← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطرَ على قلب بَشَر] (١). ٥٨ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾. في هذه الآيات: بعد مضي سني الخصب السبع وتلتها سنين الجدب، وعَمَّ القحط بلاد مصر حتى وصل إلى بلاد كنعان، التي يقطنها يعقوب ﵇ وأولاده، وقد مكّن الله تعالى ليوسف في وزارته بتلك البلاد، وباشَرَ مَهَامَّهُ فيها لتوزيع الثروات والغلات في أحسن وجه، لمواجهة القحط وسنوات الجدب، وكان بحق رحمة من الله على أهل مصر، وهنا ورد عليه الناس من مختلف الأقاليم والأمصار، يلتمسون عطاءه ويمتارون لأنفسهم وعيالهم، وكان من جملة مَنْ وَرَدَ للميرة إخوة يوسف، عن أمر أبيهم لهم بذلك، وكان بلغهم أن عَزيز مصر يُعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نَفر، وبقي يعقوب مع ابنه بنيامين شقيق يوسف وأحب ولده له بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف وهو جالس على كرسي رياسته ووزارته في كامل أبّهته وسلطانه، عرفهم حين نظر إليهم، ولم يعرفوه، إذ كانوا فارقوه صغيرًا ولم يخطر ببال أحدهم أنه سيصير إلى ما آل إليه، فسألهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: أيها العزيز، إنا قدمنا للميرة. قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: له أولادٌ غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذهب أصغرُنا، هلك في البَرِّية، وكانَ أحَبَّنا إلى أبيه، وبقي شقيقُه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه. فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ثم لما وفّاهم كَيْلهم، وحَمّل لهم أحمالهم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي

стр. 2207

ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، ألا ترون وفائي، وإن لم تفعلوا فلا كيل لكم عندي بعد اليوم. فوعدوه أن يفعلوا، فأمر فتيانه بإعادة بضاعتهم التي قدموا بها إلى رحالهم من حيث لا يشعرون، حكمة منه بذلك. فعن قتادة: (﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، قال: لا يعرفونه). وعن ابن إسحاق قال: (لما اطمأن يوسف في ملكه وخرج من البلاء الذي كان فيه، وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة، جُهِدَ الناس في كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة. وكان يوسف، حين رأى ما أصاب الناس من الجهد، قد آسى بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين (١)، تقسيطًا بين الناس وتوسيعًا عليهم. فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف ﵇ فيما أراد). وعن السدي قال: (فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما أمركم، فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: فأخبروني خبركم؟ قالوا: إنا إخوة بنو رجل صِدِّيق، وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحبّ أخًا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، وكان أحَبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه). وعن ابن إسحاق قال: (لما جَهَّزَ يوسف فيمن جَهَّزَ من الناس، حَمّل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم، ثم قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، أجعل لكم بعيرًا آخر، أو كما قال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، أي: لا أبخس الناس شيئًا، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، أي: خير لكم من غيري، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم، وأحسنت إليكم، وازددتم به بعيرًا مع عدَّتكم، فإني لا أعطي كل رجل منكم إلا بعيرًا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، لا تقربوا بلدي).

стр. 2208

وعن قتادة: (﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه). وعن مجاهد: (﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، يوسف يقوله: أنا خيرُ من يُضيف بمصر). وعن ابن إسحاق: (﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾، لنجتهدنّ) - أي: في إقناع أبينا بإرساله معنا بنيامين - قال: (ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون). وفي تأويل قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ثلاثة أقوال ذكرها ابن جرير ومن بعده ابن كثير: ١ - قيل: خشي يوسفُ ﵇ ألا يكون عِندهم بضاعةٌ أخرى يرجعون للميرة بها. ٢ - وقيل: تَذَمَّمَ أن يأخذ من أبيه وإخوته عِوَضًا عن الطعام. ٣ - وقيل: أراد أنْ يَرُدَّهُم إذا وجدوها في متاعهم تَحَرُّجًا وتورُّعًا لأنه يعلم ذلك منهم. والله أعلم. ٦٣ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾. في هذه الآيات: رُجوعُ إخوة يوسف إلى أبيهم يشكون إليه منع الكيل عنهم حتى يرسل معهم أخاهم ويتعهدون بحفظه. وَفَتْحُهُم متاعهم ليجدوا فيه بضاعتهم ردت

стр. 2209

إليهم. وَإِرْسَالُ الأب ابنه معهم بعد أخذه التوثيق منهم على حفظه والله هو الحفيظ العليم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم، ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾، يقول: منع منا الكيل، فوق الكيل الذي كِيلَ لنا، ولم يكل لكل رجل منّا إلا كيل بعير، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾، بنيامين يَكتَل لنفسه كيلَ بعير آخر زيادة على كيلِ أباعرِنا، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، من أن يناله مكروه في سفره). وقرأ عامة قراء المدينة: ﴿نَكْتَلْ﴾، وكذلك بعض أهل مكة والكوفة، في حين قرأها بعض قراء الكوفة: ﴿يَكْتَل﴾ - بمعنى: يكتل هو لنفسه، كما نكتال لأنفسنا. وكلاهما قراءتان معروفتان. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. قال النسفي: (يعني أنكم قلتم في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يأمنني من مثل ذلك. ثم قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ - فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم - ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين). وقوله: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾. قال قتادة: (يقول: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل). وقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ - أي: ونطلب لأهلنا طعامًا فنشتريه لهم. ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾، الذي ترسله معنا، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ - وذلك أن يوسف ﵊ كان يعطي كلَّ رجل حمل بعير. قال ابن جريج: (كان لكل رجل منهم حمل بعير. وقال مجاهد: حمل حمار (١)).

стр. 2210

وقوله: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ - قال ابن كثير: (هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: إنّ هذا يسير في مقابلة أخذِ أخيهم ما يَعدِلُ هذا). وقوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾. قال مجاهد: (إلا أن تهلكوا جميعًا). وقال قتادة: (إلا أن تغلَبوا حتى لا تطيقوا ذلك). وقال ابن إسحاق: (إلا أن يصيبكم أمرٌ يذهب بكم جميعًا، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي). والمقصود: أن يعقوب ﵇ أراد توثيق العهد مع بنيه، لتأتنني بأخيكم إلا أن يصيبكم ما لا قدرة على منعه. وقوله: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال القرطبي: (أي: حافظ للحلف. وقيل: حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل). وقال ابن إسحاق: (وإنما فعل ذلك؛ لأنه لم يجد بُدًّا من بعثهم لأجل الميْرَةِ التي لا غِنى لهم عنها، فبعثه معهم). ٦٧ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾. في هذه الآيات: نَصيحةُ يعقوب ﵇ لبنيه بعدم الدخول من باب واحد بل من أبواب متفرقة خشية العين عليهم، وهو بذلك متوكل على الله حق التوكل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فقوله: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾. قال الضحاك: (خاف عليهم العين). وقال قتادة: (خشي نبي الله ﷺ العينَ على بنيه، كانوا ذوي صورة وجمال). وفي رواية قال: (كانوا قد أوتوا صورة وجمالًا فخشي عليهم أنفُسَ الناس). وقال السدي: (خاف يعقوب ﷺ على بنيه العين، فقال:

стр. 2211

﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ فيقال: هؤلاء لرجل واحد! ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة). وكذلك قال ابن إسحاق: (لما أجمعوا الخروج، خشي عليهم أعين الناس، لهيأتهم، وأنهم لرجل واحد). وقال القاسمي: (﴿وَقَال﴾ أي أبوهم: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أي: لئلا يستلفت دخولهم من باب واحد، أنظار من يقف عليه من الجند، ومن يعسّ للحاكم، فيريب بهم، لأن دخول قوم على شكل واحد، وزيّ متحد، على بلدٍ هم غرباء عنه، مما يلفت نظر كل راصد. وكانت المدن وقتئذ مبوّبة لا ينفذ إليها إلا من أبوابها، وعلى كل باب حرسه، وليس دخول الفرد كدخول الجمع في التنبه، وإتباع البصر. وقيل: نهاهم لئلا تصيبهم العين إذا دخلوا كوكبة واحدة). وقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: هذا الاحتراز لا يردُّ قدرَ الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئًا لا يُخالَفُ ولا يمانَعُ). وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. أي: وما الحكم إلا لله سبحانه، لا يشاركه أحد، ولا يمانعه أحد، وإنما أفوض أمري إليه، وإلى الله فليفوِّض أمورَهم المفوِّضون. وقوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾. قال مجاهد: (﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، خيفة العين على بنيه). وقال ابن إسحاق: (ما تخوّفَ على بنيه من أعين الناس، لهيأتهم وعِدَّتهم). وقال ابن جرير: (ولما دخل ولد يعقوب من حيث أمرهم أبوهم، وذلك دُخولهم مصر من أبواب متفرقة، ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ دخولهم إياها كذلك، ﴿عَنْهُمْ﴾ من قضاء الله الذي قضاه فيهم فحتمه، ﴿مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾، إلا أنهم قضوا وطرًا ليعقوب بدخولهم، لا من طريق واحد، خوفًا من العين عليهم، فاطمأنت نفسه أن يكونوا أُتوا من قبل ذلك، أو نالهم من أجله مكروه). قلت: وهذه الآية من جملة الآيات في القرآن الدالة على أثر العين، وقد تنبّه

стр. 2212

يعقوب صلوات الله وسلامه عليه إلى ذلك لما أوتي أبناؤه من حسن الهيئة وجمال السمت، فخشي عليهم من أنفس الناس. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١، ٥٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧]. ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: يروي الإمام البخاري في صحيحه عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: [استرقوا لها فإن بها النظرة] (١). الحديث الثاني: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [العين حق، ولو كان شيء سابقَ القدر سبقته العين، وإذا استغسِلتُم فاغسلوا] (٢). أي: إذا عُرف العائن - وهو الحاسد - يطلب منه الاغتسال، ويجب عليه أن يفعل، ثم يؤخذ هذا الماء ويصب على رأس المصاب وظهره فيبرأ بإذن الله. الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: [استعيذوا بالله من العين، فإن العين حق] (٣). الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند حسن عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: [لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة] (٤). وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾. قال قتادة: (أي: مما علمناه) - أي: وإن يعقوب لذو علم، لتعليمنا إياه.

стр. 2213

وقال أيضًا: (إنه لعامل بما عَلم). وقال سفيان: (﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾، مما علمناه. وقال: من لا يعمل لا يكون عالمًا). وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - قال ابن جرير: (ولكن كثيرًا من الناس غير يعقوب، لا يعلمون ما يعلمه، لأنا حَرَمناه ذلك فلم يعلمه). ٦٩ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾. في هذه الآيات: دُخُولُ إخوة يوسف على يوسف ﵊، واختِلاءُ يوسف بأخيه بنيامين وتعرِيفُه بأمره، واحتيالُ يوسف بالتواطؤ معه لإبقائه عنده معززًا مكرمًا بقصة صواع الملك، واستخراجها من وعاء أخيه، وإخوتُهُ لذلك مندهشون. فقوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾. أي: لما قدم إخوة يوسف ومعهم بنيامين رحّب بهم يوسف ﵊، وأنزلهم دار كرامته وأراهم حسن ضيافته، واختلى بأخيه فأخبره بخبره وعرّفه أنه أخوه، وقال له: لا تحزن على ما صدر منهم نحوي، واكتم ذلك بيني وبينك، وتواطأ معه أنه سيحتال ليبقيه عنده معززًا مكرمًا. وقوله: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - قال قتادة: (فلا تحزن ولا تيأس). وقال السدي: (يقول: لا تحزن على ما كانوا يعملون). قال ابن جرير: (فتأويل الكلام

стр. 2214

إذن: فلا تحزن ولا تستكن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك، وفي أخيك من أمك، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك). وقوله: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾. قال قتادة: (يقول: لما قضى لهم حاجتهم ووفَّاهم كيلهم). - يقول: جعل الإناء الذي يكيل به الطعام في رَحْل أخيه. والسقاية: المشربة. قال مجاهد: (السقاية: الصواع الذي كان يشرب فيه يوسف). وقال قتادة: (مشربة الملك). قيل: هو إناء من ذهب كان يشرب به ويكيل الناس به من عزَّة الطعام إذ ذاك - ذكره ابن عباس ومجاهد. وقيل: بل هو من فضة - وهو قول الأكثرين، ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضًا. والخلاصة: لقد احتال يوسف ﵊ لإبقاء أخيه عنده فأمر بعض فتيانه أن يضع الإناء في متاع بنيامين من حيث لا يشعر بذلك أحد. وقوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. أي: ثم نادى منادٍ بينهم قبل أن ترتحل العير: إنكم لسارقون. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾. أي: قال بنو يعقوب حين سمعوا النداء وأقبلوا على المنادي ومن بحضرتهم يقولون لهم: ما الذي تفقدون؟ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. قال ابن عباس: (﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾، قال: كان من فضة مثل المكوك. وكان للعباس منها واحدٌ في الجاهلية). وقال سعيد بن جبير: (﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾: وكان إناءه الذي يشرب فيه). وعن قتادة: (﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، يقول: وقر بعير. ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، قال: كفيل). قال ابن كثير: (﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، وهذا من باب الجعَالة، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وهذا من باب الضَّمان والكَفَالة). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾. قال الربيع: (يقول: ما جئنا لنَعْصي في الأرض). أي: لقد عرفتمونا منذ جئناكم وتحققتم أننا لسنا بأهل شرور وفساد - وقد شاهدوا منهم حُسْنَ سيرة - وليست السرقة

стр. 2215

من سجايانا. وقوله: ﴿تَاللَّهِ﴾ وأصله "والله"، فقلبت الواو تاء لكثرة استخدام العرب لها. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾. أي: كيف ستكون عقوبة من وجدنا عنده ما نفقده؟ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. قال ابن إسحاق: (﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾، أي: سُلِّمَ به، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: كذلك نصنع بمن سرقَ منَّا). وقال معمر: (أخبروا يوسف بما يحكم في بلادهم، أنه من سرق أخذ عبدًا). أي: يُدْفع السارق إلى المسروق منه - هكذا في شريعة إبراهيم ﵇. وقوله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾. أي: ففتش يوسف ﵇ أوعية إخوته من أبيه قبل تفتيشه وعاء بنيامين، ثم فتش آخر ذلك وعاء أخيه فاستخرج الصواع من وعاء أخيه، وإنما فعل ذلك تورية. وقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. قال ابن كثير: (فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحِكْمةِ والمصلحة المطلوبة. قال: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، أي: لم يكن له أخذُه في حكم ملك مصر). ومن أقوال أهل التأويل: ١ - عن مجاهد: (﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، كادها الله له، فكانت علة ليوسف. ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، قال: إلا فعلة كادها الله، فاعتلّ بها يوسف). ٢ - وعن ابن عباس: (﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، يقول: في سلطان الملك). وقال السدي: (في حكم الملك). وعن قتادة قال: (يقول: ما كان ذلك في قضاء الملك أن يستعبد رجلًا بسرقة). قال معمر: (كان حكم الملك أن من سَرَقَ ضوعف عليه الغُرْم). ٣ - وعن ابن إسحاق: (﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، أي: بظلم، ولكن الله

стр. 2216

كاد ليوسف ليضمّ إليه أخاه). قال ابن زيد: (ليس في دين الملك أن يؤخذ السارق بسرقته. قال: وكان الحكم عند الأنبياء، يعقوب وبنيه، أن يؤخذ السارق بسرقته عبدًا يسترقّ). قلت: وهذه الأقوال متقاربة في معناها متكاملة في مفادها، فغاية القول: إن الله تعالى شاء ليوسف ﵇ هذه الحيلة ليحتفظ بأخيه عنده، فاستفاد من حكم السارق في شريعتهم - شريعة أبيهم يعقوب - أن يُسْتَرَقَّ فيصير عبدًا للمسروق منه، فأخذه بإقرارهم، وما أراد يوسف من ذلك قضاء حكم ملك مصر وتعريض أخيه لقوانين تلك البلاد، ليظلم بلا حجة وبلا ذنب. قال القاسمي ﵀: (وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا، لاستبد بما شاء، وهذا من وفور فطنته، وكمال حكمته، ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر "دينًا" لها والآيات في ذلك كثيرة). وقال النسفي: (﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله وإرادته فيه). وقوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ - قال ابن جريج: (يوسف وإخوته، أوتوا علمًا، فرفعنا يوسف فوقهم في العلم). وقال ابن جرير: (بمعنى: نرفع منازل من نشاء رفع منازله ومراتبه في الدنيا بالعلم على غيره، كما رفعنا مرتبة يوسف في ذلك ومنزلته في الدنيا على منازل إخوته ومراتبهم). وقوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ - قال الحسن: (ليس عالمٌ إلا فوقه عالم، حتى ينتهي العلم إلى الله). وعن قتادة: (﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلَّمت العلماء، وإليه يعود. وفي قراءة عبد الله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾). ٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ

стр. 2217

مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾. في هذه الآيات: تَصْريحُ إخوة يوسف تجاه الموقف باللمز بيوسف وتشبيه بنيامين به في صنيعه، وَطَعْنُ يوسف بمقولتهم في نفسه، واستِعطافُ الإخوة يوسف لإطلاق بنيامين وأخذ أحدهم مكانه، وإصرار يوسف على مقام العدل في محاسبة الجاني دون غيره. فقوله: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ - قال القاسمي: (هذا تنصل منهم إلى العزيز بالتشبيه به. أي: إِنَّ هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف). وعن ابن جريج: (قال: كانت أم يوسف أمرت يوسف يسرق صنمًا لخاله يعبده، وكانت مسلمة). وقال قتادة: (ذكر أنه سرق صنمًا لجده أبي أمه، فعيروه بذلك)، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم. قلت: والذي أرادوا من قولهم ذلك - كما ذكر ابن كثير والقاسمي وغيرهم - التنصل من فعل بنيامين، ومحاولة طعنه مع أخيه أمام العزيز ليظهروا أمامه بالصفاء والصدق. وقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: أسَرَّ في نفسه قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾. والمقصود: أن يوسف ﵇ طعن في نفسه بشهادتهم الكاذبة، بقوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: منزلة، حيث سرقتم أخاكم من أبيكم، ومكرتم به شر مكر، ثم طفقتم تفترون على بنيامين البريء، والله أعلم بما تصفون من أمر يوسف وأخيه وبما تكذبون. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال النسفي: (﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ في السن وفي القدر ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أبدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد، فإن أباه يتسلى به عن أخيه

стр. 2218

المفقود ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا، فأتمم إحسانك، أو من عادتك الإحسان فَاجْرِ على عادتك ولا تغيّرها). وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (يقول: إن أخذنا غير الذي وجدنا متاعًا عنده، إنّا إذن نفعل ما ليس لنا فعله ونجورُ على الناس). ٨٠ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾. في هذه الآيات: فَقْدُ إخوة يوسف الأمل من إطلاق سراح بنيامين، وتَحاوُرُهم في ذلك، ورَفْضُ كبيرهم الرجوع معهم حتى يحظى بسماح والده، ونصيحته لهم إخبار والدهم بحقيقة ما جرى وبتصديق أهل القرية لروايتهم. فقوله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ - أي: فلما يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل بنيامين ويأخذ منهم واحدًا مكانه. وقال ابن إسحاق: (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، أي: خلا بعضهم ببعض، ثم قالوا: ماذا ترون؟ ). والمقصود: أنهم انفردوا عن الناس يتناجون بينهم فيما حصل، وينظرون كيف يخلصون من غضب أبيهم وسخطه وكيف يعتذرون! وقوله: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾. أي: قال أكبرهم وهو فيما ذكر - روبيل - ألم تعلموا - أيها القوم - أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهود الله ومواثيقه لتردن إليه بنيامين إلا أن يحاط بكم، هذا إضافة إلى ما كان من تفريطكم في يوسف من قبل.

стр. 2219

وقوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. أي: فلن أغادر هذه البلدة حتى يسمح لي أبي بالرجوع إليه، أو يحكم الله لي بأخذ أخي بالسيف أو بتمكيني من ردّه، أو بما يشاء سبحانه وهو خير الحاكمين. قال ابن إسحاق: (﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾، التي أنا بها اليوم، ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾، بالخروج منها). وعن أبي صالح: (﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، قال: بالسيف) - وكأنه أراد حربهم وتخليص أخيه من بين أيديهم. قال ابن جرير: (﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، أو يقضي لي ربي بالخروج منها، وترك أخي بنيامين، وإلا فإني غير خارج، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾، يقول: والله خير من حكم، وأعدل من فصل بين الناس). وقوله تعالى: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾. أي: عودوا إلى أبيكم - وأنا في انتظاري هنا - فأخبروه بصورة ما وقع ليكون لنا عذرًا عنده. قال مجاهد: (﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: ما كنا نظن ولا نشعر أنه سيسرق). وقال قتادة: (ما كنا نظن أن ابنك يسرق). وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. قال ابن عباس: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، يعنون مصر). وعن ابن إسحاق: (﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، فقد علموا ما علمنا وشهدوا ما شهدنا، إن كنت لا تصدقنا, ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾). قال ابن جرير: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، وهي مصر، يقول: سل من فيها من أهلها، ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾، وهي القافلة التي كنا فيها، التي أقبلنا منها معها، عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك عنه من سَرَقهِ، فإنك تَخْبُرُ مصداق ذلك، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، فيما أخبرناك من خبره). ٨٣ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ

стр. 2220

يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾. في هذه الآيات: تَلَقّي يعقوب الخبر بالتشكيك بأولاده، والصبر على المصاب الجديد، وتَذَكُّر يوسف والبكاء من شدة الحزن، وبثه الشكوى إلى الله العظيم، ثم أَمْرُه لهم بالضرب في الأرض لالتماس خبر يوسف وأخيه، وعدم القنوط من رحمة الله، فإنه لا يقنط من روح الله إلا القوم الكافرون. فقوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ - قال قتادة: (يقول: زينت). أي: لما رجع إخوة بنيامين إلى أبيهم وتخلف روبيل وأخبروه أنه سرق اتهمهم أبوهم بأنه قد زينت لكم أنفسكم أمرًا هممتم به. قال محمد بن إسحاق: (لما جاؤوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتَّهَمَهُم وظنّ أنَّها كفعلتهم بيوسف: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾). وقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ - أي: أصبر على ما نالني من فقد ولدي صبرًا لا شكاية فيه ولا جزع، عسى الله أن يرد عليّ أولادي الثلاثة: يوسف، وبنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه. وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ - قال ابن جرير: (﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾، بِوَحْدَتي، وبفقدهم وحزني عليهم، وصِدْق ما يقولون من كذبه، ﴿الْحَكِيمُ﴾، في تدبيره خلقه). وقوله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ - أي: أعرض عن بنيه وقد تجدّد له الحزن القديم وقال: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يا حزني على يوسف). والأسف أشد الحزن والتندم. وعن ابن إسحاق: (﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾، أعرض عنهم، وتتامَّ حزنه وبلغ مجهودَه، حين لحق بيوسف أخوه، وهَيَّجَ عليه حزنه على يوسف فقال: ﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾). وعن مجاهدْ (﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، قال: يا جَزعاه حزنًا). روى عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال: (لم يُعْطَ أحدٌ غيرَ هذه الأمة

стр. 2221

الاسترجاع، ألا تسمَعُون إلى قول يعقوب ﵇ ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾). وقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾. أي: من شدة الحزن. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ - قال مجاهد: (كظيم الحزن) - أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق. وقال الضحاك: (كئيب حزين). وقال قتادة: (تردَّدَ حُزْنُهُ في جوفه، ولم يتكلّم بسوء). أو قال: (كظيم على الحزن، فلم يقل إلا خيرًا). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. أي: قال بنو يعقوب له: إنك لا تزال تذكر يوسف حتى يجهدك المرض ويؤذي جسمك وعقلك أو يهلكك. قال مجاهد: (﴿تَفْتَأُ﴾، تفتر من حبه). أي: إنك لا تفتر من حب يوسف واستعراض ذكراه. وقال قتادة: (لا تزال تذكر يوسف). وعن ابن عباس: (﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، يعني الجَهْدَ في المرض، البالي). وقال مجاهد: (الحرض، ما دون الموت). وعن قتادة: (﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، حتى تبلى أو تهرم). وقال الضحاك: (الحرض: الشيء البالي الفاني). أو قال: (البالي المُدْبر). قال ابن جرير: (وأصل "الحرض" الفساد في الجسم والعقل من الحزن أو العشق). والمقصود: إن كثرة ذكرك ليوسف يؤذي بدنك ويُعِلّ صحتك وينعكس على نفسك وعقلك بالفساد والسوء - يقوله بنو يعقوب لأبيهم. وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ - قال مجاهد: (من الميتين). أي: تكون ممن هلك بالموت. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (﴿بَثِّي﴾، همي). وقال الحسن: (حزني). أو قال: (حاجتي)، وقيل: غمّي. وعن ابن إسحاق قال: (قال يعقوب عن عِلْمٍ بالله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، لما رأى من فظاظتهم وغلظتهم وسوء لَفْظِهم له: لم أشك ذلك إليكم، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾).

стр. 2222

قال ابن عباس: (﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له). وقال ابن كثير: (﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: أرجو منه كلَّ خير). وقوله: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾. أي: التمسوا خبر يوسف وأخيه وتعرَّفوا أمرهما. وأصل التحسُّس من الحِسّ. وهو قول يعقوب لبنيه حين طمع في يوسف وأحسّ قرب لقائه. قال السدي: (﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾، بمصر). وقوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ - قال قتادة: (أي: من رحمة الله). وقال السدي: (من فرج الله أن يردَّ يوسف). وقال ابن زيد: (من فرج الله، يفرِّج عنكم الغمَّ الذي أنتم فيه). قال ابن إسحاق: (ثم إن يعقوب قال لبنيه وهو على حسن ظنه بربه، مع الذي هو فيه من الحزن: يا بني، اذهبوا إلى البلاد التي منها جئتم ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، أي: من فرجه). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته، ويقطع رجاءه منه، ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، يعني: القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاء تكوينه). ٨٨ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ

стр. 2223

الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾. في هذه الآيات: عَوْدَةُ إخوة يوسف إلى مصر، ودخولُهم على يوسف ببضاعة قليلة، وهم يرجونه رحمتهم في شأن أخيهم وحسن التزود من كيله، وَكَشْفُ يوسف الحقيقة في أمره، واعترافُهُم له بالذنب وتفضيل الله له عليهم، وصفحه هو عنهم ورجاؤه عفو الله عنهم، وإعطاؤهم قميصه ليلقوه على وجه أبيهم ليرتد بصيرًا بإذن الله ثم ليأتوه أجمعين. فقوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ - في الكلام محذوف، والتقدير: فلما خرجوا من عند يعقوب وتوجهوا إلى مصر ودخلوا على يوسف. ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرّ﴾ - يعنون من الجَدْب والقحْط وقلة الطعام. وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ - قال ابن إسحاق: (وخرجوا إلى مصر راجعين إليها، ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، أي: قليلة لا تبلغ ما كانوا يتبايعون به، إلا أن يتجاوز لهم فيها، وقد رأوا ما نزل بأبيهم، وتتابَعَ البلاء عليه في ولده وبصره، حتى قدموا على يوسف. فلما دخلوا عليه قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾، رَجَاةَ أن يرحمهم في شأن أخيهم، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾). وعن ابن عباس: (﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾، قال: رَدِيَّةِ زُيُوفٍ، لا تنفق حتى يوضَعَ منها). أو قال: (رَثَّةُ المتاع، الحبلُ والغرارةُ والشيء). أو قال فيها: (كاسدة غير طائل). وعن مجاهد: (﴿مُزْجَاةٍ﴾، قال: قليلة). وقال الضحاك: (كاسدة، لا تنفق). وقال قتادة: (يسيرة). وأصل الإزجاء: السَّوْق بدفع. قال القرطبي: (والمعنى أنها بضاعة تدفع، ولا يقبلها كل أحد). وقال ثعلب: (البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة). قلت: والمقصود أنهم قدموا ليمتاروا بثمن طعام قليل. وقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ - قال ابن كثير: (أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك وقرأ ابن مسعود: ﴿فأوقِرْ ركابنا وتصَّدق علينا﴾). وعن ابن جريجٍ: (﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، قال: رُدَّ إلينا أخانا).

стр. 2224

وقال سعيد بن جبير: (﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾، يقولون: تصدَّق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوَّزْ فيها). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ - يعني في الدنيا والآخرة. فهو سبحانه يثيب المتفضلين على أهل الحاجة بأموالهم. في صحيح مسلم عن أنس بن مالك، أنه حَدَّث عن رسول الله ﷺ : [إن الكافِرَ إذا عملَ حسنةً أُطعِمَ بها طُعمةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدّخِرُ له حسناته في الآخرة ويُعقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا، على طاعته] (١). وقوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ - قال القرطبي: (استفهام بمعنى التذكير والتوبيخ، وهو الذي قال الله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ [يوسف: ١٥] الآية). وعن ابن إسحاق قال: (ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام، غلبته نفسه، فارفَضَّ دمعه باكيًا، ثم باح لهم بالذي يكتم منهم، فقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾). وخلاصة المعنى هي كما ذكر ابن كثير: (أنه لما ذكر له إخوتُه ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعُموم الجَدْب. وتذَكَّر أباه وما هو من الحزن لفقد ولديه، مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسَّعة، فعند ذلك أخذته رِقَّةٌ ورأفةٌ ورحمةٌ وشفقة على أبيه وإخوته، وبَدَرَه البكاءُ، فتعرَّف إليهم، يقال: إنه رفع التاجَ عن جبهته، وكان فيها شامةٌ، وقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾). وقوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ - أي: بإثم العمل الذي أقدمتم عليه وتبعاته. وقوله: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾. قال ابن إسحاق: (لما قال لهم ذلك، يعني قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾، كشف الغِطاء فعرفوه، فقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ. . .﴾، الآية). قال ابن جرير: (﴿وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، بأن جمع بيننا بعد ما فرقتم بيننا).

стр. 2225

وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: إنه من يجمع بين التقوى والصبر على المحن وعلى طاعة الله فإن الله يحفظ ذلك له، ويبادله بالإحسان الإحسان. قال مجاهد: (﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، يقول: من يتق معصية الله، ويصبر على السجن). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾. هو اعتراف إخوة يوسف له بالفضل والرفعة والأثرة عليهم في الخَلْق والخُلُق، والسَّعة، والملك، والتصرف والنبوة. قال قتادة: (﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، وذلك بعدما ما عرَّفهم أنفسهم. يقول: جعلك الله رجلًا حليمًا). وعن السدي قال: (لما قال لهم يوسف: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾، اعتذروا إليه وقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، فيما كنا صنعنا بك). وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. قال ابن إسحاق: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم). وعن السدي قال: (اعتذروا إلى يوسف فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، يقول: لا أذكر لكم ذنبكم). قال ابن جرير: (يقول: لا تعيير عليكم، ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو). قال ابن كثير: (يقول: لا تأنيبَ عليكم ولا عَتْب عَليكُم اليوم، ولا أعِيدُ ذنبكم في حقي بعد اليوم. ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾). وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال السدي: (قال لهم يوسف: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: لما فاته بنيامين عمي من الحزن. قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾). قلت: وهذا بلا شك من النبوة، فإن يعقوب ﵇ كان قد عمي من كثرة

стр. 2226

البكاء، فأمر يوسف ﵇ إخوته بإلقاء قميصه على وجه أبيه ليرتد إليه بصره بإذن الله، كما أمرهم بإحضار جميع أهلهم إليه لتتم الآية ويحصل تأويل الرؤيا. ٩٤ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾. في هذه الآيات: شُعورُ يعقوب ﵇ بريح يوسف عند قدوم العير، واستِنكارُ الأولاد شعور أبيهم، وتصديقُ الشعور بإلقاء البشير القميص على وجه يعقوب وعودته بصيرًا، واعتِرافُ الأبناء أمام أبيهم راجين عفوه وصفحه عنهم، واستِغفارُ يعقوب ربه تعالى لأبنائه والله هو الغفور الرحيم. فقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال ابن عباس: (هاجت ريح فجاءت بريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال). أي: لما خرجت عير بني يعقوب من عند يوسف متوجهة إلى يعقوب قال لهم أبوهم يعقوب ﵇: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾. وعن مجاهد: (﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾. قال: تُسَفِّهون). وقال الحسن: (تُهَرِّمون). وقال الضحاك: (تكذبون): والتفنيد: الإفساد، فيدخل في مفهومه الضعف والهرم والكذب وذهاب العقل. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: خطئك القديم). وعن قتادة: (أي: من حب يوسف، لا تنساه ولا تسلاه. قالوا لوالدهم كلمةً غليظة، لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله ﷺ ). وعن ابن إسحاق قال: (﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، أي: إنك لمن ذكر يوسف في الباطل الذي أنت عليه).

стр. 2227

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْبَشِيرُ﴾: البريد). والمقصود: لما جاء البشير من عند يوسف، وهو المبشِّر برسالة يوسف، فوصل إلى يعقوب فألقى القميص على وجهه فارتد بصره بإذن الله. فعندها قال يعقوب لبنيه: ألم أقل لكم إني أعلم من الله أنه سيردّ عليّ يوسف وستنكشف القصة ويظهر أمر الرؤيا. قال ابن جرير: (لأن رؤيا يوسف كانت صادقة، وكان الله قد قضى أن أخِرَّ أنا وأنتم له سجودًا، فكنت موقنًا بقضائه - يقول يعقوب). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. أي: فلما أبصر بنو يعقوب المشهد أمامهم، أيقنوا أن الله تعالى قد كشف الأمر وأعز يوسف ﵊، فعندئذ طلبوا من أبيهم أن يَسأل ربه تعالى ليعفو عنهم ويستر عليهم ذنوبهم التي كانوا أذنبوها في حق يعقوب أبيهم وابنه يوسف أخيهم، فلا يعاقبهم بها يوم القيامة، وها هم يعترفون بذنبهم ويقرون بما صدر منهم. فأجابهم يعقوب ﵇ إلى طلبهم: أن سوف أسأل ربي أن يعفو عنكم ويصفح عن ذنوبكم، إنه هو الغفور الرحيم. ٩٩ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾. في هذه الآيات: قُدُومُ موكب يعقوب ﵊ وزوجته - أم يوسف -، وبنيه بلادَ مصر، للقاء يوسف ﵊، وقد كان حمَّل إخوته الأمر أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحمَّلوا عن آخرهم وترحّلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر، فلما أُخبر يوسف ﵇ باقترابهم خرج هو والملك لتلقي نبي الله

стр. 2228

يعقوب ﷺ . وقد أمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج والمشاركة باستقبال موكب والدي يوسف وعائلته، فكان الاستقبال الرائع من يوسف لأبويه ودخلوا مصر بإذن الله آمنين. ورفع يوسف أبويه على سريره وخرّوا له سجدًا، وأخبرهم حصول تأويل رؤياه في هذا المشهد الرهيب بعد رحلة شاقة طويلة بين السجن والغربة وفراق الأبوين ونزغ الشيطان بينه وبين إخوته، والله لطيف في تقديره وهو العليم الحكيم. فعن السدي قال: (فحملوا إليه أهلهم وعيالهم، فلما بلغوا مصر، كَلَّم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج هو والملوك يتلقَّونهم، فلما بلغوا مصر قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾). وعن ابن إسحاق: (﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾، قال: أباه وأمه). وقوله: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ - قال ابن كثير: (ما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾، وضمَّنه: اسكنوا مصر؟ ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، أي: مما كنتُم فيه من الجَهْد والقَحْطِ، ويُقال - والله أعلم - إن الله تعالى رَفَع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قُدوم يعقوب عليهم. كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله ﷺ على أهل مكة حين قال: "اللهم أعني عليهم بسَبْعٍ كسَبْعِ يوسف" (١)، ثم لما تضرعوا إليه واستشفعُوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك، فدعا لهم، فَرُفِعَ عنهم بقيةُ ذلك ببركة دعائه ﵇. وقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾. قال مجاهد: (العرش: السرير). وقال ابن زيد: (﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾، قال: مجلسه). والمقصود أن يوسف رفع أبويه على السرير، أي: أجلسهما معه على سريره. وعن ابن عباس: (﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، يقول: رفع أبويه على السرير وسجدا له، وسجد له إخوته). وقال ابن إسحاق: (تحمّل - يعني يعقوب - بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان، أبوه وأمه وإخوته). قال ابن كثير: (وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم إذا سَلَّموا على الكبير يسجُدون له،

стр. 2229

ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدَمَ إلى شريعة عيسى ﵇ فحرَّم هذا في هذه الملة، وجُعِلَ السجود مختصًا بجناب الرب . هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث، أن معاذًا قدِمَ الشام فوجَدَهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجَعَ سَجَدَ لرسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: إني رأيتهم يسجُدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يُسجدَ لك يا رسول الله! فقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ الزوجة أن تسجُدَ لزوجها من عِظَم حَقِّه عليها" (١)). وقوله: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. قال يوسف لأبيه: يا أبت، هذا ما آلت إليه رؤياي أيام الصبا، حين رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر كلهم لي ساجدون، فهو هذا السجود الذي سجدت أنت وأمي وإخوتي لي، فقد حقّقها ربي . وقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾. قال قتادة: (وكان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواشٍ وبرّية). وقال ابن جريج: (كانوا أهل بادية وماشية، وقال: كانوا يسكنون بالعَرَبات من أرض فلسطين، من غور الشام، قال: وبعضٌ يقول: كانوا بالأولاج من ناحيةِ شِعْبٍ أسفلَ من حُسْمى، وكانوا اصحاب باديةٍ وشاءٍ وإبل). والخلاصة: يتذكر يوسف ﵊ نعم الله عليه إذ أخرجه من السجن وعزّزه وكرّمه، وحمل إليه أهله من البادية ليرونه على أحسن حال، وفي أبّهة الملك والسلطان، ومع ذلك فهو يملك نفسًا عالية رفيعة بعيدة عن أحوال الملوك والسلاطين وما يعتريهم من الكبر والعجب، وهو اليوم يصفح عن إخوته ولا يشمت بهم ولا يجرح مشاعرهم بل يقول: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال النسفي: (ولم يذكر الجُبَّ لقوله لا تثريب عليكم اليوم ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي: أفسد بيننا وأغرى ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيف

стр. 2230

التدبير ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ بتأخير الآمال إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف). ١٠١. قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾. في هذه الآية: التِجاءُ يوسف ﵊ إلى ربه بالدعاء بعد تمام نعمه سبحانه عليه، من قوة السلطان وحسن التمكين، وتأويل الأحلام للسائلين، والحكم والعلم والنبوة، ليتم نعمته عليه بحسن الختام، والوفاة على الإيمان، واللحوق بالصالحين. فعن مجاهد: (في قوله: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، قال: العِبارة). وعن الضحاك يقول: في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، يقول: (توفني على طاعتك، واغفر لي إذا توفيتني). قال ابن جرير: (قال يوسف: بعدما جمع الله له أبويه وإخوته، وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكنه في الأرض، متشوِّقًا إلى لقاء آبائه الصالحين: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾، يعني: من ملك مصر، ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، يعني من عبارة الرؤيا، تعديدًا لنعم الله عليه، وشكرًا له عليها، ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول: يا فاطر السماوات والأرض، يا خالقها وبارئها، ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، يقول: أنَّت وليي في دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك، وتغذوني فيها بنعمتك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك، ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾، يقول: اقبضني إليك مسلمًا، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك). قلت: وليس في الآية ما يدل على تمني يوسف الموت، أو أنه أول من تمناه من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين، بل غاية المعنى أنه يسأل حسن الختام، والوفاة على الإيمان، وأن يلحقه الله تعالى عند وفاته بآبائه الصالحين.

стр. 2231

وقد جاءت سنة نبينا محمد ﷺ بآفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَتَمَنَّينَ أحدُكمُ الموتَ لِضُرٍّ نزلَ به، فإن كانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فليَقُل: اللهم أَحْيِني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي] (١). الحديث الثاني: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أم الفضل ﵂: [أنَّ رسولَ الله ﷺ دخل عليهم، وعباس عم رسول الله ﷺ يشتكي، فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله ﷺ : يا عم! لا تتمن الموت، فإنك إن كنت محسنًا، فأن تؤخر تزداد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنّ الموت] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي وأحمد من حديث معاذ وابن عباس - في قصة المنام - والدعاء الذي دعا فيه النبي ﷺ مما علَّمه الله تعالى وقال له: [يا محمدُ! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعلَ الخيرات، وتركَ المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي، وترحمني، وتتوبَ عليَّ، وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتون] (٣). ١٠٢ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾. في هذه الآيات: إِخْبَارُ الله تعالى نبيَّه ﷺ أن ما قصَّه عليه في هذه السورة من أنباء

стр. 2232

الغيب إنما هو لتثبيته على الصراط فيما يلاقيه من أذى قومه وتكذيبهم، وبأن المكر سيرجع على المكرة بالنكال والوبال. إِنَّ أكثر الناس لا يفيدون من آيات الله في هذا الكون الفسيح بل يعيشون مستكبرين مشركين. فهل أمنوا مكر الله وعذابه أو الساعة تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون؟ ! فقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: من أخبار الغيب الذي لم تشاهده ولم تعاينه، ولكنا نوحيه إليك ونعرِّفكه لنثبِّتَ به فؤادك، ونشجع به قلبك، وتصبر على ما نالك من الأذى من قومك في ذات الله، وتعلم أن من قبلك من رسل الله، إذ صبروا على ما نالهم فيه، وأخذوا بالعفو، وأمروا بالعُرْف، وأعرضوا عن الجاهلين، فازوا بالظفر، وأُيِّدُوا بالنصر، ومُكِّنوا في البلاد، وغلبوا من قَصدوا من أعدائهم وأعداء دين الله). وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ - قال ابن عباس: (هم بنو يعقوب). وقال قتادة: (يقول: ما كنت لديهم وهم يلقونه في غَيَابَةِ الجب). والمعنى: ما كنت يا محمد حاضرًا عند إخوة يوسف، حين عزموا على إلقاء يوسف في غيابة الجب واجتمعت آراؤهم على ذلك المكر، ولكن أعلمناك به وحيًا أنزلناه إليك. وفي التنزيل نحو هذا كثير: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦]. ٤ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٦٩، ٧٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. قال النسفي: (أراد العموم أو أهل مكة، أي: وما هم بمؤمنين ولو اجتهدت كل الاجتهاد على إيمانهم). وقال ابن كثير: (يقرر تعالى أنه رسُوله، وأنه قد أطلعه على

стр. 2233

أنباء ما قد سبق مما فيه عبرة للناس ونجاةٌ لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس). قلت: والآية في ذم الكثرة الضائعة، فإن القلة المؤمنة ممدوحة وعليها يعول. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]. وفي صحيح مسلم عن عمير بن هانئ قال: سمعت معاوية على المنبر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرُّهم مَنْ خَذَلَهم أو خالفهم، حتى يأتي أمرُ الله وهم ظاهرون على الناس] (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. أي: وإنك لا تسألهم - يا محمد - على دعوتك لهم ونصحك لنجاتهم في الدنيا والآخرة أجرًا أو مالًا، وإنما تبتغي من وراء ذلك رضوان الله، وإن هو إلا ذكر لهم ليتذكروا ويتعظوا وليكونوا من الناجين. وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: وكم من آية على وحدانية الخالق، وقدرته الباهرة، ونعوته الجليلة، في السماوات: من كواكبها وأفلاكها، وفي الأرض: من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وقفار شاسعات، وحيوان ونبات، وثمار مختلفات، وأحياء، وأموات، يشاهدونها، ولا يعتبرون بها). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال ابن عباس: (من إيمانهم، إذا قيل لهم: من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: "الله"، وهم مشركون). وقال عكرمة نحوه: (فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره). وعن قتادة قال: (إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه، وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته). وعن الضحاك قال: (كانوا يشركون به في تلبيتهم). وعن ابن عباس: (ولئن

стр. 2234

سألتهم: من يرزقكم من السماء والأرض؟ ليقولن: الله. وهم مع ذلك يشركون به ويعبدون غيره، ويسجدون للأنداد دونه). وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: [كان المشركون يقولون: لبَّيْكَ لا شريك لك، قال فيقول رسول الله ﷺ : وَيْلكُمْ! قَدٍ قَدٍ (١)، فيقولون: إلا شريكًا هو لك، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت] (٢). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، عن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ : أيُّ الذنب أعظمُ عند الله؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، - قلت: إن ذلك لعظيم -، قلت: ثم أيّ؟ قال: وأنْ تقتلَ ولدك تخافُ أن يطعمَ معك، قلت: ثم أيُّ؟ قال: أنْ تُزانيَ حليلة جارك] (٣). الحديث الثالث: أخرج الحكيم الترمذي ونحوه أبو يعلى بسند جيد في الشواهد عن أبي بكر مرفوعًا: [الشِّرك فيكم أخفى من دبيب النَّمل، وسأدلك على شيء إذا فعلتهُ أذهب عنكَ صغارَ الشركِ وكبارَه، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشركَ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم] (٤). الحديث الرابع: أخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا: [من حلف بغير الله فقد أشرك] (٥). الحديث الخامس: أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك] (٦).

стр. 2235

وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾، قال: تغشاهم). وقال قتادة: (أي: عقوبة من عذاب الله). أو قال: (وقيعة تغشاهم من عذاب الله). والمقصود: هل أمن هؤلاء المشركون أن يغشاهم عذاب قريب من الله فيهلكهم أو تأتيهم القيامة فجأة وهم مقيمون على جحودهم وشركهم. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥ - ٤٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. أخرج أبو نعيم والبزار عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنتُه يوم أجمع عبادي] (١). ١٠٨ - ١١١. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى

стр. 2236

وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾. في هذه الآيات: خاتِمةٌ رائِعةٌ في أعقاب أحداث هذه السورة الكريمة، فيها تأكيدٌ على وجوب لزوم منهاج النبوة في الدعوة إلى الله والصبر على الأذى، ودعوة الناس للاعتبار بقصص القرآن والاستعداد للآخرة، وتأكيدٌ على النصر والتمكين للرسل وأتباعهم في نهاية الرحلة والمجاهدة للمعاندين والمستكبرين والمجرمين. إن في قصص القرآن عبرة لأولي الألباب وتأكيد على ثوابت المنهج وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. فعن الربيع بن أنس قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾، قال: (هذه دعوتي). وقال ابن زيد: (هذا أمري وسنتي ومنهاجي). قال النسفي: (﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾: هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي. والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان). وقوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ - أي: أدعو إلى الدين الحق على حجة واضحة وبرهان ساطع، فهو شأني وشأن من سار على منهجي واتبع أثري. قال ابن زيد: (وحقٌ والله على من اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكِّر بالقرآن والموعظة، وَينْهى عن معاصي الله). فإن كان قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوفًا على الضمير في ﴿أَدْعُو﴾، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله، وإن كان معطوفًا على الضمير المنفصل، فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم - ذكره العلامة ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ثم قال: (وكلا المعنيين حق) -. وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. - قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، أي: وَأُنَزِّهُ الله وأُجِلُّهُ وأُعَظِّمُه وأقدِّسُه، عن أن يكون له شريكٌ أو نظير، أو عديل أو نديدٌ، أو ولدٌ أو والدٌ أو صاحبةٌ، أو وزيرٌ أو مُشيرٌ، تباركَ وتقدَّسَ وتنزَّهَ تعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]). وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾. - قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا، يا محمد، من قبلك إلا رجالًا، لا نساءً ولا ملائكة). قال ابن عباس: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم). وفي التنزيل:

стр. 2237

١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٨، ٩]. وقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. - أي: نوحي إليهم آياتنا الدالة على إفراد الله بالدعاء والتعظيم، وهم من أهل الأمصار دون البوادي. والقرى: جمع قرية، وهي لغة: المصر الجامع. لأن القرية كل مكان اتصلت به الأبنية، واتخذ قرارًا، والمراد هنا المدن دون البوادي، فأهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل البادية الذين يغلب عليهم الجفاء لتأثرهم بقسوة الريف والسواد. وعن قتادة: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العَمود (١)). وفي التنزيل: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]. أخرج الإمام أبو داود بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ سَكَنَ البادية جَفَا، ومن اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومن أتى السلطان افتُتِنَ] (٢). وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال ابن جريج: (﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾، من أهلكنا؟ قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم، فيعتبروا ويتفكروا؟ ). وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُون﴾. قال القرطبي: (والمراد بهذه الدار الجنة، أي: هي خير للمتقين. وقُرِئ: ﴿وللدّار الآخِرة﴾. وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر).

стр. 2238

وقال القاسمي: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تستعملون عقولكم، فتعلموا أن الآخرة خير، أو تعلموا كيف عاقبة أولئك). وفي التنزيل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢]. وأضاف الدار إلى الآخرة نحو قولك صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وبارحة الأولى. والتقدير على قول البصريين: ولدار الحال الآخرة خير، ولا شك أن المقصود الجنة. وفي صحيح البخاري عن جابر قال: [جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا فاضربوا له مثلًا. فقالوا: مثله مثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا. فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أوِّلوها له يفقهها. فقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. الدار الجنة، والداعي محمد. فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فرَّق بين الناس] (١). وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. إِخْبَارٌ من الله تعالى أنه ينزل نصره وفرجه على رسله حالة اشتداد الضيق وحصول العنت، وتطلع القلوب المؤمنة إلى الله بالفرج واليسر بعد العسر. وفي قوله ﴿كُذِبُوا﴾ قراءتان: ١ - القراءة الأولى بالتخفيف، ﴿كُذبوا﴾ وهي قراءة ابن عباس، وأهل المدينة والكوفة. ٢ - القراءة الثانية بالتشديد، ﴿كُذِّبوا﴾، وهي قراءة عائشة ﵂، وأهل الشام. فعلى القراءة الأولى يكون التأويل على عدة أقوال: ١ - قال ابن عباس: (لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومُهم، وظنَّ قومهم أن

стр. 2239

الرسل قد كَذَبوهم، جاءهم النصر على ذلك، فننجّي من نشاء). ٢ - قال ابن زيد: (استيأس الرسل أن يؤمن قومهم بهم، وظنّ قومهم المشركون أن الرسل قد كَذَبوا ما وعدهم الله من نصره إياهم عليهم، وأخْلِفُوا، وقرأ: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، قال: جاء الرسلَ النصرُ حينئذٍ). قال: وكان أبيّ يقرؤها: ﴿كُذبوا﴾). ٣ - قال ابن جريج: (أخبرني ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قرأ: ﴿وظنوا أنهم قد كُذبوا﴾، خفيفة، قال ابن جريج: أقول كما يقول: أخْلِفوا. قال عبد الله: قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا. وتلا ابن عباس: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضَعُفوا فظنوا أنهم أخْلِفوا). وعلى القراءة الثانية يكون التأويل: ٤ - قال قتادة: (حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنوا أنهم قد كُذِّبوا، أي: استيقنوا أنه لا خير عند قومهم ولا إيمان، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾). ٥ - أخرج البخاري في صحيحه عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة: أنه سأل عائشة ﵂ زوجَ النبي ﷺ : أرأيْتِ قولَ الله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أو كُذِّبُوا؟ قالت: بل كَذَّبهم قومهم، فقلتُ: واللهِ لقد استيقنوا أنَّ قومهم كذَّبوهم وما هو بالظَّن، فقالت: يا عُرَيَّةُ، لقد استيقنوا بذلك، قلتُ: فَلَعلَّها أَوْ كُذِبُوا، قالت: معاذَ اللهِ، لم تكن الرسلُ تظُنُّ ذلك بِرَبِّها، وأما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وَصَدَّقوهم وطالَ عليهم البلاءُ واستأخرَ عَنْهم النَّصْرُ حتى إذا استَيْأَسَتْ مِمَّن كَذَّبَهُمْ منْ قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذَّبوهم جاءهم نصر الله] (١). قال القرطبي: (﴿وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا﴾ - وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عمّا لا يليق بهم. وهذا الباب عظيم، وخطره جسيم، ينبغي الوقوف عليه لئلا يَزِلَّ الإنسان فيكون في سواء الجحيم. المعنى: وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالًا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي: يئسوا من إيمان قومهم. ﴿وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا﴾ وبالتشديد، أي أيقنوا أن قومهم كَذَّبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كَذَّبوهم، لا أنَّ القوْمَ كَذَّبوا، ولكن الأنبياء ظنوا

стр. 2240

وحسِبوا أنهم يُكذِّبونهم، أي: خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك). قلت: فالراجح في تأويل الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ أي: من إيمان أقوامهم بعدما ظهر إصرارهم وعنادهم، ثم - على القراءة الأولى -: ﴿وظنوا أنهم قد كُذِبوا﴾ بالتخفيف، أي: أوشكوا على الضعف حتى خطر في قلوبهم ما خطر لتأخر النصر عنهم، وعلى - القراءة الثانية - بالتشديد: ﴿وظنوا أنه قد كُذِّبوا﴾ ممن تابعوهم لشدة المحنة عليهم فهنالك: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. وفي السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تجاوز عن أمتي ما حَدَّثت به أنْفُسها ما لم تَعْمَلْ أَوْ تتكلم] (١). قال قتادة: (إذا طَلَّقَ في نفسه فليس بشيء). وفي لفظ: [إن الله تجاوز لي عنْ أمتي ما وسوستْ به صُدورها ما لم تَعْمل أو تَتكلَّم]. الحديث الثاني: أخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي في "الفردوس"، بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصْر مع الصَّبر، والفرج مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (٢). وقوله: ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. قرأ عامة قراء المدينة ومكة والعراق: ﴿فُنُنْجي من نشاء﴾ مُخَفَّفة بنونين، والقراءة بالإدغام لبعض الكوفيين. والمعنى: فننجي الرسل ومن نشاء من المؤمنين حين يجيء نصرنا، ولا رادّ لعقوبتنا وبطشنا عن أهل الكفر ومعاندة الرسل. قال ابن عباس: (﴿فننجي من نشاء﴾، فننجي الرسل ومن نشاء، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، وذلك أن الله ﵎ بَعَث الرسل فدعوا قومهم، وأخبروهم أنه من أطاع نجا، ومن عصا عُذِّبَ وغَوَى).

стр. 2241

وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مجاهد: (﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، ليوسف وإخوته). قال ابن كثير: (يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهي العقول، ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾، أي: وما كان لهذا القرآن أن يُفترى من دون الله، أي: يُكَذَّب ويُخْتَلق، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي: من الكتب المُنَزَّلة من السماء، وهو يُصَدِّقُ ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنَّسْخِ أو التقرير، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، من تحليل وتحريم، ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبّات، والنهي عن المحرّمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور على الجَلِيَّةِ، وعن الغُيُوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرّبِ ﵎ بالأسماء والصفات، وتنزيهه عن مُمَاثلة المخلوقات). وقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. قال النسفي: (﴿وَهُدًى﴾ من الضلال، ﴿وَرَحْمَةً﴾ من العذاب، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله وأنبيائه). وقال القاسمي: (﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون به، ويعملون بأوامره، فإن الإيمان قول وعَقْدٌ وعمل. وخصّهم لأنهم المنتفعون به). تمَّ تفسير سورة يوسف بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه فله الحمد أولًا وآخرًا ° ° °

стр. 2242

دروس ونتائج وأحكام ١ - القرآن أعظم كتاب، نزل بأشرف لغة على أشرف رسول. ٢ - المرأة عورة، والنساء أشد فتنة في هذه الدنيا على الرجال. ٣ - السجن أحب إلى المؤمن من الوقوع في الفاحشة أو ما يسخط الله. ٤ - يوسف ﵊ هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم. ٥ - يوسف ﷺ يقدم دعوة التوحيد على تعبير الرؤيا في السجن. ٦ - الشيطان أنسى ساقي الملك ذكر يوسف عنده، والأصل اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء. ٧ - تمكين الله يوسف في الأرض جزاء صبره وعفته، وكل من يخلص التقوى لله ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. ٨ - سعة عقل المؤمن وقوة محاكمته، وإن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم. ٩ - كان سجود التحية مشروعًا، فنسخته شريعة الإسلام. ١٠ - الدعاء بالموت على النفس منسوخ بشريعتنا. ١١ - قصة يوسف قصّها الله تسلية لمحمد - عليه وعلى الأنبياء الصلاة والسلام - وهي عبرة للناس إلى يوم القيامة. ١٢ - القلة المؤمنة أقوى من الكثرة الكافرة، والكثرة غالبًا في موضع الذم، والشرك أخفى من دبيب النمل. ١٣ - الأنبياء رجال من البشر لا ملائكة ولا من النساء. ١٤ - النصر لفئة الحق حتمي، وقد يتأخر النصر حتى يظن الرسل أن أتباعهم كذبوهم. ١٥ - القرآن أصول في الإيمان، وشرائع وأحكام، وأخبار للاعتبار على مدار الأيام.

стр. 2243

١٣ - سُوْرَةُ الرَّعَدِ وهي سورة مكية مدنية، فيها المدني وفيها المكِّي - جمعًا بين أقوال أهل التأويل -، وعدد آياتها (٤٣). موضوع السورة - تخويف الله عباده ببديع قدرته ومخلوقاته - "والرعد مَلَكُ من جند الله" - منهاج السورة - ١ - انتصار الله تعالى لهذا القرآن، واستواؤه تعالى على العرش بلا تكييف ولا تمثيل ولا تجسيم. ٢ - المخلوقات الكبيرة في هذا الكون تدعو إلى التفكر والاعتبار، والإخبات للجبار. ٣ - عجب الله تعالى من تكذيب المشركين بالمعاد، والمكذبون هم وقود النار. ٤ - استعجال المشركين العذاب، وتنطعهم بطلب المعجزات للسخرية لا للإيمان. ٥ - تأكيد علم الله تعالى الغيب وبما في داخل الأرحام، وتسخيره الملائكة لحفظ الأنام. ٦ - لا يغير الله حال قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعقوبة الله نازلة بالكافرين ولا ناصر لهم.

стр. 2244

٧ - تخويف الله عباده ببعض آياته، كالبرق والرعد والصواعق ليفردوه بالعبادة والتعظيم، فله يسجد ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. ٨ - الإيمان بالربوبية يقتضي الإيمان بالألوهية، ولا يملك ما يُعبد من دون الله كشف الضر ولا جلب النفع، والحق له البقاء والنصر، والباطل له الفناء والذل. ٩ - الخلود في الجنان لأهل الإيمان، ولا فداء من العذاب لأهل الكفر والطغيان، ولا يستوي الأعمى والبصير، وإنما يتعظ أولو الألباب. ١٠ - أولو الألباب: هم أهل الوفاء بالعهد والميثاق، وأهل الوصل والخشوع والصبر وإقام الصلاة والإنفاق في سبيل الله، ومتابعة السيئات بالحسنات، أولئك يدخلون ويستقرون في الجنات، ومن تبعهم من الذرية والزوجات. ١١ - أهل النفاق: هم أهل نقض العهد وتقطيع ما أمر الله بوصله، وأهل المكر والفساد في الأرض، وأهل الفرح بهذه الحياة الدنيا، ولهم في الآخرة سوء الحساب والعقاب. ١٢ - تَنَطُّعُ المشركين بطلب المعجزات، والإيمان نور يقذفه الله في القلب، وبذكره تعالى تطمئن القلوب، والمؤمنون لهم البشرى والكرامة في الدارين. ١٣ - تسلية الله نبيه بوصله بسلسلة النبوة ومنهاج المرسلين، والقوارع لا تزال تنزل بالمشركين، حتى يأتي الله بالنصر المبين. ١٤ - الله تعالى هو القائم على كل نفس بأرزاقها وأجلها وأعمالها، وآلهة المشركين هزيلة مهزومة، والمشركون في عذاب السعير. ١٥ - فرح الصحابة بهذا القرآن، ومن أهل الكتاب من ينكر بعضه ظلمًا وزورًا، وتحذير الله نبيّه من متابعة أهل الأهواء. ١٦ - بشرية الرسل، والمعجزات بيد الله، وهو تعالى ينسخ الشرائع بحكمته وعنده أم الكتاب. ١٧ - تهديد المشركين وتوعد لهم بأن الفتح سينال قريبًا أرضهم. ١٨ - إحاطة الله بمكر الطغاة في الأمم، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. ١٩ - لا يزال الكفار يكذبون بالنبوة، وكفى بالله شهيدًا على رسله. ٢٠ - علماء أهل الكتاب يقرون بالنبوة لرسولنا ﷺ بما يجدونه في كتبهم.

стр. 2245

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١ - ٤. قوله تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾. في هذه الآيات: انتصار للقرآن الكريم، نَزّله الله على محمد ﷺ خاتم النبيين. إنه - تعالى - الذي رفع السماوات بغير عمد ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر، يدبر الأمر ويفصل الآيات، وقد مهّد الأرض وجعل فيها الجبال الثوابت وأنشأ الأزواج من كل الثمرات، وفي الأرض قطع متجاورات وجنات، وزروع ونخيل وطعوم متنوعات، كل ذلك آيات لقوم يؤمنون بلقاء ربهم ويستعدون لذلك ويتفكرون ويعتبرون. فقوله: ﴿المر﴾ - هو كما قيل هي شأن الحروف المقطعة أوائل السور، والراجح أن ذكرها من باب الإعجاز والبيان، ليتجلى عظمة ما بعدها من التنزيل. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. أي: هذه آيات هذا الكتاب المعجز، وهو القرآن العظيم. وقوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾. - قال مجاهد: (القرآن). وقال قتادة: (أي هذا القرآن). فهو عطف صفات على ما سبق ذكره.
следующие страницы →