← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ قصة لقاء موسى ﵊ بالخضر، وما كان من ترتيب لذلك اللقاء بإذن الله، وإنما دفع موسى لهذا اللقاء حرصه على جمع خصال الخير والسبق إلى المعالي، وطلب العلم، والله هو العليم الحكيم. أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني أبي بن كعب، أن النبي ﷺ قال: [لما لقِيَ موسى الخَضِرَ ﵉، جاء طَيْرٌ، فألقى مِنْقارَهُ في الماء، فقال الخَضِرُ لموسى: تَدْري ما يقولُ هذا الطَّيْر؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: ما عِلْمُكَ وعلمُ موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء] (١). فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال ابن زيد: (لا أبرح: لا أنتهي). وقال قتادة: (والبحران: بحر فارس وبحر الروم. وبحر الروم مما يلي المغرب، وبحر فارس مما يلي المشرق). وقال محمد بن كعب القُرَظي: (مجمع البحرين عند طنجَةَ). أي في أقصى بلاد المغرب، والله تعالى أعلم. وإنما مفهوم الآية: أن موسى ﵇ قال لفتاه - يوشع بن نون -: لا أزال سائرًا حتى أبلغ هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، فقد ذُكِرَ لموسى أن فيه عبدًا عنده من العلم ما ليس عند موسى. وقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال ابن عباس: (دهرًا). وقال قتادة: (الحقب: زمان). وقال ابن زيد: (الحقب: الزمان). وقيل: الحقب سبعون سنة أو ثمانون سنة. والمقصود: أي لا أزال أسير حتى أبلغ ذلك المكان، ولو أني أسير حقبًا من الزمان. قال القاسمي: (أي لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. أي المكان الذي فيه ملتقى البحرين. فأجد فيه الخضر. أو أسير زمانًا طويلًا إن لم أجده ثمة، فأتيقن فوات المطلب).

стр. 2662

قلت: وإنما دفع موسى ﵇ إلى تلك الرحلة الشاقة حرصه على جمع خصال الخير وسبقه إلى المعالي بين أهل زمانه. فقد أخرج ابن حبان في صحيحه بإسناد حسن عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: [سأل موسى ربّه عن ست خصال، كان يظن أنها له خالصة، والسابعة لم يكن موسى يحبُّها: ١ - قال يا رب! أي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرُ ولا يَنْسى. ٢ - قال: فأيُّ عبادك أهدى؟ قال: الذي يتبع الهدى. ٣ - قال: فأيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكُمُ لنفسه. ٤ - قال: فأيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي لا يشبع من العلم، يجمع عِلْمَ الناس إلى علمه. ٥ - قال: فأيُّ عبادك أعزّ؟ قال: الذي إذا قَدَرَ غَفَر. ٦ - قال: فأيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى. ٧ - قال: فأيُّ عبادك أفقر؟ قال: صاحب منقوص (١). قال رسول الله ﷺ : ليس الغِنى عنْ ظَهْر، إنما الغنى غنى النفس، وإذا أراد الله بعبد خيرًا، جعل غناه في نفسه، وتُقاه في قلبه، وإذا أراد الله بعبد شرًا جعل فقره بين عينيه] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. أي: فلما بلغ موسى وفتاه مجمع البحرين أضلا حوتهما الذي سلك في البحر مسلكًا. قال مجاهد: (يعني بالسرب: المسلك والمذهب، يَسْرب فيه: يذهب فيه ويسلكه). قال ابن كثير: (وذلك أنه كان قد أُمِرَ بحمل حُوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثَمَّة. فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهنالك عين يقال لها: عين الحياة، فناما هنالك، وأصابَ الحوتَ من رَشَاش ذلك الماء، فاضطرب، وكان في

стр. 2663

مِكْتَلٍ مع يُوشَع، وطَفَرَ (١) من المِكْتلِ إلى البحر، فاستيقظ يُوشَع ﵇ وسقط الحوت في البحر وجعل يسير فيه، والماءُ له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مثل السَّرَبِ في الأرض). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. أي فلما تركا حدود المكان الذي نسيا فيه الحوت وغادراه، قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا عناء وتعبًا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. أي: أجاب الفتى موسى بقوله: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فهنالك نسيت الحوت وما كان ذلك النسيان إلا من الشيطان، فاتخذ الحوت طريقه إلى البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا. قال قتادة: (فكان موسى لما اتخذ سبيله في البحر عجبًا، يعجب من سرب الحوت). وقوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. أي: قال موسى لفتاه - حينئذ - هذا الذي نطلب فرجعا أدراجهما يشقان طريقهما ويَقُصّان أثر مشيهما، ويقفُوان أثرهما، ليصلا إلى مرادهما. وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. أي: فلما انتهيا إلى الصخرة قافلين إذا رجل مُسَجّى بثوب فسلم عليه موسى، فإذا هو الخَضِرُ ﵇، قد وهبه الله رحمة من عنده، وعلّمه من عنده علمًا. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنما سُمِّيَ الخَضِرُ لأنَّه جَلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فإذا هيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْراءَ] (٢). قال القرطبي: (الفروة هنا وجه الأرض، قاله الخطابي وغيره. والخضر نبيّ عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبيّ، والآية تشهد بنبوّته، لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضًا فإن الإنسان لا يتعلم ولا يَتَّبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي).

стр. 2664

٦٦ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾. في هذه الآيات: تفصيلُ الحوار الذي دار بين موسى والخضر ﵉، وتفصيل المشاهد والمواقف التي أتيا عليها والتي تحمل الآيات والدروس والعبر عبر الأيام. أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [إنا لَعِنْدَ ابنِ عَبّاسٍ في بَيْتِه. إذْ قال: سَلوني، قلتُ: أيْ أبا عَبَّاسٍ، جعلني الله فِداءَكَ، إنَّ بالكوفة رَجُلًا قاصًّا يقال له: نَوْفٌ، يَزْعُمُ أَنَّهُ ليس بموسى بني إسرائيل - وفي لفظ: إنَّ نَوْفًا البَكاليَّ يَزْعُمُ: أن موسى نبي الله ليس بموسى الخَضِر -، فقال ابن عباس: كذَبَ عَدُوُّ الله، حَدّثنى أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : موسى رسول الله ﷺ ، قال: ذَكَّرَ الناس يومًا حتى إذا فاضَتِ العيونُ وَرَقَّتِ القُلوبُ، ولّى فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فقال: أيْ رسولَ الله، هل في الأرض أحدٌ أعلمُ منك؟ قال: لا، (وفي لفظ: فقيل له: أي الناس أعلم؟ قال: أنا)، فَعُتِبَ عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إلى الله. (وفي لفظ: فَعَتَبَ الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه)، وأوحى الله إليه: بلى

стр. 2665

عَبْدٌ من عبادي بِمجْمعِ البَحْرين هو أعْلمُ منك، قال: أي رَبِّ، كيف السبيل إليه؟ قال: تأخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحوتَ فاتّبِعه. (وفي لفظ: خُذْ حوتًا مَيِّتًا حيثُ يُنْفَخُ فيه الروح). قال: فخرج موسى ومعه فتاه يُوشَعُ بن نُونٍ، ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها. (وفي لفظ: فقال موسى لفتاه: لا أكلّفُكَ إلا أن تُخْبرني بِحيث يفارقك الحوت، قال: ما كَلَّفْتَ كثيرًا، فذلك قوله جلّ ذِكْرهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾). قال: فوضع موسى رأسه فنام. وفي أصل الصَّخرة عَينٌ يُقالُ لها: الحَياةُ، لا يُصيبُ منْ مائها شَيْءٌ إلا حَيِيَ، فأصابَ الحوتَ مِنْ ماء تلك العين، قال: فتحرّك وانسلَّ مِنَ المِكْتَلِ فدخل البحر، فلما استيقظ ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآية، قال: ولم يجد النّصَبَ حتى جاوزَ ما أُمِرَ به، قال له فتاه يوشعُ بنُ نون: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الآية. قال: فرجعا يَقُصّان في آثارِهما فوجدا في البحر كالطّاقِ - مَمَرَّ الحوت -، فكان لفتاه عجبًا وللحوت سَربا. وفي لفظ: (فكان للحوت سربًا ولموسى ولفتاه عجبًا. فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾). فَلَمَّا انتهيا إلى الصخرة، إذا هُما برجلٍ مُسَجّىً بثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عليه موسى، قال: وأنَّى بأرْضِكَ السّلامُ! ؟ فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم (١). قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمني مما عُلِّمْتَ رشدًا؟ قال له الخَضِرُ: يا موسى إنَّكَ على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَهُ الله لا أعْلَمُهُ، وأنا على عِلْمٍ مِنْ عِلمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ الله لا تعلَمُه، قالَ: بلْ أَتَّبِعُكَ، قال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلقا يَمْشيان على السّاحِل، فَمَرت بهما سَفينةٌ فعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَملوهم في سفينتهم بغَير نَوْلٍ - يقول: بِغَير أجْرٍ - فرَكِبا السفينة. قال: ووقَعَ عُصْفورٌ على حَرْفِ السَّفينة فَغَمَسَ مِنْقارَهُ في البحر، فقال الخَضِرُ لموسى: ما عِلمُكَ وعِلْمي وعِلْمُ الخلائقِ في علمِ الله إلا مقدارُ ما غَمَسَ هذا العصفور مِنْقَارَهُ.

стр. 2666

قال: فلم يَفْجأْ موسى إلّا إذْ عَمَدَ الخَضِرُ إلى قَدُوم فخرق السفينة، فقال له موسى: قَوْمٌ حملونا بغيرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سفينتهم فخرقتها. (وفي لفظ: قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ - قال مجاهد: مُنْكرًا - قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولى نِسيانًا، والوُسْطى شَرْطًا، والثالثةُ عَمْدًا). فانطلقا إذا هما بغلام يلعبُ مع الغِلمان، فأخذ الخَضِرُ برأسه فقطعه، (وفي لفظ: قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين)، قال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فقال بيده هكذا، فأقامه، فقال له موسى: إنا دخلنا هذه القرية فلم يُضَيِّفونا ولم يُطْعِمُونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. فقال رسول الله ﷺ : وَدِدْنا أنَّ موسى صَبَرَ حتى يُقَصَّ علينا من أمْرِهِما (١). قال: وكان ابن عباس يقرأ: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا". وأما الغلام فكان كافرًا] (٢). وقوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾. أي: مما هو رشاد إلى الحق ودليل على هدى. وقوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: حتى أحدث أنا لك مما ترى من الأفعال التي تستنكرها أذكرها لك وأبين لك شأنها، وأبتدئك الخبر عنها). وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾. قال قتادة: (نكرًا). أو قال: (عجبًا). وقال مجاهد: (منكرًا). وعن ابن عباس: (﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بما تركت من عهدك). وقوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي: لا تضيق عليّ أمري معك، وصحبتي إياك. وعن ابن عباس: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ قال: والزكية التائبة). وفي قراءة أهل الحجاز والبصرة: (زاكية). قال سعيد بن جبير: (مسلمة). وقيل: (﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ أي صغيرة لم تعمل الخبث، ولا حملت إثمًا بعد فقتلتَه).

стр. 2667

وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: بغير قصاص بنفس قتلت، فلزمها القتل قودًا بها). وقال ابن كثير: (أي: بغير مُسْتند لقتله). وعن قتادة: (﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ والنُّكْرُ أشدّ من الإمر). والمعنى: لقد جئت أمرًا منكرًا، وأقدمت على فعل ليس من المعروف في شيء. وقال البخاري: (نكرًا: داهية). وقوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾. أي: قد بلغت العذر في شأني، أو قد أعذرت إليَّ مرة بعد مرة. وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي بن كعب قال: [كان رسول الله ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه، وقال: رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر لرأى من صاحبه العجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مثقَّلَةً] (١). وقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾. أي: يسقط ويقع. أي وجدا في القرية حائطًا يوشك على الانهيار فأقامه وأصلحه رغم أنهم لم يطعموهم. قال قتادة: (﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وتلا إلى قوله ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ شرّ القرى التي لا تُضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه). وفي الحديث: (حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا) (٢)، أي بخلاء. وعن سعيد بن جبير: (﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قال: رفع الجدار بيده فاستقام). قال ابن كثير: (إسْنادُ الإرادة ها هنا إلى الجِدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدَثات بمعنى الميل. والانقضاض هو السقوط). وفي النهاية قال الخضر لموسى ﵉ ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ - لأنك شرطت ذلك على نفسك عند قتل الغلام ألا تسألني عن شيء بعدها وإلا ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾، فهذا أوان فراق بيني وبينك، وسأنبئك بتفسير ما لم تستطع عليه صبرًا. ٧٩ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا

стр. 2668

أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾. في هذه الآيات: تأويل الخضر المواقف التي لم يصبر عليها موسى ﵉، فَخَرْقُهُ السفينة كان لحمايتها لأصحابها من ملك ظالم غاصب، وقتلُ الغلام كان رحمة بأبويه من مستقبل فاسد، وصلاحُ الأبوين كان سببًا في حماية الله كنزهما لذريتهما من بعدهما، وكل ذلك من وحي الله العليم الحكيم. أخرج البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: [﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾: وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: "أمامهم ملك". قال البخاري: يزعمون عَنْ غير سعيد: أنهُ هُدَدُ بن بُدَدَ، والغلام المقتول، يزعمون: اسمُه حَيْسُورُ، ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فأردت إذا هي مَرَّت به أن يَدَعَها لِعَيْبِها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها - ومنهم من يقول: سدّوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار، ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وكان كافرًا. ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أن يحملهما حبّه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ لقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: هما به أرحَمُ منهما بالأول الذي قتل خَضِرٌ. وزعم غيرُ سعيد أنهما أبدِلا جارية. وأما داود بن أبي عاصم فقال: عن غير واحد: إنَّها جارية] (١). وفي صحيح مسلم عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ قال: [الغلامُ الذي قتلهُ الخَضِرُ طُبِعَ يومَ طبع كافرًا] (٢). والخلاصة: كان خرق الخضر ﵇ للسفينة عن حكمة غير ظاهرة، وهذا ما حمل موسى ﵇ على الإنكار، فقد خرق السفينة ليعيبها لأنهم كانوا يمرون بها على ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة لنفسه، فأراد بعيبها أن يرده عن أخذها لينتفع بها أصحابها المساكين. وأما الغلام الذي قتله الخضر فإنه كان طُبعَ

стр. 2669

- بعلم الله - كافرًا. فخشي أن يحملهما حُبُّهُ على متابعته على الكفر. قال قتادة: (قد فَرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب). وأما الجدار فإنما أصلحه لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة (١)، وكان تحته كنز مدفون لهما، فأراد الله ببركة صلاح والدهما أن يحفظ ذريته من بعده. قال ابن عباس: (حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح). قال ابن كثير: (﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾، ها هنا أسند الإرادة إلى الله تعالى، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله. وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ﴾ وقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، فالله أعلم). وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: إنما كان ما فعلته في الأحوال الثلاثة رحمة من الله بأصحاب السفينة ووالدي الغلام ووَلدي الرجل الصالح. وقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ - دلالة على نبوة الخضر ﵇، أي إنما أمرت بفعل ما أمرت به وَوُقِفْتُ عليه. وقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. أي: ذلك تفسير ما ضقت به ذرعًا ولم تعلم حكمته. وفيه مقابلة كل مقام بما يقابله، فإن قوله: ﴿تَسْطِعْ﴾ جاء بعد حل الإشكال وتوضيح ما وراء الستار، وقبل ذلك كان الأمر مُحَيِّرًا ثقيلًا فناسب القول: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. ٨٣ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾. في هذه الآيات: يسألك يا محمد بعض مشركي قومك عن خبر ذي القرنين فقل سأقص عليكم من أمره خبرًا موثوقًا. إنَّه رجل صالح من عباد الله الصالحين، دانت له

стр. 2670

البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وتحرك بأمر الله في أرجاء هذه المعمورة، شرقًا وغربًا، وآتاه الله تعالى مثل ما يؤتى الملوك، ومن الأسباب والطرق والوسائل القوية لفتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي وكَسْر الأعادي، وكبْتِ ملوك الظلم وإذلال أهل الشرك، ومن كل شيء يُحتاج إليه لإقامة الحق ومنهاج العدل في الأرض. فتابع المسير في أرجاء هذه المعمورة شرقًا وغربًا. فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه، وما كانت قصته، فقل لهم: سأتلو عليكم من خبره ذكرًا). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. قال ابن عباس: (سببًا: يعني علمًا). وقال قتادة: (منازلَ الأرض وأعلامها). وقال ابن زيد: (تعليم الألسنة، قال: كان لا يغزو قومًا إلا كلَّمهم بلسانهم). قال ابن كثير: (أي: أعطيناه مُلكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما تُؤتى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصَارات. ولهذا مَلكَ المشارِقَ والمغارِبَ من الأرض، ودانت له البلادُ، وخَضَعت له ملوك العِباد، وخَدَمته الأمم، من العَرَب والعَجم. ولهذا ذكر بعضُهم أنه سُمِّيَ ذا القرنين لأنه بلغ قَرْني الشمس مشرقها ومغربها). وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾. قال ابن عباس: (يعني بالسبب المنزل). وقال مجاهد: (منزلًا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب). وقال مجاهد أيضًا: (﴿سَبَبًا﴾: طرَفي الأرض). وقال قتادة: (أي اتَّبع منازِلَ الأرض ومعالمها). قال النسفي: (والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة، فأراد بلوغ المغرب فأتبع سببًا، يوصله إليه حتى بلغ. وكذلك أراد المشرق فأتبع سببًا، وأراد بلوغ السدين فأتبع سببًا). قلت: والذي يظهر من عجائب ما صنع ذو القرنين ومن قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ أنه نبيٌّ يوحى إليه، وقد تحرك في الأرض بأمر الله.

стр. 2671

أخرج أبو داود والحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما أدري تُبَّعٌ ألعينًا كان أم لا؟ وما أدري ذا القرنين أنَبِيًّا كان أم لا؟ وما أدري الحُدود كفاراتٌ أم لا؟ ] (١). قال ابن عساكر (٢): (وهذا الشك من النبي ﷺ كان قبل أن يبين له أمره، ثم أخبر أنه كان مسلمًا، وذاك فيما أخبرنا. . . ثم ساق الحديث: "لا تسبُّوا تبعًا فإنّه كان قد أسلم" (٣)). وبنحوه قال الهيثمي: (يحتمل أنه ﷺ قاله في وقت لم يأته فيه العلم عن الله، ثم لما أتاه قال ما رويناه في حديث عبادة وغيره). يعني قوله ﷺ : ". . . ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له. ." أخرجه الشيخان وغيرهما. وقال القشيري أبو نصر: (قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ - إن كان نبيًا فهو وحى، وإن لم يكن نبيًا فهو إلهام من الله تعالى). قلت: والراجح عندي من هذه الآية والحديث السابق أنه نبيٌّ، والله تعالى أعلم. ٨٦ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾. في هذه الآيات: وصولُ ذي القرنين إلى أقصى الغرب من الأرض، ورؤيته الشمس تغرب في البحر المحيط، وعندها قوم من الناس فعرفوا قَدْرَه وتحاكموا إليه، فحَكَمَ على المشرك بربه المفسد في الأرض بالقتل، ثم يُرَدُّ إلى ربه ليحكم بأمره يوم القيامة. وأما المؤمن العامل بالصالحات فله التوقير في الدنيا وحسن المنقلب في الآخرة. فقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾. قال ابن كثير: (أي: فسلك طريقًا حتى وصل

стр. 2672

إلى أقصى ما يُسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض). وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾. قال ابن عباس: (ذات حَمْأة) وهو الطين الأسود. وقال كعب الأحبار: (أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء). وهناك قراءة لابن عباس: ﴿في عين حامية﴾ (١) يعني حارة. ولا منافاة بين القولين - كما ذكر ابن كثير والقاسمي -: إذ قد تكون حارَّةً لمجاورتها وَهجَ الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل. قال ابن كثير: (أي: رأى الشمس في منظره تغربُ في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرُبُ فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مُثَبتَة فيه لا تُفارِقُهُ). وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾. أي: إنه رأى عندها أمة من الأمم. قال القاسمي: (ثم أشار تعالى إلى أنه مكَّنَهُ منهم، وأظهره بهم، وحكَّمَهُ فيهم، وجعل له الخيرة في شأنهم، بقوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ أي بالقتل وغيره ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ بالعفو. ثم بَيّنَ عدله وإنصافه، ليحتذى حذوه، بقوله سبحانه). وقوله: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾. قال قتادة: (بالقتل). أي: أما من استمر على الكفر والشرك بربه والإفساد والظلم في الأرض فسوف نعاقبه بالقتل. وقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾. قال النسفي: (في القيامة، يعني أما من دعوته إلى الإسلام فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم وهو الشرك فذاك هو المعذب في الدارين). وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾. أي: وأما من تابعنا على الإيمان بالله والعمل الصالح فإن جزاءه الجنة في الدار الآخرة. وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾. قال مجاهد: (معروفًا). قال ابن جرير: (يقول: وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر لنا تعليمه مما يقربه إلى الله ويلين له من القول).

стр. 2673

٨٩ - ٩١. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾. في هذه الآيات: يتابع ذو القرنين مسيره من مغرب الشمس إلى مطلعها، يقيم الحق وميزان العدل في الأرض، وكلما مَرَّ بأمَّةٍ قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ، فإن دانو له بالطاعة تركهم، وإلا أذلهم وأرغم أنوفهم وكسر شوكتهم، واستباح أموالهم وأمتعتهم، وربما استخدم من كل أمة ما يستعين به في جيوشه على قهر القرى المتاخمة لهم، فلما بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لا بناء يحجب الشمس عنهم، ولا مضارب أحد من الناس تكون بينهم وبين الشمس، فإذا اشتدت عليهم الشمس دخلوا في أسراب لهم، فإذا ذهبت حِدّتها أو زالت خرجوا من أسرابهم إلى أعمالهم في حروثهم ومعايشهم. والله تعالى عليم بكل أحوال هذا الرجل القائم بأمره وبكل شؤون جيشه ومسيرهم وأحوال الأقوام التي يقيم فيهم حكم الله . فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾. قال القرطبي: (أي سلك طريقًا ومنازل). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾. قال قتادة: (ذكرَ لنا أنهم بأرض لا تُنْبِتُ لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حُروثهم ومعايشهم). وقال الجوهري: (المعنى أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع الشمس أحد من الناس. والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. قال مجاهد: (عِلْمًا). قال ابن كثير: (أي: نحن مُطَّلِعونَ على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرّقَت أُمَمهم وتقطَّعت بهم الأرض، فإنه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]). ٩٢ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ

стр. 2674

فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾. في هذه الآيات: وصول ذي القرنين إلى منطقة بين السدين، وقصة استجارة القوم به من فساد يأجوج ومأجوج، وتفصيل بنائه السد الذي يحجبهم عن الناس إلى يوم ميعاد خروجهم آخر الزمان بإذن الله. فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾. أي: ثم سار ذو القرنين فسلك طرقًا ومنازل من مشارق الأرض حتى بلغ بين السدين. قال ابن كثير: (وهما جبلان متناوحان بينهما ثُغْرَةٌ يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويُهلكون الحرث والنسل). وعن قتادة: (﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهما جبلان). قال ابن جرير: (﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ يقول عز ذكره: وجد من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قول قائل سوى كلامهم). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. قرأ عاصم والأعرج ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾، وأما قراء الحجاز والعراق فقرؤوا: "ياجوج وماجوج" بغير همز. وهما قراءتان معروفتان في الأمصار. ويأجوج ومأجوج قوم من نسل نوح ﵊ من أولاد يافث، تُركوا وراء السد الذي بناه ذو القرنين. والخلاصة: إنه لما وصل ذو القرنين ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ - وهما جبلان بينهما ثغرة، يخرج منهما يأجوج ومأجوج فيعيثون فيها فسادًا - وجد العبد الصالح في رحلته في تلك الأرجاء قومًا لا يكادون يفقهون قولًا لاستعجام لسانهم وبعدهم عن الناس، وشكوا إليه أمر فساد هؤلاء القوم يأجوج ومأجوج، فقالوا له: ﴿يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ - قال ابن عباس: (أجرًا عظيمًا) - ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ فتحجبهم عنا وتخلصنا من سوئهم وشرورهم، وكان الله سبحانه قد أعطى

стр. 2675

ذا القرنين قوة وسلطانًا، فكان - كما مضى - يقيم الحق والعدل ويحكم بين الناس. فأجابهم ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾. أي: ما أعطاني من الملك والتمكين في الأرض خير لي من الذي تجمعونه وتفكرون بإهدائه لي. وهذا كقول سليمان ﵊ لوفد بلقيس الذين حاولوا حجب نفوذه وسلطانه بهداياهم فقال لهم: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾. وقال لهم ذو القرنين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾. أي: ساعدوني بقوة بعملكم وبآلات البناء. قال مجاهد: (﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ يقول: أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج ردمًا. والردم: حاجز الحائط والسد، إلا أنه أمنع منه وأشد). وعن ابن عباس قال: (﴿رَدْمًا﴾: هو كأشدّ الحجاب). وقوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾. أي: قطع الحديد - قاله ابن عباس ومجاهد، فإن الزبر جمع زبرة وهي القطعة منه. قال مجاهد: (وهي كاللبنة)، يقال كل لبنة زنة قنطار. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. قال مجاهد: (رؤوس الجبلين). أي وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولًا وعرضًا ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ أي أَجَّجَ عليه النار ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ أي صار كله نارًا ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. قال مجاهد وقتادة: (هو النحاس المذاب). وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾. قال قتادة: (﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ من فوقه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي من أسفله). أي: فما قدروا أن يصعدوا ويرتقوا فوق هذا السد المنيع ولا قدروا على نقبه من أسفله، فقد صنعه ذو القرنين بأحدث وسائل زمانه واستخدم في بنائه أشد وأمتن مَواد البناء، فقد دخل في إنشائه الحديد والحجارة والنار والنحاس، فيا له من سد متين ذي مقاومة حدية عالية. قال الحافظ بن كثير: (ولما كان الظهور عليه أسهلَ من نقبه قابل كلًا بما يناسبه فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾). لقد حجب ذو القرنين ﵇ بهذا البنيان العظيم أشدَّ الناس شرورًا وفاحشة في الأرض، فإن يأجوج ومأجوج قوم مفسدون، خَبأهم الله فتنة في آخر الزمان لمن ضل أو من كفر، وجعل خروجهم من علامات يوم القيامة، وجعل نهايتهم من الأرض من

стр. 2676

أشد أيام الفرح بهجة في الدنيا، ليضيفها إلى فرحة التخلص من مكر اليهود في الأرض وجنسهم، ليفرح بها عيسى بن مريم ومن سيكون معه في الطور من المؤمنين. إن يأجوج ومأجوج قوم أحياء يحفرون في كل يوم في محاولة منهم للخروج من ذلك السجن الذي كتبه الله عليهم قسطًا وعدلًا، إلا أنهم يمكرون ويمكر الله بهم وهو خير الماكرين، إلى أن يأذن الله بخروجهم. وفي التنزيل: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. قال ابن عباس: (أي يسرعون في المشي إلى الفساد). والحدب المرتفع من الأرض. وأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن يأجوج ومأجوج يحفرون كُلَّ يوم، حتى إذا كادوا يَرَوْن شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غدًا، فيعيده الله أشَدَّ ما كان، حتى إذا بلغت مُدَّتُهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فسنحفره غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون الماء ويتحصَّنُ الناس منهم في حصونهم. فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع عليها الدمُ الذي احفَظَّ، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفًا في أقفائهم فيقتلون بها. قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتَسْمَنُ وتَشْكَرُ شَكَرًا من لحومهم] (١). وقد فُصِّلَ ذلك الحدث تفصيلًا رائعًا في حديث الإمام مسلم عن النواس بن سمعان، حيث قال رسول الله ﷺ : - بعد أن يقتل عيسى بن مريم ﵊ المسيح الدجال -: [ثم يأتي عيسى إلى قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فَحَرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. . فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم ويقول: لقد كان بهذه مرة ماء. ثم يسيرون إلى جبل

стр. 2677

الخَمَر (وهو جبل بيت المقدس) فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هَلُمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا، ويُحْصَرُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه، فيرسِلُ الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زَهَمُهم ونتنُهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البُخْت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله] (١). وفي رواية: [تطرحهم بالنهبل - اسم موضع -، ويستوقد المسلمون من قُسِيِّهم ونُشَّابِهم وجعابهم سبع سنين، ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ منه - أي لا يمنع من نزوله - بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركَها كالزَّلفة - أي كالمرآة - ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك ورُدّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرّمانة، ويستظلون بِقِحْفِها ويبارك في الرِسْلِ، حتى إنَّ اللِّقْحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللِّقْحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفَخْذَ من الناس، فبيناهم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبِضُ روحَ كُلِّ مؤمن وكُلِّ مسلم، ويبقى شرارُ الناس يتهارجون فيها تهارجَ الحُمُر فعليهم تقوم الساعة]. وأما قوله: "ثم يأتي عيسى إلى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم". قال النووي في شرح صحيح مسلم: (قال القاضي: يحتمل أن هذا المسح حقيقة على ظاهره فيمسح على وجوههم تبركًا وبرًا، ويحتمل أنه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشدة والخوف). وقوله: "لا يدان لأحد بقتالهم" - أي لا طاقة لأحد على حربهم. قال النووي: (يقال ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان، لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد). وقوله: "فحرّز عبادي إلى الطور". أي: اجعل الطور لهم حرزًا بأن ينضموا إليه من هؤلاء القوم الذين هم من كل حدب ينسلون، أي من كل نشز يمشون مسرعين. والخَمَر: الشجر الملتف، والمراد بالحديث جبل بيت المقدس. وأما النَغَفَ فهو دود

стр. 2678

يكون في أنوف الإبل والغنم، واحدته نغفة، وقوله "فرسى": أي قتلى، واللّقحة: بكسر اللام وفتحها لغتان معروفتان، والكسر أشهرها، وهي القريبة العهد بالولادة، واللقوح ذات اللبن. وأما الفئام فهم الجماعة من الناس، وكذا الفخذ في اللغة الجماعة من الأقارب. قال النووي: (وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة). وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : [سيوقِدُ المسلمون من قِسِيِّ يأجوج ومأجوج ونُشَّابهم وأتْرِسَتِهم سبعَ سنين] (١). لقد حذّرَ النبي ﷺ من هذه الفتنة - فتنة يأجوج ومأجوج - تحذيرًا كثيرًا، وخاف منها على أمته خوفًا كبيرًا، واستيقظ يومًا فزعًا لذلك كأنه يرى أمامه شرًا مستطيرًا. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن زينب بنتِ جحش ﵂ أنها قالت: [استيقظ النبي ﷺ من النوم مُحْمَرًا وَجْهُهُ يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوجَ مثل هذه، وعقد سفيان تسعين أو مئة. قيل: أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كَثُرَ الخَبَثُ] (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾. قال ابن جرير: (قال: هذا الذي بنيته وسوّيته حاجزًا بين هذه الأمة ومن دون الردم رحمة من ربي رحم بها من دون الردم من الناس، فأعانني برحمته لهم حتى بنيته وسوّيته ليكفّ بذلك غائلة هذه الأمة عنهم. . . فإذا جاء وعد ربي الذي جعله ميقاتًا لظهور هذه الأمة وخروجها من وراء الردم لهم، جعله دكاء، يقول: سوّاه بالأرض). قال قتادة: (﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: لا أدري الجبلين يعني به، أو ما بينهما). وكان وعد الله، في دكّ هذا الردم وخروج هؤلاء القوم فتنة للناس عند استهتارهم بدينهم، وعدًا حقًا والله لا يخلف الميعاد. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ - فيه تأويلان: ١ - أن يعود الضمير على يأجوج ومأجوج. والمعنى كما ذكر السدي، قال: (ذاك حين يخرجون على الناس). قال ابن كثير: (أي: يوم يُدَكُّ هذا السَّدُ ويخرجُ هؤلاء

стр. 2679

فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم). ٢ - أن يكون الوصف لحالة الخلق قبيل النفخ في الصور لقيام الساعة. واختاره ابن جرير. قال ابن زيد: (هذا أول القيامة، ثم نفخ في الصور، على أثر ذلك فجمعناهم جمعًا). قلت: وكلا المعنيين حق، فإن خروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم من علامات اقتراب الساعة، والساعة لا تقوم إلا على شرار القوم وهم يتهارجون فيها تهارج الحمر. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: [تفتحُ يأجوجُ ومأجوجُ. فيخرجون كما قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيعمُّون الأرض، وينحازُ منهم المسلمون، حتى تصيرَ بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، حتى أنهم ليمرون بالنَّهر فيشربونه، حتى ما يذرون فيه شيئًا فيمرُّ آخِرُهُمْ على أثرهم، فيقول قائلهم: لقد كان بهذا المكان، مرة، ماءٌ. ويَظْهَرون على الأرض. فيقول قائلهم: هؤلاء أهل الأرض، قد فرغنا مِنْهم، ولَنُنَازِلَنَّ أهلَ السماء. .] الحديث (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس] (٢). قلت: فإذا نفخ في الصور واجتمع الجن والإنس جميعًا بين يدي ربهم، نادى الله آدم أن أخرج بعث النار، فتمتلئ جهنم من يأجوج ومأجوج. وتفصيله في: الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : يا آدَمُ! فيقول: لبيكَ وسَعْديكَ! والخيرُ في يديك! قال: يقول: أخرج بَعْثَ النار، قال: وما بَعْثُ النار؟ قال: مِنْ كل ألف تِسْعَ مئة وتِسْعَةً وتسعين، قال: فذاك حين يشيب الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: فاشتد ذلك عليهم. قالوا: يا رسول الله أيُّنا

стр. 2680

ذاكَ الرجل؟ فقال: أبشروا. فإن من يأجوجَ ومأجوجَ ألْفٌ، ومنكم رجلٌ. قال: ثم قال رسول الله: "والذي نفسي بيده! إني لأَطْمَعُ أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة" فحمدنا الله وكبَّرْنا. ثم قال: "والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة" فحمدنا الله وكبَّرنا. ثم قال: "والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شَطْرَ أهلِ الجنة". إنَّ مَثَلَكُم في الأمم كمثل الشَّعْرَةِ البيضاء في جِلدِ الثوْرِ الأسودِ أو كالرَّقْمَةِ (١) في ذراع الحمار] (٢). ١٠٠ - ١٠٦. قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾. في هذه الآيات: تفصيلُ إبراز جهنم يوم القيامة للكافرين، الذين كانوا في غفلة وعناد وتكذيب بيوم الدين. فهل ظنوا أن اتخاذهم عباد الله - كالملائكة وعيسى ﵈ أولياء نافعهم أو صارف عنهم العذاب المهين. إنّ الأخسرين الذين بطل عملهم وهم يحسبون أنهم من المحسنين. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ووعده ووعيده المبين، فاستحقوا جهنم يصلونها مع المستهزئين. فقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾. أي: أبرزناها للكافرين أمام أعينهم قبل أن يدخلوها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والضيق في نفوسهم والهلع في قلوبهم، ولها يومئذ سبعة أبواب لكل باب أهله في صليها وولوجها.

стр. 2681

وفي التنزيل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال قتادة: (هي والله منازلهم بأعمالهم). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، معَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (١). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى: وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله، فيتفكَّرُون فيها ولا يتأمَّلون حججه، فيعتبرون بها، فيتذكرون وينيبون إلى توحيد الله، وينقادون لأمره ونهيه، وكانوا لا يستطيعون سمعًا، يقول: وكانوا لا يطيقون أن يسمعوا ذكر الله الذي ذكَّرَهم به، وبيانه الذي بَيَّنَهُ لهم في آي كتابه، بخذلان الله إياهم، وغلبة الشقاء عليهم، وشُغْلهم بالكفر بالله وطاعة الشيطان، فيتعظون به، ويتدبرونه، فيعرفون الهدى من الضلالة، والكفر من الإيمان). والمقصود: إنه لما تعامى هؤلاء الكفار وتغافلوا وتصامّوا عن سماع الحق وإبصار الهدى واتباع سبيل المرسلين، أصَمَّ الله أسماعهم عن سماع الحق فخذلهم عن فهمه وعقله. قال مجاهد: (﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: لا يعقلون). أو قال: (لا يعلمون). وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]. قلت: والاستطاعة الواردة في الآية بمفهوم خلق القدرة على ذلك العمل، وتأتي بمعنى التوفيق. والمعنى: إن الله يخذل الكافرين نتيجة استهزائهم بالحق وتماديهم بالباطل فلا يستفيدون من سمعهم في الحق، وكذلك يخذل المنافقين عن السجود له في أرض المحشر. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٢, ٤٣]. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا] (٢).

стр. 2682

وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾. قال النسفي: (أي أفظن الكفار اتخاذهم عبادي يعني الملائكة وعيسى ﵈ أولياء نافعهم بئس ما ظنوا). وقال القاسمي: (﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي هيأنا ﴿جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ أي شيئًا يتمتعون به عند ورودهم. و"النزل" ما يقام للنزيل أي الضيف. وفيه استعارة تهكمية. إذ جعل ما يعذبون به في جهنم كالزقوم والغسلين، ضيافة لهم). وفي التنزيل: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]. وفي صحيح ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عملَ عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِركَهُ] (١). وفي لفظ: [قال الله : أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك. فَمَنْ عَمِلَ لي عَمَلًا أشْركَ فيه غَيْري، فأنا منه بريءٌ. وهو للذي أشرك]. وفي الباب عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة، قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا جمع الله الأولين والآخرين، يومَ القيامة، لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فيه، نادى مُناد: مَنْ كان أشْرَكَ في عملٍ لَهُ لله، فليطلب ثوابَهُ من عِنْدِ غير الله. فإن الله أغنى الشركاء عن الشِّرك] (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. أي: هل أخبركم بالأخسرين من الخلق؟ إنهم الذين سلكوا مناهج غير مشروعة وعملوا أعمالًا باطلة غير مرضية في ميزان الشريعة، وهم يظنون أنهم مقبولون مرضيون محبوبون، وإنما يفاجَؤون ببوارها يوم القيامة. وهي آية عامة تشمل كل من ضل عن منهاج النبوة، ولو أخلص لأي منهاج آخر. قال البخاري في صحيحه: حَدَّثني محمدُ بنُ بَشَّار: حَدَّثنا محمدُ بن جَعْفَر: حَدَّثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو، عن مُصْعَب قال: [سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هم

стр. 2683

الحَرُوريَّة؟ قال: لا، هم اليهودُ والنصارى، أما اليَهودُ فكذَّبُوا محمدًا ﷺ ، وأمَّا النَّصارى كَفَروا بالجنة وقالوا: لا طعامَ فيها ولا شرابَ، والحَرُورِيَّهُ الذين يَنْقُضُون عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ ميثاقه، وكان سَعْدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين] (١). قال الحافظ ابن كثير: (فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وُجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامَّة في كل من عبدَ الله على غير طريقة مَرْضِيّة يَحْسب أنه مصيبٌ فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطىٌ وعملهُ مردودٌ، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٢ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. أي: إنهم الذين جحدوا التنزيل وحجج الله التي تدعوهم إلى إفراده تعالى بالتعظيم والعبادة، وكفروا بلقائه في يوم يضع سبحانه فيه أعمال العباد على الميزان، فما وافق الحق رجح وما كان على غير ميزان الشريعة جعله هباء منثورًا. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: [إنه ليأتي الرَّجُلُ العظيم السمينُ يَوْمَ القيامة، لا يَزِنُ عِند الله جَناحَ بعوضة - وقال -: اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾] (٢). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أولئك ثوابهم جهنم بكفرهم بالله، واتخاذهم آيات كتابه، وحجج رسله سخريًا، واستهزائهم برسله).

стр. 2684

١٠٧ - ١٠٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾. في هذه الآيات: إخبار عن الصورة المقابلة لأصحاب الجحيم، صورة السعداء في جنات النعيم، في الفردوس سرّ الجنة وأعلاها ووسطها تحت عرش الرحمن الكريم، ﴿نُزُلًا﴾ أي ضيافة لهم خاصة بهم من ربهم العلي العظيم. وهم فيها مقيمون لا يظعنون عنها أبدًا ولا يرحلون. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [من آمنَ بالله ورسوله، وأقام الصلاةَ، وصامَ رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلسَ في أرضه التي وُلِدَ فيها. قالوا: يا رسول الله، أفلا نُنَبِّئُ الناسَ بذلك؟ قال: إنَّ في الجنة مئةَ درجةٍ أعَدَّها الله للمجاهدين في سبيله، كُلُّ درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فَسَلوه الفِردوس، فإنهُ أوسطُ الجنة وأعلى الجنة، وفوقَه عرشُ الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهار الجنة] (١). وله شاهد عند الطبراني من حديث العرباض، عن النبي ﷺ قال: [إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه سرّ الجنة]. قال القاسمي في "التفسير": (﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾: أي تحولًا، لبلوغهم الكمال في نعيمها. فلا شوق لهم فيما وراءها. وفيه تنبيه على شدة رغبتهم فيها، وحبهم لها. مع أنه قد يتوهم، فيمن هو مقيم في مكان دائمًا، أنه يسأمه أو يمله. فأخبر أنهم، مع هذا الدوام والخلود السرمديّ، لا يختارون عن مقامهم متحوَّلًا). ١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ

стр. 2685

تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾. في هذه الآيات: تعظيمُ كلمات الله وآفاق معانيها وروائع علومها، وإثبات بشرية الرسول ﷺ وتلقيه الوحي من الله رب السماوات والأرض وباريها، وذِكْرُ سرّ النجاة وسعادة الدارين: إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، والتماس العمل الصالح على منهاج الوحيين. فعن مجاهد: (﴿الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ للقلم). قال قتادة: (يقول: إذًا لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه). والمقصود: قل - يا محمد - مخبرًا عن عظمة كلمات ربك وصفاته وآياته وحكمه: لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات الله وحكمه وما يخبر عن آياته ومعاني أسمائه وصفاته لنفد البحر قبل الفراغ من ذلك، ولو رفدته بحور الدنيا ومحيطاتها. وفى التنزيل نحو ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. قال الربيع بن أنس: (إن مثلَ علم العباد كُلِّهم في علم الله كَقَطْرَةٍ من ماء البحور كُلِّها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ يقول: لو كان البحر مِدَادًا، والشجر كُلُّها أقلامٌ، لانكسرت الأقلام وفنيَ ماءُ البحر، وبَقِيت كلماتُ الله قائمةً لا يُفنيها شيء، لأن أحدًا لا يستطيع أن يقْدُرَ قدرها وَلا يُثني عليه كما ينبغي، حتى يكونَ هو الذي يُثني على نفسه، إن رَبَّنا كما يقول وفوق ما نقول، إنَّ مَثَلَ نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبَّةِ من خَرْدَلٍ في خلال الأرض). وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. قال القرطبي: (أي لا أعلم إلا ما يعلِّمني الله تعالى، وعلم الله تعالى لا يحصى، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إله إلا الله). وقال ابن كثير: (يقول تعالى لرسوله محمد - صلوات الله وسلامه عليه -: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فمن يَزْعُمُ أني كاذب

стр. 2686

فَلْيَأتِ بمثلِ ما جئتُ به، فإني لا أعلمُ الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخَبَر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعَني الله عليه. وأنا أخبركم ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ الذي أدعوكم إلى عبادته، ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له). وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. أي: فمن كان يرجو لقاء الله فيخاف الموقف بين يديه، ويأمل الفوز بثوابه وجناته، والظفر بلذة النظر إلى وجهه، فليعمل عملًا خالصًا لوجهه موافقًا لشريعته، ولا يشرك بعبادته أحدًا. والآية دليل على ركني العمل الصالح المتقبل: الركن الأول: أن يكون العمل خالصًا لوجه الله العظيم. الركن الثاني: أن يكون موافقًا للشريعة المطهرة، كما جاء في التنزيل وهدي الرسول الكريم. قال الفضيل بن عياض: (فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة). وقال شيخ الإسلام - ابن تيمية -: (وإذا كانت جميع الحسنات، لا بد فيها من شيئين: أن يراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة، فهذا في الأقوال والأفعال. في الكلم الطيب، والعمل الصالح، في الأمور العلمية، والأمور العملية العبادية). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. ومن كنوز السنة المطهرة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 2687

قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربِّه ، أنه قال: [أنا خيرُ الشركاء، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا منه بريءٌ، وهو للذي أشرك] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجه بسند حسن عن أبي سعيد بن أبي فَضَالَةَ الأنصاري - وكان من الصحابة - أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إذا جَمَعَ الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشركَ في عملٍ عملهُ لله أحدًا فليطلبْ ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك] (٣). الحديث الرابع: أخرج أحمد والطبراني بسند جيد عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله به، ومن راءى راءى الله به] (٤). وفي رواية من طريق ابن عمرو: [من سَمَّعَ الناس بعمله، سَمَّعَ الله به مسامعَ خلقه وصغّره وحقّره]. وعن سفيان: (﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قال: لا يرائي) - رواه ابن جرير. تم تفسير سورة الكهف بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه ° ° °

стр. 2688

دروس ونتائج وأحكام ١ - القرآن نذارة للكافرين، وبشارة للمؤمنين العاملين. ٢ - الشباب أقبل للحق من الشيوخ الذين انغمسوا في الباطل وشابوا على ذلك. ٣ - تعارف أصحاب الكهف بالإيمان الذي جمع قلوبهم على الهدى. ٤ - لا تشرع العزلة إلا عند وقوع الفتن والخشية على الدين. ٥ - قصة أهل الكهف دليل على البعث والنشور. ٦ - حذر الرسول ﷺ من اتخاذ القبور مساجد، ولعن فاعل ذلك. ٧ - يغاث الكافرون يوم القيامة بالمهل، ويرفل المؤمنون في حلل السندس. ٨ - استدراج الله الكافر بكثرة الرزق لا يعني أن ذلك كرامة. ٩ - مردود حسن ظن المؤمن بربه، خير من المال والولد. ١٠ - التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير هن الباقيات الصالحات. ١١ - الذنوب تجمع على الرجل يوم القيامة كما يجمع ركام الحطب. ١٢ - ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن. ١٣ - يفرق الله بين المشركين وآلهتهم يوم القيامة. ١٤ - إن توقع العذاب والخوف من أهواله قبل وقوعه عذاب ناجز. ١٥ - جزاء الإعراض عن الحق الحيلولة دون فهمه جزاء وفاقًا. ١٦ - مشروعية السفر المتعب لطلب العلم، ويؤجر المؤمن على جهاده. ١٧ - عتب الله تعالى على موسى ﵇ لأنه لم يرد العلم إليه تعالى. ١٨ - إن موسى صاحب الخضر، هو موسى صاحب بني إسرائيل. ١٩ - لم يصبر موسى على كل ما فعله الخضر، فحصلت المفارقة.

стр. 2689

٢٠ - الخضر نبي ﷺ وتوفاه الله في حينه، وأخبار حياته موضوعة. ٢١ - ذو القرنين ملك مؤمن موحد، آتاه الله ملكًا وسلطانًا عظيمًا. ٢٢ - يأجوج ومأجوج أكبر فتنة بعد الدجال، ولكن الله يصرعهم دون قتال. ٢٣ - التقم إسرافيل الصور وحنى جبهته واستمع متى يؤمر. ٢٤ - الضالون هم الأخسرون أعمالًا، ويحسبون أنهم على حق. ٢٥ - كلام الله أجلّ وأعلى وأمنع من أن يحصى، ومن كان يؤمن بالله ولقائه فليعمل صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا. ° ° °

стр. 2690

١٩ - سورة مريم وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩٨). أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن أم سلمة ﵂ -في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة-[فقال له النجاشي -أي لجعفر بن أبي طالب ﵁: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأهُ عليّ. فقرأ عليه صَدْرًا من كهيعص. قالت: فبكى واللهِ النجاشي حتى أخْضلَ لحيتَهُ، وبكت أساقفَتُهُ حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة] (١). موضوع السورة قصة مريم وابنها عيسى ﵉، وخبر الأنبياء والرسل الكرام، ومصير المكذبين، ومستقر المتقين. - منهاج السورة - ١ - مناجاة زكريا ربه يشكو إليه الضعف ويسأله الوريث لحمل الأمانة ومنهاج النبوة. ٢ - نزول البشارة على زكريا يبشره الله بغلام اسمه يحيى، وتَعَجُّبُه من ذلكَ وقد كبر وامرأتهُ لم تلد، واللهُ على كل شيء قدير.

стр. 2691

٣ - سؤال زكريا ربه آية على البشارة، فَحُبِسَ لسانه عن الكلام ثلاث ليالِ إلا رمزًا. ٤ - أمْرُ الله تعالى يحيى حمل الكتاب بقوة، وإنعامهُ تعالى عليهِ بالعلم والفهم والعمل الصالح وبر الوالدين والأمان في المواطن الثلاث: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًّا. ٥ - قصة مريم ﵍، وإيجاد الله ولدها - من غير أب - عيسى ﵇. ٦ - اعتزال مريم بحملها مكانًا نائيًا، وتحرك المخاض، ومناداة الصبي تحتها، وامتنان الله عليها بالطعام والشَّراب وقرة العين، ونذرها الإمساك عن الكلام. ٧ - مجيء مريم قومها تحملُ وليدها أمام تعجبهم من أمرها، وتكلم الصبي في المهد. ٨ - تبيان الله خبر عيسى على الحقيقة، وتنزيه نفسه تعالى عن الولد، وأن أمرهُ تعالى كن فيكون، ودعوة عيسى قومه إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة والتعظيم. ٩ - ذِكْرُ اختلاف الناس في شأن عيسى ﵇، وتوعد الله الكافرين مشهد يوم عظيم. ١٠ - ذِكْرُ استماع الكفار وإبصارهم يوم القيامةِ بعد فوات الأوان، وإنذار النبي ﷺ مشركي قومه يوم التحسر والندم وشدة الزحام، وإخبار الله سبحانه أنه الخالق المتصرف وإليهِ مرجعُ جميع الأنام. ١١ - حوار إبراهيم ﷺ مع أبيه يدعوه إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة والتعظيم، ويحذره مغبة أتباع منهاج الشيطان الرجيم، ثم اعتزاله قومه وشركهم، ومؤانسة الله لهم بإسحاق ويعقوب في المرسلين. ١٢ - ذكر خبر موسى وهارون، وخبر إسماعيل وإدريس، وثناء الله على المرسلين. ١٣ - ذكر حال الأشقياء الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وما ينتظرهم من العذاب، إلا من تدارك نفسه بالتوبة واستغفر ربه وأناب. ١٤ - إعلانُ جبريل ﵇، أن تَنزُّلَهُ بأمر الله رب السماوات والأرض، وشد عزيمة النبي ﷺ في الصبر على مشاق الطريق. ١٥ - تكذيب الكافر بالبعث والحساب، وقد خلقه الله من العلم ووعدهُ على كفره العذاب، فالنار حق والصراط على جهنم يسقط فيها المجرمون، وينجو بإذن الله المتقون.

стр. 2692

١٦ - إخبار عن سلوك الكفار حين تُتلى عليهم آيات الرَّحمان، وقد أهلك الله من قبلهم من المستهزئين وكانوا أشد قوة وأصحاب صروح وبنيان، فالله يمهل الكافرين، ويثبت ويهدي المؤمنين. ١٧ - تهديد ووعيد لذلك الكافر الذي يزعم أن له عند الله مالًا وولدًا. ١٨ - اتخاذ الكافرين آلهة من دون الله سيكفرون بها يوم الدين، والله تعالى يرسل الشياطين تؤز الكافرين. ١٩ - نَعْتُ الله حال المتقين كيفَ يردون إليه وفدًا، في حين يساق المجرمون إلى جهنم وردًا، ولا شفيعَ لهم فإن الشفاعة تنال من اتخذ عند الله عهدًا: شهادة أن لا إله إلا الله ينال بها العبد سعادة ومَجدًا. وأما من زعم لله ولدًا فإن السماوات والأرض والجباب تكاد تتمزق لفريته هدًّا. فكل ما في السماوات والأرض يأتي يوم القيامة عبدًا، واللهُ أحصاهم جميعًا وعدّهم عدًا. ٢٠ - ضمان من الله تعالى لعبادهِ المؤمنين، بجعل المودة لهم في الأرض وحسن الذكر في الصالحين، وهذا القرآنُ بشارة للمتقين، ونذارة للفجار الآثمين. * * *

стр. 2693

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن مناجاة عبده زكريا، يشكو إلى ربه الوهن والضعف والمشيب المنذر بالرحيل، ولا وريث يحمل أمانة هذا الدين، فهو يسأل الله تعالى وريثًا على منهاج النبوة. فقوله: ﴿كهيعص﴾ - هو على مفهوم الحروف المقطعة السابقة في أوائل السور. ومفاده الإعجاز لهذا الكتاب العظيم، المؤلف من هذه الحروف المعروفة، والتحدي قائم إلى قيام الساعة أن يأتي أحد بمثل هذا النظم الكريم. وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾. قال ابن كثير: (أي: هذا ذكر رحمة ربكَ بعبده زكريا). وزكريا ﵊ هو أحد أنبياء بني إسرائيل، وكان يأكل من عمل يديهِ في النِّجارة. وقد صنّف الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل بابًا سماهُ: "بابُ من فضائل زكرياء، ﷺ ". روى فيهِ عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [كان زَكَرِيَاءُ نَجَّارًا] (١). ورواه ابن ماجه بلفظ: [كانَ زَكريا نَجَّارًا]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾. قال ابن جريج: (لا يريدُ رياء).

стр. 2694

وقال قتادة: (أي سرًّا، وإن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الخفي). وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾. قال السدي: (فكان نداؤه الخفي الذي نادى بهِ ربه أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يعني بقوله: ﴿وَهَنَ﴾ ضعف ورقَّ من الكبر). وقال مجاهد: (نحَلَ العظم). وقال قتادة: (أي ضعف العظم مني). وقال الثوري: (وبلغني أن زكريا كانَ ابن سبعين سنة). والمقصود: أنه يشكو إلى الله الضعف وقد خارت القوى. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾. قال النسفي: (تمييز، أي فشا في رأسي الشيب، واشتعلت النَّارُ إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلًا، فشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار). وعن ابن جريج: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يقول: قد كنتُ تعرفني الإجابة فيما مضى). أي: لم أعهد منكَ ربِّ إلا الإجابةَ في الدعاء، وما خيبتني قط عند الرجاء، بل كنتَ تجيبني وتقضي حاجتي ما سألتك. وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾. الموالي هنا الأقارب وبني العم والعصبة الذين يلونه في النسب. والعرب تسمي بني العم الموالي. قال مجاهد: (أرادَ بالموالي العصبة). وقال أبو صالح: (الكلالة). وروي عن عثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين: أنهم كانوا يقرؤونها: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أي: قلت عصباتي من بعدي. ومن ثمَّ قال للآية تأويلان: التأويل الأول: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: (خاف أن يرثوا مالهُ وأن ترثهُ الكلالة فأشفق أن يرثه غير الولد). التأويل الثاني: قال الزجاج وغيره: (إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب وليًا يقوم بالدين بعده). والراجح التأويل الثاني لثلاثة أسباب: ١ - الأنبياء أعظم قدرًا ومنزلة من الإشفاق على أموالهم ودنياهم من بعدهم.

стр. 2695

٢ - لم يذكر أن زكريا كان كثير المال، بل كان نجارًا يأكلُ من عمل يدهِ. ٣ - لقد ثبتَ في الصحيحين وبعض السنن من حديث أبي بكر مرفوعًا: [إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة] (١). وكذلكَ في سنن أبي داود وابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: [وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ورثوا العلمَ فمن أخذه أخذ بحظ وافر] (٢). وهذا التأويل هو اختيار القرطبي وابن كثير والقاسمي وغيرهم من المفسرين. قال القاسمي: (﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أي الذين يلون أمر رهطي من بعد موتي، لعدم صلاحية أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت أقوم به، من الإرشاد ووعظ العباد، وحفظ آداب الدين. والتمسك بهديه المتين). وقوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وكانت امرأتي لا تلد). وقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾. أي: فارزقني من عندكَ ولدًا يكون لي وارثًا ومعينًا. وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾. قال الحسن: (نبوّته وعلمه). وقال السدي: (يرث نبوته ونبوة آل يعقوب). وقال مجاهد: (كان وراثته عِلْمًا، وكان زكريا من ذرية يعقوب). وقال أبو صالح: (يكون نبيًّا، كما كانت آباؤه أنبياء). وقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾. أي: مرضيًا في أخلاقه وأفعاله، راضيًا بقضائكَ وقدرك، تحبّهُ وتحبّبه إلى خلقك. ٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ

стр. 2696

تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾. في هذه الآيات: نزولُ البشارة من الله على زكريا بغلام يولد له اسمه يحيى يُفرد بتسميته. وتعجب زكريا من حصول ذلكَ وامرأتهُ لم تلد وقد كبر هو وعَسَا عَظْمُه ونحُل. وتثبيتُ الله إياه بذكر عجائب قدرته في خلقه قبل يحيى وقد كان عدمًا. وسؤال زكريا ربه آية على البشارة فقال آيتك أن يُحْبسَ لسانُكَ عن الكلام ثلاث ليال وأنتَ صحيح سوي. فخرج على قومهِ فأشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا. فقوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ - فيه إجابةُ الله تعالى ذلكَ الدعاء. قال القرطبي: (في الكلام حذف، أي فاستجاب الله دعاءه فقال: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ فتضمنت هذه البشرى ثلاثة أشياء: أحدها: إجابة دعائه وهي كرامة. الثاني: إعطاؤه الولد وهو قوة. الثالث: أن يفرد بتسميته). وفي التنزيل نحو ذلك: قال سبحانه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٨ - ٣٩]. وعن قتادةَ: (قوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ عبدٌ أحياه الله للإيمان). أي: إنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان، واللهُ تعالى أعلم. وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. فيه أقوال متكاملة: ١ - قال ابن عباس: (يقول: لم تلد العواقر مثله ولدًا قط). ٢ - وقال مجاهد: (﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: شبيهًا. وبنحوه قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، أي شبيهًا. ٣ - وقال قتادة: (لم يسمَّ يحيى أحد قبله). وقال ابن زيد: (لم يسمّ أحد قبله بهذا الاسم). واختاره ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾. قال ابن زيد: (العتي: الذي قد عتا عن الولد فيما يرى نفسه لا يولد له). وعن ابن عباس قال: (يعني بالعتي: الكبر). وقال مجاهد: (نُحول العظم).

стр. 2697

قال ابن كثير: (هذا تعجب من زكريا ﵇ حين أُجيبَ إلى ما سأل، وَبُشِّرَ بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يُولَدُ له، والوجهُ الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأتهُ عاقرٌ لم تَلد من أول عمرها مع كِبَرِها، ومع أنه قد كبر وعَتا، أي: عسَا عَظْمُهُ ونحُل، ولم يبق فيه لقاحٌ ولا جماع). وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. أي: قال الملكُ مجيبًا لزكريا فيما تَعَجَّبَ منه: هذا قضاء الله في إيجاد الولد منكَ ومن زوجتك، وهو أمر يسير سَهْل على الله تعالى وأعجبُ من ذلك أن أوجدتكَ من قبل يحيى ولم تك شيئًا بل كنتَ عدمًا. قال القرطبي: (أي كما خلقكَ اللهُ تعالى بعد العدم ولم تك شيئًا موجودًا، فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده). وفي التنزيل نحو ذلك: قوله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال ابن زيد: (قال: قال رب اجعل لي آية أن هذا منك). يعني: اجعل لي علامةً ودليلًا على ما بشرتني به ملائكتكَ من قدوم هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ليطمئن قلبي وتسكن نفسي إلى ما وعدتني. قال: آيتكَ أن يُحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنتَ صحيح سوي من غير مرض ولا علة. وعن ابن عباس: (قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾. قال: ثلاث ليال متتابعات). قال السدي: (يقول من غير خَرَس إلا رمزًا، فاعتُقل لسانهُ ثلاثة أيام وثلاث ليال). وقال ابن زيد: (فحبس لسانه، فكان لا يستطيع أن يكلم أحدًا، وهو في ذلكَ يسبح، ويقرأ التوراة ويقرأ الإنجيل، فإذا أرادَ كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم). قلت: والذي ذهب إليه ابن زيد هو الراجح في فهم الآية، لموافقة ذلكَ لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.

стр. 2698

وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قال ابن جريج: (أشرف على قومهِ من المحراب). أي: الذي بُشِّرَ فيه بالولد. وقال ابن زيد: (المحراب: مُصلاه، وقرأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]). وعن مجاهد: (﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ أي: أشار إليهم. وفي رواية كتب لهم في الأرض). وقال قتادة: (أومى إليهم). قال ابن زيد: (ما أدري كتابًا كتبهُ لهم، أو إشارة أشارها، واللهُ أعلم، قال: أمرهم ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وهو لا يكلمهم). ١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى يحيى أخذ التوراة بقوة وعزيمة، وإنعامُه تعالى عليه بالعلم والفهم والرحمة والعمل الصالح الزكي، وبر الوالدين ولين الجانب، وأتبع ذلكَ سبحانهُ بأمان عليه في المواطن الثلاثة: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًّا. فقوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. قال مجاهد وقتادة: (بجدّ). وقال ابن زيد: (القوة أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله). والخطاب ليحيى بن زكريا بعدما ولد وصار صبيًا مُهَيَّأً لحمل الأمانة. والمقصود بالكتاب: التوراة، أي يقول الله له: يا يحيى خذ هذا الكتاب الذي أنزله الله على موسى، وهو التوراة بجدٍّ وعزيمة، وأقم أمر الله في الأرض. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. قال ابن كثير: (أي الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حديث السِّن). وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾. قال ابن عباس: (يقول: ورحمة من عندنا). وقال مجاهد: (وتعطفًا من ربه عليه). وقال عكرمة: (محبّةً عليه). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبّة له آتيناه الحكم صبيًا). وقيل: هي رحمة عظيمة يشفق بها على الخلق. قلت: وكذا المعنيين حق. وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾. معطوف على ﴿وَحَنَانًا﴾. والزكاة هنا: الطهارة من الذنوب والعمل بطاعة الله.

стр. 2699

قال قتادة: (الزكاة: العمل الصالح). وقال ابن جريج: (العمل الصالح الزكيّ). قال النسفي: ﴿وَزَكَاةً﴾ أي طهارة وصلاحًا فلم يعمد بذنب). وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾. أي: مسلمًا مطيعًا. قال ابن عباس: (طهر فلم يعمل بذنب). وقوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾. أي: كما أقام دينهُ وقام بطاعة ربه ، فإنّه جَمَعَ إلى ذلك بِرَّ الوالدين ومجانبة عقوقهما. قال القرطبي: (و ﴿جَبَّارًا﴾ متكبرًا. وهذا وصف ليحيى ﵇ بلين الجانب وخفض الجناح). وقال القاسمي (﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ أي: متكبرًا عاقًّا لهما، أو عاصيًا لربه). وقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. أي: وأمان عليهِ من الله في هذه المواطن الثلاثة، وهي أدقّ الأحوال في تاريخ الإنسان. يروي ابن جرير بسندهِ عن سفيان بن عيينة يقول: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسهُ خارجًا مما كانَ فيهِ، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يُبعثُ فيرى نفسهُ في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾). ١٦ - ٢١. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾. في هذه الآيات: عَطْفٌ على قصة زكريا ﵇ وإيجاد الله منه الولد -الزكي الطَّاهر- حال كبره وعقم زوجته، بقصة مشابهة مناسبة للقران والمماثلة، وهي قصة مريم في إيجاده تعالى منها ولدها عيسى ﵉ من غير أب.

стр. 2700

فقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. أي: اذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزلهُ عليكَ بالحق مريم ابنة عمران ﵍ حين اعتزلت من أهلها فاتخذت موضعًا قبل مشرق الشَّمس دون مغربها. قال قتادة: (﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾. أي انفردت من أهلها). وعن ابن عباس: (﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مكانًا شرقيًّا). قال السدي: (خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: فانتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا: في شرقيّ المحراب). قال ابن عباس: (إني لأعلم خلق الله لأيّ شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة، لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة). وفي رواية عنه قال: (إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحجّ لله، وما صرفهم عنهما إلا قيل ربك: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ فصلوا قبل مطلع الشَّمس). وقال قتادة: (﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: شاسعًا متنحيًا). ومريم بنت عمران -كما ذكر الحافظ ابن كثير في التفسير- من سلالة داود ﵇، وكانت من بَيْتٍ طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادةِ أمِّها لها في [آل عمران]، وأنها نذرتها مُحَرَّرة، أي: لخدمة بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلكَ، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدُّؤوب، وكانت في كفالةِ زوج أختها -وقيل: خالتها- زكريا نبيُّ بني إسرائيل إذْ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بَهرهُ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، فذكر أنه كانَ يجد عندها ثَمَرَ الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء. فلما أرادَ الله تعالى -وله الحكمة والحجّة البالغة- أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾، أي: اعتزلتهم وتنحَّت عنهم، وذهبت إلى شرقيّ المسجد المقدس. وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾. أي: توارت عنهم واستترت بستر يحجبها عنهم.
следующие страницы →