القلوب، ولكنها كانت في موضع غرور وكبر، فكان مآلها التدمير والهلاك.
وقد أحسن الحافظ ابن كثير ﵀ بتجاوز تلك الروايات والإتيان بكلامِ جامع مفيد كما سبق، في حين أكثر مُعظَمُ المفسرين من تلك الروايات.
وقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. إمّا من تمام كلام أهل العلم، أو هو كلام مستأنف. قال ابن جرير: (يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينةِ الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها، فجدّوا في طاعةِ الله، ورفضوا الحياة الدنيا).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أنس، قال النبي ﷺ : [إنَّ عِظَمَ الجزاء مع عِظَمِ البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فَمَنْ رضي فله الرِّضى، ومن سَخِطَ فَلهُ السُّخطُ] (١).
وفي سنن الترمذي كذلك بإسناد حسن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ما يزالُ البلاءُ بالمؤمن والمؤمنةِ في نفسه وولدهِ وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليهِ خطيئة] (٢).
وقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
هو إخبار عن نهاية الكبر والخيلاء، والبطر والغرور وسبيل الأشقياء. فقد خسف الله بقارون وبداره التي فيها أمواله ومتاعه وزينته الأرض.
أخرج البخاري ومسلم عن الزُّهري، قال: أخبرني سالِمٌ: أنَّ ابن عمر حدَّثَه أن
стр. 3397
النبي ﷺ قال: [بينما رجلٌ يَجُرُّ إزارَهُ من الخُيلاء خُسِفَ بهِ فهو يتجَلْجَلُ في الأرض إلى يومِ القيامة] (١).
وفي صحيح البخارى عن أبي هريرة يقول: قال النبي ﷺ أو قال أبو القاسم ﷺ : [بينما رجلٌ يمشي في حُلّةٍ تُعْجبُهُ نفسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَه، إذ خَسَفَ اللهُ به، فهو يَتجَلْجَلُ إلى يوم القيامة] (٢).
وقوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.
أي: فلم يكن له جند يستنجد بهم، ولا فئة يرجع إليهم، يلتمس منهم النجدة والنصر، ولا كانَ هو ممن ينتصر من الله إذ أنزل عليهِ سخطه وأحلَّ بهِ نقمته.
قال قتادة: (﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ﴾ أي جند ينصرونه، وما عنده منعة يمتنعُ بها من الله).
وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾.
قال قتادة: (﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ ألم تر أنه). وفي رواية: (أولا يعلمُ أنه). وقيل: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾: معناها: "ويلك اعلم أنّ". وقيل: "وي" للتعجب أو التنبيه، وكأنَّ: بمعنى أحسب وأظن.
والمقصود: فلما رأى الذين تمنوا زينة قارون بالأمسِ ما حَلَّ به من سخط الله ونِقمتهِ علموا أن المال ليس بدال على رضا الله عن صاحبهِ، فإنه تعالى قد يعطي المال استدراجًا لعصاة عباده، فهو الذي يُضَيِّق ويوسِّع، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، وإنما يقسم الأرزاق بين عباده بحكمته جل ثناؤه.
أخرج الإسماعيلي في "المعجمِ" بسند صحيح عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ الله قسَمَ بينكم أخلاقكم كما قسَمَ بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحبُّ ومن لا يحبُّ، ولا يعطي الإيمان إلا من أَحبَّ، فمن ضنَّ بالمال أن ينفقَه، وخافَ
стр. 3398
العدو أن يجاهِدَهُ، وهابَ الليل أن يكابدَهُ، فليكثر من قول: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللهُ أكبر] (١).
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾.
أي: لولا لطف الله ورحمته بنا لخسف بنا كما خسف بقارون الذي تمنّينا مثل حاله بالأمس.
وقوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون، فتُنْجِح طلباتهم).
قال ابن كثير: (يعنون أنه كان كافرًا، ولا يفلحُ الكافرون عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة).
٨٣ - ٨٤. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.
في هذه الآيات: إعدادُ الله تعالى في الجنةِ منازل لأهل كرامته الذي كانوا على منهاج النبوةِ ولم يكونوا من المسرفين. وتضاعف الحسنات للمؤمنين ولا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون.
فقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾.
قال عكرمة: (العُلُوّ: التجبر). وقال سعيد بن جبير: (العلو: البغي).
وقال سفيان الثوري: (العلو في الأرض: التكبّر بغير حق. والفساد: أخذُ المال بغير حق). وقال ابن جُريج: (﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾، تَعظُّمًا وتجبرًا، ﴿وَلَا فَسَادًا﴾: عملًا بالمعاصي).
والمقصود: إنّ الله تعالى أعدّ النعيم المقيم في دار الخلود لعباده الصالحين،
стр. 3399
المؤمنين المتواضعين، المخبتين المتذللين لأمره وشرعه، الذين يريدون إعلاء كلمته في الأرض والحكم بشريعته، ولا يبغون ظلمًا ولا تكبرًا، ولا تجبرًا ولا نشرًا للمعاصي والآثام.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحادبث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند حسن لغيره عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: [ما من آدمي إلا في رأسهِ حَكَمَة بيد ملك، فإذا تواضعَ قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبَّر قيل للملك: ضع حكمته] (١).
قلت: والحَكَمَةُ: موضع أعلى الناصية، كما هو معروف في كلام العرب.
الحديث الثاني: أخرج مسلم وأبو داود وابن ماجة من حديث عياض بن حمار، عن النبي ﷺ أنه قال: [إنَّ الله أوْحَى إليَّ أن تواضَعوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ، ولا يبغي أَحَدٌ على أَحَدٍ] (٢).
الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:
стр. 3400
[لا يدخلُ الجنَّةَ مَنْ كانَ في قلبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قال رجل: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يكونَ ثوبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنةً. قال: إن الله جميلٌ يُحِمث الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَق وغَمْطُ الناس] (١).
وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال قتادة: (أي: الجنة للمتقين).
والمقصود: إن غاية السرور والرضا وحسن الختام وحسن الاستقبال يومَ القيامة إنما هو لأهل التقوى في جنات النعيم المقيم.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال قتادة: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾. أي: لهُ منها حظّ خير، والحسنة: الإخلاص، والسيئةُ: الشرك).
قال ابن كثير: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾: أي ثوابُ الله خير من حسنة العبدِ، فكيفَ والله يضاعفه أضعافًا كثيرة، وهذا مقامُ الفَضْل. ثم قال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وهذا مقامُ الفَصْلِ العَدْل).
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ، قال: [إنَّ الله كتَبَ الحسنات والسيئات، ثم بيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحسَنةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتبَها اللهُ عِندَهُ حَسنةً كامِلةً، فإنْ هَمَّ بها فعَمِلها كَتَبها اللهُ عنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبع مئةِ ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة، وإنْ هَمَّ بسيئة فَلم يَعْمَلْها كَتبها اللهُ عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعَمِلَهَا، كَتبَها اللهُ سيئةً واحدة] (٢).
стр. 3401
وفي رواية: [ولا يَهْلِكُ على الله إلّا هالِكٌ].
٨٥ - ٨٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ المعاد إلى الله ليجزي نبيّه ﷺ أجر المجاهدين الصابرين، واللهُ تعالى أعلم بعبادهِ المهتدين ممن كان في ضلال مبين. وإعلامُ الله تعالى نبيّهُ رحمته به بإنزال هذا القرآن ليثبته على الحق ولئلا يكونَ ظهيرًا للكافرين، أو يزل في فتنةِ أهل الشرك والهوى فلله الحكم وإليهه جميع الخلق يرجعون.
فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾. قال مجاهد: (الذي أعطاكَ القرآن).
أي: إنَّ الذي أنزل عليكَ القرآن -يا محمد- وافترض عليك أداءه إلى الناس ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ - وهو يوم القيامة، فسائلك عما استرعاكَ من أعباء النبوة.
وقوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ فيه أقوال كثيرة:
١ - قال ابن عباس: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: إلى مَعْدِنِك من الجنة). أو قال: (إلى الجنة). وقال أبو سعيد الخدري: (معاده آخرته الجنة).
٢ - قال أبو مالك: (إلى الجنة ليسألك عن القرآن).
٣ - وقال مجاهد: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: يجيء بك يوم القيامة).
٤ - وعن الحسن: (إي والله، إن له لمعادًا يبعثهُ الله يوم القيامةِ، ويدخلهُ الجنة).
٥ - وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى الموت).
٦ - روى البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مكة). وقال: (يقول: لرادّكَ إلى مكة، كما أخرجكَ منها). قال مجاهد: (إلى مولدك بمكة).
стр. 3402
قلت: والجمع ممكن بين هذه الأقوال: فإن الله تعالى افترض على رسوله ﷺ إبلاغ هذا القرآن الذي أنزله عليه، ثم هو سبحانهُ نصره على طغاة مكة حتى فتحها بعد ما أخرجوه منها، ثم إنه تعالى قبضه إليه ثم إن الموعد ين يديه، ليثيبه على جهاده وقيامهِ بأعباء النبوةِ في جنَّةِ عرضها السماوات والأرض، هو خيرُ من يدخلها ويستقر فيها.
وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
أي: قل -يا محمد- لمن كذّبكَ من قومكَ وأصرّ على مخالفتكَ، ولمن مضى على منهاجهم في الكفر: إن ربي هو أعلم بالمهتدي الذي هو على سبيل الهدى، وإذا سلكه نجا، ومن هو على منهاجِ الغي والضلال، يمضي على سبيل العمى، ويجور عن طريق الهدى.
وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما كنت ترجو يا محمد أن ينزل عليكَ هذا القرآن، فتعلم الأنباء والأخبار عن الماضين قبلك، والحادثة بعدك، مما لم يكن بعدُ، مما لم تشهده ولا تشهده، ثم تتلو ذلكَ على قومكَ من قريش، إلا أن ربكَ رحمك، فأنزله عليك، فقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناء منقطع).
وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: إنما أُنزل الوحي عليكَ من الله من رَحْمَتِهِ بكَ وبالعبادِ بسَبَبِكَ فإذا مَنَحكَ بهذه النعمة العظيمة ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: معينًا. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، ولكن فارِقْهمْ ونابِذْهُم وخالِفهم).
وقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾. قال القرطبي: (يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك).
والمقصود: لا تلتفت يا محمد إلى محاولات مكرة قومك في تكذيبك وصدّ الناس عنك، بل امض مستعينًا بربكَ، فإن الله ناصرك ومؤيدك.
وقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾. أي: إلى توحيده وإفراده بالعبادةِ والتعظيم.
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولا تتركنّ الدعاء إلى ربك، وتبليغ المشركين رسالته، فتكون ممن فَعَل فِعل المشركين بمعصيته ربه، وخلافه أمره).
стр. 3403
وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾.
قال ابن عباس: (الخطاب في الظاهر للنبي ﷺ والمراد أهل دينه).
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. أي: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله جل ثناؤه.
وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: كل شيء هالك إلا هو.
قال ابن كثير: (إخبارٌ بأنه الدائم الباقي الحيُّ القيُّوم، الذي تموت الخلائق ولا يموتُ، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧] , فعبَّر بالوجه عن الذات، وهكذا قولنا ها هنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أي: إلا إيّاه).
التأويل الثاني: كل شيء هالك إلا ما ابتغي به وجهه.
قال مجاهد: (﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد بهِ وجهُه).
قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه: (﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إلا مُلْكَهُ، ويُقالُ: إلا ما أريد به وَجْهُ الله).
التأويل الثالث: فيه إثبات صفة الوجه لله تعالى.
والتقدير: كل شيء هالك إلا الله الذي له الوجهُ الكريم.
قال البيهقي: (تكرر ذكر الوجه في القرآن والسنة الصحيحة وهو في بعضها صفة ذات، كقوله ﷺ : "إلا رداء الكبرياء على وجهه". وفي بعضها بمعنى من أجل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾. وفي بعضها بمعنى الرضى كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ٢٠].
قلت: ولا منافاة بين هذه الأقوال، فإنه يفنى كل شيء إلا الله ذو الوجه الكريم، وتبقى الباقيات الصالحات التي قُصد بها وجهُه جل ثناؤه. وكذلكَ تحمل الآيات والأحاديث على إثبات تلك الصفة له جل ذكره -صفة الوجه- وعلى المعاني الطيبةِ الأخرى.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].
стр. 3404
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩].
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله ﷺ بخمسِ كلمات فقال: إنّ الله لا ينامُ، ولا يَنْبَغِي له أن ينامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفعُهُ، يُرْفَعُ إليهِ عَملُ الليل قَبْلَ عَملِ النهار، وعَمَلُ النَهار قَبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليهِ بصرهُ من خلقهِ [(١).
فهذا الحديث العظيم، فيه إثبات كثير من صفاته جل ذكره، كصفة الوجه، وصفة البصر، وصفة خفض القسط ورفعه، وصفة القيومية على عبادهِ فهو سبحانه لا ينام لكمال حياته وقيوميته، وصفات أخرى جليلة يمكن استنباطها من هذا النص النبوي الكريم.
وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾. قال النسفي: (القضاء في خلقه). وقال القاسمي: (أي القضاء النافذ في الخلق).
قلت: والمقصود، أنَّ الله تعالى له الملك والتصرف فهو الحاكم الذي سُلِّمَ له الحُكم وَرُدَّ إليهِ.
كما في التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
وقد ثبت في السنة الصحيحة أن من أسمائه الحسنى: "الحَكَم".
стр. 3405
ففي صحيح سنن أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليهِ الحُكْمُ] (١).
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: إليهِ تردون يوم معادكم، فيقضي بينكم بالعدل، فيثيب مؤمنكم ويعاقب كافركم.
تمّ تفسير سورة القصص بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنّهِ وكرمه
* * *
стр. 3406
دروس ونتائج وأحكام
١ - هل تنصرون إلا بضعفائكم، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم.
٢ - مكر الله بالطغاة من حيث لا يشعرون، ورعاية الله المجاهدين من أوليائه الصالحين، وجعله تعالى العاقبة للمتقين.
٣ - عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلاكان خيرًا له.
٤ - الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
٥ - مقام العبودية يقتضي التذلل إلى الله والاعتراف له تعالى بالافتقار.
٦ - الصداق حق المرأة على الرجل، وهو ملك لها, ولا يحل لأحدِ التصرف فيهِ.
٧ - قضى موسى ﵇ أوفى الأجلين وأكملهما وأتَّمهُما وأبرَّهما.
٨ - لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامةِ، ويظهرُ هذا الدين حتى يجاوز البحار، وحتى تخاضَ بالخيل في سبيل الله.
٩ - جعلَ جبريل يدسّ الطين في فم فرعون خشية أن تدركه الرحمة.
١٠ - ما أهلك الله قومًا، ولا قرنَا، ولا أمةً، ولا أهل قريةٍ، منذ أنزل التوراة على وجه الأرض بعذاب من السماء غير أهل القريةِ التي مسخت قردة.
١١ - مَنْ آمن مِنْ أهلِ الكتاب بنبيِّهِ وأدركَ النبي ﷺ فآمَنَ بهِ واتَّبعهُ وصدقه فله أجران.
١٢ - أهون أهل النار عذابًا يوم القيامةِ رجل، يوضع في أخمص قدميهِ جمرتان يغلي منهما دماغه.
١٣ - إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأسه بأهل الأرض.
стр. 3407
١٤ - لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا قطرة ماء. ومن يدخل الجنة ينعم لا يَبأس، لا تبلى ثيابُه ولا يفنى شبابُه.
١٥ - قال اللهُ ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيهِ معي غيري، تركتهُ وشِرْكَه.
١٦ - يُسألُ العبد في قبره عن أصول دينهِ: من ربك؟ ما دينكَ؟ ما كنتَ تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ هل رأيت الله؟
١٧ - إن الله تعالى هو الحَكَمُ وإليهِ الحُكم.
١٨ - إنَّ الله يبسط يدهُ بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسطُ يدهُ بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.
١٩ - إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
٢٠ - بينما رجل يَجُر إزاره من الخيلاء خُسِفَ بهِ فهو يتجلْجَلُ في الأرض إلى يوم القيامة.
٢١ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسهِ وولده ومالهِ حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة.
٢٢ - إن الله جميل يحب الجمال، الكبير: بطرُ الحق وغَمْطُ الناس.
٢٣ - من هم بالحسنةِ فلم يعملها كتبت حسنة فإن عملها كتبها اللهُ عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ولا يهلك على الله إلا هالك.
٢٤ - حجاب الله تعالى النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليهِ بصره من خلقه.
٢٥ - إثبات صفة الوجه لله، وصفة البصر، وصفة خفض القسط ورفعه، وصفة القيومية، فهو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم.
* * *
стр. 3408
٢٩ - سورة العنكبوت
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦٩)
موضوع السورة
الشرك ووهن أهله في الدارين كوهن بيت العنكبوت لو كانوا يعلمون والنصر والعاقبة للمحسنين والمجاهدين
- منهاج السورة -
١ - سنة الله في اختبار المؤمنين، لبيان الصادقين وكشف المنافقين.
٢ - بيان سبيل النجاة المتضمن الإيمان والجهاد والعمل الصالح، والله يجزي المحسنين.
٣ - الوصية ببر الوالدين والإحسان إليهما، وترك طاعتهما في المعصية، والإخبار بما أعدّ الله في الجنة لعباده الصالحين.
٤ - سقوط كثير من الناس في الفتن، وسلوك المنافقين عند الغنائم، والله تعالى أعلم بالمؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين.
٥ - استهتار الكافرين يحمل الأوزار، وسيحملون أوزارًا مع أوزارهم، وليسألن عما كانوا يفترون.
стр. 3409
٦ - إرسال الله تعالى نبيَّه نوحًا ﷺ ، ومكثه فيهم طيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وهم يصرون على الكفر حتى أخذهم الطوفان وهم ظالمون، وأنجى الله برحمته المؤمنين.
٧ - دعوة إبراهيم ﷺ قومه، وتحذيره لهم مغبة الشرك ومصير الأمم الهالكة.
٨ - احتجاج الله تعالى على منكري المعاد والبعث، ودعوتهم للنظر في بدء الخلق.
٩ - مكر الكفار بإبراهيم، ونجاته من النار بإذن الله، وتحذيره لهم الإصرار على الكفر.
١٠ - تصديق لوط وهجرته وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- إلى الله العزيز الحكيم، وإكرامه تعالى إبراهيم بإسحاق ويعقوب وجعله النبوة في ذريته وهو في الآخرة من الصالحين.
١١ - تحذير لوط قومه مغبة الإصرار على الفاحشة التي ما سبقهم إليها أحد من العالمين، واستعجال القوم العذاب حتى لجأ لوط إلى الله طالبًا النصر على القوم المفسدين.
١٢ - بثُّ الملائكة البشر ى لإبراهيم ﵇ بولد صالح وبإهلاك القوم الظالمين. ووصول الرسل إلى لوط ﷺ وخوفه عليهم حتى بشروه بهلاك القوم المفسدين.
١٣ - قصة شعيب وقومه، وخبر الأمم الكثيرة: كعاد وثمود وقارون وفرعون وهامان، وقصة إهلاكهم بالصيحة أو الخسف أو الريح أو الطوفان.
١٤ - تمثيل تعلق المشركين بآلهتهم كالمتعلق بشبكة العنكبوت لا تفيد شيئًا.
١٥ - خَلْقُ الله السماوات والأرض بالحق، ودعوته الرسول والمؤمنين لتلاوة الوحي وإقام الصلاة، ولذكر الله أكبر، والله عليم بما يصنعون.
١٦ - الدعوة لمجادلة أهل الكتاب بالحسنى، وهذا القرآن آيات بينات في صدور أهل العلم، وهو أكبر معجزة في الأرض إلى قيام الساعة.
١٧ - استعجال المشركين العذاب، والعذاب قريبًا سيغطيهم من فوقهم ومن تحتهم.
١٨ - النصيحة بالهجرة إلى دار الإيمان, فكل نفس ذائقة الموت، ثم إلى الله ترجعون.
١٩ - المؤمنون العاملون للصالحات يسكنون الغرف يوم القيامة، تجري من تحتها الأنهار ثوابًا لهم مقابل صبرهم وحسن توكلهم.
стр. 3410
٢٠ - ما من دابة ممن لا يستطيع ادخار رزقه لغد إلا والله رازقها وإياكم.
٢١ - إقرار المشركين أن الله تعالى خالق السماوات والأرض ومسخِّر الشمس والقمر ثم هم يشركون.
٢٢ - بَسْطُ الله تعالى الرزق وتضييقه بحكمته، والكفار مقرّون أنه -تعالى- المنزل للماء من السماء ليحيي به الأرض الميتة ثم هم به يعدلون.
٢٣ - إعلامُ الله تعالى بغرور هذه الحياة الدنيا، وأن العيش عيش الآخرة.
٢٤ - إخلاص المشركين الدعاء لله عند الهلاك في البحر، وامتنان الله عليهم بنعمة الحرم الآمن.
٢٥ - جعل الله في جهنم مثوى للمتكبرين، وكتب الهداية والنصر للمجاهدين، وإنه تعالى لَمَعَ المحسنين.
* * *
стр. 3411
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٧. قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.
في هذه الآيات: تقريرُ الله تعالى سنته في اختبار المؤمنين وكشف الصادق من الكاذب وفضح المنافقين. وإخباره -جلّت صفاته- عن سبيل النجاة المتضمن الإيمان والجهاد والعمل الصالح والله يجزي المحسنين.
فقوله تعالى: ﴿الم﴾ - كسابقه في سورة البقرة وغيرها من السور التي ابتدأت بمثل هذه الحروف المقطعة، والتي تقتضي الإعجاز لهذا القرآن العظيم المؤلف من جنس هذه الأحرف، ومع ذلك فالخلق عاجزون عن معارضته بمثله.
وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. استفهام إنكار، والمقصود: أظنّ الناس أن يدّعوا الإيمان دون أن يحصل لهم من ربهم اختبار يبيّن صدق دعواهم، قال مجاهد: ﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ قال: يُبْتَلونَ في أنفسهم وأموالهم). وقال قتادة: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: أي لا يُبْتَلون).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢].
стр. 3412
٢ - وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١].
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجه والحاكم بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "أشدُّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإِمام أحمد في المسند بسند حسن عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت: [أتينا رسول الله ﷺ ، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حرّ الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله ﷺ : إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاءً؟ قال: فقال: [أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الترمذي وابن ماجه بإسناد حسن عن أنس عن النبي ﷺ قال:
стр. 3413
[إنّ عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٣].
أي: ولقد اختبرنا الذين مضوا من الأمم قبل أمتك -يا محمد-، ولَيُظْهِرَنَّ اللهُ صِدْقَ الصادقين وكَذِبَ الكاذبين.
قال مجاهد: (﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: ابتلينا الذين من قبلهم).
والعلم هنا بمعنى الإظهار. قال ابن عباس: ("إلا لنعلم": إلا لنرى). وكذلك الآيات المشابهة، فإن الله عليم بما كان ويكون وسيكون وما لن يكون كيف لو كان يكون. قال ابن كثير: (وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعَمُّ من الرؤية، فإنه يتعلَّق بالمعدوم والموجود). وقال القرطبي: (ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه).
قال ابن عطاء: (يتبين صدق العبد من كذبه في أوقات الرخاء والبلاء، فمن شكر في أيام الرخاء وصبر في أيام البلاء فهو من الصادقين، ومن بطر في أيام الرخاء وجزع في أيام النبلاء فهو من الكاذبين).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
أي: أمْ ظَنَّ الذين يجترحون السيئات أن يفوتونا فَيَفِرُّوا من الفِتْنهِ والبلاء، والامتحان في الشدة والرخاء، كلا فإن من ورائهم العقوبة والنكال، وَوُرودِ أسوأِ الأحوال.
قال قتادة: (﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هو أي: الشرك). وقال مجاهد: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أن يعجزونا). وقال القاسمي: (﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ أي يفوتونا، فلا نقدر على مجازاتهم بمساوئ أعمالهم ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾ أي بئس الذي يحكمونه حكمهم).
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
أي: من كان يرجو الله عند لقائه، ويطمع في ثوابه، والنجاة من عذابه، فإن أجل الله الذي أجّله لبعث عباده وإكرام أوليائه لآت قريبًا، وهو السميع لدعاء عباده
стр. 3414
ورجائهم، العلم بصدق إيمانهم من كذب توجههم. فليبادر الصادق إلى إثبات صدقه بالإيمان والعمل الصالح.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
قال النسفي: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ نفسه بالصبر على طاعة الله، أو الشيطان بدفع وساوسه، أو الكفار ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن منفعة ذلك ترجع إليها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وعن طاعتهم ومجاهدتهم وإنما أمَرَ ونهى رحمة لعباده).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال القرطبي: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: لَنُغَطِّيَنها عنهم بالمغفرة لهم ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعات).
قلت: ويشمل هذا من كان في الجاهلية ثم أحسن في الإِسلام. فقد أخرج الحاكم بسند حَسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لَيَتَمَنَّيَنَ أقْوامٌ لَوْ أَكْثَروا من السَّيئاتِ، قالوا: بِمَ يا رسول الله؟ قال: الذين بَدَّلَ الله سيئاتهم حَسنات] (١).
٨ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.
في هذه الآيات: وصيةُ الله الإنسان ببر الوالدين والإحسان إليهما وترك طاعتهما في معصيته ولكن مصاحبتهما بالمعروف والله عليم بالمتقين. وإخباره تعالى عن جميل ما أعدّ في الجنة لعباده الصالحين.
أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: [حلفت أم سعد ألا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زَعَمْتَ أن الله وَصَّاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. قال: مَكَثَتْ ثلاثًا حتى
стр. 3415
غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] , ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]] (١).
فالآية أَمْرٌ من الله تعالى عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد أَمْرِهِ جَلَّ ثناؤه بإحسانِ العبادة إليه، وإفراده بالتعظيم والاستعداد للوقوف بين يديه، فإن برّ الوالدين من أحسن الأعمال، فهما سبب وجوده، وهما نَبْعُ العطف والحنان عليه، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق، وقد ربط الله تعالى برّهما ببره، وعلَّق هذا الرحم بعرشه، فالإحسان إليهما واجب كبير، والإساءة إليهما شر مستطير، فإن أمراه بشِرْكٍ أو كُفْرٍ فلا يتابعهما ولكن يُصاحبهما بالمعروف.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أسماءَ قالت: أقلت: يا رسول الله, إن أمِّي قدمت على، وهي راغبةٌ -أو راهبةٌ- أفأصِلُها؟ قال: نعم].
وفي رواية: قالت أسماء بنت أبي بكر: [قلت: يا رسول الله, قَدِمت عَلَيَّ أُمِّي وهيَ مُشْرِكَةٌ، في عهد قريشٍ إذْ (٢) عاهَدَهم، فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله ﷺ ، قلتُ:
стр. 3416
يا رسولَ الله! قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي راغِبَةٌ، أفأصِلُ أُمِّي؟ قال: نعم، صِلي أُمَّكِ] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بأن مسعود ﵁ قال:
[سألت النبي ﷺ : أيُّ العمل أحَبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاةُ على وَقْتِها. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله] (٢).
الحديث الثالث: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَجْزيَ ولدٌ والِدًا إلا أن يَجِدَهُ مَمْلوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فيُعْتِقَهُ] (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.
أي: المرجع والمآل إليه تعالى فيجازي عباده بأعمالهم، فالذين صدقوه الإيمان وأكدوا ذلك بالعمل الصالح سيدخلهم سبحانه في كرامة عباده الصالحين.
وفي الآية فائدة جليلة، فإنه تعالى عطف العمل الصالح على بر الوالدين، وكأنّ المقصود أن أفضل ذلك العمل بعد الإيمان بالله هو مباشرة رضي الوالدين، فهو طريق السعادة في الدارين.
أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بإسناد صحيح عن ابن عباس، أنَّهُ أتاه رجل فقال: [إني خَطَبْتُ امرأةً فَأبَتْ أن تَنْكِحَني، وخطبها غيري فأحَبَّتْ أن تنكِحَهُ، فَغِرْتُ عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمُّكَ حيَّة؟ قال: لا، قال: تُبْ إلى الله ، وتقرَّب إليه ما استطعت. قال عطاء بن يسار: فذهبت فسألت ابن عباس: لِمَ سمألته عن حياة أُمِّهِ؟ فقال: إنِّي لا أعلمُ عملًا أقربُ إلى الله مِنْ برِّ الوالدة] (٤).
ثم روىَ في باب: "لين الكلام لوالديه" - عن طَيْسَلَةَ بن مَيّاس قال: [كنتُ في النَّجدات (٥)، فأصبْتُ ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا. قال: ليست هذه من الكبائر، هن تسع: الإشراك بالله، وقتل
стр. 3417
نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر (١)، وبكاء الوالدين من العقوق. قال لي ابن عمر: أتفرق (٢) من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي، والله, قال: أحيٌّ والدك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله! لو ألنتَ لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما احتنبت الكبائر] (٣).
وفي مسند الإِمام أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [الوالد أوسط أبواب الجنة] (٤).
١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.
في هذه الآيات: سقوطُ كثير من الناس عند هبوب رياح الفتن مع الساقطين، فإذا كان الرخاء والنصر وتدفّق النعم طالبوا إشراكهم في الغنائم ليكونوا من الفرحين. والله تعالى هو أعلم بالمؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين.
فقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.
قال ابن عباس: (فتنته أن يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله). وقال مجاهد: (أناس يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاءً من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة).
والآية إخبارٌ عن قوم يدّعون الإيمان بألسنتهم، فإذا جاءت الفتن والمحن سقطوا وانتكسوا ورجعوا إلى الكفر والضياع.
стр. 3418
كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
أخرج ابن جرير ورجاله ثقات عن ابن عباس قال: أكان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإِسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض. فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخر الآية. قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية لا عذر لهم قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠] فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجًا فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم ثم نجا من نجا وقتل من قتل] (١).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.
أي: ولئن جاء نصر من ربك -يا محمد- لأهل الإيمان وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم ننصركم على أعدائكم، ونحن إخوانكم في الدين. أو ليس الله بأعلم بما تخفيه قلوبهم وما تكنه صدورهم! !
وفي التنزيل نحو ذلك:
- قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: [تَعِسَ عَبْدُ الدِّينار وعَبْدُ الدرهم وعَبْدُ الخميصة، إنْ أُعطي رَضِيَ وإنْ لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتكسَ، وإذا شيك فلا انتقَشَ، طوبى لِعَبْدٍ آخذٍ بِعنانِ فرَسه في سبيل الله أشعثَ
стр. 3419
رأسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قدماه، إنْ كان في الحِراسةِ كان في الحِراسةِ، وإنْ كان في السَّاقةِ كان في السَّاقةِ .. ] الحديث (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.
أي: وليميزنّ الله أولياءه وحزبه أهل الإيمان والثبات على الحق بالابتلاء في السَّراء والضراء، وكذلك ليميزنَّ أهل النفاق بالمحن والاختبار والابتلاء. فإنه بالاختبار يتميز هؤلاء من هؤلاء، وَبِغير ذلك فالادّعاء سهل وأكثر الناس يزعمون ويدّعون.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١].
٣ - وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [تُعْرَضُ الفِتَنُ على القلوب كالحصير عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ سوداءُ، وأيُّ قلب أنكرها نُكِتَ فيه نُكْتَةٌ بيضاءُ، حتى تصيرَ على قلبين، على أبيض مِثْل الصَّفا، فلا تضُرُّه فِتْنَةٌ ما دامتِ السماوات والأرض. والآخرُ أسْوَدُ مُرْبادًا كالكوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرفُ مَعروفًا ولا يُنكِرُ مُنكرًا إلا ما أُشرِبَ من هواه] (٢).
١٢ - ١٣. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)
стр. 3420
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.
في هذه الآيات: استهتارُ الكافرين يحمل الذنوب وسيعلمون مغبة ما يستهزئون.
إنهم سيحملون يوم القيامة أوزارهم وأوزار من أضلوا وليسألن يومئذ كما كانوا يفترون.
فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.
قال مجاهد: (قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم. يقول: قالوا: لا نبعث نحن ولا أنتم، فاتبعونا إن كان عليكم شيء فهو علينا).
وقال الضحاك: (هم القادة من الكفار، قالوا لمن آمن من الأتباع: اتركوا دين محمد واتبعوا ديننا).
والمقصود: أن كفار قريش أرادوا إغراء من آمن منهم واتبع سبيل الهدى بالرجوع إلى دين الآباء الذي كانوا عليه، ويزعمون أن ذلك في رقابهم وهم يتحملون تبعته.
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. تكذيب من الله تعالى لهم. فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، ولا يستطيع أحد أن يقف يوم القيامة ويقول: عليّ فلان.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠ - ١١].
٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدِ مَنَاف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بنَ عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمَّة رسول الله لا أغني
стр. 3421
عنك من الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمد سليني ما شِئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا] (١).
وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
إِثْباتٌ لِحَمْلِ توابعِ إضلالهم، فإنهم يحملون أوزارَ أنفسهم، ثم يُضاف عليهم أوزار الذين أضلوهم، وتوابع انتشار إفسادهم في الأرض.
فعن قتادة: (﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أي: أوزارهم ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ يقول: أوزار من أضلوا).
وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٥].
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذا المفهوم أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تُقْتَلُ نفسٌ ظُلْمًا، إلا كان على ابن آدمَ الأوَّل كِفْلٌ من دَمِها؛ لأنه كان أوَّلَ مَنْ سَنَّ القتل] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإِمام مسلم أيضًا عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [مَنْ دعا إلى هُدًى، كان له من الأجْرِ مِثْلُ أُجورِ من تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك مِنْ أجورهم شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثْمِ مِثْلُ آثام مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلك من آثامهم شيئًا] (٣).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوفٍ المزني. حدّثني أبي، عن جَدِّي، أن رسول الله ﷺ قال: [مَنْ أحْيَا سُنّةً مِنْ سُنَّتي فَعَمِلَ بها الناسُ، كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بها لا يَنْقُصُ مِنْ أُجورهم شيئًا. ومن ابتدع
стр. 3422
بِدْعَةً فَعُملَ بها، كان عليه أوزار مَنْ عَمِلَ بها لا ينقصُ مِنْ أوزارِ مَنْ عَمِلَ بها شيئًا] (١).
وقوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يكذبونهم في الدنيا بوعدهم إياهم الأباطيل، وقيلهم لهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم فيفترون الكذب بذلك).
١٤ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾.
في هذه الآيات: إرسالُ الله تعالى نبيّه نوحًا ﷺ إلى قومه لينذرهم طيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا وهم يصرون على كفرهم حتى أخذهم الطوفان وهم ظالمون. وكتب الله النجاة في السفينة للمؤمنين وجعلها آية للعالمين.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.
تسليةٌ من الله تعالى لرسوله ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم، فهذا نوح ﵊ قبله مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما هم عليه من الجاهلية والوثنية والكبر، ثم ما آمن معه إلا قليل.
قال ابن عباس: (بُعِثَ نوحٌ وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألفَ سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا، حتى كَثُر الناسُ وفَشُوا).
فإنه قد كَثُرَ الجهلُ وانتشر الشركُ قُبيل بعثة نوح ﷺ ، وبَعُدَ العهدُ بالنبوة على الناس بعد آدم ﵊، فاحتاج الأمر لجهاد طويل في طريق دعوة الناس ومحاولة إنقاذهم من عذاب الله.
أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي أمامة مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: [كان بين آدمَ ونوحٍ عشرَةُ قرونٍ، وبينَ نوحٍ وإبراهيمَ عشَرةُ قرون] (٢).
стр. 3423
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال الضحاك: (الطوفان: الغرق). وقال قتادة: (هو الماء الذي أرسل عليهم).
والمعنى: كانت نهاية إصرار القوم على كفرهم وظلمهم أنفسهم أن أغرقهم الله تعالى بالطوفان ليكونوا عبرة لمن بعدهم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأنجينا نوحًا وأصحابَ سفينته، وهم الذين حملهم في سفينته من ولده وأزواجهم. يقول: وجعلنا السفينة التي أنجيناه وأصحابه فيها عبرة وعظة للعالمين، وحجة عليهم).
١٦ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾.
في هذه الآيات: دعوةُ إبراهيم ﵊ قومه إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم، وتحذيره لهم مغبة شركهم ومصير الأمم الهالكة قبلهم وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
فقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: واذكر أيضًا يا محمد إبراهيم الخليل إذ أنذر قومه وحذرهم مغبة الشرك باللهِ، وأمرهم بإفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم. قال النسفي: (﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الكفر ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كان لكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم).
وقوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾. أي: أصنامًا. قاله قتادة.
стр. 3424
وقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ - فيه أقوال متقاربة:
١ - قال ابن عباس: (يقول: تصنعون كذبًا). وقال مجاهد: (يقول: تقولون كذبًا).
٢ - وقال عطاء عن ابن عباس: (تنحتون تصورون إفكًا). وقال قتادة: (أي: تصنعون. أصنامًا).
٣ - وققال ابن زيد: (﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ الأوثان التي ينحتونها بأيديهم).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾.
قال القرطبي: (أي: اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله، فإياه فياسألوه وحده دون غيره).
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
قال ابن جرير: (﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ يقول: وذلوا له ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على رزقه إياكم، ونعمه التي أنعمها عليكم. إلى الله تردون من بعد مماتكم، فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره وأنتم عباده وخلقه، وفي نعمه تتقلبون، ورزقه تأكلون).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
هو من تمام كلام إبراهيم الخليل ﷺ لقومه كما هو ظاهر من السياق، وفي الآية تعزيةٌ من الله تعالى لرسوله ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه وعنادهم. فإنه على الرسول البلاغ، وعلى الله الحساب.
١٩ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 3425
مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾.
في هذه الآيات: احتجاجُ الله تعالى على منكري المعاد والبعث للحساب، ودعوتُهم للنظر في بدء الخلق والاستعداد للرحيل والنشأة بعد ذلك من القبور للجزاء وقيل الثواب أو العقاب.
فعن قتادة: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال: بالبعث بعد الموت). والآية إخبار من الله تعالى عن إرشاد الخليل إبراهيم ﵇ قومه إلى إثبات المعاد بما يرونه من آيات المقدرة له تعالى. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أو لم يروا كيف يستأنف الله خلق الأشياء طفلًا صغيرًا، ثم غلامًا يافعًا، ثم رجلًا مجتمعًا، ثم كهلًا. وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يقول: ثم هو يعيده من بعد فنائه وبلاه، كما بدأه أوّل مرة خلقًا جديدًا، لا يتعذر عليه ذلك ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ إن سهل كما كان يسيرًا عليه إبداؤه).
وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾. قال قتادة: (خلق السماوات والأرض).
وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾. قال ابن عباس: (هي الحياة بعد الموت وهو النشور).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: إنه تعالى قادر على إنشاء خلقه بعد إفنائهم، وعلى غير ذلك فلا يعجزه شيء.
وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.
قال النسفي: (﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالهداية، أو بالحرص والقناعة، أو بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع وبِملازمة السنة ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تردون وترجعون).
وفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا: [إن الله لو عذب
стр. 3426
أهل سَماواته وأهل أرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
أي: هو القاهر سبحانه لأهل سماواته وأهل أرضه، وكل شيء فقير إليه، محتاج إلى رحمته، وما لكم أيها الناس من دون الله من ناصر ولا معين إن أنزل به نقمته، وأحلّ بكم عذابه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال القرطبي: (﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بما نصب من الأدلة والأعلام. ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: من الجنة، ونسب اليأس إليهم والمعنى أويسوا. وهذه الآيات اعتراض من الله تعالي تذكيرًا وتحذيرًا لأهل مكة).
٢٤ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.
في هذه الآيات: عودةٌ إلى قصة خطاب إبراهيم ﵇ مع قومه، فإنهم لما عجزوا عن مواجهة حجج الحق البالغة لجؤوا إلى استخدام الجاه والقوة والسطوة، فأنجاه الله من النار ومن مكرهم، وقد حذّرهم إبراهيم مغبة شركهم، والخزي يوم القيامة إذا ركبوا الهوى ومضوا على إصرارهم وكفرهم.
стр. 3427
فقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾.
كقوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٧ - ٩٨].
قال النسفي: (قال بعضهم لبعض، أو قاله واحد منهم وكان الباقون راضين فكانوا جميعًا في حكم القائلين فاتفقوا على تحريقه ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّار﴾ حين قذفوه فيها).
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: إن في إنجاء الله إبراهيم من لهب النار وسعيرها، وجعلها عليه بردًا وسلامًا، لأدلة وحججًا لقوم يصدقون بالحجج والأدلة إذا رأوا وعاينوا. وإن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون بقدرة الله على خرق العادات والسنن فيزيدهم ذلك إيمانًا وتسليمًا.
وقوله: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جرير: (أي: تتحابون على عبادتها، وتتوادون على خدمتها، فتتواصلون عليها). وهذا على قراءة ﴿مودةَ﴾ بالنصب على أنه مفعول له. وأما على قراءة الرفع ﴿مودةُ﴾ فالمعنى: إنما اتخذتم هذا لتحصل لكم المودة في الدنيا فقط. والمقصود متقارب، والقراءتان مشهورتان.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
أي: ثم يوم القيامة تنقلب عليكم هذه المودة لتصبح هذه الصداقة بَغْضَةً وشنآنًا، ثم تتجاحدون ما كان بينكم ويبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم بعضًا. قال قتادة: (صارت كُلُّ خُلَّةٍ في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خُلّة المتقين).
قال القاسمي: (﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: تتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
٣ - وقال هنا: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: ما لكم من منقذين
стр. 3428
يحولون بينكم وبين عذاب الله الذي كتبه عليكم، أنتم ومن كنتم معه على منهاج الوثنية وتعظيم غير الله.
أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: [إنَّ أهلَ النار ليَبْكُون، حتى لو أُجْريَت السُّفُنُ في دُموعهم، لجرت، وإنهم ليبكون الدم -يعني- مكان الدمع] (١).
وله شاهد عن ابن ماجه وابن أبي الدنيا بسند صحيح لغيره عن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: [يُرْسَلُ البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، لو أرسلت فيه السفن لجرت] (٢).
٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.
في هذه الآيات: تصديقُ لوط وهجرته وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - إلى الله العزيز الحكيم. وإكرامه تعالى إبراهيم بإسحاق ويعقوب وجعله النبوة في ذريته وهو في الآخرة من الصالحين.
فقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾. قال ابن عباس: (صدّق لوط).
وقوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾. قال: ابن عباس: (هو إبراهيم).
قال قتادة: (هاجرا جميعًا من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى الشام).
وقال ابن زيد: (كانت هجرته إلى الشام).
أخرج أبو داود والحاكم بسند حسن في الشواهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: [ستكونُ هجرةٌ بَعْدَ هِجرةٍ، فخِيارُ أهل الأرض ألزمُهم مهاجَرَ إبراهيم، ويبقى
стр. 3429
في الأرض شِرارُ أَهْلِها، تلفِظُهم أرضُوهم، تقذُرهم نَفْسُ الله، وتحشُرُهم النار مع القردة والخنازير] (١).
ووجه الجمع بين قوله إبراهيم لسارة: "ليس على وجه الأرض مؤمن غيرك وغيري، فأنت أختي في الدين" - حين عرض لها الطاغية، وإيمان لوط في ذلك الزمان أن المراد - والله أعلم - ليس على وجه الأرض زوجان على الإِسلام غيري وغيرك، أو المقصود ليس على وجه تلك الأرض زوجان على الإِسلام غيري وغيرك، أو المقصود ليس على وجه تلك الأرض التي مرّا عليها، أو المراد ذلك على التغليب، وإلا فإن لوطًا ﵊ آمن به من قومه، وهاجرَ معه إلى بلاد الشام، ثم أرسله الله في حياة الخليل إلى أهل "سَدُوم" وإقليمها، فكان من أمرهم انتشار تلك الفاحشة الخبيثة حتى قلب الله عليهم قريتهم وجعل عاليها سافلها.
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: العزيز في نصرة رسله والمؤمنين، وفي انتقامه من أعدائه المجرمين، الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه.
وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.
إخبار عن هديته -تعالى- الكبرى لإبراهيم ﵊، لما فارق قومه واعتزلهم في عبادتهم، فأكرمه في غربته أن جعل النبوة في ذريته، والكتب المنزلة ترافق بعثتهم. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤٩].
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [الكريمُ ابنُ الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يُوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بن إبراهيم ﵈] (٢).
والخلاصة: إن شجرة الأنبياء جميعها تنبعث في أصلها من إبراهيم ﵊، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى
стр. 3430
كان آخرهم عيسى بن مريم -الذي بشر بخاتم النبيين محمد ﷺ ، وهو الوحيد من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وجميع الكتب التوراة والإنجيل والزبور والفوقان رافقت تلك الذرية المباركة. فالمراد بقوله: ﴿وَالْكِتَابَ﴾ جنس ذلك، أي: من الكتب المشار إليها.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. قال مجاهد: (الثناء). وقال ابن عباس: (الولد الصالح والثناء). أو قال: (الذكر الحسن). وقال عكرمة: (أجره في الدنيا أن كل ملة تتولاه، وهو عند الله من الصالحين).
وعن قتادة: (﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ قال: عافية وعملًا صالحًا، وثناء حَسَنًا، فلست بلاق أحدًا من الملل إلا يرى إبراهيم ويتولاه).
والخلاصة: لقد أبقى الله تعالى لإبراهيم ﵇ الثناء الحسن في الأرض، والصلاة عليه إلى آخر الدهر، ومحبة أهل الملل له، واستمرار الذرية الصالحة في عقبه.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. قال الحسن: (أي من أهل الجنة).
قال ابن جرير: (﴿إِنَّهُ﴾ مع ذلك ﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فله هناك أيضًا جزاء الصالحين، غير منتقص حَظُّه بما أعطي في الدنيا من الأجر على بلائه في الله، عَمَّا له عنده في الآخرة).
٢٨ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾.
في هذه الآيات: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : واذكر يا محمد لوطًا إذ حذر قومه مغبة الفاحشة التي كانوا عليها من إتيان المذكور دون النساء ولم يسبقهم إليها أحد من العالمين، ومقابلة قومه له بالتكذيب والإصرار واستعجال العذاب حتى لجأ إلى الله طالبًا النصر على القوم المفسدين.
стр. 3431
فقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
قال عمرو بن دينار: (ما نزا ذكَرٌ على ذكر حتى كان قوم لوط).
وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.
أي: إنهم جمعوا بين منكرات كثيرة، من كفر بالله وتكذيب لرسوله، وقطع للطرق على المسافرين يبتزّونهم للفاحشة ويقتلونهم ويأخذون أموالهم، ويفعلون ما لا يليق فعله في مجالسهم من مجاهرة بالمنكر وتضارُطٍ وتضاحك خبيث وتكشُّفٍ مَشين.
فعن ابن زيد: (﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قال: السبيل: الطريق. المسافر إذا مرَّ بهم، وهو ابن السبيل قطعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث).
وعن عكرمة: (﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كانوا يُؤذون أهل الطريق يحذفون من مرَّ بهم). وقال مجاهد: (كان يجامع بعضهم بعضًا في المجالس). وقال ابن زيد: (ناديهم المجالس، والمنكر: عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون بالراكب فيأخذونه ويركبونه). وذكر ابن جرير بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: (الضراط). قيل: كانوا يتضارطون ويضحكون.
قلت: والآية بعمومها تشمل جميع أنواع المنكرات التي ذُكِرَتْ، وغير ذلك مما لم يُذكر، وتدلّ أنّ قوم لوط جمعوا من الخبائث ألوانًا شتى وأصزوا عليها متكبرين مستهزئين بالعذاب مطالبين به تهكّمًا، وهو قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.
لجوءٌ صحيح من لوط ﷺ إلى ربه حين استعصى عليه قومه، وأَصَرُّوا على بَغْيهم وكفرهم وفجورهم، فاستنصر ربه عليهم.
٣١ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ
стр. 3432
رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.
في هذه الآيات: بثُّ الملائكة البشرى لإبراهيم ﵇ بولد صالح وبإهلاك القوم الظالمين، ووصول الرسل إلى لوط وضيقه وخوفه عليهم حتى بشروه بهلاك القوم المفسدين، لتبقى قصتهم آية لقوم يعقلون.
فقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
أي: جمعوا له بين البشارة بولد صالح وبين إهلاك قوم لوط الذين أصروا على الظلم من كفر ومعصية.
قال ابن كثير: (لما استنْصَرَ لوطٌ ﵇ الله عليهم، بعثَ الله لِنُصْرَتِه ملائكةً فَمَرُّوا على إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف، فجاءهم بما يَنْبغي لِلضَّيفِ، فلما رأى أنه لا هِمَّةَ لهم إلى الطعام نَكِرَهُم وأوجسَ منهم خيفة، فَشَرَعوا يؤانسونه ويُبَشِّرونه بوجود ولدٍ صالحٍ من امرأته سارَّة -وكانت حاضرة- فتعجَّبَت من ذلك. قال: فلما جاءت إبراهيم البُشرى، وأخبروه بأنهم أُرسِلوا لهلاكِ قوم لوطٍ، أخذَ يدافِعُ لعلهم يُنْظرون، لعل الله أن يَهديهم. ولما قالوا: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تُمالِئُهم على كُفْرهم وبَغْيِهم ودَبْرِهِم).
وقوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾.
قال قتادة: (ضاق ذرعه بضيافتهم لِما علم من خُبث فعل قومه). أو قال: (﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ بالضيافة مخافة عليهم مما يعلم من شرّ قومه).
والمقصود: أنه لما سارت الملائكة من عند إبراهيم متوجهين إلى لوط ﵉ وَرَدُوا عليه في صورة شبابٍ حسان فلما رآهم اغتَمَّ بأمرهم فإن أضافهم خشي
стр. 3433
عليهم مكر قومه، وإن لم يضفهم خاف عليهم اعتداءهم، ولم يعرف حقيقة أمرهم بعد.
وقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قالت الرسل للوط: لا تخف علينا أن يصل إلينا قومك، ولا تحزن مما أخبرناك من أنّا مهلكوهم. وذلك أن الرسل قالت لهْ: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]. ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ من العذاب الذي هو نازل بقومك ﴿وَأَهْلَكَ﴾ يقول: ومنجو أهلَك معك ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها هالكة فيمن يهلك من قومها، كانت من الباقين الذين طالت أعمارهم).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
أي: إنا منزلون -يا لوط- على أهل هذه القرية -سدوم- عذابًا من السماء بما كانوا يستهترون بركوبهم الفواحش وإصرارهم عليها.
لقد اقتلع جبريل ﵇ قراهم من قرار الأرض فرفعها إلى عنان السماء ثم قلبها عليهم. وأتبعهم الله حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
قال مجاهد: (عبرة). وقال قتادة: (هي الحجارة التي أمطرت عليهم).
قال القاسمي: (﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يعني قصتها العجيبة، أو آثارها الخربة).
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ
стр. 3434
مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: خبرُ شعيب ﷺ وقومه ودعوتهم لعبادة الله والاستعداد لليوم الآخر وترك الفساد في الأرض، وإصرارهم حتى أخذتهم الرجفة فأصبحوا جاثمين. وخبر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان وغيرهم من الأمم الباغية الذين سلّط الله عليهم ألوان العذاب وما كانوا سابقين.
فقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وأرسلت إلى مَدْين أخاهم شعيبًا، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده، وذِلُّوا له بالطاعة، واخضعوا له بالعبادة، ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يقول: وارجوا بعبادتكم إياي جزاء اليوم الآخر وذلك يوم القيامة).
وقال بعضهم: (﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: واخشوا اليوم الآخر). وقيل: (﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي صدقوا به فإن القوم كانوا ينكرونه).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
العُثُوُّ والعِثيّ أشد الفساد. والمقصود: نهيهم عن السعي في الأرض بالفساد والبغي والإفساد. وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان, ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
قال قتادة: (﴿جَاثِمِينَ﴾: أي ميتين). وقال غيره: (قد أُلقي بعضهم على بعض).
قال ابن كثير: (فأهلكهم الله بِرَجْفَةٍ عظيمة زَلْزَلَت عليهم بلادهم، وصَيحةٍ أخرجت القلوب من حَنَاجرها، وعذاب يَوْمِ الظلّة الذي أزهَقَ الأرواحَ من مُستَقَرِّها، إنه كان عذاب يوم عظيم).
стр. 3435
وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾.
أي: واذكروا كذلك -أيها القوم- مصير عاد وثمود ومآل مساكنهم إلى الدمار والخراب. وذلك أن عادًا -قوم هود- كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قرية قريبة من حَضْرموت بلاد اليمن، وثمود -قوم صالح- كانوا يسكنون الحِجْرَ قريبًا من وادي القرى. وكانت العرب تعرف مساكنهما جيدًا، فهم يقرون على آثار ديارهم كثيرًا أثناء الأسفار والترحال، فذكرهم الله تعالى بما يشاهدونه من تلك البقايا من الأطلال.
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾. قال القرطبي: (أي أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة). والمقصود: حَسّن لهم الشيطان ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي.
وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.
أي: فأزاحهم الشيطان بتزيينه لهم الكفر والآثام عن سبيل الله القويم، وطريق الحق المتين، وكانوا في ضلالتهم مستبصرين، فهم مُعْجَبون ببغيهم يحسبون أنهم على هدى وصواب وهم على الضلال المبين.
ففي قوله: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ قولان متكاملان في المعنى:
١ - قال ابن عباس: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ يقول: كانوا مستبصرين في دينهم). وقال مجاهد: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في الضلالة). وقال قتادة: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ في ضلالتهم مُعْجبين بها).
٢ - قال الفراء: (كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم). وقال النسفي: (﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء متمكنين من النظر وتمييز الحق من الباطل ولكنهم لم يفعلوا).
وقوله: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.
أي: وكذلك اذكر يا محمد -وَذَكِّر قومك- أمر قارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وأمر فرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان، وكانا -من القبط- على الكفر بالله ورسوله، جاءهم موسى بالبينات من الأدلة الواضحات، فاستكبروا في الأرض وأبوا الإيمان بالله الواحد الأحد، فَدَكَّهم العذاب وما كانوا سابقينا بأنفسهم فيفوتونا، بل كنا مقتدرين عليهم. قال القاسمي: (﴿وَمَا كَانُوا