انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أمكنتها).
والراجح: أن المقصود خلو القلوب من العقل والخير من هول المشهد، حتى تصبح خاوية من الخير كالخراب.
وقوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾.
أي: أنذر الناس يا محمد يوم حلول العذاب في القيامة، فيقول الذين كفروا بربهم وكذبوا نبوتك: ربنا أخّر عنا عذابك وأمهلنا لفرصة أخرى نجبْ دعوة الحق فَنَصْدُقَك الإيمان ونصدّق المرسلين ونتابع دعوتهم.
قال مجاهد: (﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال: مدّة يعملون فيها من الدنيا).
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. أي: أو ما حلفتم أنه لا معاد ولا جزاء.
قال مجاهد: (﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾، أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة). وقال: (هو قسم قريش أنهم لا يبعثون).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧, ٢٨].
٣ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠].
ومن كنوز صحيح السنة في مفهوم الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ -
стр. 2347
قال: [يقول الله ﵎ لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنتَ مُفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أرَدْتُ مِنْكَ أهونَ من هذا وأنت في صُلْبِ آدم: أن لا تشرك ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك] (١).
وفي لفظ: [فيقال له: كذبتَ، وقد سُئِلت ما هو أيسرُ من ذلك].
وفي رواية: فيؤمر به إلى النار).
وقوله: "كَذَبْتَ". قال النووي: (معناهُ لو رددناكَ إلى الدنيا لما افتديت لأنك سئلت أيسر من ذلك، فأبيت، فيكون من معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وبهذا يجتمعُ معنى هذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾).
الحديث الثاني: أخرج الإمام الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ [يؤتى بالعَبْدِ يَوْمَ القِيامةِ فيقولُ لهُ: ألمْ أَجعَلْ لكَ سَمْعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسخَّرت لك الأنعام والحرث، وتَرَكْتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ، فكنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول: اليومَ أَنْساكَ كَمَا نَسيتني] (٢).
قال أبو عيسى: (ومعنى قوله: "اليوم أنساكَ كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسّر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١]. قالوا: معناه اليوم نتركهم في العذاب).
وقوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾.
قال ابن زيد: (سكنوا في قراهم مدين والحجر والقرى التي عذّب الله أهلها، وتبيَّن لكم كيف فعل الله بهم، وضرب لهم الأمثال). وقال مجاهد: (﴿الْأَمْثَالَ﴾: الأشباه).
قال القاسمي: (﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ كعاد وثمود ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ أي بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم
стр. 2348
وما تواترَ عندكم من أخبارهم ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم. أي ومع ذلك فلم يكن لكم فيهم معتبر ولا مزدجر).
قلت: وفي الآية تقريع لأولئك الظالمين في سكناهم أماكن دمار الأمم التي أنزل اللهُ بها عذابهُ - وهو معنى لم أجد من المفسرين من لفت إليه - وهو من صُلب السنة الصحيحة. وفي ذلكَ حديثان.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابهِ - يعني لما وصلوا الحِجْر: وهي ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا تُصيبُكم ما أصابهم] (١). وفي لفظ لمسلم: (ثم قَنَّع رسول الله ﷺ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي). وفي لفظ للبخاري: (ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرّحل).
الحديث الثاني: أخرج مسلم عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره: [أن الناسَ نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر أرضِ ثمود فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يُهريقوا ما استقوا، ويَعْلِفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة] (٢).
قال ابن القيم في "زاد المعاد" (٣/ ٥٦٠): (ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود، لا يجوز شُربهُ، ولا الطبخُ منهُ، ولا العجينُ بهِ، ولا الطهارةُ بهِ، ويجوزُ أن يُسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة. قال: ومنها: أنَّ من مرَّ بديار المغضوب عليهم والمعذبين، لم ينبغ له أن يدخُلَها، ولا يُقيمَ بها، بل يُسرع السير، ويتقنّع بثوبه حتى يجاوزَها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا).
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ - له تأويلان:
١ - قال ابن عباس: (ما كان مكرهم لتزول منه الجبال). وكان الحسن يقول: (وإن
стр. 2349
كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال). فوجّهوا "إنْ" بمعنى "ما" أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه.
٢ - قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾، يقول شركهم، كقوله ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١]).
وعن شِمر، عن عليّ قال: (الغدر: مكر، والمكر: كفر).
قال القاسمي: (﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أي بالنبي صلوات الله عليه " ﴿مَكْرَهُمْ﴾ أي العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحق وتقرير الباطل ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي جزاء مكرهم ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ أي في العظم والشدة ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ أي مُسَوّىً ومُعَدًّا لإزالة الجبال عن مقارّها، لتناهي شدته).
قلت: والمعنى الثاني هو الراجح في مفهوم هذه الآية، وهو الأنسب للسياق.
٤٧ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾.
في هذه الآيات: متابعة الله خطابه لنبيهِ يَعِدُهُ بالنصر المبين. ويَنْعَتُ لهُ يومَ تُبدل السماوات والأرض حال المجرمين. وقد صُفِّدوا بالأغلال وسرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم نار الجحيم. ليجزي الله بعدله الصادقين والكاذبين. إنما هذا بلاغ للناس من الله رب العالمين.
فقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ - تثبيت من الله تعالى لرسوله محمد ﷺ وتسلية له عما يلقاه من تكذيب قومهِ وعنادهم وجحود نبوَّته ﵊.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. قال ابن جرير: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: لا يمانع منه
стр. 2350
شيء أراد عقوبته، قادر على كل من طلبه، لا يفوته بالهرب منه. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ ممن كفر برسله وكذّبهم، وجحد نبوَّتهم، وأشرك به واتخذ معه إلهًا غَيْره).
وقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾.
قال القاسمي: (وذلكَ أن تسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوَّى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت. وتبدل السماوات بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابًا).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث.
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : [يُحْشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عَفراءَ، كقُرصة النَّقِيّ، ليس فيها مَعْلَم لأحد] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه، وأحمد في مسنده، عن مسروق، عن عائشة، أنها قالت: [أنا أوّل الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، قالت: قلت: أينَ الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: على الصراط] (٢)
وفي رواية: (هم في الظلمة دون الجسر).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: [كنتُ قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاءهُ حَبْرٌ من أحبارِ اليهود، فقال: السلامُ عليكَ يا محمد. فدفعتهُ دَفعةً كاد يُصرعُ منها، فقال: لِمَ تدفعُني؟ فقلتُ: ألا تقول: يا رسول الله؟ ! فقال اليهودي: إنَّما ندعُوهُ باسمهِ الذي سمَّاهُ بهِ أهلُه! فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي محمدٌ الذي سمّاني به أهلي. فقال اليهودي: جئتُ أسألكَ. فقال رسول الله ﷺ : أينفعكَ شيءٌ إن حَدَّثتُكَ؟ فقال: أسمعُ بأذني. فنكتَ رسول الله ﷺ : بعودٍ معهُ، فقال: سَلْ. فقال اليهودي: أينَ يكونُ الناس حين تُبدلُ الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : هم في الظلمة دون الجسر. قال: فمن أَوَّل الناس إجازةً؟ قال: فقال
стр. 2351
فقراء المهاجرين. قال اليهودي: فما تُحْفَتُهُم حينَ يدخلونَ الجنة؟ قال: زيادة كبدِ الحوت. قال: فما غِذاؤُهم في أثرها؟ قال: يُنْحَر لهم ثورُ الجنةِ الذي كانَ يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عينٍ فيها تسمّى سلسبيلا. قال: صدقت. قال: وجئتُ أسألكَ عن شيء لا يعلَمه أحدٌ من أهلِ الأرض إلا نبيٌّ أو رجلٌ أو رجلان؟ قال: ينفعكَ إن حدَّثتك؟ قال: أسمعُ بأذني. قال: جئتُ أسألكَ عن الولد. قال: ماء الرجل أبيضُ وماء المرأة أصفرُ. فإذا اجتمعا فَعَلا مَنِيُّ الرجل مَنِيَّ المرأة أذْكَرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة منيَّ الرجل أنَّثَا بإذن الله. قال اليهودي: لقد صَدَقْتَ، وإنكَ لنبيٌّ. ثم انصرف، فقال رسول الله ﷺ : لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علمٌ بشيءٍ منهُ، حتى أتاني اللهُ به] (١).
وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
قال ابن كثير: (أي: خرجتِ الخلائق جميعُها من قبورهم لله ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قَهَرَ كل شيء وغَلَبَهُ، ودانت لهُ الرقابُ، وخضعت له الألبابُ).
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ يقول: في وثاق). وقال الضحاك (الأصفاد: السلاسل). وقال قتادة: (مقرّنين في القيود والأغلال).
والأصفاد: جمع صَفَد، وهو القيد. قال الأعمش: (الصفد: القيد).
وقال ابن زيد: (صفدت فيها أيديهم وأرجلهم ورقابهم، والأصفاد: الأغلال).
والخلاصة: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وتبرز الخلائق جميعًا من قبورها لديّانها، ترى - يا محمد - يومئذ المجرمين - الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم ومحاربة الرسل والدين الحق وأهله - مشدودين بالأغلال والقيود بعضهم إلى بعض، وقد جُمع يومئذ بين الأصناف المتماثلة والأشباه والنظراء من كل صنف وزوج من أهل الكفر والبغي والفساد في الأرض في صورة من الذل والهوان والخزي في عرصات القيامة.
стр. 2352
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢, ٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٧, ٣٨].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينةِ الخبال] (١).
وقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾. أي: ثيابهم وقمصهم من كثرة ما طليت بهناء الإبل الذي هو سائل أسود اللون منتن الريح يسرعُ فيه اشتعال النار صار كالسرابيل وغلب على لباسهم. وقَطِرَان وقَطْرَان وقِطْران ثلاث لغات. ومن قرأها "قَطْرٍ آنٍ" فسّره بالنحاس المذاب.
قال الحسن: (﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ يعني: الخَضْخَاض هِناء الإبل). وقال ابن عباس: (﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ نحاس). وعن الربيع بن أنس: (من قَطْرٍ آنٍ" قال القطر: النحاس، والآن: يقول: قد أنى حرّه، وذلكَ أنه يقول: حميمٌ آن). وقال سعيد: (والآن: الذي قد انتهى حرّه).
وعن ابن عباس: (من قَطْرٍ آنٍ" قال: هو النحاس المذاب).
قلت: وسواء المراد هِناء الإبل، أو النحاس المذاب فإنهُ لباس ألصق شيء بالنار، فبئس اللباس الذي جعلهُ اللهُ لباس المجرمين في النار.
стр. 2353
قال النسفي: (﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ قمصهم ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ هو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فيهنأ به الإبل الحربى فيحرق الجرب بحدته وحره، ومن شأنهِ أن يسرع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل ليجتمع عليهم لذع القطران وحرقته وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنهُ ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة، نعوذ باللهِ من سخطهِ وعذابه).
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : [أربعٌ من أمرِ الجاهليةِ لا يُتركن: الفخر بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة، والنائحةُ إذا لم تَتُبْ قبل موتها تقام يوم القيامةِ وعليها سربالٌ من قطران ودِرْعٌ من جَرَبٍ] (١).
وقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ - كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. أي: تضرب النار وجوههم فتعلوها باشتعالها، قال القاسمي: (وتخصيص الوجوه لكونها أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ولذلكَ قال: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧]، ولكونها مجمع الحواس التي خلقت لإدراكِ الحق، وقد أعرضوا عنه، ولم يستعملوها في تدبره. كما أن الفؤاد أشرف الأعضاء الباطنة ومحل المعرفة، وقد ملؤوها بالجهالات. أفاده الزمخشري وأبو السعود) انتهى. قلت: وحكى نحوه النسفي في تفسيره.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
أي: ليجزي الله يوم الحساب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وما حسابه لجميع عباده إلا أسرع من لمح البصر، إذ لا تخفى عليه خافية من أعمالهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حسابه سريع مجيئهُ. قال ابن كثير: (﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أي: يوم القيامة، كما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، يحتملُ أن يكون كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، ويحتمل أنه في حال محاسبتهِ لعبده
стр. 2354
سريعُ النّجاز، لأنه يعلم كلّ شيء؛ ولا يخفى عليه خافية، وإن جميعَ الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم. كقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وهذا معنى قول مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إحصاءً. ويحتمل أن يكون المعنيان مُرادَين، واللهُ أعلم).
وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
أي: هذا القرآن وما فيهِ من وعد ووعيد بلاغ لجميع الناس، كفاية في التذكير والموعظة، لينتفعوا بعظاته ويتعظوا بنذارته، وليوقنوا أنما إلههم إله واحد فيفردوه بالتعظيم والألوهية، وإنما يتذكر وينتفع بالذكرى أولو العقول والنهى.
قال ابن زيد: (﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾، قال: القرآن: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾، قال بالقرآن).
أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أبشروا أبشروا، أليسَ تشهدونَ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآنَ سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسّكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا]. (١)
تم تفسير سورة إبراهيم
بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
° ° °
стр. 2355
دروس ونتائج وأحكام
١ - ما أرسل رسول قط إلا بلسان قومهِ، فللهِ الحكمة البالغة.
٢ - المؤمن صبار في الضرّاء، وشكور في السرّاء، فهو بخير على كل حال.
٣ - كل الأقوام كذبوا رسلهم إلا من رحم الله، وأغلب الأمم كانت مؤمنة بالربوبية، كافرة بالألوهية.
٤ - الإيمان بالربوبية يقتضي الإيمان بالألوهية والأسماء والصفات.
٥ - كل الأقوام هددوا رسلهم بالنفي من الأرض.
٦ - الأعمال التي لا تبنى على توحيد الله وتعظيمهِ، إنما هي هباء منثور.
٧ - المؤمن كالنخلةِ، لا يزالُ يرفعُ لهُ عمل صالح في كل وقت وحين.
٨ - المؤمنون يثبتهم الله تعالى على الأصول الثلاثة في القبر، وينعمون فيه.
٩ - الكفار لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، ويعذبون في قبورهم.
١٠ - سؤال الملكين في القبر حق، ونعيم القبر وعذابه حق وصدق، وإنكارُ ذلكَ ضلال.
١١ - كل من بلغه الإسلام ولم يتبعهُ فقد بدل نعمة اللهِ وجحدها.
١٢ - نعم الله تعالى على عبادهِ لا تحصى، وقليل من عباد اللهِ الشكور.
١٣ - الظالمون لن يفلتوا من عدل الله، ولسوف يندمون ويبكون.
١٤ - الشرك: تكاد السماواتُ يتفطرن منه وتنشقُ له الأرض وتخرّ الجبال منه هدًّا.
١٥ - تبدّل الأرض يوم القيامة والسماوات، وبروز الجميع للواحد القهار، والقرآن أعظم بلاغ للناس، وما يذكرُ إلا أولو الألباب.
° ° °
стр. 2356
١٥ - سُورَةُ الحِجْرِ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩٩).
موضوع السورة
قصة الإنسان، وإغواء الشيطان
نصر الله المرسلين، وهلاك ثمود - أصحاب الحجر - كبقية الأقوام المجرمين.
- منهاج السورة -
١ - انتصار الله لكتابه الكريم، وإخبار عن الندامة التي ستلحق الكافريق، وتمنّيهم لو كانوا مسلمين.
٢ - تهديد ووعيد للمستكبرين، الذين هم في شهواتهم وملذاتهم يرتعون.
٣ - اتهام الكفار محمدًا بالجنون، وسؤالهم نزول الملائكة، وردّ الله عليهم، وتكفله تعالى بحفظ هذا الذكر العظيم.
٤ - تسلية الله رسوله بوصله بسنن المرسلين، وجهادهم أقوامهم المستهزئين.
٥ - تذكير الله عباده ببعض آياته البديعة من خلقه، السماء وطبقاتها ونجومها، والأرض وبَسْطها وجبالها ونباتها.
٦ - إثبات خزائن منافع العباد بيد الله تعالى، والرياح والأمطار والأرزاق والآجال والأعمال تمضي بأمره وهو الحكيم الخبير.
стр. 2357
٧ - إخبار الله عن خلق الإنسان من طين، والجان من نار السموم، وذِكْر امتثال الملائكة أمر الله تعالى السجود لآدم، إلا إبليس اعترته الحميّة، وتعزّز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، وسأل الله النظرة، فأعطاه الله ذلك امتحانًا للذرية إلى يوم الدين.
٨ - تَعهُّدُ إبليس إغواء ذرية آدم، وحماية الله عباده المخلصين، وجهنم ذات الأبواب السبعة موعد أتباع إبليس اللعين.
٩ - نَعْتُ الله حال المتقين، في خلودهم في جنات النعيم.
١٠ - ذِكْرُ الله خبر ضيوف إبراهيم، وإهلاك قوم لوط المجرمين.
١١ - انتقام الله من قوم شعيب وقوم صالح لما كفروا وكذبوا رسلهم.
١٢ - إثبات الله تعالى خلقه السماوات والأرض بالعدل والإنصاف، وأن الساعة قادمة، فالصفح أولى حتى يأتي أمر الله، واختصاص الله نبيه محمدًا ﷺ بفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم.
١٣ - الأمر بالصدع بالحق والجهر بالدعوة والله يكفيك - يا محمد - أمر المستهزئين.
١٤ - تسلية الله نبيّه لئلا يقع في الضيق مما يقولون، فإنهم سوف يعلمون.
١٥ - الاستعانة على الأمر ومشقة الطريق بالتسبيح والسجود والعبادة حتى مجيء الموت وهو اليقين.
° ° °
стр. 2358
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾.
في هذه الآيات: انْتِصارُ من الله تعالى لهذا الكتاب العظيم، وإِعْلامٌ منه سبحانه عن الندامة التي ستلحق الكافرين، وأنهم سيتمنّون يومًا لو كانوا مسلمين، وتَهْدِيْدٌ وَوَعِيدٌ للمستكبرين الذين يأكلون وينغمسون في ألوان الشهوات معرضين عن الحق وسنن الأولين، فإنه ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون.
فقوله: ﴿الر﴾. قد سبق بيان مفهوم ذلك من الحروف المقطعة أول السور وأنه دلالة على إعجاز هذا القرآن العظيم، الذي آياته وكلماته من جنس هذه الأحرف، ولا قدرة لأحد على معارضته ولا بسورة نحوه.
وعن مجاهد: (﴿الر﴾ فواتح يفتتح بها كلامه ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال: التوراة والإنجيل).
وقال قتادة: (﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن).
وقوله: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾. أي: وآيات قرآن بيّن الدلالة والهدى والرشاد. قال قتادة: (تبيّن والله هداه ورشده وخيره).
وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال ابن كثير: (إخبار عنهم أنهم سيندَمُون على ما كانوا فيه من الكفر، ويَتَمَنَّونَ لو كانوا مع المسلمين في الدنيا. ونقل السدِّي في تفسيره بسنَدِه المشهور عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة: أنَّ الكفار لما عُرِضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين. وقيل
стр. 2359
المرادُ أن كلَّ كافر يَوَدُّ عند احتضاره أن لو كان مؤمنًا. وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]). وقيل: هو في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين. وقال سعيد بن جبير: (إذا أُخْرِجَ أهلُ التوحيد من النار وأُدخلوا الجنة، يَوَدُّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين) - ذكره الترمذي.
قلت: وكل ما سبق محتمل ممكن يتسع له مفهوم الآية. وقرأ نافع وعاصم ﴿رُبَمَا﴾ مخفّف الباء، والباقون قرؤوها بالتشديد، وهما لغتان. أي يودّ الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين.
وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
تهديد ووعيد للكفار وهم يعيثون فسادًا في الأرض. أي: ذر يا محمد هؤلاء المشركين يأكلوا في هذه الدنيا وينغمسوا في ألوان الشهوات والملذات منشغلين بها عن طاعة الله وتعظيمه حتى تفجأَهم آجالهم ويروا العذاب.
وفي التنزيل: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]. ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].
قال الحسن: (ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل) - ذكره القرطبي ثم قال: (وصدق ﵁! فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى. وهذا أمر قد شوهِدَ بالعيان فلا يحتاج إلى بيان ولا يُطْلَب صَاحبه ببرهان، كما أن قصر الأمل يبعث على العمل، ويُحيل على المبادرة، ويحثّ على المسابقة).
ويروى عن أبي الدرداء ﵁ أنه قام على درج مسجد دمشق فقال: (يا أهل دمشق، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح، إنَّ من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرًا ويبنون مشيّدًا ويأملون بعيدًا، فأصبح جمعهم بُورًا وبنيانهم قبورًا وأملهم غرورًا. هذه عاد قد ملأت البلاد أهلًا ومالًا وخيلًا ورجالًا، فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين! وأنشد:
يا ذا المؤمل آمالًا وإن بَعُدَت ... منه ويزعم أن يحظى بأقصاها
أنَّى تفوز بما ترجوه وَيْكَ وما ... أصبحت في ثقة من نَيْل أدناها)
стр. 2360
أخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن من حديث ابن عمرو مرفوعًا: [نجا أوَّلُ هذه الأمة باليقين والزهد، ويَهلكُ آخرُها بالبُخْل والأمل] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾.
تنبيه لأهل مكة ولمن سار على منهاجهم في الكفر والطغيان وتكذيب الرسل: بأنه ما أهلك الله قرية إلا بعد إقامة حجّته البالغة على أهلها، وبأنه سبحانه لا يؤخر هلاك أمة حان أجل عقابها ونزول الدمار فيها.
وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
قال الزهري: (نرى أنه إذا حضر أجله، فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدّم، وأما ما لم يحضر أجله، فإن الله يؤخر ما شاء ويقدّم ما شاء).
وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ما يتقدّم هلاك أمة قبل أجلها الذي جعله الله أجلًا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي جعل لها أجلًا).
٦ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
في هذه الآيات: اتِّهامُ الكفار محمدًا ﷺ بالجنون، وتنطُّعهم بطلب نزول الملائكة تشهد له بالنبوة إن كان من الصادقين، وردُّ الله تعالى عليهم طلبهم بأن الملائكة إنما تنزل بالرسالة على النبيين، أو بالعذاب على المجرمين، وتأكيدُ الله سبحانه أن هذا القرآن أنزله وتكفل بحفظه ولو كره الكافرون.
وعن الضحاك: (﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ قال: القرآن).
قال النسفي: (﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يعنون محمدًا ﵇، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾).
стр. 2361
وقوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
أي: هلّا تأتينا بالملائكة شاهدة لك على صدق ما تقول إن كنت صادقًا في دعواك النبوة والرسالة واختيار الله لك بالوحي.
وفي التنزيل: - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢١, ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.
قال مجاهد: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، قال: بالرسالة والعذاب).
وهناك قراءات ثلاث متقاربات المعاني لقوله ﴿نُنَزِّلُ﴾. فقد قرأها قراء المدينة والبصرة "ما تَنَزَّلُ"، أي الفعل للملائكة. وقرأها بعض أهل الكوفة: "ما نُنَزِّل"، وبعضهم قرأها "ما تُنَزَّلُ".
قال ابن جرير: (فتأويل الكلام: ما ننزل ملائكتنا إلا بالحق، يعني بالرسالة إلى رسلنا، أو بالعذاب لمن أردنا تعذيبه، ولو أرسلنا إلى هؤلاء المشركين على ما يسألون إرسالهم معك آية فكفروا لم ينظروا فيؤخروا بالعذاب، بل عوجلوا به كما فعلنا ذلك بمن قبلهم من الأمم حين سألوا الآيات فكفروا حينِ أتتهم الآيات، فعاجلناهم بالعقوبة). وقال القاسمي: (﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ أي مُؤخَّرِين).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
تقرير وتأكيد أن هذا القرآن أنزله الله وتكفل حفظه من التغيير والتحريف والتبديل.
قال قتادة: (فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلًا ولا ينتقص منه حقًا، حفظه الله من ذلك). قال: (وقيل: الهاء في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من ذكر محمد ﷺ ، بمعنى: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه).
قال النسفي: (﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وهو ردّ لإنكارهم واستهزائهم في قولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾، ولذلك قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ فأكّد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو الذي نزله محفوظًا من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيًا، فوقع التحريف، ولم يكل
стр. 2362
القرآن إلى غير حفظه، وقد جعل قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ دليلًا على أنه منزل من عنده آية، إذ لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه. أو الضمير في "له" لرسول الله ﷺ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾).
وقال القاسمي: (﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي من كل مَنْ بغى له كيدًا. فلا يزال نور ذكره يسري، وبحر هداه يجري، وظلال حقّيّته في علومه تمتد على الآفاق، ودعائم أصوله الثابتة تطاول السبع الطباق، رغمًا عن كيد الكائدين، وإفساد المفسدين. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. وفي إيراد الجملة الثانية اسميةً، دلالة على دوام الحفظ).
قلت: والحفظ للذكر يتناول حفظ التأويل، وإقامة الحجة على مدار الزمان بصواب التفسير، وهذا يتضمن حفظ الوحي الثاني - ألا وهو السُّنة - المفسرة للوحي الأول: القرآن. كيف لا، وقد جاءت كلمة "الذكر" في موضع آخر من القرآن لتدل على ذلك.
قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
أي: وأنزلنا إليك السنة وهي السيرة، لتفسر بها للناس هذا القرآن.
قال الحافظ ابن كثير: (﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك وحرصك عليه).
فكلاهما في كِلاءة الله وحفظه، وقد تكفل الله بحماية فهم كتابه، ليبقى الدين بهذا النقاء والصفاء حجة الله على عباده.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن أبي سعيد الخدري قال: [كنا جلوسًا ننتظر رسولَ الله ﷺ ، فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلَّفَ عليها عليٌّ يَخْصِفُها، فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه، ثم قام ينتظره، وقمنا معه، فقال: "إنَّ منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله". فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: لا، ولكنه خاصف النعل. قال: فجئنا نبشِّرُه] (١).
وفي رواية: (إنّ منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله. فقام أبو بكر
стр. 2363
وعمر، فقال: لا، ولكن خاصف النعل، وعليٌّ يخصِفُ نعله).
وجاء في تدريب الراوي للسيوطي، وفي "الباعث الحثيث" شرح اختصار علوم الحديث، عن عبد الله بن المبارك: (وقد سئل: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾).
وجاء في: "الروض الباسم في الذّب عن سنة أبي القاسم" عن العلامة محمد بن إبراهيم الوزير قال: (﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله ﷺ لا تزال محفوظة، وسنّتَه لا تبرح محروسة).
وفي سنن أبي داود والبيهقي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة مَنْ يُجَدِّدُ لها دينها] وسنده صحيح (١).
وأخرج ابن عدي في الكامل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُهُ، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين] (٢).
١٠ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾.
في هذه الآيات: تَسْلِيةُ الله تعالى نبيّه بِوَصْلِهِ بسنن المرسلين، وقد جاؤوا أقوامهم بالبلاغ المبين، فكذبوهم وآذوهم واستهزؤوا بهم حتى طبع الله على قلوب المجرمين. فهم لا يؤمنون ولو أبصروا عظيم آيات الله في هذا الكون لقالوا نحن قوم مسحورون.
فعن ابن عباس: (﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: أمم الأولين). و ﴿شِيَعِ﴾ جمع شيعة، وشيعة الرجل: أولياؤه، والمقصود: تسلية النبي ﷺ عما
стр. 2364
يلقاه من تكذيب قومه، بأنه ما أتى رسولٌ قبله في أمة إلا استهزؤوا به وكذبوه وعاندوه، وسخروا به وبمن تبعه، وتمردوا وعتوا في الأرض بغيًا وكبرًا. وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
قال قتادة: (إذا كذبوا سلك الله في قلوبهم أن لا يؤمنوا به). وقال ابن جريج: (﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال: التكذيب). وقال الحسن: (الشرك). وقال ابن زيد: (هم كما قال الله، هو أضلهم ومنعهم الإيمان).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين بالاستهزاء بالرسل، كذلك نفعل ذلك في قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بالكفر بالله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يقول: لا يصدّقون بالذكر الذي أنزل إليك. والهاء في قوله: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ من ذكر الاستهزاء بالرسل والتكذيب بهم).
قلت: والآية دلالة على بعض عقوبات الله في حرمانه الهدى والهداية لمن استهزأ بفرصها وضيّعها، فإن للإيمان بالله ومتابعة الرسل مواسم وعزائم تتوجه نحو القلب فإن فوّتها ولم يكترث بها ربما لم تعد مرة أخرى، وكان الضياع والحرمان ثم الشقاء.
ففي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تَعْنون فتنةَ الرجل في أهله وماله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تِلكَ تُكفِّرُها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر التي تَموجُ موج البحر؟ قال حذيفة: فَأَسْكَتَ القومُ، فقُلتُ: أنا. قال: أنت لله أبوك؟ قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [تُعرض الفِتَنُ كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قَلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء، وأيُّ قَلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتةٌ بيضاء، حتى يصير على قلبين: على أبيضَ مثل الصفا فلا تضرّه فتنةٌ ما دامت السماواتُ والأرضُ، والآخر مُرْبادًّا كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفًا ولا يُنْكِرُ منكرًا، إلّا ما أُشرِبَ من هواه] (١).
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قال قتادة: (وقائع الله فيمن خلا قبلكم من الأمم). وقال النسفي: (مضت طريقتهم
стр. 2365
التي سنّها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسله، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.
أي: ولو أريناهم أكبر آية - نحو فتح باب من السماء - ويسرنا لهم معراجًا يصعدون فيه إليها، وأبصروا من عظيم الآيات والدلائل على وجوب إفراد الله تعالى بالتعظيم، والتصديق بالوحي الذي نزل على محمد ﷺ سيد المرسلين، لقالوا إنما هو شيء نتخايله لا حقيقة له، بل سحرنا محمد بذلك.
وعن مجاهد: (﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، قال: سُدّت أبصارنا). وقال قتادة، عن ابن عباس: (أخذت أبصارنا). وقال العوفي، عن ابن عباس: (شبِّهَ علينا، وإنما سُحِرْنا). وقال الكلبي: (عَمِيت أبصارنا). وقال ابن زيد: (﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، السكران الذي لا يَعْقِلُ). قال ابن جرير: (معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء على ما هو به، وذهب حدُّ إبصارها، وانطفأ نوره).
١٦ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: تَذْكيرُ الله تعالى عباده ببعض آياته البديعة من خلقه، فقد خَلَقَ السماء وجعلها سبع طبقات لكل منها ارتفاعها وملائكتها وأفلاكها، وَزَيَّنَ السماء الدنيا بالنجوم والكواكب الثواقب تبهر الناظرين، وتطرد بشهبها الشياطين، إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين، والأرض بسطها سبحانه ومهّدها وثبّتها بالجبال الشامخات وأنبت فيها من كل شيء بقدر معلوم، رزقًا للعباد وَلِمَنْ لَسْتُم له من الخلق برازقين.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال مجاهد: (كواكب). وقال قتادة: (وبروجها: نجومها).
وقوله: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها).
стр. 2366
وقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.
قال ابن عباس: (إن الشهب لا تقتل، ولكن تحرق وتخبل (١) وتجرح من غير أن تقتل).
والمقصود: أن الله تعالى قد حفظ السماء الدنيا من كل شيطان لعين أن يسترق الخبر يقضيه سبحانه في السماء، كما كانوا يفعلون قبل بعثة النبي ﵊، ولكن ربما خطف بعضهم جزءًا من الخبر قبل أن يحرقه الشهاب فيضيف عليه مئة كذبة فيصدق عند الجهال في الأرض بتلك الكلمة التي ألقاها إلى الساحر وأضاف لها ما أضاف من الكذب لتصبح قصة لها بداية ونهاية.
فقد أخرج البخاري في صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن أبي هريرة يبلغُ به النبي ﷺ قال: [إذا قضى الله الأمرَ في السماء ضَرَبت الملائكةُ بأجنحتها خُضْعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان - قال عليُّ: وقال غيرُه: صَفْوانٍ يَنْفُذُهُمْ، ذلكَ - فإذا فُزِّغَ عن قلوبِهم قالوا: ماذا قال ربّكُم؟ قالوا للذي قال: الحَقَّ وهو العليُّ الكبيرُ، فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُو السمع، ومسترِقُو السَّمع هكذا، واحِدٌ فوقَ آخرَ.- ووصف سفيانُ بيده وفرَّج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضَها فوْقَ بعض - فربَّما أدركَ الشِّهابُ المستَمِعَ قبل أن يَرْميَ بها إلى صاحِبهِ فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّما لم يُدْرِكْهُ حتى يَرْمِيَ بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسْفَلُ منه حتى يُلْقوها إلى الأرض - وَرُبَّما قال سفيانُ: حتى تنتَهِيَ إلى الأرض، فَتُلْقى على فَم السّاحر فَيَكْذِبُ معها مئة كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ فيقولون: ألم يُخْبِرْنا يَوْمَ كذا وكذا يكونُ كذا وكذا؟ فوجَدْناهُ حَقًّا - للكلمة التي سُمِعَتْ مِنَ السماء] (٢).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].
стр. 2367
وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. أي: دحوناها فبسطناها ومهدناها وجعلنا على بعض أجزائها الجبال الثابتات.
قال قتادة: (﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾. وقال في آية أخرى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. وذُكِرَ لنا أن أمّ القرى مكة، مِنْها دُحيت الأرض. قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ رواسيها: جبالها).
وقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾. يعني أنبت فيها سبحانه من الزروع والثمار المتناسبة.
قال ابن عباس: (أي: معلوم). وقال ابن زيد: (من كل شيء يُوزَنُ ويُقَدَّر بِقَدَر).
وقال ابن زيد: (ما تزِنهُ الأسواقُ).
قال القاسمي: (أي وزن بميزان الحكمة، وقُدِّرَ بمقدار تقتضيه، لا يصلح فيه زيادة ولا نقصان. أو بمعنى مستحسن متناسب من قولهم: كلام موزون).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.
المعايش: جمع معيشة. قال الحسن: (إنها الملابس). وقيل: (إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة) - قال الماوردي: (وهو الظاهر). قال القرطبي: (﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ يعني المطاعم والمشارب التي يعيشونَ بها).
وعن مجاهد: (﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قال: الدواب والأنعام). وقال منصور: (الوحش). قال ابن جرير: (وأحسن أن يقال: عني بقوله ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ من العبيد والإماء والدواب والأنعام).
قال ابن كثير: (والقصْدُ أنه تعالى يمتنّ عليهم بما يَسَّرَ لهم من أسباب المكاسب ووُجوه الأسباب وصُنوف المعايش، وبما سَخَّرَ لهم من الدواب التي يركبونها والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقُهم على خالقهم لا عَليهم، فلهم هو المنفعة، والرزق على الله تعالى).
٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ
стр. 2368
بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.
في هذه الآيات: إِثْباتُ خزائن منافع العباد بيد الله تعالى وإنما تصريف ذلك حسب مشيئته وحكمته جلت صفاته، وإِثْباتُ إرسال الله الرياح حوامل ملقحة تحمل الماء والتراب والخير والنفع الكثير، وكذلك المطر المنهمر والحياة والموت بأمر الله العزيز الكبير، الذي علم الأرزاق والآجال والأعمال والمرجع إليه وهو الحكيم الخبير.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.
أي: كل خزائن منافع العباد عند الله تعالى وهو ينزل من ذلك بحكمته وتقديره.
يروي ابن جرير بسنده عن أبي جحيفة، عن عبد الله، قال: (ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه عمن يشاء، ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾).
وفي لفظ، قال عبد الله بن مسعود: (ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه حيث شاء، عامًا ها هنا وعامًا ها هنا، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾).
قلت: فخزائن صنوف جميع الأشياء عند الله تعالى، ينزل منها بحكمته فيغطي بذلك حاجات عباده أو بعضها، أو يعاقبهم فيحرمهم من إنزالها، وينزل المعونة برحمته على قدر المؤنة، وينزل الفرج والصبر على قدر المصيبة.
يروي الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ المعونة تأتي من الله للعبد على قَدْر المؤنة (١)، وإن الصبر يأتي من الله على قدْر البلاء] (٢). وفي رواية: (على قدر المصيبة).
وفي لفظ آخر: [إنّ الله يُنزِلُ المعونة على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر البلاء].
стр. 2369
وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ - أي: حوامل، تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع الكثير. وهي في الحقيقة لاقحة ملقحة، ولقحها: حملها الماء وإلقاحها السحاب والشجر: عملها فيه. قال ابن مسعود: (يرسل الله الرياح فتحمل الماء، فتجري السحاب، فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر) - ذكره بسنده ابن جرير، ثم قال: (فقد بين عبد الله بقوله: يرسل الرياح فتحمل الماء أنها هي اللاقحة بحملها وإن كانت ملقحة بإلقاحها السحاب والشجر).
وعن الحسن: (﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: لواقح للشجر، قلت: أو للسحاب؟ قال: وللسحاب تمريه حتى يمطر).
وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾. قال القرطبي: (﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من السحاب. وكل ما علاك فأظلّكَ يسمى سماء. وقيل: من جهة السماء. ﴿مَاءً﴾ أي قطرًا. ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أي جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم).
وفي لغة العرب: سقيته الماء أي ليشرب هو، وأسقيته الماء: إذا جعلت له ماءً لشربه ولشرب أرضه وماشِيَتِه.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾. قال سفيان: (بِمَانِعين). قال ابن كثير: (ويَحتمِلُ أنّ المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزِلُه ونحفظُه عليكم، ونجعَلُه مَعِينًا وينابيعَ في الأرض، ولو شاء تعالى لأغارَه وذَهَبَ به، ولكن مِنْ رحمتِه أنزله وجعله عذبًا، وَحَفِظَهُ في العُيون والآبار والأنهار وغير ذلك، ليبقى لهم في طول السَّنةِ يشربون ويُسقُون أنعامَهُم وزُروعهم وثمارهم).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠].
أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما من عامٍ بأكثر مطرًا من
стр. 2370
عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾] (١).
وله شاهد عند البغوي في "معالم التنزيل" من حديث ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾.
قال النسفي: (أي نحيي بالإيجاد ونميت بالإفناء، أو نميت عند انقضاء الآجال ونحيي لجزاء الأعمال على التقديم والتأخير إذ الواو للجمع المطلق ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ الباقون بعد هلاك الخلق كلهم).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
قال عكرمة: (هم خلق الله كلهم، قد علم من خلق منهم إلى اليوم، وقد علم من هو خالقه بعد اليوم). وقال قتادة: (المستقدمين: من مضى، والمستأخرين: من بقي في أصلاب الرجال). وقال مجاهد: (من مات ومن بقي).
وكان الحسن يقول: (المستقدمون في طاعة الله، والمستأخرون في معصية الله).
وعن أبي الجوزاء قال: (المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة والمستأخرين).
قلت: وكل ما سبق داخل في تأويل هذه الآية، كما أن النّص الصحيح جاء في تأكيد التفسير في صفوف القوم في الصلاة.
فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [كانت امرأة تُصلي خلف رسول الله ﷺ ، حسناء من أحسن الناس، وكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لأن لا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع
стр. 2371
نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾] (١).
وله أصل من حديث سفيان الثوري، أخرجه الحاكم عن رجل عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: (﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: الصفوف المقدمة، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: الصفوف المؤخرة) (٢).
وأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح قال: [قال سهل بن حنيف الأنصاري: أتدرون فيم أنزلت: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ. .﴾ الآية؟ قلت: في سبيل الله، قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة] (٣).
وقد زعم ابن كثير ﵀ في الحديث السابق - حديث الترمذي - نكارة شديدة، ربما يعني أنه لا يعقل لأحد من المصلين التأخر للصف الآخر لينظر إلى امرأة. والجواب على ذلك بأن يقال: إذا ورد الأثر بطل النظر، ويحتمل عندئذ أن يكون الناس المستأخرون من المنافقين أو ممن أسلم حديثًا ولم ترسخ آداب الإسلام في سلوكهم.
ومن جهة أخرى، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمع أن المعنى المستفاد من سبب النزول يختلف قليلًا عما تدل عليه الآية بسباقها وسياقها، فإن عموم اللفظ يتسع لذلك، وقد اختار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀ حمل الآية على هذا العموم حيث قال: (وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء، والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله عمّ بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جلّ ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم وما كانوا يعملون ومن هو حيّ منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس! وأعمال جميعكم، خيرها وشرها، وأحصينا جميع ذلك، ونحن نحشرهم جميعهم فنجازي كلًا بأعماله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فيكون ذلك تهديدًا ووعيدًا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء، ولكل من تعدى حد الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعدًا لمن تقدّم في الصفوف لسبب النساء وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها).
стр. 2372
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
قال قتادة: (﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾: أي الأول والآخر). وقال عكرمة: (هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا). وعن عطاء، عن ابن عباس قال: (وكلهم ميت، ثم يحشرهم ربهم). وقال الحسن: (قال عليّ: قال داود: سمعت عامرًا يفسر قوله ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ يقول: إن ربك حكيم في تدبيره خلقه في إحيائهم إذا أحياهم، وفي إماتتهم إذا أماتهم، عليم بعددهم وأعمالهم، وبالحيّ منهم والميت، والمستقدم منهم والمستأخر). وقال قتادة: (كل أولئك قد علمهم الله، يعني المستقدمين والمستأخرين).
٢٦ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن خلقه الإنسان من صلصال من طين، والجان من نار السموم، وذِكْرُ خبر أمر الله الملائكة السجود لآدم وجدال إبليس المتكبر اللعين، الذي كتب الله عليه لعنته إلى يوم الدين، ثم أنظره فتنة للعالمين، إلى يوم الوقت المعلوم.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
قال ابن عباس: (خلق آدم من صلصال من حمأ ومن طين لازب، وأما اللازب: فالجيد، وأما الحمأ: فالحمأة، وأما الصَّلصال: فالتراب المرقَّق، وإنما سمي إنسانًا لأنه عهد إليه فنسي). وقال قتادة: (والصلصال: التراب اليابس الذي يسمع له
стр. 2373
صلصلة). أو قال: (الطين اليابس له صلصلة). والحمأ: جمع حَمأة، وهو الطين المتغيِّر إلى السواد. والمسنون الأملس.
والمقصود: أن الله تعالى خلق الإنسان الأول - آدم ﵇ من قبضة من تراب جمعها من كل ترب الأرض، فجعلها في يده كالصلصال من الطين المتغير - إلى السواد - الأملس.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٤, ١٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠].
وفي سنن أبي داود والترمذي بسند صحيح عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله خلقَ آدم من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيِّبُ، وبين ذلك] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.
أي: وكان خلق إبليس - وهو أبو الجن - من قبل خلق الإنسان، خلقه الله من نار السموم.
قال ابن عباس: (السموم الحارّة التي تقتل). وقال الضحاك: (من لهب النار).
وقيل: (من أحسن النار). قال ابن كثير: (ومقصود الآية التنبيه على شرف آدم ﵇، وطيب عنصره، وطهارة مَحْتِده (٢)).
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [خُلِقت الملائكة من نور، وخُلِقَ الجان من مارج من نار، وخُلِقَ آدم مما وصف لكم] (٣).
стр. 2374
ثم ذكر تعالى تنويهَه بذكر آدم ﵇ في ملائكته، وأمره لهم بالسجود له تشريفًا له وتكريمًا، وشمل الأمر إبليس الذي اعترته الحمية، وتعزّز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، فأتبعه الله السخطة واللعنة وطرده من الجنة والرحمة، فسأل الله النظرة، فأعطاه سبحانه النظرة، استكمالًا للبلية، واستحقاقًا للسخطة إلى يوم الدين. وقد مضى تفصيل ذلك في أول سورة البقرة، فلله الحمد والمنة.
٣٩ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.
في هذه الآيات: تَعَهُّدُ إبليس إغواء ذرية آدم إلا عباد الله المخلصين، الذين سيحميهم الله من محاولاته ومكره إلا من اتبعه من الغاوين. فإن جهنم موعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب قد كُتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس منه يلجون.
فقوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾. أي: بسبب إغوائك. وقيل: أقسم بإغواء الله له.
وقوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال ابن جرير: (لأحسننّ لهم معاصيك، ولأحببنّها إليهم في الأرض).
وقوله: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أي: لأصرفنهم عن سبيل الهدى والرشاد، إلى سبيل الغي والضلال.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال الضحاك: (يعني: المؤمنين). وقال قتادة: (هذه ثَنِيَّةُ الله تعالى ذكره).
وفي التنزيل:
﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].
ومن كنوز السنة المطهرة في آفاق مفهوم الآية أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح في الشواهد عن أبي سعيد
стр. 2375
- ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [إنّ الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث الحارث الأشعري عن النبي ﷺ قال: [وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعًا حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يَحْرِزُ نفسَهُ من الشيطان إلا بذكر الله تعالى] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: [إنّ الشيطان قد يَئِسَ أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتابَ الله، وسنّة نبيّه. . .].
وأصله في صحيح مسلم من حديث جابر بلفظ: [إن الشيطان قد أيسَ أن يَعْبُدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.
قال مجاهد: (الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرِّج على شيء). وقيل المعنى: المرجع إلى الله ثم الجزاء والحساب.
وعن ابن سيرين: (أنه كان يقرأ ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ يعني: رفيع).
واختار ابن جرير القراءة الأولى ﴿عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ وهي الأشهر.
стр. 2376
والخلاصة في تأويل الآية:
التأويل الأول: طريق الحق مرجعُها إلى الله تعالى، وإليه تنتهي، كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
التأويل الثاني: أي مرجعكم كُلّكُم إليّ، وهو تهديد وتوعد من الله لإبليس ومن تبعه - ثم أجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].
وكلاهما مما يحتمل من التأويل، ويتسع له البيان الإلهي المعجز.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
تأكيد على حماية الله تعالى عباده المؤمنين المخلصين من سبيل الشياطين.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه من الضلالة ممن غوى وهلك).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
تأكيد لمكان مستقر الطغاة والمجرمين، وهي جهنم موعد الكفار أجمعين.
قال ابن كثير: (أي: جهنّم موعدُ جميع من اتَّبعَ إبليس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]).
وقوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾.
إخبار من الله تعالى عن جهنم، أن لها سبعة أبواب، قد كُتب لكل باب منها جزءٌ من أتباع إبليس، اختارهم الله لذلك الباب لولوج جهنم منه حسب أعمالهم وتبعًا لجرائمهم. قال قتادة: (هي والله منازلُ بأعمالهم).
قلت: ونار جهنم كما أن لها سبعة أبواب، كذلك لها سبعون ألف زِمام (١).
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (٢).
стр. 2377
٤٥ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
في هذه الآيات: نَعْتُ الله حال المتقين، فهم يوم الخلود في جنات وعيون، يدخلونها بسلام آمنين، لا غل ولا حسد ولا حقد في قلوبهم على سرر متقابلين، لا يمسهم فيها أي تعب وما هم منها بمخرجين، فإن الله هو الغفور الرحيم، وإن عذابه هو العذاب الأليم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ - بيان للصورة المقابلة، فأهل النار في جحيم وسموم، وأهل الجنة في جنات وعيون. فإن جزاء التقوى الجنة.
وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.
قال ابن كثير: (﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾، أي: سالمين من الآفات، مُسَلّمًا عليكم، ﴿آمِنِينَ﴾ أي: من كل خوف وفزَع، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناءٍ).
قلت: ويدخل أولًا السابقون السابقون، ثم أصحاب اليمين.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: يروي الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أتعلمُ أولَ زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم؟ فقال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسبُ وإنما كانت أسيافنا
стр. 2378
على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس] (١).
وأما صفة دخول الزمر الجنة - فتدخل الزمرة الأولى، ثم الزمرة الثانية. وتفصيل ذلك:
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [أول زمرةٍ تَلِجُ الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصُقون فيها، ولا يمتخطون ولا يتغوَّطونَ، آنيتُهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامِرُهُم الألُوَّة، ورشْحُهم المِسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخُّ سُوقِها من وراء اللحم من الحُسْن، لا اختلاف بينهم ولا تباغُض، قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والثانية على لونٍ أحسنَ من كوكب دري في السماء، لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حُلّة، يبدو مُخُّ ساقها من ورائها] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
قال علي ﵁: (إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم).
قال النسفي: (﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ وهو الحقد الكامن في القلب، أي إن كان لأحدهم غل في الدنيا على آخر نزع الله ذلك في الجنة من قلوبهم وطيّب نفوسهم. قال: وقيل معناه: طهّر الله قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة ونزع منها كل غل وألقى فيها التوادد والتحابب ﴿إِخْوَانًا﴾ حال ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ كذلك قيل تدور بهم الأسِرّة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين يرى بعضهم بعضًا).
стр. 2379
أخرج البخاري وأحمد من حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: [يخلص المؤمنون من النار، فَيُحْبَسُون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقتصّ لبعضهم من بعض، مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقّوا أُذِنَ لهُم في دخول الجنة] (١).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.
أي: لا ينالهم تعب في الجنة، بل هم في راحة دائمة ولذة مستمرة، في إقامة سرمدية لا منغّصَ لها ولا قاطع.
والنصب: التعب والمشقة والأذى، وقد ورد ذكر نفي ذلك - في السنة - في شأن خديجة ﵂ في بيت خاص لها في الجنة.
فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال: [أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتَتْ معها إناء فيه إدامٌ أو طعامٌ أو شرَابٌ، فإذا هي أتَتْكَ فاقرأ ﵍ من ربِّها ومِنّي، وبَشِّرها بِبَيْتٍ في الجنة من قَصَبٍ، لا صَخبَ فيه ولا نَصَب] (٢).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [مَنْ يدخل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثيابُه ولا يَفْنى شبابُه] (٣).
وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.
جَمْعٌ بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، وعليهما بناء التوازن في العبادة.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن اللهَ خلَقَ الرَّحْمة يَوْمَ خلقها مِئَةَ رحْمة، فأمْسكَ عِنده تِسْعًا وتِسْعين رَحْمةً، وأرسَلَ في خلقِهِ كلّهم رحمة واحِدة، فلو يعلم الكافِر بكل الذي
стр. 2380
عند الله من الرحمة لم يَيْأَسْ من الجنة، ولو يَعْلمُ المؤمنُ بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمَنْ من النار] (١).
الحديث الثاني: أخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد مرفوعًا: [لو تعلمون قَدْرَ رحمةِ الله لاتكلتم عليها].
ورواه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر مرفوعًا: [لو تَعْلمون قَدْر رحمةِ الله ، لاتّكلتم وما عَمِلْتُم مِنْ عَمَلٍ، ولو عَلِمْتُم قَدْر غَضَبِهِ ما نفعكم شيء] (٢).
الحديث الثالث: أخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" بسند حسن عن أنس: [أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمّنه مما يخاف] (٣).
٥١ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْر الله خبر الملائكة الذين أرسلهم الله لاستئصال قوم لوط المجرمين، فنزلوا ضيوفًا عند إبراهيم، فخاف منهم فبشروه بغلام عليم، كما بشروه بهلاك قوم آثمين، وبنجاة آل لوط إلا امرأته كانت من الغابرين.
стр. 2381
فقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. أي: أخبر عبادي - يا محمد - عن الملائكة الذين دخلوا ضيفًا على إبراهيم ﵊، حين بعثهم الله لإهلاك قوم لوط المجرمين.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾.
إخبار من الله سبحانه عن الملائكة الذين نزلوا على إبراهيم الخليل ﷺ ، فباشروه بالسلام، لكنه ما لبث أن أوجس منهم خيفة حينما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل السمين الحنيذ الذي قرّبه إليهم ضيافة منه لهم. فقال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ - أي خائفون.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾.
أي قالوا له لا تخف، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وهو إسحاق ﵊.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
قال مجاهد: (عجب من كبره، وكبر امرأته).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾.
قال ابن جرير: (قال ضيف إبراهيم له: بشرناكَ بحقّ يقين، وعلم منَّا بأن الله قد وهب لكَ غلامًا عليمًا، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل الله، فييأسون منه، ولكن أبشر بما بشرناكَ به واقبل البشرى).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.
قال النسفي: (أي لم أستنكر ذلكَ قنوطًا من رحمته ولكن استبعادًا لهُ في العادة التي أجراها).
في التنزيل: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
ومن كنوز صحيح السنة في ذمِّ القنوط من رحمة الله حديثان:
الحديث الأول: يروي الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأمْنُ من مكر الله] (١).
стр. 2382
الحديث الثاني: روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوطُ من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله] (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾.
إِخْبارٌ من الله سبحانهُ عن سؤال إبراهيم لضيوفهِ - لما ذهب عنه الروع وجاءتهُ البشرى - عن سبب قدومهم ومجيئهم له، فأخبروه بإرسال الله تعالى لهم إلى قوم لوط المجرمين.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
قال ابن كثير: (أخبروه أنهم سينجّون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين. ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: الباقين المُهْلكين).
٦١ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾.
في هذه الآيات: وصول الملائكة إلى لوط ﵊ فأنكرهم ولم يعرفهم، فأخبروهُ بأمرهم ومهمّتهم، وأمروه بالخروج بأهله ليلًا فإن موعد القوم الصبح فقد قضي فيه انتهاء أمرهم.
فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾.
إخبار من الله عن إنكار لوط ﵇ للملائكة المرسلين في صورة شبابٍ حسانِ الوجوه، أي: إنه أنكرهم ولم يعرفهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ - قال مجاهد: (بعذاب قوم
стр. 2383
لوط). قال ابن جرير: (فقالت له الرسل: بل نحن رسل الله جئناكَ بما كانَ فيه قومكَ يشكون أنه نازل بهم من عذاب الله على كفرهم به).
وقوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
أي: أتيناكَ يا لوط باليقين من الله - أن العذاب نازل بقومكَ المجرمين - وإنا لصادقون في خبرنا ذلكَ لك.
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾.
هو أمر الله للوط قبل حلول ساعة الانتقام: أن سر بأهلك ببقية من الليل، وكن من ورائهم وهم أمامكَ ولا يلتفت منكم وراءه أحد. قال مجاهد: (﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لا يلتفت وراءه أحد، ولا يُعَرِّج). وقال قتادة: (﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ قال: أُمِرَ أن يكونَ خلف أهلهِ، يتبعُ أدبارهم في آخرهم إذا مشوا).
قال ابن كثير: (يمشي وراءهم، ليكون أحفظَ لهم. وهكذا كانَ رسول الله ﷺ : يمشي في الغَزاة بما كان يكونُ ساقةً، يُرجي الضعيف، ويَحملُ المُنْقَطِع. وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تَلتفِتُوا إليهم، وذرُوهم فيما حلَّ بهم من العذاب والنكال، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُون﴾، كأنه كان معهم من يهديهم السبيل).
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾.
أي: تقدّمنا إليه في هذا أن دمارهم وقت الصباح، وفرغنا له من ذلكَ الأمر. قال ابن زيد: (أوحينا إليه). وقال ابن عباس: (قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يعني: استئصال هلاكهم مصبحين).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١].
٦٧ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ
стр. 2384
بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾.
في هذه الآيات: مَجِيءُ أهل سدوم طمعًا بالحصول على أضياف لوط لفاحشتهم، واستِنْكارُ لوط ﷺ على قومه ونصيحته لهم، ولكنهم أصروا على المضي في طلبهم، فأتاهم أمر الله فدمَّر عليهم بلدتهم، وأمطرهم حجارة من السماء وجعلهم عبرة لمن بعدهم.
فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. أي: قدم أهل مدينةِ سدوم طمعًا بضيف لوط. قال قتادة: (استبشروا بأضياف نبيّ الله ﷺ لوط، حين نزلوا لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾.
أي: قال لهم لوط هؤلاء أضيافي فلا تُخْجِلون، وخافوا الله في عملكم ولا تذلوني ولا تهينوني فيهم بالتعرض للنيل منهم بمكروه. قال القرطبي: (يجوز أن يكون من الخزي وهو الذل والهوان، ويجوز أن يكون من الخَزاية وهو الحياء والخجل).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (ألم ننهكَ أن تضيف أحدًا). والمقصود أحد تأويلين:
١ - ألم ننهكَ عن استضافةِ الغرباء - وكانوا يقصدونهم لفاحشتهم.
٢ - أو لم ننهكَ عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
قال قتادة: (أمرهم نبيّ الله لوط أن يتزوجوا النساء، وأراد أن يَقِيَ أضيافهُ ببناته).
والمقصود: أرشدهم لوط ﷺ إلى نسائهم وإلى الزواج وترك الحرام، وربما كنى ببناته عن بنات قومهِ، وقد تقدم بيان ذلكَ في سورة هود.
وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
أي: أقسم تعالى بحياة نبيّه ﷺ أن القوم كانوا غافلين عما ينتظرهم من العذاب، وكذلكَ قومكَ يا محمد لو أصروا على تكذيبكَ ومخالفتكَ.
стр. 2385
قال ابن عباس: (ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرمَ على الله من محمد ﷺ ، وما سمعتُ الله أقسم بحياةِ أحد غيره، قال اللهُ تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾). وعن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: (ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ ، قال: وحياتكَ يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾). أو قال: (لَعَيْشُك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يَتَمادَوْن). وهي كلمة من كلام العرب، لفي سكرتهم: أي في ضلالتهم يعمهون: أي يلعبون). وقال الأعمش: (لفي غفلتهم يتردّدون).
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. أي: فأخذتهم صاعقة العذاب عند شروقهم. قال ابن جريج: (حين أشرقت الشمس، ذلكَ مشرقين).
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
أي: فرفعنا القرية وقلبناها بمن فيها، بعد مجيء الصوت القاصف عند شروق الشمس، فجعلنا عالي أرضهم سافلها، وأمطرناهم بحجارة من طين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
قال مجاهد: (للمتفرسين). وقال ابن عباس: (للناظرين). وقال قتادة: (للمعتبرين). قال ابن كثير: (أي: إنّ آثار هذه النِّقم ظاهرةٌ على تلكَ البلاد لمن تأمَّلَ ذلكَ وتَوَسَّمَهُ بعين بَصَره وبصيرته).
أخرج البزار والطبراني بسند جيد عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : [إنّ لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسُّم] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾.
قال قتادة: (بطريق واضح). وقال مجاهد: (مَعْلَم).
والمقصود: أن قرية سَدُوم التي حلَّ بها قوم لوط ونشروا فيها فاحشتهم وقلبها الله فوق رؤوسهم وقذفهم بالحجارة حتى أصبحت بحيرة خبيثة منتنة، هي قرية معلومة لقومكَ يا محمد، مستمرة إلى اليوم بطريق معلم واضح.