قال: [الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزءٌ من سِتَّةٍ وأربعين جزءًا من النبوة] (١).
ورواه من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: [رؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعين جُزءًا من النبوة].
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي قتادة عن النبي ﷺ قال: [الرؤيا الصادقة من الله، والحُلْمُ من الشيطان] (٢).
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: [إذا رأى أحدُكُم رُؤيا يُحِبُّها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليُحَدِّثْ بها، وإذا رأى غير ذلك مِمَّا يَكْرَه فإنَّما هي من الشيطان، فليستعِذْ من شَرِّها ولا يَذْكُرْها لأحد فإنها لا تَضُرُّه] (٣).
وله شاهد أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا رأى أحدكم الرؤيا تعجبه فليذكرها، وليفسرها، وإذا رأى أحدكم الرؤيا تسوءه، فلا يذكرها، ولا يفسرها].
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي شيبة في "المصنف" بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [الرؤيا ثلاث، فالبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإذا رأى شيئًا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي] (٤).
الحديث الرابع: أخرج البخاري في "التاريخ"، وابن ماجه في السنن، بإسناد صحيح، عن عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: [الرؤيا ثلاث، منها أهاويلُ من الشيطان، لِيُحْزِنَ بها ابنَ آدم، ومنها ما يَهُمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامِه، ومنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة] (٥).
стр. 2172
وقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
أي: يتم الله تعالى نعمته على يوسف ﷺ بالرسالة والاجتباء وتعليمه تأويل الأحاديث والأحلام، كما أتمها على أهل دين يعقوب وملته من ذريته الصالحين، ومن قبلهم باتخاذ إبراهيم خليلًا من بين المرسلين، وإسحاق نبيًا من المخلصين، أخلصه واختصه مع أبيه إبراهيم وابنه يعقوب بذكرى الدار الآخرة، إن ربك عليم بمواضع الفضل وأهل الاختصاص والاجتباء من عباده، حكيم في تقديره وتدبيره وتشريعه.
وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٥ - ٤٧].
٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى أن في قصة يوسف مع إخوته الكثير من الفوائد والدروس والعبر، فهم قابلوا حبّ أبيهم لأخيهم بالمكر والبغي والحسد، فكان التخطحط منهم لقتله أو إلقائه في بئر على الطريق يلتقطه بعض المسافرين، ثم اختاروا بعد التشاور آخر الأمرين.
فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.
قال ابن إسحاق: (إنما قصَّ الله ﵎ على محمد خبر يوسف، وبَغْيَ إخوته عليه، وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه، لما رأى رسول الله ﷺ من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله بنبوته، ليأتسي به).
стр. 2173
والخلاصة: إن في قصة يوسف مع إخوته من العبر والدروس الكثيرة، لمن أراد الفائدة في البحث واستنباط المواعظ من تلك الأخبار.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قال السدي: (﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾: يعنون بنيامين. قالوا: وكانوا عشرة). وقال ابن زيد: (﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: العصبة، الجماعة). وقيل: العصبة العشرة فصاعدًا. والمراد: أنهم حلفوا فيما يظنون أن يوسف وبنيامين - وكان شقيقه لأمه - أحب إلى أبيهما منهم وهم جماعة.
وقوله: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن جرير: (يعنون: إنّ أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة). وقال النسفي: (غلط في تدبير أمر الدنيا، ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا).
وقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.
قال ابن كثير: (يقولون: هذا الذي يُزاحِمكم في مَحبّة أبيكم لكم أعدِموه من وجه أبيكم ليخلوَ لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تُلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتَخْتَلُوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامِه قومًا صالحين. فأضمروا التوبة قبل الذنب).
قال السدي: (﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: تتوبون مما صنعتم، أو: من صنيعكم).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
قيل: قائل ذلك "روبيل"، ابن خالة يوسف. قال ابن إسحاق: (ذكر لي، والله أعلم، أن الذي قال ذلك منهم "روبيل"، الأكبر من بني يعقوب، وكان أقصدهم فيه رأيًا).
وقال قتادة: (ذكر لنا أنه روبيل، كان أكبر القوم، وهو ابن خالة يوسف، فنهاهم
стр. 2174
عن قتله). وقال مجاهد: (هو شمعون)، والله تعالى أعلم. و ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ ما غاب وأظلم من قعر البئر.
والخلاصة: إنه أشار عليهم بعدم قتل يوسف وإنما بإلقائه في قعر البئر، حيث يغيب خبره، يأخذه بعض المارة من المسافرين، إن كنتم عازمين على التخلص منه. ولا شك أن الله تعالى هو الذي صرفهم عن قتله لِما أراد له من النبوة والتمكين في بلاد مصر والحكم بها، وإحقاق بعض الآيات العظيمة في حياة خلقه. ولا شك أنهم أقدموا على عمل عظيم الإثم، من قطيعة الرحم وعقوق الوالد، والقسوة على الطفل الصغير ووالده العجوز إذ حرموه من محبوبه الصغير واستغلوا ضعفه وشيخوخته، وحرموا الطفل من حنان والده وقربه ورعايته.
وقد جاءت السنة الصحيحة بالترهيب من مثل هذه الأفعال، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: [ما من ذنب أجدرُ أن يُعَجَّلَ لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له، من البغي وقطيعة الرحم] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجه والترمذي بإسناد حسن، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : [ثلاثة دعوات مستجابات لهن، لا شك فيهن: دعوةُ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالدين على ولدهما] (٢). وفي لفظ: [ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم].
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ فَرَّقَ بين والدة وولدِها، فرَّق الله بينه وبين أحِبَّتهِ يوم القيامة] (٣).
قال الترمذي: (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: كرهوا التفريق بين السَّبي بين الوالدة وولدها، وبين الولد والوالد، وبين الإخوة).
стр. 2175
١١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾.
في هذه الآيات: توطئة إخوة يوسف لأبيهم بعدما بيّتوا أمرهم في إرساله معهم يتنزه ويلعب وهم له حافظون. وتردُّدِ والدهم أول الأمر خشية الذئب أو الضياع على ولده الغلام وهم عنه غافلون. وتأكيد الإخوة لأبيهم حرصهم على أخيهم وهم عصبة وإلَّا فهم خاسرون. وَوَحْيُ الله تعالى إلى يوسف حين علم مكرهم أنه تعالى سيجعل له من ذلك الضيق مَخرجًا، ونَصْرًا وفرجًا، وهم لا يشعرون.
فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾.
هو قول إخوة يوسف لأبيهم يعقوب ﵇ بعد تواطئهم على أخذ يوسف وطرحه في البئر، فوطؤوا لوالدهم بهذه المقدمة ليصلوا إلى مرادهم وقد امتلأت قلوبهم بالحسد على يوسف لحب أبيه له. قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾، نَحُوطُهُ ونكلؤه).
وقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾. قال ابن عباس: (يسعى وينشط). أو قال: (يلهو وينشط ويسعى). وقال الضحاك: (يتلهّى ويلعب).
وقراءة أبي عمرو: ﴿نرتَعْ ونلعب﴾، وقراءة أهل الكوفة ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ وهي الأشهر.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ - أي: نحفظه ونحوطه من أجلك فلا يناله سوء.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.
إِخْبارٌ من الله تعالى عن مشاعر يعقوب ﵇ تجاه ما سأله أبناؤه من إرساله يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء، فإنه وجد أن ذلك يشق عليه لفرط محبته ليوسف
стр. 2176
وما يتوسم فيه من المستقبل المزهر الذي يحتاج إلى رعاية قريبة، وكأنه يقرأ شمائل النبوة وهو يبصر في يوسف كمال الخَلْق والخُلُق، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى المرسلين أجمعين.
قال ابن كثير: (﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾، يقول: وأخشى أن تَشتَغلِوا عنه بِرَمْيِكُم وَرَعيَّتِكم فيأتيه ذئبٌ فيأكلَه، وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فَمِه هذه الكلمة، وجعلوها عُذْرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة: ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكَلَه من بيننا، ونحنُ جماعةٌ، إنا إذن لهالِكون عاجِزون).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال القاسمي: (﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ أي بعد مراجعة أبيهم في شأنه ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ فيه تعظيم لما أزمعوا، إذ أخذوه ليكرموه، ويدخلوا السرور على أبيه، ومكروا ما مكروا).
وقال القرطبي: (﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ دليل على نبوّته في ذلك الوقت).
قال مجاهد: (أوحى إلى يوسف وهو في الجُبُّ أنْ سينبئهم بما صنعوا، وهم لا يشعرون بذلك الوحي). وقال قتادة: (﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإيحاء الله إليه).
وقال ابن عباس: (ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك).
والخلاصة: لقد أوحى الله إلى يوسف أثناء ذلك الضيق والمفاجأة بمكر إخوته به لِيُطَيِّبَ خاطره، ويثبت قلبه، وينزل اليسر على العسر، بأن الله جاعل له من هذا الضيق مَخرجًا، ومن ذلك المكر نَصْرًا وفَرجًا، وأنه سبحانه سيرفعه عليهم ويُعلي مقامه ومنزلته وسيخبرهم يومًا بما فعلوا وبما صَدَرَ منهم.
١٦ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا
стр. 2177
صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.
في هذه الآيات: رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون. وقد ركّبوا رواية كاذبة في شأن فقدان يوسف بأن أكله الذئب وهم يلعبون. وجاؤوا بدم كذب على قميصه فأيقن الأب بمكرهم فاحتسب وصبر مستعينًا بالله على ما يصفون.
فقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ - أي أقبلوا إلى أبيهم في ظلمة يبكون، ويظهرون الندم والأسف على فقدهم يوسف ﵊ في حيلة كاذبة.
وقوله: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾.
قال النسفي: (﴿نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتسابق في العدو أو في الرمي). وقال ابن جرير: (ننتضل، من السباق).
وقال ابن كثير: (﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي نترامى).
وقال القاسمي: (﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي ما يتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما ليحفظه). ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي كما حذرتَ).
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾. قال السدي: (﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾: بمصدق لنا).
وفيه تلطّف منهم في محاولتهم تثبيت ما زعموا. أي نحن نعلم أنك لن تصدقنا على هذه الحالة ولو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت غير واثق بما نقول، ونحن في موضع اتهام عندك في هذه القصة.
وقوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ - إذ غمسوا قميصه بدم معز كانوا ذبحوه.
قال مجاهد: (كان ذلك الدم كاذبًا، لم يكن دمَ يوسف). وقال ابن عباس: (﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ بدم سخلة).
فلطخوا ثوب يوسف بدمها ليوهموا بذلك أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب. ولكنه فاتهم أن يخرقوه لتكتمل الرواية، فلم يرج صنيعهم على أبيهم يعقوب ﵇، وشعر في نفسه بمؤامرتهم وتمالئهم عليه فقال:
стр. 2178
﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ - قال ابن عباس: (لما أتي يعقوب بقميص يوسف فلم ير فيه خرقًا قال: كذبتم، لو أكله السبع لخرق قميصه).
وعن قتادة: (﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ قال: يقول: بل زيَّنَت لكم أنفسكم أمرًا).
وقال مجاهد: (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: ليس فيه جزع) - أي صبر لا شكوى فيه. أي: سأصبر صبرًا جميلًا على هذا المصاب والمكر الذي اتفقتم عليه حتى يفرِّجه الله ويكشفه بلطفه ورحمته.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ - أي: وأستعين بالله تعالى على ما بَيَّتُم من الخديعة وعلى ما تذكرون من الكذب والمحال.
وقد حفلت السنة الصحيحة بكنوز من جوامع الكلم في مفهوم الصبر والصبر الجميل:
الحديث الأول: أخرج البخاري من حديث عائشة - في قصة الإفك - قالت: [والله ما أجدُ لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذْ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾] (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: (الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه).
الحديث الثاني: أخرجه البيهقي بسند صحيح من حديث سعد عن النبي ﷺ قال: [عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حمد الله وشكر، إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح على شرط مسلم، عن صهيب قال: [بينا رسول الله ﷺ قاعد مع أصحابه إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن، إن أمره
стр. 2179
كله خير، إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير، وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير، وليس كل أحد أمره كله خير إلا المؤمن] (١).
وله شاهد رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له] (٢).
١٩ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.
في هذه الآيات: وُرُودُ بعض المارة يسقون من البئر، فاستبشروا بوجود غلام، واتفقوا على إخفاء ذلك عن أصحابهم بأنهم اشتروه من أهل الماء لئلا يشركوهم فيه، ثم باعوه بثمن زهيد ليستفيدوا من ثمنه قبل تدخل غيرهم. وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير بها وأوصى به امرأته، وقد أراد الله بذلك تمكين يوسف في الأرض، ثم آتاه الله العلم والحكمة - حين بلغ أشده - والله يجزي المحسنين.
قال قتادة: (﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ يقال: أرسلوا رسولهم، فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام). أو قال: (فتشبث الغلام بالدلو، فلما خرج قال: ﴿يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾. قال: تباشروا به حين أخرجوه، - أو قال: بشرهم واردهم حين وجد يوسف - قال: وهي بئر بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانها).
стр. 2180
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ - فيه أقوال:
١ - قال مجاهد: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: صاحب الدلو ومن معه، قالوا لأصحابهم: إنما استبضعناه، خيفة أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه).
٢ - قال السدي: (لما اشتراه الرجلان، فَرَقًا من الرفقة أن يقولوا: اشتريناه، فيسألونهم الشركة، فقالا: إن سألونا: ما هذا؟ قلنا: بضاعة استبضعناه أهل الماء. فذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، بينهم).
٣ - قال مجاهد: (أسره التجار بعضهم من بعض).
٤ - قال قتادة: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: أسروا بيعه).
٥ - قال مجاهد: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾، قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعة).
٦ - قال ابن عباس: (﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ يعني: إخوة يوسف، أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، فكتم يوسف شأنه مخافة أن تقتله إخوته، واختار البيع. فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه قال: يا بشرى! هذا غلامٌ يباع! فباعه إخوته).
قلت: والراجح ما ذكره شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية حيث قال: (وأولى هذه الأقوال بالصواب، قولُ من قال: وأسَرَّ وارد القوم المدلي دلوَه ومن معه من أصحابه، من رفقته السيارة، أمر يوسف أنهم اشتروه، خيفةً منهم أن يستشركوهم، وقالوا لهم: هو بضاعة أبضعها معنا أهل الماء).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: يعلم ما يفعله إخوةُ يوسف وَمُشتروه، وهو قادرٌ على تغيير ذلك ودَفعه، ولكن له حكمةٌ وقدرٌ سابقٌ، فترَكَ ذلك ليمضي ما قدَّره وقضاه, ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وفي هذا تعريضٌ لرسوله محمد ﷺ وإعلامٌ له بأني عالمٌ بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكن سأملي لهم، ثم أجعلُ لك العاقبة والحُكم عليهم، كما جعلتُ ليوسف الحكمَ والعاقبة على إخوته).
وقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ - أي: باع السيارة يوسف بثمن قليل.
ومن أقوال أهل التأويل في ذلك:
١ - قال ابن عباس: (فباعه إخوته بثمن بخس). قال الضحاك: (البخس: الحرام).
стр. 2181
٢ - وعن مجاهد قال: (إخوة يوسف أحد عشر رجلًا، باعوه حين أخرجه المدلي بدلوه).
٣ - قال قتادة: (﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾، وهم سيارة الذين باعوه). وقال: (البخس: الظلم). وقال عكرمة: (البخس: القليل).
قلت: والراجح في الضمير في ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ ﴿وَشَرَوْهُ﴾ أنه يعود على السيارة، وهم أولئك القوم المسافرون أثناء مسيرهم، فهم الذين باعوا يوسف بثمن زهيد دراهم قليلة ليستفيدوا من ثمنه قبل غيرهم أن يشركهم، وبعيد أن يكون الضمير يعود على إخوة يوسف لأنهم اقترحوا إلقاءه في البئر: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾، ولم يكونوا يبحثون عن تجارة ببيع يوسف وإنما أرادوا التخلص منه، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ - قال الضحاك: (وذلك أنهم لم يعلموا نُبُوَّتَهُ ومنزلته عند الله .
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ - قال ابن جريج: (منزلته). أي: هو قول الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر، قال لامرأته: أكرمى منزلته. وعن قتادة: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، منزلته، وهي امرأة العزيز). قال ابن جرير: (يقول: أكرمي موضع مقامه، وذلك حين يثوي ويُقيم فيه).
وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. قال السدي: (انطُلق بيوسف إلى مصر، فاشتراه العزيز ملك مصر، فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ - قال ابن جرير: (يقول : وكما أنقذنا يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله، وأخرجناه من الجبّ بعدَ أن ألقي فيه، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر، كذلك مكّنا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها).
وقوله: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ - قال مجاهد: (عبارة الرؤيا)، وقال السدي: (تعبير الرؤيا).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ - قال سعيد بن جبير: (أي: فعال لما يشاء).
стр. 2182
فهو سبحانه قائمٌ على أمر نبيّه يوسف ﷺ ، يسوسه ويدبّره ويحوطه، ويهيِّئ له ما ينبغي لمقام النبوة.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - أي: لا يدرون حكمة الله في تقديره، وتلطفه في أوليائه، ومكره بأعدائه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: ولما بلغ يوسف ﵊ منتهى شدته وريعان شبابه وغاية قوته، أعطيناه الفهم والحكمة والعلم، وكذلك سنة الله تعالى في مجازاة المحسنين، فإن من حفظ شبابه وجوارحه وقلبه عن معصية الله، حفظه الله وأكرمه وعلمه ورعاه.
قال ابن كثير: (﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾، أي: يوسف ﵇ ﴿أَشُدَّهُ﴾، أي: استكمل عقلهُ وتمَّ خلقُه، ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ يعني النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: إنه كان محسنًا في عَمَلهِ، عاملًا بطاعةِ ربه تعالى).
٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: محاولة امرأة العزيز - التي كان يوسف في بيتها بمصر وقد أوصاها زوجها بإكرامه، إلا أنها أحبته حبًّا شديدًا لشدة جماله وحسنه وبهائه - فحاولته عن نفسه، وتجملت له، وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها فأبى ﵊ واعتصم بالله ليحميه من الوقوع والزلل، ومن خيانة سيده في أهله، إنه لا يفلح الظالمون. ولقد أرادت مراودة يوسف وإغراءه بكل طريقة وما زالت به حتى خطر في نفسه ما يخطر مما زَيَّنَت له، إلا أنه تذكَّر عظمة الله سبحانه فاستحيا منه فعصمه الله، إنه من عباد الله المخلصين.
فعن السدي: (﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، قال: أحبته).
стр. 2183
قال ابن إسحاق: (ولما بلغ أشدَّه، راودته التي هو في بيتها عن نفسه، امرأة العزيز).
وقوله: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: وغلقت المرأة أبواب البيوت عليها وعلى يوسف، لما أرادت منه وراودته عليه، بابًا بعد باب).
وقوله: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ - أي: هَلُمَّ لك، وادن، وتقرب، تدعوه للوقوع بها. ومن أقوال أهل التأويل:
١ - قال ابن عباس: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾، تقول: هلمّ لك). وقال السدي: (هلم لك، وهي بالقبطية).
٢ - وقال مجاهد: (﴿هَيْتَ لَكَ﴾، قال: لغة عربية، تدعوه بها). أو قال: (لغة بالعربية، تدعوه بها إلى نفسها). وقال ابن زيد: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، قال: هلمَّ لك، إليّ).
٣ - وقال أبو عبيد: كان الكسائي يحكيها، يعني: هيت لك. قال: (وقال: وهي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز، معناها: تعال).
٤ - وعن قتادة قال: كان عكرمة يقول: (تهيأت لك). فأصلها عند بعضهم: "وقالت هِئْتُ لك" - أي: تهيأت لك. وفي قراءة أهل المدينة ﴿هِيْتَ لَكَ﴾، وبعض المكيين: ﴿هَيْتُ لَكَ﴾، وبعض البصريين ﴿هَيْتِ لَكَ﴾. وأرجح القراءات المشهورة ﴿هَيْتَ لَكَ﴾.
قلت: وكل ما سبق يفيد في مفهوم دعوة امرأة العزيز يوسف ﵇ إلى نفسها للوقوع بها، وقد تهيأت له وتجمّلت على أحسن حال.
وقوله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ - أي: هو ردّ يوسف ﵊ إذ دعته المرأة إلى الفاحشة فأجاب بقوله: معاذ الله، أي: أعتصم بالله وأستجير به ليحميني من الوقوع والزلل.
وقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ - أي يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي قد أحسن منزلتى وأكرم إقامتي وائتمنني في بيته فلا أخونه في أهله.
قال مجاهد: (﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾، قال: سيدي، يعني زوج المرأة).
стр. 2184
قال ابن إسحاق: (﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، أمنني على بيته وأهله). وقال السدي: (﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾، فلا أخونه في أهله).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ - قال ابن إسحاق: (قال: هذا الذي تدعوني إليه ظلم، ولا يفلح من عمل به).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾.
أي: ولقد أرادت مراودة يوسف وبذلت لذلك من محاولاتها بإغرائه بزينتها وجمالها ليدنو منها، وما زالت به حتى خطرَ في نفسه من خطرات ما زَيَّنَت له، وأوشك أن يجيبها إلى ما دعته إليه، إلا أنه تَذَكَّرَ عظمة الله سبحانه فاستحيا منه فعصمه ربه .
وهَمَّ بالشيء - في كلام العرب - أراده. وكذلك الهَمُّ بالشيء: حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يُواقع. قلت: ومن هنا فإن قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ ينزل على المعنى الأول: أرادت وحاولت. وقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ - ينصرف إلى المعنى الثاني: هَمُّ خَطَرات وحديث النفس والاقتراب من الوقوع. وهذا التفسير ينسجم مع عصمة النبوة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ، ومَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فعمِلَها كُتِبَتْ له عَشْرٌ إلى سبع مئة ضِعْفٍ، ومَنْ هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها، لَمْ تُكْتَب، وإن عَمِلَها كُتِبَتْ] (١).
وفي لفظ: قال رسول الله ﷺ : [قال الله : إذا هَمَّ عَبْدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإنْ عَمِلَها فاكتبوها سيئة، وإذا هَمَّ بحسنة فلم يَعْمَلْها فاكتبوها حسنة، فإن عَمِلها فاكتبوها عَشْرًا].
وهناك أقوال غريبة بعيدة ذكرها المفسرون في تفسير هذه الآية:
قيل: همَّ بضربها. وقيل: تمنّاها زوجة. وقيل: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، أي: فلم يَهُمَّ بها. وهذا وجه بعيد لغة، وهو أبعد مما قيل قبله. وأبعد من ذلك كله ما روي أنها استلقت له وجلس بين رجليها أو حَلَّ ثيابه، إلى غير ذلك، مما لا يليق بمقام النبوة. وكان أولى بالمفسرين ألا يُسَطِّروا مثل هذه التفاسير - المستنكرة المأخوذة
стр. 2185
من الإسرائيليات - في تفاسيرهم، فإن عصمة الأنبياء وحياءهم ورفيع درجاتهم يعارضه من كل وجه، ويبقى ما ذكرناه في تفسير "الهَمِّ" بنوعيه، من امرأة العزيز وما قابله من يوسف ﵊، فعصمه الله بحيائه وصدق خوفه من ربه .
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ - أي: لولا أن أراه الله تعالى من آياته ما زجره عما كان همَّ به، وذكّره بعظمة ربه تعالى فاستحيا منه. لقد رأى يوسف ﵇ الإيمان، فاستحيا من الله تعالى فَلَزِمَ مقام الإحسان.
وأما ما رُوي عن مجاهد والحسن والضحاك وغيرهم أنه رأى صورة أبيه يعقوب ﵇ عاضًا على إصبعه بفمه، وفي رواية: فضرب في صدر يوسف، أو ما رُوي عن ابن عباس: أنه رأى خيال سيده، يعني الملك، إلى غير ذلك، من التصاوير والخيالات فإنه لا تقوم بها حجة.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.
أي: أريناه برهانًا صرفه إلى الخوف من الله وتعظيم أمره فوق شهوات الدنيا، لِنَقِيَهُ الوقوع في السوء والفحشاء، فإنه من عبادنا المطهَّرِين المُجْتَبين الأخيار الصالحين.
٢٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.
في هذه الآيات: مُسَابَقَةُ امرأة العزيز يوسف إلى الباب وتمزيقها قميصه أثناء هروبه منها، وظهور سيدها لدى الباب، فأظهرت الكذب باتهامها يوسف بإرادته السُّوء محرضة عليه زوجها بالسجن أو العذاب الأليم. فكذبها يوسف وشهد شاهد من أهلها إن كان تمزيق القميص من قُبُلٍ فهي صادقة وإلا كانت من الكاذبين. فلما رأى زوجها قميصه قد مُزق من خلفه علم أنه من كيدهن إن كيدهن عظيم. فأمره ألا يحدث بذلك
стр. 2186
وأمر زوجته أن تستغفر ما صدر منها فإنها كانت من الخاطئين.
فعن قتادة: (﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾، قال: استبق هو والمرأة الباب، ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾). وقال ابن إسحاق: (لما رأى برهان ربه، انكشف عنها هاربًا، واتبعته فأخذت قميصه من دبر، فشقّته عليه).
وعن مجاهد: (﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾، قال: سيدها زوجها، ﴿لَدَى الْبَابِ﴾، قال: عند الباب).
قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب، يوسفُ هاربٌ، والمرأة تطلبُه ليرجع إلى البيت، فلحِقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه من ورائه فَقَدَّته قدًّا فظيعًا، يقال: إنه سَقَطَ عنه، واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا، وهي في إثره، فألفيا سَيِّدها - وهو زوجها - عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها مُتَنَصِّلَة وقاذِقَةً يوسفَ بدائها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، أي: فاحشة، ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾، أي: يُحْبَسَ، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يُضربُ ضربًا شديدًا موجعًا).
وقوله: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ - قال النسفي: (ولولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها). أي: لما قذفته امرأة العزيز، وأوقعته في الشبهة باتهامه، وعرضته للسجن والعذاب، انتصر للحق ودافع عن نفسه.
وقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ - الصواب (١) أنه كان مستشارًا للعَزيز.
قال أبو جعفر النحاس: (والأشبه بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلًا عاقلًا حكيمًا شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
قال ابن إسحاق: (قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبل لقد صدقت وهو من الكاذبين. وذلك أن الرجل إنما يريد المرأة مقبلًا، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وذلك أن الرجل لا يأتي المرأة من دبر).
стр. 2187
وخلاصة المعنى: شهد الحكم من أهلها، إن كان قميص يوسف قد شُقَّ من قُدّامه فهو بذلك إنما أرادها عن نفسها فأبت ودفعته في صدره فقَدَّت قميصه من مقدمته فيصح عند ذلك قولها. وأما إن كان الشق من خلف القميص فهو يعني أنها لما أرادته لنفسها وهرب منها واتبعته طالبة له فأمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدّت بذلك قميصه من ورائه وهو بذلك بريء ولا يصح قولها.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: (أي فلما تحقق زوجُها صدقَ يوسف وكَذِبها فيما قذفته ورمته به، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي: إن هذا البهت واللَّطخ الذي لَطَختِ عِرْضَ هذا الشاب به من جُملة كيدِكُنَّ, ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾). والكيد: المكر والحيلة.
قال القرطبي: (وإنما قال ﴿عَظِيمٌ﴾ لعظم فتنتهنّ واحتيالهنّ في التخلّص من ورطتهنّ).
وقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.
أي: يأمر زوجُها يوسفَ ﵇ حين تبين له حقيقة ما حصل أن يكتم ما وقع ولا يذكره لأحد، ويأمر امرأته أن تستغفر مما صدر منها بحق هذا الشاب البريء فإنها هي التي أذنبت وأخطأت.
قال ابن زيد: (﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، قال: لا تذكره، واستغفري أنت زوجك، يقول: سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبت، وأن يصفح عنه فيستره عليك).
قال ابن كثير: (يقول لامرأته وقد كان ليِّنَ العريكة سهلًا، أو أنه عذرها, لأنها رأت ما لا صَبْرَ لها عنه، فقال لها: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾، أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قَذْفِه بما هو بريءٌ بلا منه، استغفري من هذا الذي وقع منك، ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾).
٣٠ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ
стр. 2188
أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾.
في هذه الآيات: إشاعَةُ خبر يوسف وامرأة العزيز في المدينة، وهي مصر، فتكلم بعض نساء الأمراء والكبراء يَعِبْنَ على امرأة الوزير ما صدر منها، حيث أقدمت على دعوة غلامها إلى نفسها الذي ملأ قلبها عشقه وبلغ حبه شَغَاف قلبها. ومقابلةُ ذلك من امرأة العزيز بموقف من المكر لتبرير موقفها، ثم توعُّدُها يوسف إن خالف أمرها بالسجن والتضييق والإهانة. وَلُجُوءُ يوسف ﵊ إلى الله بصرف كيدهن عنه، وأن السجن أحب إليه من طلبهن، فاستجاب الله تعالى له إنه هو السميع العليم.
فقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ - قال ابن كثير: (مثل نساء الأمراء والكبراء يُنْكرن على امرأة العزيز - وهو الوزير - وَيَعِبْنَ ذلك عليها). قلت: والعزيز لغة من العزة، والمراد هنا الوزير. قال ابن إسحاق (وشاع الحديث في القرية، وتحدث النساء بأمره وأمرها، وقلن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾، أي عبدها).
وقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ - شغاف القلب غلافه وحجابه، والمقصود دخل حبه فتغلغل تحت غلاف القلب. قال السدي: (والشغاف جلدة على القلب يقال لها "لسان القلب". يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب). وقال عكرمة: (﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾: دخل حبه تحت الشَّغاف). وقال مجاهد: (دخل حبه في شغافِها). وعن ابن عباس قال: (يقول: عَلَّقها حبًّا). أو قال: (غلبها). وقال الحسن: (قد بطنها حبًّا). وقال قتادة: (استبطنها حبها إياه). وقال الضحاك: (يقول: هلكت عليه حبًّا).
وقوله: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ - أي: في صنيعها هذا وما أقدمت عليه من مراودة فتاها عن نفسه وتعلق قلبها به.
وقوله: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ - قال السدي: (يقول: بقولهن). وقال قتادة: (أي بحديثهن).
وقوله: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ - أي: أرسلت إلى النسوة اللاتي مَكَرْنَ بها
стр. 2189
بإشاعة خبرها مع فتاها لتريهن يوسف. قال ابن إسحاق: (وكان يوصف لهن بُحسنه وجماله، ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾).
قال ابن عباس: (﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾، قال: مجلسًا). وقال سعيد: (طعامًا وشرابًا ومتكأ). قال ابن جرير: (أعدّت لهن، ﴿مُتَّكَأً﴾، يعني: مجلسًا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد). قيل: وفي الطعام ما يقطع بالسكاكين مِن أُتُرُجٍّ ونحوه، وهو قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾. قال ابن كثير: (وكان هذا مكيدةً منها، ومقابلة لهنَّ في احتيالهن على رؤيته).
وقوله: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ - حيث كانت قد خَبَّأَتْه في مكان آخر، فخرج عليهن يوسف.
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ - قال مجاهد: (أعظمنه) - أي: أجللنه وعظّمنه لشدة حسنه. وقال ابن زيد: (فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن) - أي: من شدة بهائه وجماله ﵊.
وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ - أي: جَعَلْنَ يقطعن أيديهنَّ من روعة جمال يوسف، وهُنَّ يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ. قال مجاهد: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، حَزًّا حزًّا بالسكين). والمقصود: أنهن حَزَزْنَ أيديهن من حيث لا يشعرن من دهشة ما رأين. قال ابن زيد: (جعلن يحززن أيديهن بالسكين، ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج، قد ذهبت عقولهنّ مما رأين! ).
وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة - حديث الإسراء - قال رسول الله ﷺ : [فأتيت على يوسف فَسَلَّمتُ فقال: مَرْحَبًا بك من أخٍ ونبي. وفي لفظ: ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، فإذا هو قد أُعطي شطرَ الحسن، فرحّب بي ودعا لي بخير] (١).
وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ - وهي قراءة أهل الكوفة، وأما بعض البصريين فأثبتوا الياء: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ والمراد التنزيه. قال مجاهد: (﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ وقال: معاذ الله).
وقوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ - قال ابن زيد: (ما هكذا تكون البشر). لأنهن لم يعهدن
стр. 2190
الحُسْنَ في البَشَرِ على هذه الصورة الرائعة المدهشة التي تأخذ بالعقول والألباب.
وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ - قال قتادة: (قلن: ملك من الملائكة).
وقوله: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ - قال ابن كثير: (تقول هذا مُعتذِرة إليهن بأن هذا حقيق بأن يُحَبَّ لجماله وكماله).
ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه، وكان منها ما تحدَّثن به في شأنها معه.
وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ - قال ابن عباس: (فامتنع).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾، تقول: لَيُحْبَسَنَّ، وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن، ولأهينَنَّه).
فهناك لجأ يوسف ﵊ إلى ربه ليحميه من كيدهن، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن إسحاق: (قال يوسف، وأضاف إلى ربه، واستغاثه على ما نزل به، ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، أي: السجن أحبَّ إلي من أن آتي ما تكره). وقال السدي: (من الزنا). وقال ابن زيد: (﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة، لا يكن مني ولا عندي).
قال القرطبي: (﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ جواب الشرط، أي: أمِلْ إليهن). وقال النسفي: (والصبوة الميل إلى الهوى، ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها).
عن ابن إسحاق: (﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، أي: جاهلًا، إذا ركبت معصيتك).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
قال ابن كثير: (وذلك أن يوسفَ ﵇ عصمه الله عِصمةً عظيمة، وحماه فامتنع منها أشدَّ الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقاماتِ الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سَيِّدَتُه، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غايةِ الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السِّجنَ على ذلك، خوفًا من الله ورجاءَ ثوابه).
стр. 2191
قلت: وفي هذه القصة ما يشدّ عزيمة الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم في اتباع الهوى والشهوات، وغاصوا في متاهاتها، وعلقوا في حبائلها، أنهم لو صدقوا الله الدعاء بالنجاة من تبعاتها وشباكها، وعزموا على التماس حياة الطهارة والعفاف، لأعانهم ربهم سبحانه على ترك تلك المآثم والمحرمات. وقد مررت بشباب انغمسوا في تلك المحرمات حتى صارت تلحقهم، فَذَكَّرْتُهُم بصدق يوسف ﵊ إذ التجأ إلى ربه ليخلصه من مكرهن، فَصَدَقَهُ سبحانه الإجابة: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لدعاء يوسف ودعاء عباده جميعًا ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصدق نياتهم وإخلاصهم لربهم وبجميع أحوالهم.
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [سبعةٌ يُظلهم الله في ظله يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه، إمامٌ عادلٌ، وشاب نشأَ في عبادة الله، ورجُلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه. ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجلٌ تَصَدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمالُهُ ما أنفقت يمينُه، ورجلٌ ذكرَ اللهَ خاليًا ففاضَتْ عيناه، ورجل دعتْهُ امرأةٌ ذات مَنْصِبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله] (١).
٣٥ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾.
في هذه الآيات: ظُهُورُ المصلحة للقوم بسجن يوسف إخفاء للحقيقة، ودرءًا
стр. 2192
للفضيحة. وقصة يوسف مع ساقي الملك وخبازه في السجن في تأويل رؤياهم. وإعلانُ يوسف اجتنابه ملة الكفر واتباعه منهاج النبوة.
فعن ابن إسحاق: (﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾، ببراءته مما اتهم به، من شق قميصه من دبر، ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾).
وعن قتادة: (﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾، قال: ﴿الْآيَاتِ﴾، حزُّهُنَّ أيديهن، وقدُّ القميص). وذكر السّدي: أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقِّه ويبرأ عرضُه فيفضَحَها.
والخلاصة: لقد ظهر لهم أن المصلحة سجنه إلى مدة، رغم ما ظهر من عِفَّته وأدلة صدقه ونزاهته وبراءته، لضبط ما شاع بين الناس في حق امرأة العزيز، ليوهموا بذلك على الناس الأمر. قال ابن كثير: (ولهذا لما طلبه الملكُ الكبيرُ في آخر المدة، امتنع من الخروج حتى تتبَيَّنَ براءتُه مما نُسِبَ إليه من الخيانة، فلما تقرّر ذلك خَرَجَ وهو نَقِيُّ العِرْض، صلوات الله عليه وسلامه).
وقوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ - قال قتادة: (كان أحدهما ساقِيَ الملك، والآخر خَبَّازَه). وقال السدي: (وكان سبب حَبْسِ الملك إياهما أنه توهَّمَ أنهما تمالآ على سَمِّه في طعامه وشرابه).
وقوله: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
إنهما رَأَيَا منامًا، فرأى الساقي أنه يعصر عِنَبًا، ورأى الخبَّاز أنه اختبز خبزًا فحمله على رأسه فجاء الطير فأكل منه. وفي قراءة ابن مسعود: ﴿إني أراني أعصر عِنَبًا﴾. وقال الضحاك: (﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ يعني عِنَبًا، قال: وأهل عُمَان يُسَمُّون العِنَبَ خمرًا). وقال عكرمة: (قال له: إني رأيتُ فيما يرى النائمُ أني غَرَسْتُ حَبَلَةً من عِنَبٍ فنبتت، فخرج فيه عناقيد، فعصرتُهُنَّ ثم سَقَيْتُهُنَّ المَلِك. قال: تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرجُ فتسقيَه خَمْرًا. وقال الآخر: وهو الخبّازُ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾). قال الضحاك: (﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: كان يوسع للرجل في مجلسه، ويتعاهد المرضى).
وكان يوسف ﵊ قد عُرِف في السجن بكرمه وجوده وصدق حديثه، وحُسْن سمته، وكثرة عبادته ومعرفة التعبير، والإحسان إلى أهل السجن،
стр. 2193
وعيادة مرضاهم وحسن الخلق والمعاملة، مما دفع الرجلان لاستشارته في رؤياهم والتماس الخير على يديه.
وقوله: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.
قال ابن عباس: (إنما عُلِّمَ فَعَلِمَ). وقال السدي: (قال يوسف لهما: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾، في النوم, ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾، في اليقظة).
وقوله: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ - قال ابن جرير: (يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا، مما علمني ربي فعلمته).
وذلك أني اجتنبت ملة قوم كفروا بالله واليوم الآخر. قال النسفي: (وهم أهل مصر ومن كان الفتيان على دينهم). وهو قوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
قال ابن كثير: (يقول: هجرتُ طريقَ الكفر والشرك، وسلكتُ طريقَ هؤلاء المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وهكذا يكونُ حالُ من سَلَكَ طريق الهدى، واتبع طريق المرسلين، وأعرضَ عن طريق الضالين، فإن الله يهدي قلبه ويُعَلِّمه ما لم يكن يَعْلَمُه، ويجعَلُه إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد).
وقوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.
قال النسفي: (وهي الملة الحنيفية. وذكر الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه بما ذكر من إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في اتباع قوله).
وقوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ - هذه صفة آل النبوة واتباع الرسل، الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإفراده تعالى بالدعاء والعبادة والتعظيم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
قال القرطبي: (قيل: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ إذ جعلنا أنبياء، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جعلنا الرسل إليهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ على نعمة التوحيد والإيمان).
٣٩ - ٤١. قوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا
стр. 2194
أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠) يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾.
في هذه الآيات: نَصيحةُ يوسف في السجن لصاحبيه إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، ونبذ الشرك وسبل الشيطان الرجيم، وتأويله الرؤيا لهما بما أوتيه من توفيق الله الحكيم.
فعن ابن إسحاق قال: (ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئًا).
فاستفاد يوسف ﵊ من إقبال الرجلين عليه إلى دعوتهما إلى عبادة الله وحده، وإفراده بالكبرياء والتعظيم، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعكف عليها القوم، فإن الله هو الواحد القهار الذي قهر كل شيء، وذلّ له كل شيء.
وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.
قال القاسمي: (يعني أنكم سميتم، ما لا يستحق الإلهية، آلهة، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: حجة تدل على صحتها).
وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾.
قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية: (أُسِّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له).
وقوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ - أي: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من الطواغيت والأوثان، وإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو منهج الصدق في الإيمان.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - أي: فهم يشركون بالله ويحسبون أنهم مهتدون.
стр. 2195
وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
قال القاسمي: (﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي: يخرج من السجن، ويعود إلى ما كان عليه من سقي سيده الخمر، ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ أي: فيقتل ويعلق على خشبة، فتأكل الطير من لحم رأسه. ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي: قطع وتم ما تستفتيان فيه. يعني: ماله، وهو نجاة أحدهما، وهلاك الآخر. والتعبير عنه بـ ﴿الْأَمْرُ﴾، وعن طلب تأويله بـ "الاستفتاء" تهويلًا لأمره، وتفخيمًا لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم، المبهمة الجواب).
٤٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾.
في هذه الآية: وصية يوسُف ﵇ الذي ظن خروجه من الرجلين ذكر مظلمته عند سيده، فأنساه الشيطان فلبث في السجن بضع سنين.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، يقول: اذكرني عند سيدك، وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم).
فأنسى الشيطان ذلك الموصى أن يذكِّر مولاه الملك بأمر يوسف، وكان ذلك مكيدة من الشيطان لئلا يخرج يوسف من السجن، وكان الأَوْلى أن يطلب يوسف ﵊ الفرج خالصًا من الله تعالى - كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ .
فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: [عجبتُ لصَبْرِ أخي يوسف وكرَمِه، والله يَغْفِرُ له حيثُ أرسلَ إليه لِيُستَفْتَى في الرؤيا، ولو كُنْتُ أنا لم أفعلْ حتى أخرجَ. وَعَجِبْتُ لصبره وكرمه والله يغفِرُ لهُ أُتِيَ لِيخرُجَ فلم يخرُجْ حتى أخبرهم بعذرِهِ، ولو
стр. 2196
كنت أنا لبادرت الباب، ولولا الكلمةُ لما لبثَ في السِّجْن حيث يبتغي الفرجَ من عند غير الله ] (١).
وله شاهد في مسند الإمام أحمد، بسند حسن لطرقه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لو لبثْتُ في السجن ما لبثَ يوسفُ ثم جاء الداعي لأجبتُه، إذ جاءه الرسول فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾، ورحمةُ الله على لوط إنْ كان ليأوي إلى ركن شديد، إذْ قال لقومه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، وما بعث الله من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه] (٢).
وعن مجاهد قال: (فلبث في السجن بضع سنين، عقوبةً لقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾).
وعن قتادة قال: (البضع ما بين الثلاث إلى التسع). وقال: (لبث يوسف في السجن سبع سنين) - والله تعالى أعلم -.
٤٣ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ
стр. 2197
لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.
في هذه الآيات: خَبَرُ الرؤيا التي رآها الملك وسعى في تأويلها فَقُوبِلَ باعتذار من حوله عن المعرفة بتأويل الأحلام. وَتَذَكُّرُ الذي نجا من الرجلين علم يوسف بتأويل الأحلام فلجأ إليه بعدما نسيه عبر الأيام. وتأويل يوسف لرؤيا الملك بتوفيق الله له تأويلًا صدقته الأحداث والأزمان.
قال ابن إسحاق: (ثم إن الملك الريان بن الوليد رأى رؤياه التي رأى فهالته، وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها، فقال للملأ حوله من أهل مملكته: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ إلى قوله: ﴿بِعَالِمِينَ﴾).
وعن السدي قال: (إن الله أرى الملك في منامه رؤيا هالته، فرأى سبع بقراتٍ سمانٍ يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فجمع السحرة والكهنة والحُزَاة فَقَصَّها عليهم، فقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾).
وهذه الرؤيا هي مما قدّر الله تعالى أن يراها ملك مصر لتكون سببًا لخروج يوسف ﵊ من السجن عزيزًا مُكرّمًا، فجمع لتأويل رؤياه الكهنة والسحرة والحزاة وكبراء دولته ليفهموا أبعادها فاعتذروا بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ - أي: إنها أخلاط، من الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها، وَمِنْ ثَمَّ فهي رؤيا كاذبة لا حقيقة لها. قال ابن عباس: (﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾، كاذبة). أو قال: (يقول مشتبهة). وقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: وما نحن بما تؤول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين).
وعند ذلك تذكَّر الذي نجا من القتل من صاحبي السجن، وكان الشيطان قد أنساه ما وصّاه به يوسف من ذكر أمْرِه للملك، فتذكر بعد مدة فقال أنا أخبركم بتأويل هذا المنام فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السِّجن. وهو قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾.
وعن ابن عباس: (﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، قال بعد حين) - أي: تذكر ما كان نسي من أمر يوسف وما وصّاه به، بعد مدة، فذكره بعد حين - أو قال: (بعد سنين). وعن
стр. 2198
عكرمة قال: (أي: بعد حقبة من الدهر). وعن مجاهد: (أنه قرأ: ﴿وادّكر بعد أَمَهٍ﴾) - والأمَهُ: النسيان.
قال ابن عباس: (لم يكن السجن في المدينة، فانطلق الساقي إلى يوسف فقال: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾، الآيات).
وقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
قال قتادة: (أما السمان فسنون منها مخصبة، وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة لا تنبت شيئًا). والعجاف جمع عَجْفاء، وهي المهازيل.
قال ابن جرير: (قوله: ﴿وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾، أما الخضر فهي السنون المخاصيب، وأما اليابسات فهن الجُدُوب المحول. وقوله: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، يقول: أي: أرجع إلى الناس فأخبرهم. يقول: ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرؤيا).
فعند ذلك أفاض يوسف ﵊ مما علَّمه الله تعالى من تعبير الرؤيا من غير تعنيف لذلك الفتى الذي نسيَ ما وصّاه به، ومن غير اشتراطٍ للخروج قبل ذلك (١)، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: تزرعون هذه السبع السنين كعادتكم، وفيها يأتيكم الخِصْبُ والمطر. قال ابن كثير: (فَفَسَّر البقر بالسنين, لأنها تثير الأرض التي تُسْتَغَل منها الثمرات والزروع، وهُنَّ السنبلات الخضر. ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾، أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخِصْبَ فاخزِنُوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعدَ عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدارَ الذي تأكُلونه، وليَكُنْ قليلًا قليلًا لا تُسْرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهنَّ السبع السنين المُحْل التي تعقب هَذه السبع مُتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكُلن السمان، لأن سِني الجَدْب يُؤْكَلُ فيها ما جمعوه في سِني الخِصْب، وهُنَّ السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهنَّ لا يُنْبِتْنَ شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء).
стр. 2199
وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. قال قتادة: (﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: مما تدخرون). وقال ابن عباس: (تخزنون) أو قال: (تحزرون).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
أي: بشّرهم بعد ذلك القحط والجدب بعام مطر وغيث ونماء، تُغِلّ فيه البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسُكّر ونحوه.
قال قتادة: (﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾، قال: فيه يغاثون بالمطر). وعن ابن عباس: (﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، قال: الأعناب والدُّهْن). وقال أيضًا: (﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، السمسم دهنًا، والعنب خمرًا، والزيتون زيتًا). أو قال: (يصيبهم غيث، فيعصرون فيه العنب، ويعصرون فيه الزيت، ويعصرون من كل الثمرات). وقال أيضًا: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾، قال: فيه يحلبون). فدخل في ذلك أيضًا حلْب اللّبن. وهناك قراءة لأهل الكوفة: ﴿وفيه تَعْصِرون﴾.
٥٠ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾.
في هذه الآيات: طَلَبُ الملك إحضار يوسف عند سماعه روائع التأويل، واعتِذارُ يوسف عن الخروج حتى تُظهر براءته، ودعوة الملك النسوة وامرأة العزيز لإظهار الحقيقة، واعتراف امرأة العزيز ببراءة يوسف وزلل نفسها الأمارة بالسوء، والله غفور رحيم.
стр. 2200
قال ابن إسحاق: (فخرج نبو (١) من عند يوسف بما أفتاهم به من تأويل رؤيا الملك، حتى أتى الملك فأخبره بما قال، فلما أخبره بما في نفسه كمثل النهار، وعرف أن الذي قال كائن كما قال، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾)،
وقال السدي: (لما أتى الملك رسوله فأخبره، قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾، فلما أتاه الرسول ودعاه إلى الملك، أبى يوسف الخروج معه، وقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، الآية. قال السدي: قال ابن عباس: لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلمَ الملك بشأنه، ما زالت في نفس العزيز منه حاجَةٌ! يقول: هذا الذي راود امرأته).
وعن قتادة: (قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾، أراد نبيُّ الله ﵇ أن لا يخرج حتى يكون له العذر). وقال ابن جريج: (أراد يوسف العذر قبل أن يخرج من السجن).
قلت: ولكن نبينا محمدًا ﷺ أخبرنا أن الأَوْلى في مثل هذه الأحوال الخروج من الضيق ومن تحت القيود والظلم، فإن الضيق والسجن قد يسيء إلى دين العبد ويفتنه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الطغاة قد لا ينفع معهم بسط القضايا للاعتذار، فإن الظلم دَيْدَنهم، ومن ثمَّ فإن المسارعة إلى الخروج هو السنة.
فقد أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس مرفوعًا: [عجبتُ لِصَبْر أخي يوسف وكرمه، والله يَغْفر له حيث أرسلَ إليه لِيُستَفْتى في الرؤيا، ولو كنت أنا لم أَفْعَل حتى أخرج. وعَجِبْتْ لصبره وكرمه والله يَغْفِرُ لهُ أُتيَ ليخرجَ فلم يخرجْ حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب] (٢).
وله شاهد من حديث الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لو لَبِثْتُ في السجن ما لبث يوسفُ ثم جاء الداعي لأجَبْتُهُ، إذ جاءه الرسولَ فقال: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾] (٣).
стр. 2201
وفي لفظ: [لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر].
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ - قال النسفي: (أي: إن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا الله وهو مجازيهن عليه).
وقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾.
أي: فلما رجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف دعا الملك النسوة المقطعات أيديهن ودعا امرأة العزيز ثم قال لهن ما شأنكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ هل وجدتن منه ميلًا إليكن؟
وقوله: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
أي: أجابت النسوة الملك: حاش لله أن يكون يوسف متهمًا، وما عهدنا عليه من سوء.
وقوله: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ - من الحَصِّ: استئصال الشيء.
أي: فعند ذلك قالت امرأة العزيز الآن ظهر الحق وتبين. قال ابن عباس: (﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾، قال: تبيَّن). وقال ابن إسحاق: (قالت راعيل امرأة إطفير العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾، أي: الآن برز الحق وتبيّن، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فيما كان قال يوسف ممّا ادّعت عليه).
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾.
هو من كلام امرأة العزيز - وقيل من كلام يوسف (١)، أي: رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز أني لم أخنه في زوجته في غيابه - والأول أليق بالسياق، وأنسب لتتابع أحداث القصة. فالمعنى: قالت امرأة العزيز: إني أعترف أني أنا الذي راودته عن نفسه وزللت، ليعلم زوجي أني لم أخنه بارتكاب المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلمَ أني بريئة ولم يقع ما كان يُتوقع.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ - قال القرطبي: (معناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم).
стр. 2202
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
هو قول امرأة العزيز (١): أي وما أبرئ نفسي من الزلل وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها في عموم الأحوال أو في هذه الحادثة، فإن النفس لأمارة بالسوء في كل وقت. قال النسفي: (يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت العصمة، أو هو استثناء منقطع، أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، وقيل هو من كلام امرأة العزيز - أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قَرّفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن وأودعته السجن - تريد الاعتذار مما كان منها، إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي - إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف - ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت).
٥٤ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾.
في هذه الآيات: استِخْلاصُ الملك يوسف لنفسه وتقريبه، واختيار يوسف ﵊ العمل على خزائن الأرض لحفظه وعلمه، وكذلك كان تمكين الله ليوسف في الأرض والله لا يضيع أجر المحسنين، ولأجر الآخرة خير وأحسن للمؤمنين المتقين.
فقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ - يعني ملك مصر - وذكر ابن إسحاق أنه الوليد بن الريان.
وقوله: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ - قال سلمة، عن ابن إسحاق: (حين تبيَّنَ عذر
стр. 2203
يوسف، وعرف أمانته وعلمه، قال لأصحابه: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، يقول: أجعله من خُلصائي دون غيري).
وقوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: فلما كلّم الملك يوسف، وعرف براءته وعِظَم أمانته قال له: إنك، يا يوسف، ﴿لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، أي: متمكن مما أردت وعرض لك من حاجة قِبَلَنا، لرفعة مكانك ومنزلتك، لدينا، ﴿أَمِينٌ﴾ على ما اؤتمنت عليه من شيء).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
هو مسألة يوسف ﵊ للملك، ليوليه ما هو متقن في إدارته، مختص في شؤونه. قال ابن إسحاق: (﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، إني حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني. قال: قد فعلت). وعن شيبة الضبي في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، قال: (على حفظ الطعام). وقال: (يقول: إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة).
قال ابن كثير: (﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جُهِلَ أمرُه، للحاجة. وذكر أنه ﴿حَفِيظٌ﴾، أي: خازِنٌ أمين، ﴿عَلِيمٌ﴾، ذو علم وبصر بما يتولاه. قال: وسأل العملَ لعِلْمِهِ بقدرته عليه، ولما في ذلك من المصالح للناس، وإنما سأل أن يُجْعَلَ على خزائن الأرض، وهي الأهراءُ التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه من السِّنين التي أخبرهم بشأنها، ليَتَصَرَّفَ لهم على الوجه الأحوطِ والأصلحِ والأرشدِ. فأجيبَ إلى ذلك رغبةً فيه، وتَكرِمَةً له).
قلت: والآية تدل على أركان العمل الصالح، أو العمل المقبول:
١ - الإخلاص.
٢ - الصواب.
فقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ يشير إلى الإخلاص. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ يشير إلى سلامة المنهج. وكذلك العمل الصالح لا بد فيه لينال رضوان الله وقبوله من الإخلاص والصواب. وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
стр. 2204
قال الفضيل بن عياض: (أخلصه وأصوبه) - وأخلصه أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى. وأصوبه: أن يكون على السنة. لذا لما قيل: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: (إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة).
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن أبي سعيد مرفوعًا: [ألا أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزيِّنُ صلاته، لما يرى من نظر رجل] (١).
الحديث الثاني: أخرج البيهقي وابن خزيمة من حديث محمود بن لبيد قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه. فذلك شرك السرائر] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده: [أنه قال للنبي ﷺ : والله يا رسول الله ما أتيتك إلا بعدما حلفتُ عدد أصابعي هذه: أن لا آتيك. فبالذي بعثك بالحق، ما الذي بعثك به؟ قال: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تُسلم قلبك لله، وأن توجِّهَ وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلوات المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة] (٣).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾.
قال السدي: (استعمله الملك على مصر، وكان صاحبَ أمرها، وكان يلي البيعَ والتجارة، وأمرها كله). وعن مجاهد قال: (أسلم الملك الذي كان معه يوسف).
стр. 2205
قال ابن زيد: (﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾، قال: ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا، يصنع فيها ما يشاء، فُوِّضَتْ إليه).
والخلاصة: لقد مكّنَ الله تعالى يوسف ﵇ في أرض مصر، يتصرف فيها كيف يشاء، ويتخذ منها منزلًا حيث يشاء، بعد الضيق والحَبْس والإسار.
وقوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: تنال رحمته تعالى من يشاء من عباده، ولا يضيع جزاء من أحسن الطاعة وأقام الدين، وعظّم حرمات الله، كما كان ليوسف ﵊ بعد الصبر على أذى إخوته واختيار السجن على المعصية، فكتب الله له في النهاية السلامة والنصر والتأييد، وكذلك حال كل مؤمن صبر على طاعة الله واجتناب معصيته ونصر دين ربهِ .
يروي ابن جرير بسنده عن سلمة عن ابن إسحاق قال: (لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، قال الملك: قد فعلت! فولاه، فيما يذكرون، عملَ إطفير، وعزل إطفير عما كان عليه. يقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾، الآية. قال: فذكر لي، والله أعلم، أن إطفير هلَكَ في تلك الليالي، وأن الملكَ الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير راعيل، وأنها حين دخلت عليه قال: أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة، ناعمةً في مُلْكٍ ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلَكَ الله في حُسنك وهيئتك على ما رأيتَ. فيزعمون أنه وجدها عذراء، فأصابها فولدت له رجلين: أفراثيم بن يوسف، وميشَا بن يوسف. وولد لأفراثيم نونُ، والد يُوشَع بن نون، ورحمةُ امرأةُ أيوبَ ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
أي: ثم إنّ ما ادّخره الله ليوسف في الآخرة من الأجر والثواب الجزيل والخلود في النعيم، لهو أعظم من النفوذ والتمكين الذي أعطاه إياه في الدنيا، وكذلك شأن من جاهد لإعلاء كلمة الله في الأرض، فإن ما ينتظره في الآخرة من السرور والرزق الكريم أكبر من التمكين في الدنيا وسعادة قهر الأعداء ورؤية دين الله وشرعه يعلو كل منهج في الأرض.
وفي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى:
стр. 2206
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطرَ على قلب بَشَر] (١).
٥٨ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾.
في هذه الآيات: بعد مضي سني الخصب السبع وتلتها سنين الجدب، وعَمَّ القحط بلاد مصر حتى وصل إلى بلاد كنعان، التي يقطنها يعقوب ﵇ وأولاده، وقد مكّن الله تعالى ليوسف في وزارته بتلك البلاد، وباشَرَ مَهَامَّهُ فيها لتوزيع الثروات والغلات في أحسن وجه، لمواجهة القحط وسنوات الجدب، وكان بحق رحمة من الله على أهل مصر، وهنا ورد عليه الناس من مختلف الأقاليم والأمصار، يلتمسون عطاءه ويمتارون لأنفسهم وعيالهم، وكان من جملة مَنْ وَرَدَ للميرة إخوة يوسف، عن أمر أبيهم لهم بذلك، وكان بلغهم أن عَزيز مصر يُعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نَفر، وبقي يعقوب مع ابنه بنيامين شقيق يوسف وأحب ولده له بعد يوسف، فلما دخلوا على يوسف وهو جالس على كرسي رياسته ووزارته في كامل أبّهته وسلطانه، عرفهم حين نظر إليهم، ولم يعرفوه، إذ كانوا فارقوه صغيرًا ولم يخطر ببال أحدهم أنه سيصير إلى ما آل إليه، فسألهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ قالوا: أيها العزيز، إنا قدمنا للميرة. قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ الله. قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي الله. قال: له أولادٌ غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر، فذهب أصغرُنا، هلك في البَرِّية، وكانَ أحَبَّنا إلى أبيه، وبقي شقيقُه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه. فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ثم لما وفّاهم كَيْلهم، وحَمّل لهم أحمالهم قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي
стр. 2207
ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم، ألا ترون وفائي، وإن لم تفعلوا فلا كيل لكم عندي بعد اليوم. فوعدوه أن يفعلوا، فأمر فتيانه بإعادة بضاعتهم التي قدموا بها إلى رحالهم من حيث لا يشعرون، حكمة منه بذلك.
فعن قتادة: (﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، قال: لا يعرفونه).
وعن ابن إسحاق قال: (لما اطمأن يوسف في ملكه وخرج من البلاء الذي كان فيه، وخلت السنون المخصبة التي كان أمرهم بالإعداد فيها للسنين التي أخبرهم بها أنها كائنة، جُهِدَ الناس في كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة. وكان يوسف، حين رأى ما أصاب الناس من الجهد، قد آسى بينهم، وكان لا يحمل للرجل إلا بعيرًا واحدًا، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين (١)، تقسيطًا بين الناس وتوسيعًا عليهم. فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر، فعرفهم وهم له منكرون، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف ﵇ فيما أراد).
وعن السدي قال: (فلما نظر إليهم قال: أخبروني ما أمركم، فإني أنكر شأنكم! قالوا: نحن قوم من أرض الشأم. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعامًا. قال: كذبتم، أنتم عيون، كم أنتم؟ قالوا: عشرة. قال: فأخبروني خبركم؟ قالوا: إنا إخوة بنو رجل صِدِّيق، وإنا كنا اثني عشر، وكان أبونا يحبّ أخًا لنا، وإنه ذهب معنا البرية فهلك منا فيها، وكان أحَبَّنا إلى أبينا. قال: فإلى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه).
وعن ابن إسحاق قال: (لما جَهَّزَ يوسف فيمن جَهَّزَ من الناس، حَمّل لكل رجل منهم بعيرًا بعدّتهم، ثم قال لهم: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، أجعل لكم بعيرًا آخر، أو كما قال: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾، أي: لا أبخس الناس شيئًا، ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، أي: خير لكم من غيري، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم، وأحسنت إليكم، وازددتم به بعيرًا مع عدَّتكم، فإني لا أعطي كل رجل منكم إلا بعيرًا، ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾، لا تقربوا بلدي).
стр. 2208
وعن قتادة: (﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾، يعني بنيامين، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه).
وعن مجاهد: (﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، يوسف يقوله: أنا خيرُ من يُضيف بمصر).
وعن ابن إسحاق: (﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾، لنجتهدنّ) - أي: في إقناع أبينا بإرساله معنا بنيامين - قال: (ثم أمر ببضاعتهم التي أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام، فجعلت في رحالهم وهم لا يعلمون).
وفي تأويل قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ثلاثة أقوال ذكرها ابن جرير ومن بعده ابن كثير:
١ - قيل: خشي يوسفُ ﵇ ألا يكون عِندهم بضاعةٌ أخرى يرجعون للميرة بها.
٢ - وقيل: تَذَمَّمَ أن يأخذ من أبيه وإخوته عِوَضًا عن الطعام.
٣ - وقيل: أراد أنْ يَرُدَّهُم إذا وجدوها في متاعهم تَحَرُّجًا وتورُّعًا لأنه يعلم ذلك منهم. والله أعلم.
٦٣ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾.
في هذه الآيات: رُجوعُ إخوة يوسف إلى أبيهم يشكون إليه منع الكيل عنهم حتى يرسل معهم أخاهم ويتعهدون بحفظه. وَفَتْحُهُم متاعهم ليجدوا فيه بضاعتهم ردت
стр. 2209
إليهم. وَإِرْسَالُ الأب ابنه معهم بعد أخذه التوثيق منهم على حفظه والله هو الحفيظ العليم.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم، ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾، يقول: منع منا الكيل، فوق الكيل الذي كِيلَ لنا، ولم يكل لكل رجل منّا إلا كيل بعير، ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾، بنيامين يَكتَل لنفسه كيلَ بعير آخر زيادة على كيلِ أباعرِنا، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، من أن يناله مكروه في سفره).
وقرأ عامة قراء المدينة: ﴿نَكْتَلْ﴾، وكذلك بعض أهل مكة والكوفة، في حين قرأها بعض قراء الكوفة: ﴿يَكْتَل﴾ - بمعنى: يكتل هو لنفسه، كما نكتال لأنفسنا. وكلاهما قراءتان معروفتان.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
قال النسفي: (يعني أنكم قلتم في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يأمنني من مثل ذلك. ثم قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ - فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم - ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه ولا يجمع عليَّ مصيبتين).
وقوله: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾.
قال قتادة: (يقول: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل).
وقوله: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ - أي: ونطلب لأهلنا طعامًا فنشتريه لهم. ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾، الذي ترسله معنا، ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ - وذلك أن يوسف ﵊ كان يعطي كلَّ رجل حمل بعير. قال ابن جريج: (كان لكل رجل منهم حمل بعير. وقال مجاهد: حمل حمار (١)).
стр. 2210
وقوله: ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ - قال ابن كثير: (هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: إنّ هذا يسير في مقابلة أخذِ أخيهم ما يَعدِلُ هذا).
وقوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
قال مجاهد: (إلا أن تهلكوا جميعًا). وقال قتادة: (إلا أن تغلَبوا حتى لا تطيقوا ذلك).
وقال ابن إسحاق: (إلا أن يصيبكم أمرٌ يذهب بكم جميعًا، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي).
والمقصود: أن يعقوب ﵇ أراد توثيق العهد مع بنيه، لتأتنني بأخيكم إلا أن يصيبكم ما لا قدرة على منعه.
وقوله: ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال القرطبي: (أي: حافظ للحلف. وقيل: حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل). وقال ابن إسحاق: (وإنما فعل ذلك؛ لأنه لم يجد بُدًّا من بعثهم لأجل الميْرَةِ التي لا غِنى لهم عنها، فبعثه معهم).
٦٧ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾.
في هذه الآيات: نَصيحةُ يعقوب ﵇ لبنيه بعدم الدخول من باب واحد بل من أبواب متفرقة خشية العين عليهم، وهو بذلك متوكل على الله حق التوكل، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
فقوله: ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾.
قال الضحاك: (خاف عليهم العين). وقال قتادة: (خشي نبي الله ﷺ العينَ على بنيه، كانوا ذوي صورة وجمال). وفي رواية قال: (كانوا قد أوتوا صورة وجمالًا فخشي عليهم أنفُسَ الناس). وقال السدي: (خاف يعقوب ﷺ على بنيه العين، فقال: