وقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾. أي ثوابًا ومستقرًا ومرجعًا.
قال النسفي: (وإنما قيل كانت لأن ما وعد الله كأنه كان لتحققه، أو كان ذلك مكتوبًا في اللوح قبل أن خلقهم).
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾. أي من ألوان الملذات وأشكال النعيم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٤ - ٥٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٦].
ومن روائع السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [غدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحَةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفُها على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (١). والنصيف: الخمار.
الحديث الثاني: أخرج مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : أعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم الله عليه] (٢). ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
الحديث الثالث: أخرج الترمذي والدارمي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [مَوْضِعُ سَوْطِ أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، وقرأ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ
стр. 3152
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾] (١).
وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾. أي: هم في هذا النعيم في خلود لا انقطاع له.
وقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.
قال ابن عباس: (فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه).
وقال ابن زيد: (سألوه إياها في الدنيا، طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم، إذ سألوه أن يعطيهم، فأعطاهم، فكان ذلك وعدًا مسؤولًا، كما وقَّت أرزاق العباد في الأرض قبل أن يخلقهم، فجعلها أقواتًا للسائلين، وقَتَ ذلك على مسألتهم، وقرأ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠]).
وكان بعض أهل العربية يرى أن معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: وعدًا واجبًا. لابد أن يقع وأن يكون، حكاه ابن جرير في التفسير.
١٧ - ١٩. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ الخزي الذي ينتظر المشركين يوم الحشر في عبادتهم آلهة من دون الله، وتبرؤ عيسى وعزير والملائكة ممن عبدوهم، والظالمون في عذاب كبير.
فقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ - تقريع وتوبيخ للكفار يوم القيامة في عبادتهم آلهة من دون الله. قال مجاهد: (عيسى، وعُزير، والملائكة).
وقوله: ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾.
خطاب من الله تعالى للذين كان هؤلاء المشركون قائمين على عبادتهم.
стр. 3153
قال ابن جرير: (يقول: أأنتم أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغيّ والضلالة، حتى تاهوا وهلكوا، أم هم ضلوا السبيل، يقول: أم عبادي هم الذين ضلوا سبيل الرشد والحق، وسلكوا العطب).
وقوله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. يجيب به المعبودون يوم القيامة. وهي كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧].
وكقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].
وكذلك في هذه الآية: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك. بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أَمْرِنا ولا رِضانا ونحن بُرآءُ منهم ومن عبادتهم).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾. أي طال عليهم العمر وهم منغمسون في شهواتهم حتى نسوا الذكر وقست قلوبهم.
قال القاسمي: (ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم، ليعرفوا حقها ويشكروها، فانهمكوا في الشهوات حتى نسوا الذكر، أي ذكرك. أو التذكر في آلائك، والتدبر في آياتك، فجعلوا أسباب الهداية، بسوء اختيارهم، ذريعة إلى الغواية- أفاده أبو السعود).
وقوله: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾. قال ابن عباس: (هلكى). وقال الحسن: (هم الذين لا خير فيهم). وقال ابن زيد: (يقول: ليس من الخير في شيء. البور: الذي ليس فيه من الخير شيء). والمقصود: فكانوا بكفرهم وانغماسهم في غيهم وشهواتهم هالكين.
وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾. قال مجاهد: (عيسى وعزير والملائكة، يكذِّبون المشركين بقولهم). والمقصود: تبرؤ الذين عُبِدوا من دون الله مِمَّن عَبدوهم.
قال النسفي: (ومعناه: فقد كذبوكم بقولهم: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من
стр. 3154
دونك من أولياء. قال: وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول).
وفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه] (١).
وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. قال ابن جريج: (لا يستطيعون صرف العذاب عنهم، ولا نصر أنفسهم). وقال مجاهد: (المشركون لا يستطيعونه).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾. قال ابن جريج: (﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾: بشرك). وقال الحسن: (هو الشرك). قال ابن جرير: (ومن يشرك بالله فيظلم نفسه، فذلك نذقه عذابًا كبيرًا).
٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: إثبات بشرية الرسل، وطلب المشركين تنزل الملائكة عليهم استكبارًا وغرورًا، وإخبار الله تعالى عن شقائهم يوم يرون الملائكة ويقولون حجرًا محجورًا. وأما المؤمنون فهم يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلًا.
فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي
стр. 3155
الْأَسْوَاقِ﴾. تأييد للنبي ﷺ واحتجاج من الله تعالى على مشركي قومه الذين استنكروا بشرية الرسول وأكله الطعام ودخوله الأسواق للتكسب والتجارة.
قال ابن جرير: (فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا مَنْ إنهم ليأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، كالذي تأكل أنت وتمشي، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة).
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. يشمل التفاوت بين الناس واصطفاء الرسل والأنبياء. قال الحسن: (يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرًا مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيًا مثل فلان، ويقول هذا السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحًا مثل فلان).
وقال ابن جريج: (يُمْسِك عن هذا، ويوسِّع على هذا، فيقول: لم يعطني مثل ما أعطى فلانًا، ويبتلي بالوجع كذلك، فيقول: لم يجعلني ربي صحيحًا مثل فلان، في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع).
وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ قال: يقول الله: لو شئت أن أجعلَ الدنيا مع رسلي فلا يخالَفون، لَفَعلتُ، ولكنّي قد أردت أن أبتليَ العِبادَ بهم، وأبتليهم بهم).
وفي صحيح مسلم من حديث عِياضِ بن حِمارٍ المُجَاشِعيِّ مرفوعًا: [وإن الله نَظَرَ إلى أهل الأرض فَمَقَتَهم، عربَهُم وعَجَمَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وأبْتَلِيَ بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يَغْسلُهُ الماءُ، تَقْرَؤُهُ نائمًا ويقظان] (١).
ويوم خُيِّرَ النبي ﷺ بين مقام الملك ومقام العبودية اختار المقام الثاني لشرفه وعلوه.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا الملك ما نزلَ منذ خُلِقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك:
стр. 3156
أملكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول الله ﷺ : لا، بل عبدًا رسولًا] (١).
وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾. قال ابن جريج: (إن ربك لبصير بمن يجزع، ومن يصبر).
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ الآية. فيه تأويلان متكاملان:
التأويل الأول: قال ابن جريج: (قال كفار قريش: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيخبرونا أن محمدًا رسول الله ﷺ أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾).
وهذا الذي طلبوه يشبه ما حكى الله عنهم في سورة الإسراء حيث قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
التأويل الثاني: ذكره الحافظ ابن كثير حيث قال: (لولا أنزل علينا الملائكة: أي بالرسالة كما تنزل على الأنبياء).
وهو كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [١٢٤].
فأجابهم الجبار سبحانه بأنهم لن يروا الملائكة في يوم خير لهم، بل في يوم شؤم عليهم، وشر يحيط بهم، وهو ساعة الاحتضار، حين تبشرهم الملائكة بالنار، والغضب من الجبار، كما قال جل وعزّ في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
стр. 3157
فبشرهم بقدوم الملائكة في أحرج ساعات حياتهم، وهم يبسطون أيديهم إليهم بالضرب والإزعاج وتقطيع العصب، أحوج ما يحتاجون إلى من يخفف عنهم سكرات الموت وآلام النزع والفراق، ليرون خلاصة تكذيب المرسلين في هذه الدقائق الحالكة، والملائكة ينهالون عليهم بالضرب والنَّهْرِ والإيلام، كما قال جل ذكره في سورة الأنفال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]. وكما قال في سورة محمد: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧].
وقد أخرج الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن عن البراء مرفوعًا: [ .. ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب .. ] الحديث (١).
فتأبى الأرواح الخروج من أجسادهم فتفرق في البدن، فيضربونه لينتزعونها وقد تقطع مع خروجها العروف والعصب.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾. قال مجاهد: (يعني يوم القيامة). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾. قال الضحاك: (تقول الملائكة: حرامًا محرمًا أن تكون لكم البشرى). وقال قتادة: (هي كلمة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا نزل به شدة قال: حجرًا، يقول: حرامًا محرّمًا). فأصل الحِجْر في كلام العرب: الحرام.
ومن ثمَّ فللآية تأويلان ممكنان:
التأويل الأول: قول مجاهد: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قال: يوم القيامة، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قال: عوذًا معاذًا، الملائكة تقوله).
التأويل الثاني: أنه خبرٌ من الله عن قيل المشركين إذا عاينوا الملائكة. قال ابن جُريج: (حِجْوًا: عوذًا يستعيذون من الملائكة).
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
قال مجاهد: (﴿وَقَدِمْنَا﴾: عَمَدنا، ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ يقول: فجعلناه
стр. 3158
باطلًا، لأنهم لم يعملوه لله وإنما عملوه للشيطان).
قال القرطبي: (فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره الخيل بسنابكها من الغبار. والمنبث: المتفرق).
أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي عامر الألهاني، عن النبي ﷺ أنه قال: [لأعْلَمَنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضًا، فيجعلها الله هباءً منثورًا. قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جَلِّهِمْ لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانْكم، ومِنْ جِلْدَتِكُم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها] (١).
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لا يَظلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعطي بها في الدنيا ويَجْزِي بها في الآخرة، وأما الكافر فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تَكُنْ له حَسَنَةٌ يُجْزَى بها] (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
قال ابن عباس: (إنما هي ضَحْوَةٌ، فيقيلُ أولياء الله على الأسرَّةِ مع الحور العين، ويقيلُ أعداءُ الله مع الشياطين مُقَرَّنين).
وقال سعيد بن جبير: (يفرغ الله من الحساب نصفَ اللهار، فيقيلُ أهل الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾).
وعن قتادة: (﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي: مأوى ومنزلًا).
قال النسفي: (والمستقر: المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون. ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾: مكانًا يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم في الجنة، ولكنه سمى مكان استراحتهم إلى الحور مقيلًا على طريق التشبيه).
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: [إن في الجنة
стр. 3159
خيمةً مِنْ لُؤلؤة مُجَوَّفة، عَرْضُها سِتُّونَ مِيلًا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون] (١). وفي رواية:
[إن للمؤمنينَ في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا].
وفي لفظ آخر: [الخيمة درّة طولها في السماء ستون ميلًا، في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون].
قال ابن القيم: (وهذه الخيم غير الغرف والقصور، بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار).
٢٥ - ٣١. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
في هذه الآيات: تَفَطُّرُ السماء يوم القيامة وانفراجها بالغمام ونزول الملائكة لأرض المحشر وكان يومًا على الكافرين عسيرًا. ونَدَمُ الظالم وعضّه على يديه متمنيًا أن لو كان قد اتخذ مع الرسول سبيلًا، ولم يتخذ فلانًا من أصحاب السوء خليلًا. وقولُ الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا. وعداوة المجرمين للأنبياء والمرسلين والصالحين وكفى بالله هاديًا ونصيرًا.
فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
إخبار من الله عن أهوال القيامة من انشقاق السماء وتفطّرها وانفراجها
стр. 3160
بالغمام ونزول الملائكة من السماء للإحاطة بالخلائق في أرض المحشر ثم مجيء الرب ﵎ لفصل القضاء.
قال مجاهد: (وهذا كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]).
قال القاسمي: (﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي ينصدع نظامها فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما يرى اليوم. فيخرب العالم بأسره. و"الباء" بمعنى "مع" أي مع السحب الجوية. أو بمعنى "عن" أي تنفطر عن الغمام الذي يسوِّد الجو ويظلمه، ويغم القلوبَ مرآه ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ فيحيطون بالخلائق في المحشر).
وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
المُلْكُ الثابت يومئذ لله تعالى، وكل ملك دونه يزول، فلا يبقى يومئذ إلا ملكه.
وكان ذلك اليوم شديد العسرة والضيق على الكافرين، لأنه يوم الفصل وكشف السرائر وإقامة العدل والحق المبين.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٨ - ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (١). وفي لفظ مسلم: [ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون].
وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: [جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم! إن الله يُمْسِكُ السماوات على إصْبَع، والأرضين على إصْبَع، والشَّجَرَ والثَّرَى على إصْبَعٍ، والخلائق على إصْبَعٍ، ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك.
стр. 3161
قال: فرأيت النبي ﷺ ضَحِكَ حتى بَدَتْ نواجِذُهُ، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
بيان لندم الظالم يوم القيامة غاية الندم، حتى يعض على يديه من شدة ما اجترح من الآثام، ورفقة سيِّئ الخِلّان، حتى أسرف على نفسه بالكبر والكفر وطاعة الشيطان، وهنالك يتبرأ اللعين منه ويخذله كما خذله في الدنيا عن طاعة ربه، وزين له المعصية ليركبها، ومازال يمنيه الطاعة ليسوِّفها.
أخرج أبو نعيم في (الدلائل)، وابن مردويه بسند يرقى للحسن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: [أنّ أبا معيط كان يجلس مع النبي ﷺ بمكة لا يؤذيه، وكان رجلًا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلًا فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدّ مما كان أمر! فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صَبَأ، فبات بليلة سوء! فلما أصبح أتاه أبو معيط فَحَيَّاه فلم يردّ عليه التحية فقال: ما لك لا تردّ عليَّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟ فقال: أو قد فعلتها قريش؟ قال: فما يبرئ صدورهم إنْ أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه وتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم ففعل، فلم يزد النبي ﷺ أن مسح وجهه من البزاق ثم التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجًا من جبال مكة أضرب عنقك صبرًا، فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا، قال: قد وعدني هذا الرجل إنْ وجدني خارجًا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرًا، فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم فلما هزم الله المشركين وَحَلَ (٢) به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله ﷺ أسيرًا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم، بما بزقت في وجهي، فأنزل الله في أبي معيط: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى
стр. 3162
قوله ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
إخبارٌ من الله عن شكوى رسوله إليه في استهزاء قومه الذين بعث إليهم بهذا القرآن، فلا يصغون إليه ولا يسمعونه، بل يكثرون اللغط والفوضى عند سماعه يُتلى لئلا يؤثر في قلوب الناس.
كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
قال ابن زيد: (لا يريدون أن يسمعوه، وإن دعوا إلى الله قالوا لا، وقرأ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] قال: ينهون عنه، ويبعدون عنه).
وعن مجاهد: (قوله: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال: يهجُرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر). وقال: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] قال: مستكبرين بالبلد سامرًا مجالس تهجرون، قال: بالقول السَّيِّئ في القرآن غير الحق).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
قال ابن عباس: (يوطن محمدًا ﷺ أنه جاعل له عدوًا من المجرمين كما جعل لمن قبله).
كما في التنزيل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢، ١١٣].
وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه: وكفاك يا محمد بربك هاديًا يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ونصيرًا: يقول: ناصرًا لك على أعدائك، يقول: فلا يهولنك أعداؤك من المشركين، فإني ناصرك عليهم، فاصبر لأمري، وامض لتبليغ رسالتي إليهم).
قلت: والخطاب يعمّ ببشائره كل من سار على منهاج النبوة في العلم والإيمان
стр. 3163
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقارعة أهل الباطل ومجاهدتهم لإعلاء دين الله في الأرض.
أخرج الخطيب في "التاريخ" بسند صحيح عن أنس مرفوعًا:
[النَّصْرُ مع الصَّبْر، والفَرَجُ مع الكَرْب، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وإنَّ معَ العُسْرِ يُسْرًا] (١).
٣٢ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.
في هذه الآيات: تَنَطُّعٌ من الكفار واعتراض سفيه أن نزَّلَ الله القرآن مُفَرَّقًا لا جملة واحدة، فكان الجواب من الله تعالى أنه إنما يثبت بذلك قلب نبيه على الحق، وكذلك قلوب المؤمنين الذين تنزل الآيات إجابة لتساؤلاتهم، وحلًا للمشكلات المستجدة في حياتهم، وهذا القرآن يحمل القوارع على الطغاة وأحسن الأمثال التي فيها إسكاتهم، ويوم القيامة يحشرون أذلاء على وجوههم.
فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
قال ابن عباس: (كان الله ينزل عليه الآية، فإذا علمها نبي الله نزلت آية أخرى، ليعلمه الكتاب عن ظهر قلب، ويثبت به فؤاده).
وعن ابن جُرَيج: (قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ كما أنزلت التوراة على موسى، قال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال: كان القرآن ينزَّل عليه جوابًا لقولهم، ليعلم محمد أنَّ الله يجيب القوم بما يقولون بالحق. ويعني بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لنصحح به عزيمة قلبك ويقين نفسك، ونشجعك به).
стр. 3164
وفي قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ تأويلان متكاملان:
التأويل الأول: عن إبراهيم: (﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال: نزل متفرّقًا). قال الحسن: (كان ينزّل آية وآيتين وآيات جوابًا لهم إذا سألوا عن شيء أنزله الله جوابًا لهم، وردًّا عن النبيّ فيما يتكلمون به، وكان بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة). قال ابن جرير: (قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ يقول: وشيئًا بعد شيء علمناكه حتى تحفظه، والترتيل في القراءة: الترسل والتثبت).
التأويل الثاني: قال قتادة: (﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: وبَيَّناه تبيينًا). وقال ابن زيد: (وفسّرناه تفسيرًا).
وقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.
قال ابن جريج: (الكتاب بما تردّ به ما جاؤوا به من الأمثال التي جاؤوا بها وأحسن تفسيرًا).
وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ - أي: بما يلتمسون به عيبَ القرآن والرسول، ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، أي: إلا نزَلَ جبريلُ مِنَ الله بجوابهم).
وقوله: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. أي: وأحسن مما جاؤوا به من المثل بيانًا وتفصيلًا. قال ابن عباس: يقول: (أحسن تفصيلًا). وقال مجاهد: (بيانًا). وقال الضحاك: (يقول: تفصيلًا).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾.
إخبار من الله سبحانه عن سوء صفة المشركين في مظهر حشرهم يوم القيامة، فهم يحشرون بين الناس في صورة هي غاية من الذل والخزي والقبح إهانة لهم. قال مجاهد: (الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم).
وقال النسفي: (﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي مكانة ومنزلة أو مسكنًا ومنزلًا).
والمقصود: أن المؤمنين في نعيم وسرور، والكافرين في ذل وصغار وأسوأ منزلة.
وفي الصحيحين عن أنس: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه
стр. 3165
يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (١).
وقوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال مجاهد: (طريقًا). وقال مقاتل: (أي: دينًا وطريقًا).
٣٥ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: تسلية من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه
وأذاهم، وتوعد لقومه أن يحل بهم ما حَلّ من نقمة الله بالأمم المكذبة المعاندة قبلهم، يقول: فلقد آتينا -يا محمد- موسى التوراة كما آتيناك الفرقان، وجعلنا معه أخاه هارون ﴿وَزِيرًا﴾ أي: مُعينًا وظهرًا. فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه بالبلاغ المبين، فكذبوهما فدمرناهم تدميرًا.
وكذلك قوم نوح من قبل لما واجهوا الرسل بالتكذيب والاستهزاء بالوحي أغرقناهم بالطوفان، وأعددنا لهم في الآخرة عذابًا أليمًا غير ما نزل بهم في الدنيا. وكذلك دمّرنا عادًا وثمود وأصحاب الرس (قال مجاهد: الرّس: بئر كان عليها قوم) ﴿وَقُرُونًا﴾. أي: وأممًا ﴿بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي: بَيْنَ أضْعاف مَنْ ذُكِرَ أهلكناهم. وكل هذه الأمم التي قَضَيْنا إهلاكها أنذرناها قبل ذلك وأعذرنا إليها بالعبر والمواعظ فأصروا على كفرهم فدمرناهم بالعذاب إبادة ومحوناهم من الوجود عبرة لغيرهم. ولقد أتى هؤلاء المشركون على آثار قرية قوم لوط فرأوا ما حلّ بهم وكفى بذلك عبرة، ولكن ليس مع قوم لا يوقنون بالعِقاب والثواب ولا يؤمنون بقيام الساعة.
стр. 3166
وعن قتادة: (﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ قال: كلّ قد أعذر الله إليه، ثم انتقم منه).
وعن الحسن: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ قال: تبَّرَ الله كُلّاً بعذاب تتبيرًا).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين ذكرنا لكم أمرهم استأصلناهم، فدمرناهم بالعذاب إبادة، وأهلكناهم جميعًا).
قلت: وأصل (التَّبَار) في لغة العرب الهلاك، قال الرازي: (و"تَبِّره تتبيرًا": كَسَّره وأهْلكَهُ، وهؤلاء (متَبَّر) ما هُمْ فيه أي مُكَسَّر مُهْلَك).
فيكون المعنى: كل هذه الأمم التي سَلَف ذِكْرُها كَسَّرنا بنيانها وأهلكنا أهلها واستأصلناهم لَمّا طَغَوا فبادوا جميعًا.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾.
يعني قرية قوم لوط، وهي سَدُوم، التي جعل الله عاليها سافلها وأمطرها حجارة من سجيل.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦]
٤ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩].
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾. قال ابن كثير: (أي: فيعتبروا بما حَلَّ بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول ومخالفتهم أوامرَ الله). قلت: والخطاب لقريش، أي أفلم يمروا كثيرًا أثناء تجارتهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء، فيتفكروا فيؤمنوا.
وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾. قال ابن جُريج: (بعثًا).
قال النسفي: (بل كانوا قومًا كفرة بالبعث لا يخافون بعثًا فلا يؤمنون، أو لا يأملون نشورًا كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم).
وقال القرطبي: (﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: أي لا يصدقون بالبعث. ويجوز أن
стр. 3167
يكون معنى "يَرْجون" يخافون. ويجوز أن يكون على بابه ويكون معناه: بل كانوا لا يرجون ثواب الآخرة).
قلت: وقد صَنَّفَ الإمام مسلم في صحيحه في "كتاب صفات المنافقين" بابًا سماه:
"بابُ جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا". روى فيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله لا يَظْلِمُ مُؤْمنًا حَسَنَةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافِرُ فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكنْ له حسنة يُجْزى بها] (١).
وفي رواية: [إن الكافر إذا عَمِلَ حسنةً أطْعِمَ بها طُعْمَةً من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يَدَّخِرُ له حسناته في الآخرة، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].
وهذه الرواية مفسِّرة للرواية الأولى، فإن أعمال الخير من الكافر بالآخرة والبعث والحساب إنما يأخذ ثوابها في الدنيا، من زينتها وزخارفها وملذاتها وشهواتها ومناصبها، فإذا قدم يوم القيامة نثر الله أعماله فجعلها هباء منثورًا.
٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾.
في هذه الآيات: استهزاء المشركين بالرسول، ودعوتهم قومهم للتمسك بدين الآباء الفاسد، وسوف يعلمون من أضل سبيلًا. فالهوى والشهوات آلهة قوم لا يفقهون ولا يسمعون إن هم إلا كالأنعام بل أضل سبيلًا.
فقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾.
إنْ نافية. والتقدير: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا سخرية
стр. 3168
واستهزاء، يريدون التنقّص والإشارة بالعيب أن اختارك الله عليهم واصطفاك من بينهم.
وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. أي يقولون: أهذا الذي بعث الله إلينا رسولًا من بين خلقه. قال ابن كثير: (أي: على سبيل التنقُّصِ والازدِراء -قَبَّحَهُم الله-). وقال القاسمي: (والإشارة للاستحقار. لأن كلمة "هذا" تستعمل له).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [الرعد: ٣٢].
وفي المسند بإسناد حسن عن ربيعة بن عَبَّاد الدُّؤَلى قال: [رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله ، ووراءه رجل أحول تقدُ وجنتاه وهو يقول: أيها الناس، لا يغرّنكم هذا من دينكم ودين آبائكم. قلت: من هو؟ قالوا: هذا أبو لهب] (١).
وفي رواية: [ورسول الله يقول لهم: يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا -ويزدحم الناس عليه صامتين وهو يكرر دعوتهم- وأبو لهب يصيح: إنه صابئ كاذب، يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى].
وروى أحمد وابن ماجة بسند جيد عن جابر قال: [كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموسم فيقول: ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي] (٢).
وقوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾. قال ابن جريج: (ثبتنا عليها). قال القرطبي: (أي قالوا قد كاد أن يصرفنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ أي حبسنا أنفسنا على عبادتها).
стр. 3169
وقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: سيبين لهم حين يعاينون عذاب الله قد حلّ بهم ... من الراكب غير طريق الهدى، والسالك سبيل الردى أنت أو هم).
قلت: ولا شك أنهم عاينوا ذلك ورأوه يوم بدر، بل إنّ الله أسمعهم توبيخ نَبيّه لهم وهم صرعى يوشك أَنْ يلقوا في حفرهم.
ففي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث أنس قال: [وقال رسول الله ﷺ بيده -أي قبل المعركة- فوضعها فقال: هذا مصرع فلان غدًا، وهذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله تعالى، فالتقوا فهزمهم الله ، فوالله ما أماط رجل منهم عن موضعِ كفيّ النبي ﷺ . قال: فخرج إليهم النبي ﷺ بعد ثلاثة أيام وقد جَيَّفُوا فقال: يا أبا جهل، يا عتبة، يا شيبة، يا أمية، قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا. فقال له عمر: يا رسول الله تدعوهم بعد ثلاثة أيام وقد جَيَّفوا! فقال: ما أنتم بأسْمَعَ لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون جوابًا، فأمر بهم فَجُرُّوا بأرجلهم فألقوا في قليب بدر] (١).
قال قتادة: (أحياهم الله له حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة وندما) (٢).
وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. قال القرطبي: (عَجَّبَ نبيَّه ﷺ من إضمارهم على الشرك وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقهم ورازقهم، ثم يعمد إلى حجر يعبده من غير حجة). قال ابن عباس: (الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا هذه الآية).
وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. أي حفيظًا وكفيلًا لتحمله على الرجوع إلى منهاج الإيمان. وهو تسلية للنبي ﷺ عن إصرار قومه على منهاجهم الفاسد. قال ابن عباس: (كانَ الرجلُ في الجاهلية يعبدُ الحجرَ الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيرَه أحسَنَ منه عبد الثاني وترك الأول).
وقوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾.
أي سماع تدبر وإصغاء، وتعقل للفهم والانتفاع. والمقصود: بل هم بمنزلة من
стр. 3170
لا يسمع ولا يعقل. قال النسفي: (أم منقطعة، معناه: بل أتحسب، كأن هذه المذمة أشدّ من التي تقدّمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذنًا، ولا إلى تدبره عقلًا).
وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول: ما هم إلا كالبهائم التي لا تعقل ما يقال لها، ولا تفقه، بل هم من البهائم أضل سبيلًا لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفرة لا يطيعون ربهم، ولا يشكرون نعمة من أنعم عليهم، بل يكفرونها، ويعصون من خلقهم وبرأهم).
٤٥ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عباده بنعمة مدّ الظل وجعل الليل لباسًا والنوم سباتًا والنهار نشورًا. وإرساله تعالى الرياح بشرًا وإنزال الماء من السماء طهورًا. ليحيي به أرضًا يابسة ويسقيه من خلقه أنعامًا وأناسيّ كثيرًا. وتصريفه تعالى مياه المطر في البلاد والفيافي والبحار ليذكر الناس ولكن أكثرهم أبى إلا كفورًا.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس). وقال مجاهد: (ظل الغداة قبل أن تطلع الشمس). فالمعنى: ألم تر يا محمد كيف مدّ ربك الظل بين صلاة الصبح إلى طلوع الشمس. قال ابن كثير: (من هاهنا شرَعَ تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقُدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: دائمًا). وقال مجاهد:
стр. 3171
(لا تصيبه الشمس ولا يزول). وقال ابن زيد: (دائمًا لا يزول).
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. قال قتادة: (دليلًا يتلوهُ وَيتْبَعُهُ حتى يأتيَ عليه كُلِّه). وقال ابن عباس: (يقول: طلوع الشمس). وقال ابن زيد: (أخرجت ذلك الظلّ فذهبت به). والمقصود: لولا طلوع الشمس على ذلك الظل لما عُرِف، فإن الضِّد يعرف بِضده، وبضدها تتميز الأشياء.
وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾. أي: الظل، وقيل: الشمس. ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: قال ابن عباس: (يقول: سريعًا). وقال مجاهد: (خفيًا). وقال غيره: (سهلًا). وقال أيوب ابن موسى: (أي: قليلًا قليلًا). وقال السدي: (قبضًا خفيًا) حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلّت الشمسُ ما فوقه). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظّلِ إلينا قبضًا خفيًا سريعًا بالفيء الذي نأتي به بالعشي).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. قال النسفي: (جعل الظلام الساتر كاللباس).
والمقصود: صار الليل سترًا كالثياب التي يُكسى بها العباد. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]. وكقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٤].
وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾. قال القرطبي: (أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال. وأصل السبات من التمدد. يقال: سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته. وقيل للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت القطع، فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه. وقيل: السبت الإقامة في المكان، فكأن السبات سكون مّا وثبوت عليه، فالنومُ سُباتٌ على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة. وقال الخليل: السبات نوم ثقيل، أي جعلنا نومكم ثقيلًا ليكمل الإجمام والراحة) انتهى.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾. قال مجاهد: (ينشر فيه).
والمقصود: الانتشار للمعاش. قال ابن كثير: (أي: ينتشر الناس فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم).
стр. 3172
وفي التنزيل.
١ - قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠، ١١].
وفي صحيح البخاري عن حذيفة قال: [كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: باسْمِكَ أموت وأحْيا. وإذا قام قال: الحمد لله الذي أحْيانا بَعْدَمَا أماتنا وإليه النُّشُور، (١). تُنْشِرهاْ تُخْرِجُها.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
قال القاسمي: (أي مبشرات ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي قدام المطر. وهي استعارة بديعة. استعيرت الرحمة للمطر ثم رشحت).
والرياح أنواع: نوع يثير السحاب، ونوع يحمله، ونوع يسوقه، ونوع يبشر بين يديه، ونوع يقمّ الأرض قبل ذلك، ونوع يلقح السحاب ليمطر بإذن الله.
قال النسفي: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي قدام المطر، لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة).
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. أي: مطرًا بليغًا في الطهارة والتطهير. قال سعيد بن المسيب: (أنزل الله ماء طهورًا لا يُنّجِّسُهُ شيء).
وفي سنن أبي داود والنسائي والترمذي بسند جيد عن أبي سعيد قال: [قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بُضَاعة؟ - وهي بئر يُلقى فيها النتن ولحومُ الكلاب - فقال: إن الماء طهورٌ لا ينجِّسُهُ شيء] (٢).
وقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. أي: أرضًا هامدة طال انتظارها للغيث، فلما لامسها تلألأت بنسائم الحياة وأخرجت في رُباها ألوان الزهور والنباتات والثمار.
стр. 3173
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر: ٢١].
٢ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩ - ١١].
ومن هنا كانت وصية النبي ﷺ لمعاذ إذا مرّ بشجر أن يذكر الله العظيم المنعم المتفضل. فقد أخرج الطبراني في "الكبير" بسند جيد عن أبي سلمة قال: قال معاذ: قلت: يا رسول الله أوصني. قال: [اعبُد الله كأنك تراه، واعدُدْ نفسكَ في الموتى، واذكر الله عند كل حجر، وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة بجنبها حسنة، السِّرُ بالسِّر، والعلانية بالعلانية] (١).
وقوله: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.
أي: ونسقي الماء البهائم والناس. قال النسفي: (وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
أي: ولقد قسمنا هذا الماء النازل بين العباد في القرى والأمصار ليشكروا ربهم على نعمته عليهم، وليعظموه وحده لا شريك له فيطيعوه ولا يعصوه، فأبى أكثر الناس إلا كبرًا وجحودًا.
أخرج الحاكم على شرط الشيخين عن ابن عباس قال: [ما من عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾] (٢).
стр. 3174
وله شاهد عند البغوي عن ابن مسعود يرفعه: [ليس من سنة بأمَرَّ من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بِكَيْلٍ معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حَوَّل الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار] (١).
وفي معجم الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [خمس بخمس: ما نَقَضَ قوم العهد إلا سُلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنِعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا مَنَعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القطر] (٢).
وعن عكرمة: (﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ قال: قولهم في الأنواء).
قلت: يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجُهَني أنه قال: [صَلّى لنا النبي ﷺ صلاةَ الصبح بالحديبية على إِثْر سماءٍ كانت من الليل، فلما انْصَرَف أَقْبلَ على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال رَبُّكم؟ قالوا: الله ورسولهُ أعلم. قال: أَصْبحَ مِنْ عبادي مُؤمِنٌ بي وكافِرٌ، فأمَّا مَنْ قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمّا من قال: بِنَوْءَ كذا وكذا، فذلك كافِرٌ بي ومؤمنٌ بالكوكب] (٣).
٥١ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.
في هذه الآيات: تحميلُ الله تعالى نبيّه محمدًا ﷺ كامل مهمة النذارة للثقلين،
стр. 3175
وأمره مجاهدة المشركين بالقرآن الكريم. وتذكيرٌ من الله تعالى عباده ببعض نعمه العظيمة عليهم: كنعمة الماء العذب للشرب والسقي، ونعمة الماء المالح في البحار والمحيطات لصحة الهواء وطيب الميتة فيها، ونعمة إخراج نوعين من الخلق -ذكر وأنثى- وجعله منهما نسبًا وصهرًا والله على كل شيء قدير.
فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾.
أي: ولو شئنا يا محمد بعثنا إلى كل مصر ومدينة وقرية نذيرًا ينذرهم بأسنا ويخفف عنك أعباء ما حملناك من أعباء البلاغ للأمم. قال ابن جرير: (ولكنا حملناك ثقل نذارة جميع القرى، لتستوجب بصبرك عليه إن صبرت ما أعدّ الله لك من الكرامة عنده).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام: ٩٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨].
ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري من حديث جابر مرفوعًا: [وكان النبي يُبْعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة] (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - أيضًا- قال: قال رسول الله ﷺ : [أُعطيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قبلي: كان كُلُّ نبيّ يُبْعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى كُلِّ أحمرَ وأسودَ .. ] الحديث (٢).
قال مجاهد: (يعني الإنس والجن).
وقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾. قال ابن عباس: (بالقرآن).
стр. 3176
وقال ابن زيد: (﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ قال: الإسلام).
قلت: والآية مكية، والمقصود بذل الوسع في مجاهدة الكفار بالوحي العظيم، وامتثال أحكام الدين. وفي هذا درسٌ بليغ للمسلمين أيام الغربة في كل زمان، فإن أعظم الجهاد يكون بالقرآن، واتباع هدي سيد الأنام، وإقامة شرائع الإسلام في النفس والبيت والمسجد والمجتمع حتى يأذن الله تعالى بإقامة دولة الحق.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. أي خلق الماءين: الحلو والمالح. قال القاسمي: (أرسلهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ أي شديد العذوبة قامع للظمأ ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي بليغ الملوحة ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ أي حاجزًا لا يختلط أحدهما بالآخر ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي منعًا من وصول أثر أحدهما إلى الآخر، وامتزاجه به، حتى بعد دخول أحدهما في الآخر مسافة).
وخلاصة معنى الآية: تذكير الله عباده ببعض نعمه العظيمة، فها هو الماء العذب أودعه مسارب ضخمة كالأنهار والعيون والآبار، وهو في حركته يحافظ على المذاق الحلو الفرات العذب الزُّلال. وذاك الماء المالح المُرُّ الزُّعاق أودعه الله تعالى المحيطات والبحار، فهي منشآت ساكنة مالحة الماء، لئلا يحصل بسببها نَتَنُ الهواء، فيفسد الوجود بذلك. فهي تجمع بملوحتها بين طهارة الماء، وصحة الهواء، وكون ميتتها طيبة.
أخرج أبو داود وابن ماجة -واللفظ له- عن أبي هريرة قال: [جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا تركب البحر. ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطَّهورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُهُ] وسنده صحيح (١).
وفي التنزيل: وصف بديع للبرزخ بين البحرين الحلو والمالح، وهو الحاجز بينهما من اليابسة من الأرض، ثم الاختلاط بينهما دون تمازج.
١ - قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢١].
стр. 3177
٢ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١].
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾.
أي: خلق الله الإنسان من نطفة ضعيفة، وهي ماء مهين، فسوى خلقه وعدّله وأخرجه بشرًا نوعين: ذكرًا وأنثى، ثم مازج بين النوعين بالنكاح فأخرج منهما نسبًا وصهرًا.
قال النسفي: (أراد تقسيم البشر قسمين، ذوي نسب: أي ذكورًا ينسب إليهم فيقال فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، وذوات صهر: أي إناثًا يصاهر بهن).
وقال ابن كثير: (﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، فهو في ابتداء أمره ولَدٌ نَسيبٌ، ثم يَتَزوَّج فيصير صهرًا، ثم يَصِيرُ له أصْهارٌ وأختانٌ وقرابات. وكل ذلك من ماء مهين. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾).
٥٥ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾.
في هذه الآيات: توبيخُ الكفار في عبادتهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وإثبات إرساله تعالى نبيّه إلى جميع الخلق ليبشرهم وينذرهم ولا يبتغي الأجر منهم، وأمْرُهُ تعالى نبيّه بالتوكل عليه وتنزيهه فهو الخبير سبحانه بأعمالهم، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وهم يكفرون بالرحمان، ولا يسجدون له بل يزدادون من البغي والطغيان.
فقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾.
تقريع من الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة لا تضر ولا تنفع، يصرفون لها
стр. 3178
العبادة من دون الله العظيم، وإنما قادهم إلى ذلك التحاكم للعادات والأهواء حتى تجرؤوا على معاداة الله من أجلها ورسوله والمؤمنين.
وقوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. أي معينًا للشيطان وحزبه على أولياء الله وأهل طاعته. قال مجاهد: (يظاهر الشيطان على معصية الله: يُعينُه). وقال سعيد بن جبير: (يقول: عونًا للشيطان على ربِّه بالعداوة والشِرك).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤، ٧٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أَضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه فيقول: يوشك أن يبرّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلبِسُه التاج] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾.
أي مبشرًا المؤمنين بثواب الله العظيم، ونذيرًا للكافرين من عقاب الله الأليم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.
أي: قل -يا محمد- لقومك الذين أرسلت إليهم: إنني لا أبتغي من وراء دعوتي لكم وإنذاري لنجاتكم، ما في أيديكم من أموالكم، وإنما أبتغي بذلك وجه الله. قال القرطبي: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ لكن من شاء، فهو استثناء منقطع، والمعنى: لكن من شاء ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بإنفاقه من ماله في سبيل الله فلينفق. ويجوز أن يكون متصلًا
стр. 3179
ويقدّر حذف المضاف، التقدير: إلا أجر ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ باتباع ديني حتى ينال كرامة الدنيا والآخرة).
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.
أمر من الله تعالى لنبيّه محمد ﷺ بالاعتماد على ربه الحي الذي لا يموت.
والتوكل: هو تحقيق مقام التوحيد لله باعتماد القلب عليه، والصدق في الأخذ بالأسباب.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها، فثق به في أمر ربك، وفوِّض إليه، واستسلم له، واصبر على ما نابك فيه).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩].
وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾. أي: نَزِّهْه تعالى واقرن بين حمده وتسبيحه.
وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ يُكثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، الله اغفر لي"، يتأول القرآن] (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : [ألا أخبرك بأحَبِّ الكلام إلى الله؟ إنَّ أحبَ الكلام إلى الله سبحانَ الله وبحمده] (٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم] (٣).
стр. 3180
وقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾.
أي: وحسبك -يا محمد- بالحي الذي لا يموت خابرًا بذنوب خلقه، لا تخفى عليه خافية، فهو محص أعمالهم ومجازيهم عليها.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : [يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
أي: إن توكلك -يا محمد- هو على الله الحي الذي لا يموت، الخالق لهذا الكون الفسيح في ستة أيام، السماوات السبع في اتساعها وارتفاعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها.
خرّج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: [خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. أي: علا وارتفع، كما أفاد شيخ المفسرين. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾. أي هو الرحمن. فالرحمن خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. أو بدل من الضمير في استوى. وقد يكون ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مرفوعًا على الابتداء، ويكون الخبر قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. و ﴿الرَّحْمَنُ﴾ اسم مشتق من الرحمة على وجه المبالغة.
وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيه تأويلان متقاربان متكاملان:
التأويل الأول: قيل الباء بمعنى "عن"، ذكره بعض أهل اللغة. قال الزجاج:
стр. 3181
(المعنى: فاسأل عنه). قال القرطبي: (أي فاسأل عنه خبيرًا، أي عالمًا به، أي بصفاته وأسمائه).
فيكون خبيرًا قد نُصب على المفعول به بالسؤال.
التأويل الثاني: قيل بل المعنى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ بالنصب على الحال، وقيل: بل هو حال مؤكدة مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾.
قال مجاهد: (يقول لمحمد ﷺ : إذا أخبرتك شيئًا فاعلم أنه كما أخبرتك. أنا الخبير). وقال شمر بن عطية: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: هذا القرآن خبير به).
وخلاصة المعنى: فاسأل به سبحانه عالمًا بصفاته وأسمائه، أو فاسأل الله يخبرك عن نفسه، أو فاسأل القرآن يخبرك عن الله.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾.
قال القاسمي: (أي من المسمى به؟ لأنهم ما كانوا يعرفونه تعالى بهذا الاسم ولا يطلقونه عليه. أو الاستفهام للتعجب والاستغراب، تفننًا في الإباء. أي وما هذه الأسماء والأعلام التي تصدعنا بها، وتقرع آذاننا بالإذعان لها. ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ﴾ أي الأمر بالسجود، المراد به الإذعان بالإيمان ﴿نُفُورًا﴾ أي استكبارًا عن الإيمان).
وفي صحيح البخاري -في قصة الحديبية- قال الزهري: [فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هاتِ اكتُبْ بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب -وهو علي ﵁ فقال النبي ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم. (وفي رواية أحمد: فقال رسول الله ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ : اكتب باسمك اللهم] (١).
قلت: وهذا من روائع سياسته الشرعية ﵊، وإلا فقد قرعهم الله بالقرآن أكثر من مرة باسمه "الرحمن" فقال جل ذكره: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠].
стр. 3182
وقال جل ذكره: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
وسمى السورة بأكملها باسمه الجليل: "الرحمن". وقال جل ثناؤه: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الملك: ٢٩].
وإنما منعهم من إقرار هذا الاسم لله تعالى الكبر.
وفي مسند أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله : أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها من اسمي، من يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبته] (١).
٦١ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
في هذه الآيات: تنزيهُ الله تعالى الذي خلق البروج في السماء والشمس والقمر، وجعل الليل واللهار متعاقبين لمن أراد أن يتفكر أو يتذكَّر.
فقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾. قال مجاهد: (الكواكب). وقال قتادة: (البروج: النجوم). وقال أبو صالح: (النجوم الكبار). وقيل: قصور في السماء للحرس، والقول الأول أرجح.
كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].
وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: [انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت
стр. 3183
عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب .. ] الحديث (١).
وخلاصة المعنى: تقدس الله تعالى الذي جعل في السماء الكواكب والنجوم زينة لها، وحفظًا من استراق السمع من الشياطين إذ تحرقهم شهبها.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾. قال قتادة: (السراج: الشمس). أي: وجعل سبحانه الشمس كالسراج المتوهج، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣]. وجعل القمر مضيئًا منيرًا بعكس ضوء الشمس عليه، وإلا فالقمر غير مضيء بنفسه.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦].
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾.
قال أبو عبيدة: (الخِلفة كل شيء بعد شيء). ومنه قول مجاهد في هذه الآية: (هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا). وقيل: (خلفة: أسود وأبيض) والأول أرجح.
كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤].
وعن الحسن قال: (جعل أحدهما خَلَفًا للآخر، إن فات رجلًا من النهار شيء أدركه من الليل، وإن فاته من الليل أدركه من اللهار).
قلت: وقول الحسن مناسب لتتمة الآية: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. أي: لمن أراد أن يذكر عظمة الله وأمره فينيب إلى طاعته وشكره. قال مجاهد: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ قال: شكر نعمة ربه عليه فيهما).
стр. 3184
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: إنّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسط ويَرْفعه، يُرْفَعُ إليه عَمَلُ الليل قبلَ عمل النهار، وعملُ النهار قبلَ عمل الليل، حِجابُه النور، لو كشفه لأحْرَقَت سُبُحات وَجْهِهِ ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خَلْقِه] (١).
وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله يَبْسُطُ يده بالليل، ليتوبَ مسيءُ النَّهار، ويَبْسُطُ يَدهُ بالنهار، ليتوبَ مسيءُ الليل، حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مَغْرِبها] (٢).
٦٣ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾.
في هذه الآيات: ثناءُ الله تعالى على عباده المؤمنين، فهم يمشون في الأرض هونًا ولا يبتغون الجاهلين، ويبيتون لربهم قائمين ساجدين، ويسألونه تعالى النجاة من عذاب جهنم مستقر الكافرين، وينفقون من أموالهم دون إسراف ولا إقتار وإنما بشكل قويم.
فقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. قال مجاهد: (بالوقار والسكينة). وعن ابن عباس: (بالطاعة والعفاف والتواضع). وقال ابن زيد: (لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون). وقال الحسن: (حلماء، وإن جُهل عليهم لم يجهلوا).
стр. 3185
قلت: وكلها أقوال متقاربة في صفات عباد الله المؤمنين مفادها أنهم يمشون بسكينة ووقار، وبحلم وتواضع لا باستكبار.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إذا سَمِعْتُم الإقامةَ فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تُسرعوا، فما أدركتم فَصَلّوا وما فاتكم فأتِمُّوا] (١).
وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. قال مجاهد: (سدادًا من القول).
والمقصود: إذا حصل أن سفِهَ عليهم بعض الجهال قابلوهم بالصفح والحلم ولم يقولوا إلا خيرًا.
وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [ليس المؤمن بالطَّعَّان ولا اللَّعَان ولا الفاحِش ولا البَذِيّ] (٢).
وَعَن الحسن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ قال: حلماء لا يجهلون، وإن جُهِلَ عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم؟ خير ليل صفوا أقدامهم، وأَجْرَوا دموعهم على خدودهم، يطلبون إلى الله جل ثناؤه فكاك رقابهم).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
أي: فإذا أقبل الليل ناموا ثم قاموا إلى السجود والركوع، والتذلل والخشوع، يبكون بين يدي ربهم ، يرجون رحمته ويخافون عذابه.
قال الحسن: (يُصاحبون عبادَ الله نهارَهم بما تسمعون. ثم ذكر: لَيلُهم خَيْرُ ليل).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧، ١٨].
стр. 3186
٢ - وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [يَعْقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاثَ عقد، يضرب على كل عُقدة: عليك ليل طويل فارقد! فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عُقدة، فإن توضأ انحلت عُقدة، فإن صلى انحلت عُقَدُهُ كُلُّها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان] (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أفضل الصيام بعدَ رمضان شهرُ الله المحرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: [عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومَكْفَرَةٌ للسيئات، ومَنْهاةٌ عن الإثم] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: [في الجنة غرفةٌ يُرى ظاهرها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها. فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وباتَ قائمًا والناس نيام] (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.
أي: ومن صفات هؤلاء المؤمنين عباد الرحمن سؤالهم ربهم أن يصرف
стр. 3187
عنهم عذاب النار يوم القيامة، إن عذابها كان غرامًا: أي: ملازمًا دائمًا مهلكًا.
قال ابن جُريج: (﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ قال: لا يُفارِقُه). وقال الحسن: (قد علموا أن كلّ غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم). وقال محمد بن كعب: (إن الله سأل الكفار عن نعمه، فلم يردّوها إليه، فأغرمهم، فأدخلهم النار).
قلت: وأصل الغرام في لغة العرب الشَّرُ الدائم والعذاب. قال أبو عبيدة: (﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: أي هلاكًا ولزامًا لهم).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ سَأَلَ الله الجَنَّة ثلاثَ مراتٍ قالت الجَنّة: اللهم أدْخِلْه الجَنَّة. ومَنْ استَجار من النار ثلاثَ مرات، قالت النار: اللهم أجِرْه من النار] (١).
وأجمل من ذلك وأروع ما رواه أبو يعلى في مسنده بسند صحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : [ما استجار عبدٌ من النار سبعَ مرّات في يوم إلا قالت النار: يا رَبِّ إن عبدك فلانًا قد استجاركَ مني فأجِرْه، ولا يسألُ اللهَ عبدٌ الجنة في يوم سبعَ مرات إلا قالت الجنة: يا ربِّ! إنَّ عبدكَ فلانًا سألني فأدخِلْهُ الجَنَّة] (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
المستقر: القرار. والمقام: مكان الإقامة. قال ابن جرير: (كأن معنى الكلام: ساءت جهنم منزلًا ومقامًا). وقال القرطبي: (أي بئس المستقر وبئس المقام. أي إنهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه عن علم كانوا أعرف بعظم قدر ما يطلبون، فيكون ذلك أقرب إلى النجح).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾.
الإسراف: الإنفاق الذي يجاوز الحدّ اللائق والمباح. والإقتار: ما قصر عما أمر الله به من النفقة. والقوام: بين ذلك.
ويبدو أن الإسراف يكون في الحلال، وأما إن كان في الحرام فهو التبذير كما قال
стр. 3188
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧].
فالمعنى: ومن صفات عباد الرحمن أنهم إذا أنفقوا أموالهم لم يبالغوا في الإنفاق فوق الحاجة، ولم يَبْخَلوا عن أهليهم فيما يجب عليهم في حقهم، وإنما هم أهل العدل والوسطية في إنفاقهم كما هو كذلك في كل شيء.
وقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال النسفي: (أي عدلًا بينهما، فالقوام العدل بين الشيئين).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غيرَ مُفْسِدَة، كان لها أَجْرُها، ولهُ مِثْلُهُ بما اكتسب، ولها بما أنفقت، وللخازنِ مِثْلُ ذلك، من غير أن يُنْقَصَ من أجورهم شيئًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري والنسائي عن أبي مسعود البدري مرفوعًا: [إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: [أَنْ تطعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتكْسُوَها إذا اكتسيت، أو "اكتسبت"، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّحْ ولا تَهْجُرْ إلا في البيت] (٣).
٦٨ - ٧١. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ
стр. 3189
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾.
في هذه الآيات: متابعةُ الثناء من الله تعالى على عباده المؤمنين، فهم يفردونه بالألوهية ولا يقتلون النفس التي حرّم ولا يزنون فإن من يفعل ذلك يصبح من الآثمين، ويضاعف له العذاب المهين، إلا من تاب وآمن وبادر بالعمل الصالح فإنه يلقى عفو الغفور الرحيم.
أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن عبد الله ﵁ قال: [سأَلَتْ -أو سُئِلَ- رسولُ الله ﷺ : أيُّ الذنب عند الله أكْبَرُ؟ قال: أن تَجْعَلَ لله نِدًّا وهو خلقَكَ. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَمَ معك. قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تُزاني بحليلة جارِك. قال: ونزلت هذه الآية تَصْديقًا لقول رسول الله ﷺ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾] (١).
وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عباس ﵄: [أنّ أناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفارة، فننرل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. ونزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]] (٢).
فربط سبحانه في هذه الآية الكريمة بين الشرك والقتل والزنا، فإن الشرك بالله يتبعه كل كبيرة، فليس يحول بين المشرك والكبائر خوف من الله شأن المؤمنين، وكذلك
стр. 3190
انتشار القتل وهو الهرج غالبًا ما يتبعه استباحة الأعراض وركوب الفواحش، نعوذ بالله من حال المجرمين والمستكبرين والمشركين.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. أي يلق من الله تعالى جزاء إثمه عقوبة ونكالًا.
والأثام: العقاب.
وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
قال النسفي: (أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذابًا على عذاب. وقيل إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعًا، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه. ويخلد ﴿فِيهِ﴾ في العذاب. ﴿مُهَانًا﴾ حال أي ذليلًا).
وقال القاسمي: (﴿مُهَانًا﴾ أي ذليلًا محتقرًا جامعًا لعذابي الجسم والروح).
قلت: ولا شك أنّ هذا اللفظ ﴿مُهَانًا﴾ فيه مبالغة في الوعيد مما ينتظر المشركين يوم القيامة، من الإهانة والاحتقار والمذلة والصَّغار.
أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يحشرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذّرِ في صُوَرِ الرجال، يغشاهم الذُّل من كل مكانٍ، يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى بُولُسَ، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَون من عصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
أي: إلا من راجع طاعة ربه بالتوبة والإنابة وتصحيح الإيمان وامتثال صالح العمل فأولئك تصير سيئاتهم حسنات والله غفور رحيم.
أخرج الشيخان عن سعيد بن جبير قال: [أمرني عبد الرحمن بن أبْزى قال: سَل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ ! ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. فسألت ابن عباس فقال: لَمَّا نزلت التي في الفرقان قال مشركوا أهل مكة: قد قتلنا النفس التي حرّم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد آتينا الفواحش! فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. وأما التي في النساء الرجل إذا عرفَ الإسلام