فقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
قال عمرو بن دينار: (ما نزا ذكَرٌ على ذكر حتى كان قوم لوط).
وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.
أي: إنهم جمعوا بين منكرات كثيرة، من كفر بالله وتكذيب لرسوله، وقطع للطرق على المسافرين يبتزّونهم للفاحشة ويقتلونهم ويأخذون أموالهم، ويفعلون ما لا يليق فعله في مجالسهم من مجاهرة بالمنكر وتضارُطٍ وتضاحك خبيث وتكشُّفٍ مَشين.
فعن ابن زيد: (﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قال: السبيل: الطريق. المسافر إذا مرَّ بهم، وهو ابن السبيل قطعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث).
وعن عكرمة: (﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كانوا يُؤذون أهل الطريق يحذفون من مرَّ بهم). وقال مجاهد: (كان يجامع بعضهم بعضًا في المجالس). وقال ابن زيد: (ناديهم المجالس، والمنكر: عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون بالراكب فيأخذونه ويركبونه). وذكر ابن جرير بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: (الضراط). قيل: كانوا يتضارطون ويضحكون.
قلت: والآية بعمومها تشمل جميع أنواع المنكرات التي ذُكِرَتْ، وغير ذلك مما لم يُذكر، وتدلّ أنّ قوم لوط جمعوا من الخبائث ألوانًا شتى وأصزوا عليها متكبرين مستهزئين بالعذاب مطالبين به تهكّمًا، وهو قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.
لجوءٌ صحيح من لوط ﷺ إلى ربه حين استعصى عليه قومه، وأَصَرُّوا على بَغْيهم وكفرهم وفجورهم، فاستنصر ربه عليهم.
٣١ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
стр. 3432
رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: بثُّ الملائكة البشرى لإبراهيم ﵇ بولد صالح وبإهلاك القوم الظالمين، ووصول الرسل إلى لوط وضيقه وخوفه عليهم حتى بشروه بهلاك القوم المفسدين، لتبقى قصتهم آية لقوم يعقلون.
فقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
أي: جمعوا له بين البشارة بولد صالح وبين إهلاك قوم لوط الذين أصروا على الظلم من كفر ومعصية.
قال ابن كثير: (لما استنْصَرَ لوطٌ ﵇ الله عليهم، بعثَ الله لِنُصْرَتِه ملائكةً فَمَرُّوا على إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف، فجاءهم بما يَنْبغي لِلضَّيفِ، فلما رأى أنه لا هِمَّةَ لهم إلى الطعام نَكِرَهُم وأوجسَ منهم خيفة، فَشَرَعوا يؤانسونه ويُبَشِّرونه بوجود ولدٍ صالحٍ من امرأته سارَّة -وكانت حاضرة- فتعجَّبَت من ذلك. قال: فلما جاءت إبراهيم البُشرى، وأخبروه بأنهم أُرسِلوا لهلاكِ قوم لوطٍ، أخذَ يدافِعُ لعلهم يُنْظرون، لعل الله أن يَهديهم. ولما قالوا: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تُمالِئُهم على كُفْرهم وبَغْيِهم ودَبْرِهِم).
وقوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾.
قال قتادة: (ضاق ذرعه بضيافتهم لِما علم من خُبث فعل قومه). أو قال: (﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ بالضيافة مخافة عليهم مما يعلم من شرّ قومه).
والمقصود: أنه لما سارت الملائكة من عند إبراهيم متوجهين إلى لوط ﵉ وَرَدُوا عليه في صورة شبابٍ حسان فلما رآهم اغتَمَّ بأمرهم فإن أضافهم خشي
стр. 3433
عليهم مكر قومه، وإن لم يضفهم خاف عليهم اعتداءهم، ولم يعرف حقيقة أمرهم بعد.
وقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك، ولا تحزن مما أخبرناك من أنّا مهلكوهم. وذلك أن الرسل قالت لهْ: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]. ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ من العذاب الذي هو نازل بقومك ﴿وَأَهْلَكَ﴾ يقول: ومنجو أهلَك معك ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها هالكة فيمن يهلك من قومها، كانت من الباقين الذين طالت أعمارهم).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
أي: إنا منزلون -يا لوط- على أهل هذه القرية -سدوم- عذابًا من السماء بما كانوا يستهترون بركوبهم الفواحش وإصرارهم عليها.
لقد اقتلع جبريل ﵇ قراهم من قرار الأرض فرفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم. وأتبعهم الله حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قال مجاهد: (عبرة). وقال قتادة: (هي الحجارة التي أمطرت عليهم).
قال القاسمي: (﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعني قصتها العجيبة، أو آثارها الخربة).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ
стр. 3434
مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: خبرُ شعيب ﷺ وقومه ودعوتهم لعبادة الله والاستعداد لليوم الآخر وترك الفساد في الأرض، وإصرارهم حتى أخذتهم الرجفة فأصبحوا جاثمين. وخبر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان وغيرهم من الأمم الباغية الذين سلّط الله عليهم ألوان العذاب وما كانوا سابقين.
فقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأرسلت إلى مَدْين أخاهم شعيبًا، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، وذِلُّوا له بالطاعة، واخضعوا له بالعبادة، ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقول: وارجوا بعبادتكم إياي جزاء اليوم الآخر وذلك يوم القيامة).
وقال بعضهم: (﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: واخشوا اليوم الآخر). وقيل: (﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي صدقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
العُثُوُّ والعِثيّ أشد الفساد. والمقصود: نهيهم عن السعي في الأرض بالفساد والبغي والإفساد. وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان, ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
قال قتادة: (﴿جَاثِمِينَ﴾: أي ميتين). وقال غيره: (قد أُلقي بعضهم على بعض).
قال ابن كثير: (فأهلكهم الله بِرَجْفَةٍ عظيمة زَلْزَلَت عليهم بلادهم، وصَيحةٍ أخرجت القلوب من حَنَاجرها، وعذاب يَوْمِ الظلّة الذي أزهَقَ الأرواحَ من مُستَقَرِّها، إنه كان عذاب يوم عظيم).
стр. 3435
وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾.
أي: واذكروا كذلك -أيها القوم- مصير عاد وثمود ومآل مساكنهم إلى الدمار والخراب. وذلك أن عادًا -قوم هود- كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قرية قريبة من حَضْرموت بلاد اليمن، وثمود -قوم صالح- كانوا يسكنون الحِجْرَ قريبًا من وادي القرى. وكانت العرب تعرف مساكنهما جيدًا، فهم يقرون على آثار ديارهم كثيرًا أثناء الأسفار والترحال، فذكرهم الله تعالى بما يشاهدونه من تلك البقايا من الأطلال.
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال القرطبي: (أي أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة). والمقصود: حَسّن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي.
وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.
أي: فأزاحهم الشيطان بتزيينه لهم الكفر والآثام عن سبيل الله القويم، وطريق الحق المتين، وكانوا في ضلالتهم مستبصرين، فهم مُعْجَبون ببغيهم يحسبون أنهم على هدى وصواب وهم على الضلال المبين.
ففي قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ قولان متكاملان في المعنى:
١ - قال ابن عباس: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يقول: كانوا مستبصرين في دينهم). وقال مجاهد: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في الضلالة). وقال قتادة: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في ضلالتهم مُعْجبين بها).
٢ - قال الفراء: (كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم). وقال النسفي: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء متمكنين من النظر وتمييز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا).
وقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.
أي: وكذلك اذكر يا محمد -وَذَكِّر قومك- أمر قارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وأمر فرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان، وكانا -من القبط- على الكفر بالله ورسوله، جاءهم موسى بالبينات من الأدلة الواضحات، فاستكبروا في الأرض وأبوا الإيمان بالله الواحد الأحد، فَدَكَّهم العذاب وما كانوا سابقينا بأنفسهم فيفوتونا، بل كنا مقتدرين عليهم. قال القاسمي: (﴿وَمَا كَانُوا
стр. 3436
سَابِقِينَ﴾ أي: فائتين لله سبحانه، بل لحقهم عذابه فدمرهم تدميرًا).
وقوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾.
قال ابن عباس: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قوم لوط). أي: أمطر الله عليهم حجارة من سجيل منضود. قال ابن جرير: (والعرب تسمي الريح العاصف التي فيها الحصى الصغار أو الثلج أو البَرَد والجليد حاصبًا).
وعن ابن جريج، عن ابن عباس: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قال: ثمود). وقال قتادة: (قوم شعيب). ولا شك أن ثمود ومدين قد أخذتهم الصيحة فيشملهما الإخبار.
وعن ابن عباس قال: (﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ قارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني قوم نوح وفرعون وقومه).
والخلاصة: لقد أخذ الله جميع هؤلاء الأقوام بذنوبهم، فكانت عقوبة كل منهم بما يناسب ظلمهم، فقدم عاد طغوا وقالوا من أشد منا قوة؟ فأزاحتهم ريح عاتية محملة بالحصباء ترفع الرجل منهم عاليًا ثم تنكسه على رأسه فتشدخُه، فيبقى بدنًا بلا رأس كأنهم أعجاز نخل منقعر. وثمود الذين عقروا الناقة وعتوا وتهددوا نبيَّ الله صالحًا ومن آمن معه بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت أصواتهم وحركاتهم.
وقارون الذي مشى متبخترًا، فرحًا بالمال متكبرًا، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
وفرعون الطاغية الذي ادّعى الربوبية وملك البلاد والأنهار والبحار، فسلّط الله عليه مياه اليم فأغرقه وجنوده، وأبقاه عبرة لمن جاء بعده.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قال القرطبي: (لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر).
٤١ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ
стр. 3437
الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.
في هذه الآيات: تمثيلٌ بديع لحال المشركين في تَعَلُّقِهم بآلهتهم التي لا تضر ولا تنفع فهم كالمتعلق بشبكة خيوط العنكبوت لو كانوا يعلمون. وهذه الأمثال يضربها الله للناس وما يعقلها إلا العالمون.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا .. ﴾ إلى آخر الآية، قال: ذلك مثل ضربه الله لمن عبد غيره، إن مثله كمثل بيت العنكبوت). قال ابن جرير: (﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ أي: أضعف البيوت). ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾. قال الضحاك: (ضرب مثلًا لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت). وقال قتادة: (هذا مثل ضربه الله للمشرك، مثل إلهه الذي يدعوه من دون الله كمثل بيت العنكبوت واهن ضعيف لا ينفعه).
وقال ابن زيد: (هذا مثل ضربه الله، لا يغني أولياؤهم عنهم شيئًا كما لا يغني العنكبوت بيتها هذا). قال القرطبي: (﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئًا، وأن هذا مثلهم لما عبدوها، لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف).
والمقصود: أن اتخاذ المشركين آلهة من دون الله وتعظيم الطواغيت يرجون نَصْرهم ورزقهم ويستغيثون بهم في النائبات والشدائد، إنما هم في ذلك كمن يتعلق للنجاة ببيت العنكبوت لا يجدي عنه شيئًا لضعفه ووهنه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
تجهيلٌ للكفار حين عبدوا من دون الله جمادًا لا علم له ولا قدرة، وتركوا عبادة الله الواحد القادر القاهر الأحد. فالله تعالى يعلم عجز الهتهم التي يدعون من دونه، وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب الذي يقهر كل الأوثان والطواغيت ومن عظّمها، الحكيم في تدبير شؤون خلقه وإمهال المشركين إلى حين.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
أي: وهذه الأمثال البديعة التي يضربها الله تعالى للناس إنما هي ليتدبروا أمرهم قبل ذوات الأوان، فيفردوه تعالى بالعبادة والتعظيم، وإنما يعي آفاق هذه الأشباه والنظائر والحكم الراسخون في العلم والإيمان.
стр. 3438
قال النسفي: (كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون: إنّ رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ويضحكون من ذلك، فلذلك قال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ به وبأسمائه وصفاته، أي: لا يعقل صحتها وحسنها ولا يفهم فائدتها إلا هم, لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المستورة حتى تبرزها وتصورها للأفهام). وعن عمرو بن مرة قال: (ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها، إلا أحزنني. لأني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾).
٤٤ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾.
في هذه الآيات: خَلْقُ الله السماوات والأرض بالحق، ودعوته تعالى رسوله ﷺ والمؤمنين لتلاوة الوحي وإقام الصلاة، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، وألله يعلم جميع شؤون عباده وأعمالهم.
فقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾. أي: محقًا، أراد بخلقه ذلك الجِدّ والعمل، لا اللهو والعبث والكسل. قال النسفي: (يعني لم يخلقهما باطلًا بل لحكمة، وهي أن تكونا مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم، ودلائل على عظم قدرته).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3439
[إنِّي أرَى ما لا تَرَوْنَ، وأسْمَعُ ما لا تَسْمعون. إنَّ السَّماء أطَّت (١) وحقَّ لها أن تَئِطَّ. ما فيها مَوْضِعُ أَرْبَعِ أصابعَ إلا وَمَلَكٌ واضعٌ جَبْهَتَه ساجدًا لله والله, لو تعلمون ما أعْلَمُ، لَضَحِكْتُم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. وما تَلذَّذْتُم بالنساء على الفُرُشاتِ. ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (٢).
الحديث الثاني: يروي ابن ماجه في كتاب الزهد بإسناد حسن عن عبد الله بن ضمرة السلولي، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: [الدنيا مَلْعُونَةٌ. مَلْعونٌ ما فيها، إلا ذِكْرَ الله وما والاهُ، أو عالِمًا أو مُتَعَلِّمًا] (٣).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: لدلالة بينة أنه تعالى الإله الحق المستحق للعبادة دون ما سواه.
وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
أمْرٌ من الله سبحانه لرسوله ﷺ والمؤمنين بقراءة القرآن وتبليغه والقيام بأوامره ومقتضى ما فيه من الحق.
وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ - أمْرٌ من الله تعالى نبيّه والمؤمنين بإقام الصلاة بحدودها وأركانها وواجباتها، وما يجب لها من إتمام الوضوء والتطهر.
وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله).
أخرج الإِمام أحمد في المسند، ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة قال: أجاءَ رَجُلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إنّ فلانًا يُصَلِّي بالليل فإذا أصْبَحَ سَرَق! فقال: إنه سَيَنْهَاهُ ما تقولُ] (٤).
стр. 3440
قلت: وأما حديث أكثر من ذكره هنا المفسرون: "مَنْ لم تنْهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر لم يزْدَد بها من الله إلا بُعْدًا"- فهو ضعيف. أخرجه الطبراني وفي سنده ليث بن أبي سُليم قد اختلط. وكذلك حديث: "لا صلاة لمن لم يُطع الصلاة" -فهو ضعيف جدًّا- أخرجه ابن جرير في التفسير، وفيه جويبر متروك متهم، فتَنبَّه.
والمقصود: أَنَّ إِقبال العبد على الله في صلاته بصدق يورثه تعظيم أوامره واجتناب نواهيه، فلا بد أن تأمره صلاته بترك الفحشاء والمنكر.
وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. أي: منهاج الذكر أكبر شيء وأجَلُّه، والذي في الصلاة جزء منه، وإنما ذِكْرُهُ تعالى فَوْقَ كُلِّ أَمْر.
ومن أقوال المفسرين في ذلك:
١ - قال ابن عون الأنصاري: (إذا كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حَجَزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر).
٢ - قال ابن عباس: (يقول: ولذكر الله لعباده أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه). أو قال: (ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته).
٣ - وقال ابن عطاء: (ذِكْرُ اللهِ لكم أكبر من ذكركم له الآن؛ لأن ذكره بلا علة وذكركم مشوب بالعلل والأماني، ولأن ذكره لا يفنى وذكركم لا يبقى).
٤ - وقال سلمان: (ذكر الله أكبر من كل شيء وأفضل).
٥ - وقيل: ذكر الله أكبر من أن تحويه أفهامكم وعقولكم.
٦ - وقيل: ذكر الله أكبر من تلقي معه معصية. أو ذكر الله أكبر عن الفحشاء والمنكر من غيره.
قلت: والراجح عندي إطلاق اللفظ على حاله، فهو إضافة لأنه يشمل كل ما ذكر، إلا أنه يفيد في تأصيل مفهوم عظيم، وهو أن ذكره تعالى أعلى من كل شيء، بل هو غاية كل عمل صالح. قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
فقد أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ : [ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعمالِكُمْ وأزكاها عِنْدَ مَليكِكُمْ وأرفَعِها في درجاتِكُم، وخَيْرٌ لكم من إنفاق الذَّهَبِ
стр. 3441
والوَرِقِ، وخيْرٌ لكم مِنْ أَنْ تَلْقوا عَدُوَّكُم فتضربوا أعناقَهُم ويضربوا أعناقكمْ؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله] (١).
قال معاذ بن جبل: (ما شيء أنجى من عذاب الله، من ذكر الله).
فذكر الله تعالى أعلى من الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإِسلام, لأن الجهاد إنما شُرعَ لإعلاء كلمة الله والحكم بمنهاجه، فَذِكْرُهُ تعالى وكلامه وصفاته وأسماؤه فوق كل شيء.
وقد جاء في آفاق منهج الذكر أحاديث جليلة، منها:
الحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: [خرج معاوية إلى المسجد فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: الله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ ، أقلَّ حديثًاًا عنه مِنِّي: إنَّ رسول الله ﷺ ، خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما يُجلِسُكُمْ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، لما هدانا للإسلام، ومَنَّ علينا به. فقال: الله. ما أجْلَسَكُمْ إلا ذاك. قالوا: الله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما أنّي لمْ أسْتَحْلِفْكُم لِتُهْمَةٍ لكم، إنه أتاني جِبْرَئيلُ وأخبرني: أن الله يُباهي بكم الملائكة] (٢).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن عبد الله بن بسر، أن أعرابيًا قال لرسول الله ﷺ : إن شرائعَ الإِسلام قد كثرت علي. فأنبئني منها بشيء أتشبث به. قال: [لا يزالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله ] (٣).
الحديث الثالث: روى مسلم والترمذي وابن ماجه عن الأغَر أبي مُسلم: أنه شهد على أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: [ما مِنْ
стр. 3442
قوم يذكرون الله إلا حَفَّتْ بهم الملائِكَةُ، وغَشيتهم الرحمةُ، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده] (١).
منهاج الذكر كما جاء في الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة:
وهنا فائدة جليلة: لما أفادت الآية السابقة أن ذكر الله أجل الأعمال، كان من الواجب على العباد الاعتناء بآداب ذكرهم لله تعالى ولزومهم لهدي نبيّه ﷺ ومنهاجه في ذلك:
أ - مجالس الذكر هي مجالس العلم.
جاء في "المدخل" لابن الحاج "١/ ٨٦ - ٨٧": (قال علماؤنا ﵏: الذكر والمجالس المذكورة في هذه الأحاديث مجالس العلم، وهي مجالس الحلال والحرام، هل يجوز أو لا يجوز، كيف يتوضأ، وما يجب عليه، ويسن ويستحب، ويكره ويمنع، وكيف يصلي، وكيف ينكح، وكيف يبيع ويشتري، إلى غير ذلك، حتى الحركات والسكنات، والنطق والصمت).
وجاء فيه " ١/ ٨٩ - ٩٠": (وقد قالت عائشة ﵂: "كم من قارئٍ يقرأ القرآن والقرآن يلعنه، يقرأ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وهو ظالم).
وقد قال ابن بطال (٢) في شرح البخاري عن العلماء أنهم قالوا: (الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة ﵃ لها. كيف تلقوها عن صاحب الشريعة ﷺ فإنهم أعرف بالمقال، وأفقه بالحال).
ب - عدم رفع الصوت عند الذكر.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
قال قيس بن عُباد (٣): (كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند
стр. 3443
الذكر). وممن روى كراهة رفع الصوت عند قراءة القرآن: سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والحسن وابن سيرين والنخعي، وكرهه مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل.
روى مالك في الصلاة، باب العمل في القراءة، من حديث البياضي ﵁ مرفوعًا - أنه خرج النبي ﷺ على أصحابه ﵃ وهم يرفعون أصواتهم بالقرآن، فكره ذلك وقال: [لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن] (١).
وله شاهد عند أبي داود في السنن, من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السِّتْرَ وقال: ألا كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة] (٢).
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
فقال رسول الله ﷺ : [ارْبَعُوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا. إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم] (٣).
ج - عدم الاجتماع على صوت واحد في الذكر.
قال ابن وهب: قلت لمالك ﵀: أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه وقال: (ليس هكذا كان يصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه) (٤).
ثم ذكر حديث: "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن". وقال: (ومحال في حقهم أن يكون ﷺ نهاهم عن رفع الصوت بالقرآن فيجتمعون للذكر رافعين أصواتهم به).
ثم قال: (وأما قوله ﷺ : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله
стр. 3444
ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ... ". فالدراسة المذكورة تشعرك بأنهم لم يجتمعوا على التلاوة صوتًا واحدًا متراسلين, لأن المدارسة إما أن تكون تلقينًا، أو عرضًا، وهذا هو المروي عنهم).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
أي والله يعلم أحوالكم وصفة عبادتكم وموافقتها لمنهاج النبوة أو انحرافها، كما يعلم جميع أعمالكم وشؤونكم.
٤٦ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.
في هذه الآيات: الدعوةُ لمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، والتصريح بالإيمان بهذا القرآن وما قبله من الكتب، وتوحيد الله الإله الحق منزل الكتاب بالحق وما يجحد به إلا الكافرون. إنك -يا محمد- لو كنت قارئًا كاتبًا في قومك ثم جئتهم بهذا القرآن لاتهمّك بأخذه من الكتب المبطلون. وإنما هذا القرآن آيات بينات في صدور أهل العلم وما يجحد بآيات الله إلا الظالمون.
قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
قال مجاهد: (هي محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله ، والتنبيه على حججه واياته، رجاء إجابتهم إلى الإيمان, لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة). وقيل منسوخة بآية السيف، فلهم الإِسلام أو السيف أو الجزية. قلت: والراجح قول مجاهد، فإن الآية عامة في ملاطفة المعتدلين من أهل الكتاب بالجميل من القول، رجاء إسلامهم واتباعهم هدي النبي محمد ﷺ .
стр. 3445
التفسيرُ المأمونُ على منهَجِ التَّنزيلِ والصَّحِيح المِسَنُونِ
تَفْسِيرُ القُرآنِ الكريمِ عَلى مِنْهاجِ الأصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ - الوحْيَيْنِ: القُرآنِ والسُّنّةِ الصَّحِيْحَةِ عَلى فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتّابِعِيْنَ
تَفْسِيرٌ مَنْهجيٌّ فِقْهِيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ
الجُزْءُ السَّادِس
تأليف الأستاذ الدكتور
مَأمُون حَمُّوش
стр. 3446
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3447
التفسيرُ المأمونُ على منهَجِ التَّنزيلِ والصَّحِيح المِسَنُونِ
стр. 3448
جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م
موافقة وزارة الإعلام
رقم: ٩١٠٩٢
ورقم: ٩١٤٥١
تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م
دمشق- سورية
يطلب من المؤلف
دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١
المدقق اللغوي
الدكتور أحمد راتب حموش
стр. 3449
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. قال سعيد: (أهل الحرب، مَنْ لا عَهْدَ له، جادِلْه بالسيف). وقال مجاهد: (يعني: أهل الحرب، ومن امتَنَعَ منهم من أداء الجزية).
وقوله: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾. قال ابن كثير: (يعني: إذا أَخْبروا بما لا يُعلمُ صدقُهُ ولا كَذِبُهُ فهذا لا نُقدِم على تكذيبه لأنه قد يكون حقًّا، ولا على تصديقه فلعله أن يكون باطلًا، ولكن نؤمن به إيمانًا مُجملًا مُعَلَّقًا على شرط، وهو أن يكون مُنَزَّلًا، لا مُبَدَّلًا ولا مُؤوَّلًا).
وفي صحيح السنة العطرة من آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: [كان أهلُ الكتاب يَقْرَؤونَ التوراة بِالعبرانِيَّة ويُفَسِّرونها بالعربية لأهل الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ : لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكتاب وَلا تُكذِّبوهم و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]] (١). وفي رواية: [وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦]].
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن الزُّهري قال: أخْبرني حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرحمن: [سَمعَ مُعاوِيةَ يُحَدّثُ رَهْطًا مِنْ قريشٍ بالمدينة، وذَكَرَ كَعْبَ الأحْبَارِ فقال: إنْ كانَ مِنْ أصْدَقِ هؤلاء المُحَدِّثينَ الذينَ يُحَدِّثونَ عَنْ أَهْلِ الكتابِ، وإنْ كُنَّا -مع ذلك- لنبلو عليه الكذِبَ] (٢).
ومفهوم الحديث: يحصل منه الكذب دون قصد لامتلاء تلك الصحف بالأشياء الموضوعة والمكذوبة وهو يحسن بها الظن، لخُلُوِّ تلك الأمة من الحفاظ المتقنين أمثال الجهابذة في أمتنا الذين يكشفون تلك الأكاذيب ويميزون الأحاديث الصحيحة من الضعيفة والموضوعة.
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن عُبيد الله بنِ عَبْد الله: أن ابنَ عباسٍ ﵄ قال: [كيف تَسْألونَ أهل الكتاب عن شيءٍ وكتابُكُم الذي أنْزلَ على رسول الله ﷺ أحْدَثُ؟ تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يشُبْ، وقد حَدَّثَكُمْ أنَّ أهل الكتاب بَدَّلُوا كتاب الله وغَيَّرُوه،
стр. 3450
وكَتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هُوَ مِنْ عِنْد الله، لِيَشتَروا به ثَمَنًا قليلًا، ألا يَنْهاكُم ما جاءكُمْ مِنَ العلم عَنْ مَسْألَتِهم؟ لا والله ما رأينا مِنْهم رجلًا يَسْأَلُكُم عن الذي أُنْزِلَ عَلَيْكُم] (١).
الحديث الرابع: أخرج البزار بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود موقوفًا: [لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضَلّوا، إما أن تكذبوا بحق وإما أن تصدّقوا بباطل] (٢).
وقوله: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: ومعبودنا ومعبودكم واحد ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يقول: ونحن له خاضعون متذللون بالطاعة فيما أمرنا ونهانا).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.
أي: وكذلك -يا محمد- أنزلنا إليك هذا القرآن، كما أنزلنا أمثاله من الكتب على من قبلك من الرسل.
وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
قال ابن كثير: (أي: الذين أخذوه فتَلَوْه حَقَّ تِلاوتِهِ من أَحبارهم العُلَماء الأذكِياء، كعبد الله بن سلام وسَلْمانَ الفارسي وأشباههما).
وقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾. أي: العرب من قريش وغيرهم.
وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾. قال قتادة: (إنما يكون الجحود بعد المعرفة).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما يجحد بأدلتنا وحججنا إلا الذي يجحد نعمنا عليه، وينكر توحيدنا وربوبيتنا على علم منه عنادًا لنا).
стр. 3451
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
أي: وقد عَرَفَ قومك -يا محمد- أنك أمِّي لمْ تَقْرأ كتابًا ولم تكتب -قبل مجيئك بهذا القرآن- ولو كنت معروفًا بإحسانك القراءة والكتابة لارتاب بعض الجهلة من الناس فقالوا: إنما تَعَلّمَ هذا من كتب الأوائل مما أثِر عن الأنبياء وأتباعهم.
فعن ابن عباس: (﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: كان نبي الله ﷺ أُمِّيًّا لا يقرأ شيئًا ولا يكتب).
وقال قتادة: (كان نبي الله لا يقرأ كتابًا قبله، ولا يخطه بيمينه، قال: كان أُمِّيًا، والأمِّي: الذي لا يكتب. ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: إذن لقالوا: إنما هذا شيء تَعَلَّمَهُ محمد ﷺ وكتبَهُ). وعن مجاهد: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال: قريش).
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قوله. قال الحسن: (القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، يعني المؤمنين). فالمقصود: القرآن.
قال القرطبي: (يعني القرآن. أي: ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه. وهي كذلك في صدور الذين أوتوا العلم، وهم أصحاب محمد ﷺ والمؤمنون به، يحفظونه ويقرؤونه. ووصفهم بالعلم لأنهم ميّزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين). وقال ابن كثير: (أي: هذا القرآن آيات بَيِّنَةٌ واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفَظُهُ العلماءُ، يَسَّرَهْ الله عليهم حفظًا وتلاوة وتفسيرًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]). ثم ذكر الحديث: "لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار" (١). قال: (لأنه محفوظ في الصدور، مُيَسَّرٌ على الألسنة، مُهَيْمِنٌ على القلوب، معجز لفظًا ومعنى. ولهذا جاء في الكتب المتقدمة، في صفة هذه الأمة: أنَاجِيلُهم في صُدُورهم).
وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.
أي: ما يكذب بآيات هذا الوحي العظيم، وصدق نبوة هذا النبي الكريم، إلا القوم الظالمون: المعتدون المكابرون.
стр. 3452
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [والذي نفسُ محمد بيده! لا يَسْمَعُ بي أحدٌ مِنْ هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمنْ بالذي أُرسلتُ به، إلا كانَ مِنْ أصحاب النار] (١).
٥٠ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ الله تعالى أن هذا القرآن هو أكبر معجزة خالدة في الأرض، وفيه رحمة وذكرى لقوم يؤمنون. وأمرُ الله نبيَّه أن يقول للمكذبين: كفى بالله شهيدًا لي بصدق النبوة والكافرون هم الخاسرون.
فقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وقالت المشركون من قريش: هلا أنزل على محمد آية من ربه تكون حجة لله علينا كما جعلت الناقة لصالح، والمائدة آية لعيسى).
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
قال ابن كثير: (أي: إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو عَلِمَ أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكِنَّهُ يعلَمُ منكم أنما قَصْدُكم التَعنُّتُ والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا
стр. 3453
نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: إنما بُعِثتُ نذيرًا لكم بيِّنَ التدَارة فَعَليَّ أن أبلِغَكم رسالة الله تعالى).
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.
إعْلامٌ من الله تعالى للمشركين أن هذا القرآن العظيم هو أعظم معجزة خالدة في الأرض إلى يوم القيامة، تعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته بسورة من مثله، وهو أعظم من كل معجزة أتت على أيدي الرسل فيما مضى، ففيه الخبر الصادق عما جرى وما يجري وما سيجري إلى أبد الأبد، بل وبعد فصل الحساب يوم القيامة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعْطِيَ من الآيات ما مِثْلُه آَمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنما كان الذي أوتيتُه وَحْيًا أوْحاهُ الله إليَّ، فأرجو أنْ أكونَ أكثرهم تابِعًا يومَ القيامة] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن الذي يسمعونه يتلى عليهم لرحمة للمؤمنين في تبيانه الحق من الباطل، وذكرى للمؤمنين يتذكرون بما فيه من عبرة وعظة.
وقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال القرطبي: (أي قل للمكذبين لك كفى بالله شهيدًا يشهد لي بالصدق فيما أدعيه من أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾. قال قتادة: (الشرك). وقال يحيى بن سلام: (بإبليس). وقال ابن شجرة: (بعبادة الأوثان والأصنام).
وقوله: ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾. بشركهم به بالأوثان، وإضافة إليه الأولاد والأضداد، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم لكتابه.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قال النسفي: (المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان). والمقصود: أنهم هم الخاسرون أنفسهم وأعمالهم في الآخرة.
٥٣ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ
стр. 3454
وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾.
في هذه الآيات: استعجالُ المشركين العذاب وهو آتيهم بغتة وهم لا يشعرون، ثم إن جهنم ستكون قريبًا محيطة بالكافرين، فإن العذاب يومئذ سيغطيهم من فوقهم ومن تحتهم ويقال ذوقوا ما كنتم تعملون.
فقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. إخبار من الله تعالى عن جهل المشركين في استعجالهم بأس الله أن يَحِلَّ بهم.
فعن قتادة: (قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ قال: قال ناسٌ من جهلة هذه الأمة: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]).
وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾.
أي: ولولا أجل سمّاه الله تعالى أن لا يهلكهم حتى يستوفوه لنزل بهم العذاب عاجلًا. وفي مفهوم ذلك أكثر من تأويل عند المفسرين:
١ - قال ابن عباس: (يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة).
٢ - وقال الضحاك: (هو مدة أعمارهم في الدنيا).
٣ - وقال يحيى بن سلّام: (المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى).
٤ - وقال ابن شجرة: (الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم).
٥ - وقيل: هو القتل يوم بدر.
قلت: وكلها أقوال يحتملها البيان الإلهي، فإنه لكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر.
وقوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
أي: ولينزلن بهم العذاب فجأة وهم لا يعلمون بنزوله عليهم.
стр. 3455
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي يستعجلونك وقد أعدّ لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة، فما معنى الاستعجال).
وقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.
أي: تغشاهم النار فتلفحهم من سائر جهاتهم، ليكون أبلغ في العذاب.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].
٢ - وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩].
وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إنَّ أهْوَنَ أهل النار عذابًا يَوْمَ القيامة، لَرَجُلٌ يُوضَعُ في أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتان، يغلي مِنْهما دِمَاغُه] (١).
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحْشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقونَ إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصَارة أهل النار، طينةِ الخبال] (٢).
وقوله: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. تقريع وتوبيخ وتهديد للمشركين.
وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وبعض قراء المدينة والكوفة ﴿ونقول﴾ بالنون. وقرأ بقية القراء بالياء ﴿ويقول﴾. والقراءتان مشهورتان.
والمعنى كما قال ابن جرير: (ويقول الله لهم: ذوقوا ما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، وما يسخطه فيها).
стр. 3456
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٦].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما بين منكبي الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع] (١).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإنَّ ضِرْسَهُ مثل أحد، وإنَّ مَجْلِسَه من جهنم ما بين مكة والمدينة] (٢).
٥٦ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾.
في هذه الآيات: نصيحة الله تعالى عباده المؤمنين الهجرة إلى دار الإيمان أو حيث يقيمون دينهم، فكل نفس ذائقة الموت ثم يسأل الله العباد عن صدقهم، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيسكنهم الغرف تجري من تحتها الأنهار ثوابًا لهم، مقابل حسن صبرهم وتألق توكلهم. إنه ما من دابة في هذه الأرض ممن لا يستطيع ادخار رزقه لغد إلا والله رازقها وإياكم وهو السميع العليم.
стр. 3457
فقوله: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. أَمْر مِنَ الله تعالى عِباده المؤمنين بالهجرة عند فساد البلاد إلى حيث إقامة الدين.
قال سعيد بن جبير: (إذا عُمِلَ فيها بالمعاصي، فأخرج منها). أو قال: (اهربوا فإن أرضي واسعة). وعن عطاء قال: (إذا أُمِرْتم بالمعاصي فاهرُبوا، فإن أرضِي واسعة).
وقال: (﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾: مجانبة أهل المعاصي). قال مجاهد: (فهاجروا وجاهدوا).
وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. أي: فأخلصوا العبادة لله ولا تطيعوا في معصيته أحدًا.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
وفي صحيح السنة العطرة من آفاق هذ الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: [أتعلم؟ أولُ زمرة تدخل الجنة من أمتي فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ قالوا: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ فيفتح لهم، فيقيلون فيها أربعين عامًا، قبل أن يدخلها الناس] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطحاوي في "مشكل الآثار"، وأحمد في المسند بسند صحيح عن جنادة بن أبي أمية: [أنّ رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ قال بعضهم لبعض: إنَّ الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا في ذلك، قال: فانطلَقْتُ إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أناسًا يقولون: إن الهجرة قد انقطعت. فقال رسول الله ﷺ : إن
стр. 3458
الهجرةَ لا تنقطع ما كان الجهاد] (١). وفي لفظ الطحاوي: [ما دام الجهاد].
وله شاهد عندهما من طريق عطاء الخراساني: حدثني ابن مُحَيْريز عن عبد الله بن السعدي رجل من بني مالك بن حنبل مرفوعًا به بلفظ: [لا تنقطع الهجرة ما جُوهد العدو].
الحديث الثالث: روى أحمد في المسند، بسند صحيح على شرط مسلم من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: [لا طاعة لأحد في معصية الله ﵎] (٢). وله شاهد في الصحيحين من حديث علي بلفظ: [لا طاعة لبشر في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف] (٣).
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
أي: ما دام الموت حق على كل نفس، فاجهدوا أن تموتوا على طاعة الله، فإن المآل والمرجع إليه، والوقوف للحساب يكون بين يديه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
أي: أما المؤمنون أهل العمل على منهاج النبوة، فقد وعدهم ربهم سكنى الغرف أعلى جنة الفردوس، تجري من تحتها الأنهار المختلفة العذبة: من ماء وخمر، وعسل ولبن، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لا يحولون عنها ولا يزولون، بل هم في سرور وبهجة دائمون، نعمت هذه الغرف أجرًا للمؤمنين العاملين، الصادقين المخلصين.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠].
стр. 3459
٢ - وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
وفي صحيح السنة العطرة في وصف الغرف وسكانها أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن سَهْل عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أهلَ الجنة ليتراءَوْنَ الغُرَفَ في الجنة كما تتراءَوْنَ الكوكبَ في السماء] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أهلَ الجنة يَتَراءوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ من فَوْقِهم، كما تتراءَوْنَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ في الأفق من المَشْرِقِ أو المَغْرِب لتفاضلِ ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغُها غيْرُهُم؟ قال: بلَى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصَدَّقُوا المرسلين] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد وابن حبان والطبراني بسند جيد عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله ﷺ حدَّثه: [أن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهِرُها من باطنها، وباطِنُها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلامَ، وتابع الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام] (٣).
وفي لفظ: [إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام].
قال ابن القيم ﵀: (أخبر أنها غرف فوق غرف، وأنها مبنية بناء حقيقة، لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل، وأنه ليس هناك بناء. بل تتصور النفوس غرفًا مبنية كالعلالي، بعضها فوق بعض حتى كأنه ينظر إليها عيانًا. ومبنية صفة للغرف الأولى
стр. 3460
والثانية، أي: لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها) (١) يشير إلى آية الزمر (٢٠).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
أي: هؤلاء الذين استحقوا سكنى الغرف أعلى الجنة هم الذين صبروا على أذى الطغاة والمشركين، وتحمّلوا أعباء الجهاد في سبيل الله لإقامة الدين، وكانوا في أعمالهم وأرزاقهم وجهادهم على ربهم يتوكلون.
وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
أي: كم من دابة لا تطيق تحصيل قوتها لضعفها أو عجزها، فيقيِّضُ الله لها رزقها ويوصله إليها، فإن الله تعالى قد قسم الأرزاق بين مخلوقاته كما قس آجالهم، فهو السميع لندائهم ودعائهم لا يفوته شيء، العليم بأحوال خلقه وحاجاتهم وكل شيء.
وعن مجاهد: (﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾. قال: الطير والبهائم لا تحمل الرزق). قال أبو مُجَلِّز: (من الدواب ما لا يستطيع أن يَدَّخر لغد، يُوَفَّق لرزقه كل يوم حتى يموت). قال ابن كثير: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: اللهُ يقَيّضُ لها رِزْقَها على ضَعْفِها، ويُيَسِّره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يُصلِحُه حتى الذَّرِّ في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
وهنا رَبَطَ سبحانه العبادة بمفهوم الرزق، ليرفع من منزلة ابن آدم على منزلة الدواب والبهائم غير المكلفة والمتكفّل برزقها، فإن الشيطان يهم بالعبد كلما حاول تفريغ جزء من وقته لأهله ورعاية دينهم وأخلاقهم وتوجههم، فجاءت الآية تطمئن المؤمن أن
стр. 3461
الصبر على تعليم الأهل والولد الحق والصلاة وحب الله ورسوله والجهاد في سبيله لا يؤخر من الرزق شيئًا.
٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ومن كنوز السنة العطرة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند صحيح، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : [لَوْ أَنَّكُم كُنتم تَوَكَّلُونَ على الله حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطيرُ، تَغْدو خِماصًا، وتروحُ بطانًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان بسند حسن لغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إن الله يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسُدَّ فقرك، وإنْ لا تفعل ملأت يديك شُغْلًا، ولم أَسُدَّ فقرك] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [سافِروا تصحّوا، واغزوا تَسْتَغْنوا] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس عن النبي ﷺ قال: [مَنْ كانت الآخرة هَمِّهُ، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّهُ، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له] (٤).
الحديث الخامس: أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: [إنَّ روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل
стр. 3462
أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في المطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (١).
الحديث السادس: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الرزق ليطلبُ العبدَ أكثرَ مما يطلبه أجله] (٢).
وله شاهد عند أبي نعيم في "الحلية" بسند حسن لغيره عن جابر مرفوعًا: [لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت] (٣).
وقد فصلت بحث مفهوم الرزق وعلاقته بالإيمان بالقدر تفصيلًا موسعًا في كتابي: "أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان" (٢/ ٨٣١ - ٨٣٩) فلله الحمد والمنة.
٦١ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.
في هذه الآيات: إقرارُ المشركين أن الله تعالى خالقُ السماوات والأرض ومسخِّر الشمس والقمر ثم هم يشركون. إنه تعالى يبسط الرزق ويقدر بحكمته، وهم مقرون أنه المنزل للماء من السماء ليحيى به الأرض الميتة ثم هم به يعدلون، بل أكثرهم لا يعقلون.
فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
تقرير لمقام الألوهية عن طريق الاعتراف بمقام الربوبية. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من خلق السماوات والأرض
стр. 3463
فَسَوّاهن، وسخَّر الشمس والقمر لعباده، يجريان دائبين لمصالح خلق الله، ليقولن الذي خلق ذلك وفَعله الله ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: فأَنَّى يُصْرَفون عمن صَنَعَ ذلك، فيعدلون عن إخلاص العبادة له).
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
قال ابن كثير: (فاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يُصلح كُلًّا منهم، ومن يَستَحِقُّ الغِنى ممن يستحق الفقر).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
أي: ولئن سألتهم -يا محمد- من نَزَّلَ من السحاب مطرًا فأحيا به الأرض من بعد جدبها وقحط أهلها ليقرون أنه الله تعالى. قال القرطبي: (﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي فإذا أقررتم بذلك فَلِمَ تشركون به وتنكرون الإعادةِ. وإذا قَدَر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين، فكرر تأكيدًا. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على ما أوضح من الحجج والبراهين علي قدرته. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يتدبرون هذه الحجج. وقيل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على إقرارهم بذلك. وقيل: على إنزال الماء وإحياء الأرض).
٦٤ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.
في هذه الآيات: إعلامُ الله تعالى بغرور هذه الحياة الدنيا وأن العيش عيش الآخرة لو كانوا يعلمون. وإثبات التوحيد من المشركين لله وإفراده بالدعاء عند الهلع في البحر فإذا نجّاهم الله إلى البر إذا هم يشركون. فَهلّا تفكروا في هذا الحرم الذي جعله الله لهم آمنًا
стр. 3464
ويتخطف الناس من حولهم ولكن أكثرهم يكفرون. إنّ الله قد جعل في جهنم مثوى للمتكبرين، وكتب سبحانه الهداية والنصر للمجاهدين في سبيله حق جهاده وإنه تعالى لمع المحسنين.
فقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التي يتمتع منها هؤلاء المشركون ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ قول: إلا تعليل النفوس بما تلتذّ به، ثم هو مُنْقَضٍ عن قريب، لا بقاء له ولا دوام).
وقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾. قال مجاهد: (لا موت فيها). وقال قتادة: (حياة لا موت فيها). قال ابن عباس: (يقول: باقية).
وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أي: لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أبعاد ذلك لآثروا الباقي على الفاني، ولسارعوا للإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر.
وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
إخبارٌ عن إقرار المشركين حالة الهلاك بالبحر بالوحدانية لله، فإنهم إذا عاينوا الاضطرار وحلول الغرق جأروا إليه تعالى مخلصين له الدين لا يشركون به شيئًا.
وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
قال قتادة: (فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: [لا يدخل
стр. 3465
الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر] (١). وقال: [الكِبْر بطرُ الحق، وغَمْطُ الناس].
وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: ليجحدوا نعمة الله عليهم إذ نجاهم في أنفسهم وأموالهم واستجاب لهم، فسوف يدفعون ثمن جحودهم غاليًا، وثمن تكذيبهم بقدر الله.
وفي المسند عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: [سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر] (٢).
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. امتنان من الله تعالى على قريش. قال قتادة: (كان لهم في ذلك آية أن الناس يُغزون ويُتَخَطّفون وهم آمنون).
وقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بالشرك يتقربون. ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾. أي: وبنعمة الله بإرسال هذا النبي يجحدون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.
أي: ليس أحدٌ من الناس أظلمَ ممن أشرك بالله وتقوَّل عليه بغير علم أو كَذَّبَ بِوَحْيهِ ورسوله وقد جاء بالبينات من ربه. أليس في النار مسكن ومأوى للكافرين.
قال النسفي: (هذا تقرير لثوائهم في جهنم، لأن همزة الإنكار إذا أدخلت على النفي صار إيجابًا، يعني: ألا يثوون فيها وقد افتروا مثل هذا التكذيب على الله وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. تقريرٌ لهداية التوفيق والإلهام الخاصة بالمؤمنين المجاهدين. والآية إخبارٌ من الله تعالى أن ثمار الجهاد فتوح وإلهام وتوفيق لأهله، ونَصْرٌ وجَنْيٌ كثير القطاف والزهور والثمار. ويشمل الجهاد هنا كل أنواعه: من جهاد النفس والشيطان وأعداء الدين.
стр. 3466
ومن أقوال المفسرين العطرة في آفاق هذه الآية:
١ - فعن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ قال: جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا).
٢ - قال الفضيل: (والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به).
٣ - وعن سهل: (والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة).
٤ - وقال أبو عمرو: (أي لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقًا).
٥ - وقال الداراني (والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا، فقد قيل: من عمل بما علم وُفِّقَ لما لا يعلم).
٦ - وعن ابن عطاء قال: (جاهدوا في رضانا لنهدينهم الوصول إلى محل الرضوان).
٧ - وعن الجنيد قال: (جاهدوا في التوبة لنهدينهم سبل الإخلاص، أو جاهدوا في خدمتنا لنفتحن عليهم سبل المناجاة معنا والأنس بنا، أو جاهدوا في طلبنا تحريًا لرضانا لنهدينهم سبل الوصول إلينا).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
٣ - وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: يروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحبَبْتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، وإن استعاذني لأعيذنه،
стр. 3467
وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (١).
لقد بلغت العلاقة بين المؤمن وربه حالة من الرقي والازدهار، بحيث يتردَّد سبحانه عن أمر قد يسيء لعبده وهو لا يحب مساءته، إذ أصبح وليًا لله من عباده المؤمنين الصالحين الذي أصبحت جوارحهم وقلوبهم تتحرك بالحق ولا تُشغل بسواه.
الحديث الثاني: يروي الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا فأحِبَّه، فينادي في السماء، ثم تُنزل له المحبة في الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: إني أبغضت فلانًا، فينادي في السماء ثم تُنزل له البغضاء في الأرض] (٢).
الحديث الثالث: يروي الترمذي كذلك بإسناد صحيح عن قتادة بن النعمان قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا أحبَّ الله عبدًا حماه في الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء] (٣).
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: معهم بصفاته: بتأييده ونصره وتوفيقه.
قال القرطبي: (هو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. فبين المعيَّتَين بونٌ).
تم تفسير سورة العنكبوت بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
стр. 3468
دروس ونتائج وأحكام
١ - أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ويبتلى العبد على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة.
٢ - ليتمنَّين أقوام لو أكثروا من السيئات! أولئك الذين بدل الله سيئاتهم حسنات.
٣ - أحبّ العمل إلى الله تعالى الصلاة على وقتها، ثم برّ الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.
٤ - لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه كان أول من سنّ القتل.
٥ - مَنْ دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.
٦ - لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم.
٧ - إنّ أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت.
٨ - ستكون هجرة بعد هجرة، فخيارُ أهل الأرض ألزمهم مهاجرَ إبراهيم.
٩ - سنة الله إهلاك الأمم عند طغيانها وتكذيبها رسلها، ونجاة طائفة المؤمنين.
١٠ - الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، والمشرك بالله كالمتعلق بخيوط العنكبوت.
١١ - ذكر الله تعالى أكبر من كل شيء وأفضل، وكل الشرائع إنما شرعت لإعلاء ذكر الله وإفراده بالتعظيم.
١٢ - لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.
стр. 3469
١٣ - ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آَمَنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيه نَبِيُّنا وحيًا أوحاه الله إليه، فهو يرجو أن يكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة.
١٤ - يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذّر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال.
١٥ - لا تنقطع الهجرة ما جُوهد العدو، ولا طاعة لبشر في معصية الله.
١٦ - إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها الله لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام.
١٧ - لو أنَّكم كنتم توكَّلون على الله حق توكله لرُزِقْتُم كما تُرزقُ الطيرُ، تغدو خِماصًا، وتروح بطانًا.
١٨ - لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر. والكبْرُ بطرُ الحق، وغَمْطُ الناس.
١٩ - إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا فأحِبَّه، فينادي في السماء، ثم تُنزل له المحبة في الأرض.
٢٠ - إذا أحبَّ الله عبدًا حماه في الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء.
стр. 3470
٣٠ - سُوْرَةُ الرُّومِ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦٠)
موضوع السورة
نصر الروم بعد الهزيمة وعد الله العزيز الرحيم
وكذلك البعث بعد الموت للحساب بين يدي رب العالمين
- منهاج السورة -
١ - خبر انتصار فارس على الروم زمن النبي ﷺ ، والوعد بقلب النصر لتغلب الروم فارس في بضع سنين، وعندها يفرح المؤمنون.
٢ - غفلة أكثر الناس عن حقائق دينهم، بسبب انشغالهم وانغماسهم في أمر دنياهم.
٣ - أهمية التفكر في المخلوقات المحيطة من العالم العلوي والسفلي وما بينهما.
٤ - سنة الله في إنزال النقمة والعذاب في الأمم الظالمة المكذبة للرسل.
٥ - تفرد الله في إنشاء الخلق وإعادته، وانقسام الناس يوم القيامة إلى فريقين.
٦ - تنزيه الله تعالى نفسه، وتوجيه العباد إلى مقام التقديس والتحميد والتهليل والإجلال لله العظيم، في الصباح والمساء وفي الظهيرة وفي كل حين.