وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾.
قال ابن كثير: (ثمّ هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمرادُ أنه تعالى أعلمُ بمن يستحقُّ من العباد أن يَصْلَى بنار جهنم ويخلُد فيها ومَنْ يستحقّ تَضعِيفَ العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
هو من ذكر الصراط يوم القيامة. والصراط: جسر على جهنم، يُوَجَّه الناس إليهِ بعد مفارقتهم مكانَ الموقف إلى الظلمةِ التي دون الصراط حيث يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون ويحال بينهم بسور يمنعهم الوصول إليهم.
ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: [إن رسول الله ﷺ سُئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر].
وفي رواية قالت: [سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ؟ قال: على الصراط] (١).
وعن قتادة: (﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: هو المرّ عليها). أي المرور على الصراط.
وعن أبي الأحوص عن عبد الله: في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: (الصراط على جهنم مثلُ حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلِّم سلِّم).
وفي صحيح سنن الترمذي عن عبد الله قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، قال: [يردونها ثم يصدرون بأعمالهم] (٢).
وكذلك روى الترمذي بسند صحيح عن السدي قال: سألت مُرَّة الهمداني عن قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فحدثني: أن عبد الله بن مسعود حدثهم قال: قال رسول الله ﷺ : [يَردُ الناسُ النارَ، ثم يَصْدُرُونَ عنها بأعمالهم، فأوَّلهُم كلمْحِ البَرْقِ،
стр. 2732
ثم كالريح، ثم كحضْرِ الفَرس، ثم كالراكب في رحلهِ، ثم كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثم كَمَشْيِهِ] (١).
وأما قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، قال مجاهد: (قضاء) - أي: قضاء مقضيًا.
وقال قتادة: (قسمًا واجبًا).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
قال قتادة: (على ركبهم. قال: إن الناس وردوا جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم فَأُنْجُوا منها، وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم واحتبسوا بذنوبهم).
وفي صحيح مسلم من حديث جابر عن أم مُبَشِّر عن النبي ﷺ قال: [والذي نفسي بيدهِ، لا يلج النارَ أحدٌ بايع تحت الشجرة. قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليسَ اللهُ يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال: ألا تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾] (٢).
فأخبرها ﵊ أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه يقال نَجّاه الله منهم، كما قال سبحانهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾، ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ ولم يكن العذاب أصابهم بل أصاب غيرهم (٣).
يروي الحاكم والبيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة، إلى أن قال: فَيُعْطَوْن نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يُعطى نورَهُ مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نورهُ فوق ذلكَ، ومنهم من يُعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلكَ بيمينه حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدّم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دَحضٌ، مَزَلَّة، فيقال لهم: امضوا
стр. 2733
على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشدِّ الرَّجل، يَرْمُلُ رَمَلًا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخرّ يدٌ، وتعلق يد، وتخر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمدُ لله الذي نجّانا منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يُعطَ أحدٌ) (١).
فصفة الصراط كحدّ الموسى في دقتهِ، لا ينفع في المرور عليه إلا توفيق الله ورحمته.
يروي الحاكم بسند صحيح عن سلمان، عن النبي عليه الصلاة السلام، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكةُ: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول اللهُ تعالى: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكةُ: سبحانكَ ما عبدناكَ حق عبادتكَ، ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكةُ: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من حْلقي، فيقولون: سبحانكَ ما عبدناكَ حق عبادتك] (٢).
كما لا يستطيعُ أن يتدخلَ في الموقف ويشفع، إلا من أذن الله له بالكلام وأكرمه بالشفاعة، وإنما يُضرب الجسر على جهنم ثم تحل الشفاعة.
ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدرِ صَحْوًا ليسَ فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: ما تضارّون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذَّن مؤذن: ليَتَّبع كلُ أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبُدُ الله من بَرٍّ وفاجرٍ، أتاهم رب العالمين، قال: فماذا تنظرون؟ يتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا فارَقنا الناس في الدنيا أفقرَ ما كنا إليهم ولم نصاحبهم.
وفي رواية: فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من
стр. 2734
كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة. كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّم سَلِّم، فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسَلَّم (١)، ومخدوش مرسَل (٢)، ومكدوس في نار جهنم (٣)، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. .] الحديث (٤).
٧٣ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن سلوك الكفار حين تُتلى عليهم آيات الله واضحة بينة ظاهرة الدلالة والحجّة كيف يصدون ويعرضون ويفتخرون على الذين آمنوا كذبًا أنهم خير منازل وأرفع مكانة وأعمر ناديًا، والله قد أهلك من قبلهم أقوامًا كانوا أشد قوة وأكثر متاعًا. إن الله يمهل الكافرين حتى يوقعهم في شباك العذاب، ويزيد المؤمنين هدى وعند الله لهم خير الثواب.
فعن ابن عباس: (﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: المقام: المسكن، والنديّ: المجلس والنّعمة والبهجة التي كانوا فيها. أو قال: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه).
وعن مجاهد: (في قول الله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ قال: قريش تقولها لأصحاب
стр. 2735
محمد ﷺ ، ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: مجالسهم، يقولونه أيضًا). قال قتادة: (رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فَعَرَّض أهل الشرك بما تسمعون قوله ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ يقول: مجلسًا). وقال أيضًا: (الندي: المجلس، وقرأ قول الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] قال: مجلسه).
قال ابن كثير: (﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، أي: أحسنُ منازل وأرفعُ دُورًا وأحسنُ نديًّا، وهو مجتمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمرُ وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]. وقال قومُ نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]).
وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.
أي: كم أهلكنا قبلهم من أمم كانوا على رَغَدٍ من العيش أكبر، وأموال وأمتعة أكثر، وأشكال ومناظر أجمل. وكلام المفسرين متقارب حول هذا المعنى.
قال ابن عباس: (﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، الرئي: المنظر، والأثاث: المتاع).
وعن الحسن: (الأثاث: أحسن المتاع، والرئي: المال). وعن قتادة: (﴿وَأَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ قال: أحسن صورًا، وأكثر أمولًا). وقال: (أي. أكثر متاعًا وأحسن منزلة ومستقرًا، فأهلك الله أموالهم، وأفسد صورهم عليهم ﵎.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. أي: قل يا محمد لمن أصر على الكفر: إنّ الله يمد له ليمكر به.
قال مجاهد: (فَلْيَدَعْهُ الله في طغيانه). قال النسفي: (وهذا الأمر بمعنى الخبر، أي من كفر مدّ له الرحمن يعني أمهله وأملى له في العمر ليزداد طغيانًا وضلالًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وإنما أخرج على لفظ الأمر إيذانًا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة كالمأمور به الممتثل ليقطع معاذير الضلال).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾.
стр. 2736
أي: حتى إذا باغتهم وعد الله بالعذاب في الدنيا بالقتل والأسر على أيدي المسلمين، أو قامت القيامة لينالهم فيها من الخزي والنكال، فهنالك يعلمون أن المؤمنين هم كانوا خيرًا مقامًا وأحسن نديًا لا الكفار.
وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾.
قال القرطبي: (أي ويثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم في النّصرة، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم). قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي جزاء، ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أي في الآخرة مما افْتَخَرَ به الكفار في الدنيا). قيل: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ من الردّ، أي خيرٌ ردًا على عاملها بالثواب. وقيل: أي خيرٌ مرجعًا فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله.
قلت: وهذه الهداية المذكورة في الآية على نوعين:
النوع الأول: قوله: ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ - أي قبلوا بهداية الرسل وصدقوا بها وتابعوهم على الحق. وهي الهداية المسماة: هداية الدلالة والإرشاد.
التوع الثاني: قوله ﴿هُدًى﴾ - أي يزيد الله أصحاب الهداية السابقة -هداية الدلالة والإرشاد- هداية خاصة، وهي هداية التوفيق والإلهام، نتيجة لصدقهم في قبول هداية المرسلين، ورسوخهم في ما يقتضيه ذلك من الإيمان واليقين (١).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته
стр. 2737
عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، وإن استعاذني لأعيذنَّه، وما تردّدتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).
وأما الباقيات الصالحات فهي جميع أعمال الآخرة، وقد جاء تخصيص عطر لشيء من ذلك في السنة الصحيحة:
فقد أخرج النسائي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: أخُذوا جُنَّتكم من النار، قولوا: سُبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يومَ القيامة مُقَدِّماتٍ، ومُعَقِّباتٍ، ومُجَنِّباتٍ، وهُنَّ الباقياتُ الصالحاتُ] (٢).
٧٧ - ٨٠. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾.
في هذه الآيات: تهديد شديدٌ ووعيد أكيد لذلك الكافر الذي يظن أنّ له عند الله مالًا وولدًا، وكأنه اطلع على الغيب أو اتخذ عند الله عهدًا، كلا سيحيق المكر به ويحرمه الله المال والولد فيأتي يوم القيامة فردًا.
أخرج البخاري ومسلم عن خَبَّاب قال: [كنتُ قَيْنًا في الجاهليةِ وكان لي على العاصي بن وائل دَيْن فأتَيْتُه أتقاضاه. فقال: لا أُعطيكَ حتى تكْفُرَ بمحمد، فقلت: لا أكْفُرُ حتى يميتَكَ الله ثم تُبْعَثَ. قال: دَعْني حتى أموتَ وأُبْعَثَ فَسأوُتى مالًا وولدًا
стр. 2738
فأقضيكَ، فنزلتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾] (١).
ورواه أحمد وفي لفظه: [قال: فإني إذا مِتُّ ثم بُعثتُ جئتني ولي ثَمَّ مالٌ وولدٌ، فأعطيتك. فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾].
وعن مجاهد: (﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قال: العاص بن وائل يقوله).
وقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ - إنكار على هذا المدّعي الكاذب، أي: هل علم الغيب أم اتخذ عند الله مَوْثِقًا. قال البخاري: (﴿عَهْدًا﴾: موثِقًا).
وعن ابن عباس: (﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: لا إله إلا الله، فيرجوه بها).
وقوله: ﴿كَلَّا﴾. قال ابن كثير: (هي حرف رَدْع لما قبلها وتأكيد لما بعدها).
وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾.
قال ابن جرير: (أي سنكتب ما يقول هذا الكافر بربه، القائل ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾ في الآخرة ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ يقول: ونزيده من العذاب في جهنم بقيله الكذب والباطل في الدنيا، زيادة على عذابه بكفره بالله).
وقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
أي: نسلبه المال والولد -عكس ما ادّعى- ويأتينا يوم القيامة فردًا من المال والولد.
قال قتادة: (﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾: لا مال له ولا ولد). وقال ابن زيد: (﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها. ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير).
٨١ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا
стр. 2739
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾.
في هذه الآيات: اتخاذُ الكافرين آلهة من دون الله سيكفرون بها يوم يلقون الخزي والعذاب، وسوء الحساب، فالله تعالى يرسل الشياطين على الكافرين ليزدادوا غيًّا، وإنما هم صائرون في وقت محدود إلى عذاب الله ليذوقوا نكالًا.
فقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾. يعني مشركي قريش.
قال القرطبي: (وظاهر الكلام أن ﴿عِزًّا﴾ راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله.
ووحّد لأنه بمعنى المصدر، أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. قال ابن عباس: (يقول: أعوانًا).
وقال مجاهد: (عونًا عليهم تخاصمهم وتكذبهم). وقال ابن زيد: (الضد: البلاء).
وقال عكرمة: (الضدّ: الحسرة).
وعن السدي: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾، أي: بعبادة الأوثان. وقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، أي: بخلاف ما رَجَوْا منهم). وقال: (الخصماء الأشداء في الخصومة).
والمعنى: يجيبهم الله تعالى بقوله؛ كلّا-: أي ليس الأمر كما تظنون وتتوهمون، بل سيكفرون بعبادة هذه الأصنام أو ينكرون أنهم عبدوها، أو تجحد الآلهة عبادة المشركين لها.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.
قال ابن عباس: ﴿أَزًّا﴾ يقول: تغريهم إغراء. قال: تؤزّ الكافرين إغراء في الشرك، امض امض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار، امضوا في الغيّ امضوا).
وقال قتادة: (تزعجهم إزعاجًا في معصية الله). أو قال: (تزعجهم إلى معاصي الله إزعاجًا).
وقال السدي: (تطغيهم طُغيانًا).
стр. 2740
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
٢ - وقال تعالى. ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩].
قال ابن زيد: (نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).
وفي المسند بإسناد حسن عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الشيطان قال: وعِزَّتك يارب لا أبرحُ أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (١).
قلت: وإنما يتابع الشيطان زحفه على الكفار ما دام انعدم منهم الاستغفار، فيحملهم بأزّه على محاربة دين الله في الأرض ونشر الفواحش والمعاصي والآثام.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾. قال ابن عباس: (نعدّ أنفاسهم في الدنيا). وقال السدي: (السنين، والشهور، والأيام، والساعات).
أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في حلول نقمة الله بهم، فإن لهم أجلًا هم بالغوه ثم هم صائرون بحلوله إلى عذاب الله وسخطه ونكاله.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨].
٣ - وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق معنى الآية، حديثان:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لَيُملي للظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْه. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ
стр. 2741
أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد والطبراني بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (٢).
٨٥ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾.
في هذه الآيات: نَعْتُ الله تعالى حال المتقين كيف يردون إليه وفدًا، في حين يساق المجرمون إلى جهنم وردًا، لا شفيع لهم فإن الشفاعة تنال من اتخذ عند الله عهدًا: شهادة أن لا إله إلا الله ينال بها العبد سعادة ومَجْدًا.
فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ - إشارة إلى حسن الاستقبال والتكريم كما يستقبل الوفود. قال القاسمي: ﴿وَفْدًا﴾ أي وافدين عليه. وأصل الوفود القدوم على العظماء للعطايا والاسترفاد. ففيه إشارة إلى تبجيلهم وتعظيمهم، المزورِ والزائرِ).
وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. أي: عِطاشًا. قال قتادة: (ظماءً إلى النار). والوِرْد جمع وارد، وحقيقة الورد المسير إلى الماء فيسمى به الواردون. وفي ذكرهم بالسَّوق إشعار بإهانتهم واستخفافهم.
قال النسفي: (أي يوم نحشر ونسوق نفعل بالفريقين ما لا يوسف. أي اذكر يوم نحشر. ذكر المتقون بأنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفود على الملوك تبجيلًا لهم. والكافرون بأنهم يساقون إلى النار كانهم نَعَم عطاش تساق إلى الماء استخفافًا بهم).
стр. 2742
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. أي: لا تنال الشفاعة إلا أهل الإيمان والعمل الصالح.
قال ابن كثير: (أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقّها).
وعن ابن عباس: (العهدُ شهادة أن لا إله إلا الله ويبرأُ من الحَوْل والقُوَّة، ولا يرجو إلا الله . وقال ابن جريج: (المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. قال: عملًا صالحًا).
٨٨ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾.
في هذه الآيات: إنكار وتهديد، ووعيد شديد، لمن زعم أن للرحمن ولدًا، فالسماوات تتصدع والأرض تتشقق والجبال تخرّ لهذا الافتراء هدًّا، فكل ما في السماوات والأرض يقدم يوم القيامة عبدًا، والله أحصاهم جميعًا وعدّهم عدًا، وكل عبد يأتي يوم القيامة فقيرًا إلى ربه متذللًا فردًا.
فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.
إنكار شديد على من زعم أنه لله ولدًا، تعالى الله وتقدس عما يقولون علوًا كبيرًا، وذلك بعد تقريره سبحانه في أرجاء هذه السورة عبودية عيسى ﵊، وخَلْقِه من مريم بلا أب. قال ابن عباس: (﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ يقول: قولًا عظيمًا). وقال: (يقول: لقد جئتم شيئًا عظيمًا وهو المنكر من القول). وفي لغة العرب: أدّ فهو آد والاسم الإدّ، إذا جاء بشيء عظيم منكر. قال الجوهري: (الإدّ والإدّة الداهية والأمر الفظيع).
стр. 2743
وقراءة العامة ﴿إِدًّا﴾ بالكسر، وقراءة أبي عبد الرحمن السُّلمي ﴿أَدًّا﴾ بالفتح، وأما بالمدِّ "آدٌّ" فهي لغة لبعض العرب.
وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾. أي: يتشققن. قال الضحاك: (أي: يتشققن فرقًا من عظمة الله).
وقوله: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾. أي: تتصدع، قال ابن زيد: (أي: غضبًا لله .
وقوله: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾. قال ابن عباس: (هدمًا أي تسقط بصوت شديد). وقال سعيد بن جبير: ﴿هَدًّا﴾: ينكسر بعضها على بعض متتابعات).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.
قال ابن كثير: (أي: يكاد يكون ذلك عند سماعِهنّ هذه المقالة من فَجَرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالًا، لأنهن مخلوقات ومُؤسَّساتٌ على توحيده، وأنَّه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبةَ له، ولا كُفْءَ له، بل هو الأحد الصمد).
وعن ابن عباس قال: (إن الشِّرك فَزِعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثَّقلين، فكادت أن تزولَ منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسانُ المشرك، كذلك نرْجُو أن يغفر الله ذنوب الموحِّدين).
وفي التنزيل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : [ما أحَدٌ أصْبَرَ على أذىً سمعه من الله، يَدَّعون له الولدَ ثم يعافيهم وَيَرْزُقُهُم] (١).
ورواه مسلم عنه بلفظ: [ما أحَدٌ أصْبَرَ على أذًى يَسْمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له نِدًّا، ويجعلون له وَلدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويُعطيهم] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.
стр. 2744
قال القرطبي: (أي لا يليق به ذلك ولا يوسف به ولا يجوز في حقه، لأنه لا يكون ولدٌ إلا من والد يكون له والد وأصل، والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.
قال القاسمي: (أي مملوكًا له يأوي إليه بالعبودية والذل).
و﴿إِنْ﴾: نافية بمعنى ما. والتقدير: ما كل من في السماوات والأرض إلا سيأتي يوم القيامة خاضعًا لله مقرًّا له بالعبودية والذل.
وفي التنزيل:
﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]- أي صَاغرين أذلاء.
والآية ردُّ آخر على من نسب لله الولد، بل الكل عبيد لله لا نسب بينه وبينه.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لقد أحصى الرحمن خلقه كلهم، وعدّهم عدًا، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم، وعرف عددهم، فلا يعزب عنه منهم أحد. ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. يقول: وجميع خلقه سوف يرد عليه يوم تقوم الساعة وحيدًا لا ناصر له من الله، ولا دافع عنه، فيقضي الله فيه ما هو قاضٍ، ويصنع به ما هو صانع).
وفي مسند الإمام أحمد وسنن الإمام النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلَّا أن تُخْبِرَنا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى، هذا كتاب من ربّ العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزادُ فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا يُنقصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فلأي شيء إذن نعَملُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرغَ منه؟ قال رسول الله ﷺ : سدّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قام بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم عز وجل
стр. 2745
من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).
٩٦ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾.
في هذه الآيات: ضمانٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين، بجعل المودة في الأرض وحسن الذكر في الصالحين، وهذا القرآن قد يَسَّر ذكره لك ربك -يا محمد- لتبشر به المتقين، وتنذر الفجار الآثمين، أن يصيروا كما صار قبلهم من كفر من الأمم فأصبحوا خامدين.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ - بشارة عاجلة للمؤمن في الحياة الدنيا.
فعن ابن عباس: (﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا). أو قال: (حبّا).
وقال: (الودّ من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق).
وقال مجاهد: (يحبهم ويحببهم إلى خلقه). أو قال: (يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين).
وقال قتادة: (ما أقبل عبدٌ إلى الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه، وزاده من عنده).
وفي الأثر عن عثمان بن عفان ﵁، كان يقول: (ما من الناس عبد يعمل خيرًا ولا شرًا، إلا كساه الله رداء عمله). ذكره ابن جرير من طريق قتادة.
وفي المسند وصحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إن الله إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: يا جبريلُ، إني أحبُّ فلانًا فأحِبَّه. قال: فيحبُّه جبريلِ. قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحبُّ فلانًا. قال: فَيحِبُّه أهل السماء، ثم يُوضعُ له القبولُ في الأرض. وإنّ الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل فقال: يا جبريلُ، إني أبغضُ
стр. 2746
فلانًا فأبغضْهُ. قال: فيبغضُهُ جبريلُ. ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغِضُ فلانًا فأبغِضُوه. قال: فَيُبْغِضُه أهلُ السماء، ثم توضَعُ له البغضاء في الأرض] (١).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [إذا أحَبَّ الله عَبْدًا نادى جِبْرَئيلَ: إني قَدْ أَحْبَبْتُ فُلانًا فأحِبَّهُ. قال: "فينادي في السماء، ثم تُنْزَلُ لهُ المحبّةُ في أهل الأرض، فذلك قوله الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. وإذا أبْغَضَ الله عبدًا نادى جِبْرئيلَ: إني قدْ أبْغَضتُ فلانًا، فينادي في السماء، ثم تُنْزَلُ له البغضاء في الأرض] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
أي: إنما يسرنا هذا القرآن بلسانك يا محمد، وهو اللسانُ العربي المبين الفصيح الكامل، لتبشر به المؤمنين المخبتين لربهم بشائر الظفر والفوز في الدنيا والآخرة، وتنذر به قومًا مالوا عن الحق واختاروا طريقًا عوجا باطلًا. قال ابن عباس: (﴿قَوْمًا لُدًّا﴾: فجّارًا).
قال مجاهد: (﴿قَوْمًا لُدًّا﴾: لا يستقيمون). وقال السدي عن أبي صالح: (عُوجًا عن الحق). وقال الحسن: (صُمًّا عن الحق) وقال غيره: (صُمُّ آذان القلوب). وقال الضحاك: (الألدّ: الخصم). وقال القُرظي: (الألدّ: الكذاب).
وقال ابن زيد: (الألد: الظلوم، وقرأ قول الله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]).
قلت: وأصل اللَّد: شدة الخصومة. قال الرازي: رجُل "ألَدُّ" بَيِّنُ "اللَّدَد" أي شديد الخصومة). وقوم لُدٌّ. أي أهل لدَد وجدل بالباطل، لا يقبلون الحق، والخطاب وإن كان لكفار قريش فإنه ينسحب على جميع الطغاة والكفرة إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
أي: كم مضى من سنتنا في إهلاك أمم الكفر والطغيان، لما كذبوا الله والرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام، هل ترى منهم أحدًا يا محمد أو تسمع لهم صوتًا؟ !
стр. 2747
أم إنهم بادوا جميعًا وأهلكوا، وخلت ديارهم وأوحشت منازلهم، وصاروا عبرة لمن يعتبر.
وعن قتادة: ﴿وَهَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ قال: هل ترى عينًا، أو تسمع صوتًا). وعن ابن عباس: (﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ قال: صوتًا). وقال: (رِكْزُ الناس أصواتهم). وعن ابن زيد: (﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ قال: أو تسمع لهم حِسًّا. قال: والركز: الحسّ).
قلت: والرِّكز في كلام العرب الصَّوْت الخفي. والمعنى: هل تسمع لأولئك الهلكى همسًا أو صوتًا خفيًا! أم سكنوا لمصرعهم وغاب حسهم وانقرضوا وبادوا عن آخرهم.
تم تفسير سورة مريم بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
стр. 2748
دروس ونتائج وأحكام
١ - الذي خلق من العدم، قادر أن يهب مولودًا رغم الهرم.
٢ - وجود الرزق عند مريم ﵍، إثبات للكرامات التي يختص الله بها أهل الإيمان.
٣ - هين على الله أن يخلق مولودًا بلا أب، ومثل عيسى كمثل آدم في الخلق.
٤ - ليس عيسى الله ولا ابنه، ولا ثالث ثلاثة، بل هو عبد الله ورسوله.
٥ - يموت يوم القيامة الموت، فالحياة خالدة في الجنة والنار.
٦ - الأنبياء ﵈، قدوة في منهاجهم لجميع الأنام.
٧ - من أضاع الصلاة فهو لسواها أضيع، ومن إضاعتها إضاعة مواقيتها.
٨ - التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ومن تاب وأناب فله الجنة بإذن الله.
٩ - الجنة منازل الأتقياء، سلام ونور ونعيم خالد جزاء الصدق والوفاء.
١٠ - من خلق الخلق من عدم، ألا يعيده من وجود؟ !
١١ - تعبر الخلائق على الصراط النار، فتكون بردًا على المؤمنين، وجحيمًا على الكافرين.
١٢ - يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان.
١٣ - سيعلم الكفار في الآخرة أي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا، والمؤمنون يحشرون إلى ربهم وفدًا، ويساق المجرمون إلى جهنم وردًا.
١٤ - إذا أحبّ الله عبدًا أمر جبريل بحبه، وأن ينادي الملائكة أحبوه، ثم يوضع له القبول والمحبة في الأرض.
١٥ - يسّر الله القرآن باللسان العربي المبين، وفيه بشرى للمتقين، وإنذار ووعيد للكافرين.
جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م
موافقة وزارة الإعلام
رقم: ٩١٠٩٢
ورقم: ٩١٤٥١
تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م
دمشق- سورية
يطلب من المؤلف
دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١
المدقق اللغوي
الدكتور أحمد راتب حموش
стр. 2753
٢٠ - سورة طه
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٣٥).
أخرج الحاكم والطحاوي بإسناد حسن عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة مرفوعًا: [اسمُ الله الأعظمُ في سور من القرآن ثلاث: في "البقرة" و"آل عمران" و"طه"] (١).
قال القاسم أبو عبد الرحمن: (فالتمست في "البقرة" فإذا هو في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي "آل عمران" فاتحتها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي "طه": ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.
موضوع السورة
قصة موسى وفرعون منهاج للجماعة المؤمنة في مجاهدة الطغاة والمجرمين، وهذا القرآن سبيل السعادة للبشرية في الدارين.
- منهاج السورة -
١ - ثناء الله على القرآن، نَزله رحمة لنبيّه وتذكرة للأنام، والله على العرش استوى، ويعلم السر وأخفى، وله الأسماء الحسنى.
стр. 2754
٢ - ذكر قصة موسى ﵇، وتكليم الله له ورعايته وحمايته، وإظهار آية العصا وآية اليد، ليذهب مطمئنًا بالقوة لدعوة فرعون وقد طغى.
٣ - رجاء موسى ربه شرح صدره، وتيسير أمره، وإزالة العجمة من لسانه، وجعل هارون وزيرًا له، وإجابة الله دعوته.
٤ - امتنان الله على موسى حمايته ورعايته منذ طفولته إلى شبابه إلى وقت نبوته.
٥ - خشية موسى بطش فرعون به وبأخيه، وإنزال الله الطمأنينة على قلبه.
٦ - إبلاغ موسى فرعون رسالة ربه، ومحاولة فرعون التكذيب بالربوبية، ومقابلة موسى له بقوارع الوحي وحجج الله البالغة.
٧ - استكبار فرعون، واتهامه لموسى بالسحر، وانصرافه لجمع السحرة للمكر والكيد، وتحذير موسى لهم مغبة الوعد والوعيد.
٨ - بدء الاستعراض من السحرة بحبالهم وعصيهم، وشعور موسى بالخوف من سحرهم، وتثبيت الله له ليلقي عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، ونزول السحرة ساجدين، معلنين أمام الملأ: آمنا برب موسى وهارون.
٩ - استنفار فرعون لضبط نفوذه وسلطانه، وتهديدهُ السحرة بالقتل والصلب، وإيثار السحرة ما عند الله.
١٠ - أمْرُ الله موسى المسير بالمؤمنين ليلًا ثم اختراق البحر بهم، واتباع فرعون له بجنوده وغرقهم عن آخرهم.
١١ - امتنان الله على بني اسرائيل بالنعم الكبيرة، ومواعدة موسى جانب الطور الأيمن وتكليمه، وإنزال التوراة والمن والسلوى.
١٢ - قدوم موسى لميقات ربه، وإضلال السامري القوم بعبادة العجل، ورجوع موسى غضبان أسفًا يحذر قومه مغبة ما وقعوا به من الشرك بالله.
١٣ - نصيحة هارون لبني إسرائيل بطاعة الرحمان ، وعدم الوقوع في هذه الوثنية القبيحة، ورجوع موسى مؤنبًا هارون، وحواره مع السامري وتوعده له.
١٤ - تسلية الله نبيّه ﷺ في ذكره أخبار ما قد سبق، ونَعْتُ المجرمين يوم القيامة في ذلهم وحوارهم، ووصف أهوال الموقف يوم الحشر والحساب.
стр. 2755
١٥ - ثناء الله على القرآن، ووصيته لنبيّه الإنصات لجبريل ﵇.
١٦ - عهدُ الله إلى آدم ونسيانه، وأمره تعالى الملائكة السجود له، وامتناع إبليس وتحذير الله عداوته، ووسوسة الرجيم للأبوين حتى أكلا من الشجرة، والتماس آدم التوبة من ربه حتى تاب عليه وهدى.
١٧ - هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض، وإرسال الله الرسل، وضمانه السعادة للمؤمنين، والشقاء للكافرين، وذلك في الدارين.
١٨ - ترتيب الله المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، وذكر حال الأمم التي زلزلها بكفرها، وحثّ الله رسوله على الصبر والتسبيح.
١٩ - تنبيه الله نبيّه إلى ترك النظر إلى المستكبرين المترفين، والانشغال باستنقاذ أهله من النار بإقام الصلاة والصبر على ذلك، ورزق الله مقسوم والعاقبة للمتقين.
٢٠ - سؤال المشركين الآيات والمعجزات، وهذا القرآن أكبر معجزة، وفي اتباع هذا النبي منهاج الهداية والنجاة.
стр. 2756
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
١ - ٨. قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾.
في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على القرآن، نَزَّله نورًا ورحمة لنبيّه وتذكرة للأنام، إنه الله تعالى على العرش استوى، يعلم ما في السماوات وما في الأرض ويعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
فقوله تعالى: ﴿طه﴾ - هو من مثيل الحروف المقطعة التي سبقت في أوائل السور، وأنها أفضل ما تدل على إعجاز هذا الكتاب الذي هو من جنس هذه الأحرف.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. انتصار مباشر لهذا القرآن، بعد الافتتاح بتلك الحروف المقطعة، وأنه كلام الله العظيم المعجز، الذي فيه سرّ النجاة من شقاء الدنيا والآخرة، وسرّ حصول سعادة الدارين.
قال قتادة: (﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ لا والله ما جعله الله شقيًّا، ولكن جعله رحمةً ونورًا، ودليلًا إلى الجنة).
قال النسفي: (﴿لِتَشْقَى﴾ لتتعب لفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا، أو بقيام الليل (١)).
стр. 2757
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.
قيل: هو استثناء منقطع، أي: ولكن أنزلناه تذكرة. وقيل نصب ﴿تَذْكِرَةً﴾ على المصدر، أي أنزلنا لتذكِّرَ به تذكرة. أو على المفعول لأجله، والتقدير: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا تذكرة. وكلها وجوه محتملة تدل على الإعجاز.
قال قتادة: (وإن الله أنزل كتبه، وبعث رسله رحمة رحم الله بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر له أنزل الله فيه حلاله وحرامه).
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ - فيه إشارة إلى صفة العلو لله العلي العظيم، فإنه تعالى فوق العرش يدبر الأمر، وهو بائن من خلقه كما وصف سبحانه نفسه.
وقوله: ﴿تَنْزِيلًا﴾ مصدر، أي نزلناه تنزيلًا. وقيل: بدل من ﴿تَذْكِرَةً﴾.
وقرأ أبو حيوة الشامي ﴿تَنْزِيلًا﴾ بالرفع، والنصب أرجح وأشهر. والعُلا: أي العالية الرفيعة، وهي جمع العُليا. والمعنى كما قال ابن كثير: (هذا القرآنُ الذي جاءك يا محمد تنزيلٌ من ربِّ كلِّ شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتِها، وخلق السماوات العُلا في ارتفاعها ولطافَتِها).
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ - أي علا وارتفع، كما يليق بجلاله وكماله.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.
قال القاسمي: (بيان لشمول قهره وملكته للكل. أي كلها تحت ملكته وقهره وسلطنته وتأثيره. لا توجد ولا تتحرك ولا تسكن ولا تتغير ولا تثبت إلا بأمره).
وقال النسفي: (﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ ما تحت سبع الأرضين أو هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
قال ابن عباس: (السّر: ما علمته أنت، وأخفى: ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه).
وقال أيضًا: (يعني بأخفى: ما لم يعلمه، وهو عامله، وأما السّر: فيعني ما أسرّ
стр. 2758
في نفسه). أو قال: (السّر: ما أسرّ ابن آدم في نفسه. وأخفى: قال: ما أخفى ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فالله يعلم ذلك). أو قال: (وأخفى: ما لا يعلم الإنسان مما هو كائن). وعن مجاهد: (﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: أخفى: الوسوسة). وقال عكرمة: (أخفى حديث نفسك). وقال سعيد بن جبير: (﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: السرّ: ما أسررت في نفسك، وأخفى من ذلك: ما لم تحدث به نفسك). وقال أيضًا: (أنت تعلم ما تُسِرُّ اليوم، ولا تعلم ما تُسِرُّ غدًا، والله يعلم ما تُسِرُّ اليوم، وما تُسِرُّ غدًا).
قلت: وكلها أقوال مفيدة تثري المعنى وتزيد من بيان آفاقه ومدلولاته وإعجاز لفظه.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
قال القاسمي: (﴿اللَّهُ﴾ أي ذلك المُنْزِل الموصوف بهذه الصفات هو الله ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي الفضلى، لدلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن).
٩ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾.
في هذه الآيات: قصة موسى ﵊ وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليم الله تعالى له، وذلك بعدما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صِهْره في رعاية الغنم وسار بأهله قاصدًا بلاد مصر بعدما غاب عنها أكثر من عشر سنين، فخرج ومعه زوجته فأضل الطريق وكانت ليلةً شاتية، ونزل منزلًا بين شعاب وجبال في ذلك البرد والظلام، فجعل تَقْدَحُ بِزَنْدٍ معه ليوريَ نارًا فلم يخرج شَرَرٌ منه، وهناك ظهر له من جانب الطور نارًا، من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم إني
стр. 2759
آنست نارًا لعلي آتيكم منها بشهاب من نار أو أجد عندها ما يدلني على الطريق. فلما اقترب من النار ناداه ربه تعالى بأجمل العبارات، وبشره بالنبوة وأمره بعبادته وإقام الصلوات، وأكّد له أمر الساعة ليحذر الناس من مغبة الوقوع في الشرك والآثام والموبقات.
فقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. تسلية من الله لرسوله ﷺ عما يلقاه من أعدائه المشركين. أي هل أتاك - يا محمد - خبر موسى. قال النسفي: (ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة بالصبر على المكاره ولينال الدرجة العليا كما نالها موسى).
وقوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾. قال ابن عباس: (لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضلّ الطريق. قال: كان في الشتاء، ورُفعت لهم نارٌ، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾.
يروي ابن جرير عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه اليمائي: (لما قضى موسى الأجل، خرج ومعه غنم له، ومعه زند له، وعصاه في يده يهشّ بها على غنمه نهارًا، فإذا أمسى اقتدح بزنده نارًا، فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه، فتوكأ على عصاه، فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامته، وابتداءه فيها بنبوته وكلامه، أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه، فأخرج زنده ليقتدح نارًا لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح، ويعلم وجه سبيله، فأصلد زنده فلا يوري له نارًا فقدح حتى أعياه، لاحت النار فرآها، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾).
وقوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾. أي لعلي أجيئكم من النار بشعلة. والقبس في كلام العرب: النار في طرف القصبة أو العود.
وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. قال ابن عباس: (يقول: من يدلّ على الطريق).
وقال قتادة: (من يهديني إلى الطريق).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. أي: فلما أتى النار موسى ناداه ربه، إني أنا ربك فاخلع نعليك وأفض بقدميك إلى بركة الوادي. قال مجاهد: (أمر أن يباشر بقدميه بركة الأرض). وقال ابن أبي نجيح: (في قوله: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ يقول: أفض بقدميك إلى بركة الوادي). وعن ابن عباس: (قوله: ﴿طُوًى﴾: هو اسم للوادي).
стр. 2760
وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.
أي: إني اصطفيتك للرسالة من بين جميع أهل زمانك فأصغ لهذا الوحي العظيم.
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾.
قال ابن كثير: (هذا أول واجب على المكلّفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له). قلت: وهذه الكلمة العظيمة هي أصل العبادة وهي دعوة الرسل جميعًا وسرّ سعادة الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: [من مات وهو يعلم أنهُ لا إله إلا الله دخل الجنة] (١).
وفي الصحيحين عن عتبان بن مالك، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ] (٢).
وقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. قال ابن جرير: (يقول: فأخلص العبادة لي دون كل ما عبد من دوني).
وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ - فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أقم الصلاة عند ذكرك لي. ذكره ابن كثير. قال مجاهد (إذا ذكر عبَد ربه).
التأويل الثاني: أقم الصلاة لتذكرني فيها. ذكره القرطبي.
стр. 2761
التأويل الثالث: أقم الصلاة لأذكرك بالمدح في عليين بها. قال القرطبي: (فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل وإلى المفعول).
التأويل الرابع: أقم الصلاة إذا نسيتها حين تذكرها. قال إبراهيم: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾: يصليها حين يذكرها).
التأويل الخامس: أي حافظ بعد التوحيد على الصلاة.
قلت: وكلها معان متكاملة يتسع لها اللفظ الإلهي المعجز، وقد دلّت السنة الصحيحة على بعضها في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ : [مَنْ نَسِيَ صلاةً فَلْيُصَلِّ إذا ذكَرَ، لا كفّارة لها إلا ذلك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ : [إذا رقَدَ أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلّها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي في سننه بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: [لما قفل رسول الله ﷺ من خيبر أسرى ليلة حتى أدركه الكَرى أناخ فعرّس ثم قال: "يا بلال اكْلأ لنا الليلة". قال: فصلى بلال، ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر، فغلبته عيناه فنام، فلم يستيقظ أحد منهم، وكان أولهم استيقاظًا النبي ﷺ فقال: "أي بلالٌ"، فقال بلال: بأبي أنت يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، فقال رسول الله ﷺ : "اقْتادُوا"، ثم أناخ فتوضأ فأقام الصلاة، ثم صلى مثل صلاته في الوقت في تمكُّث، ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾] (٣).
وقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن الساعة جائية أكاد أخفيها لنفسي لا تأتيكم إلا بغتة. قال ابن عباس: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ يقول: لا أظهر عليها أحدًا غيري).
стр. 2762
وقال: (لا تأتيكم إلا بغتة). وعن سعيد بن حبير: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال: من نفسي).
وقال السُّدي: اليس أحدٌ من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله عنه عِلْمَ الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: ﴿آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾، يقول: كتمتُها من الخلائق، حتى لو استطعتُ أن أكتُمَها من نفسي لفعلتُ).
وقال قتادة: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، وهي في بعض القراءة ﴿أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].
ومن صحيح السنة العطرة:
أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن بريدة، عن النبي ﷺ قال: [خمسٌ لا يعلمهُنَّ إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيب، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسِبُ غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾] (١).
وقوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. أي: لتثاب كل نفس قضى الله امتحانها في الدنيا بما تسعى. فمن يعمل صالحًا فلنفسه، ومن يعمل غير ذلك فإثمه على نفسه.
وفي التنزيل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
стр. 2763
وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إنما يبعث الناس على نياتهم] (١).
ورواه من حديث جابر بلفظ: [يحشر الناس على نياتهم].
وبنحوه عند ابن حبان من حديث عائشة: [ ... ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾.
أي: فلا يردنّك عن التهيؤ للساعة يا موسى والتأهب لها من لا يؤمن بها ومضى خلف شهواته وأهوائه معظمًا لها، فتهلك بذلك وتشقى.
قال الزمخشري: (وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله).
١٧ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: إبرازُ الله تعالى آية لموسى، عصاه ألقاها فانقلبت بإذن الله حية تسعى، قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى، ثم أراه آية أخرى، يده ضمّها إلى جناحه فخرجت بيضاء بإذن ربه الأعلى. ليذهب محملًا باليقين ممتثلًا أمر الله إلى فرعون الذي طغى.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ - استفهام تقرير.
أي هو تنبيه من الله سبحانه ليقرّر بنفسه أنها خشبة يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، لِيُعَرِّفَه قدرته تعالى على تحويلها إلى حية تسعى.
стр. 2764
قال النسفي: (والسؤال للتنبيه لتقع المعجزة بها بعد التثبت، أو للتوطين لئلا يهوِّله انقلابها حَيَّة، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. أي: فأجاب موسى أنها عصاه يعتمد عليها حال المشي ويهزّ بها الشجرة ليسقط ورقُها لترعاه غنمه، وأن له بها مصالح ومنافع أخرى.
قال قتادة: (﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾: أخبط بها الشجر). وقال: (كان نبي الله موسى ﷺ يهشُّ على غنمه ورق الشجر). وقال السدي: (يقول: أضرب بها الشجر للغنم، فيقع الورق). وقال الضحاك: (يقول: أضرب بها الشجر حتى يسقط منه ماتأكل غنمي).
وعن ابن عباس: (﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ قال: حوائج أخرى قد علمتها). وقال مجاهد: (حاجات). أي حاجات أخرى سوى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ - ابتداء لأسباب ظهور المعجزة. قال ابن عباس: (لما قيل لموسى: ألقها يا موسى، ألقاها) - أي العصا التي كانت في يده.
وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾. أي: قَلَبَ الله أوصافها وأعراضها، فصارت العصا حَيَّةً بإذن الله ﴿تَسْعَى﴾ أي: تنتقل وتمشي وتتحرك. قال وهب بن منبه: (تهتزّ، لها أنياب وهيئة كما شاء الله أن تكون، فرأى أمرًا فظيعًا، فولى مدبرًا).
وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]. فنودي: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.
قال وهب بن منبه: (فولى مُدبرًا، ولم يعقّب، فناداه ربه: يا موسى أقبل ولا تخف ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾. قال: أي سنردها عصًا كما كانت).
وعن ابن عباس: (﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ يقولى: حالتها الأولى). أي سنردها إلى هيئتها الأولى عصًا كما كانت.
وقوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾.
أي: أدخل يدك - يا موسى - في جيبك كما تفسّره الآية الأخرى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]. وكذلك الآية: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ
стр. 2765
﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢]. فهذا برهان ثانٍ لموسى ﷺ إذْ أمره ربه أن يدخل يده في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء: أي من غير برص ولا أذى ولا شين.
وعن ابن عباس: (﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ قال: من غير برص). قال الحسن: (أخرجها الله من غير سوء، من غير برص، فعلم موسى أنه لقي ربه).
وقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.
قال ابن جرير: (كي نريك من أدلتنا الكبرى على عظيم سلطاننا وقدرتنا).
وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. أي تجاوز قدره وحدّه، وتمرَّدَ على ربه.
قال ابن كثير: (أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خَرَجت فارًّا منه وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وَمُرْهُ فليُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى).
٢٥ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: رجاءُ موسى ﵊ رَبّه، أن يشرح صدره، وييسر أمره، ويزيل العجمة من لسانه، ويجعل هارون وزيرًا له يعينه في أمره، رجاء إقامة منهج التعظيم لله وحده والإكثار من ذكره، إنه هو السميع البصير.
فقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ - سؤال من موسى ﵇ ربّه ﵎ ليشرح صدره فيما بعثه به، إلى أكبر طغاة الأرض وأكثرهم جنودًا وأعمرهم ملكًا. وأن يكون له في مهمته عَونًا ونصيرًا وظهيرًا.
قال ابن زيد: (﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ قال: جرأة لي). وقال القرطبي: (﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ أي وسَّعه ونوّره بالإيمان والنبوة ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي سهّل عليّ ما أمرتني به من
стр. 2766
تبليغ الرسالة إلى فرعون). وقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ - أي أزل العجمة التي في لساني يفقهوا عني ما أخاطبهم به بالكلام. قال ابن عباس: (كانت في لسانه رُتَّة). قيل: يعني العجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها في فيه وهو طفل). وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. هو من تمام سؤال موسى ربه عونه في تيسير مهمته لدعوة ذلك الطاغية المتجبر فرعون. فسأل ربه أن يجعل له عونًا من أهل بيته. قال النسفي: (﴿وَزِيرًا﴾ ظهيرًا أعتمد عليه، من الوزر الثقل، لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنته، أو من الوزر الملجأ، لأن الملك يعتصم برأيه، ويلتجئ إليه في أموره، أو معينًا من الموازرة وهي المعاونة).
أخرَج النسائي بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [من ولي منكم عملًا فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكَّرَه، وإن ذكَر أعانه] (١).
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا: [ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصمه الله] (٢).
وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ عطف بيان لـ "وزيرًا"، وقوله ﴿أَخِي﴾ بدل أو عطف بيان آخر.
وعن ابن عباس: (﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ يقول: اشدد به ظهري). وقال ابن زيد: (يقول: اشدد به أمري، وقوّني به، فإن لي به قوّة). وعن مجاهد: (﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال: ظهري). وفي لغة العرب: أزر فلان فلانًا: إذا أعانه وشدّ ظهره. قال الرازي: (الأزْر: القوة. وقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ أي ظهري. و"آزره" أي عاوَنَه).
قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ يقول: واجعله نبيًّا مثل ما جعلتني نبيًّا، وأرسله معي إلى فرعون). وقال ابن كثير: (﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: في مشاورتي).
وقوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾.
أي: كي نعظمك بالذكر والتسبيح والدعاء، فإنك العليم بأحوالنا البصير بحاجاتنا.
стр. 2767
قال القاسمي: (أي كي نتعاون على تسبيحك وذكرك. لأن التعاون - لأنه مهيج الرغبات - يتزايد به الخير ويتكاثر ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ أي عالمًا بأحوالنا، وبأن المدعوّ به مما يفيدنا).
وعن مجاهد قال: (لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا).
٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: إجابةُ الله تعالى دعوة موسى ﷺ ، وامتنانه عليه بإلهام أمه أيام طفولته قذفه بالتابوت في اليم ليلقيه الله إلى بيت عدوه، ثم إرجاعه إلى أمه لإرضاعه أثناء سعي أخته في ذلك، ثم ما كان من حماية الله له أثناء الشباب بعد قتله القبطي واختباره اختبارًا كثيرًا.
فقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.
قال القرطبي: (لما سأله شرح الصدر، وتيسير الأمر إلى ما ذكر، أجاب سؤاله، وأتاه طِلْبَتَه ومرغوبه).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾.
قال ابن كثير: (تذكير له بنِعَمِهِ السَّالِفة عليه، فيما كان ألهم أمَّه حينَ كانت تُرْضِعُهُ، وتحذو عليه من فرعون وَمَلئِه أن يقتلوه، لأنه كان قد وُلِدَ في السَّنة التي يقتلون فيا الغلمان. فاتخذت له تابُوتًا، فكانت ترضِعُه ثم تَضَعُه فيه، وتُرسِلُه في البحر - وهو النيل - وتُمْسِكُه إلى مَنْزلها بحبل، فذهبت مرة لتربطه فانفلت منها وذهب به البحر،
стр. 2768
فَحصل لها من الغمِّ والهمَّ ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]، فذهب به البحر إلى دار فِرعون، ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فحَكَم الله - وله السلطان العظيم والقدرة التامة - أن لا يُرَبَّى إلا على فراش فرعون، ويُغْذَى بطعامه وشرابه، مع محبَّتِه وزوجته له. ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. أي: عند عَدُوّك، جعلتُه يُحبُّك. قال سلمة بن كُهيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال: حَبَّبْتُكَ إلى عبادي).
وعن ابن إسحادق قال: (لما ولدت موسى أمه أرضعته، حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تعالى، جعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينا هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنةُ مُزَاحم امرأته جالسة إلى جنبه، فقال: إنّ هذا لشيء في البحر، فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاؤوا به، ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته، وعطف عليه نفسه، وعنى جل ثناؤه بقوله: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ فرعون هو العدوّ، كان لله ولموسى).
وعن السدي: (﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر، وهو النيل).
وقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.
قال قتادة: (هو غذاؤه، ولتغذى على عيني). وقال ابن جريج: (أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر). وقال أبو نهيك: (ولتعمل على عيني). قال ابن جرير -شيخ المفسرين-: (معناه: ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي).
والمقصود: أنّ تربية موسى ﵊ إنما كانت برعاية الله سبحانه، لأن العرب حين تقول: (فلان يسير على عيني) يعنون: برعايتي. و (رَبَّيْتُه على عيني) أي: تحت نظري ومراقبتي وإشرافي.
قلت: فلفظ "العين" في التنزيل قد يفيد الصفة التي لابد من إثباتها لله سبحانه، وقد يفيد العناية والرعاية، والله المستعان.
стр. 2769
وقوله. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾.
إخبار من الله تعالى أنه لما استقر موسى ﵇ رضيعًا في بيت فرعون، عَرَضوا عليه المراضع فأباها، وهو قوله سبحانه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فجاءت أخته وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. أي: هل أدلكم على مرضعة ترضِعُه لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثَدْيها، فَقَبِلَهُ، فردّ الله موسى إلى أمه وأدخل عليها السرور والفرح من جديد، وأزال عنها الهم والحزن، ونالها إضافة إلى سرورها أجر الإرضاع، ولثواب الله في الآخرة أطيب وأكمل.
وقوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾.
قال ابن جرير: (﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني جل ثناؤه بذلك: قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى). وقال مجاهد: (﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: من قتل النفس). أي: نجيناك ممّا نزل بك من غم ذلك القتل وما تبعه من محاولة القوم أن يقتلوك بما صدر منك، فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يبلغوا إلى قتلك أو قودك سبيلًا. ثم لجأت إلى ذلك الرجل الصالح فطمأنك وقال لك: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ يقول: اختبرناك اختبارًا). أو قال في رواية أخرى: (ابتليت بلاء). والمقصود: استعراض تلك المحن والبلايا التي قضى الله لموسى أن يمرّ بها حتى يكتمل ويصلب ويواجه حمل أمانة الوحي والنبوة.
وفي صحيح مسلم عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: [يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبَكم للكبيرة؟ ! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا"، وأومَأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى ﵇ الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾] (١).
стр. 2770
وقوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.
قال ابن عباس: (يقول: لقد جئت لميقات يا موسى). وقال مجاهد: (على ذي موعد). وقال قتادة: (قدر الرسالة والنبوة).
والمقصود: لقد لبثت يا موسى تلك السنين مقيمًا في أهل مدين فارًّا من فرعون وملئه، وكنت ترعى على صهرك، حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، لتأتي من جديد إلى مصر على قدر الله وإرادته لتبدأ مرحلة جديدة، وهي مرحلة القيام بأعباء الرسالة والنبوة ومواجهة الطواغيت.
٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾.
في هذه الآيات: امتنان الله تعالى على موسى ﷺ في لبثه سنين في أهل مدين آمنًا من فرعون، ثم مجيئه إلى مصر على موعد لبدء مرحلة جديدة هي القيام بأعباء النبوة، ليذهب مع أخيه هارون بأمر الله لمقابلة الطاغية فرعون ودعوته إلى الحق بقول لين لعله يتذكر أو يخشى.
وقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ - أي اخترتك نبيًّا، واجتبيتك رسولًا، واصطفيتك لنفسي كما أريد وأشاء للقيام بأمري ونهيي.
وفي صحيح البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن محمد بن سِيرينَ عن أبي هريرة عن رسول الله قال: [التقى آدمُ وموسى، فقال موسى لآدمَ: أنت الذي أَشْقَيْتَ الناسَ وأَخْرَجْتَهم من الجنة؟ قال له آدمُ: أَنْتَ الذي اصْطفاك الله برساليِهِ، واصْطفاكَ لِنَفْسِهِ، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجَدْتَها كُتِبَ عَلَي قبلَ أن يَخْلُقَني؟ قال: نعم، فَحَجَّ آدمُ موسى] (١).
وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.
أي: اذهب أنت وهارون بأدلتي وحججي إلى فرعون الذي تمرّد في ضلاله وعتا في غَيِّه وظلمه، فادعواه إلى الحق ولا تضعفا في ذكري فإن في ذِكْرِكُما لي قوة وعزيمة لكما.