← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

فقال حدث أمرٌ عظيم! قلت: ما هو؟ أجاءت غسّان؟ (وفي رواية: ونحنُ نتخوّفُ مَلِكًا من ملوكِ غسّان ذُكِرَ لَنا أنه يريدُ أَنْ يسير إلينا فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدقُّ الباب فقال: افْتَح افْتَحَ! فقلتُ جاء الغسَّاني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه، فقلتُ رغمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وعائشة). وبالرواية الأولى: قال لا بل أعظمُ منهُ وأطوَلُ، طَلَّقَ رسول الله ﷺ نساءَهُ، قال: قد خابَتْ حَفْصَةُ وخَسِرَتْ، كنتُ أظنُّ أن هذا يُوشِكُ أَنْ يكونَ، فجمعتُ عليَّ ثيابي فصليتُ صلاةَ الفجر مع النبي ﷺ ، فدخلِ مَشْرُبَةَ لهُ فاعتزل فيها، فدخلتُ على حفصةَ فإذا هي تبكي، قلتُ: وما يُبكيكِ؟ أَوَلمْ أكُنْ حَذرْتُكِ؟ أطَلَّقُكُنَّ رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري، هو ذا في المشربة (١)، فخرجت فجِئْتُ المِنْبَر، فإذا حولَهُ رَهْطٌ يبكي بعضُهم، فجلستُ معهم قليلًا، ثم غلبني ما أجدُ فجئتُ المشرُبَة التي هو فيها، فقلتُ لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل فكلم النبي ﷺ ثم خرج فقال: ذكرتك له فصمت، فانصرفتُ حتى جلستُ مع الرَّهط الذين عند المِنْبَر، ثم غلبني ما أجد فجِئتُ فذكر مثله، فجلست مع الرّهطِ الذين عند المِنْبَر، ثم غلبني ما أجد فجئتُ الغلامَ فقلت: استأذن لعمر، فذكر مثلهُ، فلما وليتُ منصرفًا فإذا الغلامُ يدعوني قال: أذن لكَ رسول الله ﷺ . (وفي رواية مسلم: قال عمر لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه قال: دخلتُ المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون طلّق رسول الله ﷺ نساءه، وذلكَ قبل أن يؤمر بالحجاب، فقلتُ لأعلمن ذلكَ اليوم، قال: فدخلتُ على عائشة فقلتُ يا بنةَ أبي بكر أقد بلغَ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ما لي وما لك يا ابن الخطاب عليكَ بعيبَتِكَ. قال: فدخلتُ على حفصةَ فقلت لها: يا حفصة أقد بلغَ من شأنكِ أن تؤذي رسول الله ﷺ ؟ واللهِ لقد علمت أنّ رسول الله ﷺ لا يحبكِ ولولا أنا لطلقكِ رسول الله ﷺ ، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله ﷺ ؟ قالَتْ: هو في خزانته في المشرُبة. فدخلتُ فإذا برباحٍ غلامِ رسول الله ﷺ قاعدًا على أسكفةِ المشربة مُدْلٍ رجليهِ على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليهِ رسول الله ﷺ وينحدر، فناديت يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفةِ ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم قلتُ: يا رباح! استأذن لي عندكَ على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح استئذن لي عندكَ على رسول الله ﷺ فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أنما جئتُ من أجل حفصة، واللهِ لئن

стр. 3607

أمرني رسول الله ﷺ بضرب عُنقها لأضربَنَّ عُنقها ورفعتُ صوتي فأومأ إليَّ أن ارقه). وأما رواية البخاري: (قال: فدخلت عليهِ فإذا هو مضطجِعٌ على رمالِ حَصير ليسَ بينَه وبينَه فراشٌ، قد أَثَّرَ الرِّمالُ بجنبِهِ مُتَّكئٌ على وسادة من أدَمٍ حَشْوُها ليف، فسلمتُ عليهِ ثم قلتُ وأنا قائم: طَلَّقْتَ نساءَكَ (وفي لفظ: يا رسول الله أطلقت نساءكَ)؟ فرفع بصرَهُ إليَّ فقال: لا. فقلتُ: اللهُ أَكبر. ثم قلت: وأنا قائم: أستانس يا رسول الله، لو رأيتَني وكنا معشرَ قريش نغلِبُ النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهُم نساؤُهم. (وفي لفظ: فلما قدمنا المدينة إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم) فذكره فتبسَّمَ النبي ﷺ ، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلتُ على حفصة فقلت: لا يغزَنَّكِ أن كانت جارتُكِ هي أوضأَ منكِ وأحبَّ إلى النبي ﷺ يريدُ عائشة، فتبسَّمَ أخرى (وفي لفظٍ: فتبسَّمَ النبي ﷺ تَبَسُمَةً أخرى)، (وفي رواية: فأذِنَ لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث، فلما بلغتُ حديث أمّ سلمة تبَسَمَّ رسول الله ﷺ ). فجلستُ حينَ رأيتهُ تبسم ثم رفعتُ بصري في بيتهِ فواللهِ ما رأيتُ فيهِ شيئًا يردُّ البصر غيرَ أَهَبَةٍ ثلاثةٍ، فقلتُ: يا رسول الله ﷺ ادعُ اللهَ فليوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسَّعَ عليهم وأُعطوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله، وكان متكئًا فقال: أو في شكٍّ أنتَ يا ابن الخطاب! أولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهُم في الحياة الدُّنيا، فقلتُ: يا رسول الله استغفر لي، فاعتزلَ النبي ﷺ من أجل ذلكَ الحديث حين أفشتْهُ حفصة إلى عائشة وكان قد قالَ ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدَّةِ مَوْجِدَتِه عليهن حين عاتبه الله. وفي رواية مسلم: (قال عمر: فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير فجلست فأدنى عليهِ إزاره، وليسَ عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبيه، فنظرت ببصري في خزانةِ رسول الله ﷺ ، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها قَرَظا (١)، وإذا أفيق معلق. قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيكَ يا ابن الخطاب؟ قال: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّرَ في جسمكَ وهذه خزانتكَ لا أرى فيها ما أرى، وذاكَ قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله ﷺ وصفوته وهذه خزانتك! فقال: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدنيا. قلتُ: بلى. قال: ودخلتُ عليهِ حين دخلتُ عليهِ وأنا أرى في وجههِ الغضب، فقلتُ: يا رسول الله، ما يشق عليكَ من شأن النساء، فإن كنتَ طلقتهن فإن الله معكَ وملائكتهُ

стр. 3608

وجبريلُ وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معكَ، وقلّما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت الآية، آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أطلقتهن؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلتُ المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله نساءهُ. أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن. قال: نعم إن شئت، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه وحتى كشَرَ (١) فضحكَ، وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل رسول الله ﷺ ونزلتُ، فنزلت أتشبث بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسهُ بيده، فقلتُ يا رسول الله إنما كنت في الغرفةِ تسعةً وعشرين. قال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، فقمتُ على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ فكنتُ أنا استنبطتُ ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير). وفي رواية البخاري: (فلما مضت تِسْعٌ وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: إنك أقسمتَ أن لا تدخلَ علينا شهرًا وإنا أصبحنا لتِسْع وعشرين ليلة أعُدُّها عدًّا! فقال النبي ﷺ : الشهر تِسْع وعشرون، وكان ذلكَ الشهرُ تِسعًا وعشرين). قالت عائشة: فأنزلت آيةُ التخيرٍ، فبدأ بي أوّل امرأة، فقال: إني ذاكِرٌ لكِ أَمْرًا، ولا عليكَ أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويكِ. قالَتْ: قد أعلمُ أن أبويَّ لم يكونا يأمراني بفراقِكَ، ثم قال: إن اللهَ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولهِ: ﴿عَظِيمُا﴾ قلت أفي هذا أسْتَأْمِرُ أَبَوَايَّ؟ فإني أُريدُ اللهَ ورسولهُ والدارَ الآخرة، ثمَ خيَّرَ نساءه فقلنُ مثلَ ما قالَت عائشة] (٢). وفي صحيح مسلم من حديث جابر: [ثم نزلت عليهِ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ - حتى بلغ - ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾] (٣).

стр. 3609

٣٠ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾. في هذه الآياتِ: تضعيفُ الله تعالى جزاء الفاحشةِ إن صدرت من بيت النبوةِ، ومضاعفته كذلك الأجر للقانتات من نساء خير البرية، والوصيةُ الجامعة من الله سبحانهُ لنساء النبي ﷺ لتكون وصية لنساء الأمة جميعًا - بالبعد عن الخضوع بالقول أمام الرجال الأجانب، واجتنابِ التبرج، ولزومِ البيت وطاعةِ الله والعلم والذكَر، واللهُ هو اللطيف الخبير. فقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. قيل: المقصود بالفاحشة المبينة: السيئة القبيحة من عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهن. وقيل: الزنا واللهُ عاصم رسوله من ذلك. قال ابن عباس: (﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو النشوز وسوء الخلق). قال ابن كثير: (وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر: ٤]. فلما كانت محلّتهن رفيعة، ناسب أن

стр. 3610

يُجعلَ الذنبُ لو وقعَ منهنَ مُغَلَّظًا، صيانةً لجنابهن وحِجابِهِنَّ الرفيع). وعن ابن عباس: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: يعنى عذاب الآخرة). وقال مالك، عن زيد بن أسلم: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال في الدنيا وفي الآخَرَة). وقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. أي: سهلًا هينًا. وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ الآية. قال ابن عباس: (قوله: (﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ... الآية، يعني: تطع الله ورسوله. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ تصوم وتصلي). قال ابن جريرِ: (يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسولهُ منكنّ، وتعمل بما أمر الله به ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ يقول: يعطها الله ثواب عملها، مثلي ثواب عمل غيرهن من سائر نساء الناس ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يقول: وأعتدنا لها في الآخرةِ عيشًا هنيئًا في الجَنَّة). قال ابن كثير: (فإنهن في منازلِ رسول الله ﷺ في أعلى عِلِّيين، فوق منازلِ جميعِ الخلائقِ، في الوسيلةِ التي هي أقرب منازل الجَنَّة إلى العرش). وقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾. قال قتادة: (يعني من نساء هذه الأمة). والمقصود: لفت نظرهن إلى مكانتهن في النساء وكونهن موضع الأسوةِ وفي محل الصدارة. وقوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام). وقال ابن زيد: (خضع القول ما يكره من قول النساء للرجال مما يدخلُ في قلوب الرجال). وقال السدي: (يعني بذلكَ ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال). قلت: والخطاب وإن كانَ موجهًا إلى نساء النبي ﷺ اللواتي هُن في أعلى مقاماتِ الحشمةِ والعفاف والأدب، فإنهُ يَنْسَحِبُ إلى عمومِ نساءِ الأمةِ من باب أولى، ليسمعن تلكَ الوصايا ويصغين لها، ويمتثلن ما فيها من أحكام رفيعة. وقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال قتادة: (نفاق). وقال عكرمة: (شهوة زنا). وقيل: (﴿مَرَضٌ﴾: دَغَل). والمقصود: لا تخاطب المرأةُ الرجالَ بكلام فيه ترخيم كما تخاطبُ زوجها، الأمر الذي يثير أهل القلوب الضعيفة والمريضة.

стр. 3611

وقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال ابن زيد: (قولًا جميلًا حسنًا معروفًا في الخير). وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ - أصل بليغ في حفظ المرأة وصيانة فطرتها. أي: اسْكُنّ والْزَمْنَ بيوتكن ولا تخرجن منها إلا لحاجة. وفي لغة العرب: (وقر يقر وقارًا) إذا سكن. فإنكن إن خرجتن دون حاجة وتعاطيتن الخروج دون سبب شرعي لا تَأمَنَّ من فتنةِ الشيطان. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر: [أنَّ رسول الله ﷺ رأى امرأةً، فأتى امرأَتَهُ زينب، وهي تَمْعَسُ مَنِيئة (١) لها، فقضى حاجَتَهُ، ثم خرجَ إلى أصحابهِ فقال: إن المرأةَ تُقْبِلُ في صورةِ شيطان، وتدبرُ في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدُكُمْ امرأةً فليأتِ أهله، فإنَّ ذلكَ يردُّ ما في نفسهِ] (٢). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: [المرأةُ عورةٌ، فإذا خرجت استشرَفها الشيطان] (٣). الحديث الثالث: أخرج البزار بسند صحيح عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكونُ بروحَةِ ربِّها وهي في قَعْرِ بيتها] (٤). وفي لفظِ عند ابن خزيمة: [وأقرب ما تكونُ من وجهِ ربها وهي في قعر بيتها]. وله شاهد عند الطبراني بسند حسن عنه موقوفًا في حكم المرفوع: [النساء عورة، وإن المرأة لتخرجُ من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطانُ، فيقولُ: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتِهِ، وإن المرأةَ لتلبَسُ ثيابها، فيقالُ: أين تريدين؟ فتقول: أعود

стр. 3612

مريضًا، أو أشهدُ جنازة، أو أصلي في مسجد! وما عبدت أمرأةٌ ربَّها مثل أن تعبدَهُ في بيتها] (١). قال المنذري: (قوله: "فيستشرفها الشيطان" أي ينتصب ويرفعُ بصره إليها ويَهُمُّ بها؟ لأنَّها قد تعاطت سببًا من أسباب تسلطه عليها، وهو خروجها من بيتها). الحديث الرابع: روى مسلم عن زينب امرأة عبد الله قالت: [قال لنا رسول الله ﷺ : إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ المسجد فلا تمسّ طيبًا] (٢). وقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. التبرج: إظهار الزينةِ، وإبرازُ المرأةِ محاسنها للرجال، وقيل: هو التبخترُ والتكسر. قال قتادة: (﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. أي: إذا خرجتن من بيوتكن، قال: كانت لهن مشية وتكسُّر وتغنج، يعني بذلكَ الجاهليةَ الأولى فنهاهن الله عن ذلك). وقال مجاهد: (كانت المرأةُ تخرجُ تمشي بين يدي الرجال، فذلكَ تبرج الجاهلية). وقال مقاتل: (التبرج: أنَّها تلقِي الخمار على رأسها، ولا تشدّهُ فيواري قلائِدَها وقِراطَها وعُنُقَها، ويبدو ذلكَ كلُّه، وذلكَ التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج). وقال ابن جرير: حدثني ابنُ زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود - يعني ابنَ أبي الفُرات - حدثنا علباءُ بن أحمرَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس قال: (تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بين نوح وإدريسَ، وكانت ألفَ سنةٍ، وإنَّ بطنَين من ولدِ آدمَ كان أحدُهما يسكنُ السهلَ، والآخرَ يسكنُ الجبل، وكان رجال الجبلِ صِباحًا وفي النساء دَمامَةٌ. وكانَ نساءُ السهل صِباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلًا من أهلِ السهل في صورة غُلام، فآجَرَ نفسهُ منه، فكان يخدُمه واتخذ إبليسُ شيئًا مثل الذي يُزَمّر فيه الرّعاء، فجاء فيهِ بصوتٍ لم يَسمع

стр. 3613

الناس مثله، فبلغَ ذلكَ من حوله، فانتابُوهم يسمعون إليهِ، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليهِ في السنة، فَتَبَرَّجَ النساء للرجال، قال: ويتزيَّنُ الرجالُ لهنَّ، وإنَّ رجلًا من أهلِ الجبل هَجَمَ عليهم في عيدهم ذلكَ، فرأى النِّساءَ وصَبَاحَتَهُنَّ، فأتى أصحابَهُ فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن. فنِزلوا مَعَهُنَّ وظهرت الفاحِشَةُ فيهن، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾). ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: يروي البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: [لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء]. وفي رواية: [لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال] (١). الحديث الثاني: أخرجَ أبو داود في السنن عن أبي هريرةَ ﵁ قال: [لعنَ رسول الله ﷺ الرَجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المرأة، والمرأةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَجل] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة أنَّها قالت: [يرحمُ الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكنف مروطهن، فاختمرن بها] (٣). الحديث الرابع: أخرج الترمذي وأبو داود بسند حسن عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إذا اسْتَعْطَرَتْ المرأةُ فمَرَّتْ على القومِ لِيجدوا ريحها، فهي كذا وكذا، قال: قولًا شديدًا] (٤). وفي لفظٍ عند ابن حبان والحاكم: [فهي زانية]. وقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال ابن كثير: (نهاهنَّ أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة، وهي

стр. 3614

عبادة الله وحده لا شريكَ له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسانُ إلى المخلوقين، ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وهذا من بابِ عطف العام على الخاص). وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قال قتادة: (فهم أهل بيتٍ طهرهم الله من السوء، وخصَّهم برحمة منه). والآيةُ نص صريح في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت. أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن الأوزاعي عن شداد - أبو عمار - قال: [دخلتُ على واثلة بن الأسقع وعنده قومٌ، فذكروا عليًّا ﵁، فلما قاموا قال لي: ألا أُخْبِرُكَ بما رأيتُ من رسول الله ﷺ ؟ قلتُ: بلى. قال: أتيتُ فاطمة أسألُها عن علي فقالت: توجّه إلى رسول الله ﷺ . فجلستُ أنتظرهُ حتى جاء رسول الله ﷺ ومعه علي وحَسَنٌ وحُسَيْنٌ، كُلُّ واحِدٍ منهما بيده حتى دَخَلَ، فأدنى عليًا وفاطمةَ وأجلسَهُما بين يديهِ، وأجلسَ حَسَنًا وحُسينًا كُلُّ واحِدٍ منهما على فخذه، ثم لفَّ عليهم ثوبَهُ - أو قال: كساءَهُ - ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقال: اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، وأهلُ بيتي أحقُّ] (١). ورواهُ ابن جرير عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره: [قال واثلةُ، فقلتُ: وأنا يا رسول الله من أهلك؟ قال: وأنتَ من أهلي. قال واثلة: إنها من أَرْجَى ما أَرتجي] (٢). وروى الترمذي بسند صحيح عن عمر بن أبي سلمة، ربيب النبي ﷺ قال: [لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ في بيت أم سلمة، فدعا فاطمةَ وحسنًا وحسينًا، فجللهم بكساء، وعليّ خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم

стр. 3615

تطهيرًا". قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال: أنَّتِ على مكانكِ، وأنتِ على خير] (١). وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. أي: واذكرن فضل الله عليكن فيما جعلكن في بيوت تُتلى فيها آيات الله والحكمة - يعني: الكتاب والسنة -، فاعملن بمقتضى ذلكَ وأقمن شكره. وعن قتادة: (﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي السنة، قال: يَمْتَنّ عليهم بذلك). وأحظاهن بهذه النعمةِ عائشة ﵂، فإنه لم ينزل الوحي على رسول الله ﷺ في فراش امرأةٍ سواها. قال بعض العلماء: (لأنه لم يتزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجلٌ في فراشها سِواه، فناسبَ أن تخصَّصَ بهذه المَزِيَّةِ، وأن تُفرَدَ بهذه الرتبة العلية) - ذكره ابن كثير. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكنّ، إذ جعلكنّ في البيوت التي تُتلى فيها آياته والحكمة، خبيرًا بِكُنَّ إذ اختاركن لرسوله أزواجًا). ٣٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾. في هذه الآية: ثناء الله تعالى على الرجال والنساء من المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين والصابرين والخاشعين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيرًا، وقد أعدَّ لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا. أخرج الترمذي في السنن بسند صحيح - من حديث عكرمة - عن أم عمارة

стр. 3616

الأنصارية: [أنَّها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية] (١). وله شاهد في مسند أحمد وسنن النسائي عن عبد الرحمن بن شَيبَةَ، قال: [سمعتُ أمَّ سلمة زوج النبي ﷺ تقول: قلتُ للنبي ﷺ : ما لنا لا نُذكَرُ في القرآن كما يُذكر الرجال؟ قالت: فلم يَرُعْني منه ذاتَ يومٍ إلا ونِداؤُه على المنبر، قالت: وأنا أسرّح شعري، فلفَفْتُ شعري، ثم خرجت إلى حجرتي حُجرَةِ بيتي، فجعلتُ سَمعي عند الجريد، فإذا هو يقول على المنبر: يا أيها الناس! إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية] (٢). وشاهد آخر عند ابن جرير في "التفسير" عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة ﵂، قالت: [قلت: يا رسول الله، أيذكر الرجال في كل شيء ولا نُذكرُ؟ ! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ..... ﴾ ... الآية] (٣). وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تأكيد أن الإيمان أَخَصُّ من الإسلام، فَإِنْ ذُكِرَ الإسلام وحده فهو يشمل الإيمان، وإن فُرِّقَ بينهما فالإيمان أخصُّ من الإسلام. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:

стр. 3617

[إذا زنى العبدُ خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلةِ، فإذا أقلع رجع إليه] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن] (٢). وقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾. أي المطيعين والمطيعات. قال ابن كثير: (القنوتُ: هو الطاعة في سكون، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]، ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فالإسلام بعده مرتبة يرتقى إليها وهي الإيمان، ثم القنوت ناشئ عنهما). وقوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾. قال النسفي: في النيات والأقوال والأعمال). فإن الصدق خصلة محمودة رفيعة، وإن الكذب خصلة ذميمة مشينة. وفي الصحيحين عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الصدق يهدي إلى البِر، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجَنَّة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإِن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا] (٣). وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [رأيتُ رَجُلَيْن أتياني، قالا: الذي رأيتَهُ يشُقُّ شِدْقُهُ فكذَّابٌ يَكْذِبُ بالكَذْبَةِ تُحْمَلُ عنه حتى تبلُغَ الآفاق فَيُصْنَعُ به إلى يوم القيامة] (٤). وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾. قال القرطبي: (والصابر عن الشهوات وعلى الطاعات في المَكْرهِ والمَنْشَط). وقال ابن كثير: (هذه سَجِيَّةُ الأثباتِ، وهي الصبرُ على المصائِبِ، والعلمُ بأن المقدور كائن لا محالةَ، وتَلَقّي ذلكَ بالصَّبْر والثبات، وإنما

стр. 3618

الصبرُ عند الصدمةِ الأولى، أي: أصعَبُهُ في أَوَّلِ وَهْلَةٍ، ثم ما بعدهُ أسهَلُ منه، وهو صِدْقُ السَجِيَّةِ وثباتها). وقال ابن القيم: (فالصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش). وقال الإمام أحمد: (الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣]. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [الطهور شطر الإيمان والحمدُ لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد للهِ تملآن ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبِقُها] (١). وقوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾. الخشوع لغة: الانخفاض والذل والسكون. يقال خشع ببصره أي غَضّه وذلكَ كما قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] أي سكنت وذلت وخضعت. قال الجنيد: (الخشوع تذلل القلوب لعلَّام الغيوب). وقيل: (الخشوع: الانقياد للحق). وقيل: (الخشوع خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب). فالخشوع سجية يحبها الله في قلوب عباده وجوارحهم، وقد عاتب سبحانهُ المؤمنون بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]. وفي صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين] (٢).

стр. 3619

وفي معجم الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا] (١). وقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾. الصدقة: هي الإحسان إلى الفقراء والضعفاء والمساكين، ومَنْ لا يكفيهم كسبهم أو لا كاسب لهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [ما مِنْ يُصْبحُ العبادُ فيهِ إلا ملكَانِ ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهُم أعط مُمْسِكًا تَلَفًا] (٢). وقوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾. الصوم عبادة عظيمة، فيها تزكية البدن وتطهير النفس. قال سعيد بن جبير: (من صامَ رمضان وثلاثة أيامٍ من كل شهر دخلَ في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾). وفي صحيح البخاري عن سهل ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إنَّ في الجنةِ بابًا يُقالُ لهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصائمون، يوم القيامةِ، لا يدخلُ مِنه أحدٌ غيرُهم، يقال أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخلُ منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغْلِقَ، فلم يدخل منه أحدٌ] (٣). وقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾. أي: عن المحارم والمآثم لا عن المباح. ولما كان الصوم من أفضل ما يعين على كسر الشهوة وحفظ الفرج لمن لم يستطع التحصن بالنكاح فناسبَ ذكره قبل هذه مباشرة. ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: كنا مع النبي ﷺ فقال: [من استطاعَ

стр. 3620

الباءةَ فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومَنْ لم يستطع فعليهِ بالصوم، فإنه لهُ وِجاءٌ] (١). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠، ٣١]. وفي سنن أبي داود وابن ماجة بإسناد حسن عن حكيم عن أبيه، قال: [قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عَوْرَتَكَ إلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ ما مَلَكَتْ يمينك. قال: قلتُ: يا رسول الله! إذا كانَ القومُ بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعتَ أَنْ لا يرَينَّها أحدٌ فلا يرَيَنَّها. قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان أحدنا خاليًا، قال: اللهُ أحقُّ أَنْ يُستَحْيا منهُ من الناس] (٢). وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [لا ينْظُرُ الرجلُ إلى عُرْيَةِ الرَّجُل، ولا المرأةُ إلى عُرية المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوبٍ] (٣). وقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾. قال ابن جرير: (والذاكرين الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]. وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : [إذا أيقَظَ الرجل أهلَهُ من الليل فصلَّيا أو صَلَّى ركعتين جميعًا كُتِبا في

стр. 3621

الذاكرين والذاكِرات] (١). وفي لفظ: [كُتِبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فَمَرَّ على جَبَلٍ يُقال له جُمْدان، فقال: سيروا، هذا جُمْدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُون. قالوا: وما المُفَرِّدون؟ يا رسول الله! قال: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات] (٢). وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. أي: أعد الله لهم مغفرةً لذنوبهم، وثوابًا عظيمًا في الآخرة جزاء اندراجهم تحت تلك النعوت الجليلة والأوصاف الرفيعة التي ضمتها هذه الآية الكريمة. ٣٦ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾. في هذه الآياتِ: تقديمُ المؤمنين قول الله ورسوله وأمرهما على كل قول وأمر ورأي، وقصة تزويج الله رسوله من زينب بنت جحش التي كانت تحت متبناه زيد بن حارثة ونسف أعراف الجاهلية. فقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. قال الحسن: (ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا أمر الله ورسوله ﷺ بأمر أن

стр. 3622

يعصياه). قال القرطبي: (لفظ "ما كان، وما ينبغي" ونحوهما، معناها الحظر والمنع. فتجيء لحظر الشيء والحكم بأنه لا يكون). والمقصود: وجوب التحاكم إلى الله ورسوله - والقبول بحكم الوحي - من المؤمنين. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١، ٣٢]. ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلكَ أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمامُ أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي رافع عن النبي ﷺ قال: [لا ألفِيَن أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمرُ من أمري، مما أمرتُ به، أو نهيتُ عنه، فيقولُ: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [تركتُ فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهُما، كتابَ الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن عمر ﵁: [أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلكَ اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال عمر: قد عرفنا ذلكَ اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يومَ جمعة، وأنا واللهِ بعرفة] (٣).

стр. 3623

قال أبو حنيفة: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإننا بشر، نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا). وقال أيضًا: (نحن قوم نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا، ونقول غدًا ونرجع عنه بعد غد، كلنا خطاء إلا صاحب هذا القبر، يعني فيهِ قبر رسول الله ﷺ ). وكان يقول: (إذا صحّ الحديث فهو مذهبي) (١). وبنحوه قال الإمامُ مالك إمام أهل المدينة: (ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ ) (٢). وكان يقول: (لا يصلح آخر هذه الأمةِ إلا بما صلح به أولها). ومضى على منهاجه الإمام الشافعي وكان يقول: (ما من أحد إلا وتذهب عليهِ سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصَّلْتُ من أصلٍ، فيهِ عن رسول الله ﷺ خلافُ ما قلت، فالقول ما قال رسول الله ﷺ وهو قولي) (٣). وسار على منهاجه تلميذهُ المحدث الإمام أحمد، وكان يقول: (لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا أبا حنيفة ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري رحمهم الله تعالى، وخذ من حيث أخذوا، من قلة فقه الرجل أن يقلد دينَهُ الرجال) (٤). أراد بذلكَ الإمام أحمد أن يمشي طالب العلم على بصيرةٍ، ويفتح قلبهُ وعقله لعلماء الأمةِ وقادتها، دون تعصب وانغلاق، فما جاء بالدليل الصحيح عن الله ورسوله مضى متبعًا له منقادًا لأمره. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. تهديد ووعيد، لكل من علم الحق الذي دل عليهِ الكتاب والسنة ثم جانبه وتَنَكَّب له. قال ابن جرير: (ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلكَ غير سبيل الهدى والرشاد). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 3624

نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: [ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطِرُ، وأتزوج النساء، فمَنْ رَغِبَ عن سنتي فليس مني] (١). وعند البيهقي بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثرُ فيها الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد: يعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة. وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الآية. كانت زينب بنت جحش تحت زيد بن حارثة، وكان زيد قد تبناهُ رسول الله ﷺ فأنعم اللهُ عليهِ بالإسلام، وأنعم عليهِ النبي ﷺ بالعتق من الرق، وهو قول تعالى: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾. وكان زيد سيدًا كبير الشأن جليل القدرِ حبيبًا إلى النبي ﷺ ، يقال له الحب، ولابنه أُسامة الحب ابن الحب. وقد زوجهُ ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية، أمها أميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهمًا وخمارًا وملحفة ودرعًا وخمسين مدًّا من طعام وعشرة أمداد من تمر كما ذكر مقاتل، فمكثت عنده سنة أو نحوها ثم وقع بينهما خلاف فجاء يشكوها إلى النبي ﷺ ، فيقول له: أمسك عليكَ زوجكَ. وعن علي بن حسين قال: (كان الله ﵎ أعلم نبيّه ﷺ أن زينب ستكونُ من أزواجهِ، فلما أتاه زيد يشكوها قال: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال الله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾). فقد كان النبي ﷺ يخشى وقوع هذا الزواج من زوجة متبناه، إذ كانَ ذلك معيبًا في

стр. 3625

الجاهلية، فأراد الله أن يمضي أمره، وأن ينسف ما تبقى من آثار تلكَ الأعراف الفاسدة البالية، التي كان عليها العرب قبل الإسلام. أخرج البخاري عن أنس: [أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة] (١). وقد قضى الله في هذا الزواج أن يتم، فطلّق زيد زينب ﵂، وعقد الله النكاح الجديد من فوق سبع سماواتٍ، حتى كانت زينب تفخر بذلكَ على أزواج النبي ﷺ . فقد أخرج ابن سعد ورجاله رجال الصحيح عن أنس قال: [نزلت في زينب بنت جحش ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ قال: فكانت تفخرُ على نساء النبي ﷺ تقول: زوجكن أهلكن (وفي رواية: زوجكن أهاليكن) وزوجني الله من فوق سبع سماوات). وفي رواية: (إن الله أنكحني في السماء). وأصل معناه في صحيح الإمام البخاري، إذ كانت تمازح النبي ﷺ أحيانًا فتقول: [زوجنيك الرحمن من فوق عرشه] (٢). وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أنس قال: [لما انقضت عدة زينبَ بنت جحش قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ما أجِدُ أحدًا آمنَ عندي وأوثق في نفسي منك، ائتِ زينب فاخطبها علي. قال: فانطلق زيد فأتاها وهي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري فلم أستطع أن أنظر إليها حين عرفت أن الرسول ﷺ قد ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب أبشري، إن رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانِعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾] (٣). فلما بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂، أَوْلَمَ فأشبعَ الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج صبيحة بنائه فمر على أمهات المؤمنين فسلم عليهن وسلّمن عليه

стр. 3626

ودعون له، فلما رجع إلى بيتهِ إذا رجلان جرى بهما الحديث فذهب ليتأخر، حتى تداركا أمرهما وأسرعا بالخروج فأرخى الستر وأنزل الله آية الحجاب. ففي صحيح الإمام البخاري عن أنس قال: [أَوْلَمَ رسول الله ﷺ حين بنى بزينب ابنة جحش فأشبع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلم عليهن ويدعو لهن، ويسلمن عليه، ويدعون له، فلما رجع إلى بيتهِ رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيتهِ، فلما رأى الرجلان رسول الله ﷺ رجع عن بيتهِ وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخْبِر، فرجع حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب] (١). وقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾. قال قتادة: (يقول: إذا طلقوهُن، وكان رسول الله ﷺ تبنّى زيد بن حارثة). قال ابن جرير: (﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ يعني: في نكاحِ نساء من تَبَنَوا وليسوا بِبَنيهم ولا أولادهم على صحة إذا هم طلقوهنّ وبنّ منهم ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ يقول: إذا قضوا منهنّ حاجاتهم وآرابهم وفارقوهنّ وحَلَلْنَ لغيرهم، ولم يكن ذلكَ نزولًا منهم لهم عنهنّ). وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. أي: وكان قضاء الله مقضيًا لا محالة. والمقصود: قضاء الله تعالى في أن تصير زينب زوجة للنبي ﷺ ، وإبطال مفهوم الجاهلية المتعلق بذلك. وقوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾. قال قتادة: (أي أحل الله له). والمقصود: ما كان على النبي من حرج - من إثم - فيما أحل الله له من نكاحِ امرأة متبناه بعد تطليقه لها ومفارقته إياها. وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾. قال ابن كثير: (أي: هذا حكمُ الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمُرَهم بشيء وعليهم في ذلكَ حَرَجٌ، وهذا رَدٌّ على من تَوَهَّمَ من المنافقين نقصًا في تَزْويجه امرأة زيد مولاه ودَعِيِّه الذي كان قد تبنَّاه). وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا﴾. قال النسفي: (قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا).

стр. 3627

٣٩ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾. في هذه الآياتِ: نَعْتُ الله أتباع الرسل في جهادهم لتبليغ منهاج النبوة ولو كره الكافرون. ونَسْفُه تعالى المفهوم الجاهلي في التَّبني فرسول الله ﷺ ليس أبًا لأحد من الصحابة بل هو رسول رب العالمين وخاتم النبيين. فقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: سنة الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل، الذين يبلغون رسالات الله إلى من ارسلوا إليه، ويخافون الله في تركهم تبليغ ذلكَ إياهم، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فإنهم إياه يرهبون إن هم قصروا عن تبليغهم رسالة الله إلى من ارسلوا إليه. يقول لنبيه محمد: فمن أولئكَ الرسل الذين هذه صفتهم، فكن ولا تخش أحدًا إلا الله، فإن الله يمنعك من جميع خلقه). ومن ثمّ فالاية فيها نعتٌ لأتباع الرسل الذين يحملون ميراث النبوة، أن يمضوا على منهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخافون في الله لومة لائم. وإلا فإن انتشار المنكر في البلاد ينزل سخط رب العباد، وينعكس بفساده على كل شيء. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله

стр. 3628

- ﷺ يقول: [مُرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا. فكان فيما قال: ألا، لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا، هَيْبَةُ الناس، أن يقولَ بحقٍّ، إذا علمه. قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله! رأينا أشياء، فهبنا] (٢). ولفظ أحمد: [لا يحقرنَّ أحدكم نفسهُ أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعكَ أن تقول فيه؟ فيقول: رَبِّ، خَشيتُ الناس. فيقول: فأنا أحقُ مَنْ أن يُخشى]. الحديث الثالث: أخرج الإمامُ أحمد في المسند، والإمام أبو داود في السنن، بسند صحيح عن أبي بكر الصديق أنه قال: [أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا بيده، أوشَكَ أن يَعُمَّهُم الله بعقابٍ منه] (٣). وفي رواية عند ابن ماجة: [إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه]. الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي، هم أعزُّ منهم وأمنعُ، لا يغيرون، إلا عَمَّهُم الله بعقاب] (٤). وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. أي: كفى باللهِ ناصرًا وحافظًا ومعينًا. وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. أي: ما كان محمد أيها الناس أبا زيد بن حارثة، ولا أبا أحدٍ من رجالكم، فيحرم

стр. 3629

عليه نكاحُ زوجته بعد فراقه إياها، وإنما هو رسول الله ﷺ ونبيّه الذي لا نبي بعده. قال ابن كثير: (وإذا كان لا نبيّ بعده فلا رسول بعده بطريق الأَوْلى والأحرى، لأنَّ مقام الرسالة أخصُّ من مقام النبوة، فإن كل رسول نبيّ، ولا ينعكس). ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: [إنَّ مثَلي ومثلَ الأنبياء من قبلي كمَثَل رَجُل بنى بَيْتًا فَأَحْسَنهُ وأَجْمَلَهُ إلا مَوضِعَ لَبِنَةٍ من زاوية، فجعل الناس يطوفون بهِ ويَعْجَبُونَ لهُ ويقولون: هلّا وُضِعَتْ هذه اللَّبنَة؟ قال: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتمُ النبيين] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [إنّ الرسالة والنبوّةَ قد انقطعت، فلا رسولَ بعدي ولا نبي. قال: فشقّ ذلك على الناس. قال: قال: ولكن المُبَشِّرات. قالوا: يا رسول الله، وما المبشرات؟ قال: رؤيا الرجل المسلم، وهي جزءٌ من أجزاء النبوة] (٢). الحديث الثالث: أخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جوامعَ الكلم، وَنُصِرتُ بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلت لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النبيّون] (٣). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: [إن لي أسماءً: أنا محمد، وأنا أحمدُ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ الناسُ على قدمي، وأنا العاقبُ الذي ليس بعدَهُ نبيّ] (٤).

стр. 3630

وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. أي: وكان الله بكل أعمالكم وأقوالكم وغير ذلكَ من أحوالكم وأحوال جميعِ الخلق ذا علم لا يخفى عليه خافية. ٤١ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾. في هذه الآياتِ: أمْرُ الله تعالى عباده المؤمنين الإكثار من ذكره وتسبيحه ليكونوا في مقامِ الأولياء الذاكرين. وإعلامهُ تعالى عباده الذاكرين أنه يبادلهم الذكر فيذكرهم في الملأ الأعلى وتشاركهُ الملائكة بالدعاء والاستغفار لهم وهو الرحيم بالمؤمنين. إن تحيتهم يوم يلقونه سلام وقد أعدّ لهم الأجر الكريم. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. أمر من الله عباده بإكثارِ ذكره على نعمه التي لا تحصى فينعكس ذلكَ على قلوبهم وجوارحهم ونفوسهم بالأمن والطمانينة. قال ابن عباس: (لم يُعذَر أحد في ترك ذكر الله إلَّا من غُلب على عقله). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. ومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعِها في دَرَجاتكم، وخيرٌ لكم من إعطاء الذهب والوَرِق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا

стр. 3631

عدُوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: ذِكْرُ الله ] (١). الحديث الثاني: أخرج أحمد والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن بُسر قال: [جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله، أيُّ الناس خيرٌ؟ قال: من طالَ عُمُره وحَسُن عمله. وقال الآخر: يا رسول الله، إن شرائِعَ الإسلام قد كثرت علينا، فمُرني بأمرٍ أتشبَّثُ به. قال: لا يزالُ لسانُكَ رطبًا بذكر الله] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن في الشواهد عن أنس مرفوعًا: [ما جلس قومٌ يذكرون الله إلا ناداهم مُنادِ مِن السَّماء: قوموا مغفورًا لكم، قد بُدَّلت سيئاتكم حسنات] (٣). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : [ما مِنْ قومٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرةً يوم القيامة] (٤). وله شاهد عند الطبراني والبيهقي بإسنادٍ صحيح من حديث معاذ مرفوعًا بلفظ: [ليسَ يتحَسَّرُ أهلُ الجنةِ على شيءٍ، إلا على ساعةٍ مرَّت بهم لم يذكروا الله فيها]. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. أي: وعظموه سبحانهُ بإشغال ألسنتكم في الصباح والمساء وفي معظم أحوالكم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير. قال مجاهد: (وهذه كلمات يقولهن الطاهر والمحدِث والجنب).

стр. 3632

وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾. حثٌّ على الإكثار من الذكر، فإنكم إذا ذكرتم ربكم بادلكم سبحانه بذكركم في الملأ الأعلى من ملائكتهِ، وانشغلت الملائكةُ بالدعاء والاستغفار لكم. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. ٢ - وقال الثاني: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩]. ومن صحيح السنة العطرة في ذلكَ أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم عن أبي هريرةَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: [قال الله : أنَّا عِنْدَ ظَنِّ عبدي بي، وأنا معهُ حين يذكرني] (١). الحديث الثاني: روى مسلم أيضًا عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : أنَّا عندَ ظَنِّ عبدي بي، وأنا معهُ حين يذكرِني، إن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذكرتُهُ في نَفْسي، وإنْ ذكرني في ملأٍ، ذَكَرْتُهُ في ملأٍ هُمْ خيْرٌ منهم، وإنْ تَقَرَّبَ مني شبرًا، تقرَّبْتُ إليهِ ذِراعًا، وإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِراعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْه باعًا، وإِنْ أَتاني يمشي، أتيتُهُ هرولة] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: [إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول] (٣). وفي رواية: [إن الله وملائكتهُ يصلون على الصفوف المقدمة].

стр. 3633

الحديث الرابع: أخرج أحمد بسند صحيح عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجَنَّة حتى يجلس، فإذا جلسَ غمرتهُ الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كانَ عشيًّا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح] (١). وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. قال ابن زيد: (من الضلالة إلى الهدى). قال: (والضلالة: الظلمات، والنور: الهدى). أخرج أحمد في مسندهِ، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقهُ في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلكَ النور اهتدى، ومن أخطأهُ ضَلَّ] (٢). والظلمةُ: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات. والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانهُ على عباده بِنَعْمان، وهو واد إلى جنب عرفات. وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. أي: اختصهم برحمته سبحانه في الدنيا والآخرة. هداهم في الدنيا إلى سبيل الحق والرشاد، ونجاهم في الآخرةِ من عذاب النار، وهيأ لهم حسن ضيافة واستقبال. قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. وفي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال -: [قَدِمَ على النبي ﷺ سَبْيٌ، فإذا امرأةٌ من السَّبيِّ تَحْلُبُ ثَدْيَها تَسقي، إذا وَجَدَتْ صبيًا في السَّبي أخذتهُ، فألصَقَتْهُ ببطنها وأَرضَعته، فقال لنا النبي ﷺ : أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قُلنا: لا، وهي تقدرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال: لله أرحم بعبادهِ من هذه بولدها] (٣).

стр. 3634

وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أنس قال: [مَرَّ النبي ﷺ في نفر من أصحابهِ، وصَبيٌّ في الطريق، فلما رأت أمُّهُ القومَ خشيت على ولدها أن يُوطَأَ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! وسَعَتْ فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لِتُلقي ابنَها في النار. قال: فخفَّضَهُم النبي ﷺ فقال: لا، واللهِ ما يلقي حبيبه في النار] (١). ورواه الحاكم بلفظ: [والله، لا يلقي الله حبيبه في النار]. وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾. قال قتادة: (تحية أهل الجنة السلام). قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: تحية هؤلاء المؤمنين يوم القيامة في الجَنَّة سلام، يقول بعضهم لبعض: أمنة لنا ولكم بدخولنا هذا المدخل من الله أن يعذبنا بالنار أبدًا). وظاهر الآية يحتمل - كما ذكر الحافظ ابن كثير - أن تكون تحيتهم من الله تعالى يوم يلقونه ﴿سَلَامٌ﴾. أي: يوم يُسَلِّمُ عليهم، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾. يعني في جناتِ النعيم، من ألوانِ الطعام والشراب واللباس والملاذّ والمناكح والمناظر وما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. ٤٥ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾. في هذه الآياتِ: تأكيدُ الله تعالى لنبيّه ﷺ تكليفه بالبشارة والنذارة والشهادة على الأمم والدعوة إلى منهاج النبوة وبثّ البشرى للمؤمنين بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا. وأمُره تعالى بعدم الإصغاء لقول الكافرين والمنافقين ومكرهم والتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلًا.

стр. 3635

فعن قتادة: (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على أمتك بالبلاغ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنة، ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار). أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صِفَةِ رسول الله ﷺ في التوارة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوارة بصفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزًا للأُمِّيين، أنت عبدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ المتوكل، لست بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صَخَّابٍ في الأسواق: ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضَهُ الله حتى يُقيمَ به المِلّةَ العَوْجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعْيُنًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غلفًا] (١). وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾. قال قتادة: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله). وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. أي: بأمر الله إياك بذلك وتوفيقه. وقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. قال ابن كثير: (أي: وأَمْرُكَ ظاهرٌ فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدُها إلا مُعانِدٌ). وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾. أي: وبشر أهل الإيمان - يا محمد - بأن لهم من الله مقابل ما هم عليه من الإيمان والعمل الصالح الأجر الكبير والثواب الوفير. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. أي: ولا تصغ لقول كافر أو منافق، ولا تستجب لأهوائهم في تركك بلاغ هذا الوحي العظيم أو التفاوض عليه على طريقتهم، واصبر على أذاهم واستعن بالله في طريق جهادك وكفى بالله حافظًا وناصرًا ومعينًا. وعن مجاهد: (قوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال: أعرض عنهم). وعن قتادة قال: (أي اصبر على أذاهم).

стр. 3636

٤٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾. في هذه الآية: ١ - إطلاق النكاح على العقد وحده. ٢ - إباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. ٣ - وأن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح. ٤ - وأنه لا عدة على المرأة المطلقة قبل الدخول بها. ٥ - وأنه لا بد من المتاع وهو السراح الجميل حسب العسر واليسر إن لم يكن سمى لها صداقًا، فإن كان قد سمى لها صداقًا فلها النصف. قال ابن عباس: (فهذا في الرجل يتزوج المرأة، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فإذا طلقها واحدة بانت منه، ولا عدة عليها تتزوج من شاءت، ثم قرأ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. يقول: إن كان سمى لها صداقًا، فليس لها إلا النصف، فإن لم يكن سمى لها صداقًا، مَتَّعها على قدر عسره ويُسره، وهو السراح الجميل). والجمهور على أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح، وهو مذهب الشافعي وأحمد. وعن ابن عباس قال: (إذا قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق" قال: ليس بشئ من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ... ﴾ الآية). وقال: (ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح). وقال: (فلا طلاق قبل النكاح). وإنما خالف في ذلك مالك وأبو حنيفة فذهبا إلى صحة الطلاق قبل النكاح. والحق ما ذهب إليه الجمهور، وخاصة إذا ثبت تأييد ذلك من صحيح السنة العطرة في أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن عن عمرو بن

стр. 3637

شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: [لا طلاق لابن آدمَ فيما لا يملك] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن المِسْور بن مخرمة، عن النبي ﷺ قال: [لا طلاقَ قبلَ نِكاح. ولا عِتْقَ قبل مِلْكٍ] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح لغيره عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: [لا طلاقَ قبلَ النِكاح] (٣). وأما كون المطلقة غير المدخول بها لا عدة عليها فأمْرٌ مجمع عليه بين الفقهاء، فلها أن تذهب وتتزوج مباشرة لصريح قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. وأما مفهوم المتعة هنا فكما جمع ابن عباس بين فهم الآياتِ في ذلك: الآية الأولى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. الآية الثانية: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. الآية الثالثة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فإنه إن كان سمّى لها صداقًا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمَّى لها صداقًا أمتعها على قدر عُسْرِه ويُسْرِه وهو السَّراحُ الجميل. وفي صحيح البخاري عن عباس بنِ سَهْلٍ، عن أبيه وأبي أسيد قالا: [تزوج النبي ﷺ أُمَيْمَة بِنْتَ شُراحِيلَ، فلما أُدْخِلتْ عليه بَسَطَ يَدَهُ إليها، فكأنها كَرهَتْ ذلك، فأمَر أبا أُسَيْدٍ أنْ يُجَهِّزَها وَيَكْسُوَها ثَوْبين رَازِقيَّيْن] (٤).

стр. 3638

٥٠ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾. في هذه الآياتِ: تفصيل الله تعالى ما أحل لنبته ﷺ من النكاح، وتوضيح الخيار له في التقديم والتأخير والقَسْم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. قال مجاهد: (صدقاتهن). قال ابن زيد: (كان كل امرأة آتاها مهرًا، فقد أحلّها الله له). والمقصود: أحل الله تعالى لنبيّه ﷺ من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن. وفي صحيح مسلم وسنن ابن ماجة عن أبي سلمة قال: [سالت عائشة: كم كان صداق نساء النبي ﷺ ؟ قالت: كان صداقه في أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونَشًّا. هل تدري ما النَّشُ؟ هو نصف أوقية. وذلك خمس مئة درهم] (١). ويستثنى من نسائه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإن النجاشي أمهرها أربع مئة دينار،

стр. 3639

وكذلك صفية بنت حيي أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويرية بنت الحارث أدّى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شمّاس وتزوجها. وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأحللنا لك إماءك اللواتى سبيتهُنَّ فملكتهنَّ بالسباء، وصرن لك بفتح الله عليك من الفيء). وقال ابن كثير: (أي: وأباح لك التَسرِّي مما أخذت من الغنائم، وقد ملك صفية وجويرية وتزوَّجهما. وملَكَ ريحانَةَ بنت شمعون النَّضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم علبه السلام، وكانتا من السراري ﵄). وفي قوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. قال: (هذا عدل وَسَط بين الإفراط والتفريط، فإنَّ النصارى لا يتزوَّجون المرأة إلا إذا كان الرجلُ بينه وبينها سبعةُ أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوَّج أحدهُم بنتَ أخيه وبنتَ أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدمِ إفراط النَّصارى، فأباح بنتَ العمِّ والعمَّةِ، وبنت الخال والخالةِ، وتحريمَ ما فرّطت فيه اليهودُ من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا شنيعٌ فظيعٌ. وإنما قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ فوَحَّدَ لفظ الذكر لِشَرَفه، وجَمعَ الإناث لنقصهن كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وله نظائر كثيرة). وعن قتادة: (﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ المراد: من هاجر معه إلى المدينة). وفي رواية: (أي: أسلمن). والمقصود: لا يحل لك من قرابتك المذكور تفصيلها إلا بهذا الشرط. وقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال قتادة: (ليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير أمر ولي ولا مهر، إلا للنبي، كانت له خالصة من دون الناس). وقال ابن زيد: (كان كل امرأة آتاها مهرًا فقد أحلها الله له إلى أن وهب هؤلاء أنفسهن له، فأحللن له دون المؤمنين بغير مهر خالصة لك من دون المؤمنين إلا امرأة لها زوج).

стр. 3640

يروي ابن جرير عن صالح بن مسلم قال: سألت الشعبي عن امرأة وهبت نفسها لرجل، قال: (لا يكون، لا تحل له، إنما كانت للنبي ﷺ ). وفي الصحيحين والمسند والسنن عن سهل بن سعد الساعدي: [أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، جئتُ لأَهَبَ لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَر إليها وَصَوَّبَهُ ثم طَأْطَأَ رأسَهُ، فلما رأتِ المرأةُ أنه لم يَقْضِ فيها شيئًا جَلَسَت، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكنْ لك بها حاجةٌ فزوجنيها، فقال له: هل عندك مِن شيء؟ فقال: لا والله يا رسول الله، قال: اذهبْ إلى أهلِكَ فانظر هل تجدُ شيئًا، فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ما وجَدْتُ شيئًا. قال: انظرْ وَلَوْ خَاتَمًا من حديد، فذهب ثُمَّ رجَعَ فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتَمًا مِن حديد ولكِنْ هذا إزاري - قال سهل: ما لَهُ رداءٌ - فلها نِصْفُه، فقال رسول الله ﷺ : ما تصنع بإزارك؟ إن لَبِسْتَهُ لم يَكُنْ عليها منه شَيْءٌ، وإن لَبِسَتْهُ لم يَكُنْ عليك شيء. فجلس الرجل حتى طال مَجْلِسُهُ، ثم قام فرآه رسول الله ﷺ مُوَلِّيًا فأمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا وسورةُ كذا عَدَّها، قال: أتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْر قَلْبكَ؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد مَلَّكْتُكَها بما معك من القرآن] (١). وفي صحيح البخاري عن ثابت البُنَانِيّ قال: [كُنْتُ عِندَ أنَسٍ وعندَه ابنَةٌ له. قال أنس: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ تَعْرِض عليه نفسها. قالتْ: يا رسولَ الله، ألكَ بي حاجة؟ فقالت بنْتُ أنس: ما أقَلَّ حياءَها، واسَوأتاهْ، واسَوأتاهْ، قال: هي خيرٌ منك، رَغِبَت في النبي ﷺ فعَرَضَتْ عليه نَفْسَها] (٢). وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. أي: قد علمنا - يا محمد - ما فرضنا على المؤمنين وما خصَصناهم به في أحكام النكاح دونك، فإنه لا يحل لهم عقد نكاح على حرّة مسلمة إلا بولي عصبة وشهود

стр. 3641

عدول، ولا يحل لهم منهن أكثر من أربع، ويحل لهم مما ملكت أيمانهم - مؤمنات أو كتابيات - بالسباء والتسري وغير ذلك من أسباب الملك. فعن قتادة: (﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال: إن مما فرض الله عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين). وقال: (كان مما فرض الله عليهم أن لا تزوج امرأة إلا بولي وصداق عند شاهدي عدل، ولا يحلّ لهم من النساء إلا أربع، وما ملكت أيمانهم). وقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: بَيَّنا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لكيلا يكون عليك ضيق في أمر أنت فيه محتاج إلى السّعة. قال القرطبي: ﴿لِكَيْلَا﴾ متعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ أي فلا يضيق قلبك حتى يظهر منك أنك قد أثمت عند ربك في شيء. ثم آنس تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته فقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾). وقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ - يحمل تأويلين حسب سبب النزول: سبب النزول الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك] (١). ورواه الحاكم وفيه: (فأنزل الله هذه الآية في نساء النبي ﷺ ). ورواه أحمد عنها بلفظ: [أنَّها كانت تُعَيِّرُ النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرضَ نفسَها بغيرِ صَدَاق؟ فأنزل الله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، قالت: إني أرى ربّك يُسارع لك في هواك]. والمعنى: (﴿تُرْجِي﴾ - تؤخر - من شئت من الواهبات، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ -

стр. 3642

أي وتقبل منهن من تشاء فتضمها إلى زوجاتك، وتردّ منهن من تشاء، ومن رددتها فأنت كذلك بالخيار بعد ذلك، إن شئت عُدْتَ فيها فآويتها. ولهذا قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قال البخاري: (قال ابن عباس: ﴿تُرْجِي﴾: تُؤَخِّر، ﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف: ١١١]: أخِّرْهُ). قال عامر الشعبي: (كُنَّ نساءَ وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فدخل ببعضهن وأرجأَ بعضَهن لم يُنكحن بعده، منهم أم شَريك). سبب النزول الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن معاذةَ: [عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة مِنّا، بعد أن أُنْزِلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. فقلت لها: ما كُنتِ تقولين؟ قالت: كنتُ أقولُ له: إنْ كان ذاكَ إليَّ فإني لا أُريدُ يا رسول الله، أن أوثِرَ عليك أحدًا] (١). قال مجاهد: (﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء. ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال: تردّها إليك). قال قتادة: (فجعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن، ويأتي من يشاء منهن بغير قسم، وكان نبي الله يقسم). قال: (﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾: جميعًا هذه في نسائه، إن شاء أتى من شاء منهن، ولا جناح عليه). وقال ابن زيد: (من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه). فالمعنى: لا حرج عليك في أزواجك أن تترك القسم لهنَّ فَتُقَدِّمَ من شئت، وتؤخر من شئت. وبالجمع بين سببي النزول يكون المقصود أنّ الآية نزلت في الواهبات، وفي زوجاته ﷺ . فهو يقدم من شاء من الواهبات ويؤخر، وكذلك يقدم من شاء من الزوجات في القَسْم ويؤخر.

стр. 3643

وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾. قال قتادة: (إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن). والأجمل من ذلك أن يقال: إنه كان يَقْسِمُ لهن ﷺ ويقيم العدل بينهن والإنصاف رغم الرخصة له في الاختيار، فإذا علمن ذلك منه فرِحْن بذلك واستبشرن به واعترفن بالجميل له والفضل والمِنّة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون بعض بالهوى والمحبة، يقول: فلذلك وضع عنك الحرج يا محمد فيما وُضعَ عنك من ابتغاء من ابتغيت منهنّ ممن عزلت، تفضلًا منه عليك بذلك وتكرمة). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بضمائر الأسرار ومما لا يمكن دفعه من ميل القلوب، ﴿حَلِيمًا﴾ على عباده، يفسح لهم الوقت ليتوبوا إليه فلا يعاجلهم بالعقوبة. وفوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾. قال ابن عباس: (نُهِيَ رسول الله ﷺ أن يتزوج بعد نسائه الأُوَل شيئًا). وقال قتادة: (لما خَيّرهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره عليهن فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله). قال ابن كثير: (فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أنَّ الله قصرَه عليهنّ، وحرَّم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بِهنّ أزواجًا غيرهُنَّ، ولو أعجبه حُسنُهنَّ إلا الإماء والسَّراري فلا حَجْرَ عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوُّجٌ لتكون المِنَّةُ للرسول، عليهِنَّ).

стр. 3644

أخرج الترمذي وأحمد والنسائي بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [ما مات رسول الله ﷺ حتى أحَلَّ الله له النساء] (١). وعن قتادة: (﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أي حفيظًا). قال ابن جرير: (يقول: وكان الله على كل شيء ما أحل لك وحرّم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظًا لا يعزُب عنه علم شيء من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كله). ٥٣ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾. في هذه الآياتِ: ورود آية الحجاب، التى تعددت أسباب نزولها واحتاجت إليها الأمة حتى أكرم الله تعالى المسلمين بنزولها، وهي تتضمن كثيرًا من الأحكام الجليلة والآداب الشرعية الرفيعة. الأحاديث الواردة في أسباب نزولها: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: [تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أم سُليم حَيسًا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى النبي ﷺ فقل له: بعثت بهذا إليك أمِّي وهي تقرؤك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت به إلى رسول الله فقلت: إن أمي تقرؤك السلام وتقول: إن هذا منا لك قليل، فقال: "ضعه"، ثم قال: "اذهب فادع

стр. 3645

لي فلانًا وفلانًا من لقيت، وسمى رجالًا، قال: فدعوت من سمّى، ومن لقيت. قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاث مئة، قال: وقال لي رسول الله ﷺ : "يا أنس هات بالتور"، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ : "ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه"، قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم، قال: فقال لي: "يا أنس ارفع" قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه، ثم رجع فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع، ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل، وأنا جالس في الحجرة فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج عليّ وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله ﷺ فقرأهن على الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية. قال الجعد: قال أنس: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي ﷺ ] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في مواضع من صحيحه عن أنس ﵁ قال: [أَوْلَمَ رسول الله ﷺ حين بنى بزينب ابنة جحش، فأشبِع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيُسَلِّم عليهن ويَدْعو لهن، وَيُسَلِّمْنَ عليه ويَدْعونَ لَهُ، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان رسول الله ﷺ رجع عن بيته وثبا مسرعين فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخْبِرَ، فرجَعَ حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب] (٢). وفي رواية: (فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ .... ﴾ ... ). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ أَحْجِبْ نساءَكَ. قالت: فلم يفعل، وكان أزواج
следующие страницы →