← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

فقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. أي: أخبر عبادي - يا محمد - عن الملائكة الذين دخلوا ضيفًا على إبراهيم ﵊، حين بعثهم الله لإهلاك قوم لوط المجرمين. وقوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾. إخبار من الله سبحانه عن الملائكة الذين نزلوا على إبراهيم الخليل ﷺ ، فباشروه بالسلام، لكنه ما لبث أن أوجس منهم خيفة حينما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل السمين الحنيذ الذي قرّبه إليهم ضيافة منه لهم. فقال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ - أي خائفون. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾. أي قالوا له لا تخف، ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]، وهو إسحاق ﵊. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾. قال مجاهد: (عجب من كبره، وكبر امرأته). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾. قال ابن جرير: (قال ضيف إبراهيم له: بشرناكَ بحقّ يقين، وعلم منَّا بأن الله قد وهب لكَ غلامًا عليمًا، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل الله، فييأسون منه، ولكن أبشر بما بشرناكَ به واقبل البشرى). وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. قال النسفي: (أي لم أستنكر ذلكَ قنوطًا من رحمته ولكن استبعادًا لهُ في العادة التي أجراها). في التنزيل: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. ومن كنوز صحيح السنة في ذمِّ القنوط من رحمة الله حديثان: الحديث الأول: يروي الطبراني ورجاله ثقات عن ابن عباس: [أن رسول الله ﷺ سئل عن الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، واليأسُ من رَوْح الله، والأمْنُ من مكر الله] (١).

стр. 2382

الحديث الثاني: روى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود قال: [أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوطُ من رحمة الله، واليأسُ من رَوْح الله] (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾. إِخْبارٌ من الله سبحانهُ عن سؤال إبراهيم لضيوفهِ - لما ذهب عنه الروع وجاءتهُ البشرى - عن سبب قدومهم ومجيئهم له، فأخبروه بإرسال الله تعالى لهم إلى قوم لوط المجرمين. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أخبروه أنهم سينجّون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين. ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: الباقين المُهْلكين). ٦١ - ٦٦. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾. في هذه الآيات: وصول الملائكة إلى لوط ﵊ فأنكرهم ولم يعرفهم، فأخبروهُ بأمرهم ومهمّتهم، وأمروه بالخروج بأهله ليلًا فإن موعد القوم الصبح فقد قضي فيه انتهاء أمرهم. فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. إخبار من الله عن إنكار لوط ﵇ للملائكة المرسلين في صورة شبابٍ حسانِ الوجوه، أي: إنه أنكرهم ولم يعرفهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ - قال مجاهد: (بعذاب قوم

стр. 2383

لوط). قال ابن جرير: (فقالت له الرسل: بل نحن رسل الله جئناكَ بما كانَ فيه قومكَ يشكون أنه نازل بهم من عذاب الله على كفرهم به). وقوله تعالى: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. أي: أتيناكَ يا لوط باليقين من الله - أن العذاب نازل بقومكَ المجرمين - وإنا لصادقون في خبرنا ذلكَ لك. وقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾. هو أمر الله للوط قبل حلول ساعة الانتقام: أن سر بأهلك ببقية من الليل، وكن من ورائهم وهم أمامكَ ولا يلتفت منكم وراءه أحد. قال مجاهد: (﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لا يلتفت وراءه أحد، ولا يُعَرِّج). وقال قتادة: (﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ قال: أُمِرَ أن يكونَ خلف أهلهِ، يتبعُ أدبارهم في آخرهم إذا مشوا). قال ابن كثير: (يمشي وراءهم، ليكون أحفظَ لهم. وهكذا كانَ رسول الله ﷺ : يمشي في الغَزاة بما كان يكونُ ساقةً، يُرجي الضعيف، ويَحملُ المُنْقَطِع. وقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾، أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تَلتفِتُوا إليهم، وذرُوهم فيما حلَّ بهم من العذاب والنكال، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُون﴾، كأنه كان معهم من يهديهم السبيل). وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾. أي: تقدّمنا إليه في هذا أن دمارهم وقت الصباح، وفرغنا له من ذلكَ الأمر. قال ابن زيد: (أوحينا إليه). وقال ابن عباس: (قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يعني: استئصال هلاكهم مصبحين). وفي التنزيل: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. ٦٧ - ٧٧. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ

стр. 2384

بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾. في هذه الآيات: مَجِيءُ أهل سدوم طمعًا بالحصول على أضياف لوط لفاحشتهم، واستِنْكارُ لوط ﷺ على قومه ونصيحته لهم، ولكنهم أصروا على المضي في طلبهم، فأتاهم أمر الله فدمَّر عليهم بلدتهم، وأمطرهم حجارة من السماء وجعلهم عبرة لمن بعدهم. فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. أي: قدم أهل مدينةِ سدوم طمعًا بضيف لوط. قال قتادة: (استبشروا بأضياف نبيّ الله ﷺ لوط، حين نزلوا لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر). وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾. أي: قال لهم لوط هؤلاء أضيافي فلا تُخْجِلون، وخافوا الله في عملكم ولا تذلوني ولا تهينوني فيهم بالتعرض للنيل منهم بمكروه. قال القرطبي: (يجوز أن يكون من الخزي وهو الذل والهوان، ويجوز أن يكون من الخَزاية وهو الحياء والخجل). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (ألم ننهكَ أن تضيف أحدًا). والمقصود أحد تأويلين: ١ - ألم ننهكَ عن استضافةِ الغرباء - وكانوا يقصدونهم لفاحشتهم. ٢ - أو لم ننهكَ عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. قال قتادة: (أمرهم نبيّ الله لوط أن يتزوجوا النساء، وأراد أن يَقِيَ أضيافهُ ببناته). والمقصود: أرشدهم لوط ﷺ إلى نسائهم وإلى الزواج وترك الحرام، وربما كنى ببناته عن بنات قومهِ، وقد تقدم بيان ذلكَ في سورة هود. وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أي: أقسم تعالى بحياة نبيّه ﷺ أن القوم كانوا غافلين عما ينتظرهم من العذاب، وكذلكَ قومكَ يا محمد لو أصروا على تكذيبكَ ومخالفتكَ.

стр. 2385

قال ابن عباس: (ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرمَ على الله من محمد ﷺ ، وما سمعتُ الله أقسم بحياةِ أحد غيره، قال اللهُ تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾). وعن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: (ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ ، قال: وحياتكَ يا محمد وعمرك وبقائك في الدنيا ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾). أو قال: (لَعَيْشُك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يَتَمادَوْن). وهي كلمة من كلام العرب، لفي سكرتهم: أي في ضلالتهم يعمهون: أي يلعبون). وقال الأعمش: (لفي غفلتهم يتردّدون). وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾. أي: فأخذتهم صاعقة العذاب عند شروقهم. قال ابن جريج: (حين أشرقت الشمس، ذلكَ مشرقين). وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. أي: فرفعنا القرية وقلبناها بمن فيها، بعد مجيء الصوت القاصف عند شروق الشمس، فجعلنا عالي أرضهم سافلها، وأمطرناهم بحجارة من طين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾. قال مجاهد: (للمتفرسين). وقال ابن عباس: (للناظرين). وقال قتادة: (للمعتبرين). قال ابن كثير: (أي: إنّ آثار هذه النِّقم ظاهرةٌ على تلكَ البلاد لمن تأمَّلَ ذلكَ وتَوَسَّمَهُ بعين بَصَره وبصيرته). أخرج البزار والطبراني بسند جيد عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : [إنّ لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسُّم] (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾. قال قتادة: (بطريق واضح). وقال مجاهد: (مَعْلَم). والمقصود: أن قرية سَدُوم التي حلَّ بها قوم لوط ونشروا فيها فاحشتهم وقلبها الله فوق رؤوسهم وقذفهم بالحجارة حتى أصبحت بحيرة خبيثة منتنة، هي قرية معلومة لقومكَ يا محمد، مستمرة إلى اليوم بطريق معلم واضح.

стр. 2386

كما في التنزيل: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧, ١٣٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: إن في هلاكهم لعبرة للمؤمنين على مر الدهور وتعاقب الأيام. قال القرطبي: (أي: لعبرة للمصدِّقين). ٧٨ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن ظلم قومِ شعيب وانتقامهِ منهم، وكذلكَ ثمود قوم صالح أصحاب الوادي المعرضين عن آيات ربهم، فأخذتهم صيحة الهلاك وما أغنت عنهم بيوتهم ولا أموالهم ولا قوتهم. فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾. المقصود: قوم شعيب وما كانوا عليه من ظلم. قال سعيد بن جبير: (أصحاب الأيكةِ: أصحاب غَيْضة). وقال الضحاك: (هم قوم شعيب، والأيكة: الغيضة). وقال قتادة: (والأيكة: الشجر الملتف). قال ابن كثير: (وكان ظُلمُهم بشركهم باللهِ وقطعهم الطريق، ونَقصِهم المكيال والميزانَ، فانتقم الله منهم بالصيحة والرَّجفة وعذاب يوم الظُّلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بَعْدَهم في الزمان، ومُسَامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: طريق مبين. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: طريق ظاهر. ولهذا لما أنذر شعيب قومهُ قال في نِذَارَتِهِ إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]). وقال ابن جرير: (﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يقول: وإن مدينة أصحابِ الأيكة، ومدينة قوم لوط. . لبطريق يأتمون بهِ في سفرهم، ويهتدونَ به ﴿مُبِينٍ﴾ يقول: يبينُ لمن ائتمَ به استقامتهُ، وإنما جعل الطريق إمامًا لأنه يُؤَمّ ويُتَّبع).

стр. 2387

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾. المقصود: ثمود قوم صالح ﵇. قال قتادة: (أصحاب الحجر: أصحاب الوادي). وقال النسفي: (هم ثمود والحجر واديهم وهو بين المدينة والشام، ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني بتكذيبهم صالحًا، لأن كل رسول كان يدعو إلى الإيمان بالرسل جميعًا، فمن كذَّب واحدًا منهم فكأنما كذبهم جميعًا). وقال القاسمي: (ومن كذب واحدًا من الأنبياء ﵈، فقد كذب الجميع. لاتفاقهم على التوحيد والأصول التي لا تختلفُ باختلاف الأمم والأعصار). وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. قال القرطبي: (المراد الناقة، وكان فيها آيات جَمَّة: خروجها من الصخرة (١)، ودُنُوُّ نتاجها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى تكفيهم جميعًا. ويحتمل أنه كان لصالح آيات أخر سوى الناقة، كالبئر وغيره. ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي لم يعتبروا). وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾. أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، وإنما هو أشر وبطر، وعبثٌ وتكبّر، يظنون أن تلكَ البيوت تدفع عنهم عذاب الله. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فأخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا من اليوم الرابع من اليوم الذي وُعدوا العذاب، وقيل لهم: تمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام. . . يقول: فما دفع عنهم عذاب الله ما كانوا يجترحون من الأعمال الخبيثةِ قبل ذلك). وقال ابن كثير: (﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. أي: ما كانوا يستغلّونهُ من زروعهم وثمارهم التي ضَنّوا بمائها عن الناقةِ، حتى عقروها لئلا تُضيِّقَ عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلكَ الأموال، ولا نفعتهم لمَّا جاء أمرُ ربك). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بتوصيات تخص الأقوام السابقة التي دكّها الله

стр. 2388

بالعذاب، ذكرها رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك حين بلغ ديار ثمود: الوصية الأولى: لا تجوز السياحة في أماكن هلاك الأمم التي أنزل اللهُ بها عذابه. أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي كبشة الأنماري قال: [لما كان في غزوة تبوك تسارع الناسُ إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلكَ رسول الله ﷺ فنادى في الناس: الصلاة جامعة، قال: فأتيتُ رسول الله ﷺ وهو ممسك بعيره وهو يقول: ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم، فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله! قال: أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ ! رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسدّدوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا وسيأتي قوم لا يَدفعون عن أنفسهم بشيء] (١). الوصية الثانية: عبور تلك الأماكن عند الحاجة بسرعة وبكاء وتغطية للرؤوس. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لأصحابهِ - يعني لما وصلوا الحِجْر: وهي ديار ثمود فيما بين المدينة والشام -: [لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكينَ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم] (٢). وفي رواية: (ثم قَنَّعَ رسول الله ﷺ رأسهُ وأسرع السير حتى أجاز الوادي). وفي لفظ للبخاري: (ثم تَقَنَّعَ بردائه وهو على الرَّحل). وفي لفظ لمسلم: (ثم زجَرَ فأسرع حتى خَلّفَها). قال ابن القيم في "زاد المعاد" (٣/ ٥٦٠): (ومن هذا إسراعُ النبي ﷺ السير في وادي مُحَسِّر بين مِنَى وعَرَفة، فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه). والخلاصة: إن أماكن العذاب تركها الله في الأرض ليعتبر البشر، فلا ينبغي المشي فيها والسياحةُ خلال آثارها، بل الأليق بها أن يمر المسلم فيها مسرعًا خائفًا من الله أن ينزل بأمته ما أنزل بتلك الأمم، من المصائِب والدمار والنقم.

стр. 2389

الوصية الثالثة: عدم الشرب من بقية مياه تلك الأقوام أو استخدامها في الوضوء أو صنع الطعام. ففي صحيح مسلم عن نافع أن عبدَ الله بن عمر أخبره: [أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحِجْرِ أرضِ ثمود فاستقوا من آبارها، وعجنوا بهِ العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يُهريقوا ما استقوا، ويَعْلِفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقةُ] (١). ٨٥ - ٩٣. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. في هذه الآيات: إِثْباتُ الله تعالى خلقه السماوات والأرض بالعدل والإنصاف، وأنَّ الساعة قادمةٌ فاصبر - يا محمد - على الدعوة واصفح الصفح الجميل. فربكَ الخلّاقُ لا يعجزهُ شيء وسيجمعُ الناس من قبورهم إلى مشهدِ الحشر الكبير. لقد آتاكَ ربكَ فاتحة هذا القرآن العظيم، وهي أعظم سورةٍ في الكتاب الكريم، فلا تتمنّين ما بأيدي بعض القوم من الزينةِ الفانية والمتاع الزائل المهين. وتواضع لمن تبعكَ من المؤمنين، وقل لمشركي قومك: إنما أنا نذير لكم مبين، أنذركم نحو العقاب الذي أنزلهُ الله تعالى على الأمم السابقة التي اقتسمت القرآن المنزل عليها فآمنت ببعضه وكفرت ببعض وسيسألهم ربهم أجمعين، عما كانوا يعملون.

стр. 2390

فقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ﴾. أي: وما كان من خلق للسماوات والأرض وما بينهما مما في أطباق ذلكَ إلا بالعدل والإنصاف، لا بالظلمِ والجَور. قال ابن جرير: (وإنما يعني تعالى ذكره بذلكَ: أنهُ لم يظلم أحدًا من الأمم التي اقتصّ قَصَصَها في هذه السورة، وقصص إهلاكهِ إياها بما فعل به من تعجيلِ النقمة له على كفره به، فيعذّبه ويهلكه بغيرِ استحقاق، لأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما بالظلم والجور، ولكنهُ خلق ذلكَ بالحق والعدل). وفي التنزيل مما يشبهُ ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥, ١١٦]. وقوله: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. أي: والساعة قادمة فاعف عمن آذاك منهم واصفح، وأعرض عنهم إعراضًا جميلًا. كما في التنزيل: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]. وعن مجاهد: (﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ قال: هذا قبل القتال). وعن قتادة: (ثم نسخ ذلكَ بعد، فأمره الله تعالى ذكره بقتالهم، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدهُ ورسوله، لا يقبلُ منهم غيره). ولا شكَّ أن هذه الآية مكية، وشرع القتال بعد الهجرة، فيكون المفهومُ كما ذهب مجاهد وقتادة أنه يرجع لأول الأمر، ثم نسخ الأمر بقتال المشركين. وقوله تعالى. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. تَأْكِيدٌ لأمر قيام الساعة الذي يكذب به المشركون، فالله تعالى هو الخلّاقُ لا يعجزهُ شيء، وهو القادر على جمع الأجساد بعد تفرقها في تراب الأرض.

стр. 2391

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨١ - ٨٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. وفي سنن ابن ماجه ومسند أحمد بسند صحيح عن بسر بن جحاش القرشي مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: [يقول الله: يا ابن آدم أنّى تعجزني وقد خلقتكَ من مثل هذه، حتى إذا سويتكَ وعدَّلتكَ مشيتَ بين بردتين وللأرض منكَ وئيد - يعني شكوى - فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنّى أوان الصدقة] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. قال قتادة: (ذُكِرَ لنا أنهنّ فاتحةُ الكتاب، وأنهن يُثَنَّيْنَ في كل قراءة). وفي رواية: (في كل ركعة مكتوبة أو تطوُّع). وَرُوِيَ ذلكَ عن عُمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، قال ابن عباس: (والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصّكم اللهُ بها). وقيل: السبع المثاني هي السبع الطوال، والقول الأول أصح وبه جاءت الأحاديث الصحيحة: الحديث الأول: أخرج الدارقطني والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قرأتم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فاقرؤوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إنها أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسبع المثاني، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إحداها] (٢). وفي رواية: (إحدى آياتها).

стр. 2392

الحديث الثاني: روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المُعَلَّى قال: [كنتُ أصلي في المسجد فدعاني النبي ﷺ فلم أجبه حتى صليت ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله! إني كنتُ أصلي، قال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ ثم قال: ألا أعلمكَ أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرجَ من المسجد؟ فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله! إنكَ قلتَ لأعلمنكَ أعظمَ سورةٍ من القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته] (١). الحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [الحمدُ لله رب العالمين، أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم] (٢). وفي رواية للبخاري بلفظ: [أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم]. قال ابن كثير: (فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا يُنافي وصفَ غيرها من السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا يُنافي وصفَ القرآنِ بكمالهِ بذلكَ أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فهو مثاني من وجه، ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا). وقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. قال مجاهد: (الأغنياء الأمثال الأشباه). وقال ابن عباس: (يُنهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه). قال ابن جرير: (يقول: لا تَتَمَنَّيَنَّ يا محمد ما جعلنا من زينة هذه الدنيا متاعًا للأغنياء من قومكَ، الذين لا يؤمنون باللهِ واليوم الآخر، يتمتعونَ فيها، فإن منْ ورائهم عذابًا غليظًا).

стр. 2393

وقال القرطبي: (ومعنى ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: أمثالًا في النعم، أي الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى، فهم أزواج). والمقصود: توجيه الله تعالى نبيهُ ﷺ إلى الاستغناء بهذا القرآن عما في أيدي القوم من زينة الدنيا الفانية، ومتاعها الزائل. وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾. قال النسفي: (أي لا تتمن أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام والمسلمون). وقيل: لا تحزن عليهم إن صاروا إلى العذاب فهم أهل للعذاب. وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القاسمي: (أي تواضع لمن معكَ من فقراء المؤمنين وضعفائهم. وطب نفسًا عن إيمان الأغنياء والأقوياء). وأصل خفض الجناح من فعل الطائر، فإنه إذا ضمّ فرخه إليهِ بسط جناحهُ ثم قبضه على الفرخ، فكان ذلكَ مثلًا لتقريب الإنسان أتباعه. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾. أي: قل يا محمد لمشركي قومكَ: إنما أنا نذير لكم قد أبان إنذارهُ لكم من البلاء وما يُنتظر من العقاب للمتمادين في الشرك والكفر والضلال، مثل العقاب الذي أنزله تعالى على الأمم السابقة التي اقتسمت القرآن المنزل عليها فآمنت ببعضه وكفرت ببعض. قال ابن عباس: (هم اليهود والنصارى، آمنوا ببعض، وكفروا ببعض). وقال أيضًا: (هم أهل الكتاب، جزؤوهُ فجعلوه أعضاء أعضاء، فآمنوا ببعضهِ، وكفروا ببعضه). وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، قال: هم أهل الكتاب، جزؤوه أجزاءً، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه). وقيل: (﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾، أي: المتحالفين. الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم).

стр. 2394

كما في التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩]. وذلكَ في شأن قوم صالح. قال مجاهد: (تقاسموا: تحالفوا). وقال ابن زيد: (المقتسمون أصحاب صالح، الذين تقاسموا باللهِ لنبيتنه وأهله). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. والخلاصة: كان من شأنِ المشركين في الأمم التي أرسل ديها الرسل أنهم لا يكذبون بشيء إلا أقسموا عليه، فسُمُّوا مقتسمين. وهم الذين جعلوا القرآن المنزل عليهم أعضاء يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه حسب أهوائهم، فجاء نبينا محمد ﷺ ينذر أمتهُ بأمر من الله سبحانهُ ويحذرها من تقليد صنيع تلك الأمم. وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إنما مثلي ومثلُ ما بعثني اللهُ بهِ كمثل رجلٍ أتى قومهُ فقال: يا قوم، إني رأيتُ الجيشَ بعينيَّ، وإني أنا النذيرُ العريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ! فأطاعهُ طائفة من قومهِ فأدلجوا وانطلقوا على مَهْلهم فنجوا، وكذَّبه طائفةٌ منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيشُ فأهلَكهم واجتاحَهُمْ. فذلكَ مثلُ من أطاعني واتَّبعَ ما جئتُ بهِ، ومثلُ من عصاني وكذّب ما جئتُ به من الحق] (١). وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال مجاهد: (عن لا إله إلا الله). وقال أبو العالية: (يُسألُ العبادُ كلهم عن خَلَّتين يوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا المرسلين). قال البخاري: (وقال عِدة من أهل العلم في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عن لا إله إلا الله). قال النسفي: (أقسم بذاته وربوبيتهِ ليسأنن يوم القيامة واحدًا واحدًا من هؤلاء المقتسمين عما قالوه في رسول الله ﷺ أو في القرآن أو في كتب الله).

стр. 2395

وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: [لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابهِ فيم أبلاه، ومالهِ من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وماذا عملَ فيما علم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله يُدني المؤمن فيضع عليه كنَفَهُ (٢) ويسترُه فيقول: أتعرفُ ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قَرَّرَهُ بذنوبه، ورأى في نفسهِ أنه قد هلكَ، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾] (٣). الحديث الثاني: روى النسائي ورجالهُ ثقات عن أنس مرفوعًا: [إن الله سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ، أحَفِظَ ذلكَ أم ضَيَّعَ؟ حتى يسأل الرجلَ عن أهل بيتهِ] (٤).

стр. 2396

٩٤ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾. في هذه الآيات: مَجِيءُ أمر الله تعالى إلى رسوله ﷺ وهو بمكة بالصدع بالحق والجهر بالدعوة والخروج إلى الناس فقد كفاكَ ربك أمر المستهزئين، الذين أصروا أن يعيشوا مشركين، فأنت في حماية ربك فلا يضيق صدركَ بما يقولون، واستعن على أمر ربكَ بالتسبيحِ والسجود واعبد ربكَ حتى يأتيكَ الموت وهو اليقين. قال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود: (ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه). وقال الفراء: (أراد فاصدع بالأمر أي أظهر دينك). وأصل الصَّدْع في كلام العرب: الشَّقُّ، وتَصَدَّع القوم أي: تفرقوا، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي يتفرقون يوم القيامةِ فريقًا في الجنةِ وفريقًا في السعير. فالآيةُ لها تأويلان محتملان: التأويل الأول: أي فرّق جمعهم وكلمتهم يا محمد بأن تدعوهم إلى التوحيد، اصدع القوم بهذا الوحي فريقين، فإنهم يتفرقون بأن يجيبَ بعضهم ويعاند آخرون. قال القرطبي ﵀: (أي تتصدع جماعة الكفار). التأويل الثاني: الصدع بمعنى الجهر. قال الرازي: (وصدع بالحق تكلم به جهارًا). ومنه قول ابن عباس: (﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾، يقول: فأمضه. يقول: افعل ما تؤمر). وقال مجاهد: (﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: أي: بالقرآن. اجهر بالقرآن في الصلاة). قال ابن القيم ﵀: (دعا رسول الله ﷺ إلى الله مستخفيًا ثلاث سنين ثم نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾). وخلاصة المعنى: بلغ - يا محمد - ما أنزل إليكَ من ربك من الوحي الكريم، ولا تأبه ولا تلتفت لمحاولات المشركين، فإن اللهَ كافيكَ وحافظكَ منهم.

стр. 2397

كما في التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]. وفي صحيح مسلم - من حديث قبيصة في بلاغ النبي ﷺ عشيرته وقومه - قال: [يا بني عبد مناف، يا بني عبد مناف! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم، كمثل رجل رأى العدوَّ، فانطلق يريدُ أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه، يا صباحاه! أُتيتُم أُتيتُم] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : إنا كفيناك المستهزئين يا محمد، الذين يستهزئون بك، ويسخرون منك، فاصدع بأمر الله، ولا تخف شيئًا سوى الله، فإن الله كافيكَ من ناصبكَ وآذاك، كما كفاك المستهزئين، وكانوا رؤساء المستهزئين قومًا من قريش معروفين). قال سعيد بن جبير: (هم خمسة من رهط قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأبو زمعة، والحارث بن عيطلة، والأسود بن قيس). وقيل: كانوا ثمانية. قال ابن عباس: (كلهم مات قبل بدر). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (تهديدٌ شديد، ووعيدٌ أكيد، لمن جعل مع الله معبودًا آخر). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. أي: إنا لنعلم - يا محمد - كم يضيق صدركَ وينقبض من أذى قومكَ لك، ومن محاولات مكرهم بدينكَ وأصحابك، فلا يهيدَنَّكَ ذلك ولا يمنعنكَ من الجهاد في تبليغ دعوة الحق، واستعن على ذلكَ بكثرة الذكر والصلاة والدعاء.

стр. 2398

قال النسفي: (فافزع فيما نابك إلى الله - والفزع إلى الله هو الذكر الدائم وكثرة السجود - يَكْفِكَ ويكشف عنكَ الغم). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم والنسائي عن أبي هريرةَ أنّ رسول الله ﷺ قال: [أقرب ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد، فأكثِروا الدعاء] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن نُعَيم بن هَمَّار: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [قال الله: يا ابن آدم، لا تعجِز عن أربع ركعاتٍ من أول النهار أكفكَ آخره] (٢). الحديث الثالث: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن حذيفة ﵁ قال: [كان رسول الله ﷺ إذا حزبهُ أمر صلى] (٣). وفي روايةٍ: (فزع إلى الصلاة). الحديث الرابع: أخرج ابن حبان بسند حسن عن عليّ ﵁ يقول: [لقد رأيتنا ليلة بدرٍ وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيهِ محمد ﷺ : واعبد ربكَ حتى يأتيكَ الموت الذي هو موقَنٌ به.

стр. 2399

قال ابن جرير: (وقيل يقين، وهو موقن به). وقال البخاري: (قال سالم - يعني ابن عبد الله بن عمر - ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: الموت). وفي التنزيل إخبار عن أهل النار - حين قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [لمدثر: ٤٣ - ٤٧]. وفي صحيح البخاري عن أمّ العلاء - امرأة من نساء الأنصار بايعت النبي ﷺ : [أن عثمان بن مظعون طارَ لَهُ سَهْمُهُ في السُّكْنَى حين اقترعَتِ الأنصار سُكنى المهاجرين، قالت أمُّ العلاء: فسَكَن عندنا عثمان بن مظعون فاشتكى فَمَرَّضناهُ، حتى إذا تُوُفِّيَ وجعلناهُ في ثيابهِ دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت: رَحْمَةُ الله عليكَ أبا السائب، فشهادتي عليكَ لقد أَكْرمَكَ الله. فقال لي النبي ﷺ : وما يُدْريكِ أن الله أكرمه؟ فقلتُ: لا أدري بأبي أنتَ وأمي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : أما عثمانُ فقد جاءهُ واللهِ اليقينُ، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعلُ به. قالت: فواللهِ لا أُزَكِّي أحدًا بعدهُ أبدًا، فأحزنني ذلكَ، قالت: فَنِمْتُ فرأيتُ لِعثمانَ عَيْنًا تجري فَجِئْتُ إلى رسول الله ﷺ فأخْبَرْتُهُ فقال: ذلكَ عَمَلُه] (١). والخلاصة: هذا رسول الله ﷺ قد أمرهُ الله بعبادتهِ حتى آخر لحظة من حياته، وهو خير البشر قاطبة، وفي هذا ردٌّ على الزنادقة الذين يزعمون أنهم إذا وصلوا إلى اليقين - ويعنون بذلكَ المعرفة - رُفع عنهم التكليف، فنعوذ باللهِ من الانحراف عن منهاج النبوة في القول والعمل، ونسألُ الله الثبات على الدين الحق إلى يوم نلقاه، إنه سميع قريب. تم تفسير سورة الحجر بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّهِ وكَرَمِه ° ° °

стр. 2400

دروس ونتائج وأحكام ١ - تمني الكفار لو كانوا مسلمين، حين يعرضون على نار الجحيم. ٢ - تعهّد الله حفظ كتابهِ الكريم، من التبديل والتحريف ومكر الماكرين. ٣ - اعتبار الكفار المعجزات سحرًا، فهم يسألونها ثم يمكرون مكرًا. ٤ - الشهب حرس السماء يمنعون عنها استراق الشياطين السمع. ٥ - الرياح أنواع: المبشرة، والمثيرة، والمؤلفة، والملقحة. ٦ - الملائكة خلقت من نور، والجانُ من نار، والبشر من تراب. ٧ - تعهد إبليس غواية بني آدم، ومنع الله تسلطهُ على عباده المخلصين. ٨ - أهل الجنة لا غل بينهم ولا حقد ولا حسد، والمؤمن بين الخوف والرجاء. ٩ - ﴿لَعَمْرُكَ﴾ - ما أقسم الله بحياة أحد إلا بحياة محمد ﷺ . ١٠ - الواجب التقنع والإسراع والبكاء أو التباكي عند المرور بديار المعذبين. ١١ - الفاتحة هي السبع المثاني لأنها تثنَّى في كل ركعة. ١٢ - إقسام الله بنفسه الكريمة ليسألن الناسَ أجمعين، عما كانوا يعملون. ١٣ - الأمر بالصدع بالحق والجهرِ بالدعوة ماض إلى يوم الدين. ١٤ - التسبيح والسجود والقيام خيرُ معينٍ على مواجهةِ أعداء هذا الدين. ١٥ - اليقينُ عند الزنادقة: أن يتيقن العبد أنه صار إلهًا ويسقط عنهُ التكليف، وإنما اليقينُ في الآية هو الموت، والنبي ﷺ ومن تبعه من باب الأولى - مأمور بالعبادةِ حتى بلوغ الموتِ وهو اليقين. ° ° °

стр. 2401

١٦ - سُورَةُ النَّحْلِ وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٢٨) موضوع السورة - بَسْط النعم، والتحذير من النقم - "العسل - منتوج النحل - فيه شفاء للبدن" - منهاج السورة - ١ - تأكيد الله تعالى وقوع الساعة بصيغة الماضي ليتدارك الناس أمرهم قبل أن تفاجئهم. ٢ - اصطفاء الله من عباده رسلًا كما يشاء، فله الخلق والأمر، والبشرى للمتقين، والخزي والندامة على المشركين. ٣ - امتنان الله تعالى على الإنسان بتسخير الأنعام له، وجعل فيها المنافع والدفء والزينة والمراكب ويخلق ما لا تعلمون. ٤ - امتنان الله تعالى على عباده بنعمة الماء والشجر وأصناف الثمرات لعلهم يتفكرون. ٥ - امتنان الله كذلك على عباده بنعمة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، والبحار والفُلك واللحم والحلي، والجبال والأنهار، والاهتداء بالنجوم، وغير ذلك من النعم التي لا تُحصى.

стр. 2402

٦ - إعلام الله تعالى عباده أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وتحقير الأوثان التي يعبدها بعضهم. ٧ - إثبات كفر المشركين، وحملهم أوزار من تبعهم من المبطلين، وشقوتهم يوم الدين. ٨ - ثناء الله تعالى على المحسنين، ودخولهم الجنة في سلام آمنين. ٩ - استخفاف الله بالمشركين، في اتباعهم سنن الذين من قبلهم من المستهزئين. ١٠ - ذمّ الله المشركين احتجاجهم بالقدر على كفرهم، وثناؤه تعالى على المرسلين في دعوتهم إفراد الله بالتعظيم، ونبذ الطاغوت وسبل الشياطين. ١١ - تسلية النبي ﷺ بأن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين، وأن قوله لشيء إذا أراد وجوده: كن فيكون. ١٢ - ثناء الله تعالى على المهاجرين، الذين ظُلموا في سبيل الله وصبروا وكانوا من المتوكلين. ١٣ - إثبات رجولة الأنبياء، والأمر بسؤال أهل العلم لفهم الدين، وإثبات نزول السنة لتبيان مجمل القرآن. ١٤ - تهديد المشركين بالخسف والعذاب، إن لم يؤمنوا بهذا الكتاب، فكل شيء خلقه الله في هذا الكون في سجود له وتعظيم، والملائكة يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون. ١٥ - إثبات الوحدانية لله العظيم، فله ما في السماوات والأرض وله الدين الحق المبين، وما بكم من نعمة فمن الله المنعم الكريم، الذي إن مَسَّكُم الضر فإليه تجأرون، وإن كشفه عنكم فأكثركم يشركون. ١٦ - إثبات جهالة المشركين، في صرف الأموال للأصنام ووأد بناتهم وجعل البنات لله ولهم ما يشتهون، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم. ١٧ - تأخير الله مؤاخذة الناس بظلمهم، والمشركون غارقون في أهوائهم، وقد أنزل الله هذا القرآن على رسوله تبيانًا، وهدى، ورحمة للمؤمنين. ١٨ - امتنان الله على العباد بنعمة الماء والأنعام، واللبن والنخيل والأعناب. ١٩ - أمْرُ الله إلى النحل اتخاذ البيوت من الجبال والشجر، وإلهامها الأكل من كل الثمر، وإخراج العسل الذي فيه شفاء للناس.

стр. 2403

٢٠ - إثبات الخلق والحياة وتصريف العمر لله، وكذلك التفضيل في الرزق والولد، والإنعام بالأزواج والبنين والحفدة، والمشركون بنعمة الله يكفرون. ٢١ - ذمُّ الله المشركين، وتمثيل الفرق بين المؤمنين والكافرين. ٢٢ - إثبات أمر الغيب والساعة لله، وامتنان الله على العباد بالسمع والأبصار والأفئدة، وفي تسخير الطيور وحملها في جو السماء آيات لقوم يؤمنون. ٢٣ - امتنان الله على عباده بنعمة البيوت والسكن وجلود الأنعام، ونعمة الظلال والجبال والسرابيل وغير ذلك. ٢٤ - تحذير الله عباده اليوم الموعود، يوم يبعث الله فيه الشهود، والخزي ومضاعفة العذاب على المشركين، الذين يصدون عن سبيل الله ويفسدون في الأرض ولا يصلحون. ٢٥ - اختصاص الله نبيّه بالشهادة على الأمم، وبالقرآن الذي يحمل الهدى والرحمة ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفواحش والظلم والطغيان. ٢٦ - إثبات قهر مشيئته تعالى كل مشيئة، والتحذير من اتخاذ الأَيمان خديعة، والشراء بعهده تعالى ثمنًا قليلًا. ٢٧ - تبشير المؤمنين أهل الأعمال الصالحة، بحياة طيبة في الدنيا والآخرة. ٢٨ - الأمر بالاستعاذة من الشيطان، عند تلاوة القرآن، والشيطان ليس له سلطان على أهل الإيمان، بل على أتباعه من أهل الشرك والطغيان. ٢٩ - ضعف عقول المشركين، أمام منهج التشريع في القرآن الكريم، الذي نزل به الروح الأمين، فيقولون إنما يعلمه بشر أعجمي وهذا لسان عربي مبين. ٣٠ - استثناء المكره على الكفر من الوقوع في الكفر، ولكن من شرح بالكفر صدرًا فله عذاب أليم. ٣١ - إخبار عن بعض المستضعفين بمكة الذين واتَوا المشركين على الفتنة، ثم تمكنوا من الهجرة، والله غفور رحيم. ٣٢ - إخبار عن طبيعة مخاصمة النفوس يوم القيامة بشتى الوسائل قبل نزول القصاص. ٣٣ - سنة الله في القرى الظالم أهلها، ونزول الخوف والجوع والعذاب. ٣٤ - تقريب الله الحلال الطيب، وتحذيره الحرام الخبيث، والافتراء بالتحليل والتحريم.

стр. 2404

٣٥ - استحقاق اليهود التضييق عليهم بما كسبت أيديهم، وفتحه تعالى باب التوبة للمؤمنين الراجين أن يعفو عنهم، والله غفور رحيم. ٣٦ - ثناء الله على خليله إبراهيم، فقد كان حنيفًا ولم يك من المشركين، بل كان إمام الشاكرين. ٣٧ - رفعُ الله ذكر إبراهيم، وأمره نبينا بمتابعة ملته ملة التوحيد لله والتعظيم. ٣٨ - إضلال الله اليهود عن يوم الجمعة فاختاروا السبت يوم عيد لهم، والله يفصل يوم القيامة بينهم. ٣٩ - أمْرُ الله بالتماس طريق الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله، والله يهدي من يشاء وهو أعلم بالشاكرين. ودعوة للعدل في الاقتصاص والصبر خير للصابرين. ٤٠ - المكر لا يحيق إلا بأهله الماكرين، والله تعالى في عون المتقين المحسنين. ° ° °

стр. 2405

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٩. قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾. في هذه الآيات: تَأْكِيدُ الله تعالى وقوع الساعة بصيغة الماضي لِيَهُدَّ بذلك عزيمة المستعجلين المشركين. إنه تعالى ينزل الملائكة بالوحي على من يشاء من عباده فله الخلق والأمر فالبشرى للمتقين والخزي على المشركين. لقد خلق الإنسان من نطفة من ماء مهين، فلما ترعرع وكبر صار لربه المنعم كالخصم المبين، وكذلك خَلَقَ سبحانه الأنعام وجعل فيها المنافع والدفء والزينة وغير ذلك لقوم يفقهون. وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة ويخلق من المراكب ما لا تعلمون. كل ذلك ليهتدي الخلق إلى ربهم فيعظموه ويشكروه ولكن أكثر الناس لا يشكرون. فقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ - ردٌّ على بعض المشركين الذين كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة ونزول العذاب بهم استهزاءً وتكذيبًا. فأتى بصيغة الماضي ليدل على تأكيد وقوع الساعة لا محالة، وأنه عن قريب سيكون بمنزلة ما مضى من الأحداث.

стр. 2406

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣, ٥٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. ٤ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق مفهوم الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بالعبدِ يوم القيامة فيقول له: ألمْ أجعل لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعام والحرث، وتركتكَ تَرْأسُ وتَرْبَعُ، فكنتَ تَظُنُّ أَنَّكَ ملاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١). الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [يُؤتى بأنْعَمِ أهل الدنيا من أهل النار يومَ القيامة، فَيُصبَغُ في النار صَبْغَة، ثم يقال: يا ابنَ آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب! . .] الحديث (٢). وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ - تنزيه الله تعالى عن الشرك الذي كان عليه العرب ومن يدين بمثله من غيرهم. وقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. قال ابن عباس: (﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ يقول: بالوحي). وقال قتادة: (بالوحي والرحمة). أو قال: (يقول: ينزل بالرحمة والوحي من أمره ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيصطفي منهم رسلًا). وفي التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. قال القرطبي: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أي: على الذين اختارهم الله للنبوة).

стр. 2407

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. وفي شُعَب البيهقي بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (١). وله شاهد عند ابن عساكر بسند حسن من حديث وائل بن حجر بلفظ: [صلوا على النبيين إذا ذكرتموني، فإنهم قد بُعِثُوا كما بُعثت]. وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾. قال قتادة: (إنما بعث الله المرسلين أن يوحَّدَ الله وحده، ويُطاع أمره، ويجتنب سخطه). والمقصود: بعث الله الرسل لينذروا البشر أن لا يحيدوا عن لا إله إلا الله، فهي منهاج التقوى والنجاة في الدنيا والآخرة. وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢). وله شاهد عنده وفي المسند من حديث عثمان مرفوعًا: [من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة]. وفي الصحيحين عن عتبان بن مالك عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ] (٣). وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.

стр. 2408

إِخْبارٌ من الله تعالى عن خلقه السماوات السبع وما فيهن، ومن الأرض مثلهن وما فيهن، وقد خلقهن بالحق لا للهزل واللعب، فكيف يشرك به بعد ذلك المشركون، ويعبدون من دونه ما لا يخلق ولا يضر ولا ينفع، ثم كان خلق الإنسان من ذلك الماء المهين، فلما ترعرع وكبر إذا هو لربه خصيم مبين، يكفر بنعمه ويجحد ألوهيته ويتبع سبيل الشياطين، ويحارب الصالحين والمرسلين. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤, ٥٥]. وفي صحيح سنن ابن ماجه ومسند الإمام أحمد عن بُسْر بن جحَّاش قال: [بصق رسول الله ﷺ في كفِّه، ثم قال: يقول الله تعالى: ابنَ آدم، أنّى تُعْجِزني وقد خلقتك مِن مثل هذه؟ ! حتى إذا سَوَّيْتُكَ فَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بين بُرْدَيْكَ وللأرض منك وئيد، فجَمَعْتَ ومَنَعْتَ، حتى إذا بلغتِ الحلقوم قلتَ: أتصَدَّقُ، وأنّى أوانُ الصدقة] (١). وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالدفء: الثياب، والمنافع: ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة). وقال أيضًا: (﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾، نَسْلُ كل دابة). وعن مجاهد: (﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: لباس ينسج, ﴿وَمَنَافِعُ﴾: مركب ولحم ولبن). وقال أيضًا: (نتاجها وركوبها وألبانها ولحومها). وقال قتادة: (﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾، يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبُلْغَة). وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾. قال القاسمي: (﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ أي زينة ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي تردونها من

стр. 2409

مراعيها إلى مُراحها (١) - وهو مقرها في دور أهلها بالعشي - ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي تخرجونها بالغداة إلى المراعي). وقال الزمخشري: (منَّ الله بالتجمل بها كما مَنَّ بالانتفاع بها. لأنه من أغراض أصحاب المواشي. بل هو من معاظمها. لأن الرعيان، إذا روحوها بالعشي، وسرحوها بالغداة، فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، آنست أهلها وفرَّحت أربابها. وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس. ونحوه: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦]. فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملأى البطون، حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها) انتهى. وقوله: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾. قال عكرمة: (لو تكلفونه لم تبلغوه إلا بجهد شديد). وقال قتادة: (يقول: بجهد الأنفس). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي ذو رحمة بكم، لتشكروه على نعمه عليكم، فيزيدكم من كرمه وفضله. وقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. قال ابن عباس: (هذه للركوب, ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال: هذه للأكل). قال النسفي: (عطف على الأنعام، أي وخلق هذه للركوب والزينة). وقال القرطبي: (ولما أفرد سبحانه الخيل والبغال والحمير بالذكر دل على أنها لم تدخل تحت لفظ الأنعام. وقيل: دخلت ولكن أفردها بالذكر لما يتعلق بها من الركوب، فإنه يكثر في الخيل والبغال والحمير). قلت: والعطف بين البغال والخيل والحمير لا يقتضي التساوي في حكم الأكل، فإن النهي جاء بالنص الصحيح عن أكل لحوم البغال والحمير، والإذن في أكل لحوم الخيل. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:

стр. 2410

[نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية، وأَذِنَ في لحوم الخيل] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: [ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير. فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل] (٢). الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: [نَحَرْنا على عَهْدِ رسول الله ﷺ فَرَسًا فأكلناه ونحن بالمدينة] (٣). وقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي: من أمثال تلك المخلوقات وما يقوم مقامها في الركوب والنقل. ويدخل في ذلك جميع أنواع وسائل النفل المشاهدة، كالسيارات والطائرات والسفن والقطارات وغير ذلك مما فتح الله به على الإنسان وسخّره له. وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾. انْتِقالٌ من السُّبل الحِسّية إلى السبل الدينية والمعنوية (٤)، فكما أن الأنعام للركوب وحمل الأثقال إلى الأسفار البعيدة الشاقة، فكذلك طرق الهداية ومسالك الناس في هذه الحياة، فإنه ليس يوصل إلى الله تعالى منها إلا طريق الحق، وهو الطريق الذي ارتضاه الله للمرسلين، وأمر بسلوكه عباده المؤمنين. قال ابن عباس: (﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: على الله البيان أن يبين الهدى والضلالة). وقال مجاهد: (طريق الحق على الله). وقال قتادة: (يقول: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال ابن زيد: (﴿السَّبِيلِ﴾: طريق الهدى). وقال الضحاك: (يقول: على الله البيان، يبين الهدى من الضلالة، ويبين السبيل التي تفرّقت عن سبله، ومنها جائر). وعن ابن عباس: (﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ يقول:

стр. 2411

الأهواء المختلفة). وقال قتادة: (﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: أي من السبل، سبل الشيطان. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: "ومنكم جائر ولو شاء الله لهداكم أجمعين"). وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولو شاء الله للطف بجميعكم أيها الناس بتوفيقه، فكنتم تهتدون، وتلزمون قصد السبيل، ولا تجورون عنه، فتتفرقون في سبل عن الحقّ جائرة). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨, ١١٩]. أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١). وفي لفظ عند البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال النبي ﷺ لأبي بكر: [يا أبا بكر! لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس]. ١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾. في هذه الآيات: امْتِنانُ الله تعالى على عباده بنعمة الماء والشجر، والزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وأصناف أخرى من الثمرات، جعلها بين أيديهم وسخّرها لمنفعتهم وسرورهم لعلهم يتفكرون. فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: والذي أنعم عليكم هذه النعم، وخلق لكم الأنعام والخيل وسائر

стр. 2412

البهائم لمنافعكم ومصالحكم، هو الربّ الذي أنزل من السماء ماءً، يعني: مطرًا لكم من ذلك الماء، شراب تشربونه، ومنه شراب أشجاركم، وحياة غروسكم ونباتها). وقوله: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. قال ابن عباس وعكرمة وقتاده: (أي: ترعون). ومنه الإبل السائمة، والسوم: الرعي. وقال الضحاك: (ترعون أنعامكم). وقال ابن عباس أيضًا: (﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ يقول: شجر يرعون فيه أنعامهم وشاءهم). وقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية. قال ابن كثير: (أي: يُخرِجها من الأرض بهذا الماء الواحد, على اختلاف صُنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها. ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]). قلت: فنعمة الماء والنبات والشجر هي من أكمل النعم التي تفضل الله بها على الإنسان، بعد نعمة استواء الخلق واكتمال صورته، ومن هنا كانت وصية النبي ﷺ لمعاذ إذا مرّ بشجر أن يذكر الله العظيم المنعم المتفضل. فقد أخرج الطبراني في "الكبير" بسند صحيح عن أبي سلمة قال: [قال معاذ: قلت يا رسول الله أوصني. قال: اعبُد الله كأنك تراه، واعدُدْ نفسك في الموتى، واذكُر الله عند كل حجرٍ، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة بجنبها حسنة، السِّرُ بالسِّرِ، والعلانيةُ بالعلانية] (١). ١٢ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ

стр. 2413

مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾. في هذه الآيات: امْتِنانٌ مُتَتَابِعٌ من الله سبحانه على عباده إضافة لما سبق: نعمة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، والبحار والفلك التي تجري فيها، واللحم والحلي المستخرج منها، والجبال والأنهار، والاهتداء بالنجوم، كل ذلك آيات لقوم يتفكرون. فهل من يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون؟ ! إنكم إن تعدّوا نعمة الله عليكم تعجزوا عن إحصائها والله غفور رحيم. فقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾. تَذْكِيرٌ من الله تعالى لعباده بنعم كبيرة أخرى يتمتعون بها في حياتهم ويستفيدون من تسخيرها وتعاقبها، فنعمة الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم نعم قريبة متصلة بحياة الناس ومنافعهم. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. ٤ - وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦١, ٦٢]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ -

стр. 2414

يقول: [تَفْضُلُ صلاةُ الجميع صلاةَ أحدكم وحْدَهُ بِخَمْسِ وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾] (١). ودوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال ابن جرير: (إن في تسخير الله ذلك على ما سخّره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله، ويفهمون عنه تنبيهه إياهم). وقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. قال قتادة: (يقول: وما خلق لكم مختلفًا ألوانه من الدواب، ومن الشجر والثمار، نِعَم من الله متظاهرة فاشكروها لله). قال ابن كثير: (لما نبّه سبحانه على معالم السماء نبَّه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة، من الحيوانات والنبات والمعادن والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواصِّ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، أي: آلاء الله ونعمه فيشكرونها). وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾. تَذْكِيرٌ بنعم أخرى في عالم البحار: من تسخير للسمك والحيتان، وإحلال لحمها في الحل والإحرام، وتسهيل استخراج اللآلئ والجواهر يلبسونها وتلبسها الزوجات زينة للأزواج الكرام، وشق السفن طريقها عبر الأمواج إلى شواطئ البلدان. قال ابن جرير: (سخر لكم البحر، وهو كل نهر، ملحًا كان ماؤه أو عذبًا ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو السمك الذي يصطاد منه ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهو اللؤلؤ والمرجان). وقال قتادة: (﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني حيتان البحر. ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال: هذا اللؤلؤ). قال النسفي: (﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ المراد بلبسهم لبس نسائهم ولكنهن إنما يتزين بها من أجلهم فكأنها زينتهم ولباسهم). ولكن يبدو أنه لا دليل على تخصيص اللؤلؤ والمرجان بالنساء. قال السيوطي في "الإكليل": (في الآية دليل على إباحة لبس الرجال الجواهر ونحوها). وقال صاحب "فتح البيان": (يجوز للرجال أن يلبسوا اللؤلؤ والمرجان، أي يجعلونهما حلية لهم كما يجوز للنساء. . وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع

стр. 2415

الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان، ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة. فإن ذلك ممنوع، ورد الشرع بمنعه، من جهة كونه تشبُّهًا بهنّ، لا من جهة كونه حلية لؤلؤًا أو مرجانًا). وعن ابن عباس: (﴿مَوَاخِرَ﴾ قال: جَواري). وقال سعيد بن جبير: (معترضة). وقال الحسن: (مواقر). وقال قتادة والضحاك: (أي تذهب وتجيء، مقبلة ومدبرة بريح واحدة). قال القرطبي. (وأصل المَخْر شقّ الماء عن يمين وشمال. مَخَرت السفينة تَمْخَر وتمْخُر مَخْرًا ومخورًا إذا جرت تشق الماء مع صوت). وقال الجوهري: (ومَخَر السابح إذا شقّ الماء بصدره، ومخَر الأرض شقها للزراعة). وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: ولتركبوه للتجارة وطلب الربح والسياحة في الأرض ورؤية بلاد الله الواسعة ومخلوقاته العجيبة، مما يزيدكم ذلك لله شكرًا. وقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. قال قتادة: (الجبال أن تميد بكم). وقيل: لئلا تميد بكم. والميد الاضطراب والتكفؤ. يقال: مادت السفينة إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار. قال مجاهد (﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن تكفأ بكم). وقوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾. قال ابن كثير: (أي: وجعل فيها أنهارًا تجري من مكان إلى مكان آخرَ، رِزقًا للعباد، يَنْبُعُ في موضع وهو رِزْقٌ لأهل موضع آخرَ، فيقطَعُ البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام، فيصلُ إلى البلد الذي سُخِّر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينًا وتنقطع في وقت، وما بين نَبْعٍ وجَمْعٍ، وقَوِيِّ السير وبطيئه، بحسب ما أراد وقدّر، وسخرِ ويسر. فلا إله إلا هو، ولا رب سواه. وكذلك جعل في الأرض سُبُلًا، أي: طرقًا يُسْلَكُ فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل ليكون ما بينهما ممرًا ومسلكًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾). وقال قتادة: (﴿سُبُلًا﴾: أي طرقًا). وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لكي تهتدوا بهذه السبل التي جعلها لكم في الأرض إلى الأماكن التي تقصدون، والمواضع التي تريدون، فلا تضلوا ولا تتحيروا).

стр. 2416

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالعلامات: معالم الطرق بالنهار، وبالنجم هم يهتدون بالليل). قلت: وتشمل العلامات الجبال الكبار، والآكام الصغار، ونحو ذلك مما يستدل به المسافرون أثناء النهار، وفي البر والبحار. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. أي: هل الأوثان والطواغيت التي لا تخلق أحقّ بالعبادة أم الله الخالق البارئ القهار، الذي خلق كل شيء وبيده أمر كل شيء. قال النسفي: (﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون فساد ما أنتم عليه). وقال ابن جرير: (يقول: أفلا تذكرون نعم الله عليكم، وعظيم سُلطانه وقدرته على ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعًا، ولا تدفع عنها ضرًّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه مقيمون من عبادتكموها وإقراركم لها بالألوهة). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. تَنْبِيهٌ من الله سبحانه على كثرة نعمه وعظيم إحسانه إلى عباده بما لا يعد ولا يحصى، فحق عبادته غير مقدور، وكثيرٌ من تقصير عباده في شكرهم له مجبور، وهو الرحيم بعباده إذا أنابوا وتابوا فيتجاوز عن إساءات كبيرة ويعفو عن كثير. قال ابن كثير: (﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نِعمه لعجزتُم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذّبكم لَعَذَّبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير). قلت: والشكر هو سيلان اللسان بذكر الله ونعمائه، واختلاج القلب وتلهفه وتواضعه لكرمه، وإعمال الجوارح في طاعته وتعظيم أوامره. وقواعد الشكر خمسة: الخضوع للمشكور، ومحبته، والاعتراف بنعمته، وثناؤه عليها، وصرفها فيما يحبه ويرضاه. وآلات الشكر ثلاثة: اللسان والقلب والجوارح. وشكر الناس نوعان: شكر العامة، وشكر الخاصة: ١ - شكر العامة: وهو شكر على ما يشغلهم على الغالب كالمطعم والمشرب والملبس

стр. 2417

والمنكح وعافية الأبدان. فقد قال جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فَحَمِدَ الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضل من تلك النعمة] (١). وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن أنسس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢). ٢ - شكر الخاصة: وهو يشمل إضافة إلى شكر العامة ما هو أهم وأكبر: الشكر على التوحيد والإيمان وحياة القلوب، والشكر على القرآن وعلى نبي الإسلام ﵊. ففي التنزيل: ١ - قال جل ثناؤه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ٢ - وقال جل ذكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ٣ - وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. ومن صحيح السنة في ذلك: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه]- ورواه البخاري (٣). الحديث الثاني: أخرج ابن حبان والطبراني بإسناد صحيح عن فضالة بن عبيد، أن

стр. 2418

رسول الله ﷺ قال: [اللهم من آمن بك، وشهد أني رسولك، فحبِّب إليه لقاءك، وسَهِّل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا. ومن لم يؤمن بك ويشهد أني رسولك، فلا تحبب إليه لقاءك، ولا تسهل عليه قضاءك، وأكثر له من الدنيا] (١). ١٩ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾. في هذه الآيات: إعلام الله تعالى عباده أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وهذه الأوثان التي تُعْبَدُ من دونه غير قادرة على خلقهم ولا خلق شي ممن حولهم، فهي أموات لا أرواح فيها ولا تملك لأهلها ضرًا ولا نفعًا وما يشعرون أيان يوم بعثهم، وإنما إلهكم - أيها الناس - إله واحد والكافرون بالآخرة مستكبرون معظمون لأهوائهم، والله يعلم علانيتهم وإسرارهم، وهو تعالى لا يحب المستكبرين. فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾. أي: لا يخفى عليه شيء سبحانه مما أخفيتم ولا ما أعلنتم، فسواء أسررتم في ضمائركم أو أظهرتم على ألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، كل ذلك في علم الله تعالى. وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء] (٢). وفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [فرغ الله

стр. 2419

عز وجل إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (١). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. قال قتادة: (وهي هذه الأوثان التي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فيها، ولا تملك لأهلها ضرًّا ولا نفعًا). وقوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. أي: معبودكم الذي يستحق أن تصرف له العبادة والتعظيم هو الله الواحد الأحد. والذين يكذبون بالمعاد مستنكرون لما نَقُصُّ عليهم من قدرة الله - المنعم المتفضل - على إعادتهم، وأن الاستعداد للقائه يكون بعبادته تعالى وتعظيم أمره، بل هم مستكبرون عن إفراده بالألوهة، مشركون في عبادته، معظمون لأهواء عقولهم ونفوسهم. قال قتادة: (﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ لهذا الحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان،

стр. 2420

يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١). وقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. أي: حقًا يعلم سبحانه ما تخفي صدور المشركين وما يبطنون من الاستكبار على الله، وما يعلنون ويظهرون من الكفر والصد عن سبيل الله. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾. أي: لا يحب تعالى المستكبرين على طاعته والمصرين على تحكيم الأهواء والأنفس والشهوات. وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كِبر، قيل: إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس] (٢). وله شاهد فيه عنه بلفظ: [لا يدخل النار أحد في قلبه مثقالُ حبة خردلٍ من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقالُ حبة خردل من كبرياء]. ٢٤ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ
следующие страницы →