل النبي ﷺ ، عن ضِفْدَعٍ يجعلها في دواء، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها] (٢).
الحديث الثالث: يروي النسائي بسند صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تقتلوا الضفادع] (٣).
والخلاصة في معنى هذه الآية: لقد سلّط الله عليهم الضفادع حتى كانت تقع في طعامهم وشرابهم، وإذا تكلم الرجل تقع في فيه.
يروي ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: (لما أتى موسى فرعون قال له: أرسل معي بني إسرائيل! فأبى عليه، فأرسل الله عليهم الطوفان - وهو المطر - فصبّ عليهم منه شيئًا، فخافوا أن يكون عذابًا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ. فقالوا: هذا ما كنا نتمنَّى، فأرسل الله عليهم الجراد فسلَّطه على الكلأ، فلما رأوا أثَره في الكلأ عرفوا أنه لا يُبقي الزرع. فقالوا: يا موسى، ادْعُ لنا ربك فيكشف عنا الجرادَ فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه، فكشف عنهم الجرادَ، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فداسُوا وأحرزُوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزْنا! فأرسل الله عليهم القُمَّل - وهو السُّوس الذي يخرج منه - فكان الرجل يخرج عشرة أجرِبةٍ إلى
стр. 1597
الرحى، فلا يردّ منها ثلاثة أقفزة. فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك يكشف عنا القمَّل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربَّه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينا هو جالس عند فرعون، إذ سمع نقيق ضِفْدَع فقال فرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا! فقال: وما عسى أن يكون كيدُ هذا! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذَقْنِهِ في الضفادع، ويهمُّ أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه. فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبار، أو ما كان في أوعيتهم، وجدُوه دمًا عَبِطًا (١) فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدّم، وليس لنا شراب! فقال: إنه قد سحركم! فقالوا: من أين سحرنا، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئًا من الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا؟ فأتوه فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرئيل).
وقوله: ﴿وَالدَّمَ﴾.
قال النسفي: (أي: الرعاف، وقيل مياههم انقلبت دمًا حتى إن القبطي والإسرائيلي إذا اجتمعا على إناء فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دمًا، وقيل سال عليهم النيل دمًا).
والخلاصة: لقد سلّط الله عليهم الدم عندما نقضوا العهد مرة بعد مرة، حتى اختلط الدم بمياه أنهارهم وآبارهم وأوعيتهم، وتعطل شرابهم وفسد لعلهم بذلك يتوبون إلى الله ويتذكرون.
وقوله: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾.
قال ابن إسحاق: (أي: آية بعد آية، يتبع بعضها بعضًا). وقال مجاهد: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾، قال: معلومات) أي: واضحات دالات.
وقوله: ﴿آيَاتٍ﴾.
هو في محل نصب حال من المنصوبات قبل.
стр. 1598
وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
قال القاسمي: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن الإيمان، فلم يؤمنوا لموسى، ويرسلوا معه بني إسرائيل ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: عاصين كافرين. قال الجشميّ: تدل الآية على عناد القوم، وإصرارهم على الكفر وجهلهم، حيث عاهدوا في كل آية يأتي بها على صدقه وإثبات العهد، أنهم لا يؤمنون بها. وليس هذا عادة مَنْ غَرَضُه الحق. وتدل على ذم من يرى الآيات ولا يتفكر فيها. وتدل على وجوب التدبر في الآيات).
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
قال ابن عباس: (﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾، قال: الطاعون). وقال مجاهد: (﴿الرِّجْزَ﴾: العذاب).
وقيل المراد بالرجز ما تقدم من الآيات، وقيل هو العذاب الأخير وهو الدم. وكلها واردة محتملة في المعنى.
وفي قوله: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ - ما مصدرية، أي: بعهده عندك وهو النبوة. قال النسفي: (والباء تتعلق بادع أي: ادع الله لنا متوسلًا إليه بعهده عندك). وقال الشهاب: (سميت النبوة عهدًا، لأن الله عهد إكرام الأنبياء بها، وعهدوا إليه تحمل أعبائها، أو لأن لها حقوقًا تحفظ، كما تحفظ العهود. أو لأنها بمنزلة عهد ومنشور من الله تعالى). والخلاصة: لقد عاهدوا موسى ﵇ لئن رفعت عنا الرجز لنصدق بك وبدعوتك ولنقرن لك.
قال ابن جرير: (﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، يقول: ولتُخَلِّيَنَّ معك بني إسرائيل، فلا نمنعهم أن يذهبوا حيث شاؤوا).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
أي: فلما رفع الله عنهم العذاب - بدعاء موسى ﵊ ليستوفوا أيامًا في هذه الحياة إلى أن يحين وقت هلاكهم وغرقهم - إذا هم ينقضون العهود ويرجعون إلى كفرهم ومكرهم.
قال مجاهد: (﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾، قال: عدد مسمّى لهم من أيامهم).
وقال القرطبي: (﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ يعني أجلهم الذي ضرب لهم في التغريق).
стр. 1599
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
أي: فلما حان أجلهم أنزلنا بهم النقمة وانتصرنا منهم بإحلال العذاب فيهم، فأغرقناهم في البحر بما كذبوا بآيات الله ورسوله وجحدوا حججه سبحانه البالغة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾.
قال قتادة والحسن: (الأرض التي باركنا فيها: الشأم).
والمعنى: لقد أورث الله تعالى بني إسرائيل الذين كانوا يُستذلون بالخدمة أرض الشام ومصر - بعد هلاك فرعون وقومه - وجميع جهات المشرق والمغرب فيها، ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بإخراج الزروع والثمار والأنهار، وكونها مهد الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾
مفسّر بقوله تعالى في آية القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾.
فبصبرهم على أذى فرعون ومكره هو وجنوده، وبصبرهم على أمر الله بعد أن آمنوا بموسى ﷺ ، استحقوا عند الله ذلك الوعد الأكيد، وهو وعد الله للمؤمنين الصابرين المرابطين على الحق في كل زمان ومكان.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
٤ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
أخرج الديلمي - بسند صحيح في الشواهد - عن أنس مرفوعًا: [النَّصر مع الصَّبر،
стр. 1600
والفَرَجُ مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، وإنَّ مع العسر يُسْرًا] (١).
والخلاصة: كما قال مجاهد: (ظهر قوم موسى على فرعون، "وتمكين الله له في الأرض"، ما وَرَّثهم منها).
وقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: وأهلكنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العِمارات والمزارع، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، يقول: وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور، وأخرجناهم من ذلك كله، وخَرَّبنا جميع ذلك).
وقوله: ﴿يَعْرِشُونَ﴾. بكسر الراء - قراءة قراء الحجاز والعراق. وقرأه عاصم بن أبي النجود ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بضمها. وكلاهما قراءتان مشهورتان. قال ابن عباس: (يعرشون: يبنون) وقال مجاهد: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون البيوت والمساكن ما بلغت).
ومضى الطاغية فرعون إلى غير رجعة، وورث تلك البلاد والكنوز المؤمنون من بني إسرائيل مع موسى ﵊، سنة الله في عباده، ولن تجد لسنته تبديلًا.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع - بسند صحيح - عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [لما أغرق الله فرعون، قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. قال جبريل: يا محمد، فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة] (٢).
١٣٨ - ١٤٧. قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ
стр. 1601
الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عن افتتان بعض بني إسرائيل - بعد أن جاوزوا البحر - بقوم على أصنامهم يعكفون، فسألوا موسى تقليدهم - ضعفًا منهم في دينهم وقلة رسوخ ويقين - بأن يجعل لهم صورة آلهة كما لأولئك القوم، قال إنكم قوم تجهلون أن الله تعالى واحد لا شريك له ولا مثيل ولا شبيه، وإنما هؤلاء على خسران في عملهم وعبادتهم وانحراف دينهم. وكيف أبغيكم إلهًا من دونه تعالى وهو سبحانه الذي فضلكم على عالمي زمانكم. أليس هو أنجاكم من بأس فرعون وجنوده يذيقونكم أسوأ العذاب فيقتلون الذكور منكم ويستبقون الإناث وفي ذلك ما ذقتم من البلاء العظيم. وإذ واعد ربكم تعالى موسى ﷺ لمناجاته ثلاثين ليلة، ثم أكملها بعشر حتى الأربعين، وكان موسى قد استخلف على قومه هارون ﵊ وأوصاه بالحرص على سلامة دين بني إسرائيل وحذره من سبيل المفسدين المبتدعين. ولما قدم موسى لميعاد ربه وكلّمه الله تعالى حدثته نفسه أن ينظر إلى ربه ، فسأله ذلك، فأخبره أن هذا
стр. 1602
لا يكون في دار الدنيا، فانظر إلى الجبل هل يستقر أمام نور الله العظيم إذا كشف حجابه، فلما كشف الله الحجاب نحو الجبل تحطم الجبل وخرّ موسى مغشيًا عليه، فلما أفاق التجأ إلى الله تعالى منزهًا ومسبحًا وتائبًا مسرعًا إليه سبحانه كأول المؤمنين. فقال الله له: يا موسى! إني اخترتك على أهل زمانك بالرسالة والتكليم فخذ هذا الوحي بقوة واشكر ربك على ما اختصك به، وهذه الألواح فيها من كل ما تحتاج إليه أنت وقومك من بيان الحق: في التوحيد والأحكام والمعاملات والمواعظ وغير ذلك، فاحمل الأمانة بقوة واؤْمُرْ قومك بالعمل بأحسن الأعمال وأعلى القربات واختيار سبيل المعالي دون سفساف الأمور، سترون في هذه الدنيا مصير من قبلكم وفي الآخرة منازل العصاة الآثمين. إن من عقوبات الله العظيمة أن يصرف قلوب المتكبرين على دينه وشرعه عن الحق حتى تصبح قلوبهم مفتونة لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، وإنما هي الشبهات تعمرها، والشهوات تحركها، إن المكذبين بآيات الله ولقائه قد بطلت أعمالهم، وخسروا أنفسهم، جزاء بما كانوا يصرون عليه من الكبر والتكذيب وبما كانوا يجترحون.
فقوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾.
إخبارٌ من الله سبحانه عن قصور إيمان بعض بني إسرائيل، وقلة رسوخ دينهم ويقينهم بالله تعالى، حتى تجرأ بعض الجهلة منهم - بعد أن جاوزوا البحر وأراهم الله من عظيم قدرته وكبير سلطانه وجبروته - على سؤال موسى تقليد قوم - وقد مرّوا بهم - يعبدون أصنامًا على صور البقر. قيل: كانوا من الكنعانيين، وقيل: من لخم. قال ابن جريج: (﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾: تماثيل بقر. فلما كان عجل السامري شبِّه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أوّل شأن العجل: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾).
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي واقد الليثي قال: [خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلت: يا نبي الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط. وكان الكفار ينوطون سلاحَهم بسدرة، ويعكفون حولهم. فقال النبي ﷺ : الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنكم تركبون سَنَنَ من قبلكم] (١).
стр. 1603
ورواه ابن جرير في التفسير - بسند صحيح - من حديث محمد بن إسحاق ومعمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي: [أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حنين، قال: وكان للكفار سِدْرَةٌ يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرةٍ خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: قلتم، والذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾] (١).
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
أي: تجهلون صفات الله وعظمته وجلاله، وتجهلون تنزيهه عن المثيل والشريك وعن كل شيء، فهو تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: خُسْران). وقال السدي: (مُهْلَكٌ ما هم فيه). أي: إن هؤلاء بعكوفهم على هذه الأصنام، الله مهلك عملهم، ومخسرهم فيه.
وقوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذاهب مضمحل. وهو سبب لشقائهم وهلاكهم يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
أي: أسوى الله ألتمسكم إلهًا تعبدونه، وهو الله خالقكم وقد فضلكم على عالمي دهركم وزمانكم، وفضلكم بإهلاك عدوكم! فأي جهل أنتم فيه؟
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: (يذكِّرُهم موسى ﵇ بنعمة الله عليهم، من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة، وما صاروا إليه من العزة
стр. 1604
والاشتفاء من عدوهم والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه، وغرقه ودماره. وقد تقدم تفسيرها في البقرة).
وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
يتابع الله ممتنًا بنعمه الجليلة على بني إسرائيل يذكرهم بها: إذ واعد موسى لمناجاته ثلاثين ليلة. قال ابن جريج: (يقول: إن ذلك بعدما فرغ من فرعون وقبل الطور، لما نجى الله موسى ﵇ من البحر وغرّق آل فرعون، وخلص إلى الأرض الطيبة، أنزل الله عليهم فيها المنّ والسلوى، وأمره ربه أن يلقاه، فلما أراد لقاء ربه، استخلف هارون على قومه، وواعدهم أن يأتيهم إلى ثلاثين ليلة، ميعادًا من قِبله، من غير أمر ربه ولا ميعاده. فتوجه ليلقى ربه فلما تمت ثلاثون ليلة، قال عدو الله السامريُّ: ليس يأتيكم موسى، وما يصلحكم إلا إله تعبدونه! فناشدهم هارون وقال: لا تفعلوا، انظروا ليلتكم هذه ويومكم هذا، فإن جاء وإلا فعلتم ما بدا لكم! فقالوا: نعم! فلما أصبحوا من غد ولم يروا موسى، عاد السامري لمثل قوله بالأمس. قال: وأحدث الله الأجل بعد الأجل الذي جعله نبيهم عشرًا، فتم ميقات ربه أربعين ليلة).
قال الحافظ ابن كثير: (فلما تم الميقات عزم موسى على الذهاب إلى الطور، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ. . . (٨٠)﴾ الآية، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإصلاح وعدم الفساد، وهذا تنبيه وتذكير - وإلا فهارون ﵇ نبي شريف كريم على الله، وله وجاهة وجلالة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء).
قال ابن جريج: (﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾، وكان من إصلاحه أن لا يدع العجل يُعْبد).
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
هذه الآية فيها إثباتان:
١ - إثبات كلام الرب ﵎، فقد نصت الآية بصراحة أنه تعالى كلّم موسى، ومن ثمّ فإنه سبحانه يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وأين شاء، ومع من شاء.
стр. 1605
٢ - إثبات عدم إمكانية رؤية الله تعالى في دار الدنيا لأي أحد، وإمكانية الرؤية للمؤمنين يوم القيامة.
ففي المسألة الأولى: إثبات الكلام لله تعالى. والآية ردّ على الفلاسفة والمعتزلة وأهل الكلام.
١ - قالت الصابئة والمتفلسفة: (كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معان إما من العقل الفعال أو غيره).
٢ - وقالت المعتزلة: (هو مخلوق خلقه الله منفصلًا عنه).
٣ - وقالت طائفة من أهل الكلام: (هو حروف وأصوات أزلية).
وكذبوا جميعًا فيما قالوا وفيما تصَوَّروا وذهبوا إليه، والفصل في المسألة هو الذي ثبت عليه العلماء الراسخون في صدر الإسلام من أن القرآن كلام الله على الحقيقة، فهو من صفاته سبحانه وليس من مخلوقاته.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - في عقيدته المدوّنة -: (وإن القرآن كلام الله تعالى بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على نبيِّه وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا. وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة. ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذَمَّهُ الله تعالى وعابه، وأوعده عذابه، حيث قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. فلما أوعد الله سقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر).
لقد أثبت الله سبحانه الكلام لنفسه فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة -: أريد أن تقرأ: وكلم اللهَ موسى، بنصب اسم الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله. فقال أبو عمرو: (هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ ) فبهت المعتزلي.
يريدون أن ينفوا الكلام عن الله، وينفوا أن القرآن كلامه وصفة من صفاته - هكذا استذلهم الشيطان بفكر أجنبي دخيل - والله يقول: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:
стр. 1606
٧٧]. ويقول: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. أي: لا يكلمهم تكليم تشريف، بل يخرسهم وأما المؤمنون فيكلمهم.
وأما المسألة الثانية: إثبات رؤية الله تعالى - للمؤمنين - يوم القيامة.
فقد أشكل حرف "لن" في الآية - قيد التفسير - ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ على بعض أهل العلم، فظنوها للنفي المؤبد، واستدل بها المعتزلة (١) على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وغفلوا عن الآيات المحكمات الأخرى التي تثبت الرؤية، وكذلك عن أحاديث صحيحة في صرح السنة العظيم.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢, ٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
قال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجِبَ هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى]. وفي رواية: (ما حجب الفجار إلا وقد عَلِمَ أن الأبرار يَرَونه (٢).
٣ - وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. . .﴾ [يونس: ٢٦]. والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
ففي صحيح مسلم عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب فينظرون إلى وجه الله، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (٣).
стр. 1607
ومن كنوز السنة الصحيحة في إثبات الرؤية في الآخرة أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن جابر في حديثه: [إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك] (١).
أي: في عرصات القيامة، مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات.
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إنكم سترون ربكم عِيانًا. وفي رواية: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁: [أن أناسًا قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم. هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صَحْوًا ليس معها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما] (٣).
فوائد هامة:
١ - قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ دليل على ثبوت رؤيته من وجوه - عند أهل العلم -:
أ - لا يجوز أن يظن بكليم الله ورسوله وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز له.
ب - إن الله لم ينكر عليه سؤاله. فحين سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
ج - إنه سبحانه قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولم يقل: "إني لا أُرى" أو "لا تجوز رؤيتي" أو "لست بمرئي".
стр. 1608
٢ - قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ دليل واضح على ثبوت الرؤية.
فقد سئل الإمام مالك عن هذه الآية، فقيل: قوم يقولون: إلى ثوابه. فقال مالك: (كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ قال مالك: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم، وقال: لو لم يرَ المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعيِّر الله الكفار بالحجاب، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾) رواه في شرح السنة.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
إعلام أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذا الدار، فكيف بالبشر؟ !
وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾.
فيه جواز تجلّيه سبحانه للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكنه سبحانه أعلم موسى أن الجبل إذ لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف.
وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.
أي: مغشيًا عليه.
أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال حماد: هكذا، وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل وخر موسى صعقًا] (١).
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: لما أفاق من الغشي التجأ إلى الله تعالى منزهًا ومسبحًا ومعظمًا، ومُجِلًّا لله أن يراه أحد في هذه الحياة الدنيا إلا مات أو صعق، ثم سأل التوبة بقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
قال مجاهد: (أن أسألك الرؤية). ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (من بني إسرائيل).
وقال ابن عباس - في رواية أخرى -: (أنه لا يراك أحد). وقيل: (يقول: أنا أول من
стр. 1609
آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة).
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [جاء رجُلٌ من اليهود إلى النبي ﷺ قد لُطِمَ وَجْهُه وقال: يا مُحَمّدُ، إن رَجُلًا من أصحابك من الأنصار لَطَمَ في وَجْهي، قال: ادْعوه، فدَعَوْهُ قال: لِمَ لَطمْتَ وَجْهَهُ؟ قال: يا رسول الله، إني مَرَرْتُ باليهود فسمعتُه يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، فقلت: وعلى مُحَمّد؟ وأخذَتْني غَضْبة فَلطَمْتُه. قال: لا تخيِّروني من بين الأنبياء، فإن الناس يُصْعقون يوم القيامة فأكونُ أوَّل من يُفِيقُ، فإذا أنا بموسى آخِذٌ بقائمةٍ مِنْ قوائمِ العَرْش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطور؟ ] (١).
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: [استَبَّ رجلان، رجُلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فَرَفَعَ المسلمُ يَدَهُ عند ذلك فَلَطَمَ وَجْهَ اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخْبَرَهَ بما كان من أمْرِه وأمْرِ المسلم، فدعا النبي ﷺ المُسْلِمَ فسأله عن ذلك فأخْبَرَه، فقال النبي ﷺ : لا تخيِّروني على موسى، فإن الناس يصْعَقون يوم القيامة فأصْعَقُ معهم فأكون أوَّلَ من يُفيق، فإذا موسى باطِشٌ جانِبَ العرش، فلا أدري أكان فيمن صَعِقَ فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله] (٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
الاصطفاء: الاجتباء. والمقصود: تفضيل موسى ﷺ على الناس المرسل إليهم، فقد اصطفاه الله على عالَمي زمانه برسالاته وكلامه - جل ذكره -، وقد جاء ذلك في حديث احتجاج آدم وموسى، عليهما الصلاة والسلام.
ففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك
стр. 1610
ملائكته، وأسكنك جنته، أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم! قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوراة، أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني؟ فَحَجَّ آدم موسى] (١).
وأما رسولنا محمد ﷺ فلا شك أنه سيد ولدِ آدم - جميعًا - من الأولين والآخرين، وخاتم النبيين والمرسلين، وشريعته ناسخة لكل شرائع الأنبياء والمرسلين.
ففي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أنا سيد الناس يوم القيامة] (٢). وفي لفظ لمسلم: [أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأولُ شافع، وأول مشفع].
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : [أنا سيد ولدِ آدم يوم القيامة ولا فخرَ، وبيدي لواءُ الحمدِ ولا فخرَ، وما من نبي يومئذٍ آدمُ فَمَنْ سواهُ إلا تحت لوائي، وأنا أول شافع، وأَولُ مشفَّع، ولا فخر] (٣).
وقوله: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾.
أي: من الكلام والمناجاة واعمل بما لديك من هذا الوحي العظيم، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ على ما آتاك الله من رسالته، وما اختصك به من الكلام والنجوى على أهل زمانك وعلى كثير من الخلق، فاعمل بطاعته والتزم ذكره وشكره ورضاه.
وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
أي: لقد كتب الله ﵎ لموسى في ألواحه من كل ما يجب معرفته عن الله تعالى من التوحيد والتعظيم والتشريع موعظة لقومه وتبيينًا لكل ما يخصهم من أمر الله
стр. 1611
ونهيه وحلاله وحرامه. قيل الألواح تشتمل على التوراة، وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة.
وقال سعيد بن جبير: (﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: قال: ما أمروا به ونهوا عنه). وقال السدي: (من الحلال والحرام).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [احتج آدمُ وموسى، فقال: موسى: يا آدم! أنت أبونا، أنت خَيَّبْتَنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك بيده، أتلومني على أمر قَدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فقال النبي ﷺ : فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى].
وفي لفظ: [فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله عِلْمَ كُلِّ شيء، واصطفاه على الناس برسالته؟ ].
وفي لفظ: [قال آدم ﵇: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تِبْيانُ كُلِّ شيء، وقرّبك نجيًّا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخْلَق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه]؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملْتُ عَمَلًا كتبه الله عليَّ أن أعْمَلَهُ، قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ : فحجَّ آدم موسى] (١).
وقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾.
قال ابن عباس: (بجدّ). وقال السدي: (بجد واجتهاد).
وقال الربيع بن أنس: (﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، قال: بالطاعة). قلت: أي خذ الألواح بقوة، فعظم ما فيها من الأوامر والأحكام، واعمل بطاعة الله والدعوة إليها.
وقوله: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.
قال ابن عباس: (أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه). وقال السدي: (﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، بأحسن ما يجدون فيها).
قال ابن جرير: (كان فيها أمرٌ ونهيٌ، فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله، ويتركوا ما نهاهم عنه، فالعمل بالمأمور به، أحسنُ من العمل بالمنهي عنه).
стр. 1612
قلت: ويمكن أن يكون المعنى: وأمر قومك يا موسى أن يعملوا بأحسن ما استطاعوا من العمل، وأن يبذلوا قصارى جهدهم في التمسك بما تمكنوا إلى ذلك سبيلًا. كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وكما جاء في هذين الحديثين من كلام نبينا ﷺ :
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح عن ثوبان، عن النبي ﵊، قال: [استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خيرَ أعمالكم الصلاةُ، ولا يحافظُ على الوضوء إلا مؤمن] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه عن أبي أمامة، والطبراني عن عبادة بن الصامت، بإسناد صحيح، عن النبي ﷺ قال: [استقيموا، ونِعمّا إن استقمتم، وخيرُ أعمالكم الصلاة، ولن يحافظَ على الوضوء إلا مؤمن] (٢).
وقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.
قال مجاهد: (مصيرهم في الآخرة).
وقال الحسن: (جهنم). وقال قتادة: (منازلهم). وقال الكلبي: (﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود، والقرون التي أهلكوا). وقال قتادة: (المعْنَى: سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها، يعني الشأم).
قلت: ولا شك أن الآية تهديد ووعيد وتبصير بما يؤول إليه حال المتكبرين عن أوامر الله وتعظيمها كما حدث للأمم التي دكّها الله من قبل حين تمادت، وتذكير بما ينتظرهم من سعير جهنم في الآخرة.
وقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
قال ابن عيينة: (يقول: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي).
وقال ابن جريج: (﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾، عن خلق السماوات والأرض والآيات فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا).
стр. 1613
وقال ذو النون: (أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن).
قلت: والآية سرٌّ عظيم من أسرار القدر، فإن الله سبحانه يطلع على القلوب ويُصَرِّفُها كيف شاء، ومن كمال عدله سبحانه أن يَصْرِفَها عن فهم قرآنه ودينه إذا ظهر من صاحبها تكبرٌ عن أمره وغرور بالباطل وتحد للحق. كما قال تعالى في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾. وكقوله في سورة الصف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. . . (٥)﴾. وكقوله في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. . . (١١٠)﴾.
وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تَعْنُونَ فتنةَ الرجل في أهله وماله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تِلْكَ تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيُّكُم سمع رسول الله ﷺ يذكر التي تَمُوجُ موجَ البحر؟ قال حذيفة: فَأَسْكَتَ القومُ، فقلتُ: أنا. قال: أنت لله أبوك؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [تُعرض الفِتنُ كالحصير عودًا عودًا، فأىُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصير على قلبين: على أبيضَ مثل الصفا فلا تَضُرُّه فتنةٌ ما دامت السماوات والأرضُ، والآخر أسودُ مُرْبادًا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ معروفًا ولا يُنْكِرُ مُنكرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هواه] (١).
وقال النسفي: (﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ يتطاولون على الخلق ويأنفون عن قبول الحق. وحقيقته التكلف للكبرياء التي اختصت بالباري عزت قدرته ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هو حال، أي: يتكبرون غير محقين، لأن التكبر بالحق لله وحده).
وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾.
أي: إن يروا كل حجة على وجوب الإذعان لوحدانية الله ودينه وشرعه يججدونها. كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
стр. 1614
وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.
قال ابن كثير: (أي: وإن ظهر لهم سبيل الرشد، أي: طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال يتخذوه سبيلًا).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
قال القاسمي: (أي: لاهين لا يتفكرون فيها، ولا يتعظون بها. أو غافلين عما ينزل بهم من مخالفة الرسل). وقال النسفي: (غفلة عناد وإعراض، لا غفلة سهو وجهل).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
تأكيد على بطلان الربح لمن كذب بحجج الله وكلامه ولقائه. وسميت الآخرة "آخرة" لتأخرها عن الدنيا. فمن عمل خيرًا في هذه الدنيا وكفر بالله ولقائه فلا ينفعه عمله في الآخرة.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).
وفي لفظ: [إن الكافر إذا عَمِلَ حسنةً أُطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمنُ فإن الله يَدَّخِرُ له حسناتِه في الآخرة ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].
قال ابن جرير: (﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يقول: هل يثابون إلا ثواب ما كانوا يعملون؟ فصار ثواب أعمالهم الخلودَ في نار أحاطَ بهم سرادقها، إذ كانت أعمالهم في طاعة الشيطان، دون طاعة الرحمن، نعوذ بالله من غضبه).
١٤٨ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا
стр. 1615
ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره: لقد اتخذ بنو إسرائيل بعد ذهاب موسى إلى الطور لموعد ربه ومناجاته عجلًا صنعه لهم السامري من حُليّ القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلًا مجوفًا لا روح فيه، وإنما احتال عليهم بإدخال الريح فيه حتى صار يُسمع في جوفه صوتٌ كخوار البقر، فعبدوه حين استأخر عليهم موسى - بسبب ضعف يقينهم بالله. وقد قرعهم الله في هذه الآيات بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ - أن ما صنعه لهم السامري - لا يقدر أن يكلمهم أو يرشدهم إلى هدى، أو إلى خير، ومع ذلك اتخذوه إلهًا وظلموا أنفسهم بصنيعهم هذا. ثم إنهم ندموا على ما فعلوا، وعرفوا أنهم قد جاروا عن سواء السبيل، فسألوا الله تعالى المغفرة والرحمة وإلا كانوا خاسرين. ولما رجع موسى ﵊ من مناجاة ربه ورآهم على حالهم تلك من عبادة العجل ظهر الغضب عليه، وكان شديد الغضب فألقى الألواح من يديه وأخذ يجر رأس أخيه ولحيته وكأنه يُحَمِّلُهُ بذلك مسؤولية ما حدث، فاعتذر هارون ﵇ إليه بأنهم تخلوا عن أمره وطاعته وقاربوا قتله، فهو يخشى من فعل موسى ذلك شماتة الأعداء ولم يقصر هو في أمرهم ونهيهم، ويسأل موسى ألا يخلطه مع القوم الظالمين الذين اتخذوا العجل وألا يسوقه مساقهم. وهنا تدارك موسى ﵊ أمره، وشعر بعذر أخيه فاستغفر لنفسه ولأخيه وسأل الله أن يدخلهما برحمته وهو أرحم الراحمين. أما الذين اتخذوا العجل وأشركوا بعبادة الله تعالى سينالهم غضب الله ومذلة في الحياة الدنيا، فلم يقبل الله توبتهم حتى قتل بعضهم بعضًا، وأصابهم من