← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

فقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾. أي: كم تُلَخِّصون ما أمضيتم في الحياة الدنيا أمام ما تستقبلون من الزمان في الدار الآخرة. قال القرطبي: (وهذا السؤال للمشركين في عَرَصات القيامة أو في النار). وقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. قال النسفي: (استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة). وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. قال مجاهد: (الملائكة). وقال قتادة: (فاسأل الحُسّاب). أو قال: (فاسأل أهل الحساب). وكلا التأويلين ممكن. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مُدَّةً يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تَصَرَّفتم لأنفسكم هذا التصرف السيِّئ ولا استحققتم من الله سُخطَه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لَفُزْتُم كما فَازوا). والمقصود: سَتُخْتَزَلُ الحياة الدنيا بجميع أفراحها وآلامها في بعض يوم من أيام الحياة الآخرة، وسيعلم الكافرون ضخامة الجُرم الذي صنعوه إذ خسروا الصفقة وضيعوا العمر بالكفر والشهوات، فأورثهم ذلك شقاء سرمديًا يوم القيامة. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [يُوْتى بِأَنْعَمِ أهل الدنيا، مِنْ أهلِ النار، يومَ القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بكَ نعيمٌ قطُ؟ فيقول: لا، والله! يا ربِّ! وَيُؤتى بأشَدِّ الناس بُؤْسًا في الدنيا، مِنْ أهل الجَنَّةِ، فَيُصبَغُ صَبْغَة في الجَنَّة، فيقال له: يا ابن آدَمَ! هَلْ رأيْتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيقولُ: لا، والله! يا رب! ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رأيتُ شِدَّةً قطُّ] (١).

стр. 3047

وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبًا وباطلًا، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟ ). وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. أي: فتنزَه الله الملك الحق وتقدس عما ينسب إليه المشركون من الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق عباده عبثًا أو سفهًا، بل هو الحكيم لا معبود بحق سواه رب العرش الكريم. قال ابن كثير: (فذكر العرش لأنه سقفُ جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريمٌ، أي: حَسَنُ المنظر بَهيُّ الشكل، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. قال مجاهد: (﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: بينة). أو قال: (حجة). والمقصود: من يدع مع الله الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودًا آخر لا حجة له بذلك، فإنما يوفى حساب عمله السَّيِّئ عند ربه الأحد الصمد الذي أشرك به، ومن ثمَّ فلا فلاح للكافرين لا في الدنيا ولا في الآخرة. قال الرازي: (نبّه تعالى بالآية، على أن كل ما لا برهان فيه، لا يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد). وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، أو قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدعو؟ قال: [أدعو إلى ربكَ الذي إن مَسَّكَ ضرّ فدعوته كشَفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته رَدَّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).

стр. 3048

وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾. أمر من الله تعالى لنبيّه ﷺ بالابتهال إليه ودعائه واستغفاره والثناء عليه، فإنه تعالى خير من رحم ذا ذنب، وخير من عفا، وخير من فرّج الكروب والمحن والمصائب، ومِنْ ثَمَّ فأمته ﷺ محتاجة إلى هذا الخطاب من باب أولى. فبالاستغفار يبسط الله تعالى لعباده السرور والنعم. قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة] (١). وفي صحيح مسلم عن الأغَرِّ بنِ يَسَار المزَنِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مئة مرّة] (٢). وفي لفظ: [إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني أستغفر الله في اليوم مئة مرّة]. والغَيْنُ: هو ما يتغشى القلب من الغفلات. والله نسأل مغفرة الذنوب والزلات، والنجاة يوم الحسرات، إنه تعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم. تم تفسير سورة "المؤمنون" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه * * *

стр. 3049

دروس ونتائج وأحكام ١ - قالت الجَنَّة: قد أفلح المؤمنون. فقالت الملائكة: طوبى لك منازل الملوك. ٢ - الخشوع في الصلاة يحصل لمن فَرَّغَ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها. ٣ - احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، والله أحق أن يُستحيا منه من الناس. ٤ - المسلمون على شروطهم فيما أحِلّ، وفيما وافق الحق من ذلك. ٥ - لكل غادر لواء يوم القيامة، والمسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله. ٦ - أفضل الأعمال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. ٧ - جنة الفردوس أوسط وأعلى الجَنَّة، وفوفها عرش الرحمان، ومن الفردوس تتفجّر أنهار الجَنَّة. ٨ - صُلب الرجل هو ظهره، وترائب المرأة عظام صدرها. ٩ - كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنْبَ، مِنْهُ خُلِقَ، ومنه يُرَكَّب. ١٠ - تعلمون المعاد إلى الله، ثم إلى الجَنَّة أو النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجسادٍ لا تموت. ١١ - النخيل والأعناب أشمرف الثمار وأهمها عند العرب، والزيت يؤكل ويدّهن به، وهو يخرج من شجرة مباركة. ١٢ - دعاء الركوب للسفر: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. الحمد لله ثلاثًا، الله أكبر ثلاثًا، سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ١٣ - إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإجابة الدعاء متعلقة بطيب المأكل والملبس.

стр. 3050

١٤ - المؤمنون يتقربون إلى الله بمختلف الطاعات وهم خائفون مشفقون أن لا يقبل منهم. ١٥ - التكاليف الشرعية متحملة، وكتاب الأعمال دقيق ينطق بالصغائر والكبائر. ١٦ - التزام الاستغفار، يقابله الغفار بإغداق النعم والأرزاق والأمطار. ١٧ - اقتضاء الإيمان بتوحيد الربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية. ١٨ - الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. ١٩ - سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية. ٢٠ - حسن الخلق، وطول الصمت، ما عمل الخلائق بمثلهما. ٢١ - همزات الشياطين خطراته ونزعاته ومحاولات اقترابه من العبد بمس أو إيذاء أو سحر. وفي الحديث: أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت. ٢٢ - البرزخ ما بين الموت إلى البعث، وسؤال الملكين وعذاب القبر حق. ٢٣ - الميزان حق، فمن ثقلت موازينه نجا، ومن خفت موازينه هلك، وفي هذه الأمة من يَعْظُم للنار حتى يكون أحدَ زواياها. ٢٤ - كل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، وهذا يوجب صحة النظر وفساد التقليد. ٢٥ - الغَيْنُ ما يتغشى القلب من الغفلات، وبالاستغفار يزول وتتنزل الرحمات. * * *

стр. 3051

٢٤ - سُوْرَةُ النَّوُرِ وهي سورة مدنية في غالبها، وعدد آياتها (٦٤). موضوع السورة أحكام العفاف والستر ونور الوحي في حياة وقلوب المؤمنين - منهاج السورة - ١ - التنبيه على شأن هذه السورة، وذكر عقوبة الزنى لغير المحصن. ٢ - الإعلام بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، وتحريم نكاح الزانية أو تزويج الزاني. ٣ - تحريم القذف وبيان حدّه وعواقبه، وتشريع الملاعنة وأحكامها. ٤ - قصة أهل الإفك، وبراءة عائشة ﵂ إلى يوم القيامة. ٥ - تشريع آداب عالية في الاستئذان قبل الدخول، واستثناء الأماكن العامة. ٦ - الأمْرُ بغض البصر - للمؤمنين والمؤمنات - عما لا يحل النظر إليه، وأَمْرُ المؤمنات بعدم إبداء زينتهن إلا الوجه والكفين، وبيان ما يحل إظهاره أمام المحارم، والنهي عن الضرب بالأرجل لما يحرك الفتنة على الرجال.

стр. 3052

٧ - الترغيب في التزويج للأحرار والعبيد والوعد بالغنى والرزق على ذلك. ٨ - الأمر بالاستعفاف حتى يكون النكاح، والترغيب بمساعدة المكاتبين، والتحذير من إكراه الإماء على الزنى. ٩ - تمثيل بديع لقلب المؤمن الذي شعّ بنور الوحي الكريم، والله تعالى منوّر السماوات والأرض وهادي أهلهما وهو بكل شيء عليم. ١٠ - ذِكْرُ أطهر البيوت في الأرض عقب ذكر أطهر القلوب وأزكاها، وفضيلة إعمار المساجد والثناء على عمارها. ١١ - ضرب مثلين لنوعي الكفار: الرؤساء والأتباع. لا تنفعهم أعمالهم يوم الحساب، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. ١٢ - إثباتُ تسبيح جميع المخلوقات، وسوقُ الله السحاب وإنزاله المطر، ولمعان البرق يأخذ بالبصر، وتعاقب الليل والنهار، وخَلْقُ كل دابة من ماء، آيات لقوم يتفكرون. ١٣ - ذِكْرُ بعض صفات المنافقين، يعلنون الإيمان وما هم بمؤمنين، ويعرضون عن التحاكم لله ورسوله وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. وأما المؤمنون فهم يخبتون لله ويرضون بحكمه وأولئك هم الفائزون. ١٤ - فضحُ المنافقين في تأكيدهم الخروج للجهاد مع رسول الله بالحلف وهم كاذبون. ومن يطع الله ورسوله ينعم بنور الهداية ومن يعرض فما على الرسول إلا البلاغ المبين. ١٥ - وعْدُ الله تعالى المؤمنين الاستخلاف في الأرض والتمكين، وعجزُ الكافرين عن الهروب من عذاب الله الأليم. ١٦ - آداب رفيعة في الاستئذان، وبيان وجوب ذلك على الأطفال إذا بلغوا الحلم، ولا جناح على القواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات وأن يلتمسن العفاف والله سميع عليم. ١٧ - رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، وجواز الأكل من بيوت القرابة، والأمر بإلقاء السلام عند الدخول.

стр. 3053

١٨ - إرشاد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الأدب مع نبيهم، وإذا دخلوا أو خرجوا فليستأذنوا ولا يتفرقوا إلا عن أمره. ١٩ - النهي عن مناداة الرسول كمناداة غيره، أو ظن دعائه كدعاء غيره. ٢٠ - الوعيد الشديد على من تعمد مخالفة أمر الرسول ﷺ والله بكل شيء عليم. * * *

стр. 3054

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٢. قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾. في هذه الآياتِ: تعظيمُ الله تعالى شأن هذه السورة الكريمة المشتملة على بيان أحكام العفاف والستر لقوم يَذَّكَرون. إن عقوبة الزنى لغير المحصن الجلد دون رأفة مع شهود هذا الحدّ من طائفة من المؤمنين. فقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾. سورة: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي، أو هذه. و ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفة لها. قال القاسمي: (والتنكير للتفخيم). وقال ابن كثير: فيه تنبيه إلى الاعتناء بها ولا يَنْفي ما عداها). وقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾. أصل الفرض القطع، أي جعلناها مقطوعًا بها - حكاه النسفي. وقد قرأ قُرَّاءٌ من الحجاز والبصرة بتشديد الراء: "وَفَرَّضناها". قال مجاهد: (أي بَيَّنا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود). فالتأويل: فصّلناها ونزّلنا فيها فرائض مختلفة. وأما عامّة قراء المدينة والكوفة والشام فقرؤوها بالتخفيف: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: (يقول: بيناها). وقال البخاري: (يقول: فَرَضنا عليكم وعلى مَنْ بَعْدكم). والقراءتان مشهورتان في الأمصار، ولا مانع من اختيار إحداهما. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. قال ابن جريجٍ: (الحلال والحرام والحدود). والمقصود: اشتمال السورة على آيات واضحات الدلالة صريحات البيان في مفاهيم الستر والعفاف وغير ذلك من الأحكام الشرعية، التي يحفظ الله بها النفوس والبيوت من سبل الشياطين. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جريجٍ: (يقول: لتتذكروا بهذه الآياتِ البينات التي أنزلناها).

стр. 3055

وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. فيه تفصيل حكم الزاني والزانية في الإسلام، مع ما جاء بيانه في السنة المطهرة. وتفصيل ذلك: الزاني إما أن يكون بكرًا أو محصنًا: أ - حدّ الحر المحصن. إذا زنى الحر المحصن المكلف مختارًا فحدّه الرجم حتى يموت. والمقصود بالمحصن مَنْ سَبَقَ له الوطء بنكاحٍ صحيح. والمكلف هو البالغ العاقل، فلا حدّ على الصبي والمجنون لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة" (١). فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن جابر بن عبد الله الأنصاري: [أن رَجُلًا من أسلم أتى رسول الله ﷺ فَحدَّثه أنه قد زنى، فشهد على نفسه أربع شهادات، فأمر به رسول الله ﷺ فَرُجِمَ، وكان قد أُحْصِن] (٢). وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يومًا فقال: [إنَّ الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف] (٣). ب - حدّ الرقيق. إذا زنى غير الحر - عبدًا كان أو أمة - فلا رجم عليه، ولكن يجلد خمسين جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].

стр. 3056

أخرج الإمام مالك في الموطأ، والبيهقي بسند حسن، عن عبد الله بن عياش المخزومي قال: [أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة، خمسين خمسين في الزنا] (١). ج - حدّ البكر. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾. أخرج البخاري عن زيد بن خالد الجهني قال: [سمعت النبي ﷺ يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مئة وتغريب عام] (٢). وفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : [خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم] (٣). ء - من أُكره على الزنا فلا حدّ عليه. فقد أخرج البيهقي بسند صحيح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: [أتي عمر بن الخطاب ﵁ بامرأة جهدها العطش، فمرّت على راع فاستسقت، فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها، ففعلت، فشاور الناس في رجمها، فقال عليّ ﵁: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها، ففعل] (٤). وقوله: (﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (أن تقيم الحدّ). قال ابن زيد: (فتدعوهما من حدود الله التي أمر بها، وافترضها عليها). والمقصود: عدم تعطيل حدود الله، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية الا تكون حاصلة، فإذا رفعت الحدود إلى السلطان وجب إقامتها وعدم تعطيلها. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّ

стр. 3057

رسول الله ﷺ قال: [تَعافوا الحدودَ فيما بينكم، فما بلغني مِنْ حَدٍّ فقدْ وَجَبَ] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [حَدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خيرٌ لأهل الأرض مِنْ أنْ يُمْطَروا أربعين صَبَاحًا] (٢). ورواه من حديث ابن عمر بلفظ: [إقامةُ حَدٍّ من حدود الله، خيرٌ من مَطَرِ أربعين ليلةً، في بلاد الله ]. الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عُبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : [أقيموا حُدودَ الله في القريب والبعيد. ولا تأخذكم في الله لَوْمَةُ لائمٍ] (٣). وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن كنتم تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة، وللثواب والعقاب). وقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال قتادة: (نفر من المسلمين) (٤). والمقصود: ليكون ذلك موعظة للناس وعبرة ونكالًا وإعلانًا لسلطان الحق في الأرض. ٣. قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. في هذه الآية: إخبارُ الله تعالى بحقيقةِ مهمة: الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة، أي: لا يُطاوعه على مُراده من الزنا أو فجوره إلا زانية مثله، أو مشركة تَسْتَبيحُ ذلك، وكذلك حُرِّم على المؤمنين نكاح الزانية أو تزويج الزاني، فإن الزنى من صفات المشركين.

стр. 3058

أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [كان رَجُلٌ يقال له: مَرْثَدُ بن أبي مَرْثَدٍ، وكان رجلًا يحمل الأُسارى من مكة حتى يأتيَ بهم المدينة. قال: وكانت امرأة بَغِيٌّ بمكة يقال لها: عَناق، وكانت صديقة له، وأنه واعد رجلًا من أُسارى مكة يَحْملُهُ. قال: فجئتُ حتى انتهيتُ إلى ظل حائطٍ من حوائطِ مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عَنَاق فأبْصَرَتْ سوادَ ظلٍّ تحت الحائط، فلما انتهَتْ إليَّ عَرَفَتْني، فقالت: مَرْثَد؟ فقلت: مَرْثَد. فقالت: مرحبًا وأهلًا، هَلُمَّ فَبِت عندنا الليلة. قال: فقلت: يا عناقُ، حَرَّمَ الله الزنا. فقالت: يا أهلَ الخيام، هذا الرجُل يحملُ أَسْراكم، قال: فتبعني ثمانية ودخلتُ الخَنْدَمَةَ (١)، فانْتَهيْتُ إلى غار - أو: كَهْف - فدخلت فيه، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالُوا، فَطَلَّ بولُهم على رأسي، فأعماهم الله عني. قال: ثم رجَعوا ورجعتُ إلى صاحبي فَحَمَلْتُه، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيْتُ إلى الإِذْخَرِ، ففككت عنه أكبُلَهُ، فجعلت أحمِلُه ويُعينني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أَنكِحُ عناقًا؟ - مرتين - فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد عَليَّ شيئًا، حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ : يا مَرْثَدُ، ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فلا تَنْكِحَها] (٢). وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو: [أنَّ رجلًا من المسلمين استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها: أم مهْزُولٍ - كانت تُسافِحُ، وتشترط له أن تُنفق عليه - قال: فاستأذن رسول الله ﷺ أو: ذُكِرَ له أمرُها - قال: فقرأ عليه نبيُّ الله ﷺ : ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾] (٣). وفي رواية: [فأنزل الله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾]).

стр. 3059

قلت: وفي قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ - تحريم صريح بتزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المُسَافح حتى يتوب توبة صادقة نصوحًا، وكذلك تحريم تَزَوُّج الرجل الصالح بالمرأة الزانية الفاجرة إلا أن تقلع عن فعلها المشين وتصدق التوبة والعفاف. وقد جاءت السنة المطهرة بآفاق ذلك في أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَنكحُ الزاني المجلودُ إلا مِثله] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة لا يدخلون الجَنَّة، ولا ينظر الله إليهم يومَ القيامة: العاقُّ لوالديه، والمرأة المترجِّلة (٢) والديُّوث. وثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقُّ لوالديه، ومدمنُ الخمر، والمَنَّانُ بما أعطى] (٣). وله شاهد عند الطبراني من حديث عمار بن ياسر بلفظ: [ثلاثة لا يدخلون الجَنَّة أبدًا: الدَّيوثُ، والرَّجُلةُ منَ النساء، ومدمنُ الخمر]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: [ثلاثةٌ قَدْ حَرَّمَ الله عليهم الجَنَّة: مدمن الخمر، والعاقُّ، والدَّيوث الذي يقر في أهله الخبث] (٤). ٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾. في هذه الآياتِ: تحريم القذف وبيان حدّه وعواقبه، والذين يستهينون بأمر القذف أولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم.

стр. 3060

فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. ﴿يَرْمُونَ﴾: أي يقذفون بالزنى. و ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: أي المسلمات الحرائر العاقلات البالغات العفيفات عن الزنى. فيه بيان حد القذف، فمن قذف مسلمًا، وليس لديه أربعة شهداء عدول يشهدون أنهم رأوه - أو رأوها - على الزنا، حُدَّ ثمانين جلدة، ولم تقبل شهادته أبدًا في أي واقعة كانت، لظهور كذبه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. قال القاسمي: (وتخصيص النساء لخصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع. وإلا فلا فرق فيه بين الذكر والأنثى). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (١). وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال ابن زيد: (الكاذبون). وقوله تعالى: (﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: إلا الذين تابوا من بعد القذف وأصلحوا أعمالهم، فإن الله تعالى غفور رحيم، يقبل توبتهم ويعفو عنهم. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": (ذهب الجمهور إلى أن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل. ويزول عنه اسم الفسق. سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. روى البيهقي عن ابن عباس في هذه الآية: فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل. وتأولوا قوله تعالى: ﴿أَبَدًا﴾ على أن المراد ما دام مصرًّا على قذفه. لأن "أبد كل شيء" على ما يليق به). وقال الزمخشري: (والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها، أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط. كأنه قيل: ومن قذف المحصنات فاجلدوهم، وردّوا شهادتهم وفسّقوهم. أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن

стр. 3061

القذف وأصلحوا، فإن الله يغفر لهم، فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مُفَسَّقين). وفي صحيح البخاري في "كتاب الشهادات" - باب شهادة القاذف والسارق والزاني - عن عمر ﵁، أنه جَلَدَ أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعًا، بقذف المغيرة بالزنى، لما شهدوا بأنهم رأوه متبطن المرأة. ولم يَبُتَّ زيادٌ الشهادة. ثم استتابهم وقال: من تاب قبلتُ شهادته. وفي رواية قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته فيما يستقبل. ومن لم يفعل، لم أجز شهادته. فأكذب شبل نفسه ونافع. وأبى أبو بكرة أن يرجع. وقد ذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قُبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق. وخالف أبو حنيفة وذهب إلى أن الفسق يرتفع بالتوبة ويبقى مردودَ الشهادة أبدًا، وما عليه الجمهور أقرب وأرجح، والله تعالى أعلم. ٦ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. في هذه الآياتِ: تشريع الملاعنة، إذا قذف الرجل زوجته ولا شهود له فيحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بذلك، فَيُحْلِفُه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، إنه لصادق في رميه إياها بالزنا. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كذب في دعواه، فإذا قال ذلك بانت منه وتوجه عليها حدّ الزنا. ويدرأ عنها الحد أن تُلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به. ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ولولا لطفُ الله ورحمته ومنّه على المؤمنين ما شرع هذا الفرج من الضيق والخلاص من الحرج، وهو مع ذلك تواب لما يجترحه عباده من الآثام، رحيم بهم إذا أقبلوا عليه وأنابوا إليه، حكيم في أقواله وأفعاله وتشريعه. أخرج البخاري ومسلم وأحمد ومالك وأكثر أهل السنن عن سهل بن سعد: [أن

стр. 3062

عويمرًا أتى عاصم بن عدي وكان سيد بني عجلان فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع إمرأته رجلًا يقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ سَلْ لي رسول الله ﷺ عن ذلك. فأتى عاصم النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، فَكَرِه رسول الله ﷺ المسائل، فسأله عويمر فقال: إنَّ رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها. قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فجاء عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك، فأمرها رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله في كتابه فلاعنها، ثم قال: يا رسول الله، إنْ حبستها فقد ظلمتها فَطَلَّقها فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين. ثم قال رسول الله ﷺ : انظروا فإن جاءت به أَسْحَمَ أَدْعَجَ العينين عظيم الأليتين خَدَلَّجَ الساقين فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وَحَرَةٌ فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﷺ من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه] (١). وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس: [أنَّ هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : البيِّنة أو حدّ في ظهرك. فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول: البينة وإلا حدٌّ في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يُبْرِّئ ظهري من الحد. فنزل جبريل وأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظَنَنَّا أنَّها ترجع. ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت. فقال النبي ﷺ : أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابع الإليتين، خَدَلَّجَ الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك. فقال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن] (٢).

стр. 3063

الأحكام المترتبة على اللعان: إذا تلاعن الزوجان ترتب على تلاعنهما هذه الأحكام: ١ - التفريق بينهما. ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: [لاعنَ النبي ﷺ بين رجل وامرأة من الأنصار وفرّق بينهما] (١). ٢ - التحريم المؤبد. لقول سهل بن سعد - كما روى أبو داود والبيهقي بسند صحيح -: (مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا) (٢). ٣ - استحقاق الملاعَنَة الصداق. ففي الصحيحين عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: [قلت لابن عمر: رجل قذف امرأته؟ فقال: فرّق النبي ﷺ بين أخوي بني العجلان، وقال: الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا. وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا. فقال: الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا، ففرّق بينهما. قال أيوب: فقال لي عمرو بن دينار: إن في الحديث شيئًا لا أراك تحدثه، قال: قال الرجل: مالي؟ قال: قيل: لا مال لك، إن كنت صادقًا فقد دخلت بها، وإن كنت كاذبًا فهو أبعد منك] (٣). ٤ - التحاق الولد بالملاعنة. ففي الصحيحين عن ابن عمر: [أنّ النبي ﷺ لاعَنَ بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرَّق بينهما، والحق الولد بالمرأة] (٤).

стр. 3064

٥ - ثبوت التوارث بين الملاعنة وولدها. ففي الصحيحين وسنن أبي داود - في حديث سهل بن سعد - قال ابن شهاب: (فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يُدعى لأمه. قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنَّها ترثه، ويرث منها ما فرض الله له) (١). وفي قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ نكتة لطيفة في اختصاصها بالغضب إن صدق عليها، واختصاصه من قبل باللعن إن كان من الكاذبين. قال ابن كثير: (فَخَصَّها بالغضب، لأنَّ الغالب أن الرجل لا يَتَجَشَّم فضيحة أهله وَرَمْيَها بالزنا إلا وهو صادقٌ مَعْذورٌ، وهي تعلمُ صدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غَضَب الله عليها، والمغضوبُ عليه هو الذي يعلم الحقَّ ثم يحيدُ عنه). قال القاسمي: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾: أي لحرجتم وشق عليكم كثير من أموركم، ولكن لرحمته ولطفه، شرع لكم من الفرج والمخرج، ما أنزله وأحكمه). ١١ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ

стр. 3065

وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾. في هذه الآياتِ: تبرئة عائشة أم المؤمنين مما رماها به المنافقون، أهل الإفك والبهتان المبين، وتأديب الله تعالى عباده المؤمنين بآداب حفظ أعراضهم وسمعة بيوتهم وعدم الخوض في حكايات الثرثارين والكاذبين، وبيان بعض السنن والحكم التي قضاها الله ﵎ في العالمين. فإلى تفصيل حادثة الإفك وما تبعها من أحكام وآداب شرعية عالية. لقد سقطت ورقة عبد الله بن أبي بن سلول في قومه إثر القرآن النازل في تكذيبه، وفضح ما كان من محاولته لإثارة الفتنة وتحريك دعوى الجاهلية بين المسلمين، وذلك أثناء العودة من غزوة بني المصطلق، فكان قومه بعد ذلك يعنفونه ويلومونه كلما ظهرت منه حماقة أو خطأ أو غباء، حتى إن ابنه عبد الله همَّ بقتله والتخلص منه. يروي ذلك ابن إسحاق بسند حسن، قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: [أن عبد الله أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتلَ عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا فمُرني به، فأنا أحمل إليك رأسَه، فوالله لقد علمت الخزرجُ ما كان لها من رجل أبرَّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتلَه، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتلَه، فأقتلَ رجلًا

стр. 3066

مؤمنًا بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله: بل نترَفَقُ به، ونُحْسنُ صُحْبَتَهُ ما بقي معنا] (١). ورواه الطبراني والبزار بلفظ آخر وفيه أن النبي ﷺ قال له: (لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته) وسنده صحيح (٢). وقد ظهر مباشرة أثر هذه الحكمة النبوية في معالجة النفاق، إذ أصبح رأس النفاق موضع التوبيخ من قومه، كلما بدرت منه حماقة جديدة أو فاحت رائحة الغل والحقد من قلبه. ففي رواية ابن إسحاق السابقة: (قال: وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويُعَنِّفونه. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلتُه يوم قلتَ لي اقتُله، لأُرْعِدت له آنُفٌ، لو أمرتها اليوم بقَتْلِه لقتلته، قال: قال عمر: قد والله علمتُ لأمرُ رسول الله ﷺ أعظمُ بركة من أمري) (٣). ثم وقف عبد الله ﵁ على باب المدينة يمنع أباه من دخولها، واستل سيفه مهددًا والده رأس النفاق أن لا يدخلها إلا بإذن من رسول الله ﷺ . روى ذلك الإمام الترمذي بإسناد حسن عن جابر، قال: [فقال له ابنُه عبد الله بن عبد الله: والله لا تَنْقَلِب حتى تُقِرَّ أنك الذليل ورسولُ الله ﷺ العزيز ففعل] (٤). وهنا دخل المدينة ذليلًا صاغرًا ولكنه بيت شرًّا، فما لبث فيها قليلًا حتى أحدث فتنة عمياء كادت تودي بصواب طائفة من المسلمين، وتركت آخرين منهم حيارى قلقين لا يعرفون رشدًا من أمرهم، حين أقدم الخبيث على اتهام سيدة البراءة عائشة ﵂ بالزنا والفاحشة، وعلى إيذاء النبي ﷺ بالتطاول على عرضه وبسط القول فيه كذبًا وزورًا. فلندع أم المؤمنين، أسوة الطاهرات العفيفات في الأمة، تروي لنا خبر الإفك

стр. 3067

وما نزل ببيت النبوة ومجتمع المسلمين حينئذ من الأذى: فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا قرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين أذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحيل، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلهن العلقة من الطعام، فلم يستثكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه. وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت. وفي رواية لابن إسحاق: (فتَلفَّفت بجلبابي: ثم اضطجعتُ في مكاني، وعرفت أن لو قد افتُقدت لرُجع إليّ). قالت: وكان صفوان بن المُعَطّل السُّلَمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم وأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته. (وفي رواية ابن إسحاق: قالت: فوالله إني لمُضطجعة إذ مَرَّ بي صفوان بن المعطَّل السُّلَمي، وقد كان تخلَّف عن العسكر لبَعْض حاجته، فلم يبتْ مع الناس، فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف عليّ، وقد كان يراني قبل أنْ يُضربَ علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله ﷺ وأنا متلفِّفَةٌ في ثيابي، قال: ما خلَّفك يرحمك الله؟ قالت: فما كَلَّمْتُه، ثم قرّب البعير، فقال: اركبي، واستأخر عني. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعًا، يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس، وما افتقدْت حتى أصبحتُ، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجلُ يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتعج العسكر - أي تحرك واضطرب -، والله ما أعلم بشيء من ذلك).

стр. 3068

وأما رواية البخاري: قالت: فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته، فوطئ يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا معرسين في نحو الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا، والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك ويريبني في وجهي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مِرطها فقالت: تَعِسَ مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلًا شهد بدرًا. فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله ﷺ فَسلم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبوي. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبواي فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنيّة! هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله! أو لقد يتحدث الناس بهذا، قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يَرْقَأ لي دَمْعٌ ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرًا. وأما عليّ فقال: يا رسول الله لَمْ يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: يا بريرة! هل رأيت فيها شيئًا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمض عليها قط أكثر من أنَّها جارية حديثة سِنٍّ تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول. فقال رسول الله ﷺ : من يَعْذِرُني (١) من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي؟ فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو

стр. 3069

سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت لعمرو الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن الحضير فقال: كذبت لعمرو الله والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل وخفضهم حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتي ويومًا حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي. قال: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فِيَّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهد ثم قال: يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أُحسُّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ ! قال: والله وما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ؟ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ؟ . قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لَتُصَدِّقُنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيمت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى أنه ليتحدر مثل الجمان من العرق في يوم شات، فلما سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله فقد برأك الله. فقالت أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ . فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ - الآياتِ - فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر ﵁، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد ما قاله لعائشة،

стр. 3070

فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه. وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري! فقال: يا زينب! ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تساميني فَعصمها الله بالورع] (١). فإلى تفصيل ما نزل من القرآن الكريم، وهو يفضح سوءة المنافقين، ويرتقي بالمؤمنين المخلصين، ليرفعهم إلى مستوى الأدب الرفيع وحسن الظن، فإن المنافقين والشياطين يحبون أن تشيع الفاحشة في الأرض، ويودون خراب بيوت المسلمين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وفي التفاسير عن ابن عباس: (قوله: ﴿جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ... الآية قال: الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أبي، وهو الذي تولى كِبْره، وحسان بن ثابت، ومِسْطَح، وحَمْنة بنت جحش). فقد أغري بدعاية رأس النفاق جماعة من المؤمنين استزلهم الشَيطان فوقعوا في الإفك منهم حسان بن ثابت، ومِسْطَحُ بن اثاثة، وحَمْنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ التي عصمها الله بالورع، بينما هلكت أختها وخاضت مع الخائضين. وقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: لا تظنوا ما جاؤوا به من الإفك شرًّا لكم عند الله، وعند الناس، بل ذلك خير لكم عنده وعند المؤمنين، وذلك أن الله يجعل ذلك، كفارة للمرمي به، ويُظهر براءته مما رمي به، ويجعل له منه مخرجًا). وعن علقمة بن وقاص وغيره قالوا: قالت عائشة: (كان الذي تولى كبره: الذين يجمعهم في بيته، عبد الله بن أبي بن سَلُول).

стр. 3071

وقال ابن زَيد: (أما الذي تولى كبره منهم، فعبد الله بن أُبي بن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها). وعن عروة عن خالته عائشة قال: (وأخبرت أنه كان يحدّث به عنهم، فيقره ويسمعه ويستوشيه). وقال مجاهد: (والذي تولى كِبْرَهُ هو عبد الله بن أبي بن سلول، وهو بدأه). ثم عاتب الله من خاض بالإفك من المؤمنين، وعلمهم الأدب الرفيع الذي كان ينبغي أن يتحلّوا به إذا ما عصفت بهم محاولات أهل المكر والكذب والنفاق، فقال جل ذكره: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. قال ابن زيد في التفسير: (الخير ظنّ المؤمن أن المؤمن لم يكن ليفجر بأمه، وأن الأم لم تكن لتفجر بابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمه، يقول: إنما كانت عائشة أمًّا، والمؤمنون بنون لها، محرّمًا عليها، وقرا: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية). في حين أثنى الله على أبي أيوب وطائفة من المؤمنين كذبوا الخبر لثقتهم بآل بيت النبوة، وإدراكهم طبيعة المهزلة الساقطة التي كان يديرها المنافقون، فما إن سمع أبو أيوب بها قال: (سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم). فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة ﵂: [أنَّ رسول الله ﷺ خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما تشيرونَ عليّ في قوم يَسُبّون أهلي ما علمتُ عليهم من سوءٍ قط. وعن عروة قال: لما أُخبرت عائشةُ بالأمر قالت: يا رسول الله أتأذنُ أن أنطَلِقَ إلى أهلي فأذِنَ لها وأرسل معها الغلامَ. وقال رجلٌ من الأنصار سبحانك ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾] (١). وفي التفاسير عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار: [أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أمّ أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وذلك حسان وأصحابه

стр. 3072

الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ... الآية: أي كما قال أبو أيوب وصاحبته]. فهلَّا جاء هؤلاء العصبة الذين اختلقوا الإفك ورموا أم المؤمنين عائشة ﵂ بالبهتان، بأربعة شهداء يشهدون على حقيقة ما يزعمون، فإذْ لم يفعلوا فأولئك عند الله هم الكاذبون. ولولا تفضل الله عليكم أيها الخائضون، بتركه تعجيل عقوبتكم في الدنيا، ثم رحمته بقبول توبتكم وعفوه عنكم في الدنيا والآخرة، لمسكم فيما خضتم فيه من أمرها عذاب عظيم معجل في الدنيا، لقاء ما أسرفتم على أنفسكم وآذيتم أمكم ونبيكم. وقد أمر النبي ﷺ بإقامة حد القذف على مسطح وحسان وحمنة كما يروي البزار والبيهقي بإسناد حسن، وأما رأس النفاق فلا داعي لإقامة الحد عليه، إذ إن في إقامته عليه كفارة، وهو ممن توعده الله جهنم يصلاها ذليلًا صاغرًا، ويذوف فيها عذابًا أليمًا، فهو أدنى بكثير من أن يقام عليه الحد، هذا تفسير، والتفسير الآخر أورده ابن القيم بزاد المعاد: أنَّ ذلك المنافق كان لا يترك دليلًا ضده يدينه في كلامه، فكان لا يتكلم بالإفك أمام المؤمنين، وأميل إلى التفسير الأول. ثم عاب الله على الذين تلقونه بألسنتهم وخاضوا فيه دون دليل أو علم، وهم يحسبون ذلك هينًا وهو عند الله عظيم، وإنما كان الأليق بهم أن يقولوا: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. فعن مجاهد: (إذ تلقونه بألسنتكم: قال: ترْوونه بعضُكم عن بعض). وقال ابن جرير: (يقول: وتلقيكم ذلك كذلك، وقولكُموه بأفواهكم، عند الله عظيم من الأمر، لأنكم كنتم تؤذون به رسول الله ﷺ وحليلته. فلولا أيها الخائضون في الإفك، الذي جاءت به عصبة منكم ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ممن جاء به ﴿قُلْتُمْ﴾ ما يحل لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوه به ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ تنزيهًا لك يا رب، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء). ثم أخبر المؤمنين ليحذروا: أنَّ هناك من يحب أن تَشيع الفاحشة في صفوفهم، ويخرب بيوتهم ويهددها من الداخل، وأولئك لهم عذاب اليم، فإياكم أن تتبعوا خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر وفاسد القول والعمل. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾. قال ابن عباس: (ما اهتدى منكم من الخلائق لشيء من

стр. 3073

الخير، ينفع به نفسه، ولم يتق شيئًا من الشر يدفعه عن نفسه). وقال ابن زيد: (ما زكى: ما أسلم، وقال: كل شيء في القرآن من زكى أو تزكى فهو الإسلام). والله سميع لما تقولون، عليم بكل ما يصدر عنكم، فهو محصيه عليكم ليجازيكم به. ثم خاطب الله الصديق الذي أصيب في أهله ونالت ألسنة المفترين ابنته الطاهرة، وقد كان عزم على قطع معونته وصدقاته عن مسطح بن أثاثة الذي خاض في الإفك مع الخائضين، فقال أبو بكر بعدما نزلت براءة عائشة ﵂: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعدما قاله لعائشة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾. فقال أبو بكر كما يروي البخاري من حديث عائشة ﵂: [بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه]. ثم بين سبحانه أنّ جزاء كل من يرمي محصنة لم تقارف سوءًا هو اللعن في الدنيا والآخرة ما لم يحدث توبة ويقام عليه الحد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾. واختار ابن جرير قولَ مَنْ قال: (نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه بها فيها). ثم أخبر سبحانه أن هؤلاء المفترين القاذفين المحصنات بالسوء ستشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وسوف ينالون يومئذ ما يستحقون، ثم بين جل ذكره أن الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين. قال ابن عباس: (يقول: الخبيثات من القول، للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال، للخبيثات من القول). وقال الضحاك وَزاد: (والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون المبرؤون مما قال الخبيثون). ووعد الطيبين أن ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قال قتادة: (مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في الجَنَّة).

стр. 3074

دروس ونتائج وأحكام: ١ - الولاء والبراء هو محور منهج الإيمان عند المسلمين: فالولاء يكون لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء يكون من الشرك والمشركين والمنافقين، وهذا عبد الله ابن المنافق ابن سلول قد أظهر تألقًا عاليًا في امتثال مفهوم الولاء والبراء كما بَيَّنَهُ الوحي الكريم، وسجل رقمًا عالميًا آنذاك في مفهوم الحب والبغض في الله، فآثر أن يفوم بنفسه بتخليص المجتمع المسلم من أمراض والده التي تهدد سلامة الجماعة المؤمنة وأمنها، الأمر الذي يدل على دخول الإيمان إلى أعماق قلوب أولئك الرجال حتى أحدث تغييرًا واضحًا في مقاييسهم وعلاقاتهم وسلوكهم، فقال لأبيه رأس النفاق: (والله لا تنقلب حتى تقرّ أنك الذليل ورسول الله العزيز). وقد علل النبي ﷺ لعبد الله منعه من قتل أبيه بالحر على سمعة الإسلام ونبي الأمن والسلام، فقال له - كما يروي البزار ورجاله ثقات -: [لا يتحدث الناس أن محمدًا قتل أصحابه]. لقد أسهب الوحي الكريم في تعميق مفهوم الولاء والبراء في قلوب المؤمنين زمن التنزيل، لينعكس ذلك على تصوراتهم ويقينهم وأعمال جوارحهم، فجاءت النصوص تؤصل ذلك المفهوم المنهجي مرّة بعد مرّة، لتدرك الجماعة المؤمنة أهميته، ولتمضي الأمة من بعدهم على ذلك السبيل القويم. فقد قال الله في سورة المجادلة: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾. وقال في سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾. وفي الصحيحين والمسند عن أنس عن النبي ﷺ قال: [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحب إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرءَ لا يحبه

стр. 3075

إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار] (١). ٢ - بشرية الرسول وعدم علمه بالغيب: فقد قاسى النبي ﷺ ألمَ ما يقال في عرضه، وفي أحب الناس إليه زوجته عائشة بنت أحب الناس إليه أبي بكر الصديق قرابة شهر، ولو كان يعلم الغيب أو يقدر على استحضار الوحي لفعل، ولخفف بذلك عن نفسه ومن حوله تلك المعاناة التي دامت أيامًا طويلة، وفي هذا أكبر دليل على أنه بشر يأتيه الخبر من الوحي، فإذا تأخر عنه فترة من الزمن عايش الأحداث كغيره وحاكم الأمور ببشريته وبما معه من أدلة وهدي ونور. وفي هذا يقول الدكتور العمري: (وفي حادثة الإفك توضيح دقيق لبشرية الرسول ﷺ ، فقد تأثّر أبلغ التأثر لرمي المنافقيق زوجه. ومع حرصه عليها وحبه لها ولأبيها، فإنه لم يتمكن من الكشف عن الغيب أو استحضار الوحي الذي انقطع عنه شهرًا ليجري عليه الابتلاء والامتحان) (٢). لقد قال الله في سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾. وفي صحيح الإمام البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: [قال النبي ﷺ لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾] (٣). وكذلك لو كان الوحي - كما يزعم بعض المستشرقين وبعض المنهزمين - أنه إلهام نفسي أو تألق عقلي أو تفاعل بين الأفكار والخواطر التي تجوب داخل النفس، لكان ذلك الألم النفسي كافيًا لانبثاق شيء من الإلهام والخواطر التي تحول دون استمرار هذه المعاناة للعواطف الملتهبة المتقلبة وتؤدي لإنهاء الصواع، وقد أشار إلى ذلك الدكتور العمري في كتابه "السيرة النبوية الصحيحة". ولكن الأمر كما قال الله في سورة الحاقة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾. وكما قال في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ

стр. 3076

أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾. وفي كنوز السنة الصحيحة تأكيد كبير لهذا المفهوم في الإسلام. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن رافع بن خديج، أن رسول الله ﷺ قال: [إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيءٍ من رأي، فإنما أنا بشر] (١). وله شاهد صحيح في المسند من حديث طلحة بلفظ: [إنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلتُ لكم: قال الله، فلن أكذب على الله]. وهو رواية لمسلم من حديث رافع (٢). وفي الصحيحين والمسند عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: [إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم أن يكونَ ألحن بحجّته من بعض، فأقضيَ له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها] (٣). وفي صحيح الإمام مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [إنما أنا بشر، وإني اشترطْتُ على ربي : أيَّ عبدِ من المسلمين شَتَمْتُهُ، أو سَبَبْتُهُ، أن يكون ذلك له زكاةً وأجرًا] (٤). وفيه وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجة بسند صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فاذا نَسِيَ أحدُكم فليسجُدْ سجدتين وهو جالس] (٥). وكذلك يروي ابن سعد بإسناد صحيح عن محمود بن لبيد عن النبي ﷺ أنه قال: [إنما أنا بشر تدمَعُ العين ويخشع القلبُ، ولا نقول ما يُسخِط الربَّ، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون] (٦).

стр. 3077

٣ - براءة عائشة إلى يوم القيامة: قال الحافظ ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾: (وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن). لقد عوض الله عائشة ﵂ عن محنتها ودموعها البريئة التي انهمرت في أيام المحنة والصبر، ومنعتها من النوم والراحة، أن شرفها بصدق توكلها ببراءة في قرآن يُتلى يتعبد به الناس على مر الدهر والأزمان. فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾. وقد ذكرها ابن عباس بتلك الشهادة من الله أثناء موتها حين دخل عليها فقال لها: (أبشري فإنك زوجة رسول الله ﷺ ، وكان يحبك ولم يتزوج بكرًا غيرك، ونزلت براءتك من السماء) - تفسير ابن كثير -. لقد شرفها الله بنزول الوحي لتبرئتها ولم تكن هي تتوقع ذلك، فكانت تقول: (ولشأني في نفسي كانَ أحقرَ من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يُتلى) أخرجاه في الصحيحين عنها. وجاء جبريل يومًا إلى النبي ﷺ وبعث لها معه سلامًا، فأقرأها إياه. ففي صحيح الإمام مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : [يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله، قالت: وهو يرى ما لا أرى] (١). وبقيت عائشة ﵂ محبوبَة نبينا الأولى من بين زوجاته، ينتظر يومها بفارغ الصبر. روى مسلم عنها قالت: [إن كان رسول الله ﷺ ليتفقد، يقول: (أين أنا اليوم، أين أنا غدًا)، استبطاء ليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي، قبضه الله بين سَحْري (٢) ونحري] (٣).

стр. 3078

وفي صحيح مسلم أيضًا عنها قالت: [أرسلَ أزواجُ النبي ﷺ فاطمةَ بنتَ رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ ، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مِرْطي، فأذِنَ لها، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنكَ العدلَ في ابنةِ أبي قُحافة (١) وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله ﷺ : أي بنية ألستِ تُحبِّين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه، قالت: فقامَتْ فاطمة ﵂ حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ، فرجعت إلى أزواج رسول الله ﷺ فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله ﷺ ، فقلن لها: ما نراك أغْنَيْتِ عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجَكَ ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت عائشة: فأرسل أزواجُ النبي ﷺ زينب بنت جَحْشٍ ﵂ زوجَ النبي ﷺ ، وهي التي كانت تساميني (٢) منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أرَ امرأةً قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدَق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظمَ صدقةً، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصَدَّقُ به وتقرَّبُ به إلى الله تعالى ما عدا سَوْرَةً من حِدَّةٍ كانت فيها، تُسْرعُ منها الفَيْئَة - تعني فيها شدة في الخلق وسرعة في الغضب لكنها تسرع الرجعة ولا تصر -، قالت: فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنَكَ العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقَعَتْ بي، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقبُ رسول الله ﷺ ، وأرقبُ طَرْفَهُ هل يأذن لي فيها، قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفتُ أن رسول الله ﷺ لا يكرهُ أن أنتَصِرَ، قالت: فلما وَقَعْتُ بها لم أَنْشَبْها - أي لم أمهلها - حين أنحيت عليها - أي قصدتها بالمعارضة وانتصرت منها -، قالت: فقال رسول الله ﷺ وتَبَسَّمَ: إنها ابنةُ أبي بكر] (٣). ٤ - الأصل في المؤمنين الظن بأنفسهم خيرًا: فقد نبه الله سبحانه المؤمنين إلى ذلك حين نزلت الآياتِ من سورة النور تبرئ عائشة، وترتقي بالمجتمع المسلم إلى رفيع الأدب والخلق: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ

стр. 3079

وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾. وقد تألق من بين المؤمنين بهذا الخلق أبو أيوب ﵁، وكذلك زينب بنت جحش التي قالت: (أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرًا). وكذلك أسامة بن زيد ﵁. وقد جاءت السنة الصحيحة لتؤصل جذور هذا الخلق الكريم في قلوب المؤمنين، وَلِتَعِدَ على ذلك الأجر العظيم. فقد أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله ﷺ قال: [من ذَبَّ عَنْ عِرْض أخيه بالغَيْبَة، كان حقًّا على الله أن يعتقَه من النار] (١). والمسلمون بذلك يُفَوِّتون الفرصة على شياطين الإنسَ والجن، الذين يهمهم أن تشيع الفاحشة بين صفوفهم، ويتمنون بذلك خراب بيوتهم وتمزيق روابطهم وصلاتهم. وفي هذا يقول الدكتور العمري: (والحق أن حادثة الإفك كادت تشعل نار العصبية من جديد بين الأوس والخزرج هذه المرة، حيث تجادل زعماؤهم بغضب في المسجد، وكان هذا هو مقصد المنافقين أن يهدموا وحدة المسلمين ويزعزعوا ثقتهم بقيادتهم، ويشعلوا نار الفتنة بينهم، ولكق الله سلم، وتمكن الرسول ﵊ من تهدئة الجميع والحفاظ على وحدتهم والخروج من الامتحان الصعب بنجاح) (٢). وقد أجاد ابن القيم ﵀ في وصفه لموقف أسامة حين أخذ يسلي رسول الله ﷺ ويشير عليه بإمساك أهله دون التفات لمحاولات الأعداء ومكرهم وكلامهم فقال: (وأشار عليه أُسامةُ وغيرُه بإمساكها، وألا يلتفت لكلام الأعداء، .. لَمَّا عَلمَ حُبَّ رسول الله ﷺ لها ولأبيها، وعلمَ من عفتها وبراءتها، وحَصانتها ودَيانتها ما هي فوقَ ذلك، وأعظمُ منه، وعرف من كرامةَ رسول الله ﷺ على ربِّه ومنزلته عنده، ودفاعه عنه، أنه لا يجعلُ رَبَّةَ بيته وحبيبته من الحساء، وبنتَ صدِّيقه بالمنزلة التي أنزلها به أرباب الإفك، وأن رسول الله أكرمُ على ربه، وأعزُّ علَيه من أن يجعل تحته امرأة بغيًّا، وعلم أن الصديقة حبيبةَ رسول الله ﷺ أكرمُ على ربها من أن يَبْتَليها بالفاحشة، وهي تحت رسوله.

стр. 3080

قال: وَمَنْ قَوِيَتْ معرفته لله ومعرفته لرسوله وقدره عندَ الله في قلبه، قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة، لما سمعوا ذلك: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾) (١). ٥ - تمحيص الله لقلوب المؤمنين بالابتلاء وتأخر الوحي: فقد كانت الأيام التي وافقت حادثة الإفك مدرسة للصحابة ليتلقوا فيها تربية خاصة يراد منها أن ترفعهم وتصقل نفوسهم وقلوبهم. وقد فصّل ابن القيم القول في ذلك فقال: (فإن قيل: فما بال رسول الله ﷺ توقَّفَ في أمرها، وسأل عنها، وبحث، واستشار، وهو أعرفُ بالله، وبمنزلتِهِ عنده، وبما يليق به، وهَلَّا قال: سُبْحانك هذا بُهتان عظيم، كما قاله فضلاءُ الصحابة؟ فالجوابُ: أن هذا من تمام الحِكَمِ الباهِرَةِ التي جعل اللهُ هذه القصة سببًا لها، وامتحانًا وابتلاءً لرسوله ﷺ ، ولجميع الأمة إلى يومِ القيامة، ليرفع بهذه القصة أقوامًا، ويضعَ بها آخرين، ويزيدَ الله الذين اهتَدوا هُدىَ وإيمانًا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا، واقتضى تمامُ الامتحان والابتلاء أن حُبِسَ عن رسول الله ﷺ الوحي شهرًا في شأنها، لا يُوحى إليه في ذلك شيء لتتم حِكمتُهُ التي قدَّرها وقضاها، وتظهرَ على أكمل الوجوه، ويزدادَ المؤمنون الصادقون إيمانًا وثباتًا على العدل والصدق، وحُسْنِ الظن بالله ورسوله، وأهل بيته، والصديقين من عباده، ويزداد المنافقون إفكًا ونفاقًا، وَيُظْهِر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادةُ من الصديقة وأبويها، وتَتمَ نعمةُ الله عليهم، ولتشتد الفاقةُ والرغبة منها ومِن أبويها، والافتقارُ إلى الله والذلُّ له، وحُسْنُ الظن به، والرجاء له، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأسَ من حصول النُّصْرَةِ والفرج على يد أحد من الخلق، ولهذا وفّتْ هذا المقام حقَّه، لما قال لها أبواها: قُومي إليه، وقد أنزل اللهُ عليه براءتَها، فقالت: والله لا أقومُ إليه، ولا أحْمَدُ إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. وأيضًا فكان من حِكمة حَبْسِ الوحي شهرًا، أن القضية مُحِّصَتْ وتمحَّضَتْ .. فوافى الوحي أحوجَ ما كان إليه رسول الله ﷺ وأهلُ بيته، والصِّدِيقُ وأهلُه، وأصحابُه والمؤمنون، فورد عليهم ورودَ الغيث على الأرض أحوجَ ما كانت إليه.

стр. 3081

ثم قال: وأيضًا فإن الله سبحانه أحبَّ أن يُظهِرَ منزلةَ رسوله وأهلِ بيته عنده، وكرامتهم عليه، وأن يخرجَ رسولَه عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه الدفاعَ والمنافحةَ عنه ... بل يكونُ هو وحدَه المتوليَ لذلك، الثائرَ لرسولِه وأهل بيته. وأيضًا فإن رسول الله ﷺ كان هو المقصود بالأذى، والتي رُمِيَتْ زوجتُه، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه، أو ظنه الظن المقاربَ للعلم ببراءتها، ولم يظنَّ بها سوءًا قط، وحاشاه، وحاشاها، ولذلك لما استعذر من أهل الإفك، قال: "مَنْ يعذِرني في رجل بلغني أذاهُ في أهلي، والله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي"، فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين، ولكن لكمال صبره وثباته، ورفقه، وحسن ظنه بربه، وثقته به، وفّى مقامَ الصبر والثبات، وحسن الظن بالله حقَّه، حتى جاءه الوحي بما أقَرَّ عينَهُ، وسَرَّ قلبَهُ، وعظمَ قدره، وظهر لأمته احتفالُ ربه به، واعتناؤه بشأنه) (١). ٦ - ثبوت إقامة الحد على القاذفين: فقد قال الله جل ثناؤه في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾. لقد أمر النبي ﷺ بإقامة الحد - حد القذف - على مسطح وحسان وحمنة. فقد أخرج البيهقي بسند حسن عن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: [لما تلا رسول الله ﷺ القصة التي نزل بها عذري على الناس نزل رسول الله كيد فأمر برجلين وامرأة ممن كان باء بالفاحشة في عائشة فجلدوا الحد، قال: وكان رماها عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش رموها بصفوان بن المعطل السلمي] (٢). قال ابن القيم في زاد المعاد: (ولما جاء الوحيُ ببراءتها، أمرَ رسول الله ﷺ بمن صَرَّح بالإفك، فحُدُّوا ثمانين ثمانين، ولم يُحد الخبيثُ عبد الله بن أبي، مع أنه رأس أهل الإفك، فقيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلًا

стр. 3082

لذلك، وقد وَعَدَهُ الله بالعذاب العظيم في الآخرة، فيكفيه ذلك عن الحد، وقيل: بل كان يستوشي الحديثَ ويجمعه ويحكيه، ويُخْرجه في قوالب من لا يحسب إليه، وقيل: الحدُّ لا يثبتُ إلا بالإقرار، أو بِبَيِّنَة، وهو لم يُقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكُرُه بين أصحابه، ولم يشهدُوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين. وقيل: حدُّ القذف حقُّ الآدمي، لا يُستوفى إلا بمطالبته، وإن قيل: إنه حقٌّ لله، فلا بُدَّ من مطالبة المقذوف، وعائشة لم تُطالب به ابنَ أبي. وقيل: بل تَرَكَ حدّه لمصلحة هي أعظمُ من إقامته، كما تركَ قتله مع ظهور نفاقِه، وتكلمه بما يوجب قتله مرارًا، وهي تأليفُ قومه، وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعًا فيهم، رئيسًا عليهم، فلم تُؤمن إثارةُ الفتنة في حده، ولعله تُرِك لهذه الوجوه كلها. فجلد مِسْطَحَ بن أثاثة، وحسانَ بن ثابت، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيرًا لهم وتكفيرًا، وترك عبد الله بن أبي إذن، فليس هو من أهل ذاك) (١). وجملة القول: إن عبد الله بن أبي لم يكن أهلًا لإقامة الحد عليه وهو ممن أسرف في محاربة الله ورسوله، وقد توعده الله بعذاب عظيم، وأنزل في ذمه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة. ٧ - مشروعية الإقراع بين النساء في السفر وجواز خروجهن للغزو ومشاركتهن بذلك: وهذا كما حدث يوم أحد، فكذلك حدث في غزوة بني المصطلق، إذ كانت القرعة من نصيب عائشة. وقد مضى في حديث البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا قرع بين أزواجه (وفي لفظ عند ابن إسحاق: أقرع بين نسائه) فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه). (وفي رواية ابن إسحاق: فلما كانت غزوة بني المُصْطلق أقرع بين نسائه، كما كان

стр. 3083

يصنع، فخرج سَهْمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله ﷺ ). ٢٧ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾. في هذه الآياتِ: تشريع آداب شرعية عالية في الاستئذان قبل الدخول ثم إلقاء السلام، ويستثنى من ذلك الأماكن العامة التي فيها منافع مشتركة للناس، فيجوز دخولها دون استئذان، والله يعلم السر والعلن وما تبدون وما تكتمون. فعن ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ قال: الاستئناس: الاستئذان). قال النسفي: (والاستئناس في الأصل الاستعلام والاستكشاف، من أنِسَ الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا، أي حتى تستعلموا أيطلق لكم الدخول أم لا). فقد أمر الله تعالى المؤمنين بالتحلي بهذه الآداب الرفيعة فيما بينهم، فلا يشُرع لهم أن يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأذنوا قبل دخولهم ويسلموا بعده. آداب الاستئذان: ١ - يشرع الاستئذان ثلاثًا - كما جاء في السنة العطرة - فإن أُذِن له وإلا انصرف. ففي الصحيحين والمسند عن أبي بُرْدَةَ عَنْ أبي موسى الأشعري قال: [جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ، فلم يَأذَنْ لهُ، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا الأشْعَرِيُّ، ثم انْصَرَفَ، فقال: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَليَّ، فجاءَ فقال: يا أبا موسى! ما رَدَّكَ؟ كُنَّا في شُغْلٍ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الاستئذان ثلاث، فإنْ أُذِنَ لكَ وإلا فارجعْ". قال: لتأتِيَنِّي على هذا بِبَيِّنةٍ، وإلا فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، وفي رواية: (وإلا أوجعتك). وفي لفظ: (قال: فوالله لأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وبَطْنَكَ، أو لتأتِيَنَّ بِمَن يشهَدُ لك على هذا). فذهب أبو موسى. قال عمر: إنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تجدوه عِندَ المِنْبَرِ عَشِيَّةً، وإنْ لمْ

стр. 3084

يجدْ بَيِّنَةً فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشِيّ وَجَدَهُ، قال: يا أبا موسى! ما تقولُ؟ أقدْ وَجَدْت؟ قال: نعم، أُبَيُّ بن كَعْبٍ، قال: عَدْلٌ، قال: يا أبا الطُفَيْل! ما تقولُ هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب! فلا تكونَنَّ عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ . قال: سبحان الله! إنما سَمِعْتُ شيئًا، فأحْبَبْتُ أن أتَثَبَّت] (١). وفي رواية: (فقال عمر: خَفِيَ عليَّ هذا مِنْ أمْرِ رسول الله ﷺ ، ألهاني عنه الصَّفْقُ بالأسواق). وفي المسند وسنن أبي داود بسند جيد عن أنس: [أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله. فقال سعد: وعليك السلام ورحمةُ الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سَلَّم ثلاثًا، وردَّ عليه سعد ثلاثًا ولم يُسْمِعْه. فرَجَعَ النبي ﷺ فاتَّبَعَهُ سعد فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما سَلَّمْتَ تسليمةً إلا وهِيَ بأذني، ولقد رَدَدْتُ عليك ولم أُسْمِعْكَ، وأردتُ أن أستكثر مِن سلامك ومن البركة. ثم أدخله البيت. فقرَّب إليه زبيبًا، فأكل نبيُّ الله، فلما فرَغ قال: أكل طعامَكُم الأبرار، وَصَلَّت عليكم الملائكة، وأفطر عندكمُ الصائمون" (٢). ٢ - يكره قول المستأذن "أنا" إذا قيل له: من هذا؟ . فقي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: [أتيتُ النبي ﷺ ، فَدَعَوْتُ، فقال النبي ﷺ : مَنْ هذا؟ قلتُ: أنَّا، قال: فخرج وهو يقول: أنَا، أنَا] (٣). ٣ - يحرم النظر في بيت غيره. ففي صحيح مسلم عن سهل بن سعد: [أنَّ رجلًا اطلَعَ في جُحْرٍ في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدرىً يَحُكُّ به رأسَهُ، فلما رآه رسول الله ﷺ : قال: لو أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُني لطَعَنْتُ به في عَيْنِكَ. وقال رسول الله ﷺ : إنَّما جُعِلَ الإذْنُ مِنْ أجْلِ البَصَر] (٤).

стр. 3085

ثم روى في الباب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [منْ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهم، فَقَدْ حَلَّ لهم أن يفقؤوا عَيْنَه] (١). وفي رواية: [لو أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عليك بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، ما كان عليك مِنْ جُناحٍ]. ٤ - ينبغي للمستاذن ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، وليكن الباب عن يمينه أو يساره. أخرج أبو داود بسند صحيح عن هزيل، قال: جاء رجل فوقف على باب النبي ﷺ يستاذن، فقام على الباب مُسْتَقْبلَ الباب، فقال له النبي ﷺ : أهكذا - عنك - أو هكذا، فإنما الاستئذان من النَّظَر] (٢). ٥ - ينبغي للمستأذن إلقاء السلام قبل الدخول إذا أُذِنَ له. ففي سنن أبي داود بسند صحيح عن ربعيّ، قال: [حدثنا رجل من بني عامر: أنَّه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: اخْرُجْ إلى هذا! فَعَلِّمْهُ الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ ، فدخل] (٣). وقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. أي: ذلكم الذي يعلمكم الله تعالى من الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية وعاداتها في الدخول بغير إذن. قال النسفي: (فكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيت غيره يقول حييتم صباحًا وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: قيل لكم هذا لكي تذكروا وتتعظوا وتعملوا ما أمرتم به في باب الاستئذان). وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. أي: فإن كانت تلك البيوت خالية من أهلها فلا يشرع لكم دخولها، إذ لا يجوز للمرء التصرف في ملك غيره إلا بإذنه. وقوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾. أي: إن طلب الانصراف فانصرفوا
следующие страницы →