← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

المُعَلَّى ﵁ قال: [كنتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بي رسول الله ﷺ فَدَعاني، فَلَمْ آتِه حتى صَلَّيْتُ، ثم أتيتُه، فقال: ما مَنَعَك أن تَأتيَ؟ أَلَمْ يَقُل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾. ثم قال: لأُعَلِّمَنَّكَ أعْظَمَ سورةٍ في القرآن قبل أن أخرج، فذهب رسول الله ﷺ ليخرج فذكرتُ له. قال: هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، السَّبعُ المثاني]. وفي لفظ: [ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأُعَلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه] (١). وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ - فيه أقوال متكاملة: ١ - قال سعيد بن جبير: (﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر). أو قال: (يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان). ٢ - قال ابن عباس: (يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله). قال النَسفي: (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من إخلاص القلب، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله. أو بينه وبين ما تمناه بقلبه من طول الحياة فيفسخ عزائمه). ٣ - قال الضحاك: (يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته). ٤ - قال مجاهد: (يحول بين المؤمن وعقله)، وقال: (حتى يتركه لا يعقل). وقال: (إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل؟ ). وقال: (يحول بين قلب الكافر وأن يعمل خيرًا). ٥ - قال السدي: (يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه). ٦ - قال قتادة: (قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، هي كقوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]).

стр. 1717

قلت: ولا شك أن كل الأقوال السابقة تدخل في مفهوم الآية، وقد جاءت السنة المطهرة بأحاديث في آفاق هذا المعنى: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إن قلوبَ بني آدمَ كلَّها بَيْن إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ الرحمان، كَقَلْبٍ واحد، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ : اللَّهُمَّ! مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعتك] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: [كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: يا مُقَلِّبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك. قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به. فهل تخاف علينا، فقال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يُقَلِّبها] (٢). الحديث الثالث: أخرج النسائي في "الكبرى" وابن ماجه في السنن بسند صحيح عن النَّوَّاس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع رب العالمين إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يُزيغه أزاغه، وكان يقول: يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك. قال: والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه] (٣). الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [مثل القلب مثل الريشة تقلبُها الرياح بفلاة] (٤). وفي لفظ غيره: (مثل القلب في تقلبه كالقِدْرِ إذا استجمعت غليانًا). وقوله: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: ومع تقليبه سبحانه قلوبكم فإن مصيركم إليه، ومآلكم الوقوف بين يديه،

стр. 1718

فيوفيكم أعمالكم، فمن أحسن جازاه بإحسانه، ومن أساء حاسبه على إساءته. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، فيما يرويه عن ربه : [يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب). وقال ابن زيد: (الفتنة: الضلالة). قلت: ولا شك أن الفتنة: الاختبار والامتحان، ومفهوم الآية: إن ترك دفع المنكر والتهاون في الأمر بالمعروف قد يعقبه الفتن لتشمل المسيء وغيره. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث. الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والبخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضُهم أسفلَها وَأَوْعَرَها وشَرَّها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مَرُّوا على من فوقهم فآذَوهُم، فقالوا: لو خَرَقنا في نصيبنا خرقًا، فاستقينا منه، ولم نُؤْذِ من فوقنا، فإن تركوهم وأمرهم هلكُوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا جميعًا] (٢). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : [مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فيهمْ بِالمَعَاصي، هُمْ أعَزُّ مِنْهُم وأمْنَعُ، لا يُغَيِّرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (٣). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن حُذيفة بن اليمان، أن النبي

стр. 1719

- ﷺ قال: [والذي نفسي بيده، لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتدْعُنَّهُ فلا يستجيبُ لكم] (١). الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رجُلًا، هَيْبَةُ الناسِ، أن يقولَ بحقٍّ، إذا عَلِمَهُ. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (٢). الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي، عَمَّهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناسٌ صالحون؟ قال: بلى. قالت: فكيف يَصْنع أولئك؟ . قال: يصيبهم ما أصاب الناسَ، ثم يصيرون إلى مغفرةٍ من الله ورضوان] (٣). وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. أي: إذا عاقب، وهو تهديد ووعيد على الاستهانة في حمل هذه الأمانة، أو التغاضي عن المنكر يتفشى وينتشر في الأرض. ٢٦ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: يُذكِّرُ الله تعالى المؤمنين أصحاب النبي ﷺ أيام الضعف التي أبدلها

стр. 1720

الله عزة وشوكة بعد معركة بدر، وأغدق عليهم من أموال المشركين ومغانمهم ومن مختلف الأرزاق والنعم لعلهم يشكرون. ثم يحذرهم سبحانه الخيانة والغلول والتفريط بالأمانة، ومن ذلك التفريط بفرائض الله ومنهاج النبوة وعقد الإيمان والإسلام. ثم يحذر سبحانه عباده من فتنة المال والولد التي تدعو إلى اللهو والتفريط في إقامة أمر الله ودينه، وأن ما عند الله خير وأبقى وهو الثواب العظيم. ثم يبين سبحانه سرًا عظيمًا جعله في قلوب عباده المؤمنين إن صدقوا ربهم التقوى، بأن جعل لهم في قلوبهم ميزانًا يميزون به الحق من الباطل حين تشتبه عليهم الأمور، ووعدهم كذلك على التقوى مغفرة لذنوبهم وأجرًا عظيمًا. فقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾. قال عكرمة: (قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾، قال: يعني بمكة، مع النبي ﷺ ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة). وعن قتادة: (أنها نزلت في يوم بدر، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره). فنزلت هذه الآية إثر الفتح المبين ببدر، الذي تَكَرَّمَ الله به بالنصر والتمكين لهم، يذكرهم سبحانه بالضعف الذي حوّله بقدرته إلى عز وشوكة، وكان من أجمل ما شرع في هذه الأثناء صلاة العيد في المصلى، فقد صلى المسلمون أول صلاة عيد في شوال عقب الموقعة مباشرة سنة ٢ هـ، فما أروعه من عيد إثر النصر العظيم ببدر الذي تَوَّج الله به فرحهم، وما أجمل خروجهم إلى صلاة العيد في المصلى وهم يرفعون أصواتهم بالتكبير وقد فاضت قلوبهم بالحمد والإيمان، وما أرهب صلاتهم وقد اصطفوا خلف رسول الله ﷺ صفوفًا منتظمة وكأنهم في ساحة القتال، فنزلت آية الأنفال السابقة يذكرهم فيها سبحانه بالضعف الذي حَوَّلَهُ بقدرته إلى تمكين وعز وقوة وشوكة. وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالًا طيبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم).

стр. 1721

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن زيد: (نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون). وقال السدي: (فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم). وقال ابن إسحاق: (أي: لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السِّر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم). وقال ابن عباس: (والأمانة: الأعمال التي أمن الله عليها العباد، يعني الفريضة. يقول: ﴿لَا تَخُونُوا﴾، يعني: لا تنقصوها). وفي رواية: (﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ بترك فرائضه، ﴿وَالرَّسُولَ﴾ بترك سنته وارتكاب معصيته). قال القاسمي ﵀: (ويدخل في خيانة الله تعطيل فرائضه، ومجاوزة حدوده. وفي خيانة رسوله رفض سنته، وإفشاء سره للمشركين. وفي خيانة أمانتهم الغلول في المغانم، أي السرقة منها، وخيانة كل ما يؤتمن عليه الناس من مال أو أهل أو سر، وكل ما تعبدوا به). وفي الصحيحين من حديث علي - في قصة حاطب لما بعث الكتاب إلى المشركين يعلمهم بقصْدِ رسول الله ﷺ إياهم عام الفتح فاطلع الله رسوله وبعث فاسترجع الكتاب - فقال عمر: [إنه قدْ خانَ الله ورسوله والمؤمنين فدَعْنِيْ فَلأِضْربْ عُنُقَه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطَّلعَ على أهل بدر؟ فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم، فَدَمَعَتْ عينا عُمَرَ وقال: الله ورسوله أعلم] (١). وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: تبعة ذلك ووباله، فإن الخيانة إثمها عظيم. وفيه دليل على أن ذنب العالم بالخطيئة أعظم منه من غيره، وأن الظلم ذنب كبير. وفي صحيح مسلم عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم

стр. 1722

ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١). وفيه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء - التي لا قرن لها - من الشاة القَرْناء] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال الرازي: (ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد، نبّه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضارة المتولدة من ذلك الحب). قال ابن زيد: (﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾، الاختبار، اختبارهم. وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]). فالمال والولد امتحان من الله تعالى، وهو سبحانه مطلع على عبده هل يقع بسببهما في الخيانة أو اللهو، أو يختار الاستجابة لله والرسول والنجاة من تلك الفتنة. قال الحاكم: (قد أمر الله بالعلم بذلك، وطريق العلم به التفكر في أحوالهما وزوالهما، وقلة الانتفاع بهما، وكثرة الضرر، وأنه قد يعصي الله بسببهما). أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن يَعْلَى العامري، أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي ﷺ . فضمهما إليه، وقال: [إن الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ] (٣). وفي لفظ عند الحاكم من حديث الأسود بن خلف: [إن الولد مبخلة مجبنة مَجْهلة محزنة]. وفي لفظ عند ابن عدي من حديث أبي سعيد: [الولد ثمرةُ القلب، وإنه مَجْبَنَةٌ، مَبْخَلَةٌ، مَحْزَنَةٌ]. وقد كان من دعائه ﷺ كما يروي أبو داود عن أبي هريرة -: [اللهم إني أعوذ بك

стр. 1723

من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة] (١). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. أي: فآثروا حقه على حقكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم. قال النسفي: (فعليكم أن تحرصوا على طلب ذلك وتزهدوا في الدنيا ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد). فإن ما عند الله من الثواب والعطاء، والجنات والنعيم خير من المال والولد، فإنه قد يوجد منهم عدو يورد إلى منازل الهلاك والعطب، وثواب الله خير وأبقى، وسبيل ذلك محبة الله ومحبة رسوله ﷺ فوق كل متاع في هذه الحياة الفانية. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين] (٢). وفي الصحيحين من حديث أنس أيضًا عن رسول الله ﷺ : [ثلاث من كنَّ فيه وَجَدَ بهن حلاوةَ الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يُلْقى في النار أحبَّ إليه من أن يَرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه] (٣).

стр. 1724

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن عباس: (﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا). وقال مجاهد: (مخرجًا في الدنيا والآخرة). وفي رواية عن ابن عباس: (﴿فُرْقَانًا﴾: نجاة). وفي لفظ: (نصرًا). وقال محمد بن إسحاق: (﴿فُرْقَانًا﴾: أي: فصلًا بين الحق والباطل). ذكر ذلك شيخ المفسرين ابن جرير، وعنه الحافظ ابن كثير. قال ابن كثير: (وهذا التفسير من ابن إسحاق أعمّ مما تقدَّم، وقد يستلزم ذلك كلَّه، فإن من اتقى الله بِفِعْل أوامره، وتَرْكِ زواجره، وُفِّقَ لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نَصْرِهِ وَنَجاته ومَخْرجه من أمور الدنيا، وسعادَته يوم القيامة. وتكفير ذنوبه، وهو محوُها. وغَفْرُها: سترها عن الناس - سببًا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]). والخلاصة: إن الصدق في عبادة الله وتعظيمه يورث كرامة لا بد أن يراها المؤمن في حياته وربما يراها من حوله، فإن التقوى مفتاح كثير من الخيرات التي يطمح بها المؤمن في حياته وآخرته، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي ميزانًا يفرق به المؤمن بين الحق والباطل، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥]. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث كثيرة، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى قال: مَنْ عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحِبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن

стр. 1725

شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١). الحديث الثاني: أخرج البزار بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن لله تعالى عبادًا يعرِفون الناس بالتوسم] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري في "التاريخ" بسند حسن عن وابصة مرفوعًا: [استفت نفسك وإن أفتاك المفتون] (٣). والمقصود: أن يستفتي العبد المؤمن قلبه بعد سؤاله أهل العلم والذكر واختلاط الفتوى عليه أو اختلافها، فإن الله قد جعل في قلب المؤمن بصيرة ونورًا وفرقانًا، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ٣٠ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ الله تعالى محاولات الكفار سَجْنَ النبي ﷺ أو إِخْراجه أو قَتْله والله محيط بكيدهم ومكرهم وهو خير الماكرين.

стр. 1726

ثم يخبر الله تعالى عن تنطع كفار قريش عند سماع آيات القرآن الواضحة الساطعة بنورها وحججها تُتلى عليهم. ثم يخبر سبحانه عن قول فرعون هذه الأمة - أبي جهل - يستعجل العذاب، وأنّ الله لا يعذب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم، ثم يثبت تعالى أن هؤلاء الكفار من قريش يستحقون العذاب وقد كفروا بالله وما كانت صلاتهم عند البيت إلا سخرية واستهزاء. فقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾. قال ابن عباس: (ليقيدوك) أو: (ليوثقوك). وقال عطاء: (ليحبسوك)، أو: (يَسْجنوك). وقال السُّدي: (الإثبات هو الحبس والوثاق)، وهذا القول أشمل. وقال قتادة: (ليشدوك وثاقًا، وأرادوا بذلك نبي الله ﷺ وهو يومئذ بمكة). وقيل: ليسحروك. وقول ابن عباس والسدي وقتادة أرجح. لقد بدأت قريش تشعر أن أمر محمد ﷺ يزداد خطرًا عليها يومًا بعد يوم، وأدركت أن الرجل يخطط بدقة ليهاجر بأصحابه إلى حيث يشعر بالقوة والأمن وسهولة الحركة، الأمر الذي زادها غيظًا وحنقًا، فهي لا تستطيع أن تتصور هؤلاء الرجال حوله وقد أصبحوا مصدر قلق على أمنها ومصدر خوف على تجارتها واقتصادها، وقد صارت لهم دولة وشوكة. ومن هنا فكرت قريش مليًا في خطة محبوكة تُفْسِدُ على النبي ﷺ وأصحابه طُموحَاتِهم وأمانيهم وتهدد سبيل هجرتهم، فنشأت فكرة التخلص منه بمحاولة قتله. وقد أشار القرآن النازل أيام المدينة لما كان يجري في أواخر أيام الحياة بمكة، يَمُنُّ الله بذلك على نبيه ﷺ أن حماه من سيوف المشركين ومن محاولات أولئك المجرمين. فقال في آية الأنفال السابقة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن ابن عباس قال: [إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللات والعزى ومناةَ الثالثةِ الأخرى، لو قَدْ رأينا محمدًا قمنا إليه قيامَ واحد، فلم نفارقه حتى نقتله. فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت

стр. 1727

على أبيها فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك. قال: يا بُنَيَّة أدني وضوءًا. فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا هذا هو، فخفضوا أبصارهم، وعَقِروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم ولم يقم منهم رجل. فأقبل رسول الله ﷺ حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه. قال: فما أصابت رجلًا منهم حصاة إلا قد قتل يوم بدر كافرًا] (١). لقد أبصر المشركون أصحاب رسول الله ﷺ وهم يتجهزون ويغادرون مكة، وقد ساقوا معهم نِسَاءهم وأطفالهم وذراريهم وأموالهم، وبقي محمد ﷺ لا بد مدرك بأصحابه بين اليوم والغد، فأثار ذلك قلاقلهم وحرك أحزانهم ومخاوفهم، وخاصة على طريق تجارتهم إلى الشام، فموقع المدينة حرج بالنسبة للقوافل وطريق التجارة عبر ساحل البحر الأحمر من اليمن إلى الشام، فرأت قريش ضرورة عقد اجتماع قمة عاجل للقبائل، فكان من أبرز من حضره: أبو جهل بن هاشم عن قبيلة بني مخزوم، وجبير بن مطعم والحارث بن عامر عن بني نوفل بن عبد مناف، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب عن بني عبد شمس بن عبد مناف، والنضر بن الحارث عن بني عبد الدار، وزمعة بن الأسود وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام عن بني أسد بن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج عن بني سهم، وأمية بن خلف عن بني جمح. يروي ابن جرير عن السدي وكذلك ابن إسحاق من طريق ابن عباس واللفظ له: (أنَّ نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأي ونُصح. قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أموركم بأمره). وفي رواية السدي: (فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اضطجع على فراشه، فاجعلوه

стр. 1728

في بيت نتربص به ريب المنون - والريب هو الموت والمنون هو الدهر -. قال إبليس: بئسما قلت! تجعلونه في بيت، فيأتي أصحابه فيخرجونه، فيكون بينكم قتال! قالو: صدق الشيخ! . قال: أخرجوه من قريتكم! قال إبليس: بئسما قلت! تخرجونه من قريتكم، وقد أفسد سفهاءكم، فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال! قالوا: صدق الشيخ! قال أبو جهل - وكان أولاهم بطاعة إبليس -: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش فنخرج منهم رجلًا، فنعطيهم السلاح، فيشدّون على محمد جميعًا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدية. وفي لفظ آخر: (قال: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابًا نسيبًا وسطًا فتيًا، ثم نعطي كل فتى سيفًا صارمًا، ثم يضربونه جميعًا ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها). قال إبليس: صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيًا! . وفي لفظ: لله درّ هذا الفتى، هذا والله الرأي. فقاموا على ذلك. وأخبر الله رسوله ﷺ ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار ونام علي بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ قال: والإثبات هو الحبس والوثاق، وهو قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقول: يهلكهم) (١). وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فإنه من صفات الله العظيم، صفة المكر والكيد بالكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣]. وكقوله جل ذكره: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥، ١٦]. وكقوله جل ثناؤه: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].

стр. 1729

وكقوله سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. وفي صحيح الترمذي عن أنس عن النبي قال: [إذا أراد الله بعبده الخير عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة] (١). وفي صحيح أبي داود عن عائشة عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق، إن نَسِيَ ذَكَّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعل له وزيرَ سوء، إن نَسِيَ لم يُذَكِّره، وإن ذكر لم يُعِنْهُ] (٢). وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِته] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يخبر تعالى عن كفار قريش إذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الساطعة بنورها وبيانها وسحرها لكل صاحب فطرة أو عقل سديد تنطعوا فقالوا جهلًا منهم وكبرًا وعنادًا للحق - وهم موقنون أنهم كاذبون - لو نشاء لقلنا مثل هذا الذي تلي علينا ويزعمون أن ذلك من أساطير الأولين. وفي التنزيل مثل ذلك، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥, ٦]. أي يغفر لمن تاب وأناب وأقلع عن الكذب والافتراء والإثم. والأساطير في كلام العرب جمع أسطورة، ويقصد المشركون أن ما جاء به محمد إنما هو مما سطّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم، فهو يقتبس من تلك الكتب ويتعلم منها ويتلوها على الناس، وكَذَبوا فيما قالوا، بل هو وحي الله تعالى أوحاه إليه.

стр. 1730

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [ما من الأنبياء من نبي إلا قد أُعطي من الآيات ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَر، وإنما كان الذي أوتيتُ وَحيًا أوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعًا يوم القيامة] (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. القول المشار إليه هو قول كبير جهلة هذه الأمة - أبي جهل لعنه الله - وهو فرعون هذه الأمة الذي أخزاه الله تعالى يوم بدر، وفيه نزلت هذه الآيات. أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: [(قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾] (٢). قال البخاري: (قال ابن عُيَيْنةَ: ما سمّى الله مَطَرًا في القرآن إلا عذابًا وتسميه العرب الغَيْثَ، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]) قال ابن عباس: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، يقول: ما كان الله ليعذِّب قومًا وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخولُ في الإيمان، وهو الاستغفار ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني: يصلون، يعني بهذا أهل مكة). وقال الضحاك: (﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: المؤمنين الذين كانوا بمكة).

стр. 1731

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: [أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، فيقول النبي ﷺ : قد قد، فيقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾] (١). ويؤيد هذا ما أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٢). وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾. قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذِّبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام رسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فَقُتل صناديدهم، وأُسرَت سَراتُهم. وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم مُتلبسون بها من الشرك والفساد. قال قتادة والسُّدي وغيرهما: لم يكن القومُ يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا. واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لأوقع بهم البأس الذي لا يُرَدّ، ولكن دُفِعَ عنهم بسبب أولئك، كما قال الله تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبْزى قال: (كان النبي ﷺ بمكة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ

стр. 1732

فِيهِمْ﴾، قال: فخرج النبي ﷺ إلى المدينة، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وكان أولئك البقية من المؤمنين الذين بقوا فيها يستغفرون - يعني بمكة - فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾، قال: فأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم). قلت: والذي ذكره ابن جرير من رواية ابن أبزى وذكر نحوه من رواية ابن عباس والضحاك أقرب لفهم الآيات، فإن الله سبحانه أخّر عن قريش العذاب ما دام رسول الله ﷺ بين أظهرهم، فلما هاجر وبقيت فئة مؤمنة مستغفرة أخّر العذاب عن أهل مكة مرة أخرى، وجَرّ الطغاة منهم إلى بدر لينالوا مصرعهم ومصيرهم الفاجع، فلما خرج المؤمنون من مكة وأصر المشركون على إنكار الوحي والنبوة أنزل الله بهم عذابه بالخزي والذل يوم الفتح، بعدما حصدوا من الذل والقتل ما حصدوه قبل ذلك. وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾. أي: كيف لا يعذبهم الله تعالى وهم يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام بمكة والطواف به والصلاة عنده، فالمؤمنون أهله الحقيقيون، وأما طغاة مكة فليسوا أهل المسجد الحرام، بل أهله على الحقيقة: النبي ﷺ وأصحابه الكرام. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧, ١٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقوله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال محمد بن إسحاق: (﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: هم محمد ﷺ وأصحابه ﵃. وقال مجاهد: (هم المجاهدون مَنْ كانوا، وحيث كانوا).

стр. 1733

أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن معاذ، عن النبي ﷺ قال: [إن أولى الناس بي المتقون، مَنْ كانوا وحيثُ كانوا] (١). وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: [إنّ أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام] (٢). وفي معجم الطبراني بسند صحيح في الشواهد عن ابن عباس مرفوعًا: [أولياء الله تعالى الذين إذا رُؤوا ذُكر الله تعالى] (٣). والخلاصة: أولياء هذا البيت هم أهل الصلاة عنده والطواف به، أهل تعظيم حرمات الله وشعائر الدين الحق، وليس أهل الشرك والجاهلية، وأولياء الله تعالى الذين إذا حضروا ذُكر الله تعالى، وأولياء هذا النبي الكريم وأتباعه وأهل سنته ومنهاجه، ليس المبتدعة ولا أهل الخرافة والفلسفة والشبهات. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ - فيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (كانت قريش تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفّرون، فكان ذلك عبادة في ظنهم). قال: (والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية: التصفيق). ٢ - قال ابن عمر: (المكاء: الصَّفير، والتصدية: التصفيق) - ذكره ابن جرير. ٣ - قال مجاهد: (المكاء: إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية: التصفيق، يخلطون بذلك على محمد ﷺ صلاتَه). ٤ - قال قتادة: (المُكاء: ضرب الأيدي، والتَّصدية: صياح). ٥ - قال السُّدي: (المُكاء: الصفير، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكَّاء).

стр. 1734

وذكر القرطبي قول السدي وقتادة ثم قال: (وعلى التفسيرين ففيه ردٌّ على الجهال من الصوفية الذين يَرقصون وَيُصَفِّقُون ويصعقون. وذلك كله منكر يتنزّه عن مثله العقلاء، ويتشبّه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت). ٦ - وعن سعيد بن جبير: (﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال: صدّهم الناس عن سبيل الله . قلت: وفي لغة العرب المكو: أن يجمع الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح. قال الرازي: (والمُكاءُ مُخَفَّفُ الصفير، وقد مكا صفر). ويقال: مكا يمكو مَكوًا ومكاءً، ومَكَتْ است الدابة مكاء إذا نفخت بالريح. وأما التصدية فهي التصفيق. قال بعض أهل اللغة: الصَّدى: الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها. قال شيخ الإسلام: (ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي. . . وهو سماع المشركين. . قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: التصدية: التصفيق باليد، والمكاء: التصفير. . . فكان المشركون يتخذون هذا عبادة، وأما النبي ﷺ وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، ولم يجتمع النبي ﷺ وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف). ثم قال عن مستمع الغناء: (وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن وتقوى عند مزامير الشيطان فيرقص ليلًا طويلًا. فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدًا أو ينقر الصلاة نقر الديك. . . وهو يبغض سماع القرآن وينفر منه ويتكلفه. . . ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاء والتصدية ويجد عنده مواجيد. . . فهذه أحوال شيطانية وهو من يتناوله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾) انتهى (١). وقال ابن القيم في كتابه - "إغاثة اللهفان" -: (ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد

стр. 1735

بها من قلّ نصيبه من العقل والعلم والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. . . فهو قرآن الشيطان والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحَسَّنَهُ لها مكرًا وغرورًا، وأوحى إليها الشُبه الباطلة على حسنِه فقبلت وحيه واتخذت من أجله القرآن مهجورًا، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم أرأيت تكسر المخانيث والنسوان، ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس، فلغير الله بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأموال في غير طاعة الله تُنْفَق. . قضوا حياتهم لذة وطربًا، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. . . مزامير الشيطان أحبُّ إليهم من استماع سور القرآن. لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، حتى إذا تُلي عليه قُرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد عن قلبه على عينيه فَجَرَتْ، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت. . . فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان، صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد. . . ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله. .) انتهى. أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري - كما رجح الحافظ في الفتح - قول النبي ﷺ : [ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ - يعني الزنا - والحرير والخمر والمعازف] (١). وأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو، أن

стр. 1736

رسول الله ﷺ قال: [إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر والكوبا والغبيراء، وزادني صلاة الوتر] (١). والكوبا: هي الطبل كما فسّرها العلماء. قال سفيان: (قلت لعلي بن بذيمة ما الكوبة؟ قال: الطبل). والمزر: شراب مسكر أصله من الذرة. والغبيراء: شراب مسكر من القمح والشعير كانوا يشربونه في اليمن وغيرها، وجاءت النصوص بتحريمه. وقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قال الضحاك: (هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي) - واختاره ابن جرير. وقال مجاهد: (عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة). ٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى أنَّ الكفار يبذلون الأموال لِلمَكْرِ بدين الله وصد الناس عنه، وأن هذه الأموال ستكون عليهم حسرة وندامة في الدنيا ثم يوم يحشرون، ثم إنهم في النار يُطرحون.

стр. 1737

إنما حقيقة الابتلاء التمحيص وتمييز الخبيث من الطيب، لِيُراكِمَ اللهُ الخبيثَ على بعضه فيكدِّسَهُ في نار جهنم. قل يا محمد للكفار المكرة بدين الله إن ينتهوا عما هم عليه من الكفر والمكر فإن فرصة التوبة والإنابة إلى الله قائمة، وإلا فقد مضت سنة الله في إهلاك المستكبرين. قاتلوا - معشر المؤمنين - الكفرة المعاندين لاستئصال فتنتهم من الأرض وليكون الدين كله لله، فإن انتهوا عن الكفر والمعاصي ظاهرًا فإن الله بصير ببواطنهم. وإن أعرضوا عن الحق وأصروا على إشاعة الفتنة والمنكر فاستعينوا بالله عليهم فإنه - تعالى - ناصركم ومؤيدكم وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. لقد احْتجز طغاة مكة العير التي نجا بها أبو سفيان والتي كانت سببًا لمعركة بدر، لينفقوها على قتال المسلمين بأحد. يروي ابن إسحاق بسند حسن من حديث عاصم بن عمر بن قتادة أنهم قالوا: (يا معشر قريش، إن محمدًا قد وترَكم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا) (١). فلقد كانت قريش تحترق غيظًا كلما ذكرت مأساة بدر، وتشتاط غضبًا عند ذكرها لأبطالها الذين فقدتهم وصرعتهم أسياف المسلمين، فكانت تخطط للثأر والانتقام في حرب شاملة، يحرضها على ذلك عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، وعبد الله بن ربيعة وغيرهم، وكان من أمرهم أن احتجزوا تلك العير للثأر لقتلاهم في قتال أحد. فأجابت قريش لذلك فباعوها، وكانت ألف بعير، وكان المال خمسين ألف دينار، فأشار القرآن النازل من سورة الأنفال إلى ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.

стр. 1738

قال سعيد بن جبير: (نزلت في أبي سفيان بن حرب. استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة، فقاتل بهم النبي ﷺ ). ومع ذلك فالآية عامة تحكي سلوك الطغاة في كل زمان ومكان، في جمعهم لحرب الحق والإسلام، لتكون تلك الأموال عليهم حسرة وندامة وخزيًا في الدنيا والآخرة، فإن نور الله لا يمكن إطفاؤه، والله غالب على أمره ولو كره الكافرون. وقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يشمل التمييز في الدنيا والآخرة. أولًا - في دار الدنيا: قال ابن عباس: (﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فمَيَّزَ أهل السعادة من أهل الشقاوة). وفي التنزيل من ذلك المعنى كثير: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٦، ١٦٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]. ٤ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. فيكونُ قوله في آية الأنفال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ من نحو ذلك. فهو كما قال الحافظ ابن كثير: (ويحتملُ أن يكون هذا التمييزُ في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللام معللة لما جعل الله للكفار من مال ينفقونَه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقدرناهم على ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أي: من يُطِيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك).

стр. 1739

ثانيًا - في الدار الآخرة: قال السدي: (ثم ذكر المشركين وما يصنع بهم يوم القيامة، فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، يقول: يميز المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]. وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال ابن زيد: (﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾: فيجمعه جميعًا بعضهم على بعض). أي: يُراكم بعضهم فوق بعض في نار جهنم، وأولئك هم الخاسرون صفقة الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. قال ابن العربي: (هذه لطيفة من الله سبحانه منّ بها على الخلق، وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي والمآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدًا توبة، ولا نالتهم مغفرة. فيسّر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم، ليكون ذلك أقربَ لدخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا) - حكاه القرطبي. والمقصود أن الله ﵎ يعطي الفرصة للعبد ليتوب ويستعتب من إساءته، ومن ذلك تشجيع الكفار على استئناف طاعة الله وتعظيمه وحده لا شريك له، وترك ما كانوا عليه من الكفر والخطايا والمكر بدينه والمؤمنين. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:

стр. 1740

الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن العاص - وهو في سِيَاقة الموت يبكي طويلًا وحوَّل وَجْهَهُ إلى الجدار، فجعل ابنُهُ يقول: يا أبتاه! أما بَشَّرَكَ رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بَشَّرك رسول الله ﷺ بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه - وقال: [إن أفْضَلَ ما نُعِدُّ شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إني قد كُنْتُ على أطباق ثلاثٍ، لقد رأيتني وما أحدٌ أشدٌ بُغضًا لرسول الله ﷺ مِنِّي، ولا أَحَبَّ إِليَّ أن أكونَ قد استمكنتُ منه فَقتَلْتُهُ منه، فَلَوْ مُتُّ على تِلك الحال لكنتُ من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيتُ النبي ﷺ فقلت: ابْسُطْ يمينك فَلأُبَايِعْكَ فبسط يمينه، قال: فَقَبضْتُ يدي، قال: مالك يا عَمْرو؟ قال: قلت: أرَدْتُ أَن أَشْتَرِطَ، قال: تَشْترِطُ بماذا؟ قلتُ: أن يُغْفَرَ لي، قال: أما عَلِمْتَ يا عَمْرو! أن الإسلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وأن الهجرة تَهْدِمُ ما كان قَبْلَها؟ وأن الحجَّ يَهْدِمُ ما كان قَبْلَهُ؟ وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله ﷺ ولا أجلَّ في عَيْني منه، وما كنت أطيقُ أن أمْلأَ عَيْنَيَّ منه إجلالًا له، ولو سُئِلْتُ أن أصِفَهُ ما أطَقْتُ، لأني لم أكنْ أمْلأُ عَيْنَيَّ منه، ولو مُتُّ على تلك الحال لرجَوْتُ أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مُتُّ فلا تَصْحَبْني نائِحَةٌ ولا نارٌ، فإذا دفنتموني فَسُنُّوا عَلَيَّ الترابَ سَنًّا، ثم أقيموا حول قبري قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُها حتى أسْتأنِسَ بكم، وأَنْظُرَ ماذا أراجعُ بهِ رُسُلَ ربي] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ قال: [قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحْسَنَ في الإسلام لم يُؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخِذَ بالأول والآخر] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: [إن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها] (٣).

стр. 1741

الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد - واللفظ لمسلم - أن نبيّ الله ﷺ قال: [كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتَلَ تِسْعَةً وتِسعين نَفْسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ علِى راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تِسْعَةً وتسعين نَفْسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فَقَتَلهُ، فكمَّلَ به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مئة نَفْسٍ، فَهل له من تَوْبة؟ فقال: نعم، وَمَنْ يحول بينَهُ وبينَ التوبة؟ . .] (١) الحديث. قال القرطبي - يشير إلى الحديث السابق -: (فانظروا إلى قول العابد: لا توبة لك، فلما علم أنه قد أَيْأَسَهُ قَتله، فِعْلَ الآيس من الرحمة. فالتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ فيقول: لا توبة، تخويفًا وتحذيرًا. فإذا جاءه مَن قتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبة، تيسيرًا وتأليفًا). وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال مجاهد: (في قريش وغيرها من الأمم قبل ذلك). والآية تجمع بين الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم الماضية لما طغت فدكّها الله بالعذاب. قال النسفي: (﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى). والخلاصة في المعنى: أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما سلف من الكفر والمعاصي، فإن عادوا إلى الكفر ثانية وإلى الإجرام والمكر فإن لهم بسالف الأمم التي دمّر الله عبرة وذكرى للذاكرين. وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة. وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. قال ابن عباس: (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، يعني: حتى لا يكون شرك).

стр. 1742

وقال الحسن: (الفتنة: الشرك). وقال قتادة: (﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، حتى يقال: "لا إله إلا الله"، عليها قاتل نبي الله ﷺ ، وإليها دَعا). وقال ابن جريج: (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أي: لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شرك، ويُخلع ما دونه من الأنداد). وقال ابن زيد: (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال: حتى لا يكون كفر، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفر). قلت: والآية في وجوب إقامة الدين في الأرض ومحاصرة الشرك والفساد، لِيُعْبَدَ الله وحده لا شريك له، ويكون منهاجه تعالى هو الأعلى، ومناهج الفساد والضلال هي السفلى. قال شيخ الإسلام: (فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله). أخرج البخاري في صحيحه عن نافع، عن ابن عمرَ ﵄: [أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه؟ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] إلى آخر الآية، فما يَمْنَعُكَ أنْ لا تُقاتِلَ كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي، أُعَيَّرُ بهذه الآية ولا أُقاتِلُ، أَحَبَّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بهذه الآية التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخرها، قال: فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال ابن عمر: قد فَعَلْنا على عهد رسول الله ﷺ إذْ كان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يُفْتَنُ في دينه: إمّا يَقْتُلوهُ وإما يوثِقوه، حتى كَثُرَ الإسلام فلم تكن فِتْنَةٌ، فلما رأى أنه لا يوافِقُه فيما يريد قال: فما قَوْلُكَ في عَليٍّ وعثمان؟ . قال ابن عمر: ما قَولي في عليٍّ وعثمان؟ أما عُثْمانُ فكان الله قد عفا عنه فَكَرِهْتُم أن تَعْفُوا عَنْه، وأما عليٌّ فابنُ عَمّ رسول الله ﷺ وخَتَنُهُ - وأشار بيده - وهذه ابنتُهُ، أو بِنْتُهُ حيث تَرَوْنَ] (١). وكذلك أخرج البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن سعيد بن جبير قال: [خرجَ علينا

стр. 1743

أو إلينا ابنُ عمرَ فقال رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان مُحمَّدٌ ﷺ يُقاتِلُ المشركين، وكان الدخول عليهم فِتْنَةً، وليس كقِتالِكُمْ على المُلْكِ] (١). وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قال القاسمي ﵀: (﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي عن الكفر والمعاصي ظاهرًا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي ببواطنهم ﴿بَصِيرٌ﴾ أي فيجازيهم، وعليه حسابهم. فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا ببواطنهم). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ومن السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى: الحديث الأول: أخرج البخاري عن أسامة بن زيد ﵄ قال: [بَعَثنا رسول الله ﷺ إلى الحُرقَةِ فَصَبَّحْنا القومَ فهَزَمْناهُم ولحِقْتُ أنا ورجُلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فَكَفَّ الأنصاريُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحي حتى قَتَلْتُهُ، فلما قَدِمْنا بَلَغَ النبي ﷺ ، فقال: يا أسامة، أَقَتَلْتَهُ بعدما قال: لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذًا، فما زال يكرِّرها حتى تمنَّيْتُ أني لم أكُنْ أسلمتُ قبل ذلك اليوم] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: [لما تُوفي رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفَرَ من العرب، فقال عمر: فكيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أُمِرْتُ أن أقاتِلَ الناس حتى

стр. 1744

يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني مالَهُ ونفسَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله] (١) الحديث. الحديث الثالث: أخرج مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود أنه قال: [يا رسول الله أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلًا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يديَّ بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ : لا تقتله، قال: فقلت: يا رسول الله إنه قد قطعَ يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟ قال رسول الله ﷺ : لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. أي: إن أعرضوا عن الحق والإيمان ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ناصركم ومعينكم، فلا يضيع من تولاه، ولا يغلب من نصره، فاستمسكوا بعونه وثقوا بولايته ونصرته، إنه تعالى نعم المولى ونعم النصير. ٤١. قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾. في هذه الآية: تَفْصيلٌ من الله تعالى لشرع تقسيم المغانم، وتشريع الخمس، وَبَيَانٌ لمصارف هذا الخمس، وأن إخراجه هو من أمر الصدق في الإيمان بالله واليوم الآخر وما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ يوم بدر، يوم الفرقان، يوم فَرَّق الله بين الحق والباطل والله على كل شيء قدير. لقد أخرج النبي ﷺ يوم بدر الخمس من الغنيمة، ثم قسم أربعة الأخماس بين المقاتلين، ونزلت الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، تبين كيفية تقسيم الغنائم بعد القتال.

стр. 1745

قال ابن جريج: (أربعة أخماس لمن حضر البأس، والخمس الباقي لله وللرسول، خمسه يضعه حيث يرى، وخمس لذوي القربى، وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، ولابن السبيل خمسه). وقال مجاهد: (كان آل محمد ﷺ لا تحل لهم الصدقة، فجعل لهم خمس الخمس). والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، والفيءُ: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يَتَوَفّون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، وهو الراجح في الفرق بين الغنيمة والفيء، وهو مذهب الشافعي وطائفة من أهل العلم سلفًا وخلفًا. أخرج البيهقي في "السنن" بسند صحيح عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بَلْقَيْنِ قال: [أتيتُ رسول الله ﷺ وهو بوادي القُرَى، وهو يعرض فرسًا، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها، وأربعة أخماس للجيش. قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جَنْبِكَ، ليس أنت أحق به، من أخيك المسلم] (١). قال عطاء: (خمسُ اللهِ والرسول واحدٌ، يَحْمِلُ منه ويَصْنَعُ فيه ما شاء. يعني النبي ﷺ ). قال ابن كثير: (وهذا أعمُّ وأشمل، وهو أن الرسول ﷺ يتصرَّف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويَرُدُّهُ في أمته كيف شاء). أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن عبسة: [أنَّ رسول الله ﷺ صَلّى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سَلَّم أخذ وَبرة من هذا البعير ثم قال: ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمسَ، والخمسُ مردود فيكم] (٢). وأما السلب فلا يخمس، وإنما يعطى للقاتل، هكذا قضى رسول الله ﷺ .

стр. 1746

ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود - واللفظ له - عن عوف بن مالك الأشجعي، وخالد بن الوليد: [أن رسول الله ﷺ : قضى بالسلب للقاتل، ولم يخمس السلب] (١). واختلف في الذي كان يناله ﷺ من الخُمس لمن يعطى من بعده؟ القول الأول: يكون لمن يلي الأمر من بعده. وهو قول أبي بكر، وعلي، وقتادة، وجماعة. القول الثاني: يصرف في مصالح المسلمين. ذكره بعض السلف. القول الثالث: يردّ على بقية الأصناف: ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، واختاره ابن جرير. قلت: والراجح أنه يبقى تحت تصرف الخليفة من بعده أو الحاكم المسلم، والله تعالى أعلم. وأما اليتامى: فهم يتامى المسلمين. والمساكين: هم المحاويج لا يجدون ما يكفيهم. وابن السبيل: هو المسافر انقطع بأرض السفر فليس له هناك ما ينفقه في سفره. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾. قال مقاتل: (أي في القسمة). أي: أخرجوا الخمس كما شرع الله لكم في الغنائم، إن كنتم صادقين في إيمانكم بالله واليوم الآخر وما أنزل الله على رسوله ﷺ . أخرج البخاري عن ابن عباس قال: [قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْس على رسول الله ﷺ فقالوا: إنا مِنْ هذا الحيِّ من ربيعة، ولسْنا نَصِلُ إليك إلا في الشهر الحرام، فمُرْنا بشيء نأخذُه عنك وندعو إليه مَنْ وَراءنا، فقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله - ثم فَسَّرَهَا لهم - شهادةُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تُؤدوا إليَّ خُمُسَ ما غنِمْتُم، وأنهى عن الدُّبَّاء والحَنْتم والمقَيَّر والنَّقير] (٢).

стр. 1747

فجعل سبحانه أداء الخمس من الإيمان، كما جاء كذلك في حديث النبي ﷺ لوفد عبد القيس، وقد صنفه البخاري في الصحيح: "باب أداء الخمس من الإيمان". وقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن عباس: (﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل). وقال عروة بن الزبير: (﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ ، وكان رأسُ المشركين عتبةَ بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرةَ - أو: سبع عشرة - مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ما بين الألف والتسع مئة. فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك). وعن علي ﵁ قال: (كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان، في صبيحتها ليلةُ الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان) - رواه ابن مردويه ورجحه ابن كثير وقال: (وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير). قلت: والذي ذهب إليه ابن كثير هو الصواب إن شاء الله، فلقد كانت موقعة بدر في السابع عشر من رمضان ووافقت يوم الجمعة، وكانت في السنة الثانية من الهجرة. فقد أخرج أبو داود مِنْ حديث ابن مسعود ﵁ قال: [التمسوها - يعني ليلة القدر - في سبع عشرة، وتلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ يوم بدر، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين] (١). وفي لفظ: [تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر] (٢). ويبدو أن الموقعة كانت في السابع عشر، وانتهاء الغزوة في التاسع عشر، إذ كان رسول الله ﷺ يقيم بعرصة القوم الذين هزمهم ثلاث ليال، وبذلك جمع بعض أهل العلم بين الأحاديث المختلفة في ظاهرها والله تعالى أعلم. ٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى

стр. 1748

وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾. في هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المؤمنين ممتنًا عليهم ببعض روائع القدر الذي قضاه لهم يوم بدر: إنكم نزلتم بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة وعدوكم من المشركين نازل بشفير الوادي الأقصى إلى مكة وعير أبي سفيان في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ما لقيتموهم، ولكن الله قدّر هذا النزول وما يعقبه من لقاء الحسم الذي يعلي به راية الحق ويكسر أهل الكفر والباطل. ولقد كان للرؤيا التي أراها الله نبيّه قبل المعركة أثرها في تثبيته ﷺ والمؤمنين معه، إنه - تعالى - عليم بذات الصدور. ثم كان الأثر الأكبر أثناء القتال حين قلّل الله عدد المشركين في أعين المؤمنين ليزدادوا ضراوة وشجاعة، وقلّل عدد المؤمنين في أعين المشركين ليتركوا الأهبة ويستخفوا بالقتال، فيهون على المؤمنين استئصالهم، إنه تعالى هو الحكيم العليم، وإليه مرجع الأمور وجميع العالمين. فقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾. قال ابن جرير: (﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾، حينئذ، ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾، يقول: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، يقول: وعدوكم من المشركين نزولٌ بشفير الوادي الأقصى إلى مكة، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، يقول: والعير فيه أبو سفيان وأصحابه في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر). وعن قتادة: (﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، وهما شفير الوادي. كان نبيّ الله بأعلى الوادي، والمشركون أسفله، ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، يعني: أبا سفيان، انحدر بالعير على حوزته، حتى قدم بها مكة).

стр. 1749

وقوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. قال ابن إسحاق: (ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، عن غير مَلأٍ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه). وعن عمير بن إسحاق قال: (أقبل أبو سفيان في الركب من الشأم، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله ﷺ وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقت السُّقاة. قال: ونَهَدَ الناس بعضهم لبعض) - ذكره ابن جرير بإسناده -. وكان أبو سفيان قد بعث ضمضم بن عمرو الغفاري يستنفر أهل مكة لحماية أموالهم إذ شعر بمحاولة المسلمين الاستيلاء على القافلة، والاعتراض لطريقها. وبينما هو كذلك إذ لقي مجدي بن عمرو في الطريق. قال ابن إسحاق في السيرة: (وأقبل أبو سفيان بن حرب، حتى تقدم العير حذرًا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدًا، فقال: ما رأيت أحدًا أُنْكِره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مُنَاخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، فَفَتَّهُ، فإذا فيه النّوى، فقال: هذه والله علائف يَثرب، فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وَجه عيره عن الطريق، فسَاحَلَ بها (١)، وترك بدرًا بيسار، وانطلق حتى أسرع) (٢). فمضى أبو سفيان يشتد بالعير وهو يضرب وجهها عن الطريق شاردًا نحو الساحل، تاركًا بدرًا إلى يساره فنجا، وأرسل إلى قريش يقول: (إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجّاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجِعُ حتى نَرِدَ بدرًا، فنقيم عليه ثلاثًا، فننحرَ الجُزُرَ، ونُطعم الطعام، ونُسْقي الخمر، وتَعْزِفُ علينا القيان - أي الجواري -، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجَمْعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضُوا).

стр. 1750

وهكذا ركب الأحمق أبو جهل حماقته، وأصر على الخروج إلى حيث مصرعه، ليجمع الله بينه وبين المسلمين على غير ميعاد. ففي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ قال: [فندب رسول الله ﷺ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسودُ لبني الحَجَّاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم، أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه، فقال: مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في أناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله ﷺ قائم يصلي. .] الحديث (١). وفي رواية ابن إسحاق: (فأصابوا راوية لقريش فيها أسْلَم، غلامُ بني الحجّاج، وعَريضٌ أبو يسار، غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله ﷺ قائم يصلي، فقالا: نحن سُقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما، ورجَوْا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما - أي بَالَغُوا في ضربهما - قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ وسجد سَجْدَتَيْه، ثم سَلَّم، وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كَذباكم تَرَكْتُموهُما، صَدَقا، والله إنهما لقريش، أخبراني عن قُريش؟ قال: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعُدْوة القُصْوى. فقال لهما رسول الله ﷺ : كم القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عِدَّتُهم؟ قالا: لا نَدْرِي، قال: كم يَنْحَرون كلَّ يوم؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا، فقال رسول الله ﷺ : القومُ فيما بين التسع مئة والألف. ثم قال لهما: فمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عُتْبةُ بن ربيعة، وشَيْبَةُ بن ربيعة، وأبو البخْتَرِيّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونَوْفل بن خُوَيلد، والحارث بن عامر بن نَوْفَل، وطُعَيمةُ بن عدي بن نوفل، والنَّضْر بن الحارث، وزَمْعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأميّة بن خلف، ونُبيه، ومنبه ابنا الحجّاج، وسُهيل بن عمرو، وعَمْرو بن عبد وُدّ، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذَ أكبادها) (٢).

стр. 1751

وفي لفظ مسلم من حديث أنس: [فقال رسول الله ﷺ : هذا مصرع فلان. قال: ويضع يده على الأرض ها هنا وها هنا، قال: فما ماط أحدُهم عن موضع يدِ رسول الله ﷺ ] (١). وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن إسحاق: (أي ليكفر من كفر بعد الحُجَّة، لما رأى من الآية والعِبْرة، ويُؤْمِنُ مَنْ آمن على مِثْل ذلك). قال الحافظ ابن كثير: (يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصُرَكم عليهم، ويرفَع كلمةَ الحق على الباطل، ليصير الأمرُ ظاهرًا، والحجةُ قاطعةً، والبراهينُ ساطعةً، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي: يستمر في الكفر من استمرَّ فيه على بصيرة من أمره أنه مُبْطلٌ، لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾، أي: يؤمن من آمن، ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، أي: حجة وبصيرة. والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقالت عائشة في قصة الإفك: فَهَلَكَ فِيَّ من هَلَكَ أي: قال فيها ما قال من الكذب والبهتان والإفك. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾، أي: لدعائكم وتضرّعكم واستغاثتكم به، ﴿عَلِيمٌ﴾، أي: بكم، فإنكم تَسْتَحِقّون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين). وقوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾. قال مجاهد: (﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾، قال: أراه الله إياهم في منامه قليلًا، فأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم). وقال ابن إسحاق: (فكان أول ما أراه من ذلك نعمةً من نعمه عليهم، شجَّعهم بها على عدوهم، وكفَّ بها عنهم ما تُخُوِّف عليهم من ضعفهم، لعلمه بما فيهم). فأرى الله تعالى نبيّه عدوه وعدو أصحابه في منامه قليلًا، فأخبر أصحابه فقويت

стр. 1752

عزائمهم، ولو أراه إياهم كثيرًا فأخبر أصحابه بذلك لَجَبُنوا وفَشِلوا عن لقائهم، ولكن الله شجعهم برحمته وتأييده. قال ابن عباس: (﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾، يقول: سلَّمَ الله لهم أمرهم حتى أَظْهَرَهُم على عدوهم). وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: بما تجنّه وتخبئه وتنطوي عليه، فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. قال ابن مسعود: (لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة! قال: فأسرنا رجلًا منهم فقلنا: كم هم؟ قال: ألفًا). وقال ابن جرير: (﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾: يقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم). وقال القرطبي: (كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم: إنما هم أكلة جَزُور (١)، خذوهم أخذًا واربطوهم بالحبال، فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا، كما قال: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]. قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ تكرار هذا، لأن المعنى في الأوّل من اللقاء، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين، وهو إتمام النعمة على المسلمين. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: مصيرها ومردّها إليه). ٤٥ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا

стр. 1753

تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾. في هذه الآيات: يحثّ الله تعالى المؤمنين على الثبات عند لقاء العدو والاستعانة بذكره عند النزال، كما يأمر تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويحذرهم من مغبة الشقاق والخلاف، ويأمرهم بالصبر وعدم التأثر بمنهاج المبطلين. لقد زيّن الشيطان للمشركين يوم بدر خروجهم في معاداة الرسول والمؤمنين، ووسوس لهم أنه لا غالب لكم اليوم، وأنه مجير ومعين لهم، فلما حمي الوطيس ظهر الشيطان على حقيقته فتقهقر أمام شدة بأس المؤمنين، ونزول الملائكة مسومين، وأعلن انسحابه وبراءته من العهد والجوار، وخوفه من بأس الله وجنده وشدة عقابه. إنه لما دنا القوم بعضهم من بعض، وقَلَّلَ الله المسلمين في أعين المشركين، قال المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فثبت الله المؤمنين ودعاهم إلى صدق التوكل عليه إنه عزيز حكيم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾. أمر الله تعالى بالثبات عند قتال الكفار، كما نهى عن الفرار عنهم في الآية السابقة. قال القرطبي: (فالتقى الأمر والنهي على سواء، وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلّد له). وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عن عبد الله بن أبي أوفى: [أن رسول الله ﷺ ، كان في بعض أيامه التي لقِيَ فيها العَدوَّ، ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: "يا أيها الناس! لا تتمنّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قام النبي ﷺ وقال: اللهمَّ! مُنْزِلَ الكتاب، ومُجْري السَّحاب، وهازِمَ الأحزاب، اهزِمْهُم وانْصُرنا عليهم] (١).

стр. 1754

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [لا تَمَنَّوا لِقاءَ العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا] (١). وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ - أمر بالذكر وترغيب في الدعاء عند اللقاء فإن في ذلك الفلاح. قال قتادة: (افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضِّراب بالسيوف). وقال ابن إسحاق: (اذكروا الله الذي بذلتم له أنفسكم والوفاء بما أعطيتموه من بيعتكم). وقال ابن جرير: (﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، يقول: كيما تنجحوا فتظفروا بعدوكم، ويرزقكم الله النصر والظفر عليهم). وفي صحيح مسلم عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: [دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: اللهمَّ! مُنزِلَ الكتاب، سريع الحساب، اهزِمِ الأحزابَ، اللهمَّ! اهزِمْهم وزلزِلْهُمْ] (٢). وكذلك في صحيح مسلم عن أنس: [أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أُحد: اللهمَّ! إنَّكَ إنْ تَشَأْ، لا تُعْبَدْ في الأرض] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. أَمْرٌ بطاعة الله ورسوله والحرص على الجماعة ووحدة الكلمة، فإن التفرق ضعف وهوان، وسبيل لتسلل الشيطان، ثم الصبر على كل ذلك، فإن الله مع الصابرين، يؤيدهم وينصرهم ويجعل بعد العسر يسرًا. قال القاسمي: (﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ أي باختلاف الآراء، أو فيما أُمرتم به ﴿فَتَفْشَلُوا﴾، أي تجبنوا، إذ لا يتقوى بعضكم ببعض).

стр. 1755

وقال مجاهد: (﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال: نصركم. قال: وذهبت ريحُ أصحاب محمد ﷺ ، حين نازعوه يوم أحد). وقال السدي: (﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، قال: حَدُّكم وجِدُّكم). وعن قتادة: (﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قال: ريح الحرب). وقال ابن زيد: (الفشل، الضعف عن جهاد عدوه والانكسار لهم، فذلك "الفشل"). والخلاصة: إن التنازع تمزيق للجماعة، خرق للمحبة، سبيل إلى الهزيمة والضعف والهوان. وفي التنزيل - قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. قال ابن مسعود: (حبل الله، الجماعة). وقال قتادة: (إن الله قد كره لكم الفُرقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألف والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله). ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ الله على الجماعة] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [آمركم بثلاث وأنهاكم عن ثلاث، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن وَلّاهُ الله أمركم، وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (٢).
следующие страницы →