← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

تبليغ الرسالة إلى فرعون). وقوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ - أي أزل العجمة التي في لساني يفقهوا عني ما أخاطبهم به بالكلام. قال ابن عباس: (كانت في لسانه رُتَّة). قيل: يعني العجمة التي كانت فيه من جمرة النار التي أطفأها في فيه وهو طفل). وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. هو من تمام سؤال موسى ربه عونه في تيسير مهمته لدعوة ذلك الطاغية المتجبر فرعون. فسأل ربه أن يجعل له عونًا من أهل بيته. قال النسفي: (﴿وَزِيرًا﴾ ظهيرًا أعتمد عليه، من الوزر الثقل، لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنته، أو من الوزر الملجأ، لأن الملك يعتصم برأيه، ويلتجئ إليه في أموره، أو معينًا من الموازرة وهي المعاونة). أخرَج النسائي بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [من ولي منكم عملًا فأراد الله به خيرًا جعل له وزيرًا صالحًا إن نسي ذكَّرَه، وإن ذكَر أعانه] (١). وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا: [ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصمه الله] (٢). وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ عطف بيان لـ "وزيرًا"، وقوله ﴿أَخِي﴾ بدل أو عطف بيان آخر. وعن ابن عباس: (﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ يقول: اشدد به ظهري). وقال ابن زيد: (يقول: اشدد به أمري، وقوّني به، فإن لي به قوّة). وعن مجاهد: (﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال: ظهري). وفي لغة العرب: أزر فلان فلانًا: إذا أعانه وشدّ ظهره. قال الرازي: (الأزْر: القوة. وقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ أي ظهري. و"آزره" أي عاوَنَه). قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ يقول: واجعله نبيًّا مثل ما جعلتني نبيًّا، وأرسله معي إلى فرعون). وقال ابن كثير: (﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: في مشاورتي). وقوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. أي: كي نعظمك بالذكر والتسبيح والدعاء، فإنك العليم بأحوالنا البصير بحاجاتنا.

стр. 2767

قال القاسمي: (أي كي نتعاون على تسبيحك وذكرك. لأن التعاون - لأنه مهيج الرغبات - يتزايد به الخير ويتكاثر ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ أي عالمًا بأحوالنا، وبأن المدعوّ به مما يفيدنا). وعن مجاهد قال: (لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا). ٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾. في هذه الآيات: إجابةُ الله تعالى دعوة موسى ﷺ ، وامتنانه عليه بإلهام أمه أيام طفولته قذفه بالتابوت في اليم ليلقيه الله إلى بيت عدوه، ثم إرجاعه إلى أمه لإرضاعه أثناء سعي أخته في ذلك، ثم ما كان من حماية الله له أثناء الشباب بعد قتله القبطي واختباره اختبارًا كثيرًا. فقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾. قال القرطبي: (لما سأله شرح الصدر، وتيسير الأمر إلى ما ذكر، أجاب سؤاله، وأتاه طِلْبَتَه ومرغوبه). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾. قال ابن كثير: (تذكير له بنِعَمِهِ السَّالِفة عليه، فيما كان ألهم أمَّه حينَ كانت تُرْضِعُهُ، وتحذو عليه من فرعون وَمَلئِه أن يقتلوه، لأنه كان قد وُلِدَ في السَّنة التي يقتلون فيا الغلمان. فاتخذت له تابُوتًا، فكانت ترضِعُه ثم تَضَعُه فيه، وتُرسِلُه في البحر - وهو النيل - وتُمْسِكُه إلى مَنْزلها بحبل، فذهبت مرة لتربطه فانفلت منها وذهب به البحر،

стр. 2768

فَحصل لها من الغمِّ والهمَّ ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠]، فذهب به البحر إلى دار فِرعون، ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فحَكَم الله - وله السلطان العظيم والقدرة التامة - أن لا يُرَبَّى إلا على فراش فرعون، ويُغْذَى بطعامه وشرابه، مع محبَّتِه وزوجته له. ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. أي: عند عَدُوّك، جعلتُه يُحبُّك. قال سلمة بن كُهيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال: حَبَّبْتُكَ إلى عبادي). وعن ابن إسحادق قال: (لما ولدت موسى أمه أرضعته، حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تعالى، جعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينا هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنةُ مُزَاحم امرأته جالسة إلى جنبه، فقال: إنّ هذا لشيء في البحر، فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاؤوا به، ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته، وعطف عليه نفسه، وعنى جل ثناؤه بقوله: يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ فرعون هو العدوّ، كان لله ولموسى). وعن السدي: (﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر، وهو النيل). وقوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. قال قتادة: (هو غذاؤه، ولتغذى على عيني). وقال ابن جريج: (أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر). وقال أبو نهيك: (ولتعمل على عيني). قال ابن جرير -شيخ المفسرين-: (معناه: ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي). والمقصود: أنّ تربية موسى ﵊ إنما كانت برعاية الله سبحانه، لأن العرب حين تقول: (فلان يسير على عيني) يعنون: برعايتي. و (رَبَّيْتُه على عيني) أي: تحت نظري ومراقبتي وإشرافي. قلت: فلفظ "العين" في التنزيل قد يفيد الصفة التي لابد من إثباتها لله سبحانه، وقد يفيد العناية والرعاية، والله المستعان.

стр. 2769

وقوله. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾. إخبار من الله تعالى أنه لما استقر موسى ﵇ رضيعًا في بيت فرعون، عَرَضوا عليه المراضع فأباها، وهو قوله سبحانه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فجاءت أخته وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]. أي: هل أدلكم على مرضعة ترضِعُه لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثَدْيها، فَقَبِلَهُ، فردّ الله موسى إلى أمه وأدخل عليها السرور والفرح من جديد، وأزال عنها الهم والحزن، ونالها إضافة إلى سرورها أجر الإرضاع، ولثواب الله في الآخرة أطيب وأكمل. وقوله: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. قال ابن جرير: (﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني جل ثناؤه بذلك: قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الإسرائيلي، فوكزه موسى). وقال مجاهد: (﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: من قتل النفس). أي: نجيناك ممّا نزل بك من غم ذلك القتل وما تبعه من محاولة القوم أن يقتلوك بما صدر منك، فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يبلغوا إلى قتلك أو قودك سبيلًا. ثم لجأت إلى ذلك الرجل الصالح فطمأنك وقال لك: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥]. وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ يقول: اختبرناك اختبارًا). أو قال في رواية أخرى: (ابتليت بلاء). والمقصود: استعراض تلك المحن والبلايا التي قضى الله لموسى أن يمرّ بها حتى يكتمل ويصلب ويواجه حمل أمانة الوحي والنبوة. وفي صحيح مسلم عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: [يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبَكم للكبيرة؟ ! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ها هنا"، وأومَأ بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى ﵇ الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾] (١).

стр. 2770

وقوله: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾. قال ابن عباس: (يقول: لقد جئت لميقات يا موسى). وقال مجاهد: (على ذي موعد). وقال قتادة: (قدر الرسالة والنبوة). والمقصود: لقد لبثت يا موسى تلك السنين مقيمًا في أهل مدين فارًّا من فرعون وملئه، وكنت ترعى على صهرك، حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، لتأتي من جديد إلى مصر على قدر الله وإرادته لتبدأ مرحلة جديدة، وهي مرحلة القيام بأعباء الرسالة والنبوة ومواجهة الطواغيت. ٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾. في هذه الآيات: امتنان الله تعالى على موسى ﷺ في لبثه سنين في أهل مدين آمنًا من فرعون، ثم مجيئه إلى مصر على موعد لبدء مرحلة جديدة هي القيام بأعباء النبوة، ليذهب مع أخيه هارون بأمر الله لمقابلة الطاغية فرعون ودعوته إلى الحق بقول لين لعله يتذكر أو يخشى. وقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ - أي اخترتك نبيًّا، واجتبيتك رسولًا، واصطفيتك لنفسي كما أريد وأشاء للقيام بأمري ونهيي. وفي صحيح البخاري - عند تفسير هذه الآية - عن محمد بن سِيرينَ عن أبي هريرة عن رسول الله قال: [التقى آدمُ وموسى، فقال موسى لآدمَ: أنت الذي أَشْقَيْتَ الناسَ وأَخْرَجْتَهم من الجنة؟ قال له آدمُ: أَنْتَ الذي اصْطفاك الله برساليِهِ، واصْطفاكَ لِنَفْسِهِ، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجَدْتَها كُتِبَ عَلَي قبلَ أن يَخْلُقَني؟ قال: نعم، فَحَجَّ آدمُ موسى] (١). وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. أي: اذهب أنت وهارون بأدلتي وحججي إلى فرعون الذي تمرّد في ضلاله وعتا في غَيِّه وظلمه، فادعواه إلى الحق ولا تضعفا في ذكري فإن في ذِكْرِكُما لي قوة وعزيمة لكما.

стр. 2771

قال ابن عباس: (﴿وَلَا تَنِيَا﴾ يقول: لا تبطئا). وقال: (يقول: ولا تضعفا في ذكري). قال ابن زيد: (الواني: هو الغافل المفرط ذلك الواني). والمقصود: استحضار عظمة الله بذكره عند لقاء الطاغية أو الظالم، فإن ذلك ممّا يهوّن على المؤمن أمر العتاة والبغاة وأهوال اقتحام حواجز الكبر التي يصنعها أئمة الكفر في الأرض لِيَحُولوا دون وصول دعوة الله إلى الناس في الأرض. وقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾. أي اذهبا إلى فرعون الذي تمرّد وعتا، وتَجَهْرَم على الله وعصا، ودعا الناس إلى عبادته وتعظيمه من دون الله، ومع ذلك استميلاه بِلَيِّنِ القول ولطيفه لعله يتذكر أو يخشى. قال ابن كثير: (هذه الآية فيها عبرةٌ عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العُتُوِّ والاستكبار، وموسى صَفْوَةُ الله من خَلْقِهِ إذ ذاك، ومع ذلك أُمِرَ ألَّا يخاطِبَ فِرْعون إلا بالملاطفة واللِّين، كما قال يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويُناديه؟ ). ويُروى هنا من شعر زيد بن عمرو بن نُفيل، أو أمية بن أبي الصَّلْت فيما ذكره ابن إسحاق: وأنْتَ الذي من فَضْلِ مَنٍّ ورحْمَةٍ ... بَعَثْتَ إلى موسى رسولًا مُناديًا فقلتَ له: فاذهَبْ وهارونَ فادعُوا ... إلى الله فرعونَ الذي كان باغِيًا فقُولا له: هل أنْتَ سَوَّيْتَ هذِه ... بلا وَتَدٍ حتى اسْتَقَلَّتْ كما هِيَا؟ وقولا له: آأنت رَفَّعْتَ هذِهِ ... بلا عَمَدٍ؟ أَرْفِقْ إذن بك بانِيًا وقولا له: آأنت سَوَّيْتَ وَشطَها ... مُنيرًا إذا ما جَنَّهُ الليل هاديًا؟ وقولا له: مَنْ يُخرجُ الشمس بُكْرَةً ... فَيُصْبحَ ما مَسَّت مِنَ الأرض ضاحِيًا؟ وقولا له: من يُنْبِتُ الحبَّ في الثّرى ... فَيُصبحَ ممْه البَّقْلُ يَهْتَزُّ رابيًا؟ ويُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ في رؤوسه ... ففي ذاكَ آياتٌ لِمَنْ كان واعِيَا ٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا

стр. 2772

تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾. في هذه الآيات: خشيةُ موسى بطش فرعون به وبأخيه، وطمأنَةُ الله له بأنهما تحت رعايته وحمايته - جلّت عظمته -، وأمْرُه تعالى لهما بلقاء فرعون وإخباره أنهما رسولا الله تعالى إليه ليطلق بنى إسرائيل من الاستعباد، وقد أتيناك بحجة على صدق دعوانا، والسلام من عذاب الله على من أسلم واتبع الهدى. فإن العذاب - كما أوحي إلينا من ربنا - على من كذّب بكتاب الله وتولى عن طاعته. فقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾. الإفراط: الإسراف والإشطاط والتعدي. والتفريط: التواني. قال ابن زيد: (﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ قال: نخاف أن يعجل علينا إذ نبلغه كلامك أوأمرك، يفرط ويعجل). وعن مجاهد: (﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ قال: عقوبة منه). وعن ابن عباس: (﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾: يعتدي). والمقصود: خشية موسى وهارون ﵉ من اعتداء فرعون عليهما عند سماعه كلام الحق، فيحمله ذلك على الشطط في الطغيان والعقوبة والبغي. فهما يستجيران بالله من حدوث ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. طمأنة من الله سبحانه لرسوليه موسى وهارون ﵉ من أن ينالهما أذى من فرعون، فهو تعالى معهما بسمعه وبصره، والمراد بحفظه ونصره وتأييده. قال ابن عباس: (أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع، لست بغافل عنكما فلا تهتما). قلت: وجميع آيات المعية مُفَسَّرة بما قبلها أو بعدها، وهذه الآية العظيمة واحدة من تلك الآيات، فالله سبحانه معنا بصفاته لا بذاته، فذاته الكريمة فوق العرش وهو يدبر الأمر في هذا الكون، كما قال سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].

стр. 2773

وقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. أي: فأتيا فرعون فأخبراه أنكما رسولا الله تعالى إليه أن أطلق بني إسرائيل من الاستعباد والاسترقاق، ولا تعذبهم بتكليف المشاق، وقد أيناك بحجة على صدق دعوانا، وقد سلم من عذاب الله من أسلم واتبع الهدى. وبنحو ذلك كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم كتابًا - كما روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس - وفيه: [بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتَّبَعَ الهدى، أما بعْدُ: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ الله أجرك مرتين .... ]، الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. قال قتادة: (- أي - كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النا زعات: ٣٧ - ٣٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [كُلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: يا رسول الله، ومَنْ يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى] (٢). ٤٩ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ

стр. 2774

رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾. في هذه الآيات: محاولةُ فرعون أثناء لقائه موسى وهارون إنكار وجود الصانع الخالق، وتأكيد موسى على ربوبية الله الذي خلق كل شيء فَقَدَّرَهُ تقديرًا، فهو تعالى الذي مهّد الأرض وجعل فيها السبل وأنزل الماء وأخرج النبات متاعًا للإنسان والأنعام ثم المرجع إليه تعالى، فإليه يصرف التعظيم وجميع أعمال العبادة، فما كان من فرعون إلا أن استكبر وكذب وأبى. فقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. في الكلام محذوف تقديره: فَأَتَيَاه فَأَبْلَغَاه رسالةَ ربهما فقال: من ربكما يا موسى. قال النسفي: (خاطبهما ثم نادى أحدهما لأن موسى هو الأصل في النبوة وهارون تابعه). وقد أراد فرعون بذلك إنكار وجود الصانع الخالق، رب كل شيء وإلهه ومليكه. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. هو جواب موسى البليغ المفحم. قال ابن عباس: (يقول: خلق لكل شيء زوجة، ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده). وقال مجاهد: (أعطى كل شيء صورته ثم هدى كل شيء إلى معيشته). وقال أيضًا: (سوَّى خلق كلّ دابة ثم هداها لما يُصلحها وعلَّمها إياه، ولم يجعل الناس في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الناس، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا). وقال حميد عن مجاهد: (هداه إلى حيلته ومعيشته). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. قلت: وهذه الهداية هي هداية الخالق جميع خلقه لمصالحهم، وهي النوع الأول

стр. 2775

من مراتب الهداية: الهداية العامة للخلق. فإن الله سبحانه قد هدى الأشياء والمخلوقات لأسلوب حياتها ولوظيفتها منذ أن خلقها. كما روى الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١). قال الراغب الأصبهاني ﵀: (كُلُّ ما أوجده الله تعالى فإنه هداه لما فيه مصلحتُه كما نبَّه عليه بقوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. لكن هدايته للجمادات بالتسخير فقط، كالأشياء الأرضية التي إذا تركت تنحو نحو الأسفل، وكالنار التي تنحو نحو العلوّ. وهدايته للحيوانات إلى أفعال تتعاطاها بالتسخير والإلهام، كالنحل فيما يتعاطاه من السياسة ومن عمل العسل، وكالسُّرْفة (٢) فيما تبنيه من الأبنية، وكالعنكبوت في نسجه) (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾. محاولةٌ ماكرةٌ من فرعون لصرف المسألة الأولى - مسألة الربوبية - وإبعادها، لَمَّا واجَهَهُ موسى ﵊ بتلك الحجة الدامغة: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. فأعاده موسى بذكاء وحنكة إلى المسألة التي يهرب منها: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. قال ابن كثير: (أصح الأقوال في معنى ذلك أنَّ فرعونَ لما أخبرهُ موسى بأنَّ ربَّهُ الذي أرسله هو الذي خلقَ ورزقَ وَقَدَّرَ فهدى، شَرَعَ يحتج بالقُرون الأولى، أي: الذين لم يَعْبدوا الله، أي: فما بالُهم إذا كان الأمرُ كما تقول لم يعبُدوا ربَّك، بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبُدوه، فإن عَمَلَهم عند الله مضبوطٌ

стр. 2776

علمهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوط وكتابُ الأعمال، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، أي: لا يَشِذُّ عنه شيء، ولا يفوته صغيرٌ ولاكبيرٌ، ولا ينسى شيئًا. يَصِفُ علمه تعالى بأنه بكل شيء محيطٌ، وأنه لا ينسى شيئًا، ﵎ وتقدّس، فإن علمَ المخلوق يعتريه نُقصانان، أحدُهما: عدمُ الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانُه بعد عِلمه، فنزّه نفسه عن ذلك). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾. متابعة من موسى ﵊ في ذكر بعض صفات الرب سبحانه: إنه - تعالى - الذي جعل لكم الأرض قرارًا تستقرون عليها وتمشون في حوائجكم وتسافرون على ظهرها، وجعل لكم فيها طرقًا ومسالك (١) تسلكون فيها لأعمالكم وأسفاركم، وأنزل من السماء ماء فأخرج لكم به من ألوان النباتات والثمار المختلفة الأكل والطعوم والأنواع. كلوا منها وأطعموا بهائمكم، وفي ذلك آيات كبيرة لأصحاب العقول وأولي الألباب. قال القرطبي: (﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أمر إباحة. ﴿وَارْعَوْا﴾ من رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها رعاية، أي أسامها وسرحها، لازم ومتعد، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ أي العقول. الواحدة نُهْيَة. قال لهم ذلك، لأنهم الذين يُنْتهى إلى رأيهم. وقيل: لأنهم ينهون النفس عن القبائح. وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جوابًا لقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾. وبيّن أنه إما يستدل على الصانع اليوم بأفعاله). وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. أي: من الأرض خلقنا أباكم آدم ﵇ ثم كنتم من بعد ذلك الأصل، ثم نعيدكم بعد مماتكم إلى الأرض، ثم تخرجون منها للبعث والحساب. قال ابن زيد: (﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ قال: مرة أخرى الخلق الآخر). أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح من حديث البراء عن النبي ﷺ قال: [إنّ العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة

стр. 2777

إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ ! فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، فيستفتحون لها فيفتح، فيشيّعه من كل سماء مقرّبوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا لعبدي كتابا في عِلّيين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده ... ] الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولقد أرينا فرعون آياتنا، يعنى أدلتنا وحججنا على حقيقة ما أرسلنا به رسولينا موسى وهارون إليه كلها ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ أن يقبل من موسى وهارون ما جاءا به مق عند ربهما من الحق استكبارًا وعتوًّا). ٥٧ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾. في هذه الآيات: اتهام فرعون موسى بالسحر ومحاولة تقويضه بسحر مثله، واجتماع الناس لرؤية مشهد السحرة في مبارزتهم موسى، وتحذير موسى القوم من مغبة الكذب على الله وإنكار الحق أمام تشجيع فرعون لهم. فقوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾. محاولةٌ من فرعون للتخلص من سلطان حجج موسى وقوة أدلته بالاتهام بالسحر واللجوء إلى المكر والحيلة.

стр. 2778

قال النسفي: (فيه دليل على أنه خاف منه خوفًا شديدًا، وقوله: ﴿بِسِحْرِكَ﴾ تعلل، وإلا فأي ساحر يقدر أن يخرج ملكًا من أرضه؟ ! ). وقوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾. أي: فلنعارضَنَّكَ بسحر مثل سحرك، فاختر لذلك مكانَ موعدٍ على النَّصَفِ بيننا وبينك. قال مجاهد: (﴿مَكَانًا سُوًى﴾: منصفًا بينهم). وقال قتادة: (نصفًا بيننا وبينك، أي عادلًا بيننا وبينك). قلت: وأصل قوله ﴿سُوًى﴾ من الاستواء، كما قال ابن زيد: (﴿مَكَانًا سُوًى﴾: مكانًا مستويًا يتبين للناس ما فيه، لا يكونُ صُوَبٌ ولا شيءٌ فيغيب بعضُ ذلك عن بعض، مُسْتَوٍ حينَ يُرَى). وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. أي: في يوم عيدهم ذلك. قال ابن عباس: (فإنه يوم زينة يجتمع الناس إليه ويحشر الناس له). وعن ابن جريج قال: (يوم زينة لهم، ويوم عيد لهم ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ إلى عيد لهم). وقال السدي: (﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وذلك يوم عيد لهم). وقال ابن زيد: (يوم العيد، يوم يتفرَّغُ الناس من الأعمال، ويشهدون ويحضُرون ويرون). قال ابن كثير: (﴿ضُحًى﴾ أي: ضَحْوَة من النهار ليكونَ أظهرَ وأجلَى وأَبْيَنَ وأوضحَ. وهكذا شأنُ الأنبياء، كُلُّ أمرهم واضحٌ بيِّنٌ، ليس فيه خَفاءٌ ولا ترويج. ولهذا لم يقل: ليلًا، ولكن نهارًا ضُحىً). وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ - فيه إشارة إلى انتفاض فرعون لمواجهة ما أشغله وأهمه، فشرع يجمع الكيد والسحر والسحرة الماهرين من جميع مدائن مملكته، ثم حضر بقوة سلطانه وأبّهته وكيده وسحرته. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾. أي: بادأهم موسى ﵊ حين اجتمعوا بالتحذير من بطش الله إن عاندوا حججه وآياته سبحانه بالكذب والافتراء - يقول ذلك للسحرة.

стр. 2779

وعن ابن عباس: (﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ يقول: فيهلككم). وقال قتادة (فيستأصلكم بعذاب فيهلككم). وقال ابن زيد: (يهلككم هلاكًا ليس فيه بقية، قال: والذي يسحت ليس فيه بقية). قلت: وأصل السحت في كلام العرب الاستئصال. قال الرازي: (أسحته: استأصله). وقوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. قال قتادة: (قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرًا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر). وقال وهب بن منبه: (فترادّ السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر). أي: تشاجر السحرة فيما بينهم أن هذا ليس بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي، وتناجوا فيما بينهم. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. قال وهب بن منبه: (أشار بعضهم إلى بعض بتناج: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾). وقال قتادة: (موسى وهارون صلى الله عليهما). والمعنى: قال السحرة فيما بينهم: هذان الرجلان - يعنون موسى وهارون - فيما يبدو ساحران خبيران بصناعة السحر، فحذار أن يغلباكم اليوم ويستوليا على قلوب الناس ويستبدا بطريقة السحر لهما ينتفعان بها دونكم، بعدما كان لكم منها رزق وعيش ومكانة وصدارة. فإذا كان ذلك وانتصرا وتبعهما العامة قاتلا فرعون وجنوده فانتصرا عليه وأخرجاكم من أرضكم. وعن ابن عباس: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يعني: مُلْكَهُم الذي هم فيه والعيش). وعن مجاهد: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولي العقل والشرف والأنساب). قال قتادة: (وطريقتهم المُثلى يومئذ كانت بنو إلصرائيل، وكانوا أكثر القوم عددًا وأموالًا وأولادًا. قال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهما). قلت: والمقصود أنهم خافوا على طريقتهم التي كانوا عليها من إتقانهم السحر

стр. 2780

وأساليبه والتي كانت تدرّ عليهم الأموال والمناصب والصدارة بين بني إسرائيل وعند فرعون وملئه. وقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. أي: اجتمعوا صفًا واحدًا، ثم ألقوا ما في أيديكم مرةً واحدة، فإنكم إذا فعلتم ذلك كان أهيبَ في صدور الرائين، ومن ثمّ تكون لكم الغلبة على هذين الرجلين. وعن وهب بن منبه قال: (جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي قد أفلح من أفلح اليوم على صاحبه). والمقصود: إنْ كانت لكم الغلبة فقد أفلحتم اليوم بعطايا فرعون، وتمكّن فرعون من رياسته العظيمة وملكه العجيب. ٦٥ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾. في هذه الآيات: بدء الاستعراض من السحرة بحبالهم وعصيهم أمام موسى وأعين الناس، وشعور موسى بالخوف من رهبة ما رأى، وتثبيت الله تعالى له بأمره إلقاء ما في يمينه لتحصد سحرهم وكذبهم، وانتهاء المشهد بسجود السحرة لله قائلين آمنا برب هارون وموسى. فقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾. أي: قال السَّحرة لموسى لما استعدوا لبدء اللقاء والسجال إما أن تلقي أنت أولًا وإما أن نبدأ نحن بالإلقاء. فأجابهم موسى ﵊ بل أنتم ألقوا. قال ابن كثير: (أي: أنتم أولًا لنرى ماذا تصنعون من السَّحر، وليظهر للناس جليَّةُ أمرهم). وقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. في الكلام متروك، والتقدير: فألقى السحرة ما معهم من الحبال والعصي.

стр. 2781

والمعنى: فإذا الحبال والعصي تتحرك وتضطرب وتميد بما أودعوها من الزئبق. قال النسفي: (رُوي أنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت فخيلت ذلك). أي: يخيّل للناظر أنها حيات تسعى باختيارها ويركب بعضها بعضًا حتى امتلأ منها الوادي. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾. قال القاسمي: (أي: أحس ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ وذلك لما جُبِلَ عليه الإنسان من النفرة من الحيات. أو خاف من توهم الخلق المعارضة، بأن لهم من حبالهم وعصيهم حيات، كما أن له من عصاه حية). وقال ابن كثير: (أي: خاف على الناس أن يفْتَتِنُوا بسِحرهم ويَغْترّوا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾، يعني عصاه، فإذا هي تلقف ما صنعوا، وذلك أنها صارت ثعبانًا عظيمًا هائلًا ذا عيون وقوائمَ وعُنُق ورأس وأضراس، فجعلت تتبَعُ تلك الحبالَ والعصي حتى لم تُبقِ منها شيئًا إلا تَلَقَّفَتْهُ وابتلَعَتْهُ، والسحرةُ والناسُ ينظرون إلى ذلك عِيانًا جَهْرَةً، نَهَارًا ضحوةً. فقامت المعجزةُ، واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السِّحر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾). وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. أي: فخرّ السحرة سجدًا حين رأوا ما أبهر العيون والعقول والقلوب، وهم يلهجون بذكر الرحمن ويقولون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. قال القرطبي: (﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ لما رأوا من عظيم الأمر وخرق العادة في العصا، فإنها ابتلعت جميع ما احتالوا به من الحبال والعصي). ٧١ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ

стр. 2782

السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾. في هذه الآيات: استنفارُ فرعون لضبط سلطانه أمام زعزعة الحق لمكره وكيده، وتهديدُه السحرة بالقتل والتقطيع والصلب، وإيثار السحرة المؤمنين ما عند الله. فقوله: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ - هو من كفر فرعون وعناده وكبره وغروره حين شعر بالهزيمة وانحسار السلطان. قال القرطبي: (إنكار منه عليهم، أي تعديتم وفعلتم ما لم آمركم به). وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. قال القاسمي: (أي فاتفقتم معه ليكون لكم الملك). وقال ابن كثير: (قال قولًا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بَهْتٌ وكذِبٌ: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، أي: أنتم إنما أخذتم السّحر عن موسى، واتَّفَقْتُم أنتم وإياه عليَّ وعلى رعيتي لتظهروه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣]). وقال القرطبي: (﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. أي رئيسكم في التعليم، وإنما غلبكم لأنه أحذق به منكم. وإنما أراد فرعون بقوله هذا ليشبه على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، وإلا فقد علم فرعون أنهم لم يتعلموا من موسى، بل قد علموا السحر قبل قدوم موسى وولادته). وقوله: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. قال وهب بن منبه: (يقول: فلأقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفًا بين قطع ذلك، وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين ويمنى الرجلين، فيكون ذلك قطعًا من خلاف). قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يقول: ولأصلبنكم على جذوع النخل). قال السدي: (فقتلهم وقطعهم، كما قال عبد الله بن عباس بن قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. وقال: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء).

стр. 2783

وقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولتعلمنّ أيها السحرة أيّنا أشدّ عذابًا لكم، وأدوم، أنا أو موسى). وقال النسفي: (﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أنا على ترك إيمانكم بي أو رب موسى على ترك الإيمان به. وقيل يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله وسلامه عليه بدليل قوله: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾. أي: لن نختارك على ما أكرمنا الله به من الهدى والإيمان بعظيم الحجج والبرهان. وقوله: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يحتمل تأويلين عند المفسرين: التأويل الأول: أن يكون معطوفًا على البينات. والتقدير: لن نختارك على ما جاءنا من الإيمان، ولا على فاطرنا وخالقنا الرحمان، فهو المستحق للعبادة وحده العزيز المنّان. التأويل الثاني: أن يكون قسمًا، وجوابه لن نؤثرك مقدّم على القسم. والتقدير: والله الذي فطرنا لن نختارك على ما جاءنا من الحق والهدى والإيمان. وقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾. أي من القتل والصلب وألوان التعذيب. قال وهب بن منبه: (أي اصنع ما بدا لك). وقوله: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال وهب: (أي ليس لك سلطان إلا فيها. ثم لا سلطان لك بعده). وقوله: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾. أي إنا أقررنا لربنا بتوحيده، وصدقنا بوعده ووعيده، ونحن نرجو بذلك أن يغفر لنا خطايانا وما تعلمناه من السحر وعلمناه، وتجرأنا به على مواجهة الحق ومعارضة آيات الله بإكراهك لنا على ذلك. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال ابن إسحاق: (خير منك ثوابًا، وأبقى عذابًا). وعن محمد بن كعب، ومحمد بن قيس في قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قالا: (خيرًا منك إنْ أُطِيع، وأبقى منك عذابًا إن عُصي).

стр. 2784

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. قال ابن كثير: (الظاهرُ من السِّياق أن هذا من تَمام ما وَعَظَ به السحرةُ لفرعون، يُحذِّرونه من نِقْمَة الله وعذابه الدائم السَّرمَدِي ويُرَغِّبونه في ثوابه الأبديَّ المخلَّد، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾، أي: يلقى الله يوم القيامةِ وهو مجرم، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. كقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]). وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملحُ، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادى: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون فينظرون فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت] (١). وفي لفظ عند البخاري: [فيزداد أهل الجنة فَرَحًا إلى فرحهم، ويزداد أهلُ النار حُزْنًا إلى حُزنهم]. وفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَون، ولكن أناسٌ تُصيبهم النار بذنوبهم فتميتُهم إماتةً، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة، فجيء بهم ضبائِرَ، فَبُثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نباتَ الحبَّةِ تكون في حَميل السيل] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾. أي: ومن يأت ربه يوم القيامة صادق الإيمان صحيح الدين قد عمل ما أمره الله واجتنب ما نهاه عنه، فأولئك لهم البشارة ببلوغ درجات الجنة العُلا.

стр. 2785

وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر بعض هذه الدرجات العاليات، وبديع الغرف الآمنات، والروضات الفاتنات، وذلك في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أهل الجنة يَتَراءَوْن أهْلَ الغُرَفِ منْ فَوقِهم، كما تتراءَوْنَ الكوكبَ الدُّرّيَّ الغابرَ في الأفق من المشرقِ أو المغرب لتفاضُلِ ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازِلُ الأنبياء لا يَبْلُغها غيرُهم؟ قال: بَلى، والذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [في الجنة مئة درجةٍ ما بَيْنَ كُلَّ درجتين مئةُ عام] (٢). الحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: [في الجنة مئةُ درجة، ما بين كلِّ درجتين كما بينَ السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تُفَجَّرُ أنهارُ الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العَرْش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس] (٣). الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ قال: [مَن صام رمضانَ وصلَّى الصلاة وحجَّ البيتَ، لا أدري أذَكَرَ الزكاة أم لا. إلا كان حقًّا على الله أنْ يَغْفِرَ لَهُ إنْ هاجَرَ في سبيل الله أو مكثَ بأرضه التي وُلدَ بها. قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : ذرِ الناس يعملونَ فإنَّ في الجنة مئةَ دَرَجَةٍ ما بين كلِّ درجَتَيْن كما بَيْنَ السَّماء والأرض، والفِرْدَوسُ أعلى الجنة وأوسَطها وفوقَ ذلك عرشُ الرَّحمن، ومنها تُفَجَّر أنهارُ الجنة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفِرْدَوس] (٤).

стр. 2786

وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾. أي: جنات إقامة تتخللها الأنهار ماكثين فيها أبدًا، وهو جزاء من تزكى بالإيمان والعمل الصالح، فطهَّر نفسه من الشرك وعمله من الرياء، وصدق المرسلين وتابعهم على منهاجهم. ٧٧ - ٧٩. قوله : ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾. في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى موسى ﷺ المسير بالمؤمنين ليلًا- للخلاص من قبضة فرعون وبطشه - واختراق البحر بهم، واتباع فرعون وجنوده لهم، وخوضهم في البحر الذي أطبق مياهه عليهم، ليغرق فرعون وجنده بكفرهم. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. قال مجاهد: (﴿يَبَسًا﴾: يابسًا). وعن ابن عبالس: (﴿لَا تَخَافُ﴾ من آل فرعون ﴿دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ من البَحْر غرقًا). قال قتادة: (يقول: لا تخاف أن يدركك فرعون من بعدك ولا تخشى الغرق أمامك). فإنه حين أبى فرعون أن يرسل مع موسى بني إسرائيل، أوحى الله إلى موسى أن يُسري بهم في الليل ويخلّصهم من قبضة فرعون وبطشه، فخرج بهم ليلًا فأصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون وأرسل يجمع الجند من أرجاء بلاده ويقول: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ (١)، ثم مضى في الجند والعتاد ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ - أي: عند طلوع الشمس. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: نظر كل فريق إلى الآخر، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. ووقف موسى ببني إسرائيل، البحر أمامهم، وفرعون وراءهل، فأوحى الله تعالى إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ فضربه: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي: كالجبل

стр. 2787

العظيم. قال ابن كثير: (وأرسلَ الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يابسًا كوجه الأرض، ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾، أي: من فرعون، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾، يعني من البحر أن يغرق قومك). وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾. أي: فلحقهم فرعون بمن معه فخاض وراءهم حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده من اليم -أي من البحر- ما غشيهم فغرقوا جميعًا. وسلك فرعون بذلك بقومه طريق الضلال وسبيل أهل النار. قال القاسمي: (﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي علاهم منه وغموهم، ما لا يحاط بهوله ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ أي أوردهم الهلاك، بعتوّه وعناده في الدنيا والآخرة. وما هداهم سبيل الرشاد). ٨٠ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. في هذه الآيات: يمتن على بني إسرائيل ببعض النعم الكبيرة، والآلاء الوفيرة، وأعظمها ما كان من نجاتهم من فرعون وجنده أهل الآثام والشرور الخطيرة، وهم ينظرون إلى مصارعهم إذ غرقوا عن آخرهم في صبيحة واحدة، وما نجا منهم أحد. ومواعدة الله موسى وبني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن وتكليمه تعالى موسى وإنزال التوراة والمن والسلوى ليحمدوه تعالى ويعظموه ويتوبوا إليه، وهو الغفار لمن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى. فقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ - أي فرعون وجنوده، فقد كانوا يسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم. فأقر أعينكم برؤية مصارعهم. قال تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. ومن ثمَّ فكان من شكر تلك النعمة على بني إسرائيل أن يعظموا التوراة ولا يخالفوا نبيَّ الله موسى، وأن يحمدوا الله دومًا على الخلاص من ذلك الطاغية الفاجر.

стр. 2788

أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [ما قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهودُ تصومُ عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر الله فيه موسى على فرعونَ. فقال: نحن أولى بموسى، فصوموه] (١). وفي رواية: [أنتم أحقُّ بموسى منهم فصوموا]. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄: [أن رسول الله ﷺ قدِمَ المدينة، فوجَدَ اليهودَ صِيامًا، يَوْمَ عاشوراء. فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعونَ وقومه، فصامه موسى شُكْرًا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحقُّ وأوْلى بموسى منكم. فصامه رسول الله ﷺ وأمرَ بصيامه]. (٢) وفي لفظ للبخاري: [قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم. فصامه وأمَرَ بصيامه]. وفي صحيح البخاري عن أبي مسعود ﵁ قال: [كانَ يوم عاشوراء تعدُّه اليَهود عيدًا، قال النبي ﷺ : فصوموه أنتم] (٣). وقوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾. وذلك بعد هلاك فرعون، فقد واعد الله تعالى موسى وبني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن، فكلّم موسى وأعطاه التوراة، وهناك سأل موسى الرؤية، وسقط بنو إسرائيل أثناء ذلك في عبادة العجل. وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. أي: رحمة من الله تعالى بهم، فيأخذون حاجتهم إلى الغد. والمنّ: حلوى كانت تنزل عليهم من السماء. والسَّلوى: طائر يسقط عليهم. وهذا امتنان عظيم من الله سبحانه على بني إسرائيل وآية من آيات الثبات على الحق ولكن أكثرهم لا يعلمون.

стр. 2789

وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾. قال ابن عباس: (﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: ولا تظلموا). وقال قتادة: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ يقول: فينزل عليكم غضبي). قال القرطبي: (﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من لذيذ الرزق. وقيل: من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة). وقال ابن كثير: (﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾، أي: كلوا من هذا الذي رزقتُكم، ولا تطغوا في رِزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به). وقوله: ﴿فَيَحِلَّ﴾ منصوب بالفاء في جواب النهي. وقرأها الأعمش: ﴿فَيَحِلَّ﴾، ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ من الحلول أي الوقوع. وهي بالكسر ﴿فَيَحِلَّ﴾ من حلَّ يحِلّ إذا وجب وهما قراءتان والكسر أشهر. وقوله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. قال ابن عباس: (أي فقد شقي). وقال الزجاج: (فقد هلك). وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. هو باب عظيم من أبواب رحمة الله تعالى فتحه لعباده إلى قبيل قيام الساعة، فكل من تاب من ذنبه مهما كان -من الشرك حتى الصغائر- وأتبعه بالعمل الصالح وثبت على الإيمان، فإنه سيصير بإذن الله إلى المغفرة والجنان. وعن ابن عباس: (﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ يقول: لم يشكُك). وقال قتادة: (يقول: ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه). وعن الربيع بن أنس: (﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال: أخذ بسنّة نبيه ﷺ ). وقال ابن زيد: (أصحاب العمل). وقال سعيد بن جبير: (أي: استقام على السنة والجماعة). قلت: وجميعها تفيد المعنى وتزيده وضوحًا وجلاء وتكشف آفاقه وأبعاده. ٨٩ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ

стр. 2790

مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾. في هذه الآيات: قدوم موسى لميقات ربه، وإضلال السامري بني إسرائيل بعبادة العجل، ورجوع موسى غضبان أسفًا محذرًا قومه عبادة من لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا. فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾. أي: وأيّ شيء أعجلك عن قومك يا موسى، فتقدمتهم وخلفتهم وراءك. فإنه بعد هلاك فرعون، مضى موسى ببني إسرائيل: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩]. وواعده ربه ثلاثين ليلة ثم أتمّها بعشر، واختار من قومه سبعين رجلًا لميقات ربه - كما مر في سورة الأعراف. قال النسفي: (مضى معهم إلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقًا إلى كلام ربه وأمرهم أن يتبعوه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ أي: أيّ شيء أوجب عجلتك؟ استفهام إنكار، وما مبتدأ وأعجلك الخبر). وقوله تعالى: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾. قال ابن جرير: (يقول: قومي على أثري يَلْحقون بي. يقول: وعجلت أنا فسبقتهم رب، كيما ترضى عني). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. أي: فإنا ياموسى قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل الذي دعاهم إليه السامري، فأطاعوه حين استخفهم بذلك، وعصوا أمرك وأمر أخيك هارون وركبوا الأهواء. وقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. أي: يجمع بين الغضب والحزن على ما صدر. قال ابن عباس: (يقول: حزينًا). وقال قتادة: (أي حزينًا على ما صنع قومه من بعده).

стр. 2791

وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. قال القرطبي: (وعدهم الجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أن يسمعهم كلامه التوراة على لسان موسى، ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل: وعدهم النصر والظفر. وقيل: وعده قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية). وقوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾. أي: فهل نسيتم بسبب طول العهد وحصلت الغفلة. وقوله: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾. قال النسفي: (أي أردتم أن تفعلوا فعلًا يجب به عليكم الغضب من ربكم: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الآيات فأخلفوا موعده باتخاذ العجل). وقوله: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. قال ابن عباس: (بأمرنا). وقال قتادة: (بطاقتنا). وقال ابن زيد: (يقول: بهوانا، قال ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلي استعاروه من آل فرعون وثياب). قال الزمخشري: (أي ما أخلفنا موعدك، بأن ملكنا أمرنا. أي لو ملكنا أمرنا، وخلينا وراءنا، لما أخلفناه. ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده). والمقصود: اعتراف منهم بالضعف وحصول الخطأ، والوقوع في الفتنة. وقوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾. أي: حملنا أثقالًا وأحمالًا من حلي القبط - قوم فرعون -، وهو حليُّ نسائهم ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي في النار لسبكها فكان هذا إلقاء السامري. وقوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. أي: أخرج لهم من تلك الحليّ المذابة عجلًا جسدًا له خوار- أي صوت عجل. والمقصود أنه صنع منه شكل عجل يخور كما يخور العجل وجعل فيه منافذ ومخارق، بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج من جراء ذلك صوت يشبه صوت العجل. وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾. أي: فقال السامري والضلال الذين افتتنوا به هذا إلهكم وإله موسى نَسِيَه هاهنا

стр. 2792

وذهب يتطلَّبه. وعن ابن عباس: (﴿فَنَسِيَ﴾، أي: نَسِيَ أن يذكِّركم أن هذا إلهكم). وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (فقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، قال: فعكفوا عليه وأحيّوه حبًا لم يحبُّوا شيئًا قطّ يعني مثله، يقول الله: ﴿فَنَسِيَ﴾، أي: ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني السامري). قلت: وكلها تأويلات محتملة تدل على ضلال السامري ومن اتبعه وانخراطهم في سخافة عبادة العجل، ولذلك سفّه الله أحلامهم وعاب عليهم الجهل الذي وقعوا فيه كما تدل على ذلك الآية الآتية. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. أي: أفلا يرون أن العجل الذي عبدوه لا يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه ولا يملك لهم في دنياهم ولا في أخراهم ضرًا ولا نفعًا. قال ابن عباس: (لا والله ما كان خُوارُه إلا أن يدخُلَ الريح في دُبره فيخرج من فيه، فَيُسمَع له صوتٌ). ٩٥ - ٩٨. ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾. في هذه الآيات: نصيحة هارون لبني إسرائيل بطاعة الرحمان وعدم السقوط في هذه الوثنية القبيحة، وإصرار القوم على أمرهم، ورجوع موسى مؤنبًا هارون، وحواره مع السامري وتوعده له، وتأكيده لقومه أن إلههم الحق هو الله الذي لا إله غيره قد وسع كل شيء علمًا.

стр. 2793

فقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾. هو تحذير هارون لعبدة العجل من بني إسرائيل قبل رجوع موسى إليهم. قال السدي: (يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل). قال ابن جرير: (يقول: إنما اختبر الله إيمانكم ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل، الذي أحدث فيهم الخوار، ليعلم به الصحيح الإيمان منكم من المريض القلب الشاك في دينه). وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. أي: وإن ربكم الرحمان خالق كل شيء ومليكه، وهو وحده المستحق للعبادة، فاتبعوني فيما آمركم به واجتنبوا ما أنهاكم عنه. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا﴾. هو من عِنَادِ ضُلَّالِ بني إسرائيل. قال ابن كثير: (أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه. وخالفوا هارونَ في ذلك وحاربوه، وكادوا أن يقتلوه). وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. قال ابن عباس: (لما قال القوم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أقام هارون فيمن تبعه من المسلمين ممن لم يُفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوّف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ وكان له هانبًا مطيعًا). والمعنى: لما رجع موسى ورأى ما وقع به القوم من الفتنة امتلأ غيظًا وألقى ما كان بيده من الألواح الإلهية، وراجعهم في ذلك وعاتبهم، ثم أخذ برأس أخيه هارون يستخبر منه: أي شيء منعك إذ رأيتهم ضلوا عن دينهم ألا تتبعني فتخبرني بالأمر أوّل ما وقع. وعن ابن جريج: (قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ قال: أمر موسى هارون أن يصلح، ولا يتبع سبيل المفسدين، فذلك قوله: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بذلك).

стр. 2794

وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. في الكلام محذوف، والتقدير: ثم أخذ موسى بلحية أخيه هارون ورأسه يجرّه إليه. فاعتذر إليه هارون أن تأخر عليه ولم يلحقه فيخبره خشية أن يقول له موسى: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. قال ابن عباس: (﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾: لم تحفظ قولي). قال ابن كثير: (- في قوله -: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾، ترفَّقَ له بذكر الأمِّ، مع أنه شقيقُه لأبوَيه، لأنّ ذكر الأم هاهنا أرَو وأبلَغ في الحنوَّ والعَطْف). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. هو قول موسى للسامري: أن ما شأنك وما الذي دعاك إلى ما صنعت. قال ابن زيد: (ما أمرك؟ ما شأنك؟ ما هذا الذي أدخلك فيما دخلت فيه). وقال السدي: (ما لك يا سامري). وقوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾. أي علمت أمرأ لم يعلموه فصرت به بصيرًا. وقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾. قال ابن عباس: (قبض قبضة منه من أثر جبريل، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلًا جسدًا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى). وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (لما قذفت بنو إسرائيل ما كان معهم من زينة آل فرعون في النار، وتكسّرت ورأى السامريّ أثر فرس جبرئيل ﵇، فأخذ ترابًا من أثر حافره (١)، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها. وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار، فكان للبلاء والفتنة). وقال ابن زيد: (﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ قال: كذلك حدثتني نفسي). أي: زينت لي نفسي. قلت: والمقصود أن الله ﵎ أراد ما كان من التقاء التراب من أثر حافر فرس جبريل، مع الحليّ في النار ليخرج من ذلك عجل له خوار ليفتتن الناس به ويمتحنوا في صدق إيمانهم بالله. وهذا كما يحصل اليوم من خرق العادة على يد

стр. 2795

بعض الناس الذين يتعاملون مع الجن، فيكون منهم بإذن الله ما يفتن الناس، فيثبت الصادق على دينه ويسقط المنافق. وقوله: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾. قال ابن كثير: (أي: كما أخَذْت ومَسِسْتَ ما لم يكن لك أخذُه ومسُّه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقولَ: لا مِسَاسَ، أي: لا تُماسَّ الناسَ ولا يمسُّونك). وعن قتادة: (﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قال: عقوبةٌ لهم، وبقاياهم اليوم يقولون: لا مسَاس). قلت: والمقصود عقوبة السامري أن لا يَمسّ ولا يُمَسّ، والمراد منعه من الناس ومخالطتهم. وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾. قال الحسن: (لن تغيب عنه). والمراد: يوم القيامة. وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾. أي: وانظر إلى ذلك العجل الذي أقمت على عبادته لنحرقنه بالنار قطعة قطعة، ثم لنذرينه في البحر تذرية يغيب معها ذلك الوثن. قال ابن عباس: (﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ الذي أقمت عليه. ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ فحرّقه ثم ذراه في اليم). وقال: (﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ يقول: لنذرينه في البحر). قال: (واليمّ: البحر). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. هو من قول موسى لقومه. أي: ما لكم أيها القوم من إله إلا الله، فهو وحده الذي تصلح العبادة له. قال قتادة: (﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يقول: ملأ كل شيء علمًا ﵎. ونصب ﴿عِلْمًا﴾ على التمييز، أي هو عالم بكل شيء، كما قال سبحانه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وكقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ -

стр. 2796

يقول: [كتبَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعَرْشُه على الماء] (١). ٩٩ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾. في هذه الآيات: تسليةٌ من الله تعالى لنبيّه محمد ﷺ في ذكره أخبار ما سبق، وأنَّ من أعرض عن قبول هذا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة يحمل إثمًا عظيمًا. وفي النار يكون من الخالدين، فبئس الحمل وبئس المستقر. إنه يوم ينفخ في القَرْن نفخة القيام تحشر الملائكة المجرمين يومئذ زرق العيون من شدة الأهوال، فيقول بعضهم لبعض ما لبثتم في الدنيا إلا قليلًا، عشرة أيام أو نحوها. فيقول أوفاهم عقلًا بل لبثتم يومًا واحدًا. فقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾. قال القرطبي: (أي كما قصصنا عليك خبر موسى ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ قصصًا كذلك من أخبار ما قد سبق، ليكون تسلية لك، وليدل على صدقك. ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ يعني القرآن. وسمى القرآن ذكرًا، لما فيه من الذكر كما سمى الرسول ذكرًا، لأن الذكر كان ينزل عليه. وقيل: ﴿آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ أي شرفًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي شرف وتنويه باسمك). وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾. قال مجاهد: (إثمًا). والمعنى: من تولى وأدبر عن قبول هذا القرآن وجعله منهجًا له في حياته فإنه يأتي يوم القيامة يحمل إثمًا عظيمًا. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أي: خالدين في النار بأوزارهم فبئسما حملوا. قال ابن عباس: (﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ يقول: بئسما حملوا. قال:

стр. 2797

يعني بذلك: ذنوبهم). أي بئس الحمل حملهم الذي آل بهم إلى الخلود في العذاب. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾. أي: يوم يَنْفُخُ إسرافيل في الصور نفخة الفزع ثم الصعق ثم نفخة القيام بين يدي رب العالمين للحساب والجزاء، وتحشر الملائكة المجرمين يومئذ زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال. والصور قرْن ينفخ إسرافيل فيه بأمر الله تعالى، وما زال يحمله ينتظر إشارة الأمر له بذلك. ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [الصور قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه] (١). وأخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : [كيف أنعمُ وصاحب القَرْن قد التقم القرن وحنى جبهته، يسمع متى يؤمر فينفخ؟ فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فما نقول؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا] (٢). وقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾. قال ابن عباس: (﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يتسارون بينهم). أي: يقول بعضهم لبعض: ما لبثتم في الدنيا إلا قليلًا. عشرة أيام أو نحوها. وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾. قال شعبة: (﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾: أوفاهم عقلًا). وقال ابن كثير: (﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾، أي: في حال تناجيهم بينهم، ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾، أي: العاقل الكامل فيهم، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾، أي: لِقِصَر مُدَّةِ الدنيا في أنفسهم يوم المعاد، لأن الدنيا كُلَّها وإن تكررت أوقاتها وتعاقَبَت لياليها وأيامُها وساعاتُها كأنها يومٌ واحِدٌ، ولهذا يستقصر الكافوون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة. وكان غرضهم في ذلك دَرْءَ قيام

стр. 2798

الحجة عليهم، لقِصَر المدَّة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]. أي: إنما كان لُبثكم فيها قليلًا، ولو أنكم كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصَرَّفتم فأسأتُم التصرَّف، قَدَّمتم الحاضِرَ الفاني على الدائم الباقي). ١٠٥ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾. في هذه الآيات: نَسْفُ الله الجبال يوم القيامة فلا منخفض ولا مرتفع، واتباع الناس صوت داعي الله إلى موقف الحشر مسرعين لا انحراف لهم عنه، وسكون الأصوات لله تعالى من هيبة الموقف، والشفاعة لا تكون إلا بإذن الله العليم الحكيم، الذي خشعت له الوجوه وقد خسر من حمل ظلمًا، وربح المؤمن فلا يخاف لعمله هضمًا. فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل لهم: يذريها ربي تذرية، ويطيرها بقلعها واستئصالها من أصولها، ودكّ بعضها على بعض، وتصييره إياها هباء منبثًا). وقوله: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: مستويًا لا نبات فيه). وقال ابن زيد: (الصفصف: المستوي). والمقصود أنه سبحانه يذهب الجبال يوم

стр. 2799

القيامة عن أماكنها ويمحقها ويُسيرها ويذر الأرض بساطًا واحدًا. قال ابن كثير: (القاع: هو المستوي من الأرض. والصفصف تأكيدٌ لمعنى ذلك. وقيل: الذي لا نبات فيه. والأول أولى. وإن كان الآخر مُرادًا أيضًا باللازم). وقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. أي: لا ترى يومئذ في الأرض منخفضًا ولا مرتفعًا، ولا واديًا ولا محدّبا. قال ابن عباس: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ يقول: واديًا، ولا أمتًا: يقول: رابية). وعن مجاهد: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ قال: ارتفاعًا، ولا انخفاضًا). وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾. أي: يومئذ يتبع الناس صوت داعي الله إلى موقف الحشر مسرعين لا انحراف لهم عنه. قال القاسمي: (أي يجيبونَ الداعي إلى المحشر، فينقلبون من كل صوب إليه). وقال النسفي: (﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي لا يعوج له مدعو، بل يستوون إليه من غبر انحراف متبعين لصوته). وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. أي: سكنت الأصوات لله تعالى من هيبة الموقف فلا كلام لأحد إلا من أذن الله له قولًا. قال ابن عباس: (﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، يقول: سكنت. ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ قال: وطء الأقدام). أو قال: (همس الأقدام، وهو الوطء). وفي رواية قال: (يقول: الصوت الخفي). وعن مجاهد: (﴿هَمْسًا﴾ قال: خفض الصوت. أو قال: تخافتًا، قال: كلام الإنسان لا تسمع تحرّك شفتيه ولسانه). وقال ابن جريج: (هو صوت وقع الأقدام بعضها على بعض إلى المحشر). وعن سعيد بن جبير: (﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ قال: الحديث وسره، وَوَطْء الأقدام). وخلاصة المعنى: وسكنت الأصوات وذلّت يومئذ للرحمان هيبة وإجلالًا، فلا تسمع إلا صوتًا خفيفًا لتحريك الشفاه أو وقع الأقدام لتأخذ أماكنها في أرض المحشر. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾. أي: لا يستطيع أن يتقدم - يومئذ - بالشفاعة أحد إلا أن يأذن الله تعالى لمن يشاء ويرضى. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣].

стр. 2800

٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع إلى ربك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله. فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد. فيأتوني فأقول: أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخرّ له ساجدًا. فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول يا رب أمتي أمتي. فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخزُ له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجدًا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل. ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجدًا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب! ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله! قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله] (١). وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده! ما مِنْ أحَدٍ منكم بأشَدَّ

стр. 2801

مُنَاشدةً لله في استيفاء الحق، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون: رَبَّنا كانوا يصومون معنا وَيُصَلُّون ويَحُجُّون، فيقال لهم: أخرجوا مَنْ عَرَفْتُمْ -فَتُحَرَّمُ صُوَرُهم على النار- فَيُخرجونَ خَلْقًا كثيرًا قَدْ أَخذتِ النارُ إلى نِصْفِ ساقيه وإلى رُكبَتَيْه. ثم يقولون: ربَّنا! ما بقَيِ فيها أحدٌ مِمَّنْ أَمَرْتنا به. فيقول: ارجِعوا، فَمَنْ وَجَدْتُم في قلبه مثقالَ دينارٍ مِنْ خيْرٍ فأخرِجوه، فَيُخْرِجون خَلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا! لم نَذرْ فيها أحدًا مِمَّنْ أمَرْتَنا به. ثم يقول: ارجعوا، فَمَنْ وَجَدتُمْ في قلبه مِثْقَالَ نصفِ دينارٍ مِنْ خير فَأَخْرِجوه، فَيُخرجونَ خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا! لمْ نَذَرْ فيها مِمَّنْ أمَرْتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرَّةٍ من خيرٍ فأخرجوه، فيخرجون خَلْقًا كثيرًا، ثم يقولون: رَبَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا. فيقول الله تعالى: شَفَعَت الملائكةُ وشَفَعَ النبيونَ وشفعَ المؤمنون، ولم يَبْقَ إلا أرحَمُ الراحمين، فَيَقْبضُ قَبْضَةً من النار فَيُخرجُ منها قومًا لم يعملِوا خيرًا قطُّ، قد عادوا حُمَمًا فَيُلْقِيهم في نَهْرٍ في أفواهِ الجنة يقال له نَهْرُ الحياة، فيَخْرجُونَ كما تخْرُجُ الحبَّةُ في حميل السَّيل .......... ] الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. قال قتادة: (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الساعة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يعلم ربك يا محمد ما بين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يقول: ويعلم أمر ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا). وقال النسفي: (﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ أي بما أحاط به علم الله). أي لا يحيط الخلق بربهم علمًا، بل الله تعالى قد أحاط بكل شؤون خلقه علمًا. وقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ذلت). وقال مجاهد: (خشعت). وقال ابن زيد: (استأسرت الوجوه للحي القيوم. صاروا أسارى كلهم له. قال: والعاني: الأسير). والمقصود: خضعت الوجوه يومئذ وذلت، فاستسلمت الخلائق جميعها لجبّارها

стр. 2802

الحيّ: الذي لا يموت، القيوم: الذي لا ينام، الذي هو قيِّم على كل شيء بالحفظ والتدبير ولا قِوام لشيء إلا به. وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾. قال قتادة: (من حمل شركًا). وقال ابن زيد: (الظلم هاهنا: الشرك). قلت: بل الظلم يشمل عند الإطلاق الشرك والمعاصي وأكل الحقوق والبغي، ومن ثمَّ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، يصيب صاحبه من الخيبة يومئذ حسب مظلمته. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وفي صحيح السنة المطهرة في التخويف من الظلم أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشّح فإن الشّحَ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١). الحديث الثاني: خَرّجَ مسلم - كذلك - في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحَاء - التي لا قرن لها - من الشاة القرناء] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة: أن رسولَ الله ﷺ قال: [مَن كانت عِنْدَه مظْلَمَةٌ لأخيه فليتحَلَّلْهُ مِنْها، فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أن يُؤْخَذَ لأخيه من حَسناتِه، فإن لم يكنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ أخيه فطُرِحت عليه] (٣). وفي لفظ: [من كانت له مظلمةٌ لأخيه مِنْ عِرْضِهِ أو شيءٍ فليتحلَّلْهُ منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إنْ كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بقدْرِ مَظْلَمتِهِ، وإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه].

стр. 2803

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. أي: ومن يكن في حياته الدنيا على منهج الإيمان والعمل الصالح فإنه يأتي يوم القيامة آمنًا لا يظلم من عمله شيئًا ولا ينقص من حق عمله. والآية هي الصورة المقابلة للصورة السابقة صورة الظالمين، فإنه تعالى بعد أن ذَكَرَ حالهم ثنّى بذكر المتقين ومآلهم. قال قتادة: (﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وإنما يقبل الله من العمل ما كان في إيمان). وعن ابن عباس: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال: لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم، فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته). وعن حبيب بن أبي ثابت قال: (الهضم: الانتقاص). قال قتادة: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال: لا يخاف أن يظلم، فلا يجزى بعمله، ولا يخاف أن ينتقص من حقه، فلا يوفى عمله). وقال الحسن: (لا ينتقص الله من حسناته شيئًا، ولا يحمل عليه ذنب مسيء. وأصل الهضم: النقص). ١١٣ - ١١٤. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾. في هذه الآيات: ثناءُ الله على هذا القرآن العربي المبين، الذي قد فُصِّل فيه الوعد والوعيد فهو ذكرى للذاكرين، فتقدّس الله الملك الحق العليم الحكيم. وأمْرُ الله نبيّه الإنصات لجبريل عند تلاوته القرآن، ثم ليقبل عليه بالحفظ ورجاء الله زيادته في العلم والإيمان. فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. أي بلسان عربي مبين فصيح، وهو لسانكم أيها العرب. قال القرطبي: (أي كما بيّنا لك في هذه السورة من البيان، فكذلك جعلناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي بلغة العرب). وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾. أي خوفناهم فيه بضروب من الوعيد. قال

стр. 2804

القاسمي: (أي بعبارات شتى، تصريحًا وتلويحًا، وضروب أمثال، وإقامة براهين). وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. قال قتادة: (ما حُذّروا به من أمر الله وعقابه، ووقائعه بالأمم قبلهم). وقوله: ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. أي موعظة وتذكرًا، أو مقامًا وشرفًا. قال قتادة: (﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ قال: جِدًا وورعًا. وقد قال بعضهم - معناه -: أو يحدث لهم شرفًا بإيمانهم به). وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾. أي تناهى سبحانه في العلو والعظمة، وتنزه وتقدس. قال ابن كثير: (أي: تَنزَّهَ وتقدَّسَ الملكُ الحق، الذي هو حَقٌّ، ووعده حقٌّ، ووعيده حقٌّ، ورسُله حقٌّ، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، وكل شيء منه حقٌّ. وعدله تعالى ألا يُعَذَّبَ أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خَلْقِه، لئلا يبقى لأحدٍ حُجَّةٌ ولا شبهة). وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: بل أنصت - يا محمد - لجبريل وهو يتلوه عليك، فإذا فرغ الملك من قراءته فاقرأه بعده. والآية كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]. قال القاسمي: (وقد كان رسول الله ﷺ إذا لَقَّنَهُ جبريل الوحيَ، يتبعه عند تلفط كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ. فأرشد إلى أن لا يساوقه في قراءته، وأن يتأنَّى عليه ريثما يسمعه ويفهمه. ثم ليقبل عليه بالحفظ بعد ذلك). قلت: بل ضمن الله تعالى له حفظه في صدره بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. أي نحن سنجمعه لك في صدرك لئلا تنشغل بعناء حفظه عن مهام الدعوة والجهاد، وإنما تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما

стр. 2805

قال: [كانَ النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحيُ حَرَّك به لسانَه يريد أن يَحفَظهُ، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]] (١). وفي الباب بعده قال البخاري: حدثنا عُبَيدُ الله بنُ موسى عن إسرائيلَ، عن موسى بن أبي عائشة: أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ قال: وقال ابن عباس: [كان يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ إذا أُنزلَ عليه، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ - يخشى أنْ يَتَفَلَّتَ منهُ - ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾: أن نَجْمَعَهُ في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أَنْ تَقْرَأَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: أُنزل عليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نُبَيّنَهُ على لسانك] (٢). وفي رواية قال: [فكان إذا أتاهُ جبريلُ أطْرَقَ، فإذا ذَهَبَ قرأَهُ كما وَعَدَهُ الله]. وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. أي رب زدني علمًا إلى ما علمتني. قال ابن عيينة: (ولم يزل ﷺ في زيادة العلم حتى توفاه الله . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك: [أَنَّ الله تَابعَ الوَحْيَ على رسول الله ﷺ قبل وفاته، حتى تُوُفِّيَ، وأكثَرُ ما كان الوحيُ يومَ توفي رسول الله ﷺ ] (٣). ١١٥ - ١٢٢. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾. في هذه الآيات: عهدُالله تعالى إلى آدم ونسيانه، وأمره تعالى الملائكة السجود لآدم
следующие страницы →