لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (١).
وفي مسند الإمام أحمد بسند قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]] (٢).
وقال ابن زيد: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾: بأعمالهم الواحد عشر، وفي سبيل الله بالواحد سبعُ مئة). وقرأها الجمهور "جزاءُ الضعف"، وقرأها الزهري ونصر بن عاصم "جزاءًا لضعف".
وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. أي: في غرفات الجنان، آمنون من عذاب الله.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾. أي: يعملون محاولين إبطال حججنا وآي كتابنا، مريدين إطفاء نوره وإشاعة الباطل في الأرض، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم أو يعجزوننا فليعلموا أنهم ﴿فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾.
المعنى: إن الله قسم الأرزاق في الحياة الدنيا وفي الدار الآخرة، فهو يوسع الرزق ويقتره كيف يشاء بحكمته وعلمه - جلَّت أسماؤه وصفاته - امتحانًا لعباده، فلا يدل شيء من هذا القَسْم في الأرزاق بينهم في الدن يا على ما في العواقب، فسعة الرزق في الدنيا لا تدل على سعة الرزق أو سعادة الآخرة ولكن أكثر الناس لا يتأملون ذلك فلا يعلمون.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. أي: لكن الإنفاق في سبيل الله والعمل الصالح مكنوز لصاحبه يفرح به يوم يلقى ربه.
وقال سعيد بن جبير: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، قال: ما كان في غير إسراف ولا تقتير).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أما من يوم
стр. 3712
يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخَرُ: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (١).
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن خباب، عن النبي ﷺ قال: [كل نَفَقَةٍ يُنْفقها العبد يُؤجَرُ فيها إلا البنيان] (٢).
ويبدو أن المقصود الإسراف في أمر البناء وكثرة الاهتمام بالعمران أكثر من حاجة العبد. قال القرطبي: (وأما البنيان فما كان منه ضروريًا يكن الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه).
وقد ذكر أن ابنًا لمحمد بن سيرين بنى دارًا وأنفق فيها مالًا كثيرًا، فذكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال: (ما أرى بأسًا أن يبني الرجل بناء ينفعه).
قلت: لقد جاء في الحديث الصحيح - الذي رواه البيهقي عن أبي هريرة - عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائِل المُلْحِفَ، ويحب الحييَّ العفيف المتعفف] (٣). وله شاهد عنده من حديث عمران بن حصين بلفظ: [إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمتِه على عبده]. وإن من آثار النعمة البناء الحسن والثياب الحسنة ما دام قد اجتنب الإسراف والخيلاء.
٤٠ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ
стр. 3713
كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾.
في هذه الآياتِ: تبرئة الله الملائكة كما برأ عيسى بن مريم يوم نسبوا له ولأمه الإلهية، وأكَّد أن هؤلاء قد وقعوا في عبادة الجن، وفيه ردٌّ على من يلبسه الجن ويتعامل معه ويزعم الإنسي أن من يأتيه هو ملك يعلمه من الغيب، فهدّدهم جميعًا في أرض المحشر، فاليوم لا يملك بعضكم أيها الملائكة للذين كانوا يعبدونكم في الدنيا أو يعبدون الجن نفعًا ينفعون به أنفسهم ويخلصوها من عذاب جهنم، ذوقوا ما كسبتم: فإنهم كانوا إذا سمعوا القرآن اتهموه بالإفك والكذب أو السحر ليخلصوا من تبعة أوامره ونواهيه، فتعاملوا مع الحق باستهزاء وما عندهم كتب منزلة تثبت ما يدعونه أنه سحر، ولا بُعث إليهم نبي قبل محمد ﷺ ، وما بلغوا عشر ما أعطينا من قبلهم الذين دمرناهم بكفرهم، فانظر يا محمد كيف كان تغييري بهم وعقوبتي.
فقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.
قرأها نافع: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول﴾ بالنون.
وعن قتادة: (﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؟ استفهام كقوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]). وهذا فقه من قتادة بهذا الربط بين الآيتين، فبرأ الله عيسى والملائكة.
وقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. أي: أكثرهم بالجن مصدقون يزعمون أنهم بنات الله، تعالى الله عما يشركون وعما يفترون.
وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فاليوم لا يملك بعضكم أيها الملائكة للذين كانوا في الدنيا يعبدونكم نفعًا ينفعونكم به ولا ضرًّا ينالونكم به أو تنالونهم به).
وقوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي فها أنتم قد وردتموها ببغيكم وشرككم وصرفكم العبادة والتعظيم لغير الله العلي العظيم، فذوقوا حرها ولهيبها مقابل ما ارتضيتم لأنفسكم منهجًا يسخط الله تعالى.
стр. 3714
فكأن الملائكة قالوا سبحانك يا إلهنا تنزهت أسماؤك وتقدست عن أن يكون معك إله، أنت ولينا من دونهم نبرأ إليك من فعل هؤلاء فنحن عبيدك، بل كانوا يعبدون الشياطين من الجن الذين أضلوهم وزينوا لهم ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (أي تبرأ الملائكة من عابديهم بغير حق).
فاليوم لا يملك بعضكم لبعض شفاعة ونجاة أو عذابًا وهلاكًا، أي لا يملك بعضكم للآخر نفعًا ولا ضرًا. ونقول: ذوقوا جزاءكم فقد كان القرآن يتلى عليكم فتقولون ما هذا إلا [رجل] يعنون محمدًا ﷺ مغاير لنهج الآباء في الآلهة التي كانوا يعبدونها، فتارة تقولون لما جاءكم به إفكًا وتارة تقولون سحرًا. فقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: قال: ابن جرير: (يبين لمن رآه وتأمله أنه سحر).
فكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ أي: فما أنزلنا على هؤلاء المشركين القائلين عن القرآن إنه سحر كتبًا يدرسونها. قال قتادة: (أي يقرؤونها).
قال القرطبي: (أي لم يقرؤوا في كتاب الله بطلانَ ما جئت به ولا سمعوه من رسول بعث إليهم، كما قال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ [الزخرف: ٢١]).
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾. قال قتادة: (ما أنزل الله على العرب كتابًا قبل القرآن ولا بعث إليهم نبيًا قبل محمد ﷺ ).
وقد سلك من قبلهم مسلكهم فكذبوا ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. قال ابن عباس: (من القوة في الدنيا). وفي رواية عنه: (وما جاوزوا معشار ما أنعمنا عليهم).
أي ما بلغ مشركو قريش عشر ما أعطى الله من قبلهم ومكنهم، ومع ذلك لما طغوا أهلكهم، قال ابن زيد: (ما بلغ هؤلاء أمة محمد ﷺ معشار ما آتينا الذي من قبلهم وما أعطيناهم من الدنيا وبسطنا عليهم. قال: وقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ يقول: فكذبوا رسلي فيما أتوهم به من رسالتي فعاقبناهم بتغييرنا بهم ما كنا آتيناهم من النعم، فانظر يا محمد كيف كان نكير. يقول: كيف كان تغييري بهم وعقوبتي). وقال النقاش: (ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم). وقيل: (ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان).
والمعشار والعشر لغتان، والمعنى واحد. وقيل: المعشار عشر العشر. وقيل:
стр. 3715
المعشار عشر العشير، والعشير عشر العشر، فيكون جُزءًا من ألف جزء فالمراد المبالغة. قال ابن عباس. (فليس أمة أعلمَ من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه).
قال القرطبي: (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: أي عقابي في الأمم، وفيه محذوف وتقديره: فأهلكناهم فكيف كان نكيري).
٤٦ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾.
في هذه الآياتِ: يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين المعاندين من قومك: إنما أعظكم بواحدة، وهي طاعة الله سبحانه، بأن تقوموا اثنين اثنين وفرادى فرادى رجلًا ورجلين يقوم الرجل مع الآخر فيصدقان الحديث هل علمتم بمحمد ﷺ جنونًا ثم ينفرد كل بنفسه ليقرأ حديث نفسه أن محمدًا صادق وما يريد من أجر إلا رضا ربه ، فلم يسألكم مالا ولا سلطانًا والله شهيد على حقيقة ما يقول. ثم قل لهم يا محمد: إن ربي يقذف بالحق وهو الوحي يقذفه في قلب نبيّه فهو علام ما يغيب وما لم يكن مما هو كائن، والباطل لا ينشئ خلقًا، والباطل إبليس، فلا يستطيع إعادة حياة بعد فنائها، فقل لهم: إن ضَلَلْتُ عن الهدى فضلالي على نفسي، وإن استقمت فبوحي الله وتوفيقه، وهو السميع لما أقول القريب ممن يكلمه. ولو ترى يا محمد مصير هؤلاء المكذبين في الدنيا إذ يحصدهم المؤمنون يوم بدر ثم يفزعون يوم المحشر إذا عاينوا عذاب الله فلا يعجزوننا هربًا ولا فوت لهم ولا نجاة من
стр. 3716
النار، وأخذهم من قرب فالكل قريب منه فلا ينفعهم إيمان بعد رؤية العذاب، وقد تركوا الإيمان في الدنيا وحاربوا أهله وعطلوا الحكم بأمر الله وتحاكموا لأهوائهم، فإنى لهم من مكان بعيد - من الآخرة إلى الدنيا - أن يحدثوا توبة وقد فات الأمر وحيل بينهم وبين الرجوع للدنيا، كما فُعل بمن قبلهم من الكفار الذين قضوا حياتهم في ريب وشك بالله والآخرة.
فقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾. قال مجاهد: (بطاعة الله)، ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ قال: (واحدًا واثنين). وقال السدي: (وُحدانًا ومجتمعين). وقال قتادة: (رجلًا ورجلين). و ﴿أَنْ﴾ في محل جر بدلًا من الواحدة، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي، أي: (هي أن تقوموا). واختار الزجاج أن تكون بموضع نصب بمعنى لأن تقوموا.
والقيام: المقصود به، القيام لطلب الحق، وليس مضاد القعود. كما قال جل ذكره: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧].
وقيل: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ (منفردًا برأيه ومشاورًا لغيره). وقيل: (مناظرًا مع غيره ومفكرًا في نفسه). وقيل: (المثنى عمل النهار والفرادى عمل الليل) - حكاه الماوردي.
قال القرطبي: (وقيل: إنما قال مثنى وفرادى لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلًا أوفرهم حظًا من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مثنى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد والله أعلم).
وقال ابن جرير: (يقوم الرجل منكم مع آخر فيتصادقان على المناظرة، هل علمتم بمحمد ﷺ جنونًا قط، ثم ينفرد كل واحد منكم فيتفكر ويعتبر فردًا هل كان ذلك به فتعلموا حينئذ أنه نذير لكم).
قلت: وإنما وعظهم القيام للدعوة والتماس الحق مثنى وفرادى وليس مع العامة لأن الجموع الكثيرة مظنة الضياع والفوضى ولا تكاد تجدها على الحق.
وعند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، الوقوف هنا، عند أبي حاتم وابن الأنباري.
وقيل: ليس بوقف لأن المعنى: ثم تتفكروا هل جربتم على صاحبكم كذبًا أو رأيتم فيه جِنَّة أو في أحواله من فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدعي العلم بالسحر، أو تعلم الأقاصيص وقرأ الكتب أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على معارضته في سورة واحدة، فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة؟ حكاه القرطبي.
стр. 3717
ثم قال : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: [صعد النبي ﷺ الصفا ذات يوم فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبّحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا بلى. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾] (١).
وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾. قال قتادة: (يقول لم أسألكم على الإسلام جُعلًا).
وقو: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. قال أبو جعفر: (ما ثوابي على دعائكم إلى الإيمان بالله والعمل بطاعته وتبليغكم رسالته إلا على الله).
وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: والله على حقيقة ما أقول لكم شهيد يشهد لي، وهو كذلك شهيد على كل ما يجري في هذا الكون.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. قال ابن عباس: (أي يقذف الباطل بالحق علام الغيوب). وعن قتادة: (﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي بالوحي ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ أي القرآن ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ والباطل إبليس: أي ما يخلق إبليس أحدًا ولا يبعثه).
وقال ابن زيد: (يزهق الله الباطل ويثبت الله الحق الذي دمغ به الباطل. وقرأ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨]).
وقرأ عيسى بن عمر "علّامَ الغيوب" على أنه بدل، والمعنى: قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. وأما الرفع فهو على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
وقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾. قال قتادة: (يريد القرآن). وقيل جاء صاحب الحق، أي الكتاب وما فيه من حجج. ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾. قال قتادة: (الشيطان، أي ما يخلق الشيطان أحدًا) وما يعيد.
стр. 3718
قال القاسمي ﵀: (فإنه ما دام موجودًا إما أن يبدئ فعلًا أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة).
وقيل: ﴿مَا﴾ استفهامية، أي جاء الحق فأي شيء بقي للباطل؟ كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، أي لا ترى، والله أعلم.
وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁: [أنه لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾] (١).
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾. قال القرطبي: (وذلك أن الكفار قالوا تركت دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من الحكمة والبيان، أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة).
وقيل وجه النظم: قل إنَّ ربي يقذف بالحق ويُبَيِّنُ الحجة، وضلال من ضل لا يبطل الحجة، ولو ضللت لأضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة الله وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سميع قريب.
قلت: وهذا تأويل لطيف فيه صلة قوية بما قبله من الآياتِ.
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ - فيه أكثر من تأويل:
١ - قال ابن عباس: (هذا من عذاب الدنيا).
٢ - وقال ابن زيد: (هؤلاء قتلى المشركين من أهل بدر، نزلت فيهم هذه الآية. قال: وهم الذين بدّلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم، أهل بدر من المشركين).
٣ - وقال سعيد بن جبير: (هم الجيش الذي يخسف بهم بالبيداء يبقى منهم رجل يخبر الناس بما لقي أصحابه، فيفزعون، فهذا هو فزعهم).
٤ - وقال الحسن: (فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم).
стр. 3719
٥ - وقال السدي: (هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فرارًا ولا رجوعًا إلى التوبة).
وخلاصة المعنى: ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين إذا نزل بهم عذاب من الله من قتل أو بأس أو موت فيفزعون عند معاينته فلا فوت ولا هرب منه، فقد كانوا إذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما يعبد آباؤكم.
وقوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾. قال ابن عباس: (فلا نجاة). وقال الضحاك: (لا هرب).
وقو: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. أي من القبور. وقيل: حيث كانوا فهم من الله قريب. وقيل: أخذوا من جهنم فألقوا فيها. وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها عند فزع القيامة. وجميعها أقوال يحتملها البيان الإلهي.
وقوده: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾. قال مجاهد: (قالوا آمنا بالله). وقال قتادة: (﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ قال: بالرسول ﷺ . يعني حين عاينوا عذاب الله). وقال الحسن: (بالبعث). وقيل: بالقرآن. وقال ابن زيد: (﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ بعد القتل ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال: هؤلاء قتلى أهل بدر من قتل منهم وقرأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴿(٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ ...... ﴾ الآية. قال: التناوش: التناول، وأنى لهم تناول التوبة من مكان بعيد وقد تركوها في الدنيا. قال: وهذا بعد الموت في الآخرة).
قلت: وكلها أقوال متقاربة يحتملها البيان الإلهي تزيد في وضوح المعنى ويقتضيها الإعجاز.
وعن ابن عباس: (﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ قال: يسألون الردّ وليس بحين ردّ).
وقال الضحاك: (التناوش الرجعة، أي يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا وهيهات من ذلك).
وقد قرأها قراء المدينة ﴿التَّنَاوُشُ﴾، وقراء البصرة والكوفة ﴿التناؤش﴾ بمعنى التنؤش، وهو الإبطاء، وهما قراءتان مشهورتان، والعرب تقول للقوم في الحرب إذا دنا بعضهم من بعض بالرماح ولم يتلاقوا: قد تناوش القوم.
فيكون المعنى: فمن أي وجه لهم التناوش والرجعة أو تناول التوبة عند معاينة العذاب أو القتل، فإن الإيمان لن يقبل منهم حينئذ، كما قال في موضع آخر: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ وكقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى
стр. 3720
النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]. وكقوله جل ثناؤه: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة: ١٢].
ثم قال: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: (من الآخرة إلى الدنيا).
وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. قال قتادة: (أي بالإيمان في الدنيا، ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: أي يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار).
وعن مجاهد: (﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال: قولهم ساحر، بل هو كاهن بل هو شاعر). وقال ابن زيد: (﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال: بالقرآن).
وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾. - فيه أقوال:
١ - قال الحسن: (حيل بينهم وبين الإيمان بالله).
٢ - وقال مجاهد: (من الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا).
٣ - وقال قتادة: (كان القوم يشتهون طاعة الله أن يكونوا عملوا بها في الدنيا حين عاينوا ما عاينوا).
٤ - وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون من مال وولد وزهرة الدنيا.
قال مجاهد: (من مال أو ولد أو زهرة).
٥ - وقال ابن زيد: (﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ في الدنيا التي كانوا فيها والحياة).
قلت: والبيان الإلهي يحتمل كل ما مضى من تأويل، والإعجاز القرآني يقتضيه.
والأشياع: جمع شِيَع. وشِيعَ: جمع شيعة. فأشياع هي جمع الجمع. فيكون المعنى أن الله سبحانه عاقبهم على تكذيبهم للحق في الدنيا وتعظيم نفوسهم وشهواتهم فوقه بأن منعهم من الإيمان عند نزول العذاب، وبان منعهم من أسباب النجاة والسعادة في الآخرة، ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ من الأمم الكافرة.
فعن ابن أبي نجيح: (﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الكفار من قبلهم).
وقال قتادة: (أي في الدنيا كانوا إذا عاينوا العذاب لم يقبل منهم إيمان).
أي: لأنهم كانوا في شك من نزول العذاب فحيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا
стр. 3721
من أموالهم وأهليهم لما سلط الله عليهم العذاب والقتل الذي كانوا منه في شك مريب: أي موجب لصاحبه ما يريبه من مكروه. وكذلك حيل بينهم وبين ما يشتهون من السعادة في الآخرة.
وفي لغة العرب: أراب الرجل إذا أتى ريبة وركب فاحشة، فأرابه أوقعه في ريبة وتهمة، فهو للمبالغة في الشك.
تم تفسير سورة سبأ بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه
* * *
стр. 3722
دروس ونتائج وأحكام
١ - بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن.
٢ - بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا.
٣ - ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة.
٤ - المنسأة: العصا بلغة الحبشة، والمقصود بدابة الأرض: الأرضة.
٥ - سبأ: رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة.
٦ - إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، دماذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة.
٧ - عجبًا للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيرًا له.
٨ - إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان.
٩ - الفتاح العليم: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.
١٠ - بعث نبينا ﷺ إلى الأحمر والأسود: الجن والإنس، والعرب والعجم.
١١ - إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
١٢ - ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا.
١٣ - إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يجب أن يرى أثر نعمته على عبده.
١٤ - فلا فوت: فلا نجاة ولا هرب. والأشياع: جمع شِيع، وشِيع: جمع شيعة.
١٥ - حيل بينهم وبين ما يشتهون: أي من الأهل والأموال والنجاة وسعادة الآخرة.
стр. 3723
٣٥ - سُوْرَةُ فَاطِرٍ
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٥).
وسميت فاطر لذكر هذا الاسم الجليل في طليعتها، وهي ختام السور المفتتحة بالحمد.
موضوع السورة
مفاتيح الخير والعزة بيد الله العظيم
فاطر السماوات والأرض ومخزي الكافرين
- منهاج السورة -
١ - الثناء على الله تعالى فاطر السماوات والأرض، منشئ الملائكة بأجنحة يطيرون بها، جعلهم رسلًا بينه وبين المرسلين.
٢ - إثبات مفاتيح الخير ومغاليقه بيده تعالى، فما يفتح لا مغلق له، وما يغلق لا فاتح له.
٣ - تذكير قريش بنعم الله عليهم لِيُفْرِدُوه بالعبادة والتعظيم، وتحذيره لهم غرور الحياة الدنيا ومصير الأولين الهالكين، وتسليةٌ لنبينا الكريم ﷺ .
стр. 3724
٤ - تأكيد هلاك وعذاب الكافرين، ونجاة ومغفرة ذنوب المؤمنين، ولهم في الآخرة الأجر الكريم.
٥ - إرسال الله الرياح بشرًا تثير سحابًا فيحيي بالماء المنهمر الأرض الميتة، وكذلك يحيي سبحانه الموتى وإليه النشور.
٦ - العزة لله وحده، وإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه.
٧ - لا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله، والماكرون لهم عذاب شديد، ومرد مكرهم سيكون عليهم.
٨ - ذكر أطوار الخلق: من تراب ثم من نطفة، ثم التناسل، فالحمل، فالوضع، وكل في كتاب مبين.
٩ - آية الله العظيمة في اختلاف مياه البحرين: المالح والعذب، وفي استخراج اللحم والحلي وجريان الفلك.
١٠ - آية الله الكبيرة في تعاقب الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر.
١١ - ذمُّ الله تعالى آلهة المشركين العاجزة عن كل ما سبق من الآياتِ الكونية، وذمّ المشركين الذين يدعونها من دون الله العليم القوي السميع البصير.
١٢ - إثبات الله تعالى فقر عباده إليه، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأنه لا يستوي أهل الحق وأهل الباطل، وأنه لا يسمع الموتى، وأن الكافرين لهم عذاب اليم.
١٣ - توجيه الله تعالى عباده إلى التفكر في عظيم خلقه، وإنما يخشاه تعالى من عباده العلماء.
١٤ - وَعْدُ الله تعالى أهل القرآن والعمل بما فيه برضوانه وجناته يوم القيامة.
١٥ - أصناف هذه الأمة ومنازلهم في تلقي الحق من الله وتعظيم هذا الوحي الكريم، والكافرون يصطرخون في النار يرجون العودة لاستئناف الإيمان والعمل الصالح ولكن دون جدوى فقد مضى أمر الله العظيم.
١٦ - تحذير الله المشركين مغبة كفرهم وعنادهم، وتسفيهه تعالى آلهتهم العاجزة، وتنبيهه تعالى أنه هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا وليس ما يدعون من دونه.
стр. 3725
١٧ - إقسام المشركين بالله جهد أيمانهم أن لو جاءهم منذر من الله لسلكوا طريق الحق وكانوا أهدى من إحدى الأمم التي مضت، فلما جاءهم محمد ﷺ استكبروا ونفروا وصدوا وكانوا من شر الأمم التي غوت.
١٨ - ثبات سنة الله في الأولين والآخرين، ولن تجد لسنة الله تبديلًا أو تحويلًا.
١٩ - التنبيه إلى النظر في مصير الأمم الماضية المكذبة، وشدة ما كانوا فيه من البأس والقوة، فدكهم عذاب الله ودمَّرهم تدميرًا.
٢٠ - امتنان الله على عباده تأخير انتقامه منهم عند استكبارهم لعلهم إليه يرجعون، وإلى طاعته يقبلون، فإن أصروا باغتهم عذابه من حيث لا يشعرون.
* * *
стр. 3726
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٦. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.
في هذه الآياتِ: كل الحمد لله والشكر كله له، فلا تصلح العبادة إلا له، فهو مبدع السماوات والأرض من العدم، ومنشئ الملائكة بأجنحة يطيرون بها، جعلهم رسلًا بينه وبين أنبيائه ليبلغوا عنه مراده من أمره أو نهيه، منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة أو أربعة، فيزيد كما يشاء في الخلق، فهو القدير لا شبيه له في قدرته، ومفاتيح الخير ومغاليقه كلها بيده، فما يفتح لا مغلق له، وما يغلق لا فاتح له، فعنده خزائن السماوات والأرض يبسط الرزق بحكمته، فاذكروا أيها المشركون من قريش نعم الله عليكم، وتفكروا هل من خالق سواه يبسط ويغلق؟ ! فافردوه بالتوجه والعبادة، فقد كذب أمم قبلكم فهلكوا، فمردكم جميعًا إلى الله، ولا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش والملك، فإنما ذلك زائل فلا يبقى ملك ولا سلطان، وإنما ذلكم الشيطان يريد أن يوقعكم في مصائده لتهلكوا وتكونوا من أصحاب السعير.
وقوله: ﴿فَاطِرِ﴾ بالجر، صفة لله سبحانه. وقيل يجوز فيها الرفع والنصب، حكاه القرطبي. فبالرفع تكون خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره "هو"، وبالفتح تكون منصوبة على المدح.
стр. 3727
والفَطْرُ لغة: الابتداء والاختراع، والفاطر: الخالق، والفَطْرُ أيضًا: الشق عن الشيء، وتفطّر الشيء إذا تشقق، والمراد بذكر السماوات والأرض العالم كله، والمراد والله تعالى أعلم أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. قال قتادة: (بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة). وقوله: ﴿رُسُلًا﴾ مفعول به ثان لجاعل. ومن هؤلاء الرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈ أجمعين.
وقرأ الحسن: "جاعلُ الملائكة" بالرفع. فجعلهم سبحانه رسلًا.
قال يحيى بن سلام: (إلى الأنبياء). وقال السدي: (إلى العباد برحمة أو نقمة).
وقد حكى ابن جرير اختلاف أهل العربية في علة ترك إجراء مثنى وثلاث ورباع. فقال بعض نحويي البصرة: (ترك إجراؤهن لأنهن مصروفات عن وجوههن، وذلك أن مثنى مصروف عن اثنين وثلاث عن ثلاثة ورُباع عن أربعة).
وقال آخر منهم: (لم يصرف ذلك لأنه يوهم به الثلاثة والأربعة. قال: وهذا لا يستعمل إلا في حالة العدد). وقال بعض نحوي الكوفة: (هن مصروفات عن المعارف لأن الألف واللام لا تدخلها والإضافة لا تدخلها). وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾.
وقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. قال السدي: (يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء).
فالمقصود أن هؤلاء الملائكة خلقهم سبحانه ذوي أجنحة متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لَهُم من المراتب ينزلون بها ويعرجون - أي يسرعون بها. ولذلك قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أي يزيد كيف يشاء في خلق الأجنحة وفي تركيب هؤلاء الملائكة ووظائفهم فهو على كل شيء قدير.
فمن الملائكة من اختصهم الله بالاستغفار للمؤمنين والصلاة عليهم، ومنهم من اختصهم سبحانه بحمل عرشه، ومنهم من اختصهم بالاصطفاف مع المؤمنين في صلاتهم، ومنهم من اختصهم بالحج في البيت المعمور في السماء السابعة، ومنهم مختصون بالقتال مع المؤمنين في ساحات المعارك، ومنهم ملائكة جوّالون يلتمسون من يذكر الله وحلق الذكر والعلم، ومنهم من يبيتون مع المؤمنين في فرشهم ويلامسون أجسامهم إذا ناموا متطهرين، ومنهم من اختصهم سبحانه بالسجود في طبقات السماوات المختلفة، ومنهم مرافقة مسلحة لبعض المؤمنين ممن تعاطوا أسباب هذه
стр. 3728
المرافقة، إلى غير ذلك من الوظائف، وقد فصلتها مع أدلتها في كتابي: أصل الدين والإيمان، عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، في بحث الإيمان بالملائكة، فلله الحمد والمنة.
وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾.
قال قتادة: (أي من خير فلا ممسك لها فلا يستطيع أحد حبسها). وقال الضحاك: (هو الدعاء). وقال ابن عباس: (من توبة). وقيل: من توفيق وهداية.
وقوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فأنَّث ﴿مَا﴾ لذكر الرحمة، وقوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ فذكّر لفظ ﴿مَا﴾ لأن لفظه لفظ مذكر. قال أبو جعفر: (ولو أنَّث في موضع التذكير للمعنى، وذكّر في موضع التأنيث للفظ لجاز، ولكن الأفصح من الكلام التأنيث إذا ظهر بعد ما يدل على تأنيثها، والتذكير إذا لم يظهر ذلك).
والآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: هو العزيز فينتقم بحبس رحمته وخيراته عمن عانده وآثر معصيته وسخطه، وهو الحكيم في تدبير شؤون خلقه وفتحه لهم من رحمته أو إمساكه عنهم، كل ذلك يمضي ضمن حكمته فتبارك الله العزيز الحكيم.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. الخطاب لمشركي قريش: أن اذكروا نعم الله عليكم فهل من خالق سواه يبسط ويغلق، فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
ففي الصحيحين والمسند من طريق ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: [أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة حين يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ثلاث مرات، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدّ] (١).
فتفكروا أيها القوم هل من سبيل إلى الرزق من غير الله سبحانه، فهو المعطي وهو المانع، فأفردوه بالعبادة والألوهية والتعظيم، وهو قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى
стр. 3729
تُؤْفَكُونَ﴾. قال قتادة: (يقول الرجل: إنه ليوفك عني كذا وكذا). وهو من الأَفْكِ وهو الصرف. وقيل من الإفك: وهو الكذب. قال القرطبي: (أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله). وقال ابن جرير: (فأي وجه عن خالقكم ورازقكم الذي بيده نفعكم وضركم تصرفون).
وهذه الآية حجة على القدرية إذ يثبتون معه خالِقِين، والله نفى خالقًا غيره، فقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. وقرأ حمزة والكسائي بالجر: "هل من خالق غيرِ الله". وبقية القراء بالرفع، بمعنى ما خالقٌ إلا الله، أو في محل رفع صفة، والتقدير: هل خالق غير الله. ويجوز النصب على الاستثناء.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
قال قتادة: (يعزي نبيّه كما تسمعون).
أي: فإن كذبوك يا محمد فلك بمن سلفك من الأنبياء أسوة، كذبهم أقوامهم فعاقبهم الله بتكذيبهم، فليس قومك بدعًا من الأقوام في التكذيب والكفر، ثم إلى الله تصير الأمور.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: فيا أيها المكذبون إنكم ستقدمون على لقاء حق، فالبعث والثواب والحساب والعقاب ونار جهنم حق. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جرير: (يقول: فلا يغرنكم ما أنتم فيه من العيش في هذه الدنيا ورياستكم التي تترأسون بها في ضعفائكم عن اتباع محمد والإيمان).
وقال سعيد بن جبير: (غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: يا ليتني قدمت لحياتي).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء] (١).
فشبه ﵊ هذه الدنيا بالفاكهة الحلوة المذاق، والخضرة المنظر
стр. 3730
واللون، وحذر من أن يتعلق قلب المؤمن بها، فالمؤمن في خوف دائم من مصائدها التي يُسخط الوقوع بأحبلها ربه .
وأخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لما خلق الله الجَنَّة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي ربِّ! وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفَّها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، ثم نظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق الله النار، قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخُلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب، فنظر إليها فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها] (١).
وقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال ابن عباس: (الشيطان). وقال سعيد بن جبير: (الغرور بالله أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنى على الله المغفرة).
وقد قرأها أبو حَيْوة وغيره: "الغُرور" بضم الغين، وهو الباطل. أي: لا يغرنكم الباطل. وقد نقل القرطبي عن ابن السكيت قوله: (الغرور ما اغترّ به من متاع الدنيا). في حين هي في قراءة جمهور القراء "الغَرور" بالفتح، وهو الشيطان. والغرور جمع غَرّ، وغررته متعد، نحو ضربته ضربًا.
وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
فعن قتادة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾: فإنه لحق على كل مسلم عداوته، وعداوته أن يعاديه بطاعة الله. ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ وحزبه أولياؤه ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي ليسوقهم إلى النار فهذه عداوته).
وقال ابن زيد: (﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: هؤلاء حزبه من الإنس يقول: أولئك حزب الشيطان، والحزب: ولاته الذين يتولاهم ويتولونه، وقرأ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾).
فأخبر سبحانه عن أصالة عداوة إبليس منذ أن أخرج آدم من الجَنَّة وضمن إضلال ذريته بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، وقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ
стр. 3731
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾، وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فكيف مع هذه العداوة البينة يتولاه كثير من الناس ويطيعونه! وقد فطن بعض أهل العلم لهذه المخادعة، فكان الفضيل بن عياض يقول: (يا كذاب يا مُفْتَرٍ، اتق الله ولا تَسُبَّ الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر).
وكان ابن السماك يقول: (يا عجبًا لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته) - نقله القرطبي ﵀.
٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾.
في هذه الآياتِ: لما ذكر سبحانه الشيطان وحزبه ومصيرهم أتبع الكافرين الذين خضعوا للشيطان وحزبه ذلك المصير المؤلم، ونجّى المؤمنين خصوم الشيطان وحزبه الذين عاندوا الشيطان باعمالهم الصالحة وبتعظيمهم حرمات الله وحراسة الحق ونصرته، فلا تتحسر يا محمد على من يسيء إلى الحق ويعيش على النفاق والمخادعة، ويوهم من حوله ويوهم نفسه أنه يحسن صنعًا، وهو في حقيقة الأمر قد أضله الله، فهو العليم بما يبيتون وبما يصنعون، فلا تأسف عليهم فالله بعلمه التام وحكمته البالغة يضل من يشاء ويهدي من يشاء، كل ذلك قد عَلِمه وقدّره، فإن أنكروا البعث فذكرهم أن الله يرسل رياحًا فتثير سحابًا فيمطر أرضًا ميتة فيحييها بعد ما كانت هامدة لا حياة بها، وكذلك البعث بعد الموت، فمن أراد النجاة في الآخرة فلا طريق إلا بطاعة الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتعظيم شرعه، فهذا طريق العزة في الدنيا والآخرة، وكل مكر سيحيق بأهله وسيرتد عليهم نقمًا وعذابًا.
стр. 3732
فقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يكون - الذين - في محل جر: بدلًا من قوله: ﴿مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أو بدلًا من "حزبَه". فيكون في محل نصب، أو في محل رفع مبتدأ خبره قوله تعالى: (﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في محل رفع على الابتداء أيضًا وخبره: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. وقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. قال قتادة: (وهي الجَنَّة).
وقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال قتادة: (الشيطان زين لهم ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي لا يحزنك ذلك عليهم فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء).
وقال ابن زيد: (الحسرات: الحزن، وقرأ قول الله: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾). قال ابن جرير: (وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات اكتفاء بدلالة قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ منه).
ووقع قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ موضع الجواب. وقد قرأها الجمهور: "فلا تَذْهَب نفسك"، وقرأها أبو جعفر المدني وشيبة: "فلا تُذْهِب نفسك" والأول أصح وعليه إجماع القراء.
فالمراد هنا - والله تعالى أعلم - كفار قريش، كما قال في موضع آخر: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ أي من شدة النصح كأنك قاتل نفسك، وقد قال له في موضع آخر يسليه: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾، وقال في موضع ثالث: (﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. قال قتادة: (يرسل الرياح فتسوق السحاب فأحيا الله به هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك يبعثه يوم القيامة).
وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. أي: فينشر الله سبحانه الموتى بعد بلائهم في قبورهم فيحييهم كما أحيا الأرض الميتة بالغيث والقطر فهو على كل شيء قدير، وهو قوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
فيكون المقصود من المعنى: أي: فليتهيؤوا وليتعززوا بطاعة الله، فكل سبيل آخر مآله إلى المذلة والهوان كعبادة الأهواء والأصنام والأوثان.
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾. قال مجاهد: (يقول: من كان يريد العزّة بعبادته
стр. 3733
الآلهة). ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. قال قتادة: (يتول: فليتعزز بطاعة الله).
وقيل: من كان يريد علم العزة لمن هي فإنها لله كلها. وخلاصة المعنى: أنَّ الله سبحانه وبّخَ المشركين على عبادتهم الأوثان، ووبخهم على عبادتهم الطاغوت، ونعتهم بالكفر إذا تحاكموا لغير شرعه ومنهاجه، ودعاهم إلى العزة بمعناها الحقيقي وهي التعزز بالله وذكره وعبادته لا بالمال ولا بالسلطان ولا بالولد ولا بزينة الحياة الفانية، فإليه يرفع العمل الصالح، وهو الذي يعكسه عزًا وقوة في حياة صاحبه.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ - فيه تفاسير:
التفسير الأول: أن يكون قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قد تم. ثم تستأنف القراءة بقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. فيكون المعنى: إلى الله يصعد الكلم الطيب، والله هو يرفع العمل الصالح وصاحبه.
قال قتادة: (لا يقبل الله قولًا إلا بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه).
قلت: إن صح هذا عن قتادة فلا بد من تأويله، لأن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله وقال كلامًا طيبًا فإنه مكتوب له متقبل بإذن الله، فيحمل قول قتادة على عدم حيازة درجة القبول الكلية لفقدانه العمل فيأخذ أجر القول والله أعلم.
التفسير الثاني: أن يكون الكلام متصلًا، فيكون المعنى أن العمل الصالح هو يرفع الكلم الطيب، أي أن العمل الذي صدّق القول قد حمّله الله قوة ومصداقية لما تطابق مع القول، فيحمل العملُ القولَ إلى الله فيصعد به فيستقبله الله جل ثناؤه.
قال ابن عباس: (الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه. فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه حُمِل عليه ذكر الله، فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رُدَّ كلامه على عمله فكان أولى به).
وقال ابن عباس ومجاهد: (المعنى والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب).
قال القرطبي: (وإنما يستقيم قول من يقول: إن العمل هو الرافع للكلم، بأن يتأول أنه يزيده في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه).
وذكر قول ابن المقنع: (قول بلا عمل، كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر).
وأنشد بعضهم:
стр. 3734
لا ترض من رجل حلاوةَ قوله ... حتى يُزيّنَ ما يقول فعال
فإذا وزنت فعاله بمقاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جمال
التفسير الثالث: أن يكون الكلم الطيب هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح، إذ لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد، فقد روي ذلك عن شَهْر بن حَوْشب وقال: (﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ القرآن، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ القرآن).
قلت: وأميل إلى التفسير الثاني حيث العمل قد حمّله الله قوة ليرفع القول لما تطابق القول والعمل ولم يظهر الشقاق بينهما، فكم أخّر المسلمين اليوم كثرة الادّعاء واضمحلال العمل، وكم حَوَّلَ الإسلامَ كثيرٌ من الناس في حياتهم إلى فلسفة وكلام وجَدَل، لا رَصيد لذلك في واقع الأمة ولا في واقع التغيرٍ والبناء، فحصل الطلاق اليوم في الأمة بين القول والعمل، فصارت أمة ادعاء وغرور وعجز وكسل، وقد عاب الله ذلك في القرآن الكريم، فقال في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.
قال بعضهم:
لا يكون المقال إلا بفعل ... كل قول بلا فعال هباء
إن قولًا بلا فعال جميل ... ونكاحًا بلا وليّ سواء
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، فمن رضي الله عن منهاج عمله وقوله، وفقه لعمل صالح يختم له به. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بعبد خيرًا طهره قبل موته، قال: وما طَهورُ العبد؟ قال: عمل صالح يلهِمُه إياه حتى يقبضه عليه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد فيِ المسند بسند صحِيح عن أبي عنبة، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بعبد خيرًا عَسَلهُ، قيل: وما عَسَلهُ؟ قال: يفتح له عملًا صالحًا قبل موته ثم يقبضه عليه] (٢).
стр. 3735
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد من طريق عمرو بن الحمق، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله، قيل: أو ما استعمله؟ قال: يفتح له عملًا صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عليه من حوله] (١).
وله شاهد من حديث أنس بلفظ: [قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. قال قتادة: (هؤلاء أهل الشرك). وقال أبو العالية: (هم الذين مكروا بالنبي ﷺ لما اجتمعوا في دار الندوة). وقال الكلبي: (الذين يعملون السيئات في الدنيا). وقال مقاتل: (يعني الشرك).
قلت: ويدخل في هؤلاء الملأ المتكبرون الذين يحبون إشاعة الفساد في الأرض من الاستهزاء في الدين، وحرف الأجيال إلى تعظيم الشهوات وسلوك سبيل الفواحش.
وقوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾. قال شهر بن حوشب: (هم أصحاب الرياء). أي إن عملهم يذهب ويبطل لأنه لم يكن لله. وقال قتادة: (أي يفسد). وقال ابن زيد: (بَارَ فلم ينفعهم ولم ينتفعوا به وضرّهم).
والمكر في لغة العرب ما عمل على سبيل احتيال وخديعة. وبار يبور إذا هلك وبطل، ومنه قولهم: بارت السوق إذا كسدت.
وفي التنزيل: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي هلكى.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غَيْري تركته وشِركه] (٢).
وهو كقوله جل ذكره: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
وللحديث شاهد في طبقات ابن سعد بسند حسن عن أبي سعد بن أبي فَضَالة عن
стр. 3736
النبي ﷺ قال: [إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: مَنْ عَمِلَ عملًا لغير الله فليطلب ثوابه ممن عمله له] (١).
١١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
في هذه الآياتِ: يعرِّف الله جل ثناؤه بمزيد من آياته وقدرته لعلها تنفع المشركين المتكبرين أن ينزجروا ويرعووا ويفروا إلى ربهم مخبتين مستسلمين موحدين. فبعد أن ذكّرهم بحركة الرياح والأمطار التي تصدر عن أمره فيحصي بها أرضًا مواتًا وكذلك النشور والبعث يحيي الله به الناس بعد أن أماتهم، فليتعززوا بطاعته فهي النجاة لهم. ثم هنا يذكّرهم بخلقهم وضعفهم من تراب ثم من ماء مهين ثم كبّرهم وصيّرهم رجالًا وإناثًا، وزوَّجهم فعمَّروا في الأرض إلى حين، وكل ذلك بعلمه وتقديره فإلى أين المفر من لقائه. ثم أشار لهم إلى بعض آياته الكونية الكبيرة التي تدل عليه وعلى قدرته سبحانه إذ خلق الأنهار وخلق البحار، وخلق الآبار والبحيرات وخلق المحيطات، وجعل في البحار والمحيطات من كنوز الطعام والحلي شيئًا عجيبًا، وسخّر السفن تجري بكم فيه وتحملكم لتجارتكم ولترحالكم ولتقارب بين أسفاركم، وأودع في المياه العذبة من الخير الوفير لحياتكم، أفلا يستحق أن تشكروه على هذه الآلاء والنعم
стр. 3737
التي لا تحصونها. ثم انظروا كيف ينقص الليل ويجعله في النهار وينقص النهار ويجعله في الليل، والشمس والقمر كل يجري بأمره، ولكم في كل هذا منافع كثيرة قد تدركون بعضها وما يخفى عليكم أكثر، فهو الملك سبحانه فلماذا تدعون حجرًا أو قبرًا أو صالحًا مضى لا يملك لنفسه حياة ولا نشورًا، ولماذا تنافقون لأمثالكم من البشر ولا تصرفون كل توجهاتكم إلى الله العظيم الذي خلق وقذر وهدى وقد أخبتت له الجبال والسماوات والأرض والبحار والشمس والقمر والنجوم والدواب كل قد علم صلاته وتسبيحه.
فعن قتادة: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ذريته ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ فزوَّج بعضكم بعضًا).
وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. أي: فلا يكون حمل ولا وضع إلا والله عالم به فلا يخرج شيء عن تدبيره.
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [لو أن الماء الذي يكون منه الولدُ أُهْرقْتَهُ على صخرة، لأخرج الله تعالى منها ولدًا، وليخلقَنَّ الله نفسًا هو خالقها] (١).
بل الأمر أدق من ذلك، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
ثم قال جل ذكره: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي ما يعطي بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول).
فزيادة العمر ونقصانه أمر قد فرغ الله من كتابته والعبدْ ممتحن في كل ذلك. قال ابن زيد: (ألا ترى الناس: الإنسان يعيش مئة سنة وآخر يموت حين يولد؟ فهذا هذا).
وروى ابن جرير عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: (من قضيت له أن يعمر حتى يُدركه الكبر أو يعمر أنقص من ذلك، فكل بالغ أجله الذي قد قضى له، كل ذلك في كتاب).
стр. 3738
وقال القرطبي ﵀: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾: سمَّاه معمّرًا بما هو صائر إليه).
ثم ذكر أثرًا عن ابن عباس: (﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ إلا كتب عمره، كم هو سنة، كم هو شهرًا، كم هو يومًا، كم هو ساعة، ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى يستوفي أجله).
وعن قتادة: (المعمّر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة).
قلت: ومن بلغ ستين سنة في هذه الأمة فقد أتم الله له العذر. فقد أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا بلغ الرجل من أمتي ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر] (١).
وله شاهد أخرجه عبد بن حميد، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: [إذا بَلَّغ الله العبدَ ستين سنة فقد أعذر إليه وأبلغ إليه في العُمُر] (٢).
ويبدو أن الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ يدل على معمَّر آخر، فيكون المعنى: (وما يعمر من معمر فيطول عمره أو يهرم، ولا ينقص من عمر آخر عن عمر هذا الذي عمَّر طويلًا أو عن الهرم، إلا هو مكتوب قبل أن تحمل به أمه في كتاب).
وروى ابن جرير بسنده عن أبي مالك في هذه الآية: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قال: (ما يقضي من أيامه التي عددت له إلا في كتاب).
وقيل: إنما الزيادة في العمر بالذرية الصالحة يُرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر.
وفي الصحيحين عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه] (٣).
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. أي: إن إحصاء أعمار خلقه عليه سهل يسير، وكتابة الأعمال والآجال قبل أن يخلق السماوات والأرض أمر هو عليه سبحانه قدير.
стр. 3739
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. أي: فما يعتدل البحران الفرات العذب والأجاج المالح المرّ، وهو أشد المياه ملوحة. فعن قتادة: (﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ قال: والأجاج: المرّ). فالعذب الفرات يشير إلى الأنهار السارحة السائغة الشراب التي ماؤها عذب زلال، والملح الأجاج يشير إلى البحار الساكنة التي تسير بها السفن الكبار.
وقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾. قال قتادة: (أي منهما جميعًا. ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. قال: هذا اللؤلؤ. ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ قال: فيه السفن مقبلة ومدبرة بريح واحدة).
فيكون المعنى: فتأكلون السمك من عذبهما الفرات وملحهما الأجاج، وتستخرجون الدر والياقوت والمرجان من الملح الأجاج، نحو قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾. والسفن تمخر مَخْرًا: أي تشق الماء بصدورها. فقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فاجتمعا في الأول وانفرد الملح بالثاني، فالحلية إنما تستخرج من الملح خاصة.
وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: على تسخيره سبحانه لكم، تتصرفون فيه كيف شئتم، وتعبرونه باسفاركم وتجارتكم إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة، فلعلكم تشكرونه على ما هيأ لكم فيه من فضله ونجاكم من أهواله فسلمتم وغنمتم.
وقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. قال قتادة: (زيادة هذا في نقصان هذا، ونقصان هذا في زيادة هذا). وقال ابن عباس: (هو انتقاص أحدهما من الآخر). أي فما نقص من الليل أدخله في النهار فزاده وبالعكس.
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال قتادة: (أجل معلوم وحدّ لا يُقَصِّرُ دونه ولا يتعداه). فأجرى لكم سبحانه الشمس والقمر نعمة ورحمة منه لتعلموا عدد السنين والحساب، ولتعرفوا الليل من النهار، كل يجري لوقت معلوم، فالذي يفعل ذلك هو من لا تصلح العبادة إلا له، فتوجهوا إليه أيها الناس وأفردوه بالألوهية فها أنتم أولاء تقرون له بالربوبية.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾. قال قتادة: (أي هو الذي يفعل هذا).
стр. 3740
وقال القرطبي: (أي هذا الذي من صنعه ما تَقرر هو الخالق المدبر والقادر المقتدر فهو الذي يعبد).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
أي ما تدعون من الأوثان والأصنام لا يقدرون عليه ولا على خلقه، فهو الخالق وحده سبحانه، وما أحد ممن تشركون به يملك في هذا الكون من قطمير. والقطمير، كما قال ابن عباس: (هو شق النواة). وفي رواية عنه: (جلد النواة). وفي رواية: (الجلد الذي يكون على ظهر النواة). وقال قتادة: (القشرة على رأس النواة). فأكد سبحانه بأن ما تدعون من دونه لا يملك هذه القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة أن يخلقها أو يصنعها، فكيف تصرفون له شيئًا من العبادة والتوجه والتعظيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
قال قتادة: (المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم). وفي رواية عنه: (أي ما قبلوا ذلك عنكم ولا نفعوكم فيه). وقيل: (أي لو جعلنا لهم عقولًا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم ولما استجابوا لكم على الكفر).
فإن تستغيثوا بهم في النوائب والكرب لا يسمعوا دعاءكم؛ لأنَّها جمادات لا تبصر ولا تسمع، وبهذا المعنى قال ابن جرير: (ولو سمعوا دعاءكم إياهم وفهموا عنكم أنَّها قولكم بأن جُعِلَ لهم سمعٌ يسمعون به ما استجابوا لكم لأنَّها ليست ناطقة، وليس كل سامع قولًا متيسّرًا له الجواب عنه).
ثم يوم القيامة تتبرأ آلهتكم منكم، تتبرأ الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا من دون الله أن تكون كانت لله شريكًا في الدنيا.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. قال قتادة: (ويوم القيامة يكفرون بشرككم إياهم ولا يرضون ولا يقرّون به).
أي يجحدون أنكم عبدتموهم، فتبرأ منهم الملائكة والأوثان والشياطين ويخزيهم الله.
وقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قال قتادة: (والله هو الخبير أنه سيكون هذا منهم يوم القيامة). وقال ابن جرير: (ولا يخبركم يا محمد عن آلهة هؤلاء المشركين
стр. 3741
وما يكون من أمرها وأمر عَبَدتها يوم القيامة، من تبرُّئها منهم وكفرها بهم مثل ذي خبرة بأمرها وأمرهم، وذلك الخبير هو الله الذي لا يخفى عليه شيء كان أو يكون سبحانه).
١٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾.
في هذه الآياتِ: يخاطب الله سبحانه عباده: يا أيها الناس أنتم أولو الفقر والضعف والعجز والحاجة إلى ربكم سبحانه، فإياه فاعبدوا وإليه فاقصدوا يغنكم من فضله، فهو الغني لا يفتقر إلى شيء من خلقه، وهو الحميد في أقواله وأفعاله، ولو شاء لأذهبكم وجاء بغيركم فالأمر له لا شريك له، ويوم القيامة لا يحمل أحدٌ عن الآخر وزره، ولا يعين نفسًا مثقلة بأوزارها تسأل العون على حملها أحدٌ ولو كان أباها أو ابنها أو زوجها أو أخاها أو جارها، وإنما يتعظ من كان من أولي الأبصار والنهى، وخاف مقام ربه وأقام الدين في حياته والصلاة التي هي عماده، وزكّى نفسه وطهّرها من دنس الكفر والذنوب بالتوبة وحسن الإيمان والعمل. فكما لا تستوي الأشياء المتباينة المتضادة في صفاتها كالأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور، فكذلك لا يستوي الأحياء ولا الأموات، فشبه سبحانه المؤمنين بالأحياء والكافرين بالأموات، فكما لا ينتفع الموتى بعد موتهم وهم كفار بالهداية والإيمان، فكذلك المشركون المعاندون الذين علم الله ما في قلوبهم فكتب عليهم الشقاوة، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، إنما عليك البلاغ، فكل أمة مضى فيها نذير، ومن كذّب
стр. 3742
منهم دكّهم الله دكًّا وجعلهم للأمم بعدهم أحاديث وقصصًا. وإليك تفصيل ما قاله المفسّرون:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم وتنجح لديه حوائجكم).
وعرّف سبحانه لفظ ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ ليريهم أنهم لشدة افتقارهم اليه هم جنس الفقراء، كما قال : ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فشهد سبحانه على الإنسان بالضعف، كما قال في موضع آخر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ فالفقر مما يتبع الضعف. فلما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم أتبع ذلك بذكر صفة كريمة من صفاته وهي صفة الحميد، إذ ليس كل غني جوادًا منعمًا كريمًا.
قال القرطبي: (ذكر الحميد ليدُلّ به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه).
فهو المحمود على نعمه لو شاء أهلككم، فقد أنشأكم من غير ما حاجة إليكم. وبقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ تكون ﴿هُوَ﴾ في محل رفع مبتدأ، وتفيد في صرف هذه الصفة لله وحده، فهو وحده الغني الحميد لا يشاركه بهذا أحد.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال قتادة: (أي ويأت بغيركم). أي: فهو القادر سبحانه أن يأت بخلق سواكم يطيعونه ويأتمرون بأمره، فإن ذلك عليه يسير فخافوه وعظّموه قبل أن يفعل ذلك، فلو شاء أفناكم وجاء بأطوع منكم.
وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
قال ابن عباس: (يكون عليه وزر لا يجد أحدًا يحمل عنه من وزره شيئًا). وقال ابن جرير: (وإن تسأل ذات ثِقْل من الذنوب مَنْ يحمل عنها ذنوبها وتطلب ذلك لم تجد من يحمل عنها شيئًا منها ولو كان الذي سألته ذا قرابة من أب أو أخ).
وتزر أصلها تَوْزَر، فحذفت الواو اتباعًا ليزر، وقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾ صفة لمحذوف، وتقديره: نفس وازرة. ﴿ذَا قُرْبَى﴾ في محل نصب خبر كان، وأنّثت ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ لتدل على النفس، أي وإن تدع نفس مثقلة أن يحمل عنها ذنوبها ذا قربى لها. ثم إن النفس
стр. 3743
تستعمل للذكر والأنثى، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ﴾ أي كل ذكر وأنثى.
وفي التفاسير عن الفضيل بن عياض: (﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ قال: هي المرأة تلقي ولدها فتقول: يا ولدي، ألم يكن بطني لك وعاء، ألم يكن ثديي لك سقاء، ألم يكن حجري لك وطاء، فيقول: بلى يا أماه، فتقول: يا بنى، قد أثقلتني ذنوبي، فاحمل عني منها ذنبًا واحدًا، فيقول: إليك عني يا أماه، فإني بذنبي عنك مشغول).
ثم قال سبحانه: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾. قال قتادة: (أي يخشون النار). كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. أي: أدوها بحدودها وأركانها وفرائضها كما شرعها الله لهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾. قال ابن جريرَ: (ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله والإيمان به والعمل بطاعته فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله والفوز بجنانه والنجاة من عقابه الذي أعدّه لأهل الكفر به).
وعن قتادة: (﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾: أي من يعمل صالحًا فإنما يعمله لنفسه).
وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. أي: فمصير كل عامل منكم أيها الناس إليه، فمؤمنكم وكافركم وبركم وفاجوكم كل سيرجع إليه ويقف بين يديه.
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾.
المعنى: فلا يستوي الأعمى عن دين الله والذي أبصر رشده وسنة هذا النبي الكريم فاتبعها، وما تستوي ظلمات الكفر والفلسفة ونور الوحي والإيمان، ولا الظل وهو الجَنَّة، والحرور وهو النار - وهو السموم أي الرياح الحارة - وما يستوي أحياء القلوب التي أنعشها الله بالوحي مع أموات القلوب التي أشقتها الكبائر والكفر والمناهج المهزوزة المهترئة، كما قال جل ذكره: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.
قال ابن عباس: (﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: هو مَثَلٌ ضربه الله لأهل الطاعة وأهل المعصية. يقول: وما يستوي الأعمى والظلمات والحرور، ولا الأموات فهو مثلُ أهل
стр. 3744
المعصية، ولا يستوي البصير ولا النور ولا الظل والأحياء فهو مثلُ أهل الطاعة).
وعن قتادة: (قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ خلقًا، فضّل بعضه على بعض، فأما المؤمن فعبد حيّ الأثر حيّ البصر، حيّ النية، حيّ العمل، وأما الكافر فعبد ميت، ميت البصر ميت القلب ميت العمل).
وفي قوله: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ قيل: ﴿لا﴾ زائدة، فإن لم تدخل مع الواو فذلك اكتفاء بدخولها أول الكلام، فإن أدخلت فالمراد أن كل واحد منهما لا يساوي صاحبه، فلا يساوي الأعمى البصير ولا يساوي البصير الأعمى.
والحرور من الحرّ، على وزن فعول، وهو الحرّ المؤذي الكثيف.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: [قالت النار: ربّ أكل بعضي بعضًا، فأذَنْ لي أتنفَّس، فأذِن لها بِنَفَسَيْن: نفسٍ في الشتاء ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم] (١).
وفي رواية عن أبي هريرة: (فما تجدون من الحر فمن سمومها، وشدّة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
قال قتادة: (كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع).
أي: فكما أنك يا محمد لا تستطيع أن تسمع من في القبور كتاب الله فيهديهم لسبيل الرشاد، فكذلك لا تقدر أن تنفع بمواعظ الله وحججه من كان ميت القلب من الأحياء، فإنما تنذر هؤلاء المشركين فتبشر بالجنة مَنْ صَدَّقَكَ وتنذر بالنار مَنْ كَذَّبَكَ، ولا يملك الهداية إلا الله.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: لتبشر بالجنة وتنذر عقاب الجحيم.
وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
قال قتادة: (كل أمة كان لها رسول).
стр. 3745
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
قال قتادة: (﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾. أي الكتب. ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ قال: يضعف الشيء وهو واحد).
فيسلي سبحانه نبيّه بالصبر، فقد تعاقب الأمم على التكذيب بالبينات: وهي الحجج. وبالزبر: وهي الكتب المكتوبة. وبالكتاب المنير: أي الواضح.
قال القرطبي: (وكرّر الزبر والكتاب وهما واحد لاختلاف اللفظين).
وقيل: الكل واحد، وهو ما أنزل على الأنبياء من الكتب، فيسلي الله بذلك نبيه لما يلقاه من المشركين من التكذيب، فقد كذّب من مضىِ قبلهم من الأمم فدكهم الله، فليعتبر هؤلاء ألا ينزل بهم ذاك المصير الفاجع. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. أي: فانظر يا محمد كيف كان تغييري بمن جحد، وكيف كان حلول نقمتي وعقوبتي بهم.
٢٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾.
في هذه الآياتِ: يَصْرِفُ الله فِكْرَ نَبِيِّه إلى التفكر في عظيم خلقه سبحانه: ألم تر يا محمد ما أنزل الله من السماء من الغيث فأخرج به ألوانًا مختلفة من الثمار والأشجار بطعوم مختلفة وروائح مختلفة، وكذلك ما خلق من الجبال خلقها بألوان متباينة متمايزة، وفي بعضها طرائق وهي الجدد وقطع جبلية سود، وكذلك خلق من الأناسي والدواب والأنعام بألوان مختلفة، فإنما يخشاه سبحانه حق خشيته العلماء العارفون به، ثم إن الذين يتلون كتابه ويتعاهدونه ويقيمون الصلاة وينفقون بالسر والعلانية،
стр. 3746
أولئك سيستقبلون ثوابًا عظيمًا في الآخرة، ورضوان من الله أكبر، فمن عظّم شرع الله ودينه وأمره فإن الله يزيده رضًا يوم القيامة.
وعن قتادة: (﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ قال: أحمر وأخضر وأصفر، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي طرائق بيض، ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أي جبال حمر وبيض، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ هو الأسود يعني لونه، كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك).
والجدد: الطرائق تكون في الجبال، واحدتها جُدَّة - ذكره الضحاك. والغرابيب: الجبال الطوال السود - قاله عكرمة.
قال ابن جرير: (﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: وذلك من المقدّم الذي بمعنى التأخير. تقول العرب أسود غربيب إذا وصفوه بشدة السواد).
فخلق الله الجبال مختلفة الألوان كما خلق الثمار مختلفة الألوان والطعم. نحو قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾.
الدواب كل ما دبّ على القوائم، وعطف عليها الأنعام من باب عطف الخاص على العام، فهي مختلفة الألوان كما اختلفت الوان الناس.
قال الحافظ ابن كثير: (فالناس منهم بربر وحوش وطماطم في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك).
وفي التنزيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢].
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أفاد الإمام القرطبي ﵀ أن الرؤية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هي رؤية القلب والعلم، أي: لم ينته علمك ورأيت بقلبك، فجاء اسم أنّ وخبرها في مسدّ مفعولي "ترَ". ثم ذكر ﴿الْعُلَمَاءُ﴾ عطفًا على العلم فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أي إنما يخشاه سبحانه حق الخشية لعارفون به.
قال ابن كثير: (لأنه كلما كانت المعرفة بالعظيم القدير العليم الموصوف بصفات
стр. 3747
الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أكبر وأعظم وأكثر).
وقال قتادة: (كان يقال كفى بالرهبة علمًا). وقال مجاهد: (إن العالم من خشي الله . وقال الحسن البصري: (العالم من خشي الرحمان بالغيب، ورغب فيما رغّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾).
وبمثل هذا الفهم الثاقب روي عن وهب بن مالك قال: (إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب).
وقد أخرج الإمام النسائي في كتاب العلم بإسناد جيد عن مسروق قال: (بحسب المرء من العلم أن يخشى الله، وبحسبه جهلًا أن يعجب بعلمه).
وعن ابن مسعود قال: (كفى بخشية الله تعالى علمًا وبالاغترار جهلًا).
وأخرج الطبراني في الأوسط، والبزار في المسند، بإسناد حسن، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع] (١).
وكان الربيع بن أنس يقول: (من لم يخش الله تعالى فليس بعالم).
وعن ابن عباس: (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير).
فالمعنى: إنما يخشى الله فيتقي عقابه ويحذر غضبه وسخطه، بطاعته وامتثال أوامره وتعظيم شرعه، العلماء بقدرته وبصفاته، فيخافونه حق الخوف ويلتمسون رضاه وعفوه.
وفي الأثر عن علي ﵁: (إن الفقيه حق الفقيه من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه ولا قراءة لا تدبر فيها) - ذكره القرطبي.
стр. 3748
فالعالم الورع هو الذي نصب الحق طريقًا له في حياته، وعكف على الإخلاص والإحسان منهجًا في سلوكه، ورأى في العلم أمانة فقام به لإنقاذ أمته، وعظّم الوحيين: كتاب ربه وسنة نبيّه، فهو الذي بشره الله بقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وهو الذي بشره رسول الله ﷺ ببشراه، كما يروي ذلك الإمام الترمذي بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: [ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم. فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحْرِها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناسَ الخير] (١).
ورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا ولفظه: [معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر].
وأما من أراد بالعلم الدنيا وحب الرياسة فالويل الويل، وعيد الله ورسوله له ولعمله بالبوار، والخسارة والهلاك والدمار.
فقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تعلم علمًا مما يُبْتَغى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجَنَّة يوم القيامة] (٢). يعني ريحها.
وروى الترمذي بسند صحيح عن كعب بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من طلب العلمَ ليجاريَ به العلماء أو ليماريَ به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار] (٣).
وروى عبد الرزاق في المصنف موقوفًا على ابن مسعود قال: [كيف بكم إذا لبِسَتكم فتنة، يربو فيها الصغيرُ، ويهرَمُ فيها الكبير، وتُتَّخَذُ سنة، فإن غُيِّرت يومًا قيل: هذا منكر! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلّتْ أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلَّتْ فقهاؤكم،
стр. 3749
وكثُرَت قرّاؤكم، وَتُفُقِّهَ لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة] (١).
فنعوذ بالله من علم لا ينفع، أو من علم ابتغي به الظهور وحب الرياسة والشهرة وعرض هذه الحياة الدنيا.
وقد حُكي عن عمو بن عبد العزيز وأبي حنيفة القراءة بالرفع في قوله: "إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء". فأجاب الزمخشري بأن الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يُجِلّهم ويعظمهم كما يُجِلّ المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عبَاده. ذكره القرطبي. قلت: والقراءة الأولى عليها إجماع القراء.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به أو أراد بالعلم غير وجهه، غفور لذنوب من أطاعه وآمن به وعظّم حرماته. والمعاقب والمثيب حقّه أن يخشى فانتبهوا يا معشر العلماء وتأملوا أيها الناس.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.
كان مطرف بن عبد الله يقول: (هذه آية القراء) ذكره قتادة.
وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي: ليوفيهم ثواب أعمالهم مع مضاعفة لا تخطر ببالهم، فإن الأعمال لها أوزان مختلفة يوم القيامة.
وقيل: الزيادة من فضله هي الشفاعة. وفي التنزيل: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. أي: غفور لذنوبهم وما صدر منهم، شكور لحسناتهم وجميل أعمالهم.
٣١ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
стр. 3750
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾.
في هذه الآياتِ: يقول جل ذكره: وما أوحينا إليك يا محمد هو القرآن كلام الله الحق الذي عليك وعلى أمتك أن تعمل بما فيه، وهو يصدق ما مضى من الكتب المنزلة على عباده، فهو بهم خبير بما يعملون وبما يصلح لهم من شرع وتدبير، ثم ورّث الله هذا الحق من اصطفى من هذه الأمة فنزلوا ثلاثة منازل: منهم سابقون يدخلون الجَنَّة بغير حساب، ومنهم يحاسبون حسابًا يسيرًا، ومنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، لكن لم يشركوا بالله فعسى أن يعفو عنهم. لكنِ السابقون منهم أصحاب الفضل الكبير والثناء الجميل في جنات عدن وذهب ولؤلؤ وحرير، ويحمدون الله أن صرف عنهم الموت والمصائب فهو الغفور الشكور، على ما حباهم به من الخلود في دار النعيم لا ينالهم تعب ولا نصب ولا نفور. وأما الكافرون فهم في آلام مستمرة فلا يرون الموت ليخفف عنهم ولا مرد لقضاء الله جزاء على الكفر والفجور. وهم يصطرخون يرجون العودة إلى الدنيا ليستأنفوا العمل الصالح وحياة البر والطهور، ولكن الله قضى أن لا عودة فما قدّر لهم من العمر يكفي للمستبصر الذي يخشى في الآخرة عدم العبور، ويقول للظالمين ذوقوا ما كسبتم إن الله عليم بذات الصدور.
وعن قتادة: (﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، قال: للكتب التي خلت قبله).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله