← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

وأمر القيامة من أهل ذلك الزمان. قال عكرمة: (كان منهم طائفة قد قالوا: تُبْعَثُ الأرواح ولا تُبْعث الأجساد). وقوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ - يعني: الذين أعثروا على الفتية في تنازعهم في أمر القيامة. قال ابن كثير: (فمن مُثْبت لها ومِنْ مُنْكر، فجعل الله ظهورَهم على أصحاب الكهف حُجَّة لهم وعليهم). وقوله: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾. أي: سُدّوا عليهم باب كهفهم الذي هم فيه، وذروهم على حالهم. قيل: لما استغرب الرجل الذي أرسلوه ليشتري لهم طعامًا تغير الأحوال، عمد إلى رجلٍ ممن يبيع الطعام فأنكر ضرْب تلك النقود، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها، حتى حملوه إلى ولي الأمر، فلما أرشدهم إلى الكهف دخل وأخفى الله أمرهم، وقيل بل سلّم عليهم الملك وفطن أمرهم وكان مسلمًا، ثم ودَّعوه وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم وتوفاهم الله ، والله أعلم بحقيقة ذلك. فهنالك قال أصحاب الكلمة والنفوذ فيهم كما حكى الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. قال النسفي: (يصلي فيه المسلمون، ويتبركون بمكانهم). قلت: وليس في الذي صنعوه حجة على دفن الصالحين في المساجد أو اتخاذ القبور فيها أو بناء المساجد عليها. فإن ذلك لم يكن تصرف أهل العلم في ذلك الزمان بل أهل النفوذ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن شريعتنا ناسخة لما قبلها. وقد جاءت رسالة النبي ﷺ بالوعيد الشديد على من فعل ذلك. ففي التنزيل: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وفي صحيح السنة المطهرة في الترهيب من ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: [لما نُزِلَ برسول الله ﷺ طفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها فقال: - وهو كذلك - لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذِّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرِزَ قبره، غير أنه خَشِيَ أن يُتَّخَذَ مسجدًا] (١).

стр. 2627

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي عبيدة قال: [كانَ آخِرُ ما تكلمَ به أن قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ، لا يبقَيَنَّ دينان بأرض العرب] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في المسند، عن أبي هريرة مرفوعًا: [اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد] (٢). هذا لفظ أحمد. ولفظ مالك: [اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد]. وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. إخبار من الله تعالى عن اختلاف الناس في عِدّة أهل الكهف على ثلاثة أقوال. ويبدو من إشارة الآية ضعف القولين الأولين. قال قتادة: (﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: أي قذفًا بالغيب). أو قال: (قذفًا بالظن). والمراد محاولة للقول بلا علم قد يصيب وقد يخطئ. وأما القول الثالث: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فقد جاء الأثر عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال: (أنا من القليل الذي استثنى الله ، كانوا سبعة) - وفي روايات ذلك أسانيد صحيحة إلى ابن عباس. وإنما الأحسن من كل هذا ما أرشد الله تعالى إليه بقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إذ العبرة بمعاني القصة ومنهاجها لا بِعدّة أصحابها وأسمائهم وصفاتهم. وعن ابن زيد: (﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ قال: لا تمار في عدتهم). وعن مجاهد: (﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: أي حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم، ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ من يهود، قال: ولا تسأل يهود عن أمر أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرتك من أمرهم). وعن ابن عباس: (﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ قال: هم أهل الكتاب). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

стр. 2628

إرشادٌ من الله سبحانه لرسوله ﷺ وأمته من باب الأولى - الأدب فيما يُعزم عليه من الفعل في المستقبل، وذلك برد المشيئة دومًا إلى علام الغيوب ﵎. قال القرطبي: (فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذبًا، وإذا قال: لأفعلن ذلك إن شاء الله خرج عن أن يكون محقّقًا للمخبر عنه). وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال سليمانُ بن داودَ ﵉: لأطوفَنَّ الليلة بمئة امرأة، تَلِدُ كُلُّ امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله. فقال له المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلم يقل ونسِيَ، فأطافَ بِهنَّ، ولم تَلِدْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ نِصْفَ إنسان. قال النبي ﷺ : لو قال إنْ شاءَ الله، لمْ يحنَثْ، وكانَ أرْجَى لحاجته] (١). وفي لفظ مسلم: [فلم تحمِلْ منهن إلا امرأة واحدة، فجاءت بشق رجل، وَايْمُ الذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فُرْسَانًا أجمعون]. وفي لفظ آخر: [فقال رسول الله ﷺ : لو كان استثنى، لولدت كُلُّ واحدةٍ منهن غلامًا فارسًا، يُقاتِل في سبيل الله]. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر، يبلغ به النبي ﷺ ، قال: [مَنْ حَلَفَ على يمينٍ، فقال: إن شاء الله فقد استثنى] (٢). وله شاهد عنده عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ حَلَفَ فاستثنى، فإن شاء رَجَعَ، وإن شاء ترك غيرَ حِنْثٍ]. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ - أمر بالذكر بعد النسيان. قال الحسن: (إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله، فليقل: إن شاء الله). وقال عكرمة: (اذكر ربك إذا عصيت). قلت: فإن صح تفسير الحسن فهو خاص بالنبي ﷺ ، وإلا فالاستثناء المفيد لا يصح إلا متصلًا في مجلس الذكر. والأولى حمل الآية على ذكر الله تعالى الذي يطرد الشيطان، وذلك أن منشأ النسيان من الشيطان، كما في التنزيل: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا

стр. 2629

الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. ومن ثم فالخطاب يعمّ جميع الأمة. وفي الحديث: [إذا نسيَ أحدُكم اسمَ الله على طعامه فليقل إذا ذكر: باسم الله أولَه وآخره] (١). وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا سُئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجَّه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك. وقيل غير ذلك في تفسيره، والله أعلم). ٢٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ الله تعالى عن لبث أهل الكهف في كهفهم ثلاث مئة وتسع سنين، وأنه تعالى الأعلم بذلك والأبصر بكل موجود والأسمع لكل مسموع، ولا يخفى عليه شيء، وأنّه الحكم لا يشاركه أحد في قضائه وحكمه . فقوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. قال النسفي: (الجمهور على أن هذا إخبار من الله أنهم لبثوا في كهفهم كذا مدة). وفي الآية إشارة إلى تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين الهلالية، فإن الفرق بين كل مئة سنة بالقمرية إلى الشمسية هو ثلاث سنين. ومن ثمّ فقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ تفصيل ثلاث مئة سنة بالشمسية أنها ثلاث مئة سنة وتسع سنين بالهلالية، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي: لا يعلم مدة لبث أصحاب الكهف في كهفهم إلا الله علام الغيوب، فسلموا له علم ما غاب عنكم ولا تخوضوا به دون علم، ولا تتكلفوا علم ما لا يفيدكم. وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ - مبالغة في المدح. قال قتادة: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع، تبارك

стр. 2630

وتعالى). وقال ابن زيدة (يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا). قال القاسمي: (أي ما أبصره لكل موجود! وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه شيء ولا يحجب بصره وسمعه شيء). وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: مَا لِخَلْقِهِ دون ربهم الذي خلقهم ولي، يلي أمرهم وتدبيرهم، وصرفهم فيما هم فيه مُصَرَّفون، ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ يقول: ولا يجعل الله في قضائه، وحكمه في خلقه أحدًا سواه شريكًا، بل هو المنفرد بالحكم والقضاء فيهم، وتدبيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحبّ). ٢٧ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى رسوله ﷺ بتلاوة كتابه وإحكام الصلة به، فإنه لا مُغَيِّر لما أوعد بكلماته، ولا ملجأ منه إلا إليه. وكذلك أَمْرُه بالصبر في الحياة مع المؤمنين المستضعفين الذين يرجون رحمته تعالى ويخشون عذابه، وعدم الافتتان بأهل الزينة والمتاع ممن اتبع هواه وكان أمره باطلًا. فقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ - أَمْرٌ من الله تعالى رسولَه ﷺ بتلاوة كتابه الكريم وزيادة الصلة به لإبلاغه إلى الناس. وقوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ - قال ابن جرير: (يقول: لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك أهل معاصيه، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك). وقال ابن كثير: (﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾، أي: غير مُغَيِّر لها ولا محرف ولا مؤوّل). وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. قال مجاهد: (ملجأ). وقال قتادة: (موئلًا). وقال ابن زيد: (لا يجدون ملتحدًا يلتحدونه، ولا يجدون من دونه ملجأ ولا أحدًا يمنعهم). وأصل الملتحد من اللحد، يقال: لحدت إلى كذا، إذا ملت إليه. ومنه اللحد يكون في القبر.

стр. 2631

وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: اصبر نفسك يا محمد على مجالسة أصحابك الذين يتضرعون إلى الله تعالى بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير صباح مساء يبتغون نصره ورضاه، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أوضعفاء. وقد كان بعض أشراف قريش يتكبرون عن مجالسة النبي ﷺ والسماع منه طالما جلس معه ضعفاء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود، فحدّث نفسه بشيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ففي صحيح مسلم عن سعد ﵁ قال: [فيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تدْني هؤلاء] (١). وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن أبي الكَنود، عن خباب. في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾. . إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. قال: [جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حِصْنٍ الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صُهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم. فأتوه فَخَلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعلَ لنا منك مجلسًا، تَعْرِفُ لنا به العرب فضلنا. فإن وفود العرب تأتيك فنسْتحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد. فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك. فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم"، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبرائيل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]. ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].

стр. 2632

قال: فدنونا منه حتى وضعنا رُكَبَنا على ركبته. وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا. فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ (ولا تجالس الأشراف) ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (يعني عيينة والأقرع) ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. (قال: هلاكًا)، قال: أمْرُ عيينة والأقرع. ثم ضرَب لهم مثلَ الرجلين ومثلَ الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ . فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم] (١). وفي سنن ابن ماجه أيضًا بإسناد صحيح عن سعد قال: [كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال ابن عباس: (لا تجاوزهم إلى غيرهم). أي: لا تتعدهم إلى غيرهم تبغي بمجالستهم الشرف والفخر. وعَن ابن زيد: (﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: تريد أشراف الدنيا). وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. أي: ولا تطع يا محمد من غلب الشقاء على قلبه ممن يسألونك طرد المؤمنين ليقبلوا مجالستك، وممن يؤثرون اتباع هوى نفوسهم على طاعة ربهم وعبادته. وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. قال مجاهد: (ضياعًا). وقال عباد بن راشد عن داود: (ندامة). وقال أبو الكنود، عن خباب: (﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: هلاكًا). وقال ابن زيد: (مخالفًا للحق، ذلك الفُرُط). واختار ابن جرير أن يكون المعنى: (ضياعًا وهلاكًا). وقال ابن كثير: (﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي: أعماله وأفعاله سفَهٌ وتفريطٌ وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا مُحِبًّا لطريقته، ولا تَغْبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا

стр. 2633

بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]). ٢٩ - ٣١. قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾. في هذه الآيات: توجيهُ الله تعالى نبيّه ﷺ إلى الأسلوب الأمثل في مواجهة قومه بوضعهم أمام اختيار أحد السبيلين: سبيل الهدى والإيمان، وسبيل الكفر والطغيان. فالسبيل الأول مآل أهله إلى الجنان، حيث الأنهار وأساور الذهب وأنعم الثياب وأسعد الأيام. والسبيل الثاني مآل أهله إلى صلي النيران، حيث الأغلال والحريق وماء المهل وأتعس الأزمان. فقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ - إرشادٌ من الله تعالى لنبيّه كيف يواجه هؤلاء المتكبرين من قومه. قال ابن جرير: (- يقول -: الحق أيها الناس من عند ربكم، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال يهدي من يشاء منكم للرشاد، فيؤمن، ويضل من يشاء عن الهدى فيكفر، ليس إليّ من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من كان للحق متبعًا). وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. أي: فإن شئتم فاختاروا الإيمان وطريق الجنان، وإن أبيتهم إلا الكفر فقد اخترتم طريق الهلاك والخسران. ولا شك أن مشيئتكم مقهورة بمشيئة الله العزيز الحكيم. قال ابن عباس: (من شاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر. قال: وإنما هو تهديد ووعيد). وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾. أي: سورها وجدارها. قال ابن عباس: (هي حائط من نار). وقال ابن زيد: (يقول: أحاط سرادق النار

стр. 2634

التي أعدّها الله للكافرين بربهم، وذلك فيما قيل: حائط من نار يطيف بهم كسرادق الفسطاط). وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾. المهل: سائل أسود مُنْتِنٌ غليظٌ حارٌّ، يشوي وجه الكافر إذا قرّبه من وجهه ليشرب منه. قال ابن عباس: (المهل: ماء غليظ مثل دُرْدِيِّ الزيت). وقال مجاهد: (هو كالدم والقيح). وقال عكرمة: (هو الشيء الذي انتهى حَرُّه). وقال الضحاك: (ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود، وأهلها سود). وكلها أقوال متكاملة. والمعنى: هذا غياث الظالمين في نار جهنم من شدة العطش، فإنه إذا طلبوا الماء يغاثون بماء المُهْل الذي يشوي الوجوه ويسقط ما عليها من لحم وجلد من شدة حرّه. وقوله: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾. أي: بئس الشراب هذا الماء الملتهب الذي يغاث به أهل جهنم، وساءت النار لهم متكأ ومنزلًا ومقيلًا. قال مجاهد: (﴿مُرْتَفَقًا﴾: أي مجتمعًا). والارتفاق لغة من المرفق أو الرفق. قال الرازي: (مُرتَفِقًا: أي مُتَّكِئًا على مِرْفق يده). والعرب تقول: ارتفق فلان أىِ: اتكأ. أو بات على مرفقه لا يأتيه نوم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾. بيان لحال السعداء بعد ذكر حال الأشقياء، فالمؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وعملوا على منهاج النبوة أولئك يحفظ الله لهم أجور أعمالهم ليوافيهم بها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. أي: جنات إقامة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾. أي: من تحت غرفهم ومنازلهم في صور بديعة وسعادة كبيرة. وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾. أي: يلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب، ومن الثياب الديباج والحرير الأخضر اللون. قال ابن كثير: (فالسندس: ثياب رِفاعٌ رِقاقٌ كالقمصان وما جَرَى مجراها، وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق). وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. قال قتادة: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: هي الحجال. قال معمر، وقال غيره: السُّرُرُ في

стр. 2635

الحجال). قال النسفي: (خَصَّ الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم). وقال القاسمي: (﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ أي: الجنات المذكورة ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي متكأً. وقيل المرتفق المنزل والمستقر، لآية: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، وآية: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]). ٣٢ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾. في هذه الآيات: خطاب الله تعالى لنبيه ﷺ : واضرب - يا محمد - لهؤلاء المشركين المستكبرين من قومك، الذي يترفعون عن مجالسة ضعفاء المسلمين ومساكينهم ويفتخرون عليهم بالأموال والأحساب، مثلًا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين محفوفتين بالنخل، ممتلئتين بالزرع، تجري خلالهما الأنهار، فافتخر صاحبهما على صاحبه بالمال والثمر والنفر، ودخل جنته في هيئة الكبر، مستبعدًا هلاك الأرض وقيام الساعة، ظانًا - إن حصلت القيامة - حسن المنقلب، وأسعد المستقر. فقولُه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾. قال القرطبي: (قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهو متصل بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾). قال ابن كثير: (فضرب لهم مثلًا برجلين، جعل الله ﴿لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾، أي: بستانين من أعناب، محفوفَتين بالنخل المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزُروع، وكُلٌّ من الأشجار والزروع مثمر مُقبِلٌ في غاية الجودة). وقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾. أي: كلتا الجنتين أخرجت ثمارها بوفاء دون نقصان، والأنهار تتخَرَّق في

стр. 2636

أرجائهما. قال قتادة: (﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾: أي لم تنقص منه شيئًا). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾. قرأ أهل الحجاز والعراق: ﴿ثُمُرٌ﴾. وقرأها غيرهم: ﴿ثُمْرٌ﴾، وقرأها آخرون: ﴿ثَمَرٌ﴾. فعلى القراءة الأولى قيل المراد المال. قال مجاهد: (﴿وكان له ثُمُرٌ﴾ قال: ذهب وفضة). وقال ابن عباس: (يعني أنواع المال). وقيل بل يدخل في المراد الثمار. قال قتادة: (الثمر من المال كله يعني الثمر، وغيره من المال كله). وعلى القراءة الثانية: ﴿ثُمْرٌ﴾ جمع ثَمرَة. والمقصود الثمار. والقراءة الثالثة: ﴿ثَمَرٌ﴾ بفتح الثاء والميم. وهي قراءة مشهورة. قرأها عاصم وشيبة ويعقوب وأبو جعفر وابن أبي إسحاق. والمقصود بالثمر جمع ثمرة. قلت: والقراءة الثالثة: ﴿ثَمَرٌ﴾ أحبُّ إلي، وينصرف المعنى إلى الثمار وهو أنسب للسياق، لقوله تعالى بعدها: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾. وعن قتادة: (﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: وتلك والله أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزّة النفر). وقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. قال النسفي: (﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وإحدى جنتيه، أو سماها جنة لاتحاد الحائط، وجنتين للنهر الجاري بينهما ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ضار لها بالكفر ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أي أن تهلك هذه الجنة، شك في بيدودة جنته لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك). والخلاصة: هذه صورة غفلة المتكبر المتجبر إذا رأى المال والزروع والثمار والأنهار يتملك منها، فيحمله اغتراره على المبالغة في الكبر والعجب والكفر بالله ونعمه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾. هو تتمة طغيان المتكبر الغافل، يحمله غرروه وما هو عليه من العجب على الكفر بالمعاد والحساب، وإن آمن به على سبيل الشك فيفترض لنفسه خير المنقلب عند ربه، قياسًا على ما هو فيه من الفتنة في الدنيا. قال قتادة: (﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كفور لنعم ربه، مكذّب بلقائه، متمنّ على

стр. 2637

الله). وقال ابن زيد: (﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ شكّ، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ﴾ كان ذلك ثم ﴿رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ ما أعطاني هذه إلا ولي عنده خير من ذلك). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]. أي: في الدار الآخرة، فهو يتألى على ربه . وفي المسند بإسناد صحيح عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأيت الله تعالى يُعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراج] (١). ٣٧ - ٤١. قوله تعالى. ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾. في هذه الآيات: تحذيرُ الصاحب المؤمن صاحبه المستكبر من مغبة الجحود والكفر، مذكرًا له مراحل خلقه حتى صار رجلًا يتكلم بالقوة والكبر، ناصحًا له التواضع لله ونسب القوة له تعالى والقهر، فلربما انتقم الجبار وأحال الجنة إلى أرض قفر، وأغار الماء في الأرض فلا سبيل لبلوغه ولا حيلة في ذلك ولا أمر. فقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ - هو قول صاحب ذلك الرجل صاحب الجنتين، الأقل منه مالًا وولدًا، يخاطبه ويكلمه كيف تكفر بالله خالق أبيك آدم من تراب، ثم أنشأك من نطفة أبيك في رحم

стр. 2638

أمك، ثم عدّلك بشرًا سويًا، رجلًا قويًا. قال ابن جرير: (يقول: أكفرت بمن فعل بك هذا أن يعيدك خلقًا جديدًا بعد ما تصير رفاتًا). وقوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. هو قول ذلك الصاحب المؤمن يعترف لربه تعالى بالربوبية ولا يشرك به في الألوهية، بل يعبده وحده لا شريك له. قال ابن كثير: (أي: أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالربوبية والوحدانية، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له). وقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. ردٌّ من المؤمن على الكافر وتوبيخ ووصية له، ويُحْمَلُ المعنى في قوله: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ على تأويلين: التأويل الأول: ﴿مَا﴾ في موضع رفع، والتقدير: هذه الجنة هي ما شاء الله. قال الزجاج والفراء: (الأمر ما شاء الله، أو هو ما شاء الله، أي الأمر مشيئة الله تعالى). وقال النسفي: (ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله. . .). التأويل الثاني: قيل بل الجواب محذوف، والتقدير: ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون. قال ابن جرير: (يقول عز ذكره: وهلا إذ دخلت بستانك، فأعجبك ما رأيت منه، قلت ما شاء الله كان). وذكر النسفي أيضًا هذا التأويل فقال عن ﴿مَا﴾ في قوله تعالى ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: (أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف، يعني: أي شيء شاء الله كان. والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها، الأمر ما شاء الله اعترافًا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئة الله، وأن أمرها بيده، إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها). وتأول الحافظ ابن كثير المعنى أنه حَضٌّ على هذا النوع من الذكر عند رؤية النعم من المال والولد فقال: (هذا تحضيض وحثٌّ على ذلك، أي: هلا إذ أعجبتك جَنّتُك حين دَخَلْتَها وَنَظرْتَ إليها حَمدْت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يُعْطِ غيرك، وقلت: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه

стр. 2639

شيء من حاله أو ولده أو ماله، فليقل: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وهذا مأخوذٌ من هذه الآية الكريمة). قلت: والسياق في الآيات لا يدل على هذا التأويل، فإن الآية في موضع الردّ من المؤمن على تنطع الكافر وغروره وعجبه، حيث دخل جنته وهو ظالم لنفسه بكبره وكفره وقوله ما أظن أن تبيد هذه أبدًا وما أظن الساعة قائمة، فأجابه المؤمن بأن الأصل في ذلك الإخبات لله الخالق الأحد الصمد، ونَسْبُ كل وجود إلى مشيئته وإرادته سبحانه، فكان الأَوْلى إذ دخلت جنتك أقررت بأن وجودها وبقاءها ما كان إلا بمشيئة الله، وأن ما اجتمع لك من المال والثمر والبناء والإعمار فهو بتوفيق الله وقوته وتأييده. وأما خشية العين عند النظر إلى بديع المال والجمال فقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى التبريك، وهو الدعاء بالبركة. وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه: [أن رسول الله ﷺ خرج وساروا معه نحو مكة، حتى إذا كانوا بشعب الخرّار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلًا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة (١)، فلبط سهل، فَأُتيَ رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل! والله ما يرفع رأسه ولا يفيق، قال: هل تتهمون فيه من أحد؟ قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة، فدعا رسول الله ﷺ عامرًا فتغيظ عليه وقال: علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ - ثم قال - اغتسل له. فغَسَل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه فصبّه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس] (٢). وفي لفظ في الموطأ: [علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ ألا برّكت إن العين حق. توضأ له، فتوضأ عامر، فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس].

стр. 2640

الحديث الثاني: أخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن عامر بن ربيعة، عن النبي ﷺ قال: [إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق] (١). وفي رواية أنه قال لعامر بن ربيعة: [ألا برّكتَ؟ ]. وفي لفظ لأحمد: [إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليُبَرِّك عليه، فإن العين حق]. وفي لفظ آخر: [إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه فليبرك فإن العين حق]. وأما قوله: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. أي: ما اجتمع هذا المال والخير إلا بقوة الله وقدرته. قال القرطبي: (أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع). وقال النسفي: (﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ إقرارًا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده). وفي كنوز السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁: [قال له رسول الله ﷺ : يا عبد الله بن قيس، ألا أعَلِّمُكَ كلِمةً هي من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله] (٢). الحديث الثاني: أخرج أحمد والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال له: [ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله: أسلم عبدي واستسلم] (٣). الحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن قيس بن عبادة: [أن أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه، قال: فمرّ بي النبي ﷺ وقد صليت، فضربني برجله وقال:

стр. 2641

ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله] (١). الحديث الرابع: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [من قال - يعني إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، يُقال: كُفيت وَوُقِيتَ وتنحى عنه الشيطان] (٢). وقوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾. هو قول المؤمن للكافر: إن ترن أيها الرجل أقل منك مالًا وولدًا. فعسى ربي أن يرزقني خيرًا من بستانك هذا، وما ذلك على الله بعزيز. قال النسفي: (في الدنيا أو في العقبى). وقوله: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال قتادة: (عذابًا). وعن ابن عباس، قال: (الحسبان: العذاب). قال ابن كثير: (والظاهر أنه مَطَرٌ عظيم مزعج، يقلعُ زَرْعَها وأشجارها). وقوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾. قال ابن عباس: (مثل الجُرُز). وقال ابن زيد: (صعيدًا زلقا وصعيدًا جُرُزًا واحد ليس فيها شيء من النبات). وقال قتادة: (أي قد حُصِدَ ما فيها فلم يُترك فيها شيء). والمقصود: يحولها الحسبان من السماء إلى أرض ملساء بلاقع، فتعود خرابًا ﴿زَلَقًا﴾ أي لا يثبت في أرضها قدم لامْلِسَاسِها ودروس ما كان نابتًا فيها. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. الغَوْر مصدر بمعنى غائر. أي: أو يصبح ماؤها غائرًا في طبقات الأرض لا وسيلة لإخراجه والاستفادة منه. قال قتادة: (﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾: أي ذاهبًا قد غار في الأرض. وقوله: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ يقول: فلن تطيق أن تدرك الماء الذي كان في جنتك بعد غوْره، بطلبك إياه). والغائر ضدّ النابع، فالنابع يندفع إلى وجه الأرض ويراه الناس، وأما الغائر فيطلب اسفل الأرض ويغيب. وفي التنزيل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، أي: جار وسائح.

стр. 2642

٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾. في هذه الآيات: إهلاكُ الله أرض المستكبر وإرسال الجوائح على المال والثمر، فإذا بالرجل يقلب كفيه ويندم على الشرك والكفر، ولكن بعد ضياع الفرصة والوقوع في العجز حيث لا نصير من أهل ولا نفر. فقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ أي: أحاط الهلاك والجوائح بأمواله وثماره، ووقع ما كان يحذر، وصدق حدس المؤمن فيه، من حلول الدمار ونزول المصيبة به، وبما ألهاه عن طاعة الله . وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾. أي: يضرب إحدى يديه على الأخرى ندمًا وحسرة. قال قتادة: (أي يصفق كفيه متأسفًا مُتَلهِّفًا على الأموال التي أذهبها عليها). وقوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وهي خالية على نباتها وبيوتها). وقوله: ﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾. قال قتادة: (يقول: يتمنى هذا الكافر بعدما أصيب بجنته أنه لم يكن كان أشرك بربه أحدًا، يعني بذلك: هذا الكافر إذا هلك وزالت عنه دنياه وانفرد بعمله، ودّ أنه لم يكن كفر بالله ولا أشرك به شيئًا). وقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (عشيرته). وقال قتادة: (أي جند ينصرونه. يقول: يمنعونه من عقاب الله وعذاب الله إذا عاقبه وعذّبه). وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ أي: ممتنعًا. أي لم يكن ممتنعًا من نزول العذاب به. وقيل: لم يكن مسترِدًّا بدل ما ذهب منه. وقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ - فيه أكثر من تأويل حسب القراءة.

стр. 2643

قرأ قراء الكوفة: ﴿الوِلاية﴾ - أي: هنالك الحكمُ لله الحق. فالوِلاية بكسر الواو: من الملك والسلطان. واختار ابن جرير هذه القراءة. وقرأ قراء من المدينة والبصرة وبعض الكوفيين ﴿الوَلاية﴾ بفتح الواو، أي: هنالك المُوالاة لله. قال ابن كثير: (أي: هنالك كلُّ أحد من مؤمن أو كافر، يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب). وأما لفظ ﴿الْحَقِّ﴾ فمن رفعه كان صفة للولاية، ومن كسر القاف كان نعتًا لله عز جل، ومثال الرفع قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦]. ومثال الكسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]. وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾. قال ابن جرير: (يقول عزّ ذكره: خير للمنيبين في العاجل والآجل ثوابًا ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾، يقول: وخيرهم عاقبة في الآجل إذا صار إليه المطيع له، العامل بما أمره الله، والمنتهي عما نهاه الله عنه، والعقب هو العاقبة). وهناك قراءتان لقوله تعالى: ﴿عقبًا﴾ بضم العين والقاف، أو ضم العين وتسكين القاف، وهما مشهورتان في قراء الأمصار ولهما المعنى نفسه. ٤٥ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾. في هذه الآيات: تمثيل الله تعالى هذه الحياة بماء نزل من السماء فاختلط بالحب في الأرض فخرج النبات والزرع ثم يبس وكسرته الرياح والله على كل شيء قدير. وتقريره تعالى أن المال والبنين زينة هذه الحياة الدنيا وأن الباقيات من الأعمال الصالحات هي الخير المستمر نفعه، المضمون ثوابه.

стр. 2644

فقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ الآية. أي: صف يا محمد لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مثلَ الحياة الدنيا ليفهموها على صورتها الحقيقية: إنها كالماء النازل من السماء اختلط به نبات الأرض من الحبِّ الذي هو مدفون في التراب حتى استوى النبات فالتف وتكاثف، وخالط بعضه بعضًا. قال القاسمي: (فشبَّ وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: بعد ذلك الزَّهو ﴿هَشِيمًا﴾ أي: جافًا يابسًا مكسورًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أي: تفرقه وتنسفه ذات اليمين وذات الشمال كأن لم يكن، وهكذا حال الدنيا وحال مجرميها، فإن ما نالهم من شرف الحياة كالذي حصل للنبات من شرف النموّ، ثم يزولون زوال النبات). قلت: والتشبيه لتقلب أحوال الدنيا على الناس بالماء وحركته تشبيه بليغ، فإن الماء لا يستقيم على حالة واحدة وكذلك الدنيا، فالماء لا يبقى ويذهب وكذلك تفنى هذه الدنيا، والماء إذا جاوز مقداره حدًا معينًا أصبح مهلكًا، وكذلك الدنيا إذا أسرف الإنسان في تحصيلها وجمع حطامها انقلبت عليه. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١].

стр. 2645

ومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: [قد أفلح مَنْ أسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ الله بما آتاه] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها، فينظُرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن سهل بن سعد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحُلَيْفَةِ. فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها. فقال: [أَتُرَوْنَ هذِهِ هَيِّنَةً على صاحِبِها؟ فوالذي نفسي بيده! للدنيا أهْوَنُ على الله، من هذهِ على صاحِبِها. ولو كانت الدنيا تَزِنُ عِنْدَ الله جناحَ بعوضَةٍ، ما سقى كافِرًا مِنْها قَطْرَةً أبدًا] (٣). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. قال القرطبي: (من الإنشاء والإفناء والإحياء، سبحانه! ). وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ردٌّ على عُيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس وأمثالهما لما افتخرا على سلمان وصهيب وخباب وتكبرا على مجالستهم. ومن ثمَّ فهي عامة في شأن كل المستكبرين في الأرض المفتخرين بما فتنهم الله به من المال والولد. قال النسفي: (﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لا زاد القبر وعدة العقبى). قلت: وفي المال جمال ونفع، وفي البنين قوةٌ ودفع، فإن استفاد العبد من ذلك في طاعة الله كان ذلك زينة له في الدنيا وثوابًا في الآخرة. ولكن أغلب الناس يُفتنون بالمال والولد في دنياهم ولا يقيمون بهما ما يصلحون أخراهم. ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.

стр. 2646

وفي هذه الآية أكثر من تأويل: ١ - قال ابن عباس: (الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس). ٢ - وقال سعيد بن جبير وعطاء عن ابن عباس: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). وكذلك رواه ابن جرير عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁. ٣ - وقيل: الباقيات الصالحات النيات والهمات، لأن بها تقبل الأعمال وترفع. قاله الحسن. ٤ - وقيل: الباقيات الصالحات: الأعمال الصالحة، والكلم الطيب، والولد الصالح. قلت: وأكثر ما ذكر يدخل في مفهوم الباقيات الصالحات. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥]. وفي صحيح السنة المطهرة ما يدل أنّ "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" هي عنوان الباقيات الصالحات: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند جيد من حديث الحارث مولى عثمان ﵁ قال: [جلس عثمانُ يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنّهُ أنه سيكون فيه مُدُّ، فتوضأ ثم قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يتوضأ وُضوئي هذا، ثم قال: مَنْ توضأ وُضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفرَ له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلّى العصر غُفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلّى المغرب غُفِرَ له ما بينها وبين العصر، ثم صلّى العشاء غُفِرَ له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيتُ يتمرَّغُ ليلته، ثم إن قام فتوضا وصلى صلاة الصبح غُفِرَ له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات. قالوا: هذه الحسناتُ، فما الباقيات الصالحات

стр. 2647

يا عثمان؟ قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله] (١). الحديث الثاني: أخرج النسائي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [خذوا جُنَّتَكُمْ مِنَ النار، قولوا: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يومَ القيامة مُقَدِّماتٍ، ومُعَقِّباتٍ، ومُجَنِّباتٍ، وهنَّ الباقيات الصالحات] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: [أَرْبَعٌ، أفضلُ الكلامِ. لا يَضُرُّكَ بأيِّهِنَّ بدأتَ: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر] (٣). وأما ما ورد في بقية الأعمال الصالحة مما يستمر أجره: الحديث الرابع: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أمامة مرفوعًا: [أربعة تجري عليهم أجورهم بعدَ الموت: مَنْ ماتَ مرابطًا في سبيل الله، ومَنْ عَلَّمَ علمًا أُجريَ لهُ عمله ما عملَ به، ومَنْ تصدَّق بصدقة فأجرُها يجري له ما وجدتْ، ورجل ترك ولدًا صالحًا فهو يدعو له] (٤). وله شاهد عن ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ من عمله وحسناته بعدَ موته: عِلمًا نشره، وولدًا صالحًا تركهُ، ومُصْحفًا وَرَّثَهُ، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقُه من بعد موته]. الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن

стр. 2648

رسول الله ﷺ قال: [إذا ماتَ الإنسانُ انقطع عنه عَمَلُهُ إلا مِنْ ثلاثةٍ: إلا مِنْ صَدَقَةٍ جارِيةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له] (١). قال القرطبي: (﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي أفضل ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ أي أفضل أملًا من ذي المال والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير). ٤٧ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ الله الأحوال قرب القيامة: من تسيير الجبال، وبروز الأرض، ثم موقف الحشر، ثم العرض في صفوف، ثم توزيع الصحف، وما يعقب ذلك من الخزي على المجرمين، والتحسر والتندم على الخوض في سبيل الكافرين، ولا يظلم الله أحدًا من العالمين. فقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكر: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ عن الأرض، فَنَبُسُّها بَسًّا، ونجعلها هباء منبثًا ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة، وظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو بروزها). وعن مجاهد: (﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ قال: لا خمَرَ فيها ولا غيابة ولا بناء، ولا حجر فيها). وقال قتادة: (ليس عليها بناء ولا شجر). وتسيير الجبال عن أماكنها هو من الأمور العظام وعظيم أهوال يوم القيامة. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ٩, ١٠].

стр. 2649

٢ - وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. قال ابن كثير: (يقول تعالى: إنه تذهب الجبالُ، وتتساوى المهادُ، وتبقى الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾، أي: سطحًا مستويًا لا عِوجَ فيه، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا وادي ولا جبل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، أي: باديةً ظاهرة، ليس فيها مَعْلم لأحد ولا مكان يوارِي أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم، لا تخفى عليه منهم خافية). وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. أي: جمعناهم لموقف الحساب فلم نترك أحدًا منهم تحت الأرض صغيرًا ولا كبيرًا، ذكرًا ولا أنثى. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤, ٩٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩, ٥٠]. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يحشر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا. قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: يا عائشة: الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض] (١). وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. قال النسفي: (مصطفين ظاهرين ترى جماعتهم كما ترى كل واحد لا يحجب أحد أحدًا، شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان). وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ - تقريع بالمشركين المنكرين لهذا المشهد على رؤوس الأشهاد، وتوبيخ لكل من كفر بالمعاد.

стр. 2650

وقوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾. ظاهر الخطاب لعموم الناس، وإنما المراد به الخصوص، وهم المنكرون للبعث وقيام الساعة. وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبَصَرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرتُ لك الأنعام والحرثَ، وتركتك ترأسُ وتَرْبعُ، فكنتَ تظُنُّ أنك مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساكَ كما نسيتني] (١). قال أبو عيسى: ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب. وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾. أي: يضع الله تعالى كتاب أعمال عباده في أيديهم، فمن آخذٍ كتابه بيمينه، ومن آخذِهِ بشماله، وحينئذ ترى المجرمين المشركين خائفين مما تضمنته كتبهم من جرائم أعمالهم التي عملوها في الدنيا. وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. قال السدي: (الصغيرة ما دون الشرك، والكبيرة الشرك). وقال سعيد بن جبير: (إنَّ الصغائر اللَّمَمُ كالمسيس والقُبَل، والكبيرة المواقعة والزِّنى). والمعنى: يتحسر المجرمون يوم الحساب عند استلام كتب أعمالهم، وقد اشتملت على الجليل والحقير، والفتيل والقِطمير، والصغير والكبير، أحصاها الله عليهم فضبطها وحفظها وضمّنها كتبهم. وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾. قال القرطبي: (أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرًا. وقيل: وجدوا جزاء ما عملوا حاضرًا). وفي التنزيل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].

стр. 2651

وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا يجازي ربك أحدًا يا محمد بغير ما هو أهله، لا يجازي بالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئة إلا أهل السيئة، وذلك هو العدل). وعن الضحاك: (أي لا يأخذ أحدًا بجرم أحد، ولا يأخذه بما لم يعمله). وقيل: (لا ينقص طائعًا من ثوابه، ولا يزيد عاصيًا في عقابه). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعةٌ وتسعون سجِلًا، كل سجل مَدُّ البصر، ثم يقول الله ﵎: هل تُنْكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، ثم يقول: ألك عذرٌ، ألك حسنةٌ؟ فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظُلمَ عليك اليوم، فَتُخرجُ له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة] (١).

стр. 2652

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، أنه سَمِعَ جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديثٌ عن رَجُلٍ سَمِعَه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا ثم شَدَدْتُ عليه رحلي، فَسِرْتُ عليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبدُ اللهِ بن أُنَيسٍ. فقلت للبواب: قل له: جابرٌ على الباب. فقال: ابنُ عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج يَطَأُ ثوبه، فاعتَنَقني واعتنقته، فقلت: حديثٌ بلغني عنك أنك سمِعتَه من رسول الله ﷺ في القصاص، فَخَشيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبل أن أسمَعَه. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: [يَحشُر الله الناسَ يومَ القيامة، أو قال: العبادَ، عُراةً غُرْلًا بُهْمًا - قلتُ: وما بُهْمًا؟ قال: ليس معهم شيء - ثم يناديهم بصوت يسمَعُه من بَعُدَ، كما يسمَعُه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الدَّيان، لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخلَ النار وله عند أحدٍ من أهل الجنة حقٌّ، حتى أُقِصَّهُ منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند أحدٍ من أهل النار حقٌّ حتى أُقِصَّهُ منه حتى اللَّطمةُ. قال: قلنا: كيف، وإنما نأتي الله عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات] (١). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم من حديث أبي ذر، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : [قال الله تعالى: يا عبادي إني حَرَّمْتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] الحديث (٢). ٥٠ - ٥٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾. في هذه الآيات: أمْرُ الله تعالى الملائكة السجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس - وهو

стр. 2653

من الجن - اعترته الحمية، واستكبر عن أمر ربه، فحذّر سبحانه من عداوته. وتوبيخ للمشركين في اتخاذهم الشياطين أولياء وهم خلق من خلق أمثالهم، وتقريعٌ لهم يوم الحشر حين يُدعون لمناداة الشركاء الذين أشركوا فيهم بالله لينصرونهم وينقذونهم من الخزي والهلاك الذين هم مقبلون عليه، فإذا بينهم وبين آلهتهم المزعومة مهلك وهَوْل عظيم وأمر كبير، وكلاهما في نار السعير. فقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. أي: سجود تكريم، والخطاب لجميع الملائكة. قال النسفي: (سجود تحية أو سجود انقياد). وقد كان هذا السجود فيما احتج به موسى على آدم ﵉. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [احتجّ آدم وموسى ﵉ عند ربهما. فحجّ آدمُ موسى. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسْجَدَ لَكَ ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض. قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه، وأعطاكَ الألواح فيها تبيان كل شيء وقرَّبكَ نَجِيًّا، فبكم وجدتَ اللهَ كتب التوراة قبلَ أن أُخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عَمِلْتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلُقَني بأربعين سنة. قال رسول الله ﷺ : فَحَجَّ آدم موسى] (١). وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. أي: فسجد الملائكة ممتثلين أمر ربهم، إلا إبليس - وهو من الجن، كان يعيش مع الملائكة فجاء اللفظ للتغليب - فقد أبى أن يسجد لآدم عداوة وحسدًا، وغرورًا وكبرًا، وتعزّز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلقَ إبليس من مارج من نار، وخُلِقَ آدم مما وُصِفَ لكم] (٢). وقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. أي: خرج عن طاعته. والفسق في كلام العرب:

стр. 2654

الخروج، يقال: فسقت الرُّطبة: إذا خرجت من أكمامها. "وفسقت الفأرة من جُحرها" إذا خرجت منه للعَيْث والفساد. وقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. قال القاسمي: (أي فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي، وهم لكم عدوٌّ يبغون بكم الغوائل ويوردونكم المهالك؟ وهذا تقريع وتوبيخ لمن آثر اتّباعه وإطاعته. ولهذا قال تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾ أي الواضعين الشيء في غير موضعه ﴿بَدَلًا﴾ بئس البدل من الله إبليس، لمن استبدله فأطاعه بدل طاعته). قلت: وعداوة إبليس لذرية آدم عميقة وكبيرة، حتى إنه يبعث كل يوم سراياه ليخربوا بيوت بني آدم بكفر أو قتل أو طلاق أو نشر للرذيلة والفواحش وغير ذلك. ففي صحيح مسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١). وله شاهد عند ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلَّقَ امرأته فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقّ والديه فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلبِسُه التاج] (٢). وقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾. توبيخ للمشركين في اتخاذهم الشياطين أولياء وهم خلق من خلق أمثالهم، وردٌّ على المتعالمين الذين يريدون أن يجزموا بنظرياتهم العلمية المتأرجحة فيقرّروا حقائق في الخلق لا يعلمها إلا الله. قال ابن كثير: (يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عَبيدٌ أمثالكُم، لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتهم خَلْقِي للسماوات

стр. 2655

والأرض، ولا كانوا إذْ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كُلِّها، ومُدَبِّرُها ومُقَدِّرها وَحْدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ الآية [سبأ: ٢٢]). وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. قال قتادة: (أي: أعوانًا). وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾. تقريع وتوبيخ آخر للمشركين. أي: ادعوا اليوم الذين كنتم تزعمون في دار الدنيا أنهم شركائي في العبادة لينصروكم وينقذوكم مما أنتم مقبلون عليه من الخزي والهلاك. وقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾. أي: فاستغاثوا فلم يغيثوهم. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾. قال ابن عباس: (مَهْلِكًا). وقال ابن زيد: (الموبق: المهلك، الذي أهلك بعضهم بعضًا فيه). وقال مجاهد: (واديًا في النار). قال القاسمي: (﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الكفار وآلهتهم ﴿مَوْبِقًا﴾ أي مهلكًا يشتركون فيه، وهو النار. أو عداوة في الشدة نفس الهلاك). وخلاصة المعنى: أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين إلى نصرة يوم القيامة، بل بينهم وبين آلهتهم المزعومة مهلك وهوْلٌ عظيم وأمر كبير، وكلاهما في نار السعير. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٦٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥, ٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِركَه] (١).

стр. 2656

وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾. قال قتادة: (علموا). أي: لما رأى المجرمون النار يوم القيامة علموا أنهم داخلوها، وأيقنوا لا محالة أنهم مستقرون فيها، ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولم يجدوا عن النار التي رأوا معدلًا يعدلون عنها إليه، يقول: لم يجدوا من مواقعتها بدًّا، لأن الله قد حتم عليهم ذلك). أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن في الشواهد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [يُنْصَب الكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا. وإن الكافر ليرى جهنم، ويظنُّ أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة] (١). وله شاهد عن ابن جرير في التفسير قال: حدثني يونس، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [إن الكافر ليرى جهنَّم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة] (٢). ٥٤ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾. في هذه الآيات: تصريفُ الله الأمثال في هذا القرآن، وتكذيب الناس الرسل بطرق

стр. 2657

متوارثة عبر الزمان، قوامها العناد والجدل وسؤال المعجزات والاستهزاء بالرسل الكرام. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. أي: ولقد وضحنا في هذا القرآن للناس وفصلنا أسباب النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، ومع ذلك فإن الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، يحب التقلل من التكاليف الشرعية التي هي سرّ سعادته وسرّ منزلته عند ربه، ولا ينجو من ذلك إلا من نوّر الله قلبه وهدى بصيرته. قال ابن زيد: (الجدل: الخصومة، خصومة القوم لأنبيائهم، وردّهم عليهم ما جاؤوا به). قلت: بل وكثير من المسلمين اليوم واقعون في مرض الجدل بدل الإخبات للحق. وفي الصحيحين والمسند عن عَليّ بِن حُسين، أن حُسَيْنَ بنَ عليٍّ أخبره: أَنَّ عليَّ بن أبي طالب أخبره: [أن رسول الله ﷺ طَرَقَهُ وفاطِمةَ بنتَ النبي ﷺ ليلةً فقال: ألا تُصلِّيان؟ فقلت: يا رسولَ الله، أنفسنا بيدِ الله، فإذا شاء أن يَبْعَثَنا بَعَثَنا، فانصرف حين قلتُ ذلك ولم يَرْجِعْ إليَّ شيئًا، ثم سَمِعْتهُ وهو مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَه وهو يقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾] (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾. قال مجاهد: (فجأة). وقال ابن زيد: (قبلًا معاينة ذلك القبل) - وهو أرجح. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن تَمَرُّد الكفرة في قديم الزمان وحديثِه، وتكذيبهم بالحق البَيِّن الظاهر، مع ما يشاهدون من الآيات والآثار والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهِدُوا العذابَ الذي وُعِدُوا به عِيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧]، وآخرون قالوا: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. وقالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. ثم قال : ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ

стр. 2658

الْأَوَّلِينَ﴾، مِنْ غِشْيانهم بالعذاب، وأَخْذِهم عن آخرهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: يَرَوْنَهُ عيانًا مواجهة ومقابلة). وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾. قال القاسمي: (أي وما نرسلهم، قبل إنزال العذاب، إلا لتبشير من آمن بالزلفى والكرامة، وإنذار من كفر بأن تأتيه سنة من مضى ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ كاقتراح الآيات ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي ليزيلوا بالجدال، الحقّ الثابت عن مقره. وليس ذلك بحاصل لهم. قال: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا﴾ أي وإنذارهم. أو والذي أنذروا به من العقاب ﴿هُزُوًا﴾ أي استهزاء وسخرية وهو أشد التكذيب. وصف بالمصدر مبالغة). وأصل الإدحاض في كلام العرب إزلاق القدم وإزالتها عن موطئها. قال الرازي: (دَحَضَتْ رِجْله: زَلِقَتْ). فاستعير ذلك المفهوم من زلل القدم إلى زلل العقل والمنهج والتفكير. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعًا: [ثم يُضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة. . قيل يا رسول الله! وما الجِسْرُ؟ قال: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ] (١). ٥٧ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾. في هذه الآيات: التحذير من التغافل عن آيات الله وحججه وقوارعه وما يعقب ذلك من الختم والطبع على القلوب وإقفال الآذان عن سماع الحق، وأنه تعالى برحمته لا يعاجل بالعذاب بل يحلم ويستر والموعد للحساب يوم القيامة. وإنّ من سننه تعالى

стр. 2659

إهلاك القرى الظالم أهلها في وقت مكتوب وأجل مسمّى. فقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. أي: لا أحد أشد ظلمًا ممن تغافل عن آيات الله وسننه وحججه ولم يلق لها بالًا. قال قتادة: (﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: أي نسيَ ما سلف من الذنوب). وقال ابن جرير: (يقول: ونسي ما أسلف من الذنوب المهلكة فلم يتب، ولم ينب). وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. أي: لقد جعلنا على قلوب هؤلاء المعاندين للحق أغطية وفي آذانهم ثقلًا عن استماع هذا الوحي وفهمه. قال القرطبي: (بسبب كفرهم، أي نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم). وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾. قال النسفي: (﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ إلى الإيمان ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ فلا يكون منهم اهتداء البتة ﴿إِذًا أَبَدًا﴾ مدة التكليف كلها). وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ الآية. أي: وربك - يا محمد - غفور ذو رحمة واسعة، لو أخذ هؤلاء المسرفين المستكبرين المعرضين عن الحق وعاجلهم بنقمته وعقابه لما ترك لهم من أثر، ولكنه يحلُم على عباده ويسترُ ويغفر. قال ابن كثير: (وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمرّ منهم فله يومٌ يشيب فيه الوليد، وتضَعُ كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي: ليس لهم عنه محيدٌ ولا مَحيصٌ ولا مَعْدِلٌ). وعن ابن عباس: (﴿مَوْئِلًا﴾ يقول: ملجأ). وقال مجاهد: (محرزًا). وقال قتادة: (أي لن يَجِدوا من دونه وليًا ولا ملجأ). وعن ابن زيد: (ليس من دونه ملجأ يلجؤون إليه). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١].

стр. 2660

٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]. ومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ليس أحَدٌ - أو ليس شيْءٌ - أصْبَرَ على أذى سمِعَهُ من الله، إنهم ليَدْعونَ له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزُقُهم] (١). الحديث الثاني: أخرج الشيخان وبعض أهل السنن عن أبي بُردة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. قال القاسمي: (﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ أي قرى عاد وثمود وأضرابهم ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ بالكفر والطغيان ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي وقتًا مُعَيَّنًا لا محيدَ لهم عنه). قلت: والخطاب وإن كان لقريش وهي تكذب أشرف رسول وأعظم نبي، إلا أنه ينسحب إلى جميع الأمم التي تحيد عن الحق وتتكبر عليه، فإن الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة. ٦٠ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي

стр. 2661

الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ قصة لقاء موسى ﵊ بالخضر، وما كان من ترتيب لذلك اللقاء بإذن الله، وإنما دفع موسى لهذا اللقاء حرصه على جمع خصال الخير والسبق إلى المعالي، وطلب العلم، والله هو العليم الحكيم. أخرج الحاكم بسند صحيح على شرط مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني أبي بن كعب، أن النبي ﷺ قال: [لما لقِيَ موسى الخَضِرَ ﵉، جاء طَيْرٌ، فألقى مِنْقارَهُ في الماء، فقال الخَضِرُ لموسى: تَدْري ما يقولُ هذا الطَّيْر؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: ما عِلْمُكَ وعلمُ موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء] (١). فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾. قال ابن زيد: (لا أبرح: لا أنتهي). وقال قتادة: (والبحران: بحر فارس وبحر الروم. وبحر الروم مما يلي المغرب، وبحر فارس مما يلي المشرق). وقال محمد بن كعب القُرَظي: (مجمع البحرين عند طنجَةَ). أي في أقصى بلاد المغرب، والله تعالى أعلم. وإنما مفهوم الآية: أن موسى ﵇ قال لفتاه - يوشع بن نون -: لا أزال سائرًا حتى أبلغ هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، فقد ذُكِرَ لموسى أن فيه عبدًا عنده من العلم ما ليس عند موسى. وقوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. قال ابن عباس: (دهرًا). وقال قتادة: (الحقب: زمان). وقال ابن زيد: (الحقب: الزمان). وقيل: الحقب سبعون سنة أو ثمانون سنة. والمقصود: أي لا أزال أسير حتى أبلغ ذلك المكان، ولو أني أسير حقبًا من الزمان. قال القاسمي: (أي لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. أي المكان الذي فيه ملتقى البحرين. فأجد فيه الخضر. أو أسير زمانًا طويلًا إن لم أجده ثمة، فأتيقن فوات المطلب).

стр. 2662

قلت: وإنما دفع موسى ﵇ إلى تلك الرحلة الشاقة حرصه على جمع خصال الخير وسبقه إلى المعالي بين أهل زمانه. فقد أخرج ابن حبان في صحيحه بإسناد حسن عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: [سأل موسى ربّه عن ست خصال، كان يظن أنها له خالصة، والسابعة لم يكن موسى يحبُّها: ١ - قال يا رب! أي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرُ ولا يَنْسى. ٢ - قال: فأيُّ عبادك أهدى؟ قال: الذي يتبع الهدى. ٣ - قال: فأيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكُمُ لنفسه. ٤ - قال: فأيُّ عبادك أعلم؟ قال: الذي لا يشبع من العلم، يجمع عِلْمَ الناس إلى علمه. ٥ - قال: فأيُّ عبادك أعزّ؟ قال: الذي إذا قَدَرَ غَفَر. ٦ - قال: فأيُّ عبادك أغنى؟ قال: الذي يرضى بما يؤتى. ٧ - قال: فأيُّ عبادك أفقر؟ قال: صاحب منقوص (١). قال رسول الله ﷺ : ليس الغِنى عنْ ظَهْر، إنما الغنى غنى النفس، وإذا أراد الله بعبد خيرًا، جعل غناه في نفسه، وتُقاه في قلبه، وإذا أراد الله بعبد شرًا جعل فقره بين عينيه] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾. أي: فلما بلغ موسى وفتاه مجمع البحرين أضلا حوتهما الذي سلك في البحر مسلكًا. قال مجاهد: (يعني بالسرب: المسلك والمذهب، يَسْرب فيه: يذهب فيه ويسلكه). قال ابن كثير: (وذلك أنه كان قد أُمِرَ بحمل حُوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثَمَّة. فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهنالك عين يقال لها: عين الحياة، فناما هنالك، وأصابَ الحوتَ من رَشَاش ذلك الماء، فاضطرب، وكان في

стр. 2663

مِكْتَلٍ مع يُوشَع، وطَفَرَ (١) من المِكْتلِ إلى البحر، فاستيقظ يُوشَع ﵇ وسقط الحوت في البحر وجعل يسير فيه، والماءُ له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مثل السَّرَبِ في الأرض). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. أي فلما تركا حدود المكان الذي نسيا فيه الحوت وغادراه، قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا عناء وتعبًا. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾. أي: أجاب الفتى موسى بقوله: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فهنالك نسيت الحوت وما كان ذلك النسيان إلا من الشيطان، فاتخذ الحوت طريقه إلى البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا. قال قتادة: (فكان موسى لما اتخذ سبيله في البحر عجبًا، يعجب من سرب الحوت). وقوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾. أي: قال موسى لفتاه - حينئذ - هذا الذي نطلب فرجعا أدراجهما يشقان طريقهما ويَقُصّان أثر مشيهما، ويقفُوان أثرهما، ليصلا إلى مرادهما. وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾. أي: فلما انتهيا إلى الصخرة قافلين إذا رجل مُسَجّى بثوب فسلم عليه موسى، فإذا هو الخَضِرُ ﵇، قد وهبه الله رحمة من عنده، وعلّمه من عنده علمًا. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنما سُمِّيَ الخَضِرُ لأنَّه جَلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فإذا هيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْراءَ] (٢). قال القرطبي: (الفروة هنا وجه الأرض، قاله الخطابي وغيره. والخضر نبيّ عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبيّ، والآية تشهد بنبوّته، لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضًا فإن الإنسان لا يتعلم ولا يَتَّبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي).

стр. 2664

٦٦ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾. في هذه الآيات: تفصيلُ الحوار الذي دار بين موسى والخضر ﵉، وتفصيل المشاهد والمواقف التي أتيا عليها والتي تحمل الآيات والدروس والعبر عبر الأيام. أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: [إنا لَعِنْدَ ابنِ عَبّاسٍ في بَيْتِه. إذْ قال: سَلوني، قلتُ: أيْ أبا عَبَّاسٍ، جعلني الله فِداءَكَ، إنَّ بالكوفة رَجُلًا قاصًّا يقال له: نَوْفٌ، يَزْعُمُ أَنَّهُ ليس بموسى بني إسرائيل - وفي لفظ: إنَّ نَوْفًا البَكاليَّ يَزْعُمُ: أن موسى نبي الله ليس بموسى الخَضِر -، فقال ابن عباس: كذَبَ عَدُوُّ الله، حَدّثنى أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : موسى رسول الله ﷺ ، قال: ذَكَّرَ الناس يومًا حتى إذا فاضَتِ العيونُ وَرَقَّتِ القُلوبُ، ولّى فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فقال: أيْ رسولَ الله، هل في الأرض أحدٌ أعلمُ منك؟ قال: لا، (وفي لفظ: فقيل له: أي الناس أعلم؟ قال: أنا)، فَعُتِبَ عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إلى الله. (وفي لفظ: فَعَتَبَ الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلمَ إليه)، وأوحى الله إليه: بلى

стр. 2665

عَبْدٌ من عبادي بِمجْمعِ البَحْرين هو أعْلمُ منك، قال: أي رَبِّ، كيف السبيل إليه؟ قال: تأخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحوتَ فاتّبِعه. (وفي لفظ: خُذْ حوتًا مَيِّتًا حيثُ يُنْفَخُ فيه الروح). قال: فخرج موسى ومعه فتاه يُوشَعُ بن نُونٍ، ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها. (وفي لفظ: فقال موسى لفتاه: لا أكلّفُكَ إلا أن تُخْبرني بِحيث يفارقك الحوت، قال: ما كَلَّفْتَ كثيرًا، فذلك قوله جلّ ذِكْرهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾). قال: فوضع موسى رأسه فنام. وفي أصل الصَّخرة عَينٌ يُقالُ لها: الحَياةُ، لا يُصيبُ منْ مائها شَيْءٌ إلا حَيِيَ، فأصابَ الحوتَ مِنْ ماء تلك العين، قال: فتحرّك وانسلَّ مِنَ المِكْتَلِ فدخل البحر، فلما استيقظ ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآية، قال: ولم يجد النّصَبَ حتى جاوزَ ما أُمِرَ به، قال له فتاه يوشعُ بنُ نون: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الآية. قال: فرجعا يَقُصّان في آثارِهما فوجدا في البحر كالطّاقِ - مَمَرَّ الحوت -، فكان لفتاه عجبًا وللحوت سَربا. وفي لفظ: (فكان للحوت سربًا ولموسى ولفتاه عجبًا. فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾). فَلَمَّا انتهيا إلى الصخرة، إذا هُما برجلٍ مُسَجّىً بثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عليه موسى، قال: وأنَّى بأرْضِكَ السّلامُ! ؟ فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم (١). قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمني مما عُلِّمْتَ رشدًا؟ قال له الخَضِرُ: يا موسى إنَّكَ على عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ الله عَلَّمَكَهُ الله لا أعْلَمُهُ، وأنا على عِلْمٍ مِنْ عِلمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ الله لا تعلَمُه، قالَ: بلْ أَتَّبِعُكَ، قال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلقا يَمْشيان على السّاحِل، فَمَرت بهما سَفينةٌ فعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَملوهم في سفينتهم بغَير نَوْلٍ - يقول: بِغَير أجْرٍ - فرَكِبا السفينة. قال: ووقَعَ عُصْفورٌ على حَرْفِ السَّفينة فَغَمَسَ مِنْقارَهُ في البحر، فقال الخَضِرُ لموسى: ما عِلمُكَ وعِلْمي وعِلْمُ الخلائقِ في علمِ الله إلا مقدارُ ما غَمَسَ هذا العصفور مِنْقَارَهُ.
следующие страницы →