قال: (وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَار﴾ يقول: ذات خصب ﴿وَمَعِينٍ﴾ يعني ماء ظاهرًا). وقال (المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]).
وقال مجاهد: (ربْوة مستوية). وقال سعيد بن جبير: (﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ استوى الماء فيها). وقال قتادة: (﴿وَمَعِينٍ﴾ الماء الجاري). وقال: (هو بيت المقدس).
وخلاصة القول: لقد آوى الله تعالى عبده عيسى بن مريم ﷺ وأمه إلى أرض مرتفعة خصبة تحفل بالنبات والثمر والماء رحمة منه تعالى بهما. وظاهر آيات القرآن أن ذلك كان في بيت المقدس، والله تعالى أعلم.
٥١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.
في هذه الآياتِ: أمْرُ الله تعالى الرسل وعباده المؤمنين بأكل الحلال، وامتثال الصالح من الأعمال، والدعوة إلى الدين الحق، واجتناب الفرقة أو الانزلاق إلى الشبهات والشهوات، والتنبيه إلى سنة الله في استدراج القوم الظالمين، ثم استئصالهم من حيث لا يشعرون.
فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
أمرٌ من الله سبحانه لعباده المرسلين بأكل الحلال وترك الحرام وامتثال صالح الأعمال، وهو - تعالى - عليم باعمالهم ومجازيهم بجميعها أحسن الثواب. قال الحسن: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحلال). والخطاب وإن كان موجهًا للرسل فهو لأتباعهم من باب أولى، وإنما خصّ الموسلين بالكلام لأنهم قدوة العباد وأسوة البشرية جميعًا.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:
стр. 3012
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يُطيل السفَرَ أشعثَ أغبرَ، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا ربِّ! يا ربِّ! وَمَطْعَمُهُ حرامٌ، ومَشْرَبُهُ حرامٌ، ومَلْبَسُهُ حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنّى يُستجابُ لذلك] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.
يعني: وإن ملتكم معشر الأنبياء ملة واحدة، ودينكم دين واحد، وهو دين التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، فاتقوا الله ربكم وادعوا الخلق إلى هذا الدين القويم.
قال ابن جريجٍ: (﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: الملة والدين).
وقد نصب قوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الحال.
وقوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾.
أي: تمزقت أمم الرسل فيما بينهم، وجعلوا دينهم أديانًا، واتبعوا الشبهات والشهوات. و ﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور. أي كتبًا مختلفة. قيل: تفرقوا في دينهم فرقًا كل فرقة تنتحل كتابًا. وعن الحسن قال: (قطعوا كتاب الله قطعًا وحرفوه).
وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي كل فريق بما هم عليه من الهوى والضلال معجبون.
قال النسفي: (كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الكتاب والدين أو من الهوى والرأي ﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون معتقدون أنهم على الحق).
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾. تهديد ووعيد. أي: فدع يا محمد هؤلاء القوم الذين انغمسوا في غَيهم وضلالهم إلى حين حلول عذابهم أو انقضاء آجالهم. قال مجاهد: ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: في ضلالهم).
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾: نعطيهم، نسارع لهم، قال: نزيدهم في الخير، نُمْلي لهم، قال: هذا لقريش).
стр. 3013
قال ابن كثير: (يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لِكَرامَتِهمِ علينا ومَعَزَّتهم عندنا؟ ! كلَّا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاءً، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ [القلم: ٤٤، ٤٥].
٣ - وقال تعالى: وَ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨].
ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لَيُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٢).
الحديث الثالث: خرّج مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لا يَظْلِمُ مؤمنًا حسنة، يُعطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما
стр. 3014
الكافِرُ فَيُطْعَمُ بحسنات ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكُنْ له حسَنةٌ يُجْزى بها" (١).
٥٧ - ٦١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.
في هذه الآياتِ: ثناءُ الله تعالى على عباده المؤمنين، الذين جمعوا إلى إيمانهم إحسانًا وشفقة من يوم الدين، والذين يسارعون في الخيرات وقلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم يوم يعرضون على رب العالمين.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾.
قال الحسن البصري: (إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنًا).
فالمؤمنون بالله وجلون خائفون مع إحسانهم وإيمانهم ومبادرتهم إلى الطاعات والقربات.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. يشمل الآياتِ الكونية والشرعية.
قال النسفي: (﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي بكتب الله كلها، لا يفرقون بين كتبه كالذين تقطعوا أمرهم بينهم وهم أهل الكتاب).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.
أي: يفردون ربهم سبحانه بالعبادة والتعظيم، ويوحدونه في أسمائه وصفاته ومحامده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
أي: يعطون الصدقات ويتقربون بالطاعات وهم خائفون أن لا يقبل منهم. قال ابن عباس: (المؤمن ينفق ماله ويتصدق وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع). وقال سعيد بن
стр. 3015
جبير: (يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت، وهي من المبشرات).
أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: [سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا، يا بِنْتَ الصديق ولكنهم الذين يَصومون ويُصلون وَيتَصَدَّقون وهم يخافون أن لا تُقْبَلَ منهم، أولئك الذين يُسارعون في الخيرات وهم لها سابقون] (١).
وفي لفظ ابن ماجة: [قالت: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا. يا بنت أبي بكر. "أو يا بنت الصديق! "، ولكنه الرجل يصومُ وَيتَصَدَّق ويُصَلِّي، وهو يخاف أن لا تُقْبَّلَ منه].
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: سبقت لهم السعادة).
وقال ابن زيد: (والخيرات: المخافة والوجل والإيمان، والكف عن الشرك بالله، فذلك المسابقة إلى هذه الخيرات، وقوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ كان بعضهم يقول: معناه: سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها).
قلت: والحديث السابق يدل على أن حالة القلب الذي يخشى صاحبه عدم القبول وهو مجتهد في الإيمان والعمل الصالح هي حالة صِحِّية يُرجى لصاحبها السبق والفوز في الآخرة. وقد جاءت نصوص الوحيين بذلك:
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
стр. 3016
ومن كنوز السنة العطرة:
أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أنس: [أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف] (١).
٦٢ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.
في هذه الآياتِ: التكاليف الشرعية متحملة، وكتاب الأعمال دقيق ينطق بصغائر الأعمال وكبارها، والقوم في غفلة عن مصيرهم، وإنما يستجيرون ويستغيثون عند نزول الهلاك بهم.
فقوله: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
فيه دليل أن التكاليف الشرعية هي في حدود سعة الإنسان، وأن الشرائع التي أمر الله بها يطيق العبد حملها والقيام بها.
ذكر الشاطبي في "الموافقات": (أن المشقة الشرعية لا يجوز دفعها لأنَّها دفع للتكليف). واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
وذلك بعد قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ [العنكبوت: ٢].
стр. 3017
وبيّن أن المشقة قد تبلغ من الأعمال العادية ما يظن أنه غير معتاد، ولكنه في الحقيقة معتاد.
وقوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
قال ابن كثير: (يعني: كتاب الأعمال، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يبخسون من الخير شيئًا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين).
وقوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال مجاهد: في عمى من هذا القرآن).
قال ابن جرير: (وعنى بالغمرة: ما غمر قلوبهم، فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج).
وقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾، أي: سيئة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ يعني الشرك ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾، قال: لابُدَّ أن يعملوها) (١). وقال مجاهد: (الخطايا).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يستغيثون). قال ابن زيد: (المترفون: العظماء. ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجّوا واستغاثوا مما حلّ بهم من عذابنا).
والجؤارُ: رفع الصوت، كما يجأر الثور، والخطاب لأهل مكة وما حلّ بطغاتهم يوم بدر، وهو حال الأمم التي ينزل بها سخط الله وعذابه على مدار الزمان.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾.
أي: سواء جأرتم أم لم تجأروا، فقد حَل بكم سخط الله ونزل العذاب ولا طريقة لرفعه. قال الربيع بن أنس: (﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تجزعوا الآن حين نزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الجزع قبلُ نفعكم).
стр. 3018
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: تدبرون). وقال مجاهد: (تستأخرون).
قلت: والخطاب لأهل مكة لما عُرض عليهم الحق وهذا الوحي العظيم، فاستكبروا وطغوا وعاندوا. فوصفهم الله سبحانه بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد). وقال مجاهد: (﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ قال: بمكة بالبلد). وقال الحسن: (مستكبرين بحرمي). وقال قتادة: (مستكبرين بالحرم).
ثم وصفهم سبحانه بقوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. وأصل المر والمسامرة في لغة العرب: الحديث بالليل.
ومنه قولهم: سَمَرَ يَسْمُرُ فهو سامِرٌ. قال الرازي: (السُّمار: وهم القوم يَسْمُرون).
قال ابن عباس: (قوله: ﴿سَامِرًا﴾ يقول: يَسْمرون حول البيت).
وقال مجاهد: (سامرًا: مجلسًا بالليل). وقال ابن زيد: (كانوا يَسْمرون ليلتهم ويلعبون: يتكلمون بالشعر والكهانة وبما لا يدرون).
قال ابن جرير: (يقول: تَسْمرون بالليل، ووحّد قوله: ﴿سَامِرًا﴾ وهو بمعنى السُّمَّار، لأنه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجرون ليلًا، فوضع السامر موضع الليل، فوحد لذلك. وقد كان بعض البصريين يقول: وُحِّد ومعناه الجمع، كما قيل: طفل في موضع أطفال، ومما يبين عن صحة ما قلنا في أنه وضع موضع الوقت، فوحد لذلك، قول الشاعر:
مِن دونهم إن جِئْتهُمْ سَمَرًا ... عَزف القِيَانِ ومَجْلِسٌ غَمْر
فقال: سمرًا لأن معناه: إن جئتهم ليلًا وهم يسمُرون، وكذلك قوله: سامرًا).
قلت: وعندئذ يكون قوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ على وجهين:
الوجه الأول: أنَّ يكون المقصود إعراضهم عن القرآن أو البيت أو رسول الله ﷺ .
قال ابن عباس: (يهجرون ذكر الله والحق)، وقال السدي: (السبّ).
الوجه الثاني: أنَّ يكون المقصود تياديهم بالقول كما يهجُر الرجل في منامه وذلك إذا هذى، فوصفهم بأنهم يقولون في القرآن باطلًا من القول وما لا معنى له، وقد وردَ في اللغة الهَجْرُ بمعنى الهذيان.
стр. 3019
فعن سعيد بن جبير: (تَهْجُرون: قال: يَهْجرون في الباطل). وفي رواية: (قال: يسمرون بالليل يخوضون في الباطل). وقال مجاهد: (بالقول السيِّئ في القرآن). وقال ابن زيد: (الهذيان الذي يتكلم بما لا يريد ولا يعقل، كالمريض الذي يتكلم بما لا يدري).
وكلا الوجهين يحتمله البيان الإلهي الكريم، وهو موافق لقراءة عامة قراء الأمصار، كما ذكر شيخ المفسرين ﵀، إذ اختار القراءة بفتح التاء وضم الجيم، قال: الإجماع الحجة من القراء).
وأما القراءة الثانية بضم التاء وكسر الجيم: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ فقرأ بها نافع بن أبي نعيم، وهي بمعنى: يُفحِشون في المنطق ويقولون الخنا. قال الرازي: (والهَجْر: ضدُّ الوصل)، وأهْجَرَ الرجل إذا أفحش في القول. ومنه تفسير ابن عباس: (تُهْجِرون: قال: تقولون هُجْرا). وقال الحسن: (تُهجرون رسولي). وقال قتادة: (يقول: يقولون سوءًا). وقال الضحاك: (يقولون المنكر والخنا من القول، كذلك هَجْر القول).
وخلاصة القول: إن كفار مكة لما طغوا أخذوا يَسْمرون بالليل يتغنون بكلام فاحش يؤذي الله ورسوله، ويتمادون بلغو القول وهم يَهْذون ويلعبون ويطربون. والآية السابقة تشبه قوله تعالى في سورة "النجم": ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال ابن عباس: (هو الغناء بالحميرية، سمد لنا: غنى لنا). وقال مجاهد: (هو الغناء يقول أهل اليمن: سَمَدَ فلان إذا غنى).
٦٨ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾.
في هذه الآياتِ: ذمُّ الله تعالى منهج الكفار في التعامل مع الحق فهم معرضون، ولو
стр. 3020
اتبع الحق أهواءهم لفسد الكون فإنهم قوم جاهلون مفسدون. فهل تسألهم - يا محمد - أجرًا على دعوتك لهم أم أنت محتسب في دعوتك إياهم إلى الصراط المستقيم. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة تائهون في ضلالتهم ولو كشفنا عنهم ضرَّهم لعادوا في طغيانهم يترددون.
فقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.
إنكار على المشركين سوء تعاملهم مع الوحي الكريم، وعدم تفهمهم آيات هذا الذكر الحكيم. قال قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾: إذن والله يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تَدَبَّرَهُ القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوه بما تشابَه، فهلكوا عند ذلك).
وفي قوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أم جاءهم أمر ما لم يأت آباءهم الأولين فأنكروه وأعرضوا عنه. ذكره ابن جرير.
التأويل الثاني: قيل: ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل. قال القرطبي: (أي بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه وتركوا التدبر به).
التأويل الثالث: قال ابن عباس: (وقيل: المعنى أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين فتركوا الأعز).
قلت: والإعجاز القرآني يحتمل كل ذلك، ومفاد الآية الإنكار على طغاة مكة وأمثالهم عبر الزمان إعراضهم عن الهدى والحق وهذا القرآن العظيم، خوفًا على التقاليد والأعراف وموروث الأجداد. قال القاسمي: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي من الهدى والحق، فاستبدعوه واستبعدوه، فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال. مع أن المجيء بما لم يعهد، لا يوجب النفرة. لأن المألوف قد يكون باطلًا، فتقتضي به الحكمة التحذير منه).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
توقيف للقوم وتقريع وتقبيح. قال سفيان: (بلى! قد عرفوه ولكنهم حسدوه).
قال النسفي: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ محمدًا بالصدق والأمانة ووفور العقل وصحة النسب وحسن الأخلاق! ! أي عرفوه بهذه الصفات ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ بغيًا وحسدًا).
стр. 3021
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
أي: أم يتهمون رسولهم بالجنون؟ ! فهو يأتي من الكلام بما لا معنى له! !
كلا، فالأمر ليس كذلك، فهم يعلمون حقًّا أنه أرجحهم عقلًا وأفضلهم رأيًا وأثقبهم ذهنًا، وأنه جاءهم بالحق الأبلج والصراط القويم الذي فيه تهديد أهوائهم الفاسدة، وشهواتهم الحاكمة، وأعرافهم الجاهلية البالية. فلما لم يجدوا طريقًا لردِّ هذا الوحي العظيم الذي يهدِّد منازلهم الجاهلية، نسبوه إلى الجنون في محاولة لكسر شوكته ﷺ .
وقوله: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾.
قال مجاهد وابن جريجٍ: (الحق: الله). والمعنى: ولو أجابهم الله وأجرى التدبير على أهواء هؤلاء المشركين لحصل الفساد في السماوات والأرض لفساد أهوائهم وإراداتهم.
وقوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾.
في تأويل الآية هنا قولان متكاملان:
القول الأول: الذكر هنا هو القرآن، أتيناهم به. قال ابن عباس: (أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين)، فهم عنه معرضون.
القول الثاني: أي: بل أتيناهم بشرفهم، لأن هذا القرآن كان شرفًا لهم إذ نزل على رجل منهم وخوطبوا به بلغتهم فأعرضوا عنه وكفروا به. قال السدي وسفيان: (﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ أي بما فيه شرفهم وعزّهم). وقال قتادة: (أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم).
وقوله: ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي غافلون مستكبرون.
وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾. قال الحسن: (أجرًا). وقال قتادة: (جُعْلًا). وقوله: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. أي فرزق ربك خير فلا يستطيع أحد أن يرزق مثل رزقه، أو أن ينعم مثل إنعامه.
قال ابن كثير: (أي: أنت لا تسألهم أجرةً ولا جُعلًا ولا شيئًا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧]، وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ
стр. 3022
الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]، وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢٠، ٢١]).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.
أي: وإنما تدعوهم أنت - يا محمد - إلى صراط الله القويم، الذي فيه النجاة وسعادة الدارين، وإن الذين يكذبون بالآخرة ويوم الحساب لعادلون عن سواء السبيل وجائرون منجرفون. قال الرازي: ("نكبَ" - فلان - عن الطريق: عَدَل. وتنكَّب عنه تَنكُّبًا أي مال وعدل). قال ابن عباس: (﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ يقول: عن الحق لعادلون).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح عن أبي تميمةَ عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، أو قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشفَ عنكَ، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردَّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: [قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم
стр. 3023
لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدِ مَنافٍ لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمةَ رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنتَ محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا] (١).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم والترمذي بسند صحيح عن جابر مرفوعًا: [إني رأيت في المنام كأن جبريلَ عند رأسي، وميكائيل عند رجلى، يقول أحدهما لصاحبه: اضربْ له مثلًا، فقال: اسمع سمعت أذُنكَ، واعقِل عقلَ قلبُك، إنما مثلك ومثلُ أمّتك كمثل ملكٍ اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بَيْتًا، ثم جعل فيها مائدةً، ثم بعثَ رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فاللهُ هو الملكُ، والدارُ الإسلامُ، والبيتُ الجنةُ، وأنت يا محمد رسول، مَنْ أجابكَ دخلَ الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجَنَّة، ومن دخل الجَنَّة أكَلَ ما فيها] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضرّ الجوع والهزال. ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ يعني: في عتوّهم، وجرأتهم على ربهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يعني يترددون).
وقال ابن كثير: (يُخبر تعالى عن غلظهم في كُفرهم، بأنه لو أزاح عِلَلَهُم وَأَفْهَمَهُم القرآن لما انقادِوا له، ولَاسْتَمَرُّوا على كُفرهم وطغيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٩]، فهذا من باب عِلمه تعالى بما لا يكون، ولو كان كيف كان يكون. قال الضحاك، عن ابن عباس: كل ما فيه "لَوْ" فهو مما لا يكون أبدًا) انتهى.
٧٦ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ
стр. 3024
تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
في هذه الآياتِ: إنزالُ الله المصائب والشدائد في المشركين ليردَّهم ذلك عن الكفر والباطل الذي هم غارقون فيه، وتذكيرهم بنعم الله عليهم في السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرون. وتنبيههم إلى عجائب قدرته تعالى في بث الخلق في الأرض والإحياء والإماتة واختلاف الليل والنهار لعلهم يعقلون. ومقابلة المشركين ذلك بالكبر والغرور واتهام قوارع الحق بأنها من أساطير الأولين.
أخرج ابن جرير والنسائي وابن حبان والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: [جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العِلْهزَ - يعني الوبر والدم - فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (١). ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾: أي فما خشعوا. ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ما لجؤوا إلى ربهم بالاستغفار والدعاء.
والمقصود: ابتلاهم الله بالمصائب والشدائد عسى أن يردهم ذلك عَمَّا هُمْ غارقون فيه من الكفر والضلالة، فما نفعهم ذلك، بل تابعوا في غَيِّهم وضلالهم ومخالفتهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٠ - ١٣].
стр. 3025
وفي الأثر عن عمر: (لا أبالي على أي حال أصبحت أو أمسيت. إن كان الغنى، إنّ فيه للشكو، وإن كان الفقر إن فيه للصّبر).
وقال بعض السلف: (نعمته فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما بسط لي منها. إني رأيته أعطاها قومًا فاغتروا).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
قال القاسمي: (يعني ما نزل بهم من القتال والقتل يوم بدر، أو باب المجاعة والضر. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي حزنى نادمون على ما سلف منهم، في تكذيبهم بآيات الله، في حين لا ينفعهم الندم والحزن).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، السمع الذي تسمعون به، والأبصار التي تبصرون بها، والأفئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك ابتداء إعادته بعد عدمه وفقده).
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. أي: ما أقلّ شكركم لله على ما تفضل به عليكم من نعمة السمع والبصر والفؤاد والعقل وغيرها من النعم التي لا تعد ولا تحصى.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
قال النسفي: (خلقكم وبثكم بالتناسل ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
أي: وأمر الحياة والموت بيده سبحانه، فيحيي النسم بالإنشاء، ويميتها بالإفناء، وتعاقب الليل والنهار بأمره، في الظلمة والنور، والزيادة والنقصان، كل ذلك إليه وحده لا مصرف له سواه، أفبعد ذلك تنكرون قدرته تعالى على البعث للحساب ومقايضة الأعمال وتصريف الثواب والعقاب؟ !
وقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.
إخبار عن تعاقب السنن في الأمم المتتابعة، فقول الآخرين يشبه قول الأولين، فكما لم يعتبر المشركون الأولون بآيات الله ولم يتدبروا حججه البالغة، كذلك مضى
стр. 3026
من بعدهم على العناد والتكذيب. يقولون: أئذا متنا وعدنا ترابًا، قد فنيت أجسامنا، وبرأت عظامنا من لحومنا، أئنا لمبعوثون من قبورنا أحياء كما كنا؟ إن هذا لشيء عجيب وما هو بكائن!
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
أي: لقد وُعدنا هذا نحن منك، وأَباؤنا من قبل مجيئك - يا محمد - من قوم مثلك زعموا أنهم رسل الله، فلم نر له حقيقة، وما هو إلا من أباطيل الأولين وترّهاتهم.
٨٤ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾.
في هذه الآياتِ: قوارعُ من الوحي الكريم، في إثبات اقتضاء الإيمان بالربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية، فالرب الذي يملك ويجير وبيده ملكوت كل شيء هو الإله الحق المستحق للعبادة والتعظيم، والمشركون هم الكاذبون.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
توجيه الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ للأسلوب الأمثل في مواجهة شرك قومه عن طريق إقرارهم لله تعالى بالربوبية، لماذا لم يفردوه سبحانه بالألوهية؟ ! ولماذا لم يوحدوه وينزهوه تعالى في أسمائه وصفاته ومحامده! ؟
فهم مُقِرُّون أَنَّ الأرض ومن فيها لله فقل لهم - يا محمد - ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال النسفي: (فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها كان قادرًا على إعادة الخلق، وكان حقيقًا بأن لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية).
стр. 3027
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: من هو خالقُ العالم العُلْوي بما فيه من الكواكب النيِّرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومَنْ هو ربُّ العرش العظيم؟ يعني الذي هو سَقْفُ المخلوقات. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، أي: إذا كنتم تعترفون بأنه رب السماوات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عِقابَه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراكِكُم به؟ ! ).
قلت: وقد وصف الله تعالى في هذه الآية عرشه بالعرش العظيم لأنه أعظم المخلوقات، ونهاية الخلق، فليس فوقه إلا الله.
قال ابن عباس: (إنما سمّي عرشًا لارتفاعه).
ووصفه في آية أخرى بالعرش الكريم فقال جل ثناؤه في آخر السورة: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦].
والكريم: أي الحسن البهي، فجمع عرش الرحمن بين العظمة في الاتساع والعلو، والحسن الباهر. والله تعالى قد تعالى فوق العرش وكلِّ ما دونه، كما قال سبحانه في الآية السابقة: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾. فليس ثمَّ مكانٌ ولا حدودٌ فوق العرش، فإن ذلك كله ينقطع عنده، وما فوقه إلا الله جلت عظمته.
وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في الصحيح من حديث أبي ذر - أيضًا - أن النبي ﷺ قال يومًا: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:
стр. 3028
[إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ... ] الحديث (١).
الحديث الثالث: أخرج ابن خزيمة بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٢).
قلت: فالكرسي تحت عرش الرحمن وهو موضع قدمي الباري ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. قال مجاهد: (خزائن كلّ شيء). فهو سبحانه الملك المتصرف بشؤون خلقه جميعًا لا رادّ لأمره.
قال تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: [كانَتْ يمينُ النبي ﷺ : لا، ومُقَلِّب القلوب] (٣).
وفي لفظ: [كثيرًا ما كان النبي يَحْلِفُ: لا، ومُقَلِّبِ القلوب].
الحديث الثاني: خرّج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إنَّ قلوبَ بني آدم كلّها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يُصرِّفه حيث يشاء. ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم مصرف القلوب! صَرِّف قلوبنا على طاعتك] (٤).
الحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح عن أبي هريرة مرفوعًا: [والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يُذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم] (٥).
стр. 3029
وله شاهد في المسند من حديث أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [والذي نفسي بيده - أو قال: والذي نفس محمد بيدِه - لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله ، لغَفَرَ لكم، والذي نفس محمد بيده - أو قال: والذي نفسي بيده - لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم].
وقوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: وهو السيد العظيم الذي يحتاج إليه جميع خلقه، فَيَمْنَعُ من يشاء ولا يُمنع منه، وَيُؤمِّنُ مَنْ يشاء، ولا يُؤمَّنُ مَنْ أخافه، إن كنتم - أيها الجاحدون - تعلمون.
أخرج أبو داود وأحمد بسند صحيح عن أبي جري جابر بن سليم قال: [رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئًا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ ، قلت: عليك السلام يا رسول الله، مرتين، قال: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك. قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: أنَّا رسول الله الذي إذا أصابك ضرٌّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عامُ سنة فدعَوْتَه أنْبَتَها لك، وإن كنت بأرصْ قَفْراء أو فلاة فَضَلَّتْ راحلتك فدعوتَهُ رَدَّها عليك] (١).
وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يقول: تكذبون). أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي تتجه الخلائق إليه بحاجاتها فيجير من يشاء، ولا يجار عليه، هو الله الواحد الأحد لا شريك له.
فقل لهم يا محمد: فكيف تُصرف عقولكم وتشركون في عبادته. قال القرطبي: (أي فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده. أو كيف يُخَيَّلُ إليكم أن تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع! والسحر هو التخييل. وكل هذا احتجاج على العرب المقرّين بالصانع).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
قال ابن كثير: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في عبادتهم مع الله
стр. 3030
غيره، ولا دليلَ لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: ﴿وَمَنْ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هُم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك اتباعًا لآبائهم وأسلافِهم الحيارَى الجُهَّال، كما قال الله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
٩١ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾.
في هذه الآياتِ: نفي الولد والشريك عن الله تعالى، وأنه لو قُدِّر تعدد الآلهة لم ينتظم الوجود، إذ يحاول كل واحد نَظْمَ خلقه وضَبْطَ ملكه، ولا بد من أن يقهر أحدهما الآخر، وسيظهر أثر ذلك في الكون. ولما كان هذا الوجود متسقًا منتظمًا في عالَمَيْه العلوي والسفلي دَلّ ذلك على وحدانية الصانع وأنه الإله الحق الأحد الصمد عالم الغيب والشهادة لا شريك له.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
أي: يعلم سبحانه ما يغيب عن مخلوقاته وما يشاهدونه ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
أي تقدس وتنزه سبحانه عما يشرك به الكافرون.
٩٣ - ٩٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
стр. 3031
السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.
في هذه الآياتِ: تعليمُ الله تعالى نبيّه ﷺ أن يدعو بنجاته مما هو نازل بالقوم المشركين. وإخباره أن الله تعالى لو شاء لأراه الخزي والنقمة بالمعاندين. وأَمْرُهُ تعالى له بالدفع بالتي هي أحسن والاستعاذة به - جلت عظمته - من همزات الشياطين أو أن يحضرون.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد: ربِّ إنْ تُرِيَنِّي في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به، ونجني من عذابك وسخطك، فلا تجعلني في القوم المشركين ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك).
وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ جواب لقو له: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ - اعترض بينهما بالنداء.
والخلاصة: هذا دعاء عظيم يحتاج المسلم أن يدعو به ربه تعالى عند حلول النقم، كي يجنّبه سبحانه الفتن، ومصارع السوء والمحن.
وفي السنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" والترمذي وأحمد، بسند صحيح لشواهده، عن العباس بن عبد المطلب قال: [قلت يا رسول الله علمني شيئًا أسأاله الله . قال: سل الله العافية. فمكثت أيامًا، ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله. فقال لي: يا عباس يا عم رسول الله! اسألوا الله العافية في الدنيا والآخرة" (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني والحاكم بسند حسن عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال لعمه العباس: [يا عَمِّ! أكثِر الدعاء بالعافية] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن معاذ بن رفاعة قال: قام
стр. 3032
أبو بكر الصديق على المنبر، ثم بكى، فقال: قام رسول الله ﷺ عام الأول على المنبر، ثم بكى فقال: [سلوا اللهَ العَفْوَ والعافيةَ، فإن أحدًا لمْ يُعْطَ بَعْدَ اليقين خيرًا من العافية] (١).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة - قال: أحْسِبُهُ قال: في المنام - فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا، قال: فوضع يَدَهُ بين كَتِفَيَّ حتى وَجَدْتُ بردها بين ثديي - أو قال: في نَحري - فعلمت ما في السماوات وما في الأرض. قال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم في الكفارات، والكفارات: المكث في المسجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد إذا صليت فقل: اللهم إني أسالك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.
أي: لو شئنا - يا محمد - لأريناك ما سينزل بهم من العذاب والفتن نتيجة عنادهم وإصرارهم على شركهم. قال القرطبي: (نبّه على أن خلاف المعلوم مقدور، وقد أراه الله تعالى ذلك فيهم بالجوع والسيف، ونجّاه الله ومن آمن بهِ من ذلك).
وقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.
أمر من الله تعالى بالعفو والصفح ومكارم الأخلاق، فهو الترياق النافع في معاملة الناس، وينعكس خيره على العبد بالشيء الكثير.
قال الحسن: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظًا، ويصفح عما يكره).
قلت: وهذا الدافع بالإحسان نافع مع المسلمين عامة، ومع الكفار زمن الدعوة
стр. 3033
والغربة، فإذا وجب الجهاد وقتال المشركين وجب التنكيل بهم والغلظة عليهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو يعلى بسند حسن في الشواهد عن أنس قال: [لقي رسول الله ﷺ أبا ذر فقال: يا أبا ذر! ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله قال: عليك بحُسْن الخُلقِ، وطول الصَّمْتِ، فو الذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما] (١).
وفي رواية: (ما تَجَمَّلَ الخلائق بِمثلهما).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في "خلق أفعال العباد" والحاكم في المستدرك بسند صحيح عن يزيد بن المقدام بن شريح بن هاني عن المقدام عن أبيه عن هاني: [أنه لما وفدَ على رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله أي شيء يوجب الجَنَّة؟ قال: عليك بِحُسْنِ الكلام، وبَذْلِ الطعام] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود وأحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: [أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن] (٣).
وله شاهد عند الترمذي وزاد فيه: [وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة].
стр. 3034
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.
أمر من الله سبحانه لنبيه ﷺ بالاستعاذة من شياطين الجن؟ لأنهم لا يقبلون رشوة ولا ينفع معهم جميل، بعكس شياطين الإنس فإنه يمكن شراؤهم بحسن الخلق وطيب المعاملة، وهذا منهج قويم يحتاجه المسلمون في حياتهم.
قال ابن زيد: (همزات الشياطين: خَنْقُهم الناس، فذلك همزاتهم. ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ في شيء من أمري).
والهمزات: جمع هَمْزة، والهَمْزُ هو الغَمْز. قال الرازي: (وهمزات الشياطين خَطَراته التي يُخْطِرُها بقلب الإنسان). وكذلك الهمز: هو النَّخْسُ والدفع. والمقصود: الاستعاذة بالله من نزعات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى، ومن محاولات اقترابه من العبد بمسّ وإيذاء أو سحر.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
ومن كنوز السنة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: يروي الديلمي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا بالله من شره] (١).
الحديث الثاني: خرّج مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال] (٢).
وله شاهد عنده من حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: [لا يأكُلَنَّ أحدُكم بشماله ولا يشَربَنَّ بها، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها].
стр. 3035
الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [لو أنَّ أحَدَهُمْ، إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم الله، اللهمَّ جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رَزَقْتَنا، فإنه، إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُما ولدٌ في ذلك، لم يَضُرَّه شيطانٌ أبدًا] (١).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي اليَسَر: أنَّ رسول الله ﷺ كان يدعو: [اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردِّي، وأعوذ بك من الغرق، والحوق، والهرم، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك: أنَّ أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا] (٢).
٩٩ - ١٠٠. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾.
في هذه الآياتِ: إخبارٌ من الله جَلَّت عظمته عن حال المحتضر من الكفار وقد أوشك على الرحيل من هذه الدنيا وبلغت الروح الحلقوم، وعاين نزول أمر الله به، فقال - لعظيم ما يعاين مما هو مُقْدم عليه من العذاب - تندمًا على ما فات ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ كي أعمل صالحًا فيما تركت قبل اليوم من العمل وضيعت من العمر، ولكنه لا يجاب إلى ذلك ويمكث في عذاب القبر في البرزخ إلى يوم البعث والحساب.
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.
قال ابن زيد: (﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: هذه في الحياة الدنيا، ألا تراه يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت).
وقوله: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾.
قال ابن عباس: (﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾: يريد شهادة أن لا إله إلا الله).
قال القرطبي: (﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي فيما ضيَّعت وتركت العمل به من الطاعات. وقيل: ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ من المال فأتصدق. و ﴿لعل﴾ تتضمَّنُ ترددًا، وهذا الذي يسأل الرجعة قد
стр. 3036
استيقن العذاب، وهو يوطِّن نفسه على العمل الصالح قطعًا من غير تردد. فالتردد إما يرجع إلى رده إلى الدنيا، وإما إلى التوفيق، أي أعمل صالحًا إن وفقتني، إذ ليس على قطع من وجود القدرة والتوفيق لو رُدَّ إلى الدنيا).
وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.
كلا: حرفُ رَدْعٍ وزَجْر، فهي كلمة ردّ، والمقصود بالآية أحد تأويلين:
التأويل الأول: أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا.
التأويل الثاني: قيل: بل لو أجيب إلى ما يطلب لما وفّى بما يقول، بل غلبه كفره مرّة أخرى.
قلت: وكلا التأويلين محتمل يدل عليه السياق.
فدليل التأويل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾ [المنافقون: ١٠، ١١].
ودليل التأويل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٧، ٢٨].
وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
كل حاجز بين شيئين فهو برزخ، قال الجوهري: (البرزخ الحاجز بين الشيئين).
والمقصود هنا بالبرزخ الحياة ما بين الدنيا والآخرة، من وقت خروج الروح إلى وقت البعث للحساب.
قال مجاهد وابن زيد: (البَرْزَخُ ما بين الموت إلى البعث). وقال الضحاك: (ما بين الدنيا والآخرة).
ومن كنوز صرح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند جيد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا قُبِرَ الميتُ، أو قال أحدُكم، أتاه ملكان، أسودان أزرقان، يُقال لأحدهما: المُنْكرُ، والآخرُ: النكيرُ، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبدُ الله ورسولهُ، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ،
стр. 3037
فيقولان: قد كنا نعلمُ أنك تقولُ هذا، ثم يُفسَحُ له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم يُنَوَّر له فيه، ثُم يقال له نَمْ، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهُم؟ فيقولان: نَمْ كنَوْمَةِ العروس الذي لا يوقِظُهُ إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مَضْجَعِه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون، فقلت: مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمي عليه، فتلتئِمُ عليه، فتختلف أضلاعُه، فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعَثَهُ الله من مضجعِه ذلك] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الموتى ليعذَّبون في قبورهم، حتى إنَّ البهائم لتسمعُ أصواتهم] (٢).
وله شاهد عند الإمام أحمد من حديث عائشة مرفوعًا: [عذاب القبر حق].
الحديث الثالث: أخرج ابن حبان من حديث أم بشر ﵂ قالت: [دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم قد ماتوا في الجاهلية، فسمعهم وهم يعذبون، فخرج وهو يقول: استعيذوا بالله من عذاب القبر، قالت: قلتُ: يا رسول الله! وإنهم ليُعَذَّبونَ في قبورهم؟ قال: نعم عذابًا تسمعُهُ البهائِم] (٣).
١٠١ - ١٠٤. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾.
في هذه الآياتِ: انعدامُ الانتفاع بالأنساب والقربى عند النفخ في الصور للقيام لرب العالمين. فمن ثقلت أعماله في الميزان كان من المفلحين، ومن خفت حسناته وثقلت سيئاته كان من الخاسرين، ومأواه إلى نار الجحيم.
стр. 3038
فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.
قال ابن عباس: (فذلك حين ينفخ في الصور فلا حي يبقى إلا الله).
والمعنى: إذا نفخ في الصور يوم النشور، وقام الناس من القبور، فيومئذ لا تنفع الأنساب والقربى، ولا يجدي إلا الصدق مع الله في العبادة والامتثال.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ [المعارج: ١٠].
قال النسفي: (﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا، لأن كلًّا مشغول عن سؤال صاحبه بحاله. ولا تناقض بين هذا وبين قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فالقيامة مواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون فيتساءلون).
قلت: وأما نسبه ﷺ فمتصل يوم القيامة فلا ينقطع كما تنقطع بقية الأنساب، وإنما ينتفع به أهله ما أقاموا منهاج النبوة ولم يحدثوا في الدين. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: [كُلُّ سَبَبٍ ونسَبٍ مُنْقَطِع يومَ القيامة، إلا سببي ونَسَبي] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: [ما بالُ رجال يقولون: إن رَحِمَ رسول الله ﷺ لا تنفعُ قومه؟ بلى، والله، إنَّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني - أيها الناس - فَرَطٌ لكم. فإذا جئتم قال رجل: يا رسول الله، أنا فلانُ بن فلان. وقال آخر: أنَّا فلانُ بن فلان. فأقول: أما النسبُ فقد عرفتُ، ولكنكم أحدثتم بعدِي، وارتددتُم القهقرى] (٢).
стр. 3039
الحديث الثالث: أخرج أبو بكر الشافعي في "الفوائد" والخطيب في "التاريخ" بِسند حسن لغيره عن عقبة بن عامر قال: [خَطَب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب ابنته من فاطمة، وأكثر تردده إليه، فقال: يا أبا الحسن! ما يحملني على كثرة ترددي إليك إلا حديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: "كُلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يومَ القيامة، إلا سَبَبي ونَسبي". فأحبَبْتُ أن يكون لي منكم أهل البيت سبب وصهر. فقام عليّ فأمر بابنته من فاطمة فَزُيِّتَتْ، ثم بعث بها إلى أمير المؤمنين عمر، فلما رآها قام إليها فأخذ بساقها، وقال: قولي لأبيك: قد رضيت، قد رضيت، فلما جاءت الجارية إلى أبيها قال لها: ما قال لك أمير المؤمنين؟ قالت: دعاني وقبلني، فلما قمت أخذ بساقي، وقال قولي لأبيك قد رضيت، فأنكحها إياه، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب، فعاش حتى كان رجلًا، ثم مات] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قال ابن عباس: (أي: من رَجَحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجُوا من شرِّ ما منه هربوا).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الحاكم بسند صحيح عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: [يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة:
стр. 3040
يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٢).
الحديث الثالث: خرّج مسلم عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [الطهورُ شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماوات والأرض] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁: [أنه كان يجني سِواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله: مِمَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد] (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: ومن خَفَّت موازين حسناته، فرجَحت بها موازين سيئاته، ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: غَبَنوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يقول: هم في نار جهنم).
والمقصود: من ثقلت سيئاته في الميزان فرجحت كفتها على كفة حسناته فهؤلاء الذين خابوا وهلكوا وخسروا الصفقة، وهم في جهنم ماكثون مقيمون لا يظعنون.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنه ليأتي الرجل
стр. 3041
العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]] (١).
وقوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ.
أي: يسْفعُ وجوههم لهب النار، فتحرقها، فتتقلص الشفاه عن الأسنان في تكشّر وعُبوس.
قال ابن جريجٍ، عن ابن عباس: (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: تنفح، وَهُمْ فِيهَا ﴿كَالِحُونَ﴾ والكلوحُ: أنَّ تتقلّص الشفتان عن الأسنان، حتى تبدو الأسنان).
وقال علي، عن ابن عباس: (﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ يقول: عابسون).
قلت: وقوله: ﴿كَالِحُونَ﴾ من الكلوح، وهو يجمع في كلام العرب بين التكشر والعبوس.
قال الرازي: (الكلوحُ: تكشُّرٌ في عبوس). والمقصود: حرق الوجوه في نار جهنم يصير أصحابها في حالة مشوهة ومنظر قبيح.
قال القاسمي: (وتخصيص الوجوه لأنَّها أشرف الأعضاء. فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار).
١٠٥ - ١١١. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾.
في هذه الآياتِ: اعترافُ أهل الشقاء يوم القيامة بشقوتهم وضلالهم وتمنيهم الخروج من النار، فَيُخْرِسُهُم الجبار، وينتصر لأوليائه، ويخزي أعداءه بما كانوا يسخرون. وينجي الذين اتقوا بمفازتهم بما كانوا يعملون ويصبرون.
стр. 3042
فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. تقريع للطغاة وتوبيخ بعدما وقعوا في شباك جهنم.
قال ابن كثير: (هذا تقريعٌ من الله تعالى لأهل النار وتوبيخ لهم على ما ارتكبوا من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت الكتب، وأزلت شبُهَكم، ولم يبق لكم حجة تُدْلونَ بها كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك: ٨ - ١١]).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.
فيه أكثر من تأويل:
١ - قال مجاهد: (﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾: التي كتبت علينا).
٢ - قال القرطبي: (غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤدّيان إليها).
٣ - قيل: المقصود حسن الظن بالنفس وسوءُ الظن بالخلق.
قلت: وكلها أقوال متقاربة متكاملة، مفادها أن الطغاة اعترفوا متأخرين بعدما لفحتهم نار جهنم أنهم اختاروا طريق الشقاوة في الحياة الدنيا، فتحاكموا لأهوائهم وشهواتهم ومناهج الضلال وصدّوا عن سبيل الله، فحق عليهم الشقاء الذي كتبه الله عليهم بعلمه وعدله وحكمته.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.
هو أمل لا تحقيق لهُ، وأمنية لا إجابة لها، فالكفار في جهنم يتمنون الرجعة ويعاهدون ربهم أن لا يعودوا إلى آثامهم وجرائمهم ولكن دون جدوى، فقد فاتهم قطار النجاة، وقضى الله انتهاء الحياة الدنيا، وسيتابعون حياتهم في نار جهنم في نحيب وبكاء.
стр. 3043
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١١، ١٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٢، ١٣].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أنَّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك بي] (١).
الحديث الثاني: أخرج الحاكم بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن أهل النار ليَبْكون حتى لو أُجْرِيت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (٢).
الحديث الثالث: يروي ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن قيس قال: كنت عند أبي بردة ذات ليلة. فدخل علينا الحارث بن أقيْشٍ. فحدثنا الحارث ليلتئذ، أن رسول الله ﷺ قال: [إن مِنْ أمتي مَنْ يَدْخُلُ الجنةَ بشفاعتِهِ أكثَرُ مِنْ مُضَرَ. وإن مِنْ أُمَّتي مَنْ يَعْظُمُ للنارِ حتى يكونَ أَحَدَ زواياها] (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. كلام تسكيت وتوبيخ وتحقير، وما هو بكلام تشريف.
стр. 3044
قال ابن عباس: (هذا قول الرحمن ، حين انقطع كلامهم منه).
قال النسفي: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾ اسكتوا سكوت ذلة وهوان ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفع العذاب عنكم، فإنه لا يرفع ولا يخفف). وقال القرطبي: (أي ابْعُدوا في جهنم، كما يقال للكلب اخْسَأ أي ابْعُد).
قال أبو الدرداء: (فعند ذلك يئسوا من كل خير، فيدْعون بالويل والشَّهيق والثبور) - ذكره بسنده ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
قال مجاهد: (هُمْ بلال وخَبّاب وصُهَيْب، وفلان وفلان من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم).
وقال ابن زيد: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾: يسخرون منهم كما سخر قوم نوحٍ بنوح، اتخذوهم سخريًا: اتخذوهم هُزؤًا، لم يزالوا يستهزئون بهم).
والمقصود: انتصار الرحمن لأوليائه من أعدائه، فقد كان المجرمون يضحكون في الحياة الدنيا من المؤمنين وتضرعهم ودعائهم وعبادتهم وإخلاصهم في منهاجهم لله ﵎.
كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦].
وفي شرح السنة عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يا أيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم، كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُزْجِيَتْ (١) فيها لجرت] (٢).
стр. 3045
وقوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. قال ابن كثير: (أي: حَمَلَكُم بغضُهم على أن نسيتم مُعَاملتي).
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي استهزاء من عبادتهم وحرصهم على إرضاء ربهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾. انتصار آخر من الله تعالى وبشارة للمؤمنين.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إني أيها المشركون بالله المخَلَّدون في النار، جزيت الذين اتخذتموهم في الدنيا سخريًا من أهل الإيمان بي، وكنتم منهم تضحكون. ﴿الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ على ما كانوا يلقَون بينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم في الدنيا، أنهم هم الفائزون).
والمقصود: هذا يوم ثواب صبر المؤمنين على الأذى في سبيل علو أمر دينهم، وتحديهم للطغاة في إقامة ما أمرهم به ربهم ونالهم بسببه الأذى، فهم اليوم أصحاب الظفر الفائزون بجنات الخلود والنعيم المقيم.
١١٢ - ١١٨. قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.
في هذه الآياتِ: اعترافُ المشركين يوم الحشر بمكثهم في الحياة الدنيا يومًا أو بعض يوم، وتقريعُ الباري لهم بظنهم أنهم إليه لا يرجعون، فتعالى الله الملك الإله الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم، فإنه من يشرك بالله كان من الأشقياء الخاسرين، وأما المؤمنون فإنهم في ابتهال إلى الله ودعاء ورجاء ليكونوا بإذنه تعالى من عباده المرحومين.
стр. 3046
فقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.
أي: كم تُلَخِّصون ما أمضيتم في الحياة الدنيا أمام ما تستقبلون من الزمان في الدار الآخرة.
قال القرطبي: (وهذا السؤال للمشركين في عَرَصات القيامة أو في النار).
وقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
قال النسفي: (استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها لأن الممتحن يستطيل أيام محنته ويستقصر ما مرّ عليه من أيام الدعة).
وقوله: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. قال مجاهد: (الملائكة). وقال قتادة: (فاسأل الحُسّاب). أو قال: (فاسأل أهل الحساب). وكلا التأويلين ممكن.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: مُدَّةً يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تَصَرَّفتم لأنفسكم هذا التصرف السيِّئ ولا استحققتم من الله سُخطَه في تلك المدة اليسيرة، ولو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لَفُزْتُم كما فَازوا).
والمقصود: سَتُخْتَزَلُ الحياة الدنيا بجميع أفراحها وآلامها في بعض يوم من أيام الحياة الآخرة، وسيعلم الكافرون ضخامة الجُرم الذي صنعوه إذ خسروا الصفقة وضيعوا العمر بالكفر والشهوات، فأورثهم ذلك شقاء سرمديًا يوم القيامة.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [يُوْتى بِأَنْعَمِ أهل الدنيا، مِنْ أهلِ النار، يومَ القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بكَ نعيمٌ قطُ؟ فيقول: لا، والله! يا ربِّ! وَيُؤتى بأشَدِّ الناس بُؤْسًا في الدنيا، مِنْ أهل الجَنَّةِ، فَيُصبَغُ صَبْغَة في الجَنَّة، فيقال له: يا ابن آدَمَ! هَلْ رأيْتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيقولُ: لا، والله! يا رب! ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رأيتُ شِدَّةً قطُّ] (١).
стр. 3047
وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبًا وباطلًا، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء، فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون؟ ).
وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.
أي: فتنزَه الله الملك الحق وتقدس عما ينسب إليه المشركون من الأولاد والشركاء والأنداد، وعن أن يخلق عباده عبثًا أو سفهًا، بل هو الحكيم لا معبود بحق سواه رب العرش الكريم.
قال ابن كثير: (فذكر العرش لأنه سقفُ جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريمٌ، أي: حَسَنُ المنظر بَهيُّ الشكل، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ قال: بينة). أو قال: (حجة).
والمقصود: من يدع مع الله الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودًا آخر لا حجة له بذلك، فإنما يوفى حساب عمله السَّيِّئ عند ربه الأحد الصمد الذي أشرك به، ومن ثمَّ فلا فلاح للكافرين لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال الرازي: (نبّه تعالى بالآية، على أن كل ما لا برهان فيه، لا يجوز إثباته، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد).
وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله ﷺ ، أو قال: شهدت رسول الله ﷺ وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تدعو؟ قال: [أدعو إلى ربكَ الذي إن مَسَّكَ ضرّ فدعوته كشَفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته رَدَّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).
стр. 3048
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
أمر من الله تعالى لنبيّه ﷺ بالابتهال إليه ودعائه واستغفاره والثناء عليه، فإنه تعالى خير من رحم ذا ذنب، وخير من عفا، وخير من فرّج الكروب والمحن والمصائب، ومِنْ ثَمَّ فأمته ﷺ محتاجة إلى هذا الخطاب من باب أولى.
فبالاستغفار يبسط الله تعالى لعباده السرور والنعم.
قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة] (١).
وفي صحيح مسلم عن الأغَرِّ بنِ يَسَار المزَنِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم مئة مرّة] (٢).
وفي لفظ: [إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني أستغفر الله في اليوم مئة مرّة].
والغَيْنُ: هو ما يتغشى القلب من الغفلات.
والله نسأل مغفرة الذنوب والزلات، والنجاة يوم الحسرات، إنه تعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم.
تم تفسير سورة "المؤمنون" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
* * *
стр. 3049
دروس ونتائج وأحكام
١ - قالت الجَنَّة: قد أفلح المؤمنون. فقالت الملائكة: طوبى لك منازل الملوك.
٢ - الخشوع في الصلاة يحصل لمن فَرَّغَ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها.
٣ - احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، والله أحق أن يُستحيا منه من الناس.
٤ - المسلمون على شروطهم فيما أحِلّ، وفيما وافق الحق من ذلك.
٥ - لكل غادر لواء يوم القيامة، والمسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله.
٦ - أفضل الأعمال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.
٧ - جنة الفردوس أوسط وأعلى الجَنَّة، وفوفها عرش الرحمان، ومن الفردوس تتفجّر أنهار الجَنَّة.
٨ - صُلب الرجل هو ظهره، وترائب المرأة عظام صدرها.
٩ - كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنْبَ، مِنْهُ خُلِقَ، ومنه يُرَكَّب.
١٠ - تعلمون المعاد إلى الله، ثم إلى الجَنَّة أو النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجسادٍ لا تموت.
١١ - النخيل والأعناب أشمرف الثمار وأهمها عند العرب، والزيت يؤكل ويدّهن به، وهو يخرج من شجرة مباركة.
١٢ - دعاء الركوب للسفر: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. الحمد لله ثلاثًا، الله أكبر ثلاثًا، سبحانك إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
١٣ - إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإجابة الدعاء متعلقة بطيب المأكل والملبس.
стр. 3050
١٤ - المؤمنون يتقربون إلى الله بمختلف الطاعات وهم خائفون مشفقون أن لا يقبل منهم.
١٥ - التكاليف الشرعية متحملة، وكتاب الأعمال دقيق ينطق بالصغائر والكبائر.
١٦ - التزام الاستغفار، يقابله الغفار بإغداق النعم والأرزاق والأمطار.
١٧ - اقتضاء الإيمان بتوحيد الربوبية الإيمان بتوحيد الألوهية.
١٨ - الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره.
١٩ - سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية.
٢٠ - حسن الخلق، وطول الصمت، ما عمل الخلائق بمثلهما.
٢١ - همزات الشياطين خطراته ونزعاته ومحاولات اقترابه من العبد بمس أو إيذاء أو سحر. وفي الحديث: أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت.
٢٢ - البرزخ ما بين الموت إلى البعث، وسؤال الملكين وعذاب القبر حق.
٢٣ - الميزان حق، فمن ثقلت موازينه نجا، ومن خفت موازينه هلك، وفي هذه الأمة من يَعْظُم للنار حتى يكون أحدَ زواياها.
٢٤ - كل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، وهذا يوجب صحة النظر وفساد التقليد.
٢٥ - الغَيْنُ ما يتغشى القلب من الغفلات، وبالاستغفار يزول وتتنزل الرحمات.
* * *