عدول، ولا يحل لهم منهن أكثر من أربع، ويحل لهم مما ملكت أيمانهم - مؤمنات أو كتابيات - بالسباء والتسري وغير ذلك من أسباب الملك.
فعن قتادة: (﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال: إن مما فرض الله عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين). وقال: (كان مما فرض الله عليهم أن لا تزوج امرأة إلا بولي وصداق عند شاهدي عدل، ولا يحلّ لهم من النساء إلا أربع، وما ملكت أيمانهم).
وقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
أي: بَيَّنا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لكيلا يكون عليك ضيق في أمر أنت فيه محتاج إلى السّعة. قال القرطبي: ﴿لِكَيْلَا﴾ متعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ أي فلا يضيق قلبك حتى يظهر منك أنك قد أثمت عند ربك في شيء. ثم آنس تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته فقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾).
وقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ - يحمل تأويلين حسب سبب النزول:
سبب النزول الأول:
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك] (١).
ورواه الحاكم وفيه: (فأنزل الله هذه الآية في نساء النبي ﷺ ).
ورواه أحمد عنها بلفظ: [أنَّها كانت تُعَيِّرُ النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ قالت: ألا تستحي المرأة أن تعرضَ نفسَها بغيرِ صَدَاق؟ فأنزل الله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، قالت: إني أرى ربّك يُسارع لك في هواك].
والمعنى: (﴿تُرْجِي﴾ - تؤخر - من شئت من الواهبات، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ -
стр. 3642
أي وتقبل منهن من تشاء فتضمها إلى زوجاتك، وتردّ منهن من تشاء، ومن رددتها فأنت كذلك بالخيار بعد ذلك، إن شئت عُدْتَ فيها فآويتها. ولهذا قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾.
قال البخاري: (قال ابن عباس: ﴿تُرْجِي﴾: تُؤَخِّر، ﴿أَرْجِهْ﴾ [الأعراف: ١١١]: أخِّرْهُ).
قال عامر الشعبي: (كُنَّ نساءَ وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فدخل ببعضهن وأرجأَ بعضَهن لم يُنكحن بعده، منهم أم شَريك).
سبب النزول الثاني:
أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن معاذةَ: [عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كان يستأذن في يوم المرأة مِنّا، بعد أن أُنْزِلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾. فقلت لها: ما كُنتِ تقولين؟ قالت: كنتُ أقولُ له: إنْ كان ذاكَ إليَّ فإني لا أُريدُ يا رسول الله، أن أوثِرَ عليك أحدًا] (١).
قال مجاهد: (﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء.
﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال: تردّها إليك).
قال قتادة: (فجعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن، ويأتي من يشاء منهن بغير قسم، وكان نبي الله يقسم). قال: (﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾: جميعًا هذه في نسائه، إن شاء أتى من شاء منهن، ولا جناح عليه). وقال ابن زيد: (من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه).
فالمعنى: لا حرج عليك في أزواجك أن تترك القسم لهنَّ فَتُقَدِّمَ من شئت، وتؤخر من شئت.
وبالجمع بين سببي النزول يكون المقصود أنّ الآية نزلت في الواهبات، وفي زوجاته ﷺ . فهو يقدم من شاء من الواهبات ويؤخر، وكذلك يقدم من شاء من الزوجات في القَسْم ويؤخر.
стр. 3643
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.
قال قتادة: (إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن).
والأجمل من ذلك أن يقال: إنه كان يَقْسِمُ لهن ﷺ ويقيم العدل بينهن والإنصاف رغم الرخصة له في الاختيار، فإذا علمن ذلك منه فرِحْن بذلك واستبشرن به واعترفن بالجميل له والفضل والمِنّة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون بعض بالهوى والمحبة، يقول: فلذلك وضع عنك الحرج يا محمد فيما وُضعَ عنك من ابتغاء من ابتغيت منهنّ ممن عزلت، تفضلًا منه عليك بذلك وتكرمة).
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾. أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بضمائر الأسرار ومما لا يمكن دفعه من ميل القلوب، ﴿حَلِيمًا﴾ على عباده، يفسح لهم الوقت ليتوبوا إليه فلا يعاجلهم بالعقوبة.
وفوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.
قال ابن عباس: (نُهِيَ رسول الله ﷺ أن يتزوج بعد نسائه الأُوَل شيئًا).
وقال قتادة: (لما خَيّرهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره عليهن فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله). قال ابن كثير: (فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أنَّ الله قصرَه عليهنّ، وحرَّم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بِهنّ أزواجًا غيرهُنَّ، ولو أعجبه حُسنُهنَّ إلا الإماء والسَّراري فلا حَجْرَ عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوُّجٌ لتكون المِنَّةُ للرسول، عليهِنَّ).
стр. 3644
أخرج الترمذي وأحمد والنسائي بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [ما مات رسول الله ﷺ حتى أحَلَّ الله له النساء] (١).
وعن قتادة: (﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أي حفيظًا). قال ابن جرير: (يقول: وكان الله على كل شيء ما أحل لك وحرّم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظًا لا يعزُب عنه علم شيء من ذلك، ولا يؤوده حفظ ذلك كله).
٥٣ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾.
في هذه الآياتِ: ورود آية الحجاب، التى تعددت أسباب نزولها واحتاجت إليها الأمة حتى أكرم الله تعالى المسلمين بنزولها، وهي تتضمن كثيرًا من الأحكام الجليلة والآداب الشرعية الرفيعة.
الأحاديث الواردة في أسباب نزولها:
الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: [تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أم سُليم حَيسًا فجعلته في تور فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى النبي ﷺ فقل له: بعثت بهذا إليك أمِّي وهي تقرؤك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت به إلى رسول الله فقلت: إن أمي تقرؤك السلام وتقول: إن هذا منا لك قليل، فقال: "ضعه"، ثم قال: "اذهب فادع
стр. 3645
لي فلانًا وفلانًا من لقيت، وسمى رجالًا، قال: فدعوت من سمّى، ومن لقيت.
قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاث مئة، قال: وقال لي رسول الله ﷺ : "يا أنس هات بالتور"، قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله ﷺ : "ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه"، قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم، قال: فقال لي: "يا أنس ارفع" قال: فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه، ثم رجع فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع، ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل، وأنا جالس في الحجرة فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج عليّ وأنزلت هذه الآيات، فخرج رسول الله ﷺ فقرأهن على الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية. قال الجعد: قال أنس: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي ﷺ ] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في مواضع من صحيحه عن أنس ﵁ قال: [أَوْلَمَ رسول الله ﷺ حين بنى بزينب ابنة جحش، فأشبِع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيُسَلِّم عليهن ويَدْعو لهن، وَيُسَلِّمْنَ عليه ويَدْعونَ لَهُ، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين جرى بهما الحديث فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان رسول الله ﷺ رجع عن بيته وثبا مسرعين فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخْبِرَ، فرجَعَ حتى دخل البيت وأرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب] (٢). وفي رواية: (فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ .... ﴾ ... ).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ أَحْجِبْ نساءَكَ. قالت: فلم يفعل، وكان أزواج
стр. 3646
النبي ﷺ يخرجن ليلًا إلى ليل قبيل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال: عرفناك يا سودة حرصًا على أن ينزل الحجاب. قالت: فأنزل الله آية الحجاب] (١).
وله شاهد عند البخاري عن أنس قال: [قال عمر بن الخطاب، يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجِرُ، فلو أمرتَ أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الطبراني في "المعجم الصغير" ورجاله ثقات عن عائشة ﵂ قالت: [كنت آكُلُ مع النبي ﷺ في قعب، فمَرَّ عمر فدعاه فأكل فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حَسٍّ - أو: أَوَّه - لو أطاع فيكن ما رأتكُنَّ عينٌ، فنزلت آية الحجاب] (٣).
فقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ - حَظْرٌ على المؤمنين دخول منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كان يصنع أهل الجاهلية في دخولهم وبقي ذلك في ابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة فنهاهم عن الدخول إلى بيوت بعضهم دون إذن.
وفي الصحيحين من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: [إياكم والدخولَ على النساء] (٤).
وقوله: (﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال ابن عباس: (غير ناظرين الطعامَ أن يُصْنَع). وقال قتادة: (غير متحينين طعامه). وقال مجاهد: (- غير - متحينين نضجه).
والمعنى: إذا دعيتم إلى الطعام في بيوت نبي الله ﷺ فَلَبّوا، ولكن لا ترقبوا الطعام - إن لم تُدعوا - حتى إذا طُبِخَ وقارب على النضج والاستواء تعرضتم للدخول بسيف
стр. 3647
الحياء، فإن هذا مما يكرهه الله ويَذُمُّه. وهذا نصَّ في ذم التطفّل والطفيليين وتحريم ذلك السلوك.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾.
أى: ولكن إذا دعاكم رسول الله ﷺ فادخلوا البيت الذي دعاكم إليه.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دعا أحدُكم أخاه فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كانَ أو غيره] (١).
وفي صحيح البخاري ومسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [لو دُعيتُ إلى ذِراعٍ لأجَبْتُ، ولو أُهْدِيَ إليَّ كُرَاع لَقَبِلْتُ] (٢).
وقوله: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾.
أي: فإذا فرغتم من الطعام فتحركوا للخروج وتفرقوا فانتشروا في الأرض، فإن في ذلك تخفيفًا عن أهل المنزل.
وقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. قال مجاهد: (بعد أن تأكلوا).
أي: ولا مسترسلين بالحديث بعد انتهائكم من الطعام إيناسًا من بعضكم لبعض، كما حصل لأولئك النفر الثلاثة الذين أحرجوا رسول الله ﷺ .
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.
أي: إن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم، ثم استمتاعكم بالحديث بعد فراغكم من أكل الطعام إذا دعيتم، كل ذلك كان يشق على رسول الله ﷺ فيستحي من إخراجكم أو الإشارة إليكم بما يعرفكم بذلك، والله تعالى لا يستحيي من بيان الحق لكم.
وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
قال قتادة: (بلغنا أنهن أمرن بالحجاب عند ذلك). قال ابن كثير: (أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظُروا إليهنَّ بالكُلِّية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناوُلَها منهن فلا ينظر إليهنَّ، ولا يسألهن حاجةً إلا من وراء حجاب).
стр. 3648
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. قال النسفي: (من خواطر الشيطان وعوارض الفتن وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال وكان عمر ﵁ يحب ضرب الحجاب عليهن ويود أن ينزل فيه وقال يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾.
قال القرطبي: (هذا تكرار للعلة وتأكيد لحكمها، وتأكيد العلل أقوى في الأحكام).
وقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. أي: فلهن حكم الأمهات في التحريم.
قال الشافعي: (وأزواجه ﷺ اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن، ومن استحلّ ذلك كان كافرًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾).
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن أذاكم رسول الله ﷺ ونكاحكم أزواجه من بعده عند الله عظيم من الإثم).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
أي: إن الله تعالى يعلم السر وأخفى، فهو يعلم ما تخفيه صدور أهل الخواطر المكروهة من الذين خوطبوا بالآيات السابقة، بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. قال القرطبي: (البارئ عالم بما بدا وما خفي وما كان وما لم يكن، لا يخفى عليه ماض تَقَضَّى، ولا مستقبل يأتي. وهذا على العموم تمدّح به، وهو أهل المدح والحمد. والمراد به هاهنا التوبيخ والوعيد لمن تقدّم التعريض به في الآية قبلها).
٥٥. قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.
في هذه الآية: استثناء بعض الأقارب من عموم وجوب الاحتجاب من الأجانب،
стр. 3649
فإنه لا يجب على النساء الاحتجاب من الآباء والأبناء والإخوة وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات ونساء المؤمنات والأرقاء من الذكور والإناث، وأمْرٌ للنساء خاصة في ختام الآية بلزوم خشية الله وامتثال أمره والخوف منه، فإن الله ﵎ شاهد على ما يبدين من زينتهن وما يخفين منها، وهو سبحانه يعلم صدق السرائر في لزوم العفاف من إرادة الفتنة وإشاعة الفساد، والله لا يحب الفساد.
فقوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ .. الآية كلها. قال مجاهد: (أن تضع الجلباب).
وعن قتادة: (قوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ... إلى ﴿شَهِيدًا﴾: فرخص لهؤلاء أن لا يحتجبن منهم).
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
وعن ابن زيد: (﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ قال: نساء المؤمنات الحرائر ليس عليهن جناح أن يرين تلك الزينة، قال: وإنما هذا كله في الزينة. قال: ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى شيء من عورة المرأة).
قلت: والنصوص بمجموعها تدل على جواز كشف المرأة شعرها وزينتها الظاهرة أمام عموم النساء، ولا دليل على التفريق بين مسلمة وغير مسلمة، فالآية هنا خرجت مخرج الغالب في العشرة، وأن المقصود عموم النساء والزيادة بـ "هنّ" إيقاعية لانسجامها مع ما قبلها، وأما الاحتجاج بدعوى وصف الأجنبية أو غير المسلمة محاسن المرأة المسلمة لذويها من الرجال، فإن ذلك غير مختص بغير المسلمات، بل إن كان في المسلمات من يشيع ذلك منهن فالتغطية أولى.
وقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. يعني به أرقاءَهُنَّ من المذكور والإناث.
قال ابن زيد: (وكان أزواج النبي ﷺ لا يحتجبن من المماليك).
وقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وخفن الله أيها النساء أن تتعدَّين ما حدّ الله لَكُنَّ، فتبدين من زينتكنَّ ما ليس لكنّ أن تبدينه، أو تتركن الحجاب الذي أمركنّ الله بلزومه، إلا فيما أباح لكنَّ تركه، والْزَمْنَ طاعته).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. أي: إن الله شاهد على كيفية امتثالكم لأمر الحجاب، وستر الزينة والعورات، أو كشف ما يجوز من الزينة لمن أباح
стр. 3650
الله له. فهو تعالى شاهد على عباده بطاعة أمره أو مخالفته، وشاهد على كل شيء. قال ابن عطاء: (الشهيد الذي يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح).
٥٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾.
في هذه الآية: تَأْكيدُ صلاة الله تعالى وملائكته الكرام، على النبي ﵊، وأَمْرُ المؤمنين بامتثال هذا الخُلُق الرفيع في مختلف الأوقات والأزمان، وأفضل ذلك يوم الجمعة أعظم الأيام.
قال البخاري: (قال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: ﴿يُصَلُّونَ﴾: يُبَرِّكون) - هكذا علّقَهُ البخاري عنهما.
وقال الترمذي: (ورُوي عَنْ سُفيانَ الثوري وغير واحدٍ من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمةُ، وصلاةُ الملائكةِ الاستغفارُ).
قال ابن كثير: (والمقصود من هذه الآية أن الله أخبر عبادَهُ بمنزلِةِ عبده ونبيِّه عندَهُ في الملأ الأعلى، بأنه يُثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تُصَلي عليه. ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناءُ عليه من أهل العالَمين العُلوي والسفلي جميعًا).
وقد أخبر الله تعالى في محكم التنزيل أنه يصلي على عباده المؤمنين:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وقد حفلت السنة العطرة بآفاق هذه الآية وصفة الصلاة على هذا النبي الكريم، عليه وعلى النبيين أفضل الصلاة والتسليم. وذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري وأحمد والنسائي عن كعب بن عُجْرَة قال: قيل:
стр. 3651
يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عَرَفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: أقولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والشيخان ومعظم أهل السنن عن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعبُ بن عُجْرَة فقال: ألا أُهدي لك هَدِيّة؟ خَرَجَ علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، قد عَلِمْنَا - أو: عرفنا - كيف السلامُ عليك، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ على آل إبراهيم إنك حميد مجيدٌ. اللهم بارك على مُحَمَّدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيمَ، إنك حميد مجيدٌ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - عند تفسير هذه الآية - عن أبي سعيد الخدري قال: [قلنا: يا رسول الله، هذا التسليم فكيف نُصَلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صَلِّ على مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ ورسولكَ، كما صَلَّيتَ على آلِ إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم" (٣). وفي رواية: (كما صليت على إبراهيم. وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم).
الحديث الرابع: أخرج أحمد والشيخان عن أبي حُميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نُصلي عليك؟ قال: قولوا: [اللهم، صَلِّ على محمد وأزواجه وذُرِّيَتِهِ، كما صَلَّيْتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيدٌ] (٤).
الحديث الخامس: روى مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي مسعود
стр. 3652
الأنصاري قال: [أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعدِ بن عُبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نُصَلِّي عليك يا رسول الله، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تَمَنَّيْنا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم] (١).
قلت: وواجب على المصلِّي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير كما ذهب الشافعي وغيره، فإن تركه لم تكتمل صلاته.
فقد أخرج أبو داود وابن خزيمة وأحمد بسند حسن عن أبي مسعود البدرى أنهم قالوا: يا رسول الله، أما السلام فقد عرفناه، فكيف نُصَلِّي عليك إذا نحن صَلُّيْنا في صلاتنا؟ فقال: [قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد .... ] (٢).
وفي المسند وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن فَضَالة بن عُبَيْد - صاحب رسول الله ﷺ يقولى: [سمع رسول الله ﷺ ، رجلًا يدعو في صلاته، لم يُمَجِّد الله تعالى، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "عَجَّلَ هذا". ثم دعاه فقال له - أو لغيره -: "إذا صلى أحدُكم فليبدأ بتحميد رَبِّه جَلَّ وعَزَّ والثناء عليه، ثم يُصلي على النبي ﷺ "، ثم يدعو بَعْدُ بما شاء"] (٣).
وأما فضائل وثواب الصلاة على النبي ﷺ فكثيرة، وفي ذلك أحاديث جميلة: الحديث الأول: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من صلّى عليّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا] (٤).
الحديث الثاني: أخرج الديلمي بسند حسن عن أبي بكر الصديق مرفوعًا: [أكثروا
стр. 3653
الصلاة عليّ، فإن الله وَكَّلَ بي ملكًا عند قبري، فإذا صَلَّى على رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد! إن فلانَ بن فلان صلى عليك الساعة] (١).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن عمار مرفوعًا: [إنَّ لله ملكًا أعطاه أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إذا مُتُّ، فليس أحدٌ يصلي على صلاة إلا قال: يا محمد صلى عليك فلان بن فلان. قال: فيصلي الرب ﵎ على ذلك بكل واحدة عشرًا] (٢).
الحديث الرابع: أخرج أحمد والحاكم بسند رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: [خرج رسول الله ﷺ فاتبَعْتُه حتى دَخَلَ نخلًا، فَسَجَد فأطال السجودَ، حتى خفت - أو: خشيت - أن يكون الله قد توفَّاه أو قَبَضَهُ. قال: فَجئتُ أنْظُرُ، فرفع رأسه فقال: مالكَ يا عبدَ الرحمن؟ قال: فذكرتُ ذلك له فقال: إن جبريلَ ﵇ قال لي: ألا أُبَشِّرك؟ إن الله يقول: من صَلَّى عليك صَليتُ عليه، ومن سَلَّم عليكَ سَلَّمْتُ عليه] (٣).
الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي بن كعب قال: [كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناسُ، اذكروا الله اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفةُ، جاء الموتُ بما فيه، جاء الموتُ بما فيه. قال أُبَيٌّ: قلتُ: يا رسول الله، إني أكْثِرُ الصلاة عليك، فكم أجعلُ لك من صَلاتي؟ قال: ما شئت. قلت: الربعُ؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالنصفُ؟ قال: ما شئت، فإن زِدْتَ فهو خير لك. قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت، فإن زِدْتَ فهو خير لك. قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذن تكفى هَمَّكَ، ويُغْفَرُ لك ذنبُكَ] (٤).
стр. 3654
وله شاهد في مسند أحمد عن الطفيل بن أبيّ، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيتَ إن جعلتُ صلاتى كُلَّها عليك؟ قال: [إذن يكفِيكَ الله ما أَهَمَّكَ من دُنياك وَآخِرَتِكَ] (١).
الحديث السادس: أخرج النسائي وأحمد وابن حبان بسند حسن عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه: [أنّ رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والسرور يُرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله، إنا لنرى السرورَ في وجهك. فقال: إنه أتاني المَلَكُ فقال: يا محمد، أما يُرضيكَ أنَّ رَبَّكَ يقول: إنه لا يُصلي عليك أحدٌ من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يُسَلِّم عليك أحدٌ من أُمَّتِكَ إلا سَلَّمْتَ عليه عشرًا؟ قلت: بلى" (٢).
الحديث السابع: أخرج النسائي وأبو يعلى بسند جيد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ ذكرت عنده فليصل عليَّ، ومن صلَّى علي مرةً واحدةً صلّى الله عليه عشرًا] (٣).
الحديث الثامن: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند جيد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صَلَّى الله عليه عشرَ صَلَوات، وحَطَّ عنه عشرَ خطيئات] (٤).
الحديث التاسع: أخرج الترمذي وأحمد والنسائي بسند جيد عن علي بن الحسين عن أبيه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: [البخيل من ذُكِرْتُ عنده ثم لم يُصَلِّ عليَّ] (٥).
الحديث العاشر: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [رَغِمَ أنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أنفُ رجُلٍ دخَلَ عليه رمضانُ
стр. 3655
ثم انسلخَ قبْلَ أن يُغْفَرَ له، ورغِمَ أنف رجل أدركَ عنده أَبَواهُ الكِبَرَ فَلَم يدخلاهُ الجَنَّة] (١).
الحديث الحادي عشر: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ما جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لم يَذكِروا الله فيه، ولمْ يُصَلوا على نبيِّهم، إلا كان عليهم تِرة، فإن شاء عَذَّبَهمُ، وإِن شَاءَ غَفرَ لهم] (٢).
الحديث الثاني عشر: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ نَسِيَ الصلاةَ عَليَّ خَطِئَ طريقَ الجَنَّة] (٣).
الحديث الثالث عشر: أخرج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ يقول: [إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلَ ما يقول، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنه مَنْ صَلَّى عليَّ صلاةَ صَلَّى الله عليه بها عَشْرًا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجَنَّة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عبادِ الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سألَ لي الوسيلة حَلَّت عليه الشفاعة] (٤).
الحديث الرابع عشر: أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي حُميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أحدكُم المسجدَ فَلْيُسَلِّم على النبي ﷺ ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسالك من فضلك] (٥).
الحديث الخامس عشر: أخرج الطبراني والبيهقي عن عليٍّ مرفوعًا: [كُلُّ دعاء محجوبٌ حتى يُصَلِّي على النبي ﷺ ] (٦).
٥٧ - ٥٨. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
стр. 3656
وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.
في هذه الآياتِ: تهديدُ الله تعالى الذين يؤذونه ويؤذون رسوله باللعن والعذاب المهين. والعطف على ذلك بتهديد الذي يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا وتوعدهم بالنكال منهم من ذلك الإثم المبين.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾.
تهديد وتوعد للعصاة الآثمين المتجرئين على مخالفة أوامر الله ورسوله المصرِّين على ركوب ذلك بالطرد من رحمة الله في الدنيا والآخرة، ثم الخلود في العذاب المهين.
قال قتادة: (يا سبحان الله ما زال أناس من جهلة بني آدم حتى تعاطوا أذى ربهم).
وقال عكرمة: (الذين يؤذون الله ورسوله هم أصحاب التصاوير).
قلت: والآية عامة تشمل جميع ألوان مخالفة أوامر الله ورسوله، ولا دليل على تخصيص أمر دون أمر كما جاء في كتب التفاسير.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [يقول الله : يُؤذيني ابنُ آدم، يسبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْر، أُقَلِّب ليله ونهارَه] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
قال مجاهد: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ يقفّون. ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ يقول: بغير ما عملوا).
والمعنى: والذين يقفّون المؤمنين والمؤمنات، ويعيبونهم طلبًا لشينهم، وينسبون لهم ما هم براء من فعله، فقد احتملوا زورًا وكذبًا وفرية شنيعة، وركبوا إثمًا واضحًا
стр. 3657
بينًا. قال ابن جرير: (بهتان: أفحش الكذب ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يقول: وإثمًا يبين لسامعه أنه إثم وزور).
قال قتادة: (فإياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه ويغضب له).
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [أَتَدْرونَ ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكْرُكَ أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغْتَبْتَه، وإنْ لم يكنْ فيه، فقد بَهَتَّهُ] (١).
وفي المعجم "الأوسط" للطبراني بسند قابل للتحسين لشواهده عن البراء بن عازب مرفوعًا: [الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مِثْلُ إتيانِ الرجل أُمَّه، وإنَّ أربى الربا استطالة الرجل في عِرض أخيه] (٢).
٥٩ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾
في هذه الآياتِ: أَمْرُ الله تعالى نبيَّه ﷺ بِأَمْرِ أزواجه وبناته ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، وفي امتثال ذلك حفظهن وحمايتهن من البغاة وأعوان الشيطان الرجيم. وتهديدٌ منه تعالى للمنافقين والمرجفين في المدينة بالطرد والخزي واللعن والعذاب الأليم. وتلك هي سنة الله في الذين مضوا ولا تبديل لسنة الله العلي العظيم.
стр. 3658
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.
الجلباب: هو الملاءَة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها. قال البغوي في "التفسير": (هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار).
وقال ابن حزم "٣/ ٢١٧": (والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ هو ما غطّى جميع الجسم لا بعضه) وصححه القرطبي في تفسيره.
وقال ابن كثير "٣/ ٥١٨": (هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم).
وقد قيل في تفسيره سبعة أقوال أوردها الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٣٦) وما ذُكِر هو الراجح فيها المنسجم مع كلام العرب وسياق الآية. وبعض العلماء في هذا الزمان يرى أنّ أقرب لباس إليه هو العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما.
والخلاصة: أَمَرَ الله تعالى نبيَّه ﷺ أن يأمر زوجاته وبناته - لشرفهن في الأمة - ثم يليهن النساء المؤمنات في الأمر، أن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميَّزْنَ بحجاب الفطرة والعفاف عن لباس أهل الجاهلية والإماء.
أخرج أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة قالت: [لما نزلت: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية] (١).
ورواه عبد الرزاق وعبد بن حميد من حديث أم سلمة بلفظ: [من أكسية سود يلبسنها].
والغربان: جمع غراب، فشبهت الأكسية في سوادها بالغربان.
فأمر الله المرأة إذا خرجت من دارها أن تلتحف فوق ثيابها بالجلباب والملاءَة لأنه أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها، وأشرف لسيرتها. والجلباب يستعمل في الغالب عند الخروج من الدار.
ففي الصحيحين وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت: [أَمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض
стр. 3659
فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أُختها من جلبابها] (١).
قال الشيخ أنور الكشميري في "فيض الباري" (١/ ٣٨٨) تعليقًا على هذا الحديث: (وعلم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب. والجلباب رداء ساتر من القرن إلى القدم).
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال: (يسدلن عليهن من جلابيبهن، وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار، وقد شدت به رأسها ونحرها) (٢).
والجلباب حجاب الفطرة لستر زينة المرأة عن الأجانب سواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها، وقد صح عن عائشة أنَّها كانت إذا صلت تجلببت، الأمر الذي يدل على أن الجلباب ليس خاصًّا بالخروج.
وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات عن قيس بن زيد قال: [إنَّ رسول الله ﷺ طلق حفصة بنت عمر ... فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها فتجلببت، فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أتاني فقال لي: أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجَنَّة] (٣).
والآية لا تدل على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها، وهو أمر مطلق، ثم إن القرآن يفسر بعضه بعضًا. وتفصيل ذلك:
أ - آية النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ .... ﴾ الآية [النور: ٣١].
стр. 3660
وقد تبين عند تفسير هذه الآية أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين.
ب - إن السنة مُبَيِّنَةٌ للقرآن مخصصة لعمومه مقيدة لمطلقه. وقد دلت النصوص الكثيرة منها على أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها، وتقييدها بها.
ففي الصحيحين عن سهل بن سعد: [أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ فَصَعَّدَ النظر إليها وصَوَّبَه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئًا جلست] (١).
قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٧٣): (وفيه جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها؛ لأنه ﷺ صَعَّدَ فيها النظر وصَوَّبَه، وفي الصيغَة ما يدل على المبالغة في ذلك، ولم يتقدم منه رغبة، ولا خطبة).
وفي الصحيحين والمسند عن عطاء بن أبي رباح قال: [قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجَنَّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ قالت: إني أصرع، وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجَنَّة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها] (٢).
وفي "تاريخ ابن عساكر" (١٩/ ٢/٧٣) في قصة صلب ابن الزبير أن أمه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة.
وروى أبو نعيم (١/ ١٦٤) عن أبي السليل قال: (جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين، ومعها قفة لها، فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت: يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة، فقال: يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح والحمد لله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه) - ورجاله ثقات (٣).
стр. 3661
قلت: فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في "البداية" (١/ ٨٩) ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في "المجموع" (٣/ ١٦٩)، وحكاه الطحاوي في "شرح المعاني" (٢/ ٩) عن صاحبي أبي حنيفة أيضًا. وإن كان الأولى في هذا الزمان تغطية المرأة وجهها لانتشار الفتن وضياع الشباب وقلة الحياء وقلة غض البصر.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.
قال السدي: (كان ناس من فُسَّاق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل الفدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجَتَهُنَّ، فكان أولئك الفُسَّاق يتبعون ذلك منهنَّ، فماذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حُرَّة، كفُّوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أَمَة. فوثبوا إليها).
وقال مجاهد: (يَتَجَلْبَبْنَ فيعلم أنهنّ حرائِرُ فلا يَعرِض لهنَّ فاسِقٌ بأذى من قول ولا ريبة).
قلت: بل الجلباب واجب على الحرائر والإماء، فلا فرق في وجوب ذلك على جميع النساء، ومن ثمَّ فإن في جلباب المرأة صرف أطماع الفساق عنها على العكس من المرأة المبدية مفاتنها وزينتها، فإنها تحمل بسلوكها ذلك الفساق أن يهموا بها. فالجلباب هو حجاب الفطرة يحمي الله تعالى به الفتاة المسلمة.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قال النسفي: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف منهن من التفريط ﴿رَحِيمًا﴾ بتعليمهن آداب المكارم).
فائدة (١): في كون المراد بآية الحجاب قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ نظر، إذ قد صرحت الروايات في شان قصة زينب السابقة بنزول قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية. وفي شأن قول عمر - عند الطبري - فأنزل الله آية الحجاب، قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا﴾ ... فالقول بتعدد الأسباب للنزول أولى.
فائدة (٢): قول عمر: "عرفناك يا سودة" - فبالرواية الأولى قبل الحجاب، وبأخرى بعد الحجاب - فلعله وقع مرتين. وربما المراد بالحجاب الأول غير الثاني - كما ذكر الحافظ - والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه شيء من اطلاع الأجانب على
стр. 3662
الحريم النبوي حتى صرح بقوله للنبي ﷺ : "أحجب نساءك"، حتى نزلت آية الحجاب.
ثم إن عمر قصد أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات فبالغ فَمُنِعَ وأُذِنَ لهن بالخروج لحاجتهن دفعًا للمشقة.
وقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.
تَوَعُّدٌ من الله تعالى للمنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولأهل القلوب المريضة - أهل الزنا والفجور -، ولأهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل، أن يُسَلِّط الله عليهم نبيَّه والمؤمنين.
فحن عكرمة: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: هم الزناة). وقال قتادة: (﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شهوة الزنا). وقال أبو صالح: (الزناة). قال ابن زيد: (أهل الزنا من أهل النفاق الذين يطلبون النساء فيبتغون الزنا. وقرأ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، قال: والمنافقون أصناف عشرة في براءة، قال: فالذين في قلوبهم مرض صنف منهم مرض من أمر النساء).
وعن قتادة: (﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾. الإرجاف: الكذب الذي كان نافقه أهل النفاق، وكانوا يقولون: أتاكم عدد وعدّة). قال ابن كثير: (يعني الذين يقولون: جاء الأعداء، وجاءت الحروب. وهو كذب وافتراء).
وعن ابن عباس: (الإرجاف التماس الفتنة، والإرجاف: إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به). قلت: وأصل الإرجاف التحريك من (الرجفة) وهي الزلزلة، فيقال للخبر الكاذب خبر متزلزل غير ثابت، أو لاضطراب قلوب المؤمنين به.
وعن ابن عباس: (﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ يقول: لنسلطنك عليهم). وقال: (لم ينتهوا عن إيذاء النساء وأن الله قد أغراه بهم). وعن قتادة: (أي لنحملنك عليهم لنحرشنك بهم). وقال السدي: (لنُعلِمَنَّك بهم). قال القرطبي: (أي لنسلطنّك عليهم فتستأصلهم بالقتل).
وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال قتادة: (أي بالمدينة).
قال ابن جرير: (يقول: ثم لننفينهم عن مدينتك فلا يسكنون معك فيها إلا قليلًا من
стр. 3663
المدة والأجل، حتى تنفيهم عنها، فتخرجهم منها). وقال القاسمي: (﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي زمنًا قليلًا ريثما يستعدون للرحلة).
وقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾. أي: مطرودين منفيين أينما وجدوا.
فهم مبغوضون لله والخلق، لا يستريحون بالخروج للصوق اللعنة بهم أينما حلّوا ونزلوا، فقوله: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ في محل نصب حال، أي هذه حالتهم حيثما وجدوا.
وقوله: ﴿أُخِذُوا﴾. أي لِذِلِّتهم وَقلَّتهم وهوانهم.
وقوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. قال النسفي: (التشديد يدل على التكثير).
والمقصود: أسروا وبولغ في قتلهم لذلّتهم وقلتهم ونزول اللعنة بهم.
وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾.
أي: هذا الذي فعل بهم ليس ببدع، فإن سنة الله في المفترين والمنافقين قبلهم أن يسلط عليهم أهل الإيمان فيقهروهم ويمحقوا تمرّدهم.
قال قتادة: (يقول: هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق). وَنُصب قوله: ﴿سُنَّةَ﴾ على المصدر، أي سَنَّ الله فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. أي تحويلًا وتغييرًا.
قال السدي: (يعني أن من قُتل بحق فلا دية على قاتله).
والمقصود: مضت سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير في قهر المؤمنين لأهل التمرد والنفاق والذين يحبون إشاعة الكذب والفواحش في الأرض، وهؤلاء المنافقون من قومك - يا محمد - سينالهم ما نال من مضى قبلهم على منهاجهم.
٦٣ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا
стр. 3664
الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.
في هذه الآياتِ: تأكيدُ الله تعالى انفراده بعلم الساعة وقد تكون الساعة قريبًا. وقد لعن الله الكافرين وأعدّ لهم سعيرًا. فيه تُقَلّب وجوههم ويسألون الله لساداتهم ورؤسائهم في الكفر أن يضاعف لهم العذاب وأن يلعنهم لعنًا كبيرًا.
فقوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ﴾ يا محمد ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ متى هي قائمة؟ قل لهم: إنما علم الساعة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يعلم وقت قيامها غيره).
وقد كان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن الساعة على سبيل الهزء، واليهود على سبيل الامتحان، فأمر الله رسوله أن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به.
وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.
أي: وما يشعرك يا محمد لعله دنا وقت مجيئها واقترب موعدها، وهو تهديد للمستعجلين وقوعها وإسكات للممتحنين في سؤالها.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
٣ - وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١].
وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: [قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا، ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حَدَّثَ به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه] (١).
стр. 3665
وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: [بُعثت أنا والساعة كهاتين] (١) - يعني إصْبعين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾.
اللعن: الطرد والإبعاد عن الرحمة. قال ابنِ جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله أبعد الكافرين به من كل خير، وأقصاهم عنه ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ يقول: وأعدَّ لهم في الآخرة نارًا تتقد وتتسعر ليصليهموها).
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. أي: ماكثين فيها إلى غير نهاية. قال النسفي: (هذا يَرد مذهب الجهمية؛ لأنهم يزعمون أن الجَنَّة والنار تفنيان).
وقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. أي: لا يجدون معينًا ولا مغيثًا ينجيهم من الخلود في عذاب الله أو يخلصهم منه.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.
قال ابن كثير: (أي يسحبون في النار على وجوههم، وتُلوى وجوهُهم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنّون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر عنهم في حال العَرَصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]. وقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]).
قال القرطبي: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾: وهذا التقليب تغيير ألوانهم بلفح النار، فتسودّ مرّة وتخضرّ أخرى. وإذا بدّلت جلودهم بجلود أخر فحينئذ يتمنون أنهم ما كفروا ﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ أي لم نكفر فننجو من هذا العذاب كما نجا المؤمنون).
وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾. قال قتادة: (أي رؤوسنا في الشر والشرك). وقال ابن زيد: (هم رؤوس الأمم الذين أضلوهم).
وقال طاووس: (سادتنا يعني الأشراف، وكبراءنا يعني العلماء) - رواه ابن أبي حاتم.
стр. 3666
والمقصود: اعترافهم باتباع أمراء الضلالة، وعلماء الجهالة، الذين يمكرون بدين الله ويصدون عن سبيله ويبغونها عوجًا.
وقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. أي فحرفونا عن سبيل التوحيد ومنهاج الرسل.
وقوله: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال قتادة: (عذاب الدنيا وعذاب الآخرة).
وقيل: عذاب الكفر وعذاب الإضلال. أي عَذَّبهم مثْلي ما تعذّبنا فإنهم ضلوا وأضلوا.
وقوله: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.
هكذا قرأها عاصم ﴿كَبِيرًا﴾، وعامة القراء قرؤوها "كثيرًا"، وهما قراءتان مشهورتان. والمعنى: بالباء يدل على أشد اللعن وأعظمه، وبالثاء يدل على تكثير اللعائن وتتابعها عليهم.
٦٩ - ٧١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.
في هذه الآياتِ: تحذيرُ الله تعالى عباده المؤمنين مشابهة المنافقين من بني إسرائيل الذي آذوا موسى فبين الله براءته وكان عند الله وجيهًا. وأمْرُه تعالى المؤمنين أن يصدقوه التقوى وأن يقولوا قولًا سديدًا. فإنهم إن فعلوا ذلك قابلهم سبحانه بمغفرة ذنوبهم وإصلاح أحوالهم وأعمالهم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.
خطاب من الله تعالى لأصحاب نبيه محمد ﷺ : أنْ لا تؤذوا رسول الله بقول يكرهه أو بفعل لا يحبه، فتكونوا أمثال الذين رموا موسى بعيب كذبًا، وآذوه بألوان كثيرة من الأقوال والأفعال، فأظهر الله كذبهم مما رموه به وأعز رسوله.
ومن إيذائهم لموسى قولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]،
стр. 3667
وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ [البقرة: ٥٥]. وقولهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١].
أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - عند هذه الآية - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ موسى كان رجلًا حَييًّا. وذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾] (١).
ثم إن البخاري رواه بهذا الإسناد مفصلًا في كتاب أحاديث الأنبياء. قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : [إنَّ موسى كان رجُلَا حَييًّا سِتِّيرًا لا يُرَى من جِلدِه شيءٌ استِحياءً مِنْه، فآذاهُ منْ آذاهُ مِنْ بني إسرائيل، فقال: ما يَسْتَتِرُ هذا التَّسَتُّرَ إلا مِنْ عَيْبٍ بجلده، إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ (٢)، وِإمَّا آفةٌ، وإنَّ الله أرادَ أن يُبَرِّئَهُ ممّا قالوا لموسى، فخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ فوضَعَ ثيابَهُ على الحجر ثم اغتسل فلما فرغَ أقبل إلى ثيابه لِيأخُذَها وإنَّ الحجرَ عدا بثوبِه، فأخذ موسى عصاهُ وطلبَ الحجرَ فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي حَجَرُ، حتى انتهى إلى ملأٍ من بني إسرائيل فَرَأَوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ الله وأبْرأهُ مما يقولون. وقام حَجَرٌ فأخذ بثوبِه فَلَبسَهُ وطَفِقَ بالحَجرِ ضربًا بعصاه، فو الله إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَبًا من أثرِ ضَرْبِهِ ثلاثًا أو أربعًا أَو خمْسًا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾] (٣).
وفي الصحيحين والمسند عن شقيق، عن عبد الله قال: [قَسَمَ رسول الله ﷺ ذاتَ يوم قَسْمًا، فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجهُ الله. قال: فقلت: يا عدوَّ الله، أما لأخبرنَّ رسول الله ﷺ بما قلت. قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فاحمَرَّ وجهه، ثم قال: رحمةُ الله على موسى، لقد أُوذِيَ بأكثرَ من هذا فَصَبَر] (٤).
وهذه القسمة كانت يوم حنين، كما جاء في الرواية الأخرى عند البخاري عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: [لمّا كان يومُ حُنين آثرَ النبي ﷺ ناسًا، أعْطى الأقْرَعَ مِئَةً من الإبل، وأعطى عُيينة مِثْلَ ذلك، وأعطى ناسًا، فقال رجل: ما أُرِيدَ
стр. 3668
بهذه القِسْمة وَجْهُ الله، فقلت: لأخْبِرَنَّ النبي ﷺ ، قال: رحم الله موسى قَدْ أوذيَ بأكثرَ مِنْ هذا فصَبَرَ] (١).
وقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. أي صاحب وَجَاهَةٍ وَجَاهٍ وقَدْرٍ عند ربه تعالى.
قال الحسن البصري: (كان مستجاب الدعوة عند الله). وقال بعض السلف: [لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ولكن مُنِعَ الرؤية لما يشاء الله ).
وقال بعضهم: (من وجاهته العظيمة أنه شفع في أخيه هارونَ أن يُرسِلَهُ الله معه، فأجاب الله سُؤْلَهُ، وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم: ٥٣].
والوجيه في كلام العرب: من وَجُهَ إذا صار وجيهًا، أي: ذا جاه وقَدر. ووجوه البلد أشرافه. قال الزمخشري: (﴿وَجِيهًا﴾ أي ذا جاه ومنزلة عنده. فلذلك كان يميط عنه التهم ويدفع الأذى ويحافظ عليه لئلا يلحقه وصم ولا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
أمْرٌ من الله عباده المؤمنين بلزوم منهج التقوى والقول السديد الذي فيه نصرة الحق وزهوق الباطل.
قال ابن عباس: (من سَرَّه أن يكونَ أكرم الناس فليتق الله). وقال عكرمة: (القول السديد: لا إله إلا الله). وقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يقول: سدادًا). وقال قتادة: (أي عدلًا. يعني به في منطقه وفي عمله كله. والسديد: الصدق). وجميع ما سبق داخل تحت مفهوم الآية وبيانها.
وقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
قال القرطبي: (وعد جل وعز بأنه يجازي على القول السداد بإصلاح الأعمال وغفران الذنوب، وحسبك بذلك درجة ورفعة منزلة).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أي: ومن يصدق الله طاعته ومتابعة رسوله فقد ظفر بالكرامة العظمى من الله.
стр. 3669
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩، ٧٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢].
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أهل الجَنَّة يتراءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ من فوقهم، كما تتراءَوْن الكوكب الدُّري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لِتَفَاضُلِ ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يَبْلُغُها غَيْرُهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المُرْسَلين] (١).
٧٢ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.
في هذه الآياتِ: تأكيدُ ثقل الأمانة، وخشيةُ السماوات والأرض والجبال من حملها، وتقدَّم الإنسان لحملها ليرفعه الله بها، ولكنه كان متعثرًا في ذلك ظلومًا لنفسه، جهولًا أغلب أحيانه بقدرها وثوابها. وقد كتب الله العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، والمغفرة للمؤمنين والمؤمنات، وكان الله غفورًا رحيمًا.
فإلى تفصيل ذلك من أقوال المفسرين:
١ - عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ قال: (الأمانة: الفرائض التي افترضها الله على العباد).
стр. 3670
٢ - وعن سعيد عن ابن عباس: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾. قال: الأمانة: الفرائض. قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذّبتك، قال: قد قبلت، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة).
٣ - وعن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (الأمانة: الفرائض، عَرَضها الله على السماوات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم وإن ضيّعوها عذَّبهم الله. فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، يعني: غِرًّا بأمر الله).
٤ - وقال العوفي عن ابن عباس: (يعني بالأمانة: الطاعة، عَرَضها عليهم قبل أن يعرِضَها على آدم فلم يُطقِنها. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فلم يُطِقْنَها، فهل أنت آخذٌ بما فيها؟ قال: يا ربِّ، وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُزيت، وإن أسأت عُوقِبْتَ. فأخذها آدمُ فتَحَمَّلها، فذلك قوله: . ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾).
٥ - وقال أبيُّ بن كعب: (من الأمانةِ أن المرأة اؤتمنَتْ على فَرْجِها).
٦ - وقال قتادة: (الأمانة الدين والفرائض والحدود).
٧ - وقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: (الأمانة ثلاثةٌ: الصلاة، والصومُ، والاغتسال من الجنابة).
قلت: وجميع ما سبق من الأقوال يعضد بعضه بعضًا، ومفادها أن حمل هذا الدين بامتثال أوامره وتكاليفه واجتناب نواهيه أشفقت منه السماوات والأرض والجبال حين عُرض عليها، وقَبِل الإنسان حمله حين علم عظيم الثواب الذي يعقب ذلك الجهاد في حراسة الدين وإقامته في الأرض، ولكنه سرعان ما يظلم نفسه باتباع هواه وشيطانه ويدخل في متاهات الجهل وينسى ما كان أُعِدّ له مقابل الثبات على الحق والمجاهدة في حمل الأمانة.
أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : [خَمْسٌ مَنْ جاء بِهنَّ مع إيمانٍ دخل الجَنَّة، مَنْ حافظ على الصلوات الخمس على وُضوئهن وركوعهنَّ وسجودهن ومواقيتهن، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه
стр. 3671
سبيلًا، وأعطى الزكاة طَيِّبَةً بها نَفْسُهُ، وأَدَّى الأمانة. قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة] (١).
فالحديث يدل جميعه على حفظ الدين، وما غُسل الجنابة إلا مثال الصدق في حمل هذه الأمانة، وإلا فجميع أوامر الله تعالى داخلة في مفهوم هذه الأمانة. فإنْ حَمَلَها الإنسان بأمانة رفعه الله بها، وإن ضَئعها واستهتر بحملها خيّبَهُ الله.
وفي الصحيحين والمسند عن حذيفة ﵁ قال: [حَدَّثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حَدَّثنا أن الأمانة نزلت في جَذْرِ قلوب الرجال، ثم نزلَ القرآن، فَعَلِموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حَدَّثنا عن رَفع الأمانة، فقال: ينام الرجلُ النومةَ فتقبض الأمانةُ من قلبه، فيظل أثرُها مثل أثر الوَكْتِ، فتقبض الأمانةُ من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المَجْلِ كَجَمْرٍ دحرجته على رجلِكَ فتراه مُنتبرًا (٢) وليس فيه شيء - قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رِجله - قال: فيصبحُ الناسُ يتبايعون لا يكاد أحدٌ يؤدي الأمانةَ، حتى يُقالَ: إنَّ في بني آدمَ رجُلًا أمينًا، حتى يُقال للرجل: ما أجلده وأظرفَه وأعقَله! وما في قلبه حَبَّة من خردلٍ من إيمان. ولقد أتى عَلَيَّ زمانٌ وما أبالي أَيَّكم بايعتُ، إن كان مُسْلِمًا ليردَّنَهُ عليَّ دينُه، وإِن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنَّه عليّ ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا] (٣).
وفي مسند أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: [أربعٌ إذا كنَّ فيكَ فلا عليكَ ما فاتكَ من الدُّنيا، حفظُ أمانةٍ، وصِدْقُ حديثٍ، وحُسن خليقةٍ، وعفَّةُ طُعْمَة). وفي لفظ: [أربع إذا كنَّ فيك فلا عليكَ ما فاتكَ من الدنيا: صدقُ الحديث، وحفظُ الأمانة، وحسنُ الخلق، وعفةُ مطعم] (٤).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [بينما كان النبي ﷺ يُحَدِّثُ إذ جاء
стр. 3672
أعرابي فقال: متى الساعة؟ قال: إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة] (١).
وقوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾.
أي: ليعذب الله المستهترين بحمل الأمانة - بعد المعاهدة والتوثيق بحفظها والقيام بها - من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات. قال قتادة: (هذان اللذان خاناها).
وقال الحسن: (اللذان خاناها، اللذان ظلماها: المنافق والمشرك).
وقوله: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال قتادة: (هذان اللذان أدّياها).
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن جرير: (﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لذنوب المؤمنين والمؤمنات، بستره عليها، وتركه عقابهم عليها ﴿رَحِيمًا﴾ أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها).
والمقصود: قَابَلَ الله تعالى مَنْ صَدَقَ من عباده بِحَمْل الأمانة ولم يَسْتَهْتِر بها بالصفح والمغفرة لِما يكونُ من الزَّلَلِ أثناء الطريق، وبالرحمة التي تنجيهم من عذابه في الآخرة. وَقَابَلَ الذين خانوا الامانة بعد توثيق العهد بِحَمْلِها والقيام بلوازمها بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، والله لا يظلم أحدًا.
تَمَّ تفسير سورة الأحزاب بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّه وكرمه
* * *
стр. 3673
دروس ونتائج وأحكام
١ - كان آخرَ قول إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار: حسبي الله ونِعم الوكيل. وهي قول محمد ﷺ حين اجتمع الأحزاب ضده، وهي منهاج للمؤمنين.
٢ - إنهاء حكم التبنِّي الذي كان في الجاهلية وفي أول الإسلام، والاستعاضة بالأخوة في الدين والولاية فيه عما فات من النسب لمن لم يُعرف أبوه.
٣ - إن الله تعالى تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
٤ - لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.
٥ - القرابات أولى بالتوارث في حكم الله من التوارث بالحلف وأخوة الدين.
٦ - أولو العزم من الرسل: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم.
٧ - تمني المنافقين يوم الأحزاب أن يكونوا غُيِّبوا في البادية مع الأعراب خوفًا من القتل والخزي على أيدي المؤمنين.
٨ - السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.
٩ - كَسْرُ شوكة المشركين يوم الأحزاب، وقول النبي ﷺ : الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم.
١٠ - المرأة عورة، فإذا خرجت اسْتَشرفها الشيطان، وأقربُ ما تكون بِروْحَةِ ربِّها وهي في قَعْرِ بيتها.
١١ - لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال.
١٢ - لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن.
стр. 3674
١٣ - أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا.
١٤ - لا ينظر الرجل إلى عُرْية الرجل، ولا المرأة إلى عرية المرأة، والله أحق أن يُستحيا منه من الناس.
١٥ - سبق المفرِّدون: الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات.
١٦ - لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ .
١٧ - كان صداقه ﷺ في أزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشًّا. والنَّش: نصف أوقية. وذلك خمس مئة درهم.
١٨ - إذا دعا أحدُكم أخاه فليُجب، عُرْسًا كانَ أو غيره.
١٩ - أكثروا الصلاة عليّ، فإن الله وَكَّلَ بي ملكًا عند قبري، فإذا صلى عليّ رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد! إنَّ فلان بن فلان صلى عليك الساعة.
٢٠ - الربا اثنان وسبعون بابًا، أدناها مِثْلُ إتيان الرجل أمَّه، وإنَّ أربى الربا استطالة الرجل في عِرض أخيه.
٢١ - وجه المرأة ليس بعورة، وهو قول أكثر العلماء، ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد.
٢٢ - الجلباب هو لباس الفطرة، وبه يحمي الله المرأة من الفتنة.
٢٣ - من سرّه أن يكون أكرم الخلق فليتق الله.
٢٤ - أربعٌ إذا كُن فيك فلا عليك ما فاتكَ من الدنيا: صدقُ الحديث، وحفظُ الأمانة، وحسنُ الخلق، وعفةُ مطعم.
٢٥ - يقابل الله من صَدَق من عباده بحفظ الأمانة بالصفح والغفران، ويقابل إلذين خانوا الأمانة بالخزي والهوان.
* * *
стр. 3675
٣٤ - سُوْرَةُ سَبَإٍ
وهي سورة مكية باتفاق المفسرين إلا آية واحدة اختلف فيها، وهي الآية السادسة: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الآية. قيل: هي مكية، قاله ابن عباس. وقيل: بل هي مدنية، قاله مقاتل. وعدد آياتها (٥٤). وسميت بسبأ لتضمنها قصة قوم آمنوا فاغدق الله عليهم من النعم، ثم انتكسوا فتبدّلت بالنقم.
موضوع السورة
قصة سبأ وارتباط الإيمان بالإنعام، وانتكاس ذلك ليكون الخزي والحرمان.
- منهاج السورة -
١ - الحمدُ لله الملك في الأولى وفي الآخرة، والعالم بما يلج في الأرض وما ينزل من السماء وما يعرج فيها الموصوف بالرحمة والمغفرة.
٢ - استعجال الكفار الساعة واستبعادهم أمر الحساب، وتأكيد الله لهم إحصاءه أعمالهم ليوم الثواب والعقاب، وثناء الله على المؤمنين تصديقهم بهذا الكتاب.
٣ - تعجب مشركي قريش بالبعث بعد الموت، واتهامهم رسول الله بالجنون أو الكذب، وانتصار الله لنبيّه، وصرفهم لرؤية آيات مقدرته.
٤ - فضل الله تعالى على داود وسليمان ﵉، جزاء الطاعة والشكر لله والإحسان.
стр. 3676
٥ - قصة موت سليمان ﵇، والعبرة في ذلك للشياطين والسحرة والكهان.
٦ - قصة سبأ قصة الإنعام من الله المنان، ومقابلة تكذيب القوم وجحودهم شكره تعالى بالخزي والحرمان.
٧ - إثبات أمر الشفاعة لله الرزاق الفتاح العليم، فهو الذي يجمع خلقه ويخزي الشركاء وهو العزيز الحكيم، وهذا الرسول أرسله الله كافة للناس ورحمة للعالمين.
٨ - استعجال المشركين البعث والقيامة، وإصرارهم على الكفر بهذا القرآن، وحوار المستكبرين والمستضعفين يوم القيامة، وهم في غمرات العذاب قد أسروا الندامة.
٩ - سنة الله في الأمم: هم يختارون الكبر والطغيان والفرح بزينة الحياة الدنيا والتفاخر بالأموال والأولاد، ثم يأتيهم العذاب.
١٠ - تَبَرُّؤ الملائكة في أرض المحشر ممن عبدوهم، وتأكيدهم أن القوم كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون.
١١ - تكذيب الكفار الرسل واتهامهم بالكذب، وتوعدهم الله السنن كما حلّ بمن قبلهم.
١٢ - توجيه الله نبيّه لوعظ قومه بطاعة الله، والصدق في أمر محمد ﷺ .
١٣ - سنةُ الله تعالى في قذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق مَهين.
١٤ - حصاد الكفار يوم بدر، وفزعهم يوم الحشر، ولا نجاة لهم من النار.
١٥ - انعدام قبول التوبة عند فوات الأوان، ويحال بين الكفار وبين ما يشتهون ليذوقوا الهوان.
* * *
стр. 3677
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٢. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.
في هذه الآياتِ: كل الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض خلقًا وملكًا وتصرفًا وتدبيرًا. وكل الحمد لله الذي لم يزل حكيمًا خبيرًا. وكل الحمد لله في الأولى والآخرة على ما أعدّ للمؤمنين نعيمًا كبيرًا، وعلى ما أنزل بالكافرين به عذابًا مستطيرًا. فهو يعلم عدد القطر النازل في الأرض والحب المبذور وما يؤول إليه فيخرج نباتًا مختلف الألوان جميلًا. ويعلم ما يعرج في السماء من أعمال العباد فيجازي بالصالحات ثوابًا وأجرًا وفيرًا. وهو الرحيم بالمؤمنين الغفور للتائبين سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.
فقد قال عن نفسه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال الشهاب: (السماوات والأرض عبارة عن هذا العالم بأسره).
و﴿الَّذِي﴾ يجوز أن تكون في محل جر على النعت أو البدل، أو في موضع رفع خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل نصب بمعنى (أعني) حكاه القرطبي.
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. قال قتادة: (حكيم في أمره، خبير بخلقه).
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾. أي يدخل في ذلك ما فيها من الكنوز والدفائن والأموات.
وقوله: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. أي: من النبات والعيون والشجر والدواب.
стр. 3678
وقوله: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. أئي: من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. أي: من الملائكة وأعمال العباد.
وقوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾. أي: عن ذنوب التائبين إليه، رحيم بهم فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة.
٣ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾.
في هذه الآياتِ: استعجالُ الكفار الساعة استهزاء وكبرًا، وأمر الساعة بيد الله، ويومئذ يجزي المؤمنين الأجر والرزق الكريم، ويخذل المشركين ويوفيهم العذاب الاليم، وأهل العلم مصدقون بأن هذا القرآن هو الحق المبين.
فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد كفار مكة - الذين جحدوا قدرة الله أن يعيدهم بعد فنائهم بهيئتهم قبل فنائهم - بقيام الساعة استهزاء وتكذيبًا، فقل لهم: بلى وربي قسمًا به لتأتينكم، وهذه إحدى ثلاث آيات لا رابع لهن في القرآن يقسم بها رسول الله ﷺ على وقوع المعاد لمنكريه. فالآية الأولى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. وهذه هي الآية الثانية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. والآية الثالثة في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
قال أبو سفيان لكفار مكة: (واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدًا ولا نبعث). فقال الله: قل يا محمد: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
стр. 3679
وقرأ بعضهم ﴿ليأتينكم﴾ بالياء، أي البعث. والقراءة الأولى أشهر بين القراء.
وقوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾. قرأه قراء المدينة بالضم "عالمُ" وهي قراءة نافع وابن كثير على الابتداء. وقرأه بعض قراء الكوفة والبصرة "عالمِ" بالجر، وهي قراءة عاصم وأبي عمرو. وقرأ بقية قراء الكوفة: "علَّام" وهي قراءة حمزة والكسائي على المبالغة.
ومن قرأها بالرفع كان الخبر قوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾. قال ابن عباس: (لا يغيب عنه).
قال الحافظ ابن كثير: (أي الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرّة فإنه بكل شيء عليم).
وقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
يقال: عَزَبَ يعزُبُ ويعزِبُ إذا بَعُدَ وغاب. قال الفراء: (والكسر أحبَّ إلي) أي يعزِب. حكاه القرطبي. وقوله: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾. قال ابن جرير: (زنة ذرة في السماوات ولا في الأرض. لا يغيب عنه شيء من زنة ذرة فما فوقها فما دونها أين كان في السماوات ولا في الأرض: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقول: هو مثبت في كتاب يبين للناظر فيه أن الله تعالى ذكره قد أثبته وأحصاه وعلمه فلم يعزب عن علمه).
وفي قراءة الأعمش: ﴿ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ﴾ بالفتح، والرفع أشهر عند القراء.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
لقد أثبت ذلك سبحانه في الكتاب المبين كي يثبت الذين آمنوا بالله ورسوله - وعملوا بما أمرهم الله ورسوله به، وانتهوا عما نهاهم عنه - على طاعتهم ربهم والقيام بواجبات دينهم، حتى يَحْظَوا بمغفرة ذنوبهم والرزق الكريم وهو الجَنَّة ونعيمها.
قال قتادة: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: لذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: في الجَنَّة).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ - فيه تأويلان:
التأويل الأول: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾. أي لا يعجزون. قاله قتادة.
стр. 3680
التأويل الثاني: قيل بل ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: أي مسابقين. يقال: عاجزه وأعجزه إذا غالبه وسبقه.
قال القرطبي: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي في إبطال أدلتنا والتكذيب بآياتنا ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة).
وقال ابن زيد: (﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾، قال: جاهدين ليهبطوها أو يبطلوها وهم المشركون، وقرأ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾).
وكلا المعنيين حق، فهم يحاولون المعاجزة بجحودهم ولكنهم لا يعجزون، ويجهدون لإبطال الحق ولكن ينقلب السحر على الساحر.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.
قال قتادة: (الرجز: سوء العذاب، الأليم: الموجع).
وقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾.
قال مقاتل: (الذين أوتوا العلم هم مؤمنو أهل الكتاب). وقال ابن عباس: (هم أصحاب محمد ﷺ ). وقيل: (جميع المسلمين).
فلما ذكر سبحانه الذين سعوا في إبطال النبوة وإنكار البعث والحساب والجزاء ونوال الثواب ونكال العقاب يوم القيامة، بيَّن أن الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق ويدافعون عن دينهم ونبيهم ما يحاوله المشركون من النيل منهم، وأنهم إذا عاينوا قيام الساعة وفصل الحساب بمجازاة الأبرار والفجار بما كانوا علموه من كتب الله أنه واقع لا محالة قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢].
﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦].
﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣].
وهذا الحق يهدي إلى صراط العزيز الذي لا يغالب، والحميد في أقواله وأفعاله وأمره ونهيه، وعند خلقه، فأياديه عندهم ونعمه لديهم.
٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ