أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾.
٩ - وقال في سورة المعارج: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
١٠ - وقال في سورة غافر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا. . .﴾.
قلت: ومن ثمَّ فمن شك أن الله في السماء اليوم، فقد تشبه بطريقة فرعون.
قال ابن جرير- شيخ المفسرين ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ أي: وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدعي من أن له في السماء ربًا أرسله إلينا).
وقال الإمام الجويني - أبو محمد والد إمام الحرمين -: (وهذا يدل على أن موسى أخبره بأن ربه تعالى فوق السماء، ولهذا قال: وإني لأظنه كاذبًا) (١).
وقال الإمام مالك ﵀: (الاستواء معلوم - يعني في اللغة، والكَيْفُ مجهول، والسؤال عن هذا بدعة).
قال ابن كثير: (وإنما يُسلك في هذا المقام مذهبُ السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة - منهم نُعيم بن حَمَّاد الخزاعي شيخُ البخاري -: من شَبَّهَ الله بخلقه فقد كفر، ومن جَحَدَ ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسولُه تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وَرَدَتْ به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونَفَى عن الله تعالى النقائص، فقد سَلَك سبيل الهدى).
قلت: وفي السنة الصحيحة إثبات علو الله على عرشه في أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن أنس: أن زينب بنت جحش كانت تفخر على
стр. 1542
أزواج النبي ﷺ تقول: [زَوَّجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات].
وفي لفظ: [إن الله أنكحني في السماء].
وفي لفظ: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة -: [فنأتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأقرع الباب، فيقال: من أنت؟ فأقول: أنا محمد، فيفتح لي فآتي ربي على كرسيه أو سريره فأخر له ساجدًا، فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي] (٢).
وبنحوه في الصحيح للبخاري من حديث أنس، وفي غير الصحيح بلفظ: [فأدخل على ربي وهو على عرشه ﵎].
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لما خلق الله الخلق كتب في كتاب كتبه على نفسه فهو مرفوع فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي] (٣). ولأصله شواهد في الصحيحين.
وفي رواية: (فهو عنده فوق العرش).
قلت: لقد أثبت الله سبحانه لنفسه الاستواء على العرش، وهو استواء يليق بجلاله وكماله، وهو سبحانه غير محتاج إلى العرش ولا إلى الكرسي، وإنما ذكر العرش في القرآن وهو أعظم مخلوقاته، وكذلك جاء في السنة الصحيحة.
أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٤).
شبه ورد:
١ - بطلان تأويل "استوى" بـ (استولى):
стр. 1543
قال الإمام عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ، صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى، في كتاب "الرد على الجهمية": (زعمت الجهمية أن معنى استوى "استولى" من قول العرب: استوى فلان على مصر، يريدون استولى عليها. قال: فيقال له: هل يكون خلقٌ من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل السماوات والأرض، ثم استولى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش قبل خلق السماوات والأرض ليس الله بمستولٍ عليه فيها).
٢ - بطلان دعوى الجهمية - الله في كل مكان -:
قال الإمام أحمد - في كتابه الرد على الجهمية -: (وقلنا للجهمية: زعمتم أن الله في كل مكان، لا يخلو منه مكان، فقلنا لهم: أخبرونا عن قولِ الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا. . .﴾ [الأعراف: ١٤٣]. لِمَ تَجَلّى، إذا كان فيه بزعمكم؟ ولو كان فيه، كما تزعمون، لم يكن يتجلى لشيء. لكن الله تعالى على العرش، وتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن يراه قط قبل ذلك.
وقلنا للجهمية: الله نور؟ فقالوا: نور كله. فقلنا: قال الله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا. . .﴾ [الزمر: ٦٩]. فقد أخبر جل ثناؤه أن له نورًا، قلنا: أخبرونا، حين زعمتم أن الله في كل مكان، وهو نور، فلم لا يضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه إذا زعمتم أن الله في كل مكان؟ وما بال السراج إذا أدخل البيت المظلم يضيء؟ فعند ذلك تبين كذبهم على الله. فرحم الله من عقل عن الله، ورجع عن القول الذي يخالف الكتاب والسنة، وقال بقول العلماء، وهو قول المهاجرين والأنصار، وتَرَك دين الشيطان، ودين جهم وشيعته).
٣ - مفهوم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ. . .﴾ [الأنعام: ٣]. أي: إله من في السماوات، وإله من في الأرض.
قال الإمام أحمد - في الرد على الجهمية -: (ومما أنكرت الجهمية الضُّلال أن يكون الله سبحانه على العرش، فقلنا: لِمَ أنكرتم ذلك؟ إن الله سبحانه على العرش، وقد قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]. قالوا: هو تحت الأرضين السابعة كما هو على
стр. 1544
العرش، فهو على العرش، وفي السماوات، وفي الأرض، وفي كل مكان، لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. وتلوا آيات من القرآن ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾. فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، وليس فيها من عظمة الله شيء، فقالوا: أي مكان؟ فقلنا: أحشاؤكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب سبحانه شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال سبحانه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ. . (١٦)﴾ الآية - وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾، وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ - فهذا أخبر الله أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾. وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانَهم؟ فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس، ولكن إنما معنى قوله ﵎: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يقول: هو إله من في السماوات، وإله من في الأرض، وهو على العرش! وقد أحاط بعلمه ما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، وذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.
قال: ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلًا كان في يده قدح من قوارير صافي، وفيه شيء، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه، من غير أن يكون في شيء من خلقه. وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار. فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه، وقد علم كيف هو، وما هو، من غير أن يكون في شيء مما خلق).
وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾.
قال ابن عباس: (﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، يقول: سريعًا). وقال السدي: (﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، قال: يغشي الليل النهار فيذهب بضوئه، ويطلبه سريعًا حتى يدركه). قال ابن كثير: (أي: يَذْهب ظلامُ هذا بضياء هذا، وضياءُ هذا بظلام هذا،
стр. 1545
وكل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، أي: سريعًا لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا).
وفي التنزيل: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠].
وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾.
أي: كل هذه المخلوقات العظيمة تحت تصرفه وتسخيره وهي مقهورة بأمره.
وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
أي: له الملك والتصرف .
قال القرطبي: (وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن، إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقًا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجن ومُسْتَغَثٌّ. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه). وقال: (فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: ﴿كُنْ﴾. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]).
وقوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال الأزهري: (﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم وارتفع).
وقيل: إن باسمه يُتَبَرَّكُ ويُتَيَمَّن.
أخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع لهُ بالبركة، فإن العين حق] (١).
стр. 1546
وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
قال ابن عباس: (السر).
قال ابن جرير: (﴿تَضَرُّعًا﴾، يقول: تذلُلًا واستكانة لطاعته. ﴿وَخُفْيَةً﴾، يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا ومراءاةً، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فعل أهل النفاق والخداع لله ولرسوله).
وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
قال عبد الله بن المبارك: عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: (إن كان الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعر جارُه. وإن كان الرجل لقد فَقه الفقه الكثير، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّورُ، وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدًا! ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا فرضي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
قال ابن عباس: (في الدعاء ولا في غيره).
وقال ابن جريج: (إن من الدعاء اعتداء، يكره رفع الصوتِ والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج أبو داود في السنن - بسند صحيح - عن أبي سعيد، قال: [اعتكف رسول الله ﷺ , في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السِّتْرَ
стр. 1547
وقال: "ألا إنَّ كُلّكُم مُنَاجٍ رَبَّهُ فلا يُؤذِيَنَّ بعضُكم بَعْضًا، ولا يَرْفَع بعضكم على بَعْضٍ في القراءة". أو قال: "في الصلاة"] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي موسى قال: [كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يَجْهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ : أيها الناس! ارْبَعُوا على أنفسكم، إنكم ليس تَدْعون أَصَمَّ ولا غائبًا، إنكم تَدْعونَه سميعًا قريبًا وهو معكم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ [الجاهِرُ بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمُسِرِّ بالصدقة] (٣).
وفي الباب عن ابن عباس قال: (كانت قراءة النبي ﷺ ، على قَدْر ما يَسْمَعهُ مَنْ في الحجرة، وهو في البيت).
قال الشافعي في الأم: (وأختار للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الانصراف من الصلاة ويخفيان الذكر، إلا أن يكون إمامًا يجب أن يُتَعلَّم منه فيجهر حتى يرى أنه قد تُعلّم منه، ثم يُسر، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ يعني: والله تعالى أعلم، بالدعاء، ولا تجهر: ولا ترفع، ولا تخافت حتى لا تسمع نفسك. وأحسب ما روى ابن الزبير ﵄ من تهليل النبي ﷺ وما روى ابن عباس ﵄ من تكبيره، كما رويناه. قال الشافعي: وأحسبه إنما جهر قليلًا ليتعلم الناس منه، وذلك أن عامة الرواية التي كتبناها مع هذا وغيرها ليس يذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبيرٌ، وقد يذكر أنه ذكر بعد الصلاة بما وصفت، ويذكر انصرافه بلا ذكر) (٤).
стр. 1548
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن - بسند حسن - عن أبي نَعامة عن ابن لسعد: أنه قال: [سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبَهْجَتَها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال: يا بُنَيّ: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون قوم يَعْتَدون في الدعاء". فإياك أن تكون منهم، إنْ أُعطيت الجنة، أعطيتها وما فيها، وإن أُعِذْتَ من النار، أُعِذْت منها وما فيها من الشر] (١).
وله شاهد في سنن أبي داود عن أبي نعامة: [عن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سل الله الجنة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قَوْمٌ يَعْتَدون في الطّهور والدُّعاء] (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
نهي عن الفساد في الأرض وإلحاق الضرر بعد الإصلاح. قال ابن كثير: (فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد. فنهى تعالى عن ذلك).
وقوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
أمرٌ بعبادته سبحانه على الوجه الأمثل والأعدل، وهو التقلب بين الخوف والرجاء - كما في التنزيل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فإن كان العبد في آخر ساعة من حياته كذلك كان له الأمن من الله في الآخرة.
أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس: [أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال
стр. 1549
رسول الله ﷺ : لا يجتعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: إن رحمته تعالى مرصدة للمحسنين، الذين يخافونه بصدق فيمتثلون أوامره، ويتركون زواجره، ويدعونه خوفًا وطمعًا. قال مطر الوَّراق: (تَنَجَّزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين) - رواه ابن أبي حاتم.
وذكر القرطبي سبعة أوجه لقوله "قريب" وليس "قريبة"، وذكر ابن كثير أشهرها: وهو تضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله - والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
قال السدي: (إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين، طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثمَّ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما ﴿رَحْمَتِهِ﴾ فهو المطر. قال: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وكذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء). قلت: وقرأ عامة قراء الكوفة ﴿نُشُرًا﴾. قال البخاري: (نُشُرًا: متفرقة). والأولى ﴿بُشْرًا﴾ هي الأشهر.
فالله سبحانه يرسل الرياح مبشرات بين يدي المطر، حتى إذا حملت الرياح سحابًا ثقالًا أي: ثقيلة قريبة من الأرض لكثرة ما فيها من الماء، ساقه الله لأرض ميتة مجدبة فأحيا بها النبات وأخرجه، وكذلك يخرج الله الأجساد من قبورها يوم القيامة، أفلا تتذكرون - أيها الناس - وتتفكرون.
وقوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾.
قال ابن عباس: (فهذا مثل ضربه الله للمؤمن. يقول: هو طيب، وعمله طيب،
стр. 1550
كما البلد الطيب ثمره طيب. ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السَّبِخة المالحة التي يخرج منها النز، فالكافر هو الخبيث، وعمله خبيث).
وقال مجاهد: (الطيب ينفعه المطر فينبت، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السباخُ، لا ينفعه المطر، لا يخرج نباته إلا نكدًا. قال: هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة، فمنهم من آمن بالله وكتابه، فطاب. ومنهم من كفر بالله وكتابه، فخبث).
وقال السدي: (﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ﴾، هي السبخة لا يخرج نباتها إلا نكدًا، و"النكد" الشيء القليل الذي لا ينفع، فكذلك القلوب لما نزل القرآن، فالمؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه، والقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإيمان شيء إلا ما لا ينفع، كما لم يخرج هذا البلد إلا ما لا ينفع من النبات).
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَثَلُ ما بعثني الله به من الهُدَى والعلم، كَمَثَلِ الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكانت منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادبُ أمْسَكَت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسَقَوا وزَرَعوا. وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تُمسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأً، فذلك مثَلُ مَنْ فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِمَ وعَلَّم، ومثل مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرْسِلتُ به] (١).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.
تخصيص للشاكرين فإنهم هم المنتفعون بهذه الآيات والمواعظ والذكرى، فقليل من عباد الله الشكور.
٥٩ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا
стр. 1551
لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾.
في هذه الآيات: شرع الله تعالى - بعد ذكر قصة آدم ﵇ أول السورة - في ذكر قصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الأول فالأول. فلقد أرسل نوحًا إلى قومه، منذرهم بأسه ومخوِّفهم سخطه، على عبادتهم غيره: يا قوم، أفردوا الله تعالى بالعبادة والتعظيم، فإنه لا إله لكم غيره يستوجب عليكم عبادته، إني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك عذاب يوم عظيم الأهوال والشدائد والعقاب. فأجابه الملأ المستكبرون من قومه: إنا نراك يا نوح في ضلال مبين. قال نوح: يا قوم ليس بي ضلالة أو جهالة عن الحق وإنما أنا رسول رب العالمين. أبلغكم ما أرسلني به ربي إليكم وأنصح لكم بتحذيري إياكم مغبة الاستهزاء في الدين الحق ما لا يحمد عقباه لديكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون عن بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين. هل تعجبون أن يأتيكم إنذار ربكم على لسان رجل منكم لينذركم بأسه تعالى ولتتقوا سخطه وعقابه بإفراده بالتعظيم ولتنالوا رحمته بذلك. ولكن ما كان من الملأ الكافر إلا أن أظهر التكذيب والعناد، فأنجى الله تعالى نوحًا والمؤمنين معه في الفلك وأغرق الباقين الذين كانوا قومًا عمين عن الحق بالطوفان الهائل فكانوا كأمس الذاهب.
قال محمد بن إسحاق: (ولم يلق نبي من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبيٌّ قُتل).
وقال يزيد الرَّقاشي: (إنما سُمِّيَ نوحًا لكثرة ما ناح على نفسه). وقد كان بين آدم إلى زمان نوح ﵉ عشرة قرون، كلهم على الإسلام - ذكره ابن كثير.
يروي البخاري عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ [نوح]. قال: (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم
стр. 1552
التي كانوا يجلسون فيها أنصَابًا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك ونُسِيَ العلم عُبِدَت) (١).
قال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صَوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم) (٢).
وقال القرطبي: (وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم. ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها).
والخلاصة: لقد بعث الله نوحًا ﷺ لانتشال قومه من مستنقع الشرك والجاهلية، ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ويحذرهم عذابه يوم القيامة. فتدخل الملأ منهم أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم متهمين نبيّهم بالضلالة. فقال نوح ﷺ لهم: يا قوم ما أنا بضال، وإنما أنا رسول من رب العالمين - رب كل شيء وبارئه ومصوره - وقد أرسلني الله مبلغًا رسالته لكم، ناصحًا بالله لا إرب لي بدعوتي لكم إلا الإخلاص لله وحده في إنقاذكم مما أنتم عليه من مخالفة أمره واتباع ما يسخطه في عباداتكم ومعاملاتكم.
قال القرطبي: (النُّصح: إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغشِّ).
وقال القاسمي: (﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وأقصد صلاحكم بإخلاص ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا من طريق الوحي، أشياء لا علم لكم بها، أو أعلم من قدرته الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يُرَدُّ عن القوم المجرمين ما لا تعلمونه).
قال ابن كثير: (وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا فصيحًا ناصحًا بالله، لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات. كما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم عَرفة، وهم أوفرُ ما كانوا وأكثر جمعًا: "أيها الناس، إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع
стр. 1553
أصبعه إلى السماء وينكُتُها عليهم ويقول: اللهم اشْهد، اللهم اشْهد").
وقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قال النسفي: (﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم ﴿أَنْ جَاءَكُمْ﴾ مِنْ أنْ جاءكم ﴿ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ على لسان رجل منكم أي: من جنسكم، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح ﵇ ويقولون ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، يعنون إرسال البشر، ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ليحذركم عاقبة الكفر ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ ولتوجد منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم).
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
الفلك: السفينة، وكان نوح ﷺ قد حمل معه في الفلك من كل زوجين اثنين، وقد نجاهم الله وأهلك القوم الذين كذبوا الحق وتكبروا على اتباع رسوله، بالغرق أثناء الطوفان الذي أرسله الله عليهم.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾.
قال مجاهد: (عن الحق). وقال ابن زيد: (العَمَى، العامي عن الحق).
٦٥ - ٧٢. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ
стр. 1554
اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: ولقد أرسلنا هودًا إلى قومه - عاد - كما أرسلنا نوحًا ﷺ إلى قومه من قبل، أن اعبدوا الله تعالى وحده وأفردوه بالتعظيم، فما لكم من إله غيره، أفلا تخافون بطشه وعذابه لمن تمرد على أمره. فأجابه الذين جحدوا: إنا نَرَاكَ في ضلالة عن الحق بتركك عبادة آلهتنا. قال يا قوم ما بي سفاهة وإنما أنا رسول الله تعالى إليكم، أبلغكم رسالته وأنصح لكم، أوعجبتم أن أنزل الله وحيه على بشر منكم لينذركم، فاتقوا الله في أنفسكم، واذكروا قوم نوح قبلكم إذ أهلكهم الله بتكذيبهم، وأنتم اليوم تخلفونهم في الأرض وقد زادكم من نعمه سبحانه بطول في الأجسام وقوة في الأجساد والأعضاء، أفلا تشكرون. فأجابوه: أجئتنا يا هود لنعبد الله وحده ونترك ما كان عليه الآباء، وتَتَوَعَّدنا على ذلك بالعذاب إن لم نهجر هذه الأصنام والآلهة التي مضى على عبادتها وتعظيمها أجدادنا! ! فائتنا بما تعدنا إن كنت صادقًا. قال هود لقومه: قد حَلَّ بكم عذاب وغضب من الله، أتخاصمونني في أسماء لا تضر ولا تنفع من أصنامكم أنتم سميتموها وآباؤكم من قبل، ولا حجة لكم من الله في عبادتها ولا عذر، فارتقبوا وعيد الله وحكمه فيكم. يقول تعالى ذكره: فأنجينا هودًا ومن آمن معه، وأنزلنا العذاب بمن كذّب فكانوا كأمس الذاهب.
فقوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾.
أي: أرسلنا إلى عادٍ أخاهم هودًا. قال ابن عباس: (أي: ابن أبيهم). وقيل: (أخاهم في القبيلة) (١).
قال محمد بن إسحاق: (هم - أي عاد - ولد عاد بن إرَم بن عَوْص بن سام بن نوح).
стр. 1555
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠].
وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل، وكانوا قد شُدِّدَ خلقهم فهم أصحاب أجسام عظيمة وقوة، وكان بداخلها - للأسف - قلوب فيها قسوة. وكانت بلادهم أخصب البلاد، فيها بساتين وزروع وعمارة، فأسخطوا الله بشركهم وتكذيب رسولهم فجعلها مفاوز.
وقد ردّ الملأ منهم - وهم السادة والقادة فيهم - على هود ﷺ بالتكذيب، حين دعاهم لإفراد الله تعالى بالعبادة فقالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾. قال القرطبي: (أي في حمق وخفة عقل). ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ - أي: في ادعائك الرسالة والنبوة.
فأجابهم: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾ - في دعوتي لكم، وبلاغي حرصًا عليكم ﴿أَمِينٌ﴾ على ما أقول لكم.
قال النسفي: (وإنما قال هنا وأنا لكم ناصح أمين لقولهم وإنا لنظنك من الكاذبين، أي: ليقال الاسم الاسم، وفي إجابة الأنبياء ﵈ من ينسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم أدب حسن وخلق عظيم، وإخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم).
وقوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾.
قال ابن كثير: (أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولًا من أنفسكم لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم).
стр. 1556
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾
أي: كنتم سُكّانَ الأرض بعد قوم نوح، وقد أهلك الله - كما تعلمون - أهل الأرض حين خالفوه وكذبوه.
قال السدي: (يقول: ذهب بقوم نوح، واستخلفكم من بعدهم).
وقوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾.
قال القرطبي: (ويجوز ﴿بصطة﴾ بالصاد لأن بعدها طاء، أي: طولًا في الخلق وعظم الجسم).
وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: اذكروا نعمه سبحانه ومننه عليكم كي تنالوا الفلاح وسعادة الدارين.
قال ابن زيد: (آلاؤه، نعمه). وقال قتادة: (أي: نعم الله).
أخرج الطبراني "في الأوسط" بسند حسن في الشواهد عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله] (١).
فأجابوه: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾.
تمَرَّدَ القوم وطغوا واستكبروا وأصروا على تقاليد الآباء الجاهلية، واستعجلوا العذاب والوعيد، شأن قوم نوح من قبلهم، واجهوا الإنذار بالكبر والاستهزاء حتى نزل بهم ما أهلكهم.
وقوله: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾.
المعنى: قد وجب عليكم بتكذيبكم ربكم ﴿رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾. وفي معنى "الرجس" أقوال:
١ - قال ابن عباس: (﴿رِجْسٌ﴾، يقول: سخط) - ذكره ابن جرير.
٢ - قيل: عني بالرجس الرَّيْن على القلب بزيادة الكفر - ذكره القرطبي.
٣ - وقيل: الرِّجسُ: العذاب. وقيل هو مقلوب من رجز - ذكره ابن كثير.
стр. 1557
قلت: الرجس في لغة العرب: القذَر. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] إنه العقاب والغضب، وهو مضارع لقوله الرِّجز). ومن ثَمَّ فالمعاني السابقة كلها واردة ويحتملها البيان الإلهي الكريم.
وقوله: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.
يعني بذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها ولها أسماء مختلفة، سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، فالاسم هنا بمعنى المسمّى. ومن هذه الأسماء العُزّى - من العِزّ والأعز - واللات، وفي حقيقتها لا تملك من العز والإلهية شيء ولا حجة لكم من الله بعبادتها.
وقوله: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فانتظروا حكم الله فينا وفيكم، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾، حكمَه وفصل قضائه فينا وفيكم).
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
أي: كانت النجاة لهود ﵊ ومن آمن معه، وكان الهلاك والعذاب على من كذب وتولى وأعرض عن الإيمان بالله ورسوله. قال ابن زيد: (﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، قال: استأصلناهم).
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: [نُصِرْتُ بالصَّبا، وَأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبور] (١).
٧٣ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ
стр. 1558
سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره أنه أرسل إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا - كما أرسل إخوته الرسل من قبل إلى أقوامهم - يحثهم على إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم والدعاء، فما من إله إلا الله، وقد اختبرهم سبحانه بناقة لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، أن يذروها تأكل من أرض الله دون أن يمسوها بسوء فينالهم عذاب الله الأليم. وذكرهم سبحانه كيف أهلك قوم عاد قبلهم لما طغوا وتكبروا على رسولهم واستخلفهم بعدهم في الأرض يتخذون البيوت العالية في سهولها كالقصور ينعمون بها صيفًا، والبيوت المنحوتة في الجبال يسكنونها شتاء، وكذلك بنعم وآلاء كثيرة وَجَبَ أن تحجبهم عن الفساد في الأرض أو اتباع ما يسخط الله تعالى. فما كان من الملأ الكافر - إذ أَعْلن المستضعفون المؤمنون إيمانهم برسول الله صالح ﵊ إلا أن أظهروا الكفر به وتجرؤوا فانبعث أشقاهم برضاهم فعقروا الناقة وتمردوا على أمر الله لهم واستعجلوا العذاب استهزاء وكبرًا. فعاجلهم ربهم بعقوبته الكبرى في هذه الحياة الدنيا فأخذهم بصيحة زلزلتهم وحركتهم للهلاك فأصبحوا ميتين. فتولى عنهم صالح - حين أمره الله باعتزالهم وقد آن حلول نقمته تعالى بهم - وصرّح لهم: لقد أديت إليكم رسالة ربي وبذلت النصح الخالص لنجاتكم من عذابه وسخطه، فركبتم أهواءكم وتنكرتم للنصيحة حتى أصبحتم هالكين.
فقوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾.
أي: وكذلك فقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا. وثمود - كما ذكر أهل التفسير والعلم بالأنساب -: هو ثمودُ بن عاثِرِ بن إرم بن سام بن نوح، وقد جاءت ثمود
стр. 1559
بعد عاد، ومساكنهم مشهورة معلومة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. وقد مرَّ النبي ﷺ بديار ثمود مرجعه من تبوك، وهو قافل إلى المدينة، على القول الراجح - كما حققت في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة.
فلما وصل جيش المسلمين القافل من تبوك ديار ثمود، تسارع بعض الأصحاب لدخول تلك المساكن الخاوية، فنهاهم النبي ﷺ .
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي كبشة الأنماري قال: [لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ : فنادى في الناس: الصلاة جامعة، قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره وهو يقول: ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم، فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله! قال: أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ ! رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا وسيأتي قوم لا يَدْفعون عن أنفسهم بشيء] (١).
ثم أمرهم بعدم عبور تلك المساكن إلا باكين، مسرعين في السير غير مبطئين، فهي ديار قوم دمَّر الله عليهم بيوتهم بذنوبهم واستهتارهم.
ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه - يعني لما وصلوا الحِجْر: وهي ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يُصيبكم ما أصابهم]. وفي رواية لمسلم: (حَذَرًا أن يصيبكم مِثلُ ما أصابهم).
وفي رواية لهما بلفظ: [لما مرّ رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أَنْ يُصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّعَ رسول الله ﷺ -رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي].
وفي لفظ للبخاري مِنْ حديث سالم بن عبد الله عن أبيه: (ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرحل). وفي لفظ لمسلم: (ثم زَجَرَ فأسرع حتى خلّفها) (٢).
стр. 1560
فإن ذلك من أماكن العذاب التي تركها الله في الأرض ليعتبر البشر، فلا ينبغي المشي فيها والسياحة خلال آثارها، بل الأليق بها أن يمر المسلم فيها مسرعًا خائفًا من الله أن يُنْزِلَ بأمته ما أنزل بتلك الأمم، من المصائب والدمار والنقم.
وكان بعضهم قد تسارعوا إلى آبار ثمود ليشربوا منها أو ليتوضؤوا بمائها، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك أشد النهي، وأمرهم أن يهريقوا ما استقوا منها، وأن يعلفوا إبلهم العجين الذي عجنوه بمائها، وأن يستقوا بدلًا عن ذلك من البئر التي كانت تردها ناقة صالح ﵊.
أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه، عن نافع أن عبدَ الله بن عمر أخبره: [أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحِجْر أرضِ ثمود فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يُهريقوا ما استقوا، وَيَعْلِفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة] (١).
ورواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر بلفظ: [أن رسول الله ﷺ لما نزل الحِجْرَ في غزوة تبوك، أمرهم أن لا يشربوا من بِئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عَجَنّا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرَحوا ذلك العجين، ويُهريقوا ذلك الماء. قال: ويُروى عن سَبْرة بن مَعْبَدٍ وأبي الشّموس أن النبي ﷺ أمر بإلقاء الطعام] (٢).
وفي رواية ابن إسحاق: (أن النبي ﷺ قال لهم: لا تشربوا من مائها شيئًا، ولا تتوضؤوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه، فاعلِفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئًا) (٣).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
هو قول الرسل جميعًا لأقوامهم، وهي رسالة التوحيد التي بعث بها جميعهم، وهي تتلخص بشهادة أنّ "لا إله إلا الله". كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.
стр. 1561
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.
أي: قد جاءتكم آية وحجة من ربكم تثبت لكم صدق نبوتي لكم، وكانوا قد سألوه بينة من قبل. فقال لَهُم نَبيُّهم صالح ﵊: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. وكانت الناقة قد أقامت - وفصيلها بعدما وضعته - بين أظهرهم مدة، تشرب ماء بئرها يومًا، وتدعه لهم يومًا. وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملؤون ما شاؤوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨].
وكذلك قوله جل ثناؤه: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
قال الحافظ ابن كثير: (وكانت تسرَحُ في بعض تلك الأودية ترد من فَجّ وتصدرُ من غيره ليسعها، لأنها كانت تتضلَّع من الماء، وكانت - على ما ذكر - خَلْقًا هائلًا ومنظرًا رائعًا، إذا مَرَّت بأنعامهم نفرت منها. فلما طال عليهم ذلك واشتد تكذيبهم لصالح النبي ﵇ عزموا على قتلها، ليستأثروا بالماء كل يوم، فيقال: إنهم اتفقوا كلّهم على قتلها. قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة طاف عليهم كُلُّهم، أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان أيضًا. قلت: وهذا هو الظاهر لأن الله تعالى يقول: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]، وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا. . .﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقال: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾. فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدَلَّ على رِضا جميعهم بذلك، والله أعلم).
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
قال الشهاب: (﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ - لم يقل: خلفاء عاد، إشارة إلى أن بينهما زمانًا طويلًا. ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أنزلكم في أرض الحجر. والمباءة المنزل. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنون في سهولها قصورًا
стр. 1562
لتسكنوها أيام الصيف. قال: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي: لتسكنوها أيام الشتاء).
وقال القرطبي: (﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمه. وهذا يدلّ على أن الكفار منعم عليهم).
وقال قتادة: (﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. يقول: لا تسيروا في الأرض مفسدين).
قلت: وفي الآية دلالة على جواز البناء الرفيع والاعتناء بالمسكن المتسع المليء بالمرافق، فإن المسكن الواسع الكثير المرافق من سعادة المسلم في هذه الحياة الدنيا. وفي ذلك أحاديث من السنة المطهرة:
الحديث الأول: أخرج الحاكم بسند حسن عن سعد مرفوعًا: [ثلاث من السعادة، وثلاث من الشقاوة، فمن السعادة: المرأة تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعةً كثيرة المرافق. ومن الشقاوة المرأة تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غِبْتَ عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفًا، فإن ضربتها أتعبتك، وإن تركتها لم تُلْحِقْكَ بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : [أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: [إذا أنعم الله على عبدٍ أحبَّ أن يُرى أثر النعمة عليه] (٣).
وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
стр. 1563
قال القرطبي: (ذُكر أن ابنًا لمحمد بن سيرين بنى دارًا وأنفق فيها مالًا كثيرًا، فَذُكِرَ ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأسًا أن يبني الرجل بناء ينفعه. ثم ذكر القرطبي الحديث السابق، وقال: ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى لو أنه اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك، فكذلك البناء).
قلت: وأما حديث: [أما إن كلَّ بناءٍ وبالٌ على صاحبه، إلا ما لا، إلا ما لا، يعني: ما لا بد منه] (١).
وحديث: [إنّ الرجل يؤجرُ في نفقته كلِّها إلا في هذا التراب] (٢). فالمراد منهما صرف المسلم عن الاهتمام بالبناء والتشييد إلا ما له به حاجة. قال الألباني ﵀: (وإن مما لا شك فيه أن الحاجة تختلف باختلاف عائلة الباني قلة وكثرة، ومن يكون مضيافًا، ومن ليس كذلك، فهو من هذه الحيثية يلتقي تمامًا مع الحديث الصحيح: "فراش للرجل، وفراش لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان" رواه مسلم (٦/ ١٤٦) وغيره).
وقال الحافظ - في الحديث السابق -: (وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه، مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾.
أي: استكبر الملأ الكافر واستهزؤوا بنبوة صالح ﷺ ، فأثبت المؤمنون النبوة وإيمانهم بها، واتباعهم نبي الله صالحًا ﵊. وأظهر المتكبرون كفرهم. قال القاسمي: (وإنما لم يقولوا: إنا بما أرسل به كافرون، إظهارًا لمخالفتهم إياها، وردًّا لمقالتهم). فالمقصود بقولهم: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ - أنهم أربَوْا تقليد المؤمنين بقولهم: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ حذرًا مما يكون في ظاهره إثبات رسالة صالح ﷺ ، وهم يجحدونها. ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ
стр. 1564
رَبِّهِمْ﴾. قال مجاهد: (عتوا في الباطل، وتركوا الحق). وقال: (علوا عن الحق، لا يبصرون). وقال: (علوا في الباطل). ثم قالوا: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾.
وقوله: تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
هو جواب طلبهم وتنطعهم.
قال مجاهد: (الرجفة: الصيحة). وقال ابن زيد: (﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: ميتين). فأهلكوا بالصيحة التي زلزلتهم وزعزعتهم وحركتهم للهلاك فكانوا كأمس الذاهب.
وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.
قال لهم صالح ﷺ بعدما أمره الله تعالى باعتزالهم وقد أوشك حلول نقمته بهم -: لقد أديت إليكم ما أمرت به من تحذيركم بطش ربكم وعذابه إن اخترتم البقاء على شرككم وكفركم ولكنكم لا تحبون الناصحين لكم بترك شهواتكم وأهوائكم وعاداتكم وتقاليدكم الفاسدة الجاهلية.
٨٠ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: واذكر يا محمد لوطًا حين واجه انحراف قومه في إشباع غرائزهم وشهواتهم بطريقة قبيحة فاسدة، إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة بطريقة خبيثة ما سبقكم بها أحد من قبلكم. إنكم لتأتون الرجال بدل النساء، وتسرفون فيما حرّم الله عليكم فكذبوه وردّوه، فأنجاه الله وأهله المؤمنين إلا امرأته، فإنها كانت للوط خائنة، وبالله كافرة. فأمطر الله تعالى قوم لوط حجارة من سجيل فأهلكهم بكفرهم
стр. 1565
وبغيهم وإفسادهم فانظروا إلى أي شيء صار مصير هؤلاء المجرمين.
فقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾.
لوط: هو لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل - عليهما الصلاة والسلام - وكان قد آمن مع إبراهيم ﵊ وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سَدُوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله ، ويحذرهم مغبة تلك الفواحش التي اخترعوها ولم يسبقهم إليها أحد من بني آدم أو غيرهم، وهي إتيان الرجال الرجال. قال عمرو بن دينار: (﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قال: ما نزا ذَكَرٌ على ذكر، حتى كان قوم لوط).
وفي لفظ: (ما رُئِيَ ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
قال ابن جرير: (إنكم، أيها القوم، لتأتون الرجال في أدبارهم، شهوة منكم لذلك، من دون الذي أباحه الله لكم وأحلّه من النساء، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، يقول: إنكم لقوم تأتون ما حرَّم الله عليكم، وتعصونه بفعلكم هذا. وذلك هو "الإسراف" في هذا الموضع). قلت: فالإسراف وضع الشيء في غير محله، وفعلهم هذا في غاية الإسراف والجهل. قال الوليد بن عبد الملك - الخليفة الأموي باني جامع دمشق: (لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥, ١٦٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٤, ٥٥].
فأجابوه: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٧ - ١٦٩].
стр. 1566
٣ - وقال تعالى يصف حوار لوط معهم: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١].
فأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا بأنهم لا يشتهونهن: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩].
قال ابن كثير: (أي: لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك. وذكر المفسرون أن الرجال كانوا قد استغنى بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن قد استغنى بعضهن ببعض أيضًا).
فقد حذرهم لوط ﵊ من مغبة التهاون بأمر الفواحش وهذا الانحراف الذي ما سبقهم إليه أحد من العالمين. وقد جمع لهم من حجة الوحي وقوة الحق، ما يبين لهم نتيجة هذا الاسترسال بالشهوة وإتيان الرجال دون النساء، حتى إذا أعجزوه بإصرارهم على منكرهم لجأ إلى الله العظيم، ليريح الواقع منهم ومن رجسهم، فاستجاب الله له فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٣, ٧٤]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
قال قتادة: (عابوهم بغير عَيْب، وذمُّوهم بغير ذمّ).
والمعنى: أنهم أجابوا لوطًا ﷺ حينما وبَّخهم على قبيح ما هم عليه من الفعل، والإصرار على العمل الخبيث، ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. أي: إن لوطًا ومن معه يتنزهون عما نفعله من إتيان الرجال في الأدبار. قال مجاهد: (﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال: من أدبار الرجال وأدبار النساء). وقال السدي: (يتحرَّجون).
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
أي: الباقين.
فإنه لم يؤمن بلوط ﷺ سوى أهل بيته كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥, ٣٦]. إلا امرأته بقيت على دين قومها تمالئهم عليه وتُعْلِمُهُم بمن يَقْدُم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم - كما
стр. 1567
ذكر المفسرون. فلما أوحى الله إلى لوط بمغادرة المكان لحلول العذاب خرج بأهله - وبقيت ولم يُعلمها - فكانت معهم من الهالكين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.
فقد أمطرهم الله حجارة من سجيل كان فيها هلاكهم، وتلك عاقبة المصرين على ارتكاب الفواحش والموبقات وركوب معصية الله: البوار والهلاك.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢, ٨٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨].
فوائد هامة من ذكر قوم لوط وانحرافهم:
١ - الفائدة الأولى: تحريم الإسلام النظر إلى الأمرد الحسن لغير حاجة شرعية. فإن ذلك داخل تحت قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
وتحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
قال ابن الجوزي ﵀: (والفقهاء يقولون من ثارت شهوته عند النظر إلى الأمرد حرم عليه أن ينظر إليه، ومتى ادعى الإنسان أنه لا تثور شهوته عند النظر إلى الأمرد المستحسن فهو كاذب، وإنما أبيح على الإطلاق لئلا يقع الحرج في كثرة المخالطة بالمنع، فإذا وقع الإلحاح في النظر دل على العمل بمقتضى ثوران الهوى).
وقال سعيد بن المسيب: (إذا رأيتم الرجل يلح النظر إلى غلام أمرد فاتهموه).
وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: [الحلال بَيِّنٌ، والحرام بيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهات، لا يعلمُها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحِمى يوشِكُ أن يواقِعَهُ، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حِمى الله تعالى في أرضه محارمُه، ألا وإن في الجسد مُضغة، إذا صلحت صلح الجسدُ كُلُّه، وإذا
стр. 1568
فسدت فَسَدَ الجسدُ كله، ألا وهي القلب] (١).
وفي المعجم الأوسط للطبراني بسند حسن من حديث عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، فدعْ ما يريبُك إلى ما لا يريبُك] (٢).
٢ - الفائدة الثانية: تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة، أو المبيت تحت غطاء يجمع ويقرب بينهما.
ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد] (٣).
٣ - الفائدة الثالثة: تغليظ عقوبة من يعمل عمل قوم لوط.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به] (٤).
وإما إتيان النساء في أدبارهن فهو اللوطية الصغرى، ملعون صاحبها.
فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [ملعونٌ من أتى امرأة في دبرها] (٥). وله شاهد عندهما بلفظ: [من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد].
стр. 1569
٨٥ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله تعالى أنه أرسل إلى قبيلة مدين نبيَّه شعيبًا منهم، فدعاهم إلى إفراد الله بالتوحيد والعبادة والتعظيم، وقد جاءتهم علامة وحجة من الله على صدقه، وحذرهم من الخيانة ومغبة التلاعب بالكيل والوزن وحقوق العباد، أو الإفساد في الأرض بالكفر والظلم بعدما أصلح أمرها الرسل وأتباعهم الصالحون، فهو خير لهم إن كانوا صادقين في إيمانهم بالله العظيم. ثم حذرهم من قطع طريق الناس في أموالهم أو في دينهم، وذكّرهم إذ كانوا قلة فقراء فكَثَّر عددهم وأغناهم، وأمرهم بالنظر فيما
стр. 1570
آل إليه من قبلهم من المفسدين. ثم أخبرهم أنه وإن اختلفتم في أمر الرسالة والنبوة وتصديقها فكنتم فريقين: فإن العاقبة للمؤمنين. فما كان من سادة الكفر في القوم إلا أن هدّدوا شعيبًا ومن معه بالإبعاد من القرية أو العودة إلى دين الآباء! فأجابوهم: أولو كنا كارهين. إننا نكون من المفترين على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم ودينكم بعد أن أنعم الله علينا بالهداية إلى الحق، والأمر كله بمشيئة الله، فالهداية والضلال أمران بيده سبحانه، وإنما نحن نتوكل على ربنا ليفصل بيننا وهو خير الفاصلين. فقال الملأ الكافر حينئذ في عجرفة وكبر: لئن اتبعتم شعيبًا فأنتم عندئذ الخاسرون، فعاجلهم الله تعالى برجفة من عنده وصيحة أخمدتهم فصاروا كأمس الذاهب وكانوا هم الخاسرين. وكان قد أدبر شعيب عنهم مغادرًا حين أيقن نزول عذاب الله فيهم وقال - وهو يحزنه كيف أمسى حالهم -: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف أحزن على قوم كافرين.
فقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾.
قال محمد بن إسحاق: (هم من سُلالة مدين بن مديان بن إبراهيم). وزعم كذلك ابن إسحاق في شعيب: أنه ابن ميكيل بن يشجن، واسمه بالسريانية "يثرون".
قال ابن كثير: (وتطلق مدين على القبيلة، وعلى المدينة - وهي التي بقرب مَعَان من طريق الحجاز، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ. . .﴾ [القصص: ٢٣]، وهم أصحاب الأيْكة).
وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
هذه دعوة الرسل جميعًا وهي منهاجهم.
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقيقة ما أقول، وصدق ما أدعوكم إليه).
وقوله: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾.
تحذير من الخيانة والتلاعب بالكيل والوزن وحقوق العباد.
стр. 1571
وفي الحديث: [ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان] (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
قال القرطبي: (البخس النقص. وهو يكون في السِّلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيّد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك مَنْهِيٌّ عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم).
وقال قتادة: (﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، قال: لا تظلموا الناس أشياءهم).
وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
قال القاسمي: (﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بالكفر والظلم ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعدما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم الصالحون العاملون بشرائعهم من وضع الكيل والوزن والحدود والأحكام).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قال النسفي: (﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل وترك البخس والإفساد في الأرض ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الإنسانية وحسن الأحدوثة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين لي في قولي).
وقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾.
فيه نهي من شعيب ﷺ قومه عن قطع الطريق المادي والمعنوي: طريق الناس وطريق الحق.
قال ابن عباس: (﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال: و"الصراط" الطريق، يُخوِّفون الناس أن يأتوا شعيبًا. قال: كانوا يجلسون في الطريق، فيخبرون من أتى عليهم: أن شعيبًا ﵇ كذاب، فلا يفتنكم في دينكم).
стр. 1572
وقال السدي: (كانوا يقعدون على كل طريق يوعدون المؤمنين). وفي لفظ: (كانوا عشارين، أي: يتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوهم أموالهم). وعن مجاهد: (﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تلتمسون لها الزيغ).
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾.
قال القرطبي: (أي: كثّر عددكم، أو كثركم بالغنى بعد الفقر. أي: كنتم فقراء فأغناكم).
وقوله: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.
قال النسفي: (أي: آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
قال القاسمي: (يعني: وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مؤمنة وكافرة ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ أي: بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين، فهو وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين).
وقوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.
إخبار من الله تعالى عن طريقة الملأ الكافر الذين واجهوا نبي الله شعيبًا ومن آمن معه بالتهديد والوعيد: بالنفي من القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم.
وقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي: ولو كنا كارهين تجبروننا عليه، أي: على الخروج من الوطن أو العود في ملتكم. أي: إن فعلتم هذا أتيتم عظيمًا).
وقوله: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
قال السدي: (يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها، إلا أن يشاء الله ربنا، فالله لا يشاء الشرك، ولكن نقول: إلا أن يكون الله قد علم شيئًا، فإنه
стр. 1573
وسع كل شيء علمًا). وقال ابن كثير: (وهذا ردّ إلى المشيئة، فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علمًا).
وقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾.
أي: ما توكلنا إلا على الله ربنا في أمورنا جميعًا ما نأتي منها وما نذر. قال ابن عباس: (﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾، يقول: اقض بيننا وبين قومنا). وقال قتادة: (اقض بيننا وبين قومنا بالحق). وقال السدي: (احكم بيننا). وقال النسفي: (﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ كقوله: وهو خير الحاكمين).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
أي: هالكون.
وقال النسفي: (أي: مغبونون لفوات فوائد البخس والتطفيف باتباعه لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية).
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
قال ابن كثير: (أخبر تعالى ها هنا أنهم أخذتهم الرجفة كما أرجَفُوا شعيبًا وأصحابه وتوِعَّدهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة "هود" فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾. والمناسبة في ذلك - والله أعلم - أنهم لما تَهَكَّموا بنبي الله شعيب في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، فجاءت الصيحة أسكتتهم. وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾، وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ. . (١٨٧)﴾. . الآية، فأخبر أنهم أصابهم عذاب يوم الظُّلَّة، وقد اجتمع عليهم ذلك كلُّه - أصابهم عذابُ يوم الظلة، وهي سحابة أظلَّتهم فيها شَرَرٌ من نار ولَهَب ووَهج عظيم، ثم جاءتهم صيحةٌ من السماء، ورجفةٌ من الأرض شديدة من أسفلَ منهم، فزهَقَتِ الأرواحُ، وفاضت النفوسُ، وخمدت الأجساد، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾).
стр. 1574
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.
قال ابن عباس: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾، يقول: كأن لم يعيشوا فيها). وقال قتادة: (كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا). وقال ابن زيد: (﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يكونوا فيها قط).
قال القرطبي: (﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ ابتداء خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأمر وتفخيمه. ولما قالوا: من اتبع شعيبًا خاسِر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول).
وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
أي: لقد أدبر شعيب عنهم مغادرًا من بين أظهرهم حين أيقن أن عذاب الله ونقمته لا محالة واقع بهم - وهو يقول -: يا قوم لقد أديت إليكم ما بعثني الله به إليكم وحذرتكم غضبه ومغبة الاستمرار على معصيته وبذلت لكم غاية النصح، فكيف أحزن على قوم كفروا بالله وأمره ووعده ووعيده.
قال ابن عباس: (﴿فَكَيْفَ آسَى﴾، يعني: فكيف أحزن).
وقال ابن إسحاق: (أصاب شعيبًا على قومه حُزْن، لما يرى بهم من نقمة الله، ثم قال يعزي نفسه، فيما ذكر الله عنه: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾).
٩٤ - ١٠٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ
стр. 1575
اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله تعالى عن سنته في أهل القرى الذين يستبيحون معصيته - إنه ما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه أهلها إلا سلطنا عليهم الضيق والبؤس والأمراض والأسقام لعلهم إلى ربهم يتضرعون. ثم بدلنا مكان الشدة رخاء حتى كثروا وكثرت أموالهم وتمتعوا بالعافية والنعيم، فنسبوا ذلك إلى تقلبات الدهر كما حصل للآباء في أيامهم، فالدهر تارات وتارات، فباغتهم الله حينئذ بالعذاب والهلاك من حيث لا يشعرون. إنه لو آمن أهل القرى واتقوا ربهم وشكروه حق شكره لأرسل عليهم السماء مدرارًا، ولأَنْبَتَ لهم في أرجاء أراضيهم نباتًا وثمارًا وأزهارًا، ولكنهم أصروا على تعظيم شهواتهم فعاجلهم سبحانه بعذابه ولم يُبْقِ على الأرض من الكافرين ديّارًا. هل أمن الناس وهم يصرون على ما يسخط ربهم أن يفاجئهم ربهم بالعذاب وهم نيام في ليلهم، أو وَهُم في النهار يسرحون في أعمالهم؟ هل يأمنون مكر ربهم مقابل مكرهم؟ إنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أم لم يتبيّن للذين يرثون الأرض من بعد أهلها - وهم يشركون بالله كسابقيهم من الأمم - أن الله لو شاء عاجلهم بعقاب مقابل ما اجترحوه من آثام، أو ختم على قلوبهم فلا يسمعون موعظة ولا ينتفعون هدى ولا تبصيرًا. هذه القرى - يا محمد - التي أهلكناها من الأمم التي سبقت قد جاءهم البلاغ المبين، من إخوتك الرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، فما كانوا ليختاروا الإيمان وهم يشركون، وقد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين، فيختم عليها عقوبة لأصحابها فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. وقد نقضوا عهد الله عليهم وميثاقه فما حملوا الأمانة بل كانوا أهل خيانة وأكثرهم كانوا فاسقين.
فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
قال السدي: (يقول: بالفقر والجوع). والتقدير: ما أرسلنا في قرية من نبي فكذبه
стр. 1576
أهلها إلا سلطنا عليهم البؤس وشظف المعيشة وضيقها، وسوء الأحوال في معيشتهم ودنياهم. قال ابن كثير: (يعني ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ ما يصيبهم من فقرٍ وحاجة ونحو ذلك).
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾
أي: يتضرعون. قال ابن جرير: (ولكن أدغمت التاء في الضاد لتقارب مخرجهما). والمعنى: أي امتحنهم الله تعالى بالشدة ليتضرعوا ويبتهلوا إليه سبحانه ويدعوه لكشف ما نزل بهم، إلا أنهم تكبروا فاختبرهم عندئذ بالرخاء.
وهو قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾.
قال قتادة: (مكان الشدة رخاء). وقال مجاهد: ﴿السَّيِّئَةِ﴾، الشر، و ﴿الْحَسَنَةَ﴾، الرخاء والمالُ والولد). أو قال: ﴿السَّيِّئَةِ﴾، الشر، و ﴿الْحَسَنَةَ﴾، الخير).
وقوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾.
قال ابن عباس: (يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم). وقال: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾، قال: جَمُّوا). وقال مجاهد: (كثرت أموالهم وأولادهم). وقال السدي: (حتى كثروا). وقال إبراهيم: (حتى جَمُّوا وكثروا). وقال ابن زيد: (كثروا كما يكثر النبات والرّيش، ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يشعرون).
قال القرطبي: (أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا).
وقوله: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾.
أي: فنحن مثلهم في تقلب الأيام والأحوال، وهكذا الدهر تاراتٌ وتاراتٌ، فيوم لنا ويوم علينا، ويوم نُساء ويوم نُسَرّ، وما استشعروا بغفلتهم ابتلاء الله لهم واختباره في الحالتين.
قال ابن جرير: (وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضله بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بتوضيح آلية الابتلاء، في الشدة والرَخاء، وكيف ينجو العبد وينجح في الاختبارين، ومن ذلك أحاديث:
стр. 1577
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [مَثَلُ المؤمن مَثَلُ الزرع، لا تزال الريح تُمِيلُهُ، ولا يزال المؤمن يصيبُهُ البلاء، ومَثَلُ المنافق كمثلِ شجرة الأرْزِ، لا تَهْتَزُّ حتى تُسْتَحْصَد] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد، من حديث مصعب بن سعد عن أبيه قال: [قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال: فقال: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح على شرط مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: [أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (٤).
الحديث الخامس: أخرج الدارمي وأحمد بسند صحيح عن صهيب قال: [بينا رسول الله ﷺ قاعدٌ مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (٥).
стр. 1578
الحديث السادس: أخرج أبو يعلى في "المسند"، والحاكم في "المستدرك" بسند حسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الرَّجل ليكونُ له عند الله المَنْزِلَةُ، فما يَبْلُغُها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبَلِّغَهُ إيّاها] (١).
الحديث السابع: أخرج الترمذي بسند حسن في الشواهد عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [لَيَوَدَّن أهلُ العافية يومَ القيامة أنَّ جلودَهُم قُرِضَتْ بالمقاريض، مما يَرَوْنَ من ثواب أهلِ البلاء] (٢).
وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، وهم لا يدرون ولا يعلمون أنه يجيئهم، بل هُمْ بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه).
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبيد بن خالد السلمي - رجل من أصحاب النبي ﷺ قال مرة: عن النبي ﷺ : [مَوْتُ الفَجْأَةِ أَخْذَةُ أسفٍ] (٣).
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال القرطبي: (يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. ﴿آمَنُوا﴾ أي: صدقوا. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أي: الشرك. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: المطر والنبات). قلت: (ويدخل في البركات كل وجوه الخير المختلفة).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا
стр. 1579
وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ [هود].
وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
أي: أخذناهم بالعذاب بتكذيبهم الرسل، وكفرهم وسوء كسبهم وما كانوا يعملون.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.
أي: هل أمن أهل القرى التي أرسل فيها الرسل أن ينزل بهم نكال الله وعذابه ليلًا وقت بياتهم وهم نائمون غافلون في كمال غفلتهم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.
أي: وهل أمن أهل هذه القرى أن يباغتهم عذاب الله نهارًا وهم يخوضون في الباطل ويلهون ويلعبون.
وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
أي: هل يأمن هؤلاء المسرفون في غيهم وضلالهم عذاب الله وجزاءه مقابل مكرهم، أو استدراجه لهم بالنعمة والصحة وسعة الرزق، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الهالكون.
قال الحسن البصري: (المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق، وَجِلٌ خائف. والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن).
أخرج الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأَمْنُ من مكر الله] (١).
وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله] (٢).
стр. 1580
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال مجاهد: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾: قال: يُبَيِّن). وقال ابن عباس: (أو لم يبيّن).
وقال السدي: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، يقول: أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها، هم المشركون).
وقال ابن زيد: (﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، أولم نُبَيِّن لهم، ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، قال: و"الهدى"، البيان الذي بُعث هاديًا لهم، مُبَيّنًا لهم حتى يعرفوا. لولا البيان لم يعرفُوا).
وقوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
أي: ونختم على قلوبهم فلا يسمعون عندئذ موعظة ولا ينتفعون تذكيرًا.
وقوله: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
أي: هذه القرى التي أهلكناها - كما قصصنا عليك من أخبارها - كقرى نوح وعاد ولوط وهود وشعيب وغيرهم، قد جاءهم البلاغ المبين من رسلهم وحجة الله البالغة. وهذا فيه تسلية لنبينا محمد ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه.
وقوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾.
فيه أقوال متكاملة:
١ - قال مجاهد: (أي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم). وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. . .﴾ [الأنعام: ٢٨].
٢ - قال ابن عباس والربيع: (كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل).
٣ - قيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة.
واختار ابن جرير القول الثاني وقال: (سبق في علم الله ﵎ لمن هلك من الأمم التي قصّ نبأهم في هذه السورة، أنه لا يؤمن أبدًا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم لم