٣٣ - سُورَةُ الأَحْزَاب
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٧٣).
وكانت أطول من ذلك فرفع الله بعض آياتها، ومن ذلكَ آية الرجم.
ما ورد في ذكرها:
أخرج الطيالسي وعبد الرزاق والحاكم بسند يرقى للحسن عن زِرّ قال: [قال لي أُبَيُّ بن كعب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثًا وسبعين آية، قال: فوالذي يحلف به أُبَيّ بن كعب أن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما الْبَتَّة نكالًا من الله والله عزيز حكيم"] (١).
ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند قال: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حَمَّاد بن زيد، عن عاصم بن بَهدلة، عن زِرّ قال: [قال لي أُبَيّ بن كعب: كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كَأيّن تَعُدُّها؟ قال: قُلْتُ ثلاثًا وسبعين آية. فقال: قَط! لقد رأيتُها وإنها لتُعادِلُ سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: "الشيخ والشيخة إذا زَنيا فارجُموهما البتة، نكالًا من الله، واللهُ عليم حكيم"] (٢).
стр. 3572
قلت: والمتن غريب فيه مبالغة كون السورة كانت تعدل البقرة، ولعل المقصود نسخ بعض آيات فقط، واللهُ تعالى أعلم.
موضوع السورة
سقوط الأحزاب وإبطال أحكام الجاهلية
- منهاج السورة -
١ - الأمر بالتقوى وعدم اتباع سبيل الكافرين والمنافقين، بل اتباعُ وحي رب العالمين.
٢ - لا يكون للشخص الواحد قلبان، وكذلكَ لا تصير زوجته التي ظاهرها أُمًّا له.
٣ - إنهاء حكم التبني الذي كانَ في الجاهلية، والاستعاضة بالأخوة في الدين والولاية فيه عما فات من النسب لمن لم يُعرف أبوه.
٤ - تقديم الرسول ﷺ وحكمه، وتأكيد التوارث بالقرابات، وتبقى الأخوة في الدين.
٥ - أخذ العهد على النبيين بتبليغ الرسالة وإقامة الدين، واللهُ تعالى يسأل يوم الحساب عن الصدق وحمل الأمانة وللكافرين عذاب أليم.
٦ - تسخيرُ الله الرياح والجنود يوم الأحزاب لنصر المؤمنين في أزمة الموقف.
٧ - فضح الله سلوك المنافقين يوم الأحزاب، ونقضهم العهود، ومحاولات الفرار.
٨ - الرسول ﷺ موضع الأسوة، والثناء من الله على الرجال الصادقين، وذم المنافقين.
٩ - أمر الله رسوله تخيير أزواجه، واختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة.
١٠ - تضعيف جزاء الفاحشة إن صدرت من بيت النبوة، ومضاعفة الأجر للقانتات من نساء خير البرية، والوصية الجامعة لهن ولمن بعدهن من نساء هذه الأمة.
١١ - ثناء الله تعالى على الرجال والنساء من المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين والصابرين والخاشعين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيرًا.
стр. 3573
١٢ - تقديم المؤمنين قول الله ورسوله وأمرهما على كل قول وأمر ورأي، وقصة زواجه ﷺ بزينب بنت جحش التي كانت تحت متبناه زيد بن حارثة، ونسف أعراف الجاهلية.
١٣ - نَعْتُ الله أتباع الرسل في جهادهم لتبليغ الدعوة، ونسْفُ المفهوم الجاهلي في التبني.
١٤ - الأمر بالإكثار من ذكره تعالى، وذكر الله عباده الذاكرين، وتحيتهم يوم يلقونه سلام وقد أعدّ لهم الأجر الكريم.
١٥ - إرسال الله رسوله بشيرًا ونذيرًا، وتحذيره طاعة المنافقين والكافرين وكفى بهِ تعالى وكيلًا.
١٦ - تفصيل ما أحل الله لنبيّهِ ﷺ من النكاح، وتوضيح الخيار لهُ في التقديم والتأخير والقَسْم.
١٧ - نزول آية الحجاب، وتضمنها الأحكام الشرعية الجليلة والآداب الرفيعة.
١٨ - استثناء بعض الأقارب من عموم وجوب الاحتجاب من الأجانب، واللهُ يعلمُ السرائر.
١٩ - صلاة الله تعالى وملائكتهُ على النبي ﷺ ، والأمر للمؤمنين بامتثال هذا الخلق الحميد.
٢٠ - تهديد الله تعالى الذين يؤذونه، ويؤذون رسوله، والمؤمنين والمؤمنات.
٢١ - الأمر للنساء بالجلباب، فهو الحجاب الشرعي الذي يحفظ الله به النساء من الفتنة.
٢٢ - تهديدُ الله المنافقين والمرجفين في المدينة بالطرد والخزي واللعن والعذاب الأليم، وتلك هي سنة الله في الذين مضوا ولا تبديل لسنة الله العلي العظيم.
٢٣ - تفرّد الله سبحانه بعلم الساعة، وتأكيد لَعْنِه تعالى الكافرين وقد أعدّ لهم سعيرًا، وفيه تقلب وجوههم ويسألون الله لساداتهم ورؤسائهم أن يضاعف لهم العذاب ويلعنهم لعنًا كبيرًا.
٢٤ - تحذيره تعالى عباده المؤمنين مشابهة المنافقين من بني إسرائيل الذين آذوا موسى فبرأه الله من كذبهم، وأَمْرُهُ لهم أن يصدقوه التقوى ففي ذلكَ نجاتهم وسعادتهم.
стр. 3574
٢٥ - ثِقَلُ الأمانة وخشية السماوات والأرض والجبال من حملها، وتشريف الله الإنسان بحملها ليرفعه بها، فَزَلَّ بجهله بقدرها، وقد كتب اللهُ العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، والمغفرة للمؤمنين والمؤمنات.
* * *
стр. 3575
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾.
في هذه الآيات: أمرُ الله تعالى نبيَّهُ ﷺ وهو أمر لأمته - بتقوى الله وعدم اتباع الكافرين والمنافقين، بل اتباع وحي رب العالمين، والتوكل عليه وكفى بهِ وكيلًا ونصيرًا للمؤمنين.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ - تنبيه بالأعلى على الأدنى، فالخطاب وإن كان لشدّ عزيمة النبي ﷺ في الثبات على الحق والصبر على ما يلقاهُ، فهو لمن دونه من أمتهِ من باب أولى. قال النسفي: (﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ اثبت على تقوى الله وَدُمْ عليهِ وازدد منهُ، فهو باب لا يدرك مداه). وقال طَلْقُ بن حَبيب: (التقوى أن تعملَ بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تتركَ معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله).
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال ابن جرير: (فلا تقبل منهم رأيًا ولا تستشرهم مستنصحًا بهم، فإنهم لك أعداء).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال ابن كثير: (أي: فهو أحقُّ أَنْ تَتَّبعَ أوامرَهُ وتُطيعهُ، فإنه عليمٌ بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله).
وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: وَعَظِّم منهاج الوحي الذي يلقى إليكَ فوق كل منهاج، فإن في الوحيين - القرآن والسنة - منهاج الاتباع الأكمل.
وعن قتادة: (﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي هذا القرآن).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. أي: إن ربك - يا محمد - يعلم كل
стр. 3576
أعمالكم - أنت وأصحابك - لا يخفى عليه صبركم وجهادكم، وهو مجازيكم على ذلكَ خير الجزاء.
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. أي: وفوّض أمرك يا محمد إلى الله، فإنه بالتوكل يُرفع مقام العبد، ويحظى من ربه بالتأييد والفرج والنصر.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. أي: وحسبكَ يا محمد باللهِ حفيظًا وكفيلًا.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨].
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: [﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾] (١).
وروى البخاري عن ابن عباس قال: [كان آخرَ قَولِ إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار: حَسبي اللهُ ونعم الوكيل] (٢).
٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا
стр. 3577
آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.
في هذه الآيات: تقريرُ الله تعالى أنه كما لا يكونُ للشخص الواحد قلبان، كذلكَ لا تصير زوجته التي ظاهرها أمًا لهُ، ولا يصير الدعي ولدًا، بل يلحق بأبيه، فإن لم يعرف الأب فهو أخ لكم في الدين، والله يعفو عن الخطأ وهو الغفور الرحيم.
فقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى مُوَطِّئًا قَبل المقصود المعنوي أمرًا حِسِّيًا معروفًا، وهو أنه كما لا يكونُ للشخص الواحد قلبان في جَوفهِ، ولا تصير زوجتُه التي يُظاهر منها بقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أمًّا له، كذلكَ لا يصير الدَّعِيُّ ولدًا للرجلِ إذا تبنَّاهُ فدعاه ابنًا لهُ، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]).
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾. هو المقصود بالنفي. قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في زيد بن حارثة).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾. أي: لا حقيقة له. فمن قال لامرأتهِ أنتِ علي كظهر أمي، أو ادّعى من ليس ابنه أنه ابنه إنما لا يثبتُ ذلكَ بالدعوى، فلا تصير الزوجةُ أمًا ولا يصيرُ المتبنَّى ولدًا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. قال سعيد بن جبير: (﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، أي: العدل). وقال قتادة: (﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، أي: الصراط المستقيم).
وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄: [أنَّ زَيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوهُ إلا زيد بن محمد، حتى أنزل اللهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾] (١). وفي لفظ: [حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ
اللَّهِ﴾].
стр. 3578
قلت: وللآية سبب نزول آخر، ولعلهُ قد نزلت بهما جميعًا.
فقد أخرج البخاري والنسائي وأحمد عن عائشة ﵂ قالت: [أتت سهلةُ بنت سهيل بن عمرو - وكانت تحتَ أبي حذيفة بن عتبة - رسول الله ﷺ ، فقالت: إن سالمًا يدخلُ علينا وأنا فُضل، وأنا كنا نراهُ ولدًا وكان أبو حذيفة تبناه كما تبنى رسول الله ﷺ زيدًا، فأنزل اللهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾]. وقولها: "وأنا فُضل" وفي لفظ عند أبي داود: "ويراني فُضلًا" أي مبتذلة في ثياب المهنةِ والبيت.
ورواه مسلم عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، عن القاسم، عن عائشة: [أنَّ سالمًا مولى أبي حُذيفةَ كانَ مع أبي حذيفة وأهلهِ في بيتهم. فأتَتْ يعني بنتَ سُهَيْل، النبي ﷺ . فقالت: إن سالمًا قد بلغَ ما يَبْلُغُ الرجال، وعَقَلَ ما عَقَلُوا، وإنه يَدْخُلُ علينا، وإني أظُنُّ أن في نَفسِ أبي حُذيفة مِنْ ذلكَ شيئًا. فقال لها النبي ﷺ : أرضعيه تَحْرُمي عليه، ويَذْهَبُ الذي في نفس أبي حذيفة. (وفي رواية: قالت: وكيفَ أُرضِعُهُ؟ وهو رجلٌ كبير، فتبسَّمَ رسول الله ﷺ وقال: قد علمتُ أنه رجلٌ كبير). (وفي رواية: فقالت إنه ذو لحية. فقال: أرضعيه يذهَبُ ما في وجهِ أبي حذيفة). فرجعتْ إليهِ فقالت: إني قد أرضَعْتُهُ، فذهبَ الذي في نفس أبي حذيفة] (١).
فسالم بن عبيد بن ربيعة قد تبناه أبو حذيفة على عادة العرب، ونشأ في حجر أبي حذيفة وزوجته، نشأة الابن، فلما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ بطل حكم التبني فشق عليهما أن يمنعاه الدخول لسابق الألفةِ فسألته سهلة كما سبق.
وقد فصّل أبو داود في السنن في ذلكَ، فروى عن عائشة زوج النبي ﷺ ، وأم سلمة: [أنَّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان تَبَنَّى سالمًا، وأنكحهُ ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار. كما تبنّى رسول الله ﷺ زيدًا - وكان من تَبَنَّى رجلًا في الجاهليةِ دعاه الناس إليه وَوُرِّثَ ميراثه - حتى أنزل اللهُ في ذلكَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فرُدُّوا إلى آبائهم، فمن لم يُعْلم له أب، كان مولىً، وأخًا في الدين. فجاءت سهلةُ بنت سهيل بن عمرو القرشي، ثم العامري، وهي امرأة أبي حذيفة. فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفة في
стр. 3579
بيت واحد، ويراني فُضُلًا، وقد أنزل اللهُ فيهم ما قد علمت، فكيفَ ترى فيه؟ فقال لها النبي ﷺ : "أرضعيه". فأرضعتهُ خمس رضعات، فكان بمنزلةِ ولدها من الرضاعة. فبذلكَ كانت عائشة تأمر بنات أخواتها، وبنات إخوتها: أَنْ يُرضِعْنَ مَن أحبت عائشة أَنْ يراها ويدخل عليها، وإن كان كبيرًا، خَمْسَ رضعاتٍ ثم يدخل عليها. وأبت أمُّ سلمة، وسائر أزواج النبي ﷺ : أن يدخلن عليهن بتلكَ الرضاعة أحدًا من الناس، حتى يرضع في المهد، وقلْنَ لعائشة: والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي لسالم دون الناس] (١).
قلت: والصحيح أنها حادثة عين يمكن تكرّرها بأشباهها في كل زمان، وقد وجدت أيام التخصص في الولايات المتحدة الأمريكية مثل هذه الأحوال، حيث يكثر التبنّي هناك في العائلات المحافظة بتعاون بينهم وبين الكنيسة لحل مشكلة الأولاد اللقطاء الذين يفرزهم فاسد العلاقات في تلك المجتمعات، فيحصل أحيانًا أن يسلم الرجل وزوجته ويتبعهما الطفل الذي نشأ في حجرهما - وقد يكونا قد تعلقا به إذ لا ولد لهما - فيكون حل مشكلةِ دخوله عند كبره في إرضاعه وهو كبير.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
أَمْرٌ بردِّ أنساب الأدعياء إلى آبائهم، فإن لم يَعْرِفوا آباءهم فهم إخوانكم في الدين إن كانوا من أهل مِلّتكم ومواليكم إن كانوا محرَّريكم وليسوا ببنيكم.
فعن قتادة: (﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أعدل عند الله ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فإن لم تعلموا من أبوه فإنما هو أخوك ومولاك).
قال النسفي: (﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي فهم إخوانكم في الدين وأولياؤكم في الدين، فقولوا هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي ويا مولاي، يريد الأخوة في الدين والولاية فيه).
والمقصود: إنهاء حكم التبني الذي كان في الجاهليةِ وفي أول الإسلام، والاستعاضة بالأخوة في الدين والولاية فيه عما فات من النسب لمن لم يُعرف أبوه. وقد تزوج النبي ﷺ بزينب بنت جحش مطلقة متبنّاه زيد بن حارثة بعد هذا الحكم كما قال
стр. 3580
تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وفي الصحيحين من حديث أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [ليسَ من رجل ادّعى لِغيرِ أبيهِ وهو يَعْلَمُهُ، إلا كفر] (١).
وفي صحيح البخاري من حديث البراء مرفوعًا - لما اعتمر النبي ﷺ عمرة القضاء - وفيه: [فتبعته ابنةُ حَمْزَةَ تُنادي: يا عَمِّ يا عَمِّ، فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة ﵍: دونكِ ابنة عمِّك، حَمَلتْها، فاختصمَ فيها علي وَزيدٌ وجعفرٌ فقال عليٌّ: أنا أخذتها وهي بنتُ عمِّي، وقال جعفرٌ: هي ابنةُ عمي وخالتُها تحتي - يعني أسماء بنت عميس -، وقال زيْدٌ: بنتُ أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتِها وقال: الخالةُ بمنزلةِ الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا مِنْك. وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخُلُقي. وقال لزيد: أنتَ أخونا ومولانا] (٢).
قال الحافظ ابن كثير معقبًا على هذا الحديث - وقد ذكره عند تفسير هذه الآية -: (ففي هذا الحديث أحكامٌ كثيرةٌ من أحسنها أنه ﷺ حَكَمَ بالحق، وأرضى كُلًّا من المتنازعين، وقال لزيد: "أنتَ أخونا ومولانا"، كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾).
وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: ما كان من نسب أحدكم بعضهم لغير أبيهِ خطأ بعد استفراغ الوسع والاجتهاد فلا حرج فيه. قال قتادة: (﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ يقول: إذا دعوت الرجل لغير أبيهِ، وأنت ترى أنه كذلك ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يقول الله: لا تدعه لغير أبيه متعمدًا. أما الخطأ فلا يؤاخذكم الله به).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقد ثبت في صحيح مسلم ومسند أحمد أن الله تعالى قال: (قد فعلت).
стр. 3581
٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا اجتهد الحاكمُ فأصاب فله أجران، وإن اجتهدَ فأخطأ فله أجر] (١).
وفي لفظ: [إذا حكم الحاكم فاجتهدَ ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر].
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم] (٢). وفي حديث ابن عباس: قال الله: [قد فعلت] (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن ماجة في السنن، عن أبي ذر مرفوعًا: [إنَّ الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيانَ وما استكرهوا عليهِ]. ولفظ ابن ماجة: [إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه] (٤).
وله شاهد عند البيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: [إن الله تجاوز لأمتي عما توسوسُ به صدورهم ما لم تعمل أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه] (٥).
٦. قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو
стр. 3582
الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾.
في هذه الآية: تقديمُ الله تعالى لرسوله ﷺ ليقدمهُ المؤمنون على أنفسهم، وتأكيدُ التوارث بالقرابات بدلًا من التوارث بالحلف والأخوة في الدين كما كان الأمرُ أول الإسلام، ويبقى النصر والبر والصلة - بين الإخوان - والإحسان.
فقوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ - تقديم من الله لرسوله ليكونَ مقدمًا عند المؤمنين على أنفسهم لكونه أرحم بهم وأشفق وأنصح لهم.
قال مجاهد: (هو أب لهم). وَرُوي أنه في بعض القراءة "وهو أبٌ لهم". وقال ابن زيد: (كما أنتَ أولى بعبدكَ، ما قضى فيهم من أمر جاز).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلكَ أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ مِن والِدهِ وولده والناس أجمعين] (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مِنْ أشدِّ أمَّتي لي حُبًّا، ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله ومالِه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن هشام قال: [كُنّا مع
стр. 3583
النبي ﷺ وهو آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بن الخطاب، فقال له عُمَر: يا رسول الله، لأنتَ أحبُّ إليَّ مِنْ كُلِّ شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيدهِ حتى أكونَ أحبَّ إليكَ من نَفْسِكَ. فقال لهُ عُمر: فإنه الآن واللهِ لأنتَ أحبُّ إلَيَّ من نَفسي. فقال النبي ﷺ : الآن يا عُمر] (١).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ["إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعَلِّمُكُم، فإذا أتى أحدكم الغائطَ فلا يستقبل القبلةَ ولا يستدبرها، ولا يَستَطِبْ بيمينه". وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الرَّوث والرِّمَّة] (٢).
الحديث الخامس: أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناسِ بهِ في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالًا فليرثْهُ عَصَبَتُه مَنْ كانوا، فإن تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِياعًا فليأتني فأنا مولاه] (٣).
وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. قال قتادة: (يعظّم بذلكَ حقّهن). وقال ابن زيد: (محرّمات عليهم). قال ابن كثير: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أي: في الحُرمةِ والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخَلوة بهنَّ، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع).
وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾.
أخرج الطيالسي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: [آخى رسول الله ﷺ
стр. 3584
بين أصحابه وورث بعضهم من بعض، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. فتركوا ذلكَ وتوارثوا بالنسب] (١).
والمقصود: القرابات أولى بالتوارث ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله، من التوارث بالحِلف وأخوة الدين كما كان عليهِ الأمرُ أول الإسلام، لمَّا آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فنسخ الله تعالى ذلكَ بهذه الآية. قال ابن عباس: (كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ ) ..
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. قال ابن زيد: (إلا أن توصوا لهم). قال ابن كثير: (أي: ذهَبَ الميراث، وبَقي النصر والبرُّ والصِّلة والإحسان والوصية).
وقوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾. قال ابن زيد: (أي: أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). والمقصود: هذا الحكم من التوارث بالنسب مسطور في اللوح المحفوظ لا يبدل ولا يغيّر، وإنما شرع تعالى خلافَهُ لحكمة في مدة محدّدة، ثم رَجَعَ الأمر إلى ما هو مكتوب في الكتاب الأزلي لا تبديل لكلمات الله.
٧ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾.
في هذه الآيات: أَخْذُ الله تعالى العهد على النبيين بتبليغ الرسالة وإقامة الدين، وسيسأل سبحانهُ عباده عن الصدق في حمل الأمانة، وأعدّ للكافرين العذاب الأليم.
فقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾. قال القاسمي: (أي أخذنا عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق والتعاون والتناصر والاتفاق وإقامة الدين وعدم التفرق فيه).
وفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ
стр. 3585
كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
وقوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
هؤلاء أولو العزم من الرسل، وخصّ من بينهم نبينا محمدًا ﷺ بالبداية لشرفه ﷺ في الدنيا والآخرة، ثم رتّبهم حسب تعاقبهم.
أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ ولا فَخْرَ. وأنا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ الأرضُ عَنْهُ يوم القيامةِ وَلا فخْرَ. وأنا أَوَّلُ شافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ولا فَخْرَ. ولواءُ الحمدِ بيدي يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ] (١).
فالآية بدأت بالحديث عن النبيين ثم جاء التخصيص لأولي العزم منهم وعلى رأسهم أشرفهم وخاتمهم.
قال أبو السعود: (وتخصيصهم بالذكر، يعني قوله: ﴿وَمِنْكَ﴾ إلخ مع اندراجهم في النبيين، للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع وأساطين أولي العزم. وتقديمُ نبينا عليهم، عليهم الصلاة والسلام، لإبانة خطره الجليل).
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال ابن عباس: (الميثاق الغليظ: العهد).
وقال قتادة: (ميثاق أخذه الله على النبيين، خصوصًا أن يصدّق بعضهم بعضًا، وأن يتبعَ بعضهم بعضًا).
وقوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾. قال مجاهد: (المبلغين المؤدين من الرسل).
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأعدّ للكافرين بالله من الأمم عذابًا موجعًا).
٩ - ١١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ
стр. 3586
فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ الله تعالى على عبادهِ يوم الأحزاب تسخيره الرياح والجنود لنصرهم، وقد جاءهم الكفار من فوقهم ومن أسفل منهم، وصعب الموقف على المؤمنين وكاد يزلزلهم.
فلقد كان لسياسة المباغتة العسكرية التي قام بها النبي ﷺ في أرجاء شبه الجزيرة العربية أقوى الأثر فى بسط النفوذ في الصحراء، أضف إلى ذلك كسر رأس قريش بتحديها للقدوم إلى بدر الموعد، أضف إلى ذلكَ محاصرة اقتصاد مكة بتهديد طرق تجارتها، أضف إلى ذلك إذلال المسلمين ليهود بني قينقاع وبني النضير وإجلائهم، وشعور بني قريظة بالذل والصغار من بعدهم، كل ذلكَ قد هيأ الظروف لتحالف وثني يهودي لقتال النبي ﷺ .
وقد ذهب - بالفعل - نفر مِنْ قادة يهود إلى قريش، يغرونهم بالمدد ودعايات الكذب، وأن دين قريش خير مما جاء به محمد، ويستنفرونهم للتحرك جميعًا للقضاء على محمد ودينه، وأن ذلكَ أرضى لله. يروي ابن إسحاق بإسناد رجاله ثقات من حديث عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن كعب وغيرهم قالوا: (إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود، منهم سلاّم بن أبي الحُقيق النضري، وحُيَيّ بن أخطب النّضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهَوذة بن قيس الوائلي، وأبو عَمَّار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حَزَّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكةَ، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نَخْتَلِفُ فيهِ نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢] ... إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ -أي النبوة- ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ
стр. 3587
سَعِيرًا﴾. فلما قالوا ذلكَ لقريش، سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ . فاجتمعوا لذلكَ واتعدوا له، ثم خرج أولئكَ النفر من يهودَ، حتى جاؤوا غطفان، من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليهِ، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه) (١).
وقد وعد وفد اليهود غطفان نصف ثمر خيبر إن هم شاركوا في هذا التحالف - كما ذكر موسى بن عقبة - تحريضًا منهم لغطفان لخوض معركة فاصلة ضد النبي ﷺ ، واستعادة الكبرياء في الأرض والسيطرة على طرق التجارة من جديد.
وهكذا نجح أبناء القردة والخنازير من يهود بتأليب القبائل والأعراب وأحزاب الكفر على النبي ﷺ ، لتخرج هذه الجموع من الأحزاب لملاقاة المسلمين في شوال من السنة الخامسة للهجرة.
قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان في قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. قال: (والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل اللهُ عليهم مع الريح: الملائكة).
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وكان اللهُ بأعمالكم يومئذ، وذلكَ صبرهم على ما كانوا فيهِ من الجَهْدِ والشّدةِ، وثباتهم لعدوهم، وغير ذلكَ من أعمالهم، بصيرًا لا يخفى عليهِ من ذلكَ شيء، يُحصيهِ عليهم، ليجزيهم عليه).
لقد خرج من الجنوب جيشُ قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة، يقودهم أبو سفيان بن حرب في أربعة آلاف مقاتل، ووافاهم بنو سليم بمر الظهران، في حين خرجت قبائل غطفان من الشرق وهم: بنو فزارة يقودهم عيينة بن حصن، وبنو مرة يقودهم الحارث بن عوف، وبنو أشجع يقودهم معسر بن رخيلة، كما خرجت بنو أسد وقبائل أخرى. واتجهت هذه الأحزاب جميعًا نحو المدينة، لتلتقي قريبًا منها على ميعاد قد اتفقت عليه، ليجتمع بعد أيام حول المدينة جيش مترامي الأطراف قوامُه عشرة آلاف مقاتل، ربما يزيدُ على عدد سكان المدينة بنسائها وصبيانها وشبابها وشيوخها.
إلا أن قيادة المدينة كانت متيقظة حذرة، فقد نقلت استخبارات النبي ﷺ إليهِ خبر
стр. 3588
تجمع الأحزاب خبرًا بعد خبر حتى مستقرها الأخير. فهرعَ النبي ﷺ لعقد مجلس استشاري عسكري أعلى، تبادل فيهِ الرأي مع قيادة المهاجرين والأنصار حول خطة الدفاع عن المدينة لمواجهة هذا الزحف الوثني اليهودي السافر. وقد أفرز هذا المجلس السريع عن تألق فكر الصحابي النبيل سلمان الفارسي ﵁ الذي قدّمَ خطة عالية الدقة للقائد الأعلى ﵊، إذ قال: (يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا).
وقد كانت خطة فريدة حكيمة لم تسمع بها العرب من قبل، فهرع الأصحاب للتنفيذ - بأمر نبيهم ﷺ .
يروي البخاري في صحيحه عن أنس قال: [جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينةِ، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الإسلام ما بقينا أبدا
قال: فيقول النبي ﷺ وهو يجيبهم:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرهْ ... فبارك في الأنصار والمهاجرهْ
قال: يؤتون بملء كَفِّي من الشعير فَيصنعُ لهم بإهالة (١) سَنِخَةٍ (٢) توضَعُ بين يدي القوم، والقوم جِياعٌ، وهي بَشِعَةٌ في الحَلْقِ ولها رِيحٌ مُنْتِنٌ] (٣).
لقد طغت حرارة الإيمان على البرد والجوع القارصين، وعلى شدة التعب ومشقة الحفر، فتناسوا الآلام في سبيل هذا الدين، فيالذة النظر إليهم وهم يحفرون بقوة وينقلون التراب على أكتافهم وظهورهم، وفيهم من كان لا يخدم نفسه عادة - من التجارة والزعماء - لتوفر الخدم والعبيد والإماء، ويا طرب الأسماع لو أصغت إلى أهازيجهم وهي تدور بينهم وبين نبيهم.
ولما وصل المشركون أخذوا يحاولون اقتحام الخندق الذي فوجئوا بهِ ولكن دون جدوى، فلقد أمطرهم المسلمون ورشقوهم بالنبل.
واشتد الخطب على المسلمين، وزادت آلام الحصار والانتظار، فقد سُعِرَ عشرة
стр. 3589
آلاف من قريش ويهود وقبائل العرب ضدهم، ولجأ زعماء اليهود إلى المكر والخديعة وألبوا بني قريظة لتنقض العهد وتظهر الغدر.
لقد خشي المسلمون على نسائهم وذراريهم من هذا الغدر المتوقع، ومكثوا في حالة قلق وهمّ وصفها القرآن في هذه السورة - سورة الأحزاب - وهي: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
قال قتادة: (﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: شخصت). وعن عكرمة: (﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قال: من الفزع).
فقد أخبر القرآن أنهم أحاطت بهم الأحزاب من فوقهم، في حين هددتهم بنو قريظة من أسفل منهم، وقد ظن المنافقون بالله الظنون، ونزل بالمؤمنين بلاء عظيم كادَ أن يزلزلهم، لولا تثبيت الله سبحانه لهم، وتألق التربية النبوية الدقيقة التي أسعفتهم في مثل هذه الأحوال. وقال النسفي: (﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرةً أو عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ الحنجرة رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم، والحلقوم مدخل الطعام والشراب، قالوا: إذا انتفخت الرئة من شدةِ الفزع أو الغضب ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة. وقيل: هو مثل في اضطراب القلوب وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة). وعن الحسن: (قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظنونًا مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا وأصحابه يُستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق، أنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون).
وعن مجاهد: (قوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: محصوا).
قال ابن جرير: (قوله: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ يقول: وحُرِّكوا بالفتنةِ تحريكًا شديدًا، وابتلوا وفتنوا).
١٢ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ
стр. 3590
فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: فضحُ الله تعالى سلوك المنافقين يوم الأحزاب ونقضهم العهود ومحاولات الفرار من الجهاد بتقديم الأعذار الكاذبة، والله يعلم ما في قلوبهم، وهو العزيز الحكيم.
فعن قتادة: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال: قال ذلكَ أُناسٌ من المنافقين: قد كان محمد يَعِدُنا فتح فارس والروم، وقد حُصِرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدُنا أَنْ يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا).
لقد غلب الجبن والإرجاف المنافقين والذين في قلوبهم شك يوم الخندق، وشدتهم الدنيا ليركنوا إليها، فلجؤوا إلى تخذيل المؤمنين والسخرية بهذه البشارة: فتح فارس واليمن والشام.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام النسائي في السنن، بسند حسن عن البراء قال: [لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلكَ لرسول الله ﷺ ، فجاء وأخذ المعول فقال: باسم الله، ثم
стр. 3591
ضرب ضربة (فكسر ثلثها) وقال: اللهُ أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام، واللهِ إني لأنظر قصورها الحمر الساعة. ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر، فقال: اللهُ أكبر، أعطيت فارس، واللهِ إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة، فقال: باسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: اللهُ أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني] (١).
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾.
أي: وإذ قال بعضهم يا أهل يثرب لا مكان لكم تقومون فيه فارجعوا إلى منازلكم.
قال ابن جرير: (أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ والفرار منهُ، وترك رسول الله ﷺ ).
وقوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
قال ابن عباس: (هم بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق).
وعن مجاهد: (﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال: نخشى عليها السرق). قال قتادة: (إنما كانوا يريدون بذلكَ الفرار).
وقال ابن زيد: (قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ يقول: لو دخلت المدينة عليهم من نواحيها ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ سئلوا أن يكفروا لكفروا، قال: وهؤلاء المنافقون لو دخلت عليهم الجيوش، والذين يريدون قتالهم ثم سئلوا أن يكفروا لكفروا. قال: والفتنة: الكفر، وهي التي يقول الله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: الكفر، يقول: يحملهم الخوف منهم، وخبث الفتنة التي هم عليها من النفاق أن يكفروا به).
وقد قرأ عامة قراء المدينة وبعض قراء مكة: ﴿لَآتَوْهَا﴾ بقصر الألف، بمعنى جاؤوها، في حين قرأها عامة قراء الكوفة والبصرة ﴿لَآتَوْهَا﴾ يقول: لأعطوها، وكلاهما جائز.
وعن قتادة: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: أي الشرك ﴿لَآتَوْهَا﴾ يقول: لأعطوها، ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ يقول: إلا أعطوه طيبة به أنفسهم ما يحتبسونه).
стр. 3592
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
أي: إنما أراد هؤلاء المنافقون الفرار من المعركة مستهينين بعقد الإيمان الذي يلزمهم بالثبات وعدم الفرار يوم الزحف، وبمعاهدة الله من قبل أن لا يولوا عدوّهم الأدبار فما أوفوا بعهدهم، واللهُ سيسألهم سبحانه عن نقضهم عهده.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
أي: فأخبر الله نبيّهُ ليقول لهم: إنّ الموت أو القتل الذي تفرون منه لا يزيد في أعماركم وآجالكم، وإنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم.
قال قتادة: (وإنما الدنيا كلها قليل). وقال ربيع بن خيثم: (قوله: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال: إلى آجالهم).
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الذين يستأذنونك ويقولون: إن بيوتنا عورة هربًا من القتل. من ذا الذي يمنعكم من الله إن هو أراد بكم سوءًا في أنفسكم، من قتل أو بلاء أو غير ذلك، أو عافية وسلامة؟ وهل ما يكون بكم في أنفسكم من سوءٍ أو رحمةٍ إلا من قِبَله؟ ).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
أي: إن الله يعلم يا محمد أولئك الذين يعوقون الناس عن الجهاد معك وتحدي الأعداء في ساحة القتال، فيخذلون الناس لينصرفوا عنكَ يقولون لهم: إنا نخاف عليكم الهلاك بهلوكه.
قال قتادة: (هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك).
ففضحهم الله تعالى في التنزيل فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. قال قتادة: (﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ في
стр. 3593
الغنيمة). وقال مجاهد: (بالخير). وقال غيره: (معناه: أشحة عليكم بالنفقة على ضعفاء المؤمنين منكم).
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾.
أي: فإذا حضر البأس، يا محمد، وجاء القتال وحمي الوطيس، خافوا الهلاك والقتل، رأيت الجبن يفتت قلوبهم وهم ينظرون إليكَ لِواذًا بك، تدور أعينهم كدوران الذي يُغشى عليه من الموت النازل به، ولكن إذا انقطعت الحرب واطمأنوا تحركت ألسنتهم بالنفاق والطلب من الغنيمة.
قال قتادة: (أما عند الغنيمة، فأشحّ قوم، وأسوأ مُقاسمة، أعطونا أعطونا، فإنا قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق).
وفي لغة العرب: خطيب مِسْلق أي فصيح، ورجل مسلاق أي مبالغ في الكلام.
والمقصود: خاطبوكم مخاطبة شديدة وآذوكم بالكلام.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
أي: فأولئك يا محمد الذين كذبوا ولم يصدقوا الإيمان فأذهب الله أجور أعمالهم وأبطلها، قوم أشحة على الغنيمة إذا ظفر المسلمون، فُرَّارٌ جبناء إذا كان القتال ووجب الثبات. فتضييعهم وأجورهم هين عليه سبحانه فإنه - تعالى - يخذل المنافقين.
وقوله: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾. قال مجاهد: (يحسبونهم قريبًا). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يحسب هؤلاء المنافقون الأحزاب، وهم قريش وغطفان. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ يقول: لم ينصرفوا، وإن كانوا قد انصرفوا جبنًا وهَلعًا منهم).
والمقصود: أنه لشدةِ ما هم فيهِ من الجبن والخور والخوف يحسبون أن الأحزاب لم ينسحبوا وسيعودوا.
وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾.
أي: وإن يأت الأحزاب المؤمنين يتمنى المنافقون من شدة ما هم عليه من الخوف والجبن أنهم غيب عنكم في البادية مع الأعراب خوفًا من القتل.
وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾. أي يسألون كل قادم عليهم من جانب المدينةِ عن أخباركم وعما جرى عليكم، فهم يتمنون أن يسمعوا أخبار هلاككم.
стр. 3594
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال ابن كثير: (أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلًا، لكثرة جبنهم وذِلَّتهم وضعف يقينهم. واللهُ العالم بهم). وقال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره للمؤمنين: ولو كانوا أيضًا فيكم ما نفعوكم، وما قاتلوا المشركين إلا قليلًا: يقول: إلا تعذيرًا، لأنهم لا يقاتلونهم حسبة ولا رجاء ثواب).
٢١ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.
في هذه الآيات: تأكيدُ الله تعالى للمؤمنين أن رسوله ﷺ هو موضع القدوة والأسوة لهم، وثناؤه تعالى على الرجال الصادقين مع الله في عهودهم، وذمُّه تعالى الكافرين والمنافقين وتصويره الخزي والذل الذي لحق باليهود مقابل غدرهم.
فقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. أصل عظيم في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعالهِ ومنهاجه الأكمل.
قال ابن جرير: (لقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، أن تتأسوا بهِ، وتكونوا معه حيث كان، ولا تتخلفوا عنه).
وقد هدّد الله تعالى في سورة النساء من لا يرتاح لحكم الوحي في الفصل في الحكم، بل يجد رأيه أحكم وأصوب، فقال جل وعز: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
стр. 3595
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
قال مجاهد: (﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، يقول: شكًا). وقال الضحاك: (إثمًا، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ يقول: ويسلموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهم بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا).
وكان عبد الله بن مسعود يقول: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
٢ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال هنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة مرفوعًا: [ما بالُ رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه؟ فواللهِ لأنا أعلمهم باللهِ وأشدهم له خشية] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند بسند صحيح عن سمرة عن النبي ﷺ قال: [إذا حدثتكم حديثًا، فلا تزيدُنَّ علي] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [إنه ليس شيءٌ يقربكم إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، وليسَ شيءٌ يقربكم إلى النار إلا قد نهيتكم عنه].
стр. 3596
وفي لفظ عند الطبراني: [ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه] (١).
وجاء في سير أعلام النبلاء عن الربيع قال: (سمعتُ الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنةِ رسول الله ﷺ فقولوا بها، ودعوا ما قلتُه).
قال: وسمعت الشافعي يقول: (أي سماء تُظلني، وأي أرض تُقِلُّني إذا رويتُ عن رسول الله ﷺ حديثًا فلم أقلْ به).
وجاء في أعلام الموقعين قول الإمام أحمد - كما يروي عنه أبو الحارث -: (لا يجوزُ الإفتاءُ إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة).
وكان أبو حنيفة ﵀ يقول: (لا يحلُّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذهُ من الكتاب والسنة) (٢).
وكان الإمام مالك يقول: (السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلفَ عنها غرق) (٣).
وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
أي: هذا التأسي برسول الله ﷺ هو منهاج لمن يرجو ثواب الله ورحمته في الآخرة، وأكثر ذكر الله في الخوف والشدة والرخاء.
قال ابن كثير: (ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب، في صبره ومُصابرته ومُرابطتهِ ومجاهدته وانتظاره الفرجَ من ربه ، صلواتُ الله وسلامهُ عليه دائمًا إلى يوم الدين - ولهذا قال تعالى للذين تقلقلوا وتضجّروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: هلا اقتديتم به وتأسَّيْتُمْ بشمائله؟ ! ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾).
стр. 3597
وقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
قال ابن عباس: (ذلكَ أن الله قال لهم في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. قال: فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق، تأول المؤمنون ذلك، ولم يزدهم ذلكَ إلا إيمانًا وتسليمًا).
والمقصود: لقد فرح المؤمنون الأوائل عند رؤية الأحزاب، فتذكروا وعد الله بالنصر الذي يعقب الابتلاء والاختبار والصدق، وبشائر رسوله ﷺ حين بشرهم بفتح البلاد إلى فارس والروم. فقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال قتادة: (وتصديقًا بما وعدهم الله، وتسليمًا لقضاء الله). والمقصود: ما زادهم ذلكَ الضيق والحصار والشدة إلا إيمانًا باللهِ وانقيادًا لرسوله.
والآية دليل على زيادة الإيمان، فإن الإيمان يزيدُ وينقص كما ثبت في الكتاب والسنة.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣].
ومن صحيح السنة المطهرة في ذلكَ أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي ﷺ : [لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ مِنْ والدهِ وولدهِ والناس أجمعين] (١).
стр. 3598
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: [يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وَزْنُ شعيرة من خير (وفي رواية معلقة وصلها الحاكم ووصلها البخاري: من إيمان)، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْر، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وزن ذرة من خير] (١).
الحديث الثالث: روى مسلم من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: [لا تؤمنوا حتى تحابوا] (٢).
وكتب عُمر بن عبد العزيز إلى عديِّ بن عديِّ: (إن للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدودًا وسُننًا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبيِّنُها لكم حتى تعملوا بها، وإن أَمُتْ فما أنا على صحبتكم بحريص) (٣).
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
أي: من المؤمنين رجال وفوا بما عاهدوا الله عليهِ، فمنهم من فرغ من عمله ورجعَ إلى ربهِ كمن استشهدَ يوم بدر ويوم أحد، ومنهم من هو مرابط ينتظرُ ما وعد الله من نصره أو الشهادة، وما بدلوا تبديلًا.
أخرج البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأحمد عن أنس ﵁ قال: [غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لِئن الله أشهدني قتال المشركين ليريَنَّ اللهُ ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشفَ المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليكَ مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليكَ مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدَّمَ فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ! الجنةُ وربّ النضر، إنى أجد ريحها من دون أُحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بالسيفِ أو طعنةً برمحٍ أو رمية بسهم، ووجدناهُ قد قُتِلَ وقد مَثَّلَ بهِ المشركونَ، فما عرفه أحد إلا أختهُ ببنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أنَّ هذه الآية نزلت فيهِ وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 3599
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾] (١).
وعن مجاهد: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ قال: عهده فقتل أو عاش ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يومًا فيهِ جهاد، فيقضي نحبهُ وعهده، فيقتل أو يصدق في لقائه).
وقال أيضًا: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: مات على العهد). قال: (النحب: العهد).
وعن ابن عباس: (﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾، قال: الموت على ما عاهد الله عليه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الموت على ما عاهد الله عليه).
وعن قتادة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ على الصدق والوفاء ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ من نفسه الصدق والوفاء).
قال ابن الأثير في "النهاية": (النحب: النذر، كأنهُ ألزم نفسهُ أن يصدق أعداء الله في الحرب، فوفى بهِ، وقيل: النحب الموت، كأنه يلزم نفسهُ أن يقاتل حتى يموت).
أخرج ابن سعد في "الطبقات"، وأبو يعلى في المسند، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: [إني لفي بيتي، ورسولُ الله ﷺ وأصحابه بالفناء، وبيني وبينهم الستر، أقبل طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله ﷺ : من سرَّهُ أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة] (٢).
وفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن معاوية بن أبي سفيان، قال: نظر النبي ﷺ إلى طلحة فقال: [هذا ممن قضى نحبه] (٣).
ثم روى في الباب عن موسى بن طلحة قال: كنا عند معاوية فقال: [أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: طلحة ممن قضى نحبه].
وله شاهد عند الترمذي وابن ماجة من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من سرَّهُ أَنْ ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى
стр. 3600
طلحة بن عبيد الله] (١). وفي لفظ ابن ماجة: [مرّ طلحة بالنبي ﷺ فقال: شهيد يمشي على وجه الأرض]. ورواه البغوي في "التفسير" بلفظ: [نظر رسول الله ﷺ إلى طلحةَ بن عبيد الله فقال: من أحبّ أَنْ ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى هذا].
وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. قال قتادة: (يقول: ما شكُّوا وما ترددوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره). وقال ابن زيد: (لم يغيروا دينهم كما غيّر المنافقون).
والمقصود: أنهم ثبتوا على الوفاء والصدق، والدين الحق، واستمروا على ما عاهدوا الله عليه، ولم ينقضوه كما نقض المنافقون وأهل الزيغ الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥].
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. قال النسفي: (بوفائهم بالعهد).
وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾. أي: إذا لم يتوبوا. قال ابن جرير: (بكفرهم بالله ونفاقهم).
وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. أي: إذا تابوا، فيخلصهم من نفاقهم ويعينهم على سلوك سبيل الهداية والإيمان. قال قتادة: (يقول: إن شاء أخرجهم من النفاق إلى الإيمان).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: إنه تعالى سِتِّير على ذنوب التائبين، رحيم بالتائبين المنيبين أن يعاقبهم بعد صدق توبتهم.
وفى المسند وسنن أبي داود عن يعلى بن أمية، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الله تعالى حَيِيٌّ سِتِّير يحب الحياء والسِّتر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر] (٢).
وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال: [كانَ تُعَدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة من قبل أن يقوم: رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنتَ التواب الغفور] (٣).
стр. 3601
وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. قال مجاهد: (الأحزاب).
وقال قتادة: (وذلكَ يوم أبي سفيان والأحزاب، ردّ الله أبا سفيان وأصحابهُ بغيظهم لم ينالوا خيراّ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالجنود من عنده، والريح التي بعث عليهم).
وفي سنن النسائي بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيهِ قال: [شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمسُ وذلكَ قبل أن ينزل في القتال ما نزل الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فأمر رسول الله ﷺ بلالاّ فأقامَ لِصلاةِ الظهر فصلاها كما كانَ يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذَّنَ المغرب فصلَّاها كما كان يصليها في وقتها] (١).
فقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ - إذ لم يحتاجوا إلى منازلة عدوهم ومبارزتهم، بل تكفّل اللهُ تعالى إجلاءهم عن بلادهم وردّهم أذلاء صاغرين. وكان رسول الله ﷺ قد باتَ يصلي ويجأر إلى الله تعالى بالدعاء، وكان من دعائهِ كما روى الإمام مسلم: [اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم] (٢).
وقد استجاب اللهُ دعاء نبيهِ ﷺ فأرسل ريح الصبا وحمَّلها نصر جنده، فاقتلعت خيام الأحزاب، وكفأت قدورهم وأطفات نيرانهم ودفنت رحالهم. فخرج المسلمون من الحصار فرحين يلهجون بالتكبيرِ وحمد الله، وهم يرون قوافل جيوش الكفر والأحزاب تشق طريق الصحراء، وقد انفضت عن أرض المعسكر تشتد انسحابًا وهربًا من كل جانب.
يروي البخاري في صحيحه عن سليمان بن صرد ﵁ قال: [قال النبي ﷺ يومَ الأحزاب: نغزوهم ولا يَغزوننا]. وفي رواية: [الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحنُ نسير إليهم] (٣).
قلت: والحديث تصديق لإشارة الآية الكريمة: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. فقد
стр. 3602
وضع الله الحرب بين المؤمنين وقريش، ولم يغز المشركون بعدها المسلمين، بل غزاهم المسلمون في بلادهم. فقد سارَ إليهم ﵊ يوم فتح مكة بعشرة آلاف مقاتل حتى أذل طغاتهم وكسر شوكة كبرائهم وزعمائهم، ومحا أسطورةَ غطرستهم في جزيرة العرب. وهكذا انتقل مسرح الأحداث والمعارك بعد غزوة الخندق بعيدًا عَنْ أرض المدينة إلى مكة والطائف وتبوك، فخرج النبي ﷺ من حصار الخندق يهلّل الله العظيم الذي أذل الكافرين، ونصر المؤمنين.
يروي البخاري في صحيحه عن أبي هريرةَ ﵁، أن رسول الله ﷺ كانَ يقول: [لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده] (١).
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. قال قتادة: (قويًا في أمره، عزيزًا في نقمته).
وقو: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. أي: وأنزل بني قريظة الذين ظاهروا أبا سفيان وراسلوه، ونكثوا العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ - أي من حصونهم.
فعن مجاهد: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ قال: قريظة، يقول: أنَّزلهم من صياصيهم، قال: قصورهم). وقال قتادة: (أي من حصونهم وآطامهم). وقال ابن زيد: (الصياصي حصونهم التي ظنوا أنَّها مانعتهم من الله ﵎. وأصل الصياصي: جمع صيصة، وعني بها هاهنا: حصونهم، والعرب تقول لطرف الجبل: صيصة. ويقال لأصل الشيء وأعلاه: صيصة. ومنه سميت
صياصي البقر، وهي قرونها؛ لأنَّها أعلى شيء فيها.
أخرج الإمام أحمد في إلمسند بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل ﵇ وعلى رأسهِ الغبار. قال: قد وضعت السلاح؟ فواللهِ ما وضعتُها. اخرج إليهم. قال رسول الله ﷺ : فأين؟ قال: هاهنا، فأشار إلى بني قريظة، فخرجَ رسول الله ﷺ إليهم] (٢).
وفي رواية: [أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل، فجاء
стр. 3603
جبريل ﵇ فقال: أوقد وضعتم السلاح؟ ما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد إلى بني قريظة. فقالت عائشة: كأني أنظر إلى جبريل ﵇ من خلل الباب قد عصب رأسهُ من الغبار].
فخرج رسول الله ﷺ واستنفر الناس وأعطى الراية علي بن أبي طالب، وسارَ بالمهاجرين والأنصار حتى نزلَ على بئر من آبار بني قريظة من ناحية أموالهم يقال له أنَّى كما ذكر ابن هشام، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: [نادى فينا رسول الله ﷺ يوم انصرف عن الأحزاب أن (لا يصلينَ أحد الظهر إلا في بني قريظة). - ورواه البخاري وفي لفظه: لا يصلين أحد العصر - قال فتخوَّف ناسٌ فوتَ الوقت فصلوا دون بني قريظة. وقال آخرون: لا نُصلي، إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت. قال: فما عنف واحدًا من الفريقين] (١).
ووصل علي بن أبي طالب ﵁ في فئة من المسلمين، وتبعهم رسول الله ﷺ حتى اجتمعَ ثلاثة آلاف مقاتل من الصحابة رضوان الله عليهم، أمام حصن بني قريظة، ومعهم من الخيل ثلاثون فرسًا، قد شدوا الحصار بقوة على يهود.
فحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، إلى أن نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس؛ لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية واعتقدوا أنه يُحسن إليهم في ذلكَ كما فعلَ عبد الله بن أبي بن سلول في مواليهِ بني قينقاع، إلا أنهم خابوا في ظنهم حين قضى فيهم بما يخزيهم.
فقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن هشام عن أبيهِ عن عائشة قالت: [أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة في الأكحل، فضرب عليهِ رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب. قال هشام: فأخبرني أبي أنهم نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فرد الحكم فيهم إلى سعد. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلةُ وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم. قال: قال أبي: فأُخْبِرْتُ أن رسول الله ﷺ قال: لقد حكمت فيهم بحكمِ الله ] (٢).
стр. 3604
ورواه البيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص وفي لفظه: [قال: لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات] (١).
وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. أي: حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ للتخلص من أهوال الخوف الذي سحق قلوبهم.
وقو: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، قال قتادة: (الذين ضربت أعناقهم).
وقوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. قال أبو جعفر: (وهم نساؤهم وذراريهم الذين سبوا).
وقوله: (﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾. قال ابن إسحاق: (حدثني يزيد بن رومان: يقول: وملككم بعد مهلكهم أرضهم، يعني مزارعهم ومغارسهم وديارهم، يقول: ومساكنهم وأموالهم، يعني سائر الأموال غير الأرض والدور).
وعن ابن زيد: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ قال: قريظة والنضير أهل الكتاب ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ قال: خيبر). وقال الحسن: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ هي الروم وفارس، وما فتح الله عليهم). وقيل: هي مكة
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. أي: وكانَ اللهُ على نصر المؤمنين وتوريثهم أموال وديار الكفار والمفسدين في الأرض قديرًا فلا يتعذر عليهِ شيء أرادهُ سبحانهُ، ولا يمتنعُ عليهِ فعل شيء وهو العزيز الحكيم.
٢٨ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.
في هذه الآياتِ: أَمْرٌ من الله تعالى رسوله ﷺ بتخيير أزواجهِ بين البقاء معهُ على ضيق الحال، ولَهُنَّ على ذلكَ عند الله جزيل الثواب وحسن المآل، أو مفارقته إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتُها، فاخترن الله ورسولهُ والدار الآخرة فرضي اللهُ عَنْهُنَ وأرضاهُنَ وجمع لهن بعد ذلكَ بين خيري الدنيا والآخرة.
стр. 3605
يروي البخاري في كتاب المظالم والغصب، وفي كتاب النكاح، وفي كتاب التفسير من صحيحه - وبنحوه روى الإمام مسلم - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: [لم أزل حريصًا على أن أسأل عُمَرَ ﵁ عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللَّتين قال اللهُ لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فحججت معه (وفي رواية: حتى حجّ وحججتُ معهُ) فعدل (١) وعدلت معهُ بالإداوة فتبرَّزَ حتى جاء فسكبتُ على يديهِ من الإداوة، فتوضأَ فقلتُ لهُ: يا أمير المؤمنين مَنْ المرأتان من أزواجِ النبي ﷺ اللتان قال اللهُ لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فقال: واعجبي لك يا ابن عباس عائشة وحَفْصَةُ، ثم استقبل عُمَرُ الحديث يَسوقُه، فقال: إني كنتُ وجارٌ لي من الأنصار في بني أميةَ بن زَيْدٍ وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ فينزل يومًا وأَنْزِلُ يومًا، فإذا نزلتُ جِئْتُهُ من خبر ذلكَ اليومِ من الأمر وغيرهِ (وفي رواية: من الوحي أو غيره)، وإذا نزل فعلَ مِثلَهُ، وكنا معشرَ قريش نَغْلِبُ النساءَ، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم، فطَفِقَ نساؤنا يأخذن مِنْ أدب نساء الأنصار، فَصِحْتُ على امرأتي فراجعتني فإنكرْتُ أن تُراجِعَني، فقالت: ولم تُنكرُ أن أراجِعَكَ فواللهِ إِن أزواجَ النبي ﷺ ليُراجِعْنَهُ، وإن إحداهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليومَ حتى الليل، (وفي رواية: فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطاب! ما تريدُ أَنْ تُراجَعَ أَنْتَ وإِن ابنتكَ لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظلَ يومَهُ غضبانَ) فأفزعني، فقلتُ: خابت من فَعَلَتْ مِنْهُنَّ بعظيم، ثم جمعت عليَّ ثيابي فدخلتُ على حفصةَ، فقلت: أي حَفْصَةُ أتُغَاضِبُ إحداكُنَّ رسول الله ﷺ اليوم حتى الليل، فقالت: نَعَم، فقُلْتُ: خابت وخَسِرَتْ، أفتَأمَنُ أَنْ يغضبَ الله لغضب رسوله ﷺ فتهلِكينَ، لا تستكثري على رسول الله ﷺ ولا تراجعي! في شيء ولا تَهْجُري! واسأليني ما بدا لكِ، ولا يَغُرَّنَكِ أن كانت جارَتُكِ هي أَوْضأَ منكِ وأحبَّ إلى رسول الله ﷺ يريد عائشة. (وفي رواية: يا بنية لا يغرنكِ هذه التي أعجبها حُسْنُها حُبُّ رسول الله ﷺ إياها. يريد عائشة. قال: ثم خرجت حتى دخلتُ على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتُها، فقالت أم سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطاب دَخَلْتَ في كل شيء حتى تبتغِي أَنْ تدخلَ بينَ رسول الله ﷺ وأزواجهِ، فأخذتني واللهِ أخذًا كسرتني عن بعض ما كنتُ أجدُ فخرجتُ من عندها).
وكنا تحدّثنا أن غسَّان تُنْعِلُ النِّعالَ لغزونا، فنزل صاحبي يومَ نَوْبَتِهِ فرجعَ عِشَاءً فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أنائمٌ هُوَ؟ (وفي رواية: أَثمَّ هوَ) ففزعتُ فخرجْتُ إليه
стр. 3606
فقال حدث أمرٌ عظيم! قلت: ما هو؟ أجاءت غسّان؟ (وفي رواية: ونحنُ نتخوّفُ مَلِكًا من ملوكِ غسّان ذُكِرَ لَنا أنه يريدُ أَنْ يسير إلينا فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدقُّ الباب فقال: افْتَح افْتَحَ! فقلتُ جاء الغسَّاني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه، فقلتُ رغمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وعائشة).
وبالرواية الأولى: قال لا بل أعظمُ منهُ وأطوَلُ، طَلَّقَ رسول الله ﷺ نساءَهُ، قال: قد خابَتْ حَفْصَةُ وخَسِرَتْ، كنتُ أظنُّ أن هذا يُوشِكُ أَنْ يكونَ، فجمعتُ عليَّ ثيابي فصليتُ صلاةَ الفجر مع النبي ﷺ ، فدخلِ مَشْرُبَةَ لهُ فاعتزل فيها، فدخلتُ على حفصةَ فإذا هي تبكي، قلتُ: وما يُبكيكِ؟ أَوَلمْ أكُنْ حَذرْتُكِ؟ أطَلَّقُكُنَّ رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري، هو ذا في المشربة (١)، فخرجت فجِئْتُ المِنْبَر، فإذا حولَهُ رَهْطٌ يبكي بعضُهم، فجلستُ معهم قليلًا، ثم غلبني ما أجدُ فجئتُ المشرُبَة التي هو فيها، فقلتُ لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم النبي ﷺ ثم خرج فقال: ذكرتك له فصمت، فانصرفتُ حتى جلستُ مع الرَّهط الذين عند المِنْبَر، ثم غلبني ما أجد فجِئتُ فذكر مثله، فجلست مع الرّهطِ الذين عند المِنْبَر، ثم غلبني ما أجد فجئتُ الغلامَ فقلت: استأذن لعمر، فذكر مثلهُ، فلما وليتُ منصرفًا فإذا الغلامُ يدعوني قال: أذن لكَ رسول الله ﷺ . (وفي رواية مسلم: قال عمر لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه قال: دخلتُ المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون طلّق رسول الله ﷺ نساءه، وذلكَ قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلتُ لأعلمن ذلكَ اليوم، قال: فدخلتُ على عائشة فقلتُ يا بنةَ أبي بكر أقد بلغَ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب عليكَ بعيبَتِكَ. قال: فدخلتُ على حفصةَ فقلت لها: يا حفصة أقد بلغَ من شأنكِ أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ واللهِ لقد علمت أنّ رسول الله ﷺ لا يحبكِ ولولا أنا لطلقكِ رسول الله ﷺ ، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالَتْ: هو في خزانته في المشرُبة. فدخلتُ فإذا برباحٍ غلامِ رسول الله ﷺ قاعدًا على أسكفةِ المشربة مُدْلٍ رجليهِ على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليهِ رسول الله ﷺ وينحدر، فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفةِ ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم قلتُ: يا رباح! استأذن لي عندكَ على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح استئذن لي عندكَ على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أنما جئتُ من أجل حفصة، واللهِ لئن
стр. 3607
أمرني رسول الله ﷺ بضرب عُنقها لأضربَنَّ عُنقها ورفعتُ صوتي فأومأ إليَّ أن ارقه).
وأما رواية البخاري: (قال: فدخلت عليهِ فإذا هو مضطجِعٌ على رمالِ حَصير ليسَ بينَه وبينَه فراشٌ، قد أَثَّرَ الرِّمالُ بجنبِهِ مُتَّكئٌ على وسادة من أدَمٍ حَشْوُها ليف، فسلمتُ عليهِ ثم قلتُ وأنا قائم: طَلَّقْتَ نساءَكَ (وفي لفظ: يا رسول الله أطلقت نساءكَ)؟ فرفع بصرَهُ إليَّ فقال: لا. فقلتُ: اللهُ أَكبر. ثم قلت: وأنا قائم: أستانس يا رسول الله، لو رأيتَني وكنا معشرَ قريش نغلِبُ النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهُم نساؤُهم. (وفي لفظ: فلما قدمنا المدينة إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم) فذكره فتبسَّمَ النبي ﷺ ، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلتُ على حفصة فقلت: لا يغزَنَّكِ أن كانت جارتُكِ هي أوضأَ منكِ وأحبَّ إلى النبي ﷺ يريدُ عائشة، فتبسَّمَ أخرى (وفي لفظٍ: فتبسَّمَ النبي ﷺ تَبَسُمَةً أخرى)، (وفي رواية: فأذِنَ لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث، فلما بلغتُ حديث أمّ سلمة تبَسَمَّ رسول الله ﷺ ). فجلستُ حينَ رأيتهُ تبسم ثم رفعتُ بصري في بيتهِ فواللهِ ما رأيتُ فيهِ شيئًا يردُّ البصر غيرَ أَهَبَةٍ ثلاثةٍ، فقلتُ: يا رسول الله ﷺ ادعُ اللهَ فليوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسَّعَ عليهم وأُعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، وكان متكئًا فقال: أو في شكٍّ أنتَ يا ابن الخطاب! أولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهُم في الحياة الدُّنيا، فقلتُ: يا رسول الله استغفر لي، فاعتزلَ النبي ﷺ من أجل ذلكَ الحديث حين أفشتْهُ حفصة إلى عائشة وكان قد قالَ ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدَّةِ مَوْجِدَتِه عليهن حين عاتبه الله.
وفي رواية مسلم: (قال عمر: فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليهِ إزاره، وليسَ عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبيه، فنظرت ببصري في خزانةِ رسول الله ﷺ ، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قَرَظا (١)، وإذا أفيق معلق. قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيكَ يا ابن الخطاب؟ قال: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّرَ في جسمكَ وهذه خزانتكَ لا أرى فيها ما أرى، وذاكَ قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله ﷺ وصفوته وهذه خزانتك! فقال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدنيا. قلتُ: بلى. قال: ودخلتُ عليهِ حين دخلتُ عليهِ وأنا أرى في وجههِ الغضب، فقلتُ: يا رسول الله، ما يشق عليكَ من شأن النساء، فإن كنتَ طلقتهن فإن الله معكَ وملائكتهُ
стр. 3608
وجبريلُ وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معكَ، وقلّما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت الآية، آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلتُ المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله نساءهُ. أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن. قال: نعم إن شئت، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشَرَ (١) فضحكَ، وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل رسول الله ﷺ ونزلتُ، فنزلت أتشبث بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسهُ بيده، فقلتُ يا رسول الله إنما كنت في الغرفةِ تسعةً وعشرين. قال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، فقمتُ على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ فكنتُ أنا استنبطتُ ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير).
وفي رواية البخاري: (فلما مضت تِسْعٌ وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنك أقسمتَ أن لا تدخلَ علينا شهرًا وإنا أصبحنا لتِسْع وعشرين ليلة أعُدُّها عدًّا! فقال النبي ﷺ : الشهر تِسْع وعشرون، وكان ذلكَ الشهرُ تِسعًا وعشرين).
قالت عائشة: فأنزلت آيةُ التخيرٍ، فبدأ بي أوّل امرأة، فقال: إني ذاكِرٌ لكِ أَمْرًا، ولا عليكَ أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويكِ. قالَتْ: قد أعلمُ أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقِكَ، ثم قال: إن اللهَ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولهِ: ﴿عَظِيمُا﴾ قلت أفي هذا أسْتَأْمِرُ أَبَوَايَّ؟ فإني أُريدُ اللهَ ورسولهُ والدارَ الآخرة، ثمَ خيَّرَ نساءه فقلنُ مثلَ ما قالَت عائشة] (٢).
وفي صحيح مسلم من حديث جابر: [ثم نزلت عليهِ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ - حتى بلغ - ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾] (٣).
стр. 3609
٣٠ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.
في هذه الآياتِ: تضعيفُ الله تعالى جزاء الفاحشةِ إن صدرت من بيت النبوةِ، ومضاعفته كذلك الأجر للقانتات من نساء خير البرية، والوصيةُ الجامعة من الله سبحانهُ لنساء النبي ﷺ لتكون وصية لنساء الأمة جميعًا - بالبعد عن الخضوع بالقول أمام الرجال الأجانب، واجتنابِ التبرج، ولزومِ البيت وطاعةِ الله والعلم والذكَر، واللهُ هو اللطيف الخبير.
فقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
قيل: المقصود بالفاحشة المبينة: السيئة القبيحة من عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهن. وقيل: الزنا واللهُ عاصم رسوله من ذلك. قال ابن عباس: (﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو النشوز وسوء الخلق).
قال ابن كثير: (وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. فلما كانت محلّتهن رفيعة، ناسب أن
стр. 3610
يُجعلَ الذنبُ لو وقعَ منهنَ مُغَلَّظًا، صيانةً لجنابهن وحِجابِهِنَّ الرفيع).
وعن ابن عباس: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: يعنى عذاب الآخرة).
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال في الدنيا وفي الآخَرَة).
وقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. أي: سهلًا هينًا.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ الآية.
قال ابن عباس: (قوله: (﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ... الآية، يعني: تطع الله ورسوله. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ تصوم وتصلي).
قال ابن جريرِ: (يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسولهُ منكنّ، وتعمل بما أمر الله به ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يقول: يعطها الله ثواب عملها، مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يقول: وأعتدنا لها في الآخرةِ عيشًا هنيئًا في الجَنَّة). قال ابن كثير: (فإنهن في منازلِ رسول الله ﷺ في أعلى عِلِّيين، فوق منازلِ جميعِ الخلائقِ، في الوسيلةِ التي هي أقرب منازل الجَنَّة إلى العرش).
وقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾.
قال قتادة: (يعني من نساء هذه الأمة). والمقصود: لفت نظرهن إلى مكانتهن في النساء وكونهن موضع الأسوةِ وفي محل الصدارة.
وقوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام). وقال ابن زيد: (خضع القول ما يكره من قول النساء للرجال مما يدخلُ في قلوب الرجال). وقال السدي: (يعني بذلكَ ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال).
قلت: والخطاب وإن كانَ موجهًا إلى نساء النبي ﷺ اللواتي هُن في أعلى مقاماتِ الحشمةِ والعفاف والأدب، فإنهُ يَنْسَحِبُ إلى عمومِ نساءِ الأمةِ من باب أولى، ليسمعن تلكَ الوصايا ويصغين لها، ويمتثلن ما فيها من أحكام رفيعة.
وقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال قتادة: (نفاق). وقال عكرمة: (شهوة زنا). وقيل: (﴿مَرَضٌ﴾: دَغَل). والمقصود: لا تخاطب المرأةُ الرجالَ بكلام فيه ترخيم كما تخاطبُ زوجها، الأمر الذي يثير أهل القلوب الضعيفة والمريضة.