← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

والأنصاب إلا يتساقطون في النّار، حتى إذا لم يُبْقَ إلا مَنْ كان يَعْبُدُ الله بَرٌّ أو فاجِرٌ وغُبَّراتُ أهلِ الكتاب، فَيُدعى اليهودُ، فيُقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نَعْبُدُ عُزَيْرًا ابنَ الله، فيقال لهم: كَذَبْتُم ما اتَّخَذَ اللهُ من صاحِبَةِ ولا وَلَدٍ، فماذا تَبْغُون؟ فقالوا: عَطِشْنا رَبَّنا فاسْقِنَا، فيشَارُ ألا تَرِدون! فَيُحْشَرونَ إلى النارِ كأنَّها سَرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كُنّا نعبدُ المسيح ابنَ الله، فيُقالُ لهم: كذبتم ما اتَّخَذَ الله من صاحبة، فيقال لهم: ماذا تَبْغُونَ؟ فكذلك مِثْلَ الأول] الحديث (١). وقوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾. أي: وإنما وجد في نهاية المسير زبانية العذاب تعتله إلى النار، فيما قضاه الله تعالى عليه من الذل والعذاب والهوان. وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال النسفي: الأنه لا يحتاج إلى عد وعقد، ولا يشغله حساب عن حساب، أو قريب حسابه لأن ما هو آت قريب). وقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾. قال قتادة: (وهو العميق). والمقصود: كثير الماء، فنسب إلى اللج وهو معظم ماء البحر. فبعد أن ذكر الله أحوال أئمة الكفر أصحاب الجهل المركب، عطف بذكر أصحاب الجهل البسيط. قال ابن كثير: (وهم الطَّماطم الأغْشامُ المقلِّدون لأئمة الكفر، الصمُّ البكم الذين لا يعقلون). وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهو كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، وكقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]). وعن أبي بن كعب قال: (ضرب مثلًا آخر للكافر، فقال. ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ... ﴾ الآية، قال: فهو يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومَدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة، إلى النار). قال ابن جرير: (فجعل الظلمات مثلًا لأعمالهم، والبحر اللجي مثلًا لقلب الكافر،

стр. 3117

يقول: عَمِلَ بنية قلب قد غَمَرَه الجهل، وتغشَّته الضلالة والحيرة، كما يغشى هذا البحر اللُّجي موج من فوقه موج، من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات، يغشاه الجهل بالله، بأن الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة، فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض). وقال النسفي: (شبهها (١) ثانيًا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب). وقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾. أي: لا يقارب رؤيتها من شدة الظلمة، والتمثيل كناية عن انعدام صفع أعمال الكفار لهم في آخرتهم. وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾. أي: من لم يهده الله لنور الوحي العظيم يهتدي به في ظلمات الجهل والشبهات والهوى، فماله من نور يهتدي به غيره، بل يبقى في الضلال وظلمات الغي والأهواء. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. ٤ - وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ الكهف: ١٧]. وفي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب اشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (٢).

стр. 3118

٤١ - ٤٦. توله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ تسبيح جميع ما في السماوات والأرض والطير لله الملك العزيز الحكيم. هو الذي يسوق السحاب بقدرته ويجمعه ويُراكم بعضه على بعض ليخرج من خلاله المطر وينزل البَرَدَ وإن لمعان البرق الذي يرسله يكاد يذهب بالأبصار. فسبحان مقلب شؤون خلقه ومعاقب الليل والنهار. لقد خلق سبحانه كل دابة من ماء فهي تمشي على البطن أو على رجلين أو أربع يخلق ما يشاء وينزل الآيات ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فتعلم أن الله يصلي له من في السماوات والأرض، من ملك وإنس وجن، ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ في الهواء أيضًا تسبح له). وقال القرطبي: (ومعنى ﴿صَافَّاتٍ﴾ مصطفات الأجنحة في الهواء). وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾. قال مجاهد: (صلاته: للناسِ، وتسبيحه عامة لكل شيء). قال ابن كثير: (أي: كلٌّ قد أرشَدَه إلى طريقته ومَسْلكِهِ في عبادة الله .

стр. 3119

وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. أي: عليم: بتسبيح عباده وصلاتهم وأعمالهم كلها، فلا يعزب عن علمه شيء. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. أي: ولله سلطان السماوات والأرض وملكها، وكل ملك دون ملكه إلى الزوال، فخزائن السماوات والأرض بيده فأفردوه بالطاعة والخوف والرجاء، فإن مرجعكم إليه لا محالة. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾. قال ابن كثير: (يذكر تعالى أنه بقدرته يسوق السحابَ أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يجمعه بعد تفرّقه، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾، أي: متراكما، أي: يَرْكب بعضُه بعضًا). قلت: وفي لغة العرب: زجّى الشيءَ تزجية إذا دفعه برفق، والمزجَى: الشيء القليل، وبضاعة مزجاة أي قليلة. والمقصود: يسوقُ الله السحاب بأمره حتى يجمعه ثم يجعله متراكمًا بعضه على بعض ليخرج المطر من خلاله، وهو الوَدْق. وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾. قال ابن زيد: (الودْق: القطر، والخِلال: السحاب). وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. فيه تأويلان محتملان: التأويل الأول: خلق الله في السماء جبالًا من بَرَد، فهو ينزل منها بَرَدًا. أو خلق في السماء جبالًا فيها برد فهو ينزّل منها ما شاء. التأويل الثاني: قيل بل المعنى: ينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من بَرَب إلى الأرض. أو ينزل من السماء بردًا يكون كالجبال. وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال القرطبي: (فيكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة). قلت: وقد تكون إصابته برفق رحمة لهم ولزروعهم وماشيتهم، وتأخيره عنهم الغيث امتحانًا لهم. وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾. السنا: ضوء البرق ولمعانه. قال ابن عباس: (﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ قال: ضوء برقه). وقال قتادة: (يقول: لمعان البرق يذهب بالأبصار). وقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. أي: يُعاقبُ الله الليل والنهار، فيأتي بأحدهما بعد الآخر، ويزيد في أحدهما وينقص من الآخر، ويغيّر النهار بظلمة السحاب مرةً وبضوء الشمس أخرى، كما يغيّر الليل أحيانًا بظلمة السحاب أو ضوء القمر، وفي كل ذلك موضع اعتبار لأولي البصائر والعقول والنهى،

стр. 3120

ليلجؤوا إليه دومًا بالرجاء والدعاء ويفردوه بالتسبيح والتعظيم. وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾. إشارة جديدة إلى عظمته تعالى وقدرته العجيبة، فهو خلق كل أنواع مخلوقاته على اختلاف ألوانها وحجومها وأشكالها وطريقة تحركها من ماء واحد. قال النسفي: (أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو من ماء مخصوص وهو النطفة). وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾. أي: ثم فاضل بينها في طريقة حركتها، فالحية تمشي على بطنها، والإنسان والطير على رجلين، والأنعام وسائر الحيوانات كل يمشي على أربع، إن في ذلك لآية كبيرة على بديع قدرته سبحانه واستحقاقه العبادة وحده لا شريك له. وقوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ويُحدث الله ما يشاء من الخلق مما هو أعجب وأدق فلا حدود لقدرته وهو على كل شيء قدير. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. إرشادٌ منه تعالى إلى تدبر آيات قرآنه وفهم بدائع هذه الحكم والأمثال والعبر التي أودعها كتابه، ثم من استحق الهداية فإنه تعالى يوفقه لها ويجعله على صراط مستقيم. ٤٧ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾. في هذه الآيات: ذكْر بعض صفات المنافقين، يُعلنون الإيمان وما هم بمؤمنين، ويعرضون عن التحاكم لله ورسوله وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. وأما المؤمنون فيخبتون لله ويرضون بحكمه وحكم رسوله وأولئك هم الفائزون. فقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا

стр. 3121

أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. نَعْتُ لبعض صفات المنافقين، يظهرون الطاعة والإيمان، ويُبْطِنُون المكر والعصيان. قال ابن جرير: (﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: لتركهم الاحتكام إلى رسول الله ﷺ ، وإعراضهم عنه إذا دُعُوا إليه). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. أي: وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلى التحاكم إلى كتاب الله وهدي رسوله ترى فريقًا منهم كارهين منكرين مستكبرين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: وإن كان لهم -أي لهؤلاء المنافقين- حقٌّ عند من يدعونهم إلى كتاب الله ورسوله، لرأيتهم يأتون إلى رسول الله للمطالبة بحقهم مسرعين منقادين لحكمه وقضائه لاستخلاص حقهم. وقال مجاهد: (﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ قال: سِراعًا). وقوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال النسفي: (قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه، ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله، وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله ﵊، فمن ثمّ يأبون المحاكمة إليه). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: إنما صفة المؤمنين إذا دعوا للتحاكم لله ورسوله عند الخصومة الانقياد الكامل وإعلان السمع والطاعة، فهؤلاء أهل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 3122

٤ - وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. قال ابن عباس: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق). ومن كنوز صحيح السنة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الدارمي بسند صحيح عن زياد بن حُدَير قال: [قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه زَلَّةُ العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن عدي بن حاتم قال: [أتيت النبي ﷺ ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عَدِيُّ اطْرَحْ عنك هذا الوثَن"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قال: "أما إنّهم لم يكونوا يَعْبُدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحَلَّوا لهم شيئًا استَحَلُّوه، وإذا حَزَموا عليهم شيئًا حرَّموه"] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح عن هانئ بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكم] (٣). والحَكَمُ: هو الحاكم، وحقيقته: الذي سُلِّمَ له الحُكم ورُدَّ إليه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. قال قتادة: (﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمرأه، ويترك ما نَهَيا عنه، ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما مضى من ذنوبه، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يُسْتَقبل). قال ابن كثير: (وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، يعني: الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كلِّ شَرٍّ في الدنيا والآخرة).

стр. 3123

وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٣ - ٣٥]. قال ابن عباس: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ قال: حزن النار). وقال قتادة: (كانوا في الدنيا يعملون وينصبون، وهم في خوف أو يحزنون). قلت: فأول لحظات السعادة الأبدية، والشعور بلذة الفوز والظفر، عند وضع أول قدم على باب الجنة. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: [إنّ أهل الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرُهم. قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين] (١). ٥٣ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ الله تعالى المنافقين في تأكيدهم الخروج للجهاد مع رسول الله ﷺ بالحلف وهم كاذبون. إنه من يطع الله ورسوله ينعم بنور الهداية ومن يعرض فما على الرسول إلا البلاغ المبين. فقوله: (﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾. إخبار عن حال أهل النفاق في استخدامهم أغلظ أيمانهم وأشدّها في الحلف لرسول الله ﷺ لئن أمرهم بالخروج إلى جهاد عدوه وعدو المؤمنين ليخرجن. قال القرطبي: (﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أي طاقة

стр. 3124

ما قدروا أن يحلفوا). وقال مقاتل: (من حلف بالله فقد أجهد في اليمين). وقوله: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾. قال مجاهد: (قد عُرفت طاعتكم إليَّ أنكم تكذبون ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: يقول: إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما، أو غير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك). وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. أي: أخلصوا في اتباع كتابه وسنة نبيّه وذروا النفاق والرياء والكذب. قال النسفي: (صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات، وهو أبلغ في تبكيتهم). وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾. أي: فإن تتولوا فإنه وبال ذلك عليكم، وضرره راجع إليكم، فإن الرسول عليه البلاغ -وهو ما حَفَلهُ الله تعالى- وأما أنتم فعليكم ما حُمِّلْتُم من التكليف ووجوب الإذعان لأمر الله والقيام بطاعته، فإن أبيتم وقعتم تحت سخط الله وتعرضتم لعقابه. وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. أي: إن تطيعوا رسولكم ترشدوا وتصيبوا الحق وطريق الهداية إلى سعادتكم في الدارين. وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. أي البلاغ بالوحي الذي فيه إقامة الحجة عليكم. قال ابن جرير: (يقول: فليس على محمد أيها الناس إلا أداء رسالة الله إليكم، وعليكم الطاعة، وإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتموه بأنفسكم فتوبقون). ٥٥ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾. في هذه الآيات: وَعْدُ الله تعالى المؤمنين الاستخلاف في الأرض والتمكين، فمن

стр. 3125

كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون. وأمْرٌ بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول الكريم. وتقرير عجز الكافرين عن الهروب من عذاب الله وماواهم النار ولبئس المصير. أخرج الحاكم والطبراني بسند رجاله ثقات عن أبي بن كعب ﵁ قال: [لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا ترون أنا نعيش حتى نكون آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ إلى وَمَن ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني بالنعمة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾] (١). وقد حصل وعد الله تعالى لرسوله ﷺ ولأصحابه من بعده، فقد أظهر الله نبيّه على مكة وخيبر والبحرين وسائر الجزيرة العربية وكامل أرض اليمن، وأخذ جزية مجوس هجر وبعض أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس والنجاشي ملك الحبشة بعد أصحمة. وتابع الصديق الفتوح بعده، فدانت له جزيرة العرب وبعث الجيوش إلى الشام وبلاد فارس ومصر، ففتحت دمشق وبصرى وبعض مناطق حوران في زمانه، وأكمل الفتوح من بعده عمر ﵁ ففتحت الشام في عهده بأكملها، وكذلك بلاد مصر وأغلب فارس، ثم تابع عثمان ﵁ حتى حكم أقصى المشارق والمغارب بالإسلام، وأذلّ جيوش الكفر والطغيان. وهذه الآية عامة في كل زمان ومكان، فهي موعود الله تعالى للمؤمنين الصادقين عبر الأيام. والبشائر في ذلك كثيرة كما جاء في السنة العطرة: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها] (٢). الحديث الثاني: أخرج أحمد وابن حِبّان بسند صحيح عن المقداد بن الأسود

стр. 3126

مرفوعًا: [ليبلغَنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذلّ به الكفر] (١). الحديث الثالث: روى أحمد والدارمي بسند حسن عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي، وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا قال: فقال عبد الله: [بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله ﷺ : أيُّ المدينتين تفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولًا. يعني قسطنطينية] (٢). الحديث الرابع: روى أحمد في المسند، بسند صحيح عن حذيفة مرفوعًا: [تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت] (٣). وخلاصة الآية: وعدٌ من الله تعالى للمؤمنين القائمين بدينهم على منهاج النبوة بالاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف لِيُعْبَدَ الله وحده في الأرض لا شريك له ومن خرج بعد ذلك عن الطاعة فله عذاب عظيم. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. أي أقيموا أيها الناس الصلوات التي فرضها الله عليكم بحدودها وأركانها وواجباتها وشروطها، وأدوا زكاة أموالكم على اختلاف أنواعها المفصلة في السنة المطهرة، واتبعوا هدي نبيكم ﵊ ولا تنحرفوا عنه ولا تبتدعوا فيه لتنالكم شفاعة ربكم ولتأمنوا عنده يوم القيامة.

стр. 3127

وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. أي: لا تحسبن -يا محمد- جولة الكفار مستمرة باقية، بل إنهم واقعون تحت مكر الله تعالى فلا يعجزونه، فإن الهلاك يهددهم في الدنيا، وعذاب جهنم نازل بهم لا محالة في الآخرة، ولبئس القرار لهم يومئذ والمأوى نار الجحيم. ٥٨ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾. في هذه الآيات: آداب رفيعة في استئذان الأقارب والأطفال والخدم، وبيان أوقات الأمر بذلك في ثلاثة أحوال: قبل صلاة الفجر حيث الناس نيامٌ على فرشهم، ووقت القيلولة مظنة الإنسان أن يضع ثيابه، ومن بعد صلاة العشاء فهو وقت النوم، وفي غير هذه الأوقات لا جناح عليهم في الدخول والحركة والتطواف في الخدمة ولو رأوا شيئًا من أوضاعكم للإذن لهم في ذلك. وإذا بلغ الأطفال الحلم فعليهم الاستئذان، ولا جناح على القواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات، وأن يلتمسن العفاف والله سميع عليم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال مجاهد: (عبيدكم المملوكون). وهي عامة في جميع أملاك الأيمان، من الذكور والإناث. فعن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن قال: (هي في الرجال والنساء، يستأذنون على كل حال، بالليل والنهار). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (لم يحتلموا من أحراركم). وقال

стр. 3128

عطاء: (فذلك على كل صغير وصغيرة أن يستأذن). وقوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾. أي: لبستأذنوا في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم. قال ابن عباس: (يقول: إذا خلا الرجل بأهله بعد صلاة العشاء، فلا يدخل عليه خادم ولا صبيّ إلا بإذن، حتى يصلِّي الغداة، فإذا خلا بأهله عند صلاة الظهر فمثل ذلك). وقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. العورات هنا الساعات التي تكون فيها العَورة، والمعنى: هذه الخصال أو الأحوال ثلاث عورات في هذه الأوقات. قال ابن كثير: (فيؤمر الخدم والأطفال ألا يَهْجُموا على أهل البيت في هذه الأحوالى، لما يُخشى مني أن يكون الرجلُ على أهله، أو نجو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: إذا دخلوا في غير هذه الأحوال فلا جُناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إذا رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال، لأنه قد أذِنَ لهم في الهجوم، ولأنهم ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: في الخدمة وغير ذلك). وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: (ثم رخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، يعني فيما بين صلاة الغداة إلى الظهر، وبعد الظهر إلى صلاة العشاء، أنه رخص لخادم الرجل والصبي أن يدخل عليه منزله بغير إذن، قال: وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ فأما من بلغ الحلُم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال). وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: كما بينت لكم أيها الناس أحكام الاستئذان في هذه الآية، كذلك يبين الله لكم جميع أعلامه (١)، وأدلته وشرائع دينه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده، حكيم في تدبيره إياهم، وغير ذلك من أموره). وقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (أما من بلغ الحُلُم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله، يعني من الصبيان الأحرار، إلا بإذن على كل حال). وقال عطاء: (واجب على الناس أجمعين أن يستأذنوا إذا احتلموا، على من كان من الناس). وقال ابن شهاب عن ابن المسيب: (يستأذن الرجل على أمه). وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. قال ابن

стр. 3129

المسيب: (يقول: هكذا يبين الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بين لكم أمر هؤلاء الأطفال في الاستئذان بعد البلوغ). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عليم بما يصلح لعباده من الآداب والتشريع وكل شيء من أحوالهم، حكيم في تدبيره وخلقه وتشريعه وتقديره. وقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. القواعد من النساء: أي اللواتي قعدن عن الولد من الكبر، فلا يحضن ولا يلدن، والواحدة قاعد. قال الرازي في "مختار الصحاح": (القاعد من النساء التي قعَدَت عن الولد والحيض). وعن سعيد بن جبير وقتادة: (﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: هُنَّ اللواتي انقطع عنهن الحيضُ ويَئِسْنَ من الولد). وعن مجاهد: (﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ قال: لا يردنه ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: جلابيبهن). وعن ابن مسعود قال: (الجلبابُ، أو الرِّداء). والمقصود: مَنْ لم يبق لهن تشوّفٌ إلى التزويج من النساء القواعد فليس على إحداهن من الحَجْر في التَسَتُّر كما على غيرها، فلها أن تضع الجلباب والرداء يكون فوق الثياب عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء، غير متبرِّجات بزينة. وفي قراءة أبي بن كعب: "أن يضعن من ثيابهن". أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية، فنسخ واستُثْنِيَ من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية] (١). وعن سعيد بن جبير: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، يقول لا يتبرّجن بِوَضْع الجلباب أن يُرى ما عليها من الزينة). والتبرج: هو إظهار المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره. فمقصود الآية: أنْ لا يُقابل الإذنُ لقواعد النساء بِوَضْع بعض ثيابهن تخفيفًا عليهن بإبراز الزينة أو تكلف ذلك أمام الرجال، فإن ذلك ينافي الحياء والعفاف. وقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. إرشاد للأفضل والأَوْلى، وهو تَرْكُ وضع الثياب مع وجود الجواز. قال القاسمي: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أي من

стр. 3130

وضع تلك الثياب ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لأنه أبلغ في الحياء وأبعد من التهمة والمظنة. ولذا يلزمهن، عند المظنة، ألا يضعن ذلك. كما يلزم مثله في الشابة ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي فيسمع مقالهن مع الأجانب، ويعلم مقاصدهن من الاختلاط ووضع الثياب. وفيه من الترهيب ما لا يخفى). ٦١. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾. في هذه الآية: رفْعُ الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض وأمثالهم ممن لا يجب عليهم النفير للجهاد -وكذلك أنتم- في الأكل من بيوت القرابة كالآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والأخوال والخالات والأصدقاء. والأمْرُ بإلقاء السلام عند الدخول والله يبين الآيات لقوم يعقلون. أخرج البزار ورجاله رجال الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: [كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ﷺ فيدفعون مفاتيحهم إلى ضُمَنائِهم (١) ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما أحببتم، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا، إنهم أذنوا عن غير طيب نفس، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ

стр. 3131

عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾] (١). وفي رواية الزهري: [فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل، إنهم أذنوا لنا عن غير طِيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء. فأنزل الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾]. والمقصود: لا حرج على هؤلاء الذين سُمُّوا في هذه الآية، أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها. وفائدة إقحام النفس بقوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أن المراد به ليس على الضعفاء المطعمين، ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات، أو مَنْ هو في مثل حالهم وهم الأصدقاء- حرج في الأكل من بيوت من ذُكِر. وعن الفرّاء: (قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي بيوت أزواجكم وعيالكم). أضافه إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج. وقال ابن قتيبة: (أراد بيوت أولادهم). فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء، لأن الولد من كسب الوالد، وماله بمنزلة مال أبيه. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [إن أطْيَبَ ما أكَلَ الرجلُ من كسْبِهِ، وإن ولَدَهُ من كسْبِهِ] (٢) وفي رواية: [إن أَطْيبَ ما أكَلْتُم من كَسْبِكُم، وإن أولادَكم مِنْ كَسْبِكُم]. وفي رواية عند أبي داود: [ولد الرجل من كسْبِهِ، من أطيب كسبِهِ، فكلُوا من أموالهم] (٣). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو: [أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّ لي مالًا وولدًا، وإنَّ والدي يحتاج مالي؟ قال: أنت ومالكَ لوالدك، إنَّ أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم] (٤).

стр. 3132

ورواه ابن ماجة بلفظ. [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنّ أبي اجتاع مالي. فقال: أنت ومالُكَ لأبيك. وقال رسول الله ﷺ : إن أولادَكم مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكم، فكلوا مِنْ أموالهم]. الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد الله: [أن رجلًا قال: يا رسول الله! إنّ لي مالًا وولدًا. وإن أبي يريد أن يجتاح مالي. فقال: أَنْتَ ومَالُكَ لأبيك] (١). قال القاسمي في "التفسير": ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ يعني أموال المرء، إذا كان له عليهم قيّم ووكيل يحفظها له، أن يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح كونها في يده وحفظه). وقال ابن كثير في "التفسير": (وقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جُناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشقُّ عليهم ولا يَكْرَهون ذلك). قلت: وهذا فهم لطيف للآية، فإنه لا بد من الشعور بسماح الصديق بذلك وعدم إحراجه مع أهله. وعليه يفهم قول قتادة: (إذا دخلت بيتَ صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه). وفي الأثر عن جعفر الصادق: (من عظم حرمة الصديق، أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة، بمنزلة النفس والأب والأخ والابن). وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. رخصة من الله تعالى أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأولى والأفضل الأكل مع الجماعة رجاء حصول البركة. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بروائع هذا المعنى: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن وحشي: [أنهم قالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع. قال: فَلعَلَّكُم تأكلون متفرِّقين؟ قالوا: نعم. قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يُبَارَكْ لكمْ فيه] (٢). الحديث الثاني: أخرج الطبراني في "الأوسط" بسند حسن عن ابن عمر قال: قال

стр. 3133

رسول الله ﷺ : [كلوا جميعًا ولا تتفرّقوا، فإنَّ طعامَ الواحد يكفي الاثنين، وطعامَ الاثنين يكفي الأربعة] (١). وله شاهد عنده في "المعجم الكبير" بلفظ: [طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية، فاجتمعوا عليه، ولا تتفرقوا عنه]. الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة -والترمذي نحوه- بسند حسن عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [كلوا جميعًا ولا تفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة. كلوا جميعًا ولا تفرقوا، فإن البركة في الجماعة] (٢). الحديث الرابع: أخرج الطحاوي بسند صحيح عن عبد الله بن عباس مرفوعًا: [إنّ البركة تنزل وسط القصعة، فكلوا من نواحيها، ولا تأكلوا من رأسها] (٣). وهو عند ابن ماجة من حديث واثلة بلفظ: [كلوا باسم الله مِنْ حَوالَيْها، وأعْفُوا رأسَها، فإنَّ البركة تأتيها مِنْ فوقها]. وقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. قال الضحاك: (﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: يقول: سلموا على أهاليكم إذا دخلتم بيوتكم، وعلى غير أهاليكم، فسلموا إذا دخلتم بيوتهم). وقال سعيد بن جبير وقتادة: (فليسلم بعضكم على بعض). قلت: والآية عامة في أمر الله تعالى المؤمنين بإلقاء السلام بعضهم على بعض سواء في المساجد أو البيوت أو أماكن التقائهم على اختلاف أنواعها، ولا دليل على تخصيص شيء من ذلك دون شيء كما ذهب بعض المفسِّرين. ونصب قوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ بتقدير: سلموا تحية، أو تحيّون أنفسكم تحية من عند الله، وهي السلام. قال النسفي: (﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه، أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه، والمحيا من عند الله

стр. 3134

﴿مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق). فالسلام هو اسم الله تعالى، ففي التحية به ذكر الله ودعاء بالسلامة. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تَدْخلون الجنة حتى تُؤْمِنوا، ولا تُؤمنوا حتى تحابُّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فَعَلْتُموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السلام بينكم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ السَّلامَ اسم من أسماء الله تعالى وضعه الله في الأرض، فأفشوا السلام بينكم] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام] (٣). وفي رواية في الأدب المفرد: [تدخلوا الجنان]. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. أي: هكذا يفصل الله لكم أحكام دينكم، لتفقهوا عنه تعالى أمره ونهيه وأدبه وبيان شرعه وهديه. ٦٢ - ٦٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ

стр. 3135

تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾. في هذه الآيات: إرشادٌ من الله تعالى عباده المؤمنين إلى الأدب مع نبيهم ﷺ ، فإذا دخلوا أو خرجوا فليستأذنوا ولا يتفرقوا إلا عن أمره. والنهي عن مناداة الرسول كمناداة غيره أو ظن دعائه كدعاء غيره. والوعيد الشديد على من تعمد مخالفة أمره، والله بكل شيء عليم. فقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. قال ابن كثير: (وهذا أيضًا أدَبٌ أرشد الله عبادَه المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، ولا سِيَّما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- من صلاة جُمُعَةٍ أو عيد أو جماعة، أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. شهادةٌ من الله تعالى لملتزمي هذه الآداب الرفيعة مع نبيّهم بصدق الإيمان وكماله. وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لبعض شأنهم، يعني لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم، فأذن لمن شئت منهم في الانصراف عنك لقضائها ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾ يقول: وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوب عباده التائبين ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها، بعد توبتهم منها). قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه الآداب العالية في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمر: [أنه أتى النبي ﷺ ، وهو في مشْرُبَةٍ له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم! أيدخل عمر؟ ] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذى بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال

стр. 3136

رسول الله ﷺ : [إذا انتهى أحدكُمْ إلى المَجْلِس فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأوك بأحقَّ من الآخرة] (١). الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن ربعيّ، قال: [حدثنا رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: ألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: "اخْرُجْ إلى هذا! فَعَلِّمْهُ الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل "؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ ، فدخل] (٢). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى مرفوعًا: [إذا استأذن أحدُكم ثلاثًا فلم يُؤْذَنْ له فليرجِعْ] (٣). وقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فيه تأويلان متكاملان: التأويل الأول: التحذير من مناداته باسمه، أو رفع الصوت بالنداء له. قال ابن عباس: (كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم الله عن ذلك إعظامًا لنبيِّه ﷺ . قال: فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله). وقال مقاتل: (لا تُسَمُّوه إذا دعوتموه يا محمد، ولا تقولوا يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله). وهذا المعنى كقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. التأويل الثاني: التنبيه إلى أن دعوته ﷺ مستجابة، ليست كأي دعاء من غيره. فعن الحسن البصري وعطية العوفي: (أي لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا).

стр. 3137

وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال مقاتل: (هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا من المسجد). وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. تهديد ووعيد، لكل متجرئ على مخالفة أمر رسول الله ﷺ وهديه. والمعنى: فليحذر من خالف شريعة الرسول ﷺ باطنًا وظاهرًا أن تصيبهم في قلوبهم فتنة: من كفر أو نفاق أو بدعة، أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا: بقتل أو حَدٍّ أو حبس أو نحوه، ذكره الحافظ ابن كثير ﵀. قلت: بل التهديد للمتجرئ على مخالفة الرسول ﷺ بالعذاب الأليم يشمل حصوله في الدارين: الدنيا والآخرة، وقد جاء هذا التحذير والوعيد في أكثر من حديث في السنة المطهرة: الحديث الأول: روى مسلم عن جابر قال: [كان رسول الله ﷺ إذا خطب احْمَرَّتْ عيناه، وعلا صَوْتُه، واشْتَدَّ غضبُه، حتى كانه مُنْذِرُ جَيْشٍ يقول: صَبَّحَكُمْ مَسّاكُمْ! ويقول: بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين. ويقرن بين إصْبَعَيْه السَبَّابَةِ والوُسْطى، ويقول: أما بَعْدُ، فإن خير الحديث كِتابُ الله، وخَيْرُ الهَدْي هَدْيُ محمد، وشَرُّ الأمور مُحْدثاتها، وكُلُّ بِدْعة ضلالة] (١). الحديث الثاني: يروي ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عمر: [أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماءَ الله أن يصلين في المسجد". فقال ابن له: إنا لنمنعهن، فقال، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: إنا لنمنعهن؟ ] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله حدّثه: [أنه سمع رجلًا من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر: عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر: هي حلال. فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها. فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله ﷺ : أَمْرُ أبي

стр. 3138

يُتْبَع، أم أمْرُ رسول الله ﷺ ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله ﷺ . فقال: لقد صنعها رسول الله ﷺ ] (١). وقد ذكر الإمام الشاطبي في "الاعتصام": (أن الزبير بن بكار قال: سمعت مالكًا بن أنس -وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة حيث أحرم رسول الله ﷺ . فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تَفْعَل. قال: فإني أريد أنْ أُحْرِمَ من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأيُّ فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال الإمام مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله ﷺ ، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾). وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. بيان لكمال علمه تعالى وقدرته، وتأكيد لكمال سلطانه وملكوته وجبروته. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. قال ابن زيد: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ صنيعكم هذا أيضًا ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يقول: ويوم يَرْجِعُ إلى الله الذين يخالفون عن أمره ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يقول: فيخبرهم حينئذ ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا، ثم يجازيهم على ما أسلفوا فيها، من خلافهم على ربهم

стр. 3139

﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقول: والله ذو علم بكل شيء عملتموه أنتم وهم وغيركم، وغير ذلك من الأمور، لا يخفى عليه شيء، بل هو محيط بذلك كله، وهو مُوفٍّ كل عامل منكم أجر عمله يوم ترجعون إليه). قال القرطبي: (و ﴿يَعْلَمُ﴾ هنا بمعنى علم). وقال النسفي: (أدخل قد ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، والمعنى أن جميع ما في السماوات والأرض مختص به خلقًا وملكًا وعلمًا، فكيف تخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجهدون في سترها). تم تفسير سورة النور بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه * * *

стр. 3140

دروس ونتائج وأحكام ١ - الزاني الحر المحصن المكلف حدّه الرجم حتى الموت. ٢ - الزاني غير الحر -العبد أو الأمة- لا رجم عليه، ويجلد خمسين جلدة. ٣ - حَدٌّ يُعْمَلُ به في الأرض، خيرٌ لأهل الأرض مِنْ أن يُمْطروا أربعين صباحًا. ٤ - الزاني لا يطأ إلا زانية مثله أو مشركة، وحُزَمَ على المؤمنين نكاح الزانية أو تزويج الزاني، وإن الزنى من صفات المشركين. ٥ - ثلاثة لا يدخلون الجنة: الدَّيوثُ، والرَّجُلةُ من النساء، ومدمنُ الخمر. ٦ - قذف المحصنات الغافلات المؤمنات من السبع الموبقات. ٧ - مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا، ويلحق الولد بالمرأة. ٨ - براءة عائشة إلى يوم القيامة، والأصل في المؤمنين الظن بأنفسهم خيرًا. ٩ - إنما جُعِلَ الاستئذان من أجل البَصَر، ومن اطَّلعَ في بَيْتِ قومٍ بغير إذنهم، فقد حَل لهم أن يفقؤوا عَيْنَه. ١٠ - حقّ الطريق: غَضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ١١ - لا تباشر المرأة المرأةَ لتنعتها لزوجها، كأنما ينظر إليها. ١٢ - وجوب ليِّ الخمار على العنق والصدر للمرأة، والوجه ليس بعورة. ١٣ - المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها، ولا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو مَحْرم. ١٤ - كلُّ عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرَّت بالمجلس فهي زانية. ١٥ - النكاح من سنته ﷺ ، ومن لم يعمل بسنته فليس منه، ومن كان ذا طَوْلٍ فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصيام، فهو له وجاء.

стр. 3141

١٦ - رغبّ الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى. ١٧ - ثلاث حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف. ١٨ - الله نور السماوات والأرض: أي منورهما وهادي أهلهما. ١٩ - من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله. ٢٠ - لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد، وإذا زَخْرَفْتُم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم. ٢١ - إذا رأيتم من يبيع أو يبتاعُ في المسجد فقولوا: لا أربحَ الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردّها الله عليك. ٢٢ - من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أَقرَّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسق. ٢٣ - إن الله تعالى هو الحَكَمُ، وإليه الحُكم. ٢٤ - ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، وستفتح روما كما فتحت قسطنطينية، وستكون خلافة على منهاج النبوة. ٢٥ - العورات -في الآية-: الساعات التي تكون فيها العورة، فلا يدخل الخادم أو الصبي إلا بإذن. ٢٦ - القواعد من النساء: هن اللواتي قعدن عن الولد من الكبر، فلا يحضن ولا يلدن، والواحدة قاعد. فليس على إحداهن من الحَجْر في التستر كما على غيرها. ٢٧ - رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، وأطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كَسْبه. ٢٨ - كلوا جميعًا ولا تتفرقوا، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وإن البركة في الجماعة. ٢٩ - اعبدوا الرحمان، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام، وإذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له فليرجع. ٣٠ - مخالفة أمره ﷺ مظنة الوقوع في الفتنة، أو نزول العذاب الأليم. * * *

стр. 3142

٢٥ - سورة الفرقان وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧٧) موضوع السورة الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان - منهاج السورة - ١ - ثناء الله تعالى على نفسه منزل الفرقان بين الحق والباطل قد أحسن كل شيء خلقه، فهو الملك الأحد الصمد والمشركون هم الخاسرون. ٢ - افتراء الكفار على الوحي والرسول بالاتهام والتكذيب، وتوعد الله لهم بالنكال والتعذيب. ٣ - تنطع المشركين في طلب الآيات والمعجزات، وتكذيبهم بالساعة والبعث بعد الممات. ٤ - دعوةُ الكافرين لمقارنة منازل النعيم مع مدارك الجحيم، وتبرؤ عيسى وعزير والملائكة من عبادة الظالمين. ٥ - إثبات بشرية الرسل، وإخبار عن شقاء المشركين يوم يرون الملائكة، والمؤمنون يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا.

стр. 3143

٦ - تَفَطُّر السماء يوم القيامة، ونزول الملائكة لأرض المحشر وندم الظالمين، وانتصار الرسول للقرآن الكريم. ٧ - تنطّعُ الكافرين واعتراضهم على نزول القرآن مفرقًا لا جملة واحدة، وحكمة الله في ذلك تخرسهم، ويوم القيامة يحشرون أذلاء على وجوههم. ٨ - تسلية الله رسوله عما يلقاه من أذى المشركين، بذكر أحوال الرسل قبله وإهلاك الظالمين. ٩ - تَمَسُّكُ المشركين بدين الآباء الفاسد، وتشبيههم بالأنعام بل هم أضل سبيلًا. ١٠ - امتنان الله على عباده بنعمة الظل والليل والنهار والرياح والمطر. ١١ - تحميلُ الله نبيّه كامل مهمة الإنذار للثقلين، والأمر بمجاهدة المشركين بالقرآن الكريم، وتذكيره تعالى عباده بنعمة الماء العذب والماء المالح والتزاوج والنسب والصهر والمودة والرحمة. ١٢ - توبيخُ الكفار في عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وأمره تعالى نبيّه بالتوكل عليه وتنزيهه، وهم يكفرون بالرحمان، ولا يسجدون له بل يزدادون من المكر والطغيان. ١٣ - تنزيه الله تعالى الذي خلق البروج في السماء والشمس والقمر، وجعل الليل والنهار متعاقبين لمن أراد أن يشكر أو يذكر. ١٤ - ثناء الله على عباده المؤمنين، فهم يمشون على الأرض هونًا، ويبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، ولا يسرفون ولا يزنون ولا يقتلون النفس التي حزم الله، والله تعالى يعفو عن التائبين. ولا يشهدون الزور ويبتعدون عن اللغو ويثابرون في الدعاء سائلين الله أن يقر أعينهم في أزواجهم وذرياتهم ويجعلهم قدوة للمتقين. ١٥ - جزاء التقوى جنات النعيم، وجزاء التكذيب بالحق الخزي في الدارين. * * *

стр. 3144

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٣. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾. في هذه الآيات: تقديسُ الله منزل الفرقان بين الحق والباطِل، المَلِك الأحد الصمد لم يتخذ ولدًا ولا شريك له في الملك وقد أحسن كل شيء خَلقَه، والمشركون خائبون في اتخاذهم آلهة من دونه لا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا ولا تستطيع إماتة ولا إحياء ولا نشورًا. فقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. قال الضحاك عن عبد الله بن عباس: (تبارك: تَفاعَلَ من البركة). فالمعنى كما قال ابن جرير: (يقول: تبارك الذي نَزَّلَ الفصل بين الحق والباطل، فصلًا بعد فصل، وسورة بعد سُورة، على عبده محمد ﷺ ، ليكون محمد لجميع الجن والإنس، الذي بعثه الله إليهم داعيًا إليه، نذيرًا: يعني منذِرًا يُنذرهم عِقابه، ويخوّفهم عذابه، إن لم يوحدوه، ولم يخلصوا له العبادة، ويخلَعوا كل ما دونه من الآلهة والأوثان). وقد وصف الله تعالى نبيّه في هذه الآية بأجمل صفة له، وهي صفة العبودية، فقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ نعت مدح وثناء، لأنه أضافه إلى عبوديته جل ثناؤه. وقد تكررت هذه الصفة العطرة في القرآن، في مدح نبينا ﵊. ١ - ففي مقام الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ

стр. 3145

الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. ٢ - وفي مقام إثبات التنزيل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. ٣ - وفي مقام الدعوة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: سمع عمرَ ﵁ يقولُ على المِنْبَرِ، سمعت النبي ﷺ يقول: [لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عَبْدُهُ، فقولوا: عَبْدُ الله ورسولُهُ] (١). كما وصفه بأنه ﵊ مبعوث إلى الثقلين: الجن والإنس. فقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ إثبات رسالته إلى جميع الخلق. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطيتُ جوامِعَ الكلِم، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لي المَغَانِمُ، وَجُعِلَتْ ليَ الأرض طهورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وَخُتِمَ بيَ النبيُّون] (٢). وقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾. إثباتُ الملك الكامل لله تعالى، وتنزيهٌ له سبحانه عن الشريك والولد. وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. أي: أحدث كل شيء وحده فأحسن خلقه، وهيأه لما يصلح له بلا خلل، فالإنسان في أحسن تقويم، وجميع الخلق كذلك في أحسن تقدير، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. تَعَجُّبٌ من اتخاذ المشركين آلهة عاجزة عن الخلق، مع أن الخلق أهم صفات الإله. قال القرطبي: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ يعني الآلهة. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لمَّا اعتقد المشركون فيها أنها تضرّ وتنفع، عبَّر عنها كما يُعَبِّرُ عما يعقل). وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. أي: لا دفع ضرّ وجلب نفع، فحذف

стр. 3146

المضاف. قال النسفي: (ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها). وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾. النشور: الإحياء بعد الموت، وهذه صفة يتحدى الله تعالى بها الخلق جميعًا. كما قال جل ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]. وقال جل ثناؤه: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]. قال القاسمي: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أي: لا يملكون دفع ضر ولا جلب نفع ولا إماتة أحد وإحياءه أوّلًا وبعثه ثانيًا. ومن كان كذلك فبمعزل عن الألوهية، لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها. وفيه تنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادرًا على البعث والجزاء. أفاده القاضي). ٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾. في هذه الآيات: افتراء الكفار على الوحي والرسول بالاتهام والتكذيب، وَتَوعُّدُ الله -الذي أنزل هذا القرآن- المعاندين بالنكال والتعذيب. فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ - هو قول الكفار في القرآن يزعمون أن محمدًا ﷺ اختلقه وتخرّصه. والإفك: الكذب. وقوله: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾. قال مجاهد: (يهود). قال ابن كثير: (أي: واستعان على جَمْعه بقوم آخرين). وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾. قال ابن جريج، عن مجاهد: (قال: كذبًا). قال القاسمي: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا﴾ أي بجعل الصدق إفكًا، والبريء عن الإعانة معينًا. ﴿وَزُورًا﴾ أي باطلًا لا مصداق له، يعلمون من أنفسهم أنه باطل وبهتان).

стр. 3147

وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. أي: وزعموا أن ما جاء به من هذا الوحي العظيم إنما هو من كتب الأوائل استنسخها فهي تقرأ عليه أول النهار وآخره. قال ابن جريج: (﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أشعارهم وكهانتهم). قال ابن كثير: (وهذا الكلامُ -لسَخافتِه وكذِبهِ وبَهْتِهِ منهم- كُلُّ أحد يعلم بطلانه، فانه قد عُلِمَ بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله لم يكُنْ يُعاني شيئًا من الكتابة، لا في أول عُمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أوَّلِ مَوْلدِهِ إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخَلَه ومخرجه، وصِدْقه وبرَّه وأمانتَه ونزاهَتَه من الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم لم يكونوا يُسَمُّونه في صِغَره وإلى أن بُعثَ إلا الأمينَ، لما يَعْلَمون من صِدْقِهِ وبِرِّه. فلما أكرَمَهُ الله بما أكرَمَهُ به، نصبوا له العداوةَ، ورمَوْه بهذه الأقوال التي يعلَم كلّ عاقل براءَته منها، وحاروا ماذا يقذفونه به، فتارةً من إفكهم يقولون: ساحرٌ، وتارةً يقولون: شاعرٌ، وتارةً يقولون: مجنونٌ، وتارةً يقولون: كذابٌ، قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨]). وقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. تسكيت لهم وزجْرٌ لافترائهم وقرْعٌ لكذبهم. فهذا الوحي العظيم، هو كلام رب العالمين، أنزله بعلمه، فهو الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض وأسرارهما. فَعن ابن جريج: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ما يسرّ أهل الأرض وأهل السماء). قال النسفي: (﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿أَنْزَلَهُ﴾ أي القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي يعلم كل سرّ خفي في السماوات والأرض، يعني أن القرآن لما اشتمل على علم الغيوب التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد ﵊ من غير تعليم دل ذلك على أنه من عند علام الغيوب). وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. قال القرطبي: (يريد غفورًا لأوليائه رحيمًا بهم). ٧ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ

стр. 3148

جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾. في هذه الآيات: التفاتُ المشركين إلى النقد البارد لطبيعة شخص من أرسل إليهم، وانصرافهم عن الوحي العظيم المنزل بشأنهم لنجاتهم وسعادتهم، فهم كالأقوام من أمم الرسل قبلهم يحتجون على الرسول بأنه يأكل مثلهم ويدخل الأسواق للتكسب والتجارة، ويتنطعون في طلب الآيات والمعجزات والخيالات، وقد كذبوا بالساعة وقد توعدهم الله بسوء العذاب ونوال النكال. فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾. قال ابن جرير: (وقال المشركون ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾: يعنون محمدًا ﷺ ، الذي يزعم أن الله بعثه إلينا ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كما نأكل، ﴿وَيَمْشِي﴾ في أسواقنا كما نمشي. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾: يقول: هلا أنزل إليه ﴿مَلَكٌ﴾ إن كان صادقًا من السماء ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ منذرًا للناس، مصدّقًا له على ما يقول، أو يلقى إليه كنز من فضة أو ذهب، فلا يحتاج معه إلى التصرف في طلب المعاش ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ يقول: أو يكون له بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾). وقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. قال القاسمي: (أي مغلوبًا على عقله). وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾. توبيخ للمشركين وتسخيف لحججهم الدالة على تفاهة عقولهم، إذ تجرؤوا على القدح بنبوّتك يا محمد بأساليب سخيفة فخسروا طريق الهداية وحُوصروا في باطلهم. قال ابن عباس: (﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهُدى في غيره). وقال مجاهد: (﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال: مَخْرجًا يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك).

стр. 3149

وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾. قال ابن عباس: (من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس). وقال مجاهد: (مما قالوا وتمنّوا لك، فيجعل لك مكان ذلك ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قال: بيوتًا مبنية مشيدة، كان ذلك في الدنيا، قال: كانت قريش ترى البيت من الحجارة قصرًا كائنًا ما كان). فالمعنى: تقدّس الذي إن شاء جعل لك يا محمد خيرًا مما قالوا وتخيّلوا، بساتين ثمار وجمال، تجري من تحتها الأنهار، وبيوتًا مبنية مشيدة من حجارة وزخارف وعمران، ولكن اقتضت حكمته أن يكون الجهاد في الدنيا لإعلاء كلمة الحق لا لسكن القصور والنظر في الأموال، وأن يكون هذا القرآن بما بسط الله فيه من الآيات البديعة مصدر الإيمان والاستدلال، وقد هيأ الله في الدار الآخرة من النعيم لرسله وأوليائه ما يعجز عنه الوصف والخيال، فسبحان الله الكريم الحكيم المتعال. وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾. أي: بل أتوا بأعجب من ذلك الذي تنطّعوا به، وهو تكذيبهم بالساعة، وقد قضى الله تعالى لمن كذب بالساعة نارًا يصلاها ويذوق سعيرها ولهبها. وقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾. قال النسفي: (أي إذا كانت منهم بمرأى الناظرين في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت التغيظ والزافر، أو إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبًا على الكفار). وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يخرجُ عُنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إني وُكِّلت بثلاث: بكل جَبَّار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصوِّرين] (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾. معنى مقرَّنين: مُكتَّفين مقيدين مسلسلين بالأغلال. وعن الضحاك: (﴿ثُبُورًا﴾ أي هلاكًا). وقال ابن عباس: (ويلًا).

стр. 3150

قال القاسمي: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي هلاكًا. أي نادوه نداء المتمني الهلاك، ليسلموا مما هو أشد منه. كما قيل: أشد من الموت ما يُتمنى معه الموت). وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾. قال ابن عباس: (أي: لا تدعوا اليوم ويلًا واحدًا، وادعوا ويلًا كثيرًا). وعن الضحاك: (الثبور: الهلاك). قال ابن كثير: (والأظهر أن الثُّبور يجمع الهلاك والويل والخسارَ والدَّمار، كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكًا). وفي مستدرك الحاكم بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أهل النار ليَبْكونَ حتى لو أُجْرِيت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (١). ١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾. في هذه الآيات: دعوةُ الكافرين لمقارنة منازل النعيم مع مدارك الجحيم، فالمتقون في جنات ونعيم، ومقام كريم، خالدين في الملذات وفي رضوان رب العالمين. فقوله: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. قال القرطبي: (قيل: إنما قال ذلك لأن الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل، فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلتين). فالمعنى: قل -يا محمد- لهؤلاء الأشقياء الذين سلكوا سبيل الجحيم، والجلوس في السعير مُقَرَّنِينَ، والخلود في مضايق جهنم بأنهم كانوا مجرمين، أذلك خير لكم أم طاعة الله التي كانت توردكم حياض النعيم، والتلذذ بألوان الطعام والشراب والملذات مع المتقين! ؟

стр. 3151

وقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾. أي ثوابًا ومستقرًا ومرجعًا. قال النسفي: (وإنما قيل كانت لأن ما وعد الله كأنه كان لتحققه، أو كان ذلك مكتوبًا في اللوح قبل أن خلقهم). وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾. أي من ألوان الملذات وأشكال النعيم. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٤ - ٥٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٦]. ومن روائع السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [غدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفُها على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (١). والنصيف: الخمار. الحديث الثاني: أخرج مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : أعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم الله عليه] (٢). ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. الحديث الثالث: أخرج الترمذي والدارمي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [مَوْضِعُ سَوْطِ أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وقرأ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ

стр. 3152

عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾] (١). وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. أي: هم في هذا النعيم في خلود لا انقطاع له. وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾. قال ابن عباس: (فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه). وقال ابن زيد: (سألوه إياها في الدنيا، طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم، إذ سألوه أن يعطيهم، فأعطاهم، فكان ذلك وعدًا مسؤولًا، كما وقَّت أرزاق العباد في الأرض قبل أن يخلقهم، فجعلها أقواتًا للسائلين، وقَتَ ذلك على مسألتهم، وقرأ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]). وكان بعض أهل العربية يرى أن معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: وعدًا واجبًا. لابد أن يقع وأن يكون، حكاه ابن جرير في التفسير. ١٧ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ الخزي الذي ينتظر المشركين يوم الحشر في عبادتهم آلهة من دون الله، وتبرؤ عيسى وعزير والملائكة ممن عبدوهم، والظالمون في عذاب كبير. فقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ - تقريع وتوبيخ للكفار يوم القيامة في عبادتهم آلهة من دون الله. قال مجاهد: (عيسى، وعُزير، والملائكة). وقوله: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾. خطاب من الله تعالى للذين كان هؤلاء المشركون قائمين على عبادتهم.

стр. 3153

قال ابن جرير: (يقول: أأنتم أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغيّ والضلالة، حتى تاهوا وهلكوا، أم هم ضلوا السبيل، يقول: أم عبادي هم الذين ضلوا سبيل الرشد والحق، وسلكوا العطب). وقوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. يجيب به المعبودون يوم القيامة. وهي كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]. وكقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. وكذلك في هذه الآية: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك. بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أَمْرِنا ولا رِضانا ونحن بُرآءُ منهم ومن عبادتهم). وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾. أي طال عليهم العمر وهم منغمسون في شهواتهم حتى نسوا الذكر وقست قلوبهم. قال القاسمي: (ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم، ليعرفوا حقها ويشكروها، فانهمكوا في الشهوات حتى نسوا الذكر، أي ذكرك. أو التذكر في آلائك، والتدبر في آياتك، فجعلوا أسباب الهداية، بسوء اختيارهم، ذريعة إلى الغواية- أفاده أبو السعود). وقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. قال ابن عباس: (هلكى). وقال الحسن: (هم الذين لا خير فيهم). وقال ابن زيد: (يقول: ليس من الخير في شيء. البور: الذي ليس فيه من الخير شيء). والمقصود: فكانوا بكفرهم وانغماسهم في غيهم وشهواتهم هالكين. وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾. قال مجاهد: (عيسى وعزير والملائكة، يكذِّبون المشركين بقولهم). والمقصود: تبرؤ الذين عُبِدوا من دون الله مِمَّن عَبدوهم. قال النسفي: (ومعناه: فقد كذبوكم بقولهم: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من

стр. 3154

دونك من أولياء. قال: وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول). وفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه] (١). وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال ابن جريج: (لا يستطيعون صرف العذاب عنهم، ولا نصر أنفسهم). وقال مجاهد: (المشركون لا يستطيعونه). وقوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. قال ابن جريج: (﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾: بشرك). وقال الحسن: (هو الشرك). قال ابن جرير: (ومن يشرك بالله فيظلم نفسه، فذلك نذقه عذابًا كبيرًا). ٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾. في هذه الآيات: إثبات بشرية الرسل، وطلب المشركين تنزل الملائكة عليهم استكبارًا وغرورًا، وإخبار الله تعالى عن شقائهم يوم يرون الملائكة ويقولون حجرًا محجورًا. وأما المؤمنون فهم يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا. فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي

стр. 3155

الْأَسْوَاقِ﴾. تأييد للنبي ﷺ واحتجاج من الله تعالى على مشركي قومه الذين استنكروا بشرية الرسول وأكله الطعام ودخوله الأسواق للتكسب والتجارة. قال ابن جرير: (فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا مَنْ إنهم ليأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كالذي تأكل أنت وتمشي، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. يشمل التفاوت بين الناس واصطفاء الرسل والأنبياء. قال الحسن: (يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرًا مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيًا مثل فلان، ويقول هذا السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحًا مثل فلان). وقال ابن جريج: (يُمْسِك عن هذا، ويوسِّع على هذا، فيقول: لم يعطني مثل ما أعطى فلانًا، ويبتلي بالوجع كذلك، فيقول: لم يجعلني ربي صحيحًا مثل فلان، في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع). وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ قال: يقول الله: لو شئت أن أجعلَ الدنيا مع رسلي فلا يخالَفون، لَفَعلتُ، ولكنّي قد أردت أن أبتليَ العِبادَ بهم، وأبتليهم بهم). وفي صحيح مسلم من حديث عِياضِ بن حِمارٍ المُجَاشِعيِّ مرفوعًا: [وإن الله نَظَرَ إلى أهل الأرض فَمَقَتَهم، عربَهُم وعَجَمَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وأبْتَلِيَ بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يَغْسلُهُ الماءُ، تَقْرَؤُهُ نائمًا ويقظان] (١). ويوم خُيِّرَ النبي ﷺ بين مقام الملك ومقام العبودية اختار المقام الثاني لشرفه وعلوه. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزلَ منذ خُلِقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك:
следующие страницы →