فيه رسولُ الله ﷺ بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ] (١).
قال عبد الله بن عباس: (قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، يعني: في الصلاة المفروضة). وعن مجاهد قال: (في الصلاة). وعن ابن زيد: (أن المراد بذلك في الصلاة). وقال الحسن: (في الصلاة وعند الذكر).
ومن أقوال الفقهاء:
قال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: (لا يقرأ مَنْ وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يُسمعهم صوته، ولكنهم يقرؤون فيما لا يجهر به سرًا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾).
قال الحافظ ابن كثير: (هذا هو مذهب طائفة من العلماء: أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعي، وهو القديم كمذهب مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل. قال: وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم).
قلت: لا شك أن الأمر استقر على النهي عن القراءة مع الإمام في الجهرية، حتى ولو كان بفاتحة الكتاب للحديث السابق وقوله ﷺ : "ما لي أنازع"، وقول أبي هريرة: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ )، وفي رواية: (وقرؤوا في أنفسهم سرًا فيما لا يجهر فيه الإمام) (٢). وهناك إضافة إلى ذلك حديثان:
الحديث الأول: أخرج البيهقي من حديث عمر مرفوعًا - وفي آخره -: [مالي أنازع
стр. 1682
القرآن؟ ! أما يكفي أحدكم قراءة إمامه؟ ! إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا] وسنده حسن (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن أبي شيبة والدارقطني وأحمد عن جابر مرفوعًا: [من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة] (٢).
٣ - والآية تشمل مجالس العلم والذكر والعيدين والجمعة وحيث يُقرأ القرآن أثناء لقاء مشروع غير مبتدع.
فعن مجاهد: (﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة). وعن الحسن قال: (في الصلاة وعند الذكر). وقال: (إذا جلست إلى القرآن فأنصت له).
وقال سعيد بن جبير: (﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال: الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة).
واختار ابن جرير - شيخ المفسرين - أن المراد بالآية الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، لما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة.
قلت: وأما القراءة المبتدعة فلا يجب الإنصات لها، كأن يوضع القرآن على المنائر قبيل الصلوات في المساجد، أو يوضع على المكبرات في تعازي الناس ومآتمهم، أو يرفع الصوت ليسمع في السوق من بعض المحلات، فلا يجب على المارة الإنصات لذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
أَمْرٌ من الله تعالى بإخفاء الذكر والدعاء وعدم الاعتداء في ذلك، وحثٌ على العبادة في هذين الوقتين ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ أوائل النهار، ﴿وَالْآصَالِ﴾ أواخر النهار وفي العشيات.
قال مجاهد: (﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، الآية،
стр. 1683
قال: أمروا أن يذكروه في الصدور تضرعًا وخيفة). وقال ابن جريج: (يؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء).
قال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، فإنه يعني: بالبُكَر والعَشِيَّات).
والآصال جمع أصيل، كما الأيمان جمع يمين - هكذا في كلام العرب. والآصال هي وقت ما بين العصر إلى المغرب. قال ابن زيد: (﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: بالبكر والعشي).
وقال مجاهد: ("الغدو" آخر الفجر، صلاة الصبح، و"الآصال"، آخر العشي، صلاة العصر. قال: وكل ذلك لها وقت، أو الفجر وآخره. وذلك مثل قوله في سورة آل عمران: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. وقيل: "العشي" مَيْل الشمس إلى أن تغيب، و"الإبكار"، أول الفجر).
والخلاصة: في الآية نهي صريح عن رفع الصوت بالذكر والدعاء، أو التشويش على المؤمنين. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مالك في الصلاة، من حديث البياضي ﵁، عن النبي ﷺ وقد خرج على أصحابه وهم يرفعون أصواتهم بالقرآن، فكره ذلك - وقال: [لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: [كنا مع رسول الله ﷺ فكُنّا إذا أشرفنا على وادٍ هَلَّلْنا وكَبَّرْنا ارتَفَعَتْ أصواتُنا،
стр. 1684
فقال النبي ﷺ : يا أيها الناس! ارْبَعُوا على أنْفُسكم، فإنكم لا تَدْعون أَصَمَّ ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب] (١).
وأما ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: (أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ ) (٢). فالجواب عنه كما قال الشافعي في الأم (١/ ١٢٧): (وأحسبه إنما جهر قليلًا ليتعلم الناس منه). قال ابن الحاج: (فهذا الإمام الشافعي حمل ذلك على سبيل التعليم، فإن حصل التعليم أمسك).
قال ابن جرير: (وأما قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، فإنه يقول: ولا تكن من اللَّاهين إذا قرئ القرآن عن عظاته وعبره وما فيه من عجائبه، ولكن تدبر ذلك وتفهمه، وأشعره قلبك بذكرٍ لله، وخضوع له، وخوفٍ من قدرة الله عليك إن أنت غفلت عن ذلك).
وقال قتادة: (أمر الله بذكره، ونهى عن الغفلة).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
قال القاسمي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعني الملائكة الذين هم في أعلى مقامات القرب ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي: لا يتعظمون عنها. وقوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ أي: فينبغي أن يقتدى بهم فيما ذكر عنهم، ففيه حث ولطف مرغب في ذلك. لأنه إذا كان أولئك - وهم ما هم في قرب المنزلة والعصمة - حالهم في عبادته تعالى وتسبيحه ما ذكر، فكيف ينبغي أن يكون غيرهم).
قال ابن كثير: (وإنما ذكرهم بهذا ليُتَشَبَّه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم. ولهذا شرع لنا السجود ها هنا لما ذكر سجودهم لله . كما جاء في الحديث: "ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها، يُتِمُّون الصفوفَ الأوَل، ويتراصون في الصف". وهذه أول سجدة في القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بالحث والترغيب على سجود التلاوة، في أحاديث:
стр. 1685
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلتا! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرتُ بالسجود فأبيت فلي النار] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر: [أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته، في غير وقت صلاة] (٢).
الحديث الثالث: روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سألت رسول الله ﷺ فقال: [عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة] (٣).
تم تفسير سورة الأعراف
بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
° ° °
стр. 1686
دروس ونتائج وأحكام
١ - الأعمال تمثل أجسامًا توزن بالحق مع صاحب العمل.
٢ - أول من قاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.
٣ - الصراط المستقيم هو منهاج الخير المؤدي للجواز على الصراط فوق جهنم إلى الجنة.
٤ - الكبر سبب شقاء إبليس وطرده من رحمة الله، وكذلكَ مصير بعض بني آدم.
٥ - الكلمات التي تلقاها آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
٦ - عدوك الذي يراك ولا تراه، يكون أشد مكرًا بك ووقيعة.
٧ - العمل المقبول ما وافق الشريعة وكان خالصًا من الشرك.
٨ - لم يحرم الله الطيبات، إنما حرّم الفواحش الظاهرة والباطنة.
٩ - لكل أمة أجل، ولا أحد أظلم ممن كذب على الله، ورؤوس الكفر والضلال يحملون يوم القيامةِ أثقالهم وأثقال من أضلوهم.
١٠ - لا يدخل الكافر الجنة، حتى يدخل الجملُ في سمّ الخياط.
١١ - أصحاب النار يجدون حقًا ما وعدهم الله من العذاب المقيم.
١٢ - أحيا الله لرسوله ﷺ أهل قليب بدر، فأسمعهم تقريعه لهم.
١٣ - الحسنة بعشر، والسيئة بواحدة، ويل لمن غلبت آحاده عشراته.
١٤ - الأعراف: رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم.
١٥ - الكفار يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، ولكن هيهات.
١٦ - الاستواء: العلو والارتفاع، والرحمن على العرش استوى.
стр. 1687
١٧ - الخلق لله والأمر، والدعاء يجب أن يكون خافتًا بذل واستكانة.
١٨ - العبادة يجب أن يرافقها الخوف والطمع: خوف غضب الله وعذابه، وطمع في رحمته ومغفرته وجنته.
١٩ - ينبت الله الموتى من قبورهم للقيام إلى أرض المحشر.
٢٠ - أول من عبد الأصنام قوم نوح، وأنجى الله نوحًا والمؤمنين وأغرق الكافرين.
٢١ - ذكر النعم يؤدي إلى شكر المنعم بتوحيده وعبادته وطاعته.
٢٢ - كفرت عاد فاستأصلها الله. . . إلا هودًا ومن آمن معه.
٢٣ - نهى رسول الله ﷺ المسلمين أن يشربوا من ماء ثمود، وأمرهم بورود الماء الذي كانت تشرب منه الناقة.
٢٤ - سألت ثمودُ إخراج ناقة من الصخرة فاستجاب الله لهم، فتمادوا فعقروها فاستأصلهم الله بصيحة من السماء.
٢٥ - قوم لوط أول من ابتدعوا إتيان الرجال دون النساء.
٢٦ - حد عمل قوم لوط قتل الفاعل والمفعول به.
٢٧ - التلاعب بالمكيال والميزان عمل قوم شعيب، دمرّهم الله بكفرهم وأفعالهم.
٢٨ - ابتلاء الله بالشدة والرخاء، والعاقبة للصابرين والشاكرين.
٢٩ - الإيمان سبب النعمة لأولياء الله، والكفر سبب النقمة من أعدائه.
٣٠ - ذُعِرَ فرعون من المعجزة، وَوَعدَ بالإيمان ثم نَكَلَ وَكَفَرَ، وقطع أيدي وأرجل السحرة المؤمنين، وصلبهم وهم صابرون.
٣١ - أَمْر الله بني إسرائيل أن يأخذوا بأشد ما في التوراة.
٣٢ - رحمة الله وسعت كل شيء، ومن توكل على رحمة الله كفاه الله.
٣٣ - محمد رسول الله إلى الناس كافة، بالشريعة الحنيفية السمحة، وكل من سمع به من أهل الكتابين وجب عليهم الإيمان به.
٣٤ - الميثاق حق، أخذه الله على بني آدم أمام أبيهم بنعمان قرب عرفة.
٣٥ - الإيمان بالربوبية يقتضي الإيمان بالألوهية ولوازم الأسماء والصفات.
٣٦ - ادعاء الغفلة وتقليد الآباء مرفوضان يوم القيامة.
стр. 1688
٣٧ - إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من فهمها وآمن بها وعمل بمقتضاها وحفظها ضمنت له الجنة.
٣٨ - الساعة لا تأتي بغتة، ولا يعلم موعدها أو الغيب إلا الله.
٣٩ - الاستعاذة خير ما يُدفع به الشيطان ويتصدى لوساوسه ونزغه.
٤٠ - الإنصات لقراءة الإمام واجبة، والقراءة فيما أسر واجبة.
٤١ - ذكر الله تعالى يجب أن يكون خفيًا وقورًا، لا صراخًا ورقصًا.
° ° °
стр. 1689
٨ - سُورَةُ الأَنْفَالِ
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٧٥)
أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عباس ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر] (١).
موضوع السورة
غزوة بدر وأحكام القتال، وتشريع قسمة الغنائم والأنفال، وأحكام خاصة في السياسة الشرعية والعلاقات الدولية
- منهاج السورة -
١ - تدخل الوحي لحل الخصام في الأنفال وإعطائها لرسول الله ﷺ يقسمها.
٢ - بيانُ أوجه النفل الذي ينفله الإمام، ووجل قلوب المؤمنين عند الذكر، وحقيقة مفهوم التوكل على الله تعالى.
٣ - اشتباك المسلمين والمشركين ببدر على غير ميعاد لأمر يريده الله تعالى.
٤ - إمداد الله المسلمين بألف من الملائكة مردفين، وإرساله النعاس على المؤمنين ببدر أمانًا من الخوف، وضرب الملائكة كل بنان من المشركين لتعطيل أكفهم عن حمل السيوف.
стр. 1690
٥ - المولي دبره عند الزحف يبوء بغضب من الله تعالى.
٦ - دعاء النبي ﷺ : "اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض أبدًا"، واستجابة الله دعاء أبي جهل بإنزال الهزيمة به وبقومه، ونصر المؤمنين مع نبيهم.
٧ - الكفار هم شر الدواب عند الله وأضل منها سبيلًا.
٨ - دعوة الله المؤمنين الاستجابة له ولرسوله، وتحذيره إياهم من الفتن المترتبة على مخالفة الأمر وتضييع الأمانة والانشغال بالمال والولد.
٩ - أثر صدق الإيمان والتقوى نور في القلب يميز به المؤمن بين الحق والباطل.
١٠ - مؤامرة قريش على قتل رسول الله ﷺ والإذن له بالهجرة.
١١ - ادعاء قريش أنها لو شاءت لأتت مثل هذا القرآن.
١٢ - ما أولياء الله، وما أهل مسجده، إلا المتقون.
١٣ - الكفار ينفقون أموالهم لحرب محمد والمسلمين، ولكنها ستكون عليهم حسرة.
١٤ - الأمر بقتال الكفار حتى لا يفتن المسلمون عن دينهم.
١٥ - تشريع قسمة الغنائم، والخمس يتصرف به إمام المسلمين في مصلحتهم.
١٦ - المؤمنون والمشركون كل رأوا خصومهم أقلاء في أعينهم.
١٧ - فرار الشيطان وجيشه يوم بدر حين رأى الملائكة تساند المسلمين.
١٨ - أرواح الكفار لا تخرج إلا بضرب من ملائكة الموت.
١٩ - مفهوم الإعداد وحشد الطاقات لقتال الأعداء، ومفهوم الجنوح للسلم وضوابط ذلك.
٢٠ - على مئة المسلم، أن لا يفروا من لقاء مئتين من الكفار.
٢١ - استشارة الرسول ﷺ أصحابه في أسارى بدر، وموافقة الوحي عمر.
٢٢ - المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض.
٢٣ - من آمن ولم يهاجر فليس له في الغنائم من نصيب.
٢٤ - الرسول ﷺ بريء من كلِّ مسلم يبقى بين المشركين.
٢٥ - أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث.
° ° °
стр. 1691
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾.
في هذه الآية: يعالج الله ﵎ الخلاف والشجار الذي صدر من بعض المؤمنين يوم بدر بشأن بعض المغانم، ويؤكد المرجعية في التحاكم والقَسْم لله والرسول، فيأمر بالتقوى والإصلاح، وترك التخاصم والتظالم، فإن طاعة الله ورسوله أعلى من كل عرض هذه الحياة الدنيا للمؤمنين الصادقين.
قال البخاري: (قال ابن عباس: الأنفال: المغانِم. قال قتادة: "ريحكم": الحرب. يُقال: نافِلة: عَطِية).
ثم قال: حدثني محمد بن عبد الرحيم: حدثنا سعيد بن سُلَيمان: أخْبرنا هُشَيْم: أخبرنا أبو بِشْرٍ عن سعيد بن جبير قال: (قلت لابن عباس ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بَدْر) (١).
وفي أسباب نزول هذه الآية أحاديث صحيحة:
الحديث الأول: أخرج الترمذي وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: [لما كان يومُ بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: هذا ليس لي ولا لك، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي بلائي، فجاءني الرسول ﷺ فقال: إنك سألتني وليس لي وإنه قد صار لي وهو لك. قال: فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية] (٢).
стр. 1692
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، بسند رجاله ثقات، عن عبادة بن الصامت قال: [خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس، فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على المعسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرَّة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، فقسمها رسول الله ﷺ على وفاق بين المسلمين] (١).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس ﵄: [أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، أما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأمَّا الشُّبان فتسارعوا إلى الغنائم. فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا ردءًا لكم ولو كان شيء لجئتم إلينا، فأبوا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾] (٢).
وقد ذكر ابن جرير بسنده عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال: (سمعتُ رجلًا يسأل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال ابن عباس ﵄: الفرس من النَّفْل، والسلب من النفل، ثم عاد لِمَسْأَلَتِهِ، فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه، ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحرِجُه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَلُ هذا؟ مثلُ صَبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب).
وله شاهد أخرجه عبد الرَّزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهريّ، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: (كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا سُئِلَ عن شيء
стр. 1693
قال: لا آمرك ولا أنهاك، ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نَبيّه ﷺ إلا زاجرًا آمرًا مُحلًا محرمًا. قال القاسم: فَسُلِّطَ على ابن عباس رجلٌ يسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان يُنَفَّلُ فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب، حتى سالت الدماء على عقبيه - أو على: رجليه - فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك).
وقد ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير ثم قال: (وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس: أنه فَسَّر النَّفل بما يُنَفّله الإمام لبعض الأشخاص من سَلَب أو نحوه بعد قَسْم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم).
ومن أقوال المفسرين في (الأنفال):
١ - عن عكرمة ومجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال: (الأنفال: الغنائم).
٢ - عن علي بن صالح بن حيّ قال: بلغني في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال: (السرايا).
٣ - وعن عطاء قال: (هو ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، دابّة أو عبدٌ أو متاعٌ، ذلك للنبي ﷺ يصنع فيه ما شاء).
٤ - عن ابن عباس قال: (ويقال "الأنفال": ما أخذ مما سقط من المتاع بعدما تُقَسَّم الغنائم، فهي نَفْلٌ لله ولرسوله)، وسئل مرة عن الأنفالِ فقال: (السَّلب والفرس). أو قال: (الفَرَس والدِّرع والرمحُ). وقال: (كان يُنَفّل الرجل سلَبَ الرجل وفرسه).
٥ - وعن مجاهد: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، قال هو الخمس. قال المهاجرون: لِمَ يُرْفَع عنا هذا الخمس، لم يُخْرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول).
والراجح ما ذكره شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀ حيث قال: (هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سَهْمه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل أو ببعض أسبابه، ترغيبًا له، وتحريضًا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك، ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس، لأن ذلك أمره
стр. 1694
إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصلوا إليه بغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر).
والخلاصة: الأنفال هي الزيادات على القَسْم، ويشهد لهذا المعنى أسباب نزول الآية كما سبق.
وقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال ابن جريج: (مَلَّكَه الله رسوله، يقسمه كما أراه الله).
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال القرطبي: (أمر بالتقوى والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللَّهُمَّ أصلح ذات البَيْنِ، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شَجَر بينهم اختلاف. أو مالَت النفوس إلى التَّشاحّ، كما هو منصوص في الحديث). وعن السدي: (﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبّوا).
قال ابن عباس: (هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم).
وقال ابن كثير: (أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه).
وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قال ابن زيد: (فسلموا لله ولرسوله، يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا).
قال ابن جرير: (﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مصدقين رسول الله فيما آتاكم من عند ربكم).
٢ - ٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
في هذه الآيات: إن علامة صدق الإيمان في حياة المؤمنين خوف قلوبهم وخشية أفئدتهم إذا ذكر الله تعالى، ثم إذا تليت آياته ازدادت قلوبهم إيمانًا، وهم لا يرجون
стр. 1695
في كشف حوائجهم غيره، ولا يدعون سواه، ولا يلوذون إلا بجانبه، ولا يرغبون إلا إليه. ثم إنهم يقيمون صلاتهم بوضوئها وركوعها وسجودها وبالمحافظة على مواقيتها وينفقون ما وجب عليهم في أموالهم من الصدقات المفروضة والنفقات الواجبة والمستحبة. إنهم بهذه الصفات الكبيرة هم أهل الإيمان والصدق حقًا، لهم الدرجات العلا عند ربهم، وقد تجاوز الله عن ذنوبهم وستر عيوبهم، ووعدهم على صدق الإيمان نعيم الآخرة وسرور الجنة ونعيمها ولذاتها.
فقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.
قال مجاهد: (فرِقت). وقال السدي: (إذا ذكر الله وَجِل قلبه). وقال: (هو الرجل يريد أن يظلم - أو قال: يهمّ بمعصية - أحسبه قال: فينزع عنه). وقال قتادة: (فرقًا من الله ﵎، ووجلًا من الله، وخوفًا من الله ﵎.
قلت: وهذه الصفة علامة فارقة بين المؤمنين والمنافقين، فقد تميز المؤمنون عن المنافقين بالخوف من الله وامتلاء القلوب بالوجل والخشية عند ذكره سبحانه، عكس المنافقين الذين يظهرون خوفًا مصطنعًا ويراؤون ويخشون على دنياهم ومناصبهم وشهواتهم. قال ابن عباس: (المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلّون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم. فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، فأدوا فرائضه، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، يقول تصديقًا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، يقول: لا يرجون غيره).
وعن الربيع: (﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، قال: خشية).
وعن قتادة: (﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، قال: هذا نعت أهل الإيمان، فأثبت نَعْتَهم ووصفهم، فأثبت صفتهم).
وهذه الآية تدل صراحة على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، وهو مذهب جمهور الأمة، وقد حكى الإجماع على ذلك أعلام الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد، وبوّب الإمام البخاري في صحيحه بابًا في (كتاب الإيمان) سماه: "باب: قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس" - وهو قول وفعل، ويزيد وينقص.
وقد دلت نصوص القرآن والسنة على ذلك:
стр. 1696
أولًا: في التنزيل الكريم:
١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
٤ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
٥ - وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].
٦ - وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
ثانيًا: في السنة المطهرة:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [لا تؤمنوا حتى تحابوا] (٣).
وقد ذكر البخاري في الباب آثارًا طيبة عن الصحابة الكرام في ذلك، منها:
١ - قال معاذ: (اجلس بنا نؤمن ساعة).
٢ - وقال ابن مسعود: (اليقين: الإيمان كله).
стр. 1697
٣ - وقال ابن عمر: (لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر).
٤ - وقال عمار: (ثلاث من جمعهنّ فقد جمع الإيمان، الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار).
وجاء في شرح العقيدة الطحاوية - لابن أبي العز الحنفي - في الأثر عن عمر أنه كان يقول لأصحابه: (هلموا نزدد إيمانًا).
قلت: وقد وصف الحديث النساء بأنهن ناقصات عقل ودين، وجاء في حديث الشفاعة خروج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان من النار، وغير ذلك مما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة، فكيف يقال بعدها إن إيمان أهل السماوات والأرض سواء؟ ! .
وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. أي: لا يرجون سواه، ولا يلوذون إلا بجانبه، ولا يلجؤون ولا يرغبون ولا يقصدون ولا يطلبون حوائجهم إلا منه سبحانه.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، يقول: الصلوات الخمس، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، يقول: زكاة أموالهم).
وقال قتادة: (إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها).
وقال مقاتل بن حيان: (إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ هذا إقامتها).
وعن قتادة: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ - قال: فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عَواريُّ وودائع عندك يا ابن آدم أوشكت أن تفارقها).
قال ابن كثير: (والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾.
قال ابن عباس: (يقول: برئوا من الكفر).
وقال قتادة: (استحقُّوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم).
стр. 1698
وقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
قال مجاهد: (﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: أعمال رفيعة).
وعن قتادة: (﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، قال: لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، قال: الجنة).
وعن الضحاك: (﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفلُ أنه فُضِّل عليه أحد).
قلت: ولا شك أن الدرجات هي منازل ومقامات ومراتب يتفاوت بها المؤمنون في الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].
وكقوله جل ذكره: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣].
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجه وأحمد بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن الرجل لتُرْفَعُ درجتُهُ في الجنة، فَيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: [إنّ أهل الجنة ليتراءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كما تتراءَوْنَ الكوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أو المَغْرِبِ، لِتَفاضُل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازِلُ الأنبياء، لا يَبْلُغُها غيرُهم، قال: بلى، والذي نفسي بيده! رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المُرْسلين] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى في "مسنده"، والحاكم في "مستدركه" بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الرجل ليكون له عند الله المنزلةُ،
стр. 1699
فما يَبْلُغُها بعملٍ، فما يزال اللهُ يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها] (١).
وفي قوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، يقول: وعفو عن ذنوبهم، وتغطية عليها، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، قيل: الجنة. وهو عندي: ما أعدّ الله في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب وهنيء العيش).
٥ - ٨. قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.
في هذه الآيات: يقول تعالى ذكره لنبيّه ﷺ : كما أخرجك ربك من بيتك في المدينة ليوم عظيم من أيام الله ليفصل به سبحانه بين الحق والباطل، كذلك يجادلونك في الحق وهو القتال الذي أراده الله بين فئة الإيمان وفئة الشيطان، وبعض المؤمنين كارهون للقاء، وما زالت في قلوبهم بقية أثر بالاستيلاء على العير والغنائم. إنهم يجادلون في ذلك كراهة للقاء القوم وكأنما يساقون إلى الموت كراهية لا طواعية وهم ينظرون.
وإذ يعدكم - يا محمد - الله تعالى إحدى الطائفتين: العير أو ذات الشوكة والقتال، وتودون طائفة العير بأموالها ومتاعها دون تعب وعناء، والله تعالى يحب لكم أن تلقوا عدوكم وتكسروا شوكته بصدق جهادكم ومجالدتكم وصبركم عند الالتحام ليعلي كلمة الحق بصدق أهلها ويخزي فئة الكافرين. ليحق الحق والوحي ومنهاج النبوة ويبطل الباطل والكبر في الأرض والعلو بغير الحق ولو كره المجرمون.
فقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾. قال مجاهد: (كذلك يجادلونك في الحق، القتال).
وقوله: ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾. يعني: من المدينة.
وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾. قال القرطبي: (أي لكارهون ترك مكة
стр. 1700
وترك أموالهم وديارهم). وقال السدي: (لطلب المشركين).
وأما قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾. قيل: قول بعضهم للنبي ﷺ يوم بدر: (أخرجتنا للعير ولم تعلمنا قتالًا فنستعد له).
قال ابن جرير: (كما أخرجك ربك بالحق على كره من فريق من المؤمنين، كذلك يجادلونك في الحق بعدما تبيّن - وهو لقاء العدو -).
ثم قال سبحانه: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي كراهة للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم).
ثم قال جل ذكره: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. قال قتادة: (الطائفتان، إحداهما: أبو سفيان بن حرب إذ أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى: أبو جهل معه نفر من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يلقوا العير، وأراد الله ما أراد).
وقال ابن إسحاق: (قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أي الغنيمة دون الحرب).
ثم قال : ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (ويريد الله أن يحق الإسلام ويعليه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمره إياكم أيها المؤمنون بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة والمال، ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾: يريد أن يَجُبَّ أصل الجاحدين توحيدَ الله).
وقال ابن إسحاق: (أي الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر).
فالله سبحانه أيها المؤمنون يحب المعالي والقوة والشوكة، وذلك هو الجهاد في سبيله لقهر عدوه ونصر دينه وكلمته، وأن تلتقي السيوف بالسيوف، سيوف الحق التي تقهر سيوف الباطل، وأنت تحبون ما هو دون ذلك من المال ومتاع الحياة الدنيا.
قال سبحانه: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. قال قتادة: (هم المشركون).
٩ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ
стр. 1701
إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾.
في هذه الآيات: يعرج سبحانه على ما جرى في أرض المعركة، إذا اصطف الفريقان وأيقنا أن القتال واقع لا محالة، وقد تغيّرت معالم الأمر الذي كان الصحابة ﵃ يرغبونه وقد خرجوا من أجله، وانصرف التفكير إلى القتل والنصر أو الشهادة، وهنا استقبل النبي ﷺ القبلة ثم مدّ يديه يستغيث ربه ويسأله نصر عصابة المؤمنين، وأن ينزل مدده وينجز وعده بكسر شوكة الكافرين، فاستجاب الله تعالى دعاءه ووعد بالإمداد بألف من الملائكة متتابعين. وأراد بذلك سبحانه تبشير نبيّه والمؤمنين، وطمأنة قلوب هؤلاء المجاهدين، فلا نصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. وقد أنزل سبحانه المطر الخفيف أثناء نوم فئة الإيمان، وجعله طمأنينة تنعش صدورهم وتثبت قلوبهم وتغسل عنهم وسواس الشيطان ومحاولات مكره وتثبيطه، وتشد أقدامهم إذا وقفوا للقتال على أرض المعركة وقد اختلط ترابها بالماء فأمسكت. لقد أوحى الله تعالى إلى الملائكة بالنزول السريع إلى أرض الميدان، وبث الرعب في قلوب المشركين، وضرب رقاب الكفرة، وأصابعهم من تحت قبضة السيف. ذلك ليخزيهم ربهم بسبب كفرهم وشقاقهم الله ورسوله والله شديد العقاب. ذلك ليذوقوا وبال أمرهم ويوم الحساب ينتظرهم عذاب النار.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: [لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل
стр. 1702
الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا. قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾] (١).
قال ابن عباس: (مردفين: متتابعين، قال: وراء كل ملك ملك).
وقال مجاهد: (ما مدّ النبي ﷺ مما ذكر الله غيرُ ألف من الملائكة مردفين، وذكر الثلاثة والخمسة بشرى).
أي لو احتجتم أكثر من ذلك لأسعفناكم ولزودناكم بالمدد بعد المدد، فاطمئنوا ولتسْتبشر قلوبكم، ولا سبيل لنصر في هذه الحياة الدنيا إلا من عند الله، إنه وحده العزيز الحكيم، ولذلك قال تعالى بعدها:
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ثم قال جل ذكره: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.
لقد قضى المسلمون ليلًا هادئًا - قبل المعركة - بات فيه رسول الله ﷺ يحرسهم، وهذه قيادة عظيمة لا مثيل لها في التاريخ، إذ يقوم القائد ليله في حراسة جنده، وتساقطت أمطار خفيفة أنعشت صدورهم وطمأنت قلوبهم وتماسكت بها الأرض لتشهد في الغد قتال الرجال.
قال ابن إسحاق: (﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾، أي: أنزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون).
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن علي ﵁ يصف كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدر - قال: [لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ ، فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح. . ثم إنه أصابنا من الليل طَشّ من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحَجف (٢) نستظل تحتها من المطر،
стр. 1703
وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد. فلما طلع الفجر نادى: الصلاة، عباد الله. فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلَّى بنا رسول الله ﷺ وحرَّض على القتال] (١).
وعن مجاهد: (﴿مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، قال: المطر، أنزله عليهم قبل النعاس، ﴿رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾، قال: وسوسته. قال: فأطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم).
وقال ابن زيد: (﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾، الذي ألقى في قلوبكم: ليس لكم بهؤلاء طاقة! ).
وعن السدي: (﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾، حين تشتدون على الرمل، وهو كهيئة الأرض).
ثم قال جل ثناؤه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾. أي: أنصركم، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. أي: قووا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين. قيل: تثبيتهم كان حضورهم الحرب معهم. وقيل: بل معونتهم بقتال أعدائهم.
ففي شرح النووي على صحيح مسلم، قال ابن عباس: [بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم - وهو اسم فرس الملك - فنظر إلى المشرك أمامه فخرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: صدقت ذلك مدد من السماء الثالثة] (٢).
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار، قال: (أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصْعدنا في جبل يشرف بنا على بَدْر، ونحن مُشْركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدّبْرة - الدائرة -، فننتهب مع من ينتهب، قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنتْ منّا سحابة، فسمعنا فيها حَمْحَمة الخيل،
стр. 1704
فسمعت قائلًا يقول: أقدِمْ حَيْزوم، فأما ابنُ عمي فانكشف قِناع قلبه، فمات مكانَه، وأما أنا فَكِدْتُ أهلِك، ثم تماسكت).
وروى الإمام أحمد بسند حسن عن علي بن أبي طالب ﵁ قال - في يوم بدر -: [فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله! إنَّ هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجْلَحُ - أي: منحسر الشعر على جانبي رأسه - من أحسن الناس وجهًا على فرسٍ أبلقَ ما أُراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أَسَرْتُهُ يا رسول الله. فقال: اسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم] (١).
ورواه ابن جرير من حديث ابن عباس قال: (كان الذي أسرَ العباس أبو اليَسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلًا مجموعًا، وكان العباس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليسر، كيف أسرت العباس أبا اليسر؟ قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجل ما رأيتهُ قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! . قال رسول الله ﷺ : لقد أعانك عليه ملك كريم).
وقال ابن إسحاق: (وحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا، قال: إني لأتبع رجلًا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقعَ رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري) (٢).
وهذه الآثار يقوي بعضها بعضًا، وهي عادة مما تشتهر بين الناس أكثر من غيرها، وأمر مشاركة الملائكة يوم بدر ثابت في نص القرآن الكريم وكذلك ببعض ما في السنة الصحيحة المتواترة.
فقد أخرج الإمام أحمد والبخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي، عن النبي ﷺ قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدّون من شهِدَ بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا، قال: وكذلك من
стр. 1705
شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيارُ الملائكة"] (١).
وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.
أي: سأرعب قلوب الذين كفروا بي - أيها المؤمنون - منكم، وقد تولت الملائكة المهمة إضافة لضرب الرؤوس وكل بنان.
لقد ثبتت مشاركة الملائكة يوم بدر في فصل رؤوس المشركين وإلقائها، وقطع أعضائهم ورميها، إضافة إلى بث الهلع والذعر في نفوس الطغاة والمتكبرين.
يروي ابن سعد عن عكرمة قال: (كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها).
قال ابن إسحاق: (وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أُسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا، قال بعد أن ذهب بَصَرُه: لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشِّعبَ الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى).
قال الضحاك: (﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾: اضربوا الأعناق).
وقال عكرمة: (الرؤوس).
وقال ابن جرير: (إن الله أمر المؤمنين مُعَلِّمَهُم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل).
ومن المفسرين من أرجع الضمير في ﴿وَاضْرِبُوا﴾ إلى المؤمنين، ومنهم من أرجعه إلى الملائكة ليكون بذلك أمرٌ من الله لهم.
قال القرطبي: (والضرب على الرأس أبلغ، لأنه أدنى شيء يؤثر في الدماغ. قال فإذا ضربت البنان - وهي الأصابع وغيرها من الأعضاء - تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء).
وقال الربيع بن أنس: (كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به).
قلت: والآية تدل على إعجاز عملي ظهر في أرض المعركة للعيان، فإن الله سبحانه
стр. 1706
قد دلَّ على حضور الملائكة وشهودها القتال يوم بدر بهذه الآية المعجزة في آفاقها وبيانها وخبرها، فكان ضرب الرقاب من الخلف لتقطع مع أن المواجهة كانت من الأمام من قبل المؤمنين علامة مشاركة الملائكة في قتل المشركين، أضف إلى ذلك أن الضربَ فوق البنان صعب عادة في أثناء المسايفة، لوجود قبضة السيف التي تحمي اليد والأصابع، فكان ظهور البنان من الكفار مقطعًا في نهاية المعركة هو بحدّ ذاته دليل آخر على حضور الملائكة أكّده الله تعالى للمؤمنين بقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
قال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم، جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم عليه. ومعنى قوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمرَ الشيطان. ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، له. وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم، وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم، وحذف "له" من الكلام، لدلالة الكلام عليها).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾.
قال النسفي: (أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة).
وقال القرطبي: (ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين).
والمقصود: هذا العذاب في الدنيا بأيدي الملائكة والمؤمنين من الضرب فوق الأعناق منكم ومن ضرب الأيدي والأعضاء وكل بنان، هو عذاب عاجل، له متابعة في خزي وعذاب ونكال آجل، أعدّه الله للكافرين في نار جهنم وبئس المصير.
١٥ - ١٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ
стр. 1707
اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.
في هذه الآيات: توجيه الباري الخطاب إلى المؤمنين يحذرهم من الفرار من ساحة القتال، ويخبرهم أن ذلك من أكبر الكبائر، وأنه لا حجة لأحد بذلك إلا أن يكون متحرفًا لقتال ضمن خطة مدبرة للإجهاز على العدو أو ضمن عمليات كرٍّ وفرٍّ، وإلا فإن عذاب الفرار من البأس عند الله شديد.
ثم إنكم لم تقتلوهم أنتم بقوتكم وشجاعتكم ولكن الله قضى قتلهم فأعانكم ورضي منكم الامتثال فأظهر ذلك كرامة منه لكم على أيديكم، وكذلك ما كان من أثر الرمي فإن إصابة الهدف كان بعون الله وتوفيقه وليختبر سبحانه المؤمنين، إنه سميع عليم.
وكل ما حصل لكم من توفيق الله ونصرٍ كان من الله تعالى ليوهن كيد الكافرين.
فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.
قال القرطبي: (الزحف: الدنوّ قليلًا قليلًا. يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفِرّوا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرّم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار جمع دُبُر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفارّ، ذامّة له).
ثم قال: (أمر الله في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مُقَيَّد بالشريطة المنصوصة في مِثْلَي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضِعْفُ المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يَفِرّوا أمامهم. فمن فرّ من اثنين فهو فارٌّ من الزحف، ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجّه عليه الوعيد).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.
أخرج أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد قال: [نزلت في يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾] (١).
قال الضحاك: ("المتحرف"، المتقدم من أصحابه ليرى غِرَّة من العدو فيصيبها.
стр. 1708
قال: و"المتحيز"، الفار إلى النبي ﷺ وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره وأصحابه. قال: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد ﷺ ، أن لا يفروا، وإنما كان النبي ﵊ وأصحابه فئتهم).
وقال السدي: (أما "المتحرف"، يقول: إلا مستطردًا يريد العودة، ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، قال: "المتحيز"، إلى الإمام وجنده إن هو كرّ فلم يكن له بهم طاقة، ولا يُعذَر الناس وإن كثروا أن يُوَلُّوا عن الإمام).
قال الحافظ ابن كثير: (﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، أي: يفر بين يدي قِرْنِهِ مَكِيدة، ليريه أنه خاف منه فيتبعه، ثم يَكُرّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير والسُّدِّي.
قال: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، أي: فرَّ من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة).
وقوله: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
أي: فقد رجع بغضب من الله وسخط مقابل فراره وتعريض الأمة لاستقبال الهلاك، ثم معاده عذاب جهنم في الآخرة وبئس المستقر والموضع والمنزل يصير إليه.
وقد حفلت السنة المطهرة بكنوز من جوامع الكلم في آفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه في السنن، والبخاري في الأدب المفرد - واللفظ له - بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله ﷺ بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومَنْ تَرَكَها متعمدًا برئت منه الذمة، ولا تشربن الخمر، فإنها مفتاحُ كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن
стр. 1709
تخرج من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنْفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله ] (١).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن، عن بلال بن يسار بن زيد - مولى النبي ﷺ قال: سمعت أبي يحدثنيه عن جدي: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فَرَّ من الزحف] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن بشير بن مَعْبد - ابن الخصاصية - قال: [أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط عَلَيَّ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدِّي الزكاة، وان أحُجَّ حجّة الإسلام، وأن أصومَ شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من وَلّى الدُّبُر فقد باء بِغَضَبٍ من الله، فأخاف إن حضرتُ ذلك جَشِعَت نفسي وكَرِهْتُ الموت - والصدقة، فوالله مالي إلا غُنَيْمَةٌ وعَشْرُ ذُودٍ هُنَّ رَسلُ أهلي وحَمُولتهم. فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حرّك يده، ثم قال: فلا جهادَ ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذن؟ ! فقلت: يا رسول الله، أنا أبايعك. فبايعتُه عليهنَّ كُلهنَّ] (٣).
وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
قال النسفي: (والفاء جواب لشرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، ولما قال جبريل للنبي ﷺ : خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرمى بها في وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه"، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا.
стр. 1710
قيل ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ يا محمد ﴿إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسبًا وإلى الله تعالى خلقًا لا كما تقول الجبرية والمعتزلة لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله: إذ رميت، ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله: ولكن الله رمى، ولكن الله قتلهم).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بأسباب نزول هذه الآية في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند حسن لغيره، عن حكيم بن حزام، قال: [لما كان يوم بدر أمر رسول الله ﷺ فأخذ كفًا من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها وقال: شاهت الوجوه، فانهزمنا، فأنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني - ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس: [أن النبي ﷺ قال لعلي: ناولني كفًا من حصى، فناوله فرمى به وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنها: [نزلت لما رمى النبي ﷺ أبي بن خلف] (٣).
وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾.
قال ابن إسحاق: (أي: ليعَرِّفَ المؤمنين من نعمه عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقّه، وليشكروا بذلك نعمته).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: (أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغَلَب).
стр. 1711
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مُضْعِفُ، ﴿كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، يعني: مكرهم، حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يُهْلَكوا).
وقال النسفي: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع، أي الأمر ذلكم). واختار شيخ المفسرين أن ﴿ذَلِكُمْ﴾ تشمل قتل المشركين، ورميهم حتى انهزموا، وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم، وإمكانهم من قتلهم وأسرهم.
١٩ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾.
في هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المشركين يوم بدر: إن تطلبوا القضاء أو تستنصروا وترغبوا في الفصل فقد جاءكم ما سألتم، من الذل الذي كتبه الله عليكم بكفركم، وإن تنتهوا عن الكفر والتكذيب فهو خير لكم في دنياكم وأخراكم، وإن تعودوا إلى العناد والكفر نعد عليكم بوقعة مشابهة في الخزي والألم ولن تغني عنكم جموع الدنيا حينئذ، فإن من كان الله في نصره لا تغلبه فئة ولو كثرت.
يا أيها الذين آمنوا التزموا طاعة الله ورسوله واحذروا الفرار والتولي عن نبيّه وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من البراهين والحجج وآيات الذكر الكريم.
وإياكم من ترك العمل بالعلم أو فصل القول عن العمل، شأن المنافقين أو
стр. 1712
المشركين المستهزئين، فإن شرَّ الخلق والخليقة هو هذا الضرب من بني آدم يعاندون العلم بعد الفهم ويكابرون الحق بعد العقل، وقد علم الله أنه لا خير فيهم فحرمهم من الهداية وأطفأ نور قلوبهم جزاء بما كانوا يكسبون. يا معشر المؤمنين أجيبوا ربكم ونبيكم إذا دعاكم لما فيه نفعكم وصلاحكم واعلموا أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمان، فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه ثم إلى ربكم تحشرون. واحذروا امتحانًا من الله يشمل المسيء وغيره، والعاصي وسواه، إذ إنّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يترتب عليه كل شر، وتذكروا أن الله شديد العقاب.
فقوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - قال الضحاك: (إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء).
٢ - قال ابن عباس: (يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد).
٣ - قال الزهري: (استفتح أبو جهل فقال: اللهم - يعني محمدًا ونفسه - أينا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم! قال الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾).
٤ - قال قتادة: (قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرَةً لمن اعتبر).
فالمعنى: إن تستقضوا الله أو تستنصروه أو تستحكموه - معشر الكفار يوم بدر - أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم.
أخرج الحاكم وابن جرير بسند صحيح عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير قال: [كان المستفتح يوم بدر أبا جهل، قال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لم نعرف، فَأحِنْهُ الغداة، فأنزل الله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾] (١).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. أي: إن تنتهوا عن الكفر والتكذيب وحرب النبي ﷺ فهو خير لكم في دنياكم ومعادكم.
стр. 1713
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾. أي: إن تعودوا إلى العناد والكفر نعد لكم بوقعة مشابهة فيها ذُلُّكُم وصغاركم وهزيمتكم.
وقال السدي: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى الاستفتاح ﴿نَعُدْ﴾ إلى الفتح لمحمد ﷺ والنصر له وتظفيره على أعدائه).
والأول أقوى ولا مانع من المعنى الآخر، وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]، وتحمل معنى مشابهًا.
وقوله: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ولو جَمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالبَ له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزبُ النبويُّ، والجنابُ المصطَفويُّ).
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: (أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾.
قال ابن إسحاق: (أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه).
أي: هو أمر بطاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ وعدم التولي عنه وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من حجج القرآن العظيم وبراهين الوحي الكريم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ - على قولين عند المفسرين:
١ - قال ابن إسحاق: (أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسِرّون المعصية).
وعن مجاهد: (﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، قال: عاصون).
٢ - قال ابن جرير: (يقول: لا تكونوا، أيها المؤمنين، في مخالفة رسول الله ﷺ ، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: ﴿قد سمعنا﴾، بآذاننا، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه).
стр. 1714
قلت: والبيان الإلهي يشمل المنافقين والكافرين ومن مضى على منهاجهم في ترك العمل بالعلم، أو فصل القول عن العمل.
قالى القرطبي: (فدلّت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
إخبار من الله تعالى أن شر الخلق والخليقة هو هذا النوع من بني آدم، وهذا الصنف من الناس، الذين يعلمون الحق ثم هم يعاندونه بعد الفهم ويكابرون بعد العقل.
قال ابن زيد: (الدواب: الخلق).
وقال مجاهد: (﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: الذين لا يتبعون الحق).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن شر ما دبَّ على الأرض من خلق الله عند الله، الذين يصغون عن الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكصُون عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم).
وفي التنزيل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، وكذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
أي: قد علم الله أنه لا خير فيهم فلم يدع المواعظ تؤثر في قلوبهم، لشدة الران عليها من ازدحام المعاصي والآثام.
ثم إن حالهم يشهد بذلك - الذي قضاه الله وكتبه بعلمه - فإنه لو أسمعهم آياته تتلى وحججه البينات تقرع لولوا معرضين كارهين.
قال ابن زيد: (﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾، بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به)، وقال: (لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون).
أخرج الترمذي في جامعه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت
стр. 1715
رسول الله ﷺ يقول: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جفّ القلم على علم الله ] (١).
وأخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة، ورجاله رجال الشيخين، عن أبي هريرة: [أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله! أنعمل في أمر نأتَنِفُهُ، أم في أمر قد فرغ منه؟ قال: بل في أمر قد فرغ منه. فقال: ففيم العمل؟ . فقال: يا عمر، كلا لا يدرك إلا بعمل. قال: فالآن نجتهد يا رسول الله] وأصله في الصحيحين (٢).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
أي: يا معشر المؤمنين أجيبوا ربكم ونبيكم إذا دعاكم لما فيه مصلحتكم وحياتكم ونفعكم. وفيه أقوال:
١ - قال السدي: (أما ﴿مَا يُحْيِيكُمْ﴾، فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم).
٢ - قال مجاهد: (قول الله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، قال: الحق).
٣ - قال قتادة: (هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة).
٤ - قال ابن إسحاق: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم).
قلت: وكل ما سبق داخل تحت مفهوم قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
قال البخاري: (﴿اسْتَجِيبُوا﴾: أجيبوا. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: لما يُصْلِحُكم).
ثم ذكر البخاري في كتاب التفسير من صحيحه تحت هذه الآية حديث أبي سعيد بن
стр. 1716
المُعَلَّى ﵁ قال: [كنتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بي رسول الله ﷺ فَدَعاني، فَلَمْ آتِه حتى صَلَّيْتُ، ثم أتيتُه، فقال: ما مَنَعَك أن تَأتيَ؟ أَلَمْ يَقُل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾. ثم قال: لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سورةٍ في القرآن قبل أن أخرج، فذهب رسول الله ﷺ ليخرج فذكرتُ له. قال: هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، السَّبعُ المثاني].
وفي لفظ: [ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأُعَلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه] (١).
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ - فيه أقوال متكاملة:
١ - قال سعيد بن جبير: (﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر). أو قال: (يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان).
٢ - قال ابن عباس: (يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله).
قال النَسفي: (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله. أو بينه وبين ما تمناه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه).
٣ - قال الضحاك: (يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته).
٤ - قال مجاهد: (يحول بين المؤمن وعقله)، وقال: (حتى يتركه لا يعقل).
وقال: (إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل؟ ). وقال: (يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا).
٥ - قال السدي: (يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه).
٦ - قال قتادة: (قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، هي كقوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]).
стр. 1717
قلت: ولا شك أن كل الأقوال السابقة تدخل في مفهوم الآية، وقد جاءت السنة المطهرة بأحاديث في آفاق هذا المعنى:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ الرحمان، كَقَلْبٍ واحد، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ! مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعتك] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: [كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: يا مُقَلِّبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك. قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يُقَلِّبها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج النسائي في "الكبرى" وابن ماجه في السنن بسند صحيح عن النَّوَّاس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يُزيغه أزاغه، وكان يقول: يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك. قال: والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه] (٣).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثل القلب مثل الريشة تقلبُها الرياح بفلاة] (٤).
وفي لفظ غيره: (مثل القلب في تقلبه كالقِدْرِ إذا استجمعت غليانًا).
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
أي: ومع تقليبه سبحانه قلوبكم فإن مصيركم إليه، ومآلكم الوقوف بين يديه،
стр. 1718
فيوفيكم أعمالكم، فمن أحسن جازاه بإحسانه، ومن أساء حاسبه على إساءته.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، فيما يرويه عن ربه : [يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
قال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب).
وقال ابن زيد: (الفتنة: الضلالة).
قلت: ولا شك أن الفتنة: الاختبار والامتحان، ومفهوم الآية: إن ترك دفع المنكر والتهاون في الأمر بالمعروف قد يعقبه الفتن لتشمل المسيء وغيره. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث.
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والبخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضُهم أسفلَها وَأَوْعَرَها وشَرَّها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذَوهُم، فقالوا: لو خَرَقنا في نصيبنا خرقًا، فاستقينا منه، ولم نُؤْذِ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكُوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا جميعًا] (٢).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : [مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فيهمْ بِالمَعَاصي، هُمْ أعَزُّ مِنْهُم وأمْنَعُ، لا يُغَيِّرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن حُذيفة بن اليمان، أن النبي
стр. 1719
- ﷺ قال: [والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتدْعُنَّهُ فلا يستجيبُ لكم] (١).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هَيْبَةُ الناسِ، أن يقولَ بحقٍّ، إذا عَلِمَهُ. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (٢).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي، عَمَّهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناسٌ صالحون؟ قال: بلى. قالت: فكيف يَصْنع أولئك؟ . قال: يصيبهم ما أصاب الناسَ، ثم يصيرون إلى مغفرةٍ من الله ورضوان] (٣).
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي: إذا عاقب، وهو تهديد ووعيد على الاستهانة في حمل هذه الأمانة، أو التغاضي عن المنكر يتفشى وينتشر في الأرض.
٢٦ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾.
في هذه الآيات: يُذكِّرُ الله تعالى المؤمنين أصحاب النبي ﷺ أيام الضعف التي أبدلها
стр. 1720
الله عزة وشوكة بعد معركة بدر، وأغدق عليهم من أموال المشركين ومغانمهم ومن مختلف الأرزاق والنعم لعلهم يشكرون.
ثم يحذرهم سبحانه الخيانة والغلول والتفريط بالأمانة، ومن ذلك التفريط بفرائض الله ومنهاج النبوة وعقد الإيمان والإسلام.
ثم يحذر سبحانه عباده من فتنة المال والولد التي تدعو إلى اللهو والتفريط في إقامة أمر الله ودينه، وأن ما عند الله خير وأبقى وهو الثواب العظيم.
ثم يبين سبحانه سرًا عظيمًا جعله في قلوب عباده المؤمنين إن صدقوا ربهم التقوى، بأن جعل لهم في قلوبهم ميزانًا يميزون به الحق من الباطل حين تشتبه عليهم الأمور، ووعدهم كذلك على التقوى مغفرة لذنوبهم وأجرًا عظيمًا.
فقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾.
قال عكرمة: (قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قال: يعني بمكة، مع النبي ﷺ ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة).
وعن قتادة: (أنها نزلت في يوم بدر، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره).
فنزلت هذه الآية إثر الفتح المبين ببدر، الذي تَكَرَّمَ الله به بالنصر والتمكين لهم، يذكرهم سبحانه بالضعف الذي حوّله بقدرته إلى عز وشوكة، وكان من أجمل ما شرع في هذه الأثناء صلاة العيد في المصلى، فقد صلى المسلمون أول صلاة عيد في شوال عقب الموقعة مباشرة سنة ٢ هـ، فما أروعه من عيد إثر النصر العظيم ببدر الذي تَوَّج الله به فرحهم، وما أجمل خروجهم إلى صلاة العيد في المصلى وهم يرفعون أصواتهم بالتكبير وقد فاضت قلوبهم بالحمد والإيمان، وما أرهب صلاتهم وقد اصطفوا خلف رسول الله ﷺ صفوفًا منتظمة وكأنهم في ساحة القتال، فنزلت آية الأنفال السابقة يذكرهم فيها سبحانه بالضعف الذي حَوَّلَهُ بقدرته إلى تمكين وعز وقوة وشوكة.
وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالًا طيبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم).