← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

أولئك سيستقبلون ثوابًا عظيمًا في الآخرة، ورضوان من الله أكبر، فمن عظّم شرع الله ودينه وأمره فإن الله يزيده رضًا يوم القيامة. وعن قتادة: (﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ قال: أحمر وأخضر وأصفر، ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ أي طرائق بيض، ﴿وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ أي جبال حمر وبيض، ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ هو الأسود يعني لونه، كما اختلف ألوان هذه اختلف ألوان الناس والدواب والأنعام كذلك). والجدد: الطرائق تكون في الجبال، واحدتها جُدَّة - ذكره الضحاك. والغرابيب: الجبال الطوال السود - قاله عكرمة. قال ابن جرير: (﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾: وذلك من المقدّم الذي بمعنى التأخير. تقول العرب أسود غربيب إذا وصفوه بشدة السواد). فخلق الله الجبال مختلفة الألوان كما خلق الثمار مختلفة الألوان والطعم. نحو قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾. الدواب كل ما دبّ على القوائم، وعطف عليها الأنعام من باب عطف الخاص على العام، فهي مختلفة الألوان كما اختلفت الوان الناس. قال الحافظ ابن كثير: (فالناس منهم بربر وحوش وطماطم في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك). وفي التنزيل: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أفاد الإمام القرطبي ﵀ أن الرؤية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هي رؤية القلب والعلم، أي: لم ينته علمك ورأيت بقلبك، فجاء اسم أنّ وخبرها في مسدّ مفعولي "ترَ". ثم ذكر ﴿الْعُلَمَاءُ﴾ عطفًا على العلم فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أي إنما يخشاه سبحانه حق الخشية لعارفون به. قال ابن كثير: (لأنه كلما كانت المعرفة بالعظيم القدير العليم الموصوف بصفات

стр. 3747

الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى أتم، والعلم به أكمل، كانت الخشية له أكبر وأعظم وأكثر). وقال قتادة: (كان يقال كفى بالرهبة علمًا). وقال مجاهد: (إن العالم من خشي الله . وقال الحسن البصري: (العالم من خشي الرحمان بالغيب، ورغب فيما رغّب الله فيه، وزهد فيما سخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾). وبمثل هذا الفهم الثاقب روي عن وهب بن مالك قال: (إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب). وقد أخرج الإمام النسائي في كتاب العلم بإسناد جيد عن مسروق قال: (بحسب المرء من العلم أن يخشى الله، وبحسبه جهلًا أن يعجب بعلمه). وعن ابن مسعود قال: (كفى بخشية الله تعالى علمًا وبالاغترار جهلًا). وأخرج الطبراني في الأوسط، والبزار في المسند، بإسناد حسن، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع] (١). وكان الربيع بن أنس يقول: (من لم يخش الله تعالى فليس بعالم). وعن ابن عباس: (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير). فالمعنى: إنما يخشى الله فيتقي عقابه ويحذر غضبه وسخطه، بطاعته وامتثال أوامره وتعظيم شرعه، العلماء بقدرته وبصفاته، فيخافونه حق الخوف ويلتمسون رضاه وعفوه. وفي الأثر عن علي ﵁: (إن الفقيه حق الفقيه من لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه ولا قراءة لا تدبر فيها) - ذكره القرطبي.

стр. 3748

فالعالم الورع هو الذي نصب الحق طريقًا له في حياته، وعكف على الإخلاص والإحسان منهجًا في سلوكه، ورأى في العلم أمانة فقام به لإنقاذ أمته، وعظّم الوحيين: كتاب ربه وسنة نبيّه، فهو الذي بشره الله بقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وهو الذي بشره رسول الله ﷺ ببشراه، كما يروي ذلك الإمام الترمذي بسند صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: [ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم. فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جُحْرِها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناسَ الخير] (١). ورواه البزار من حديث عائشة مختصرًا ولفظه: [معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر]. وأما من أراد بالعلم الدنيا وحب الرياسة فالويل الويل، وعيد الله ورسوله له ولعمله بالبوار، والخسارة والهلاك والدمار. فقد أخرج أبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تعلم علمًا مما يُبْتَغى به وجهُ الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيبَ به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجَنَّة يوم القيامة] (٢). يعني ريحها. وروى الترمذي بسند صحيح عن كعب بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من طلب العلمَ ليجاريَ به العلماء أو ليماريَ به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار] (٣). وروى عبد الرزاق في المصنف موقوفًا على ابن مسعود قال: [كيف بكم إذا لبِسَتكم فتنة، يربو فيها الصغيرُ، ويهرَمُ فيها الكبير، وتُتَّخَذُ سنة، فإن غُيِّرت يومًا قيل: هذا منكر! قيل: ومتى ذلك؟ قال: إذا قَلّتْ أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلَّتْ فقهاؤكم،

стр. 3749

وكثُرَت قرّاؤكم، وَتُفُقِّهَ لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة] (١). فنعوذ بالله من علم لا ينفع، أو من علم ابتغي به الظهور وحب الرياسة والشهرة وعرض هذه الحياة الدنيا. وقد حُكي عن عمو بن عبد العزيز وأبي حنيفة القراءة بالرفع في قوله: "إنما يخشى اللهُ من عباده العلماء". فأجاب الزمخشري بأن الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى: إنما يُجِلّهم ويعظمهم كما يُجِلّ المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عبَاده. ذكره القرطبي. قلت: والقراءة الأولى عليها إجماع القراء. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به أو أراد بالعلم غير وجهه، غفور لذنوب من أطاعه وآمن به وعظّم حرماته. والمعاقب والمثيب حقّه أن يخشى فانتبهوا يا معشر العلماء وتأملوا أيها الناس. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾. كان مطرف بن عبد الله يقول: (هذه آية القراء) ذكره قتادة. وقوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي: ليوفيهم ثواب أعمالهم مع مضاعفة لا تخطر ببالهم، فإن الأعمال لها أوزان مختلفة يوم القيامة. وقيل: الزيادة من فضله هي الشفاعة. وفي التنزيل: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. أي: غفور لذنوبهم وما صدر منهم، شكور لحسناتهم وجميل أعمالهم. ٣١ - ٣٨. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا

стр. 3750

فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾. في هذه الآياتِ: يقول جل ذكره: وما أوحينا إليك يا محمد هو القرآن كلام الله الحق الذي عليك وعلى أمتك أن تعمل بما فيه، وهو يصدق ما مضى من الكتب المنزلة على عباده، فهو بهم خبير بما يعملون وبما يصلح لهم من شرع وتدبير، ثم ورّث الله هذا الحق من اصطفى من هذه الأمة فنزلوا ثلاثة منازل: منهم سابقون يدخلون الجَنَّة بغير حساب، ومنهم يحاسبون حسابًا يسيرًا، ومنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، لكن لم يشركوا بالله فعسى أن يعفو عنهم. لكنِ السابقون منهم أصحاب الفضل الكبير والثناء الجميل في جنات عدن وذهب ولؤلؤ وحرير، ويحمدون الله أن صرف عنهم الموت والمصائب فهو الغفور الشكور، على ما حباهم به من الخلود في دار النعيم لا ينالهم تعب ولا نصب ولا نفور. وأما الكافرون فهم في آلام مستمرة فلا يرون الموت ليخفف عنهم ولا مرد لقضاء الله جزاء على الكفر والفجور. وهم يصطرخون يرجون العودة إلى الدنيا ليستأنفوا العمل الصالح وحياة البر والطهور، ولكن الله قضى أن لا عودة فما قدّر لهم من العمر يكفي للمستبصر الذي يخشى في الآخرة عدم العبور، ويقول للظالمين ذوقوا ما كسبتم إن الله عليم بذات الصدور. وعن قتادة: (﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، قال: للكتب التي خلت قبله). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الله

стр. 3751

بعباده لذو علم وخبرة بما يعملون، بصير بما يصلحهم من التدبير). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ - فيه تفاسير متقاربة: التفسير الأول: قيل عني بالكتاب الكتب التي أنزلت قبل الفرقان، وعني بالمصطفين من عباده أمة محمد ﷺ ، وعني بالظالم لنفسه أهل المعصية والإجرام منهم. قال ابن عباس فيها: (هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجَنَّة بغير حساب). وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلثٌ يدخلون الجَنَّة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا، وثلث يجيئون بذنوب عظام، حتى يقول: ما هؤلاء، وهو أعلم ﵎، فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك. فيقول الرب: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي، وتلا عبد الله هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾). وقوله: ﴿اصْطَفَيْنَا﴾ أي اخترنا، أي اصطفينا دينهم، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ مشتق من الصفو وهو الخلوص من شوائب الكدر، وأصله اصتفونا أبدلت التاء طاء والواو ياء. لذلك قيل: إن الضمير هنا في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ يعود على الأصناف الثلاثة، وحملوا الظالم لنفسه في هذه الآية ألا يكون كافرًا ولا فاسقًا. وروي هذا المعنى عن عمر وعثمان وابن مسعود وعائشة. والتقدير: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي بعمل الصغائر، وذلك دون الشرك والكبائر. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. قال محمد بن يزيد: (هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها). فيعود الضمير في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ على الجميع يدخلون جنات عدن برحمة الله. وروي عن كعب الأحبار ما يؤكد ذلك قال: (استوت مناكبهم - ورب الكعبة - وتفاضلوا بأعمالهم) ذكره القرطبي. واختار ابن جرير هذا التفسير - أي التفسير الأول -. التفسير الثاني: قيل بل عُني بالكتاب الذي أورثه هؤلاء القوم: شهادة أن لا إله إلا

стр. 3752

الله، وعني بالمصطفين أمة محمد ﷺ ، والظالم لنفسه المنافق منهم وهو في النار، والمقتصد والسابق في الجنة. فعن ابن عباس: (﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى آخر الآية. قال: جعل أهل الإيمان على ثلاثة منازل، كقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فهم على هذا المثال). وعن عكرمة عن عبد الله قال: (اثنان في الجنة وواحد في النار). وقال قتادة: (كان الناس ثلاث منازل في الدنيا وثلاثَ منازل عند الموت وثلاث منازل في الآخرة، أما الدنيا فكانوا: مؤمن ومنافق ومشرك. وأما عند الموت فإن الله قال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾. وأما في الآخرة فكانوا أزواجا ثلاثة: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾). فَفُسِّر هنا ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ -على هذا القول- بأنه الكافر. وقد رُوي هذا المعنى عن ابن عُيَيْنة وعطاء عن ابن عباس. ويكون الضمير في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة: (أن المقتصد: المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق). وقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أصحاب المشئمة، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أصحاب الميمنة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ السابقون من الناس كلهم). ورجح القرطبي هذا -أي التفسير الثاني- وقال: (لأن الكافر والمنافق لم يُصطفوا بحمد الله ولا اصطفى دينهم). التفسير الثالث: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته، فالجنات للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وفيه نظر. والراجح -الذي أميل إليه- أن الكتاب هو القرآن الكريم وفيه الحق الذي جاء في الكتب قبله، كما قال في الآية قبلها: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب قبله. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: ثم أعطينا هذا الميراث وهو القرآن المتضمن للحق الذي قامت عليه السماوات والأرض وبعثت به الرسل إلى المؤمنين من أمة محمد ﷺ الذين انتموا إليه وإلى منهاجه

стр. 3753

واتبعوه، ولكنهم في الطريق تفرقوا إلى ثلاث طوائف: طائفة اجتالتهم الشياطين أثناء مسيرهم ووسوسوا لهم حتى ركبوا المعاصي وبعض الكبائر ولم يكونوا من أصحاب الهمم فسقطوا وظلموا أنفسهم لكنهم لم يشركوا بالله، فلربما أدخلهم سبحانه في سعة رحمته وتجاوز عن تقصيرهم ووقوعهم. وطائفة من أصحاب اليمين أعطوا الدنيا حقها والآخرة حقها، فكانوا وسطًا في هممهم وطموحاتهم، فتجاوز عنهم سبحانه وحاسبهم حسابًا يسيرًا. وطائفة هم السابقون الذين شمّروا إلى المعالي ولم ينشغلوا بسفساف الأمور وحقيرها، وأهمتهم الآخرة ونعيمها، فعاشوا للجهاد في سبيل الله، وطلب العلم الذي يوصل إلى الفردوس في جنانها، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: [عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: هؤلاء كُلهم بمنزلة واحِدَة وكُلّهُم في الجنة] (١). وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. قال ابن جرير: (فسبوق هذا السابق من سبقه بالخيرات بإذن الله هو الفضل الكبير الذي فضل به من كان مقصّرًا عن منزلته في طاعة الله من المقتصد والظالم لنفسه). وقيل: (ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير). وقيل: (وعد الجنة لهؤلاء الثلاثة هو الفضل الكبير). وقيل: (إتياننا الكتاب لهم). قال سهل بن عبد الله: (السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل). وقال ابن عطاء: (الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق). وقيل: قدم الظالم لئلا ييئس من رحمة الله، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل. ثم قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ أي بساتين إقامة يتنعمون بها -هؤلاء الذين أورثناهم الكتاب- ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ فيتقلبون في

стр. 3754

ألبسة النعيم والرفاه ويلبسون أسورة من ذهب وحرير. ومنهم من قرأها: "جناتِ عدن" بتقدير فعل محذوف نحو "يدخلون". وقرأ أبو عمرو "يُدخلونها" تبعًا لقوله "يُحلّون"- والله تعالى أعلم. وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: [من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [تبلغ الحِليةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوء] (٢). وقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ - فيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (حزن النار). أي حزن دخولها، وقد انقطع بدخولهم الجنة. ٢ - قال عطية: (الموت). فالموت هادم اللذات، وقد انقطع هذا الهم والحزن في الآخرة. ٣ - قال شمر: (لما أدخل الله أهل الجنة الجنة قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. قال: حزن الخبز). وعنى بها همّ العيش في الدنيا والسعي، وقوام العيش هو الطعام والخبز، فكنّى عن ذلك بذلك. قال قتادة: (كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في خوف أو يحزنون). ٤ - وقيل: الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة. قلت: ولا شك أن حزن النار هو أشد ما ذكر، وإن كان ما أشير إليه على درجات أخرى من الحزن. كما قال الحسن: (إن المؤمنين قوم ذلُلٌ، ذلّت والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى وما بالقوم مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. والحزن، والله ما حزنهم حزن الدنيا ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزّ بعزاء الله يقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه).

стр. 3755

قال ابن جرير: (والأولى أنهم لما دخلوا الجنة وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، أنهم عموا جميع أنواع الحزن بقولهم ذلك: كخوف دخول النار والجزع من الموت ومن الحاجة للطعام). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. قال ابن عباس: (غفر لهم الكثير من السيئات وشكر لهم الكثير من الحسنات). وقال شمر: (غفر لهم ما كان من ذنب وشكر لهم ما كان منهم). وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال قتادة: (أقاموا فلا يتحولون). فحمدوه سبحانه أن سلّمهم إلى دار المقامة جنة الخلد والنعيم. والميم إذا ضُمت من المُقامة فهي من الإقامة، وإذا فتحت فهي من المكان والمجلس. فكانت السلامة بفضل من الله ورحمة. وهذا المعنى كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لن يُدخِل أحدًا عملُه الجنة ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته، فسددوا وقاربوا ولا يتمنى أحدكم الموت، إما محسن فلعله يزداد خيرًا، وإما مسيء فلعله أن يستعتب] (١). وقوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. النصب: التعب والوجع. قال قتادة: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾، أي: وجع). واللغوب: العناء والإعياء. قال ابن عباس: (اللغوب: العناء). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾. قال قتادة: ﴿لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالموت فيموتوا، لأنهم لوماتوا لاستراحوا. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ يقول: ولا يخفف عنهم من عذاب نار جهنم بإماتتهم فيخفف ذلك عنهم). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].

стр. 3756

٢ - وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ٣ - وقال تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣ - ١٢]. فوصف سبحانه خلود الكافرين في النار، فلا طريقة ولا حيلة للتخلص من هذا المصير المؤلم، فلقد سلكوا الطرق والسبل والحيل يتلاعبون بها في الدنيا للاستهزاء بشرع الله وإبعاده. أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فاماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أُذن بالشفاعة، فجيء بهم ضَبائرَ ضَبائرَ، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل] (١). وقرأ الحسن: "فيموتون" بالعطف على يقضى، أي لا يقضى عليهم ولا يموتون. والأولى أشهر. وَقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾. قال ابن جرير: (هكذا يكافئ كل جحود لنعم ربه يوم القيامة بأن يدخلهم نار جهنم بسيئاتهم التي قدموها في الدنيا). وقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾، على وزن "يفتعلون" من الصراخ وهو الصوت العالي. وأصلها يصترخون، فحوّلت التاء طاء لقرب مخرجها من الصاد لما ثقلت. فالكفار يستغيثون في جهنم بصوت عال فيه صراخ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾. قال ابن عباس: (نقل: لا إله إلا الله). ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. قال القرطبي: (أي من الشرك، أي نؤمن بدل الكفر ونطيع بدل المعصية ونمتثل أمر الرسل). وقال ابن كثير: (وهم ينادون فيها يجأرون لله بأصواتهم الرجعة للدنيا ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب ﷻ أنهم لو ردهم للدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، ولهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم). ثم أجابهم سبحانه بقوله وبحجته البالغة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾.

стр. 3757

وهذه الآية مفسَّرة بالسنة الصحيحة. فقد أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا بلغَ الرجل من أمتي ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر] (١). وله شاهد في مسند عبد بن حميد، عن سهل بن سعد، ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إذا بَلغَ الله العبد ستين سنة، فقد أعذر إليه وأبلغ إليه في العمر] (٢). وأصله في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: [أعذر الله إلى امرئٍ أخَّر عُمُرَهُ حتى بلغ ستين سنة] (٣). قال الخطابي: (أعذر إليه: أي بلغ به أقصى العذر). فهذا العمر حجة الله على عباده، وهذه المدة بين الستين والسبعين كافية لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورًا، ولو زاد الله بعدها ألف سنة في العمر لكانت هذه الزيادة إضافية، فالستون أو السبعون سنة من العمر مؤشر مقبول عن بقية العمر، ولذلك جعل الله هذا العمر وسطًا بين الأمم. فقد أخرج ابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك] (٤). وخلاصة المعنى: كأنه يقول لهم جل ثناؤه لما نادوه مستجيرين به -وما كانوا يفعلون ذلك في الدنيا بل انصرفوا لدعاء غيره وعبادة من دونه- فأجابهم: أوما عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في تلك المدة من أعماركم. قال القرطبي: (والمعنى أن من عمّره الله ستين سنة لم يبق له عذر لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقّب المنية ولقاء الله تعالى).

стр. 3758

وروي عن ابن عباس: أنه أربعون سنة. ووجهه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. ففي الأربعين تكامل العقل وما قبله وما بعده منتقص عنه. كما قال مالك ﵀: (أدركت أهل الدنيا ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت) ذكره القرطبي ﵀. وكان مسروق يقول: (إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حِذْرَه من الله). ثم قوله جل وعز: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فيه تفاسير متكاملة: ١ - عن ابن زيد: (﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: النذير النبي، وقرأ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾). ٢ - وعن ابن عباس: (﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. قال: يعني الشيب). ٣ - وقيل: (النذير: الحمى)، وقيل: (موت الأهل والأقارب). وقيل: (كمال العقل). قال قتادة: (احتج عليهم بالعمر والرسل). وهذا كما قال جل ثناؤه يصف نداءهم في موضع آخر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. أي جاء الرسل بالحق فخالفتموهم، ومن ثم فلا مانع من دلالة النذير على الشيب وعلى النبي ﷺ ، فكلاهما نذير، وكذلك على كل ما يُذَكِّر باقتراب الأجل والوعد الحق، والله تعالى أعلم. قال القرطبي ﵀: (فالشيب والحمى وموت الأهل كله إنذار بالموت. قال: والشيب نذير أيضًا لأنه يأتي في سن الاكتهال، وهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبا الذي هو سِنُّ اللهو واللعب). وقال بعضهم: رأيت الشيب من نُذُرِ المنايا ... لصاحبه وحَسْبُكَ من نذير قلت: ولذلك رغّب النبي ﷺ بالإكثار من ذكر الموت وسمّاه هادم اللذات. فقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [أكثروا ذكرَ هادم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا

стр. 3759

وسَّعَهُ عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيّقها عليه] (١). فموت الأهل والأصحاب إنذار بالرحيل في كل وقت وحين. قال بعضهم: وأراك تحملهم ولست تردّهم ... فكأنني بك قد حُمِلْتَ فلم تُرَدَّا وقال آخر: يا نفس توبي فإن الموت قد حانا ... واعص الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا ... لَقْطًا فتلحق أُخرانا بأولانا في كل يوم لنا مَيْتٌ نشيعه ... نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس ما لي وللأموال أتركها ... خلفي وأخرج من دنياي عُريانا أبعد خمسين قد قضيتها لعبا ... قد آن أن تقصري قد آن قد آنا * * * ما بالنا نتعامى عن مصائرنا ... ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا نزداد حرصًا وهذا الدهر يزجرنا ... كأنّ زاجرنا بالحرص أغرانا أين الملوك وأبناء الملوك ومَنْ ... كانت تخرُّ له الأذقان إذعانا صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا ... مستبدلين من الأوطان أوطانا خلّوا مدائن كان العِزُّ مَفْرَشَها ... واستُفْرِشوا حُفَرًا غُبرًا وقيعانا * * * يا راكضًا في ميادين الهوى مرِحًا ... ورافلًا في ثياب الغيّ نشوانا مضى الزمان وولّى العمْرُ في لعب ... يكفيكَ ماقد مضى قد كان ما كانا ثم قال جل ثناؤه يخاطب الكفار بعد أن احتج عليهم بالعمر والنذير: ﴿فَذُوقُوا﴾ أي عذاب جهنم جزاء بما فرطتم من العمر وضيّعتم من النذر، فما اتعظتم بشيب ولا موت ولا كهولة ولا اكتمال عقل ولا مرض ولا نوائب ولا سنن كونية أو شرعية: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. أي. لا مانع يمنعكم من عذاب الله. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: فهو عالم سبحانه بما أخفته صدوركم أيها الناس وبما بيّته الكافرون من حب الاستكبار في الأرض والاستهزاء بالرسل وبالمؤمنين، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا

стр. 3760

لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. كما هو عالم بما هو غائب عن أبصاركم في ملكوت السماوات والأرض، فلا تضمروا الشك بوحدانيته تعالى وبنبوة محمد ﵊، وتظهروا الإيمان رياء ومصلحة فهو العليم بذات الصدور. ٣٩ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ذكره لنبيه ﷺ : قل يا محمد لمشركي قومك إنكم خَلَفٌ لِسَلَفٍ مضوا قبلكم من الأمم من بعد عاد وثمود وَمَنْ قبلهم وَمَنْ بعدهم كفروا بالله فدكهم الله دكًا وجعلهم للناس أحاديث وقصصًا، وما زادهم كفرهم بالله إلا بعدًا وخسارًا، وأنتم تخلفونهم في ديارهم ومساكنهم فاعتبروا، فهؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون الله كالأوثان وكالطغاة هل شاركوا الله في خلقه، أو في جزء من ملكوته في السماوات أو في الأرض، أم هَل

стр. 3761

أنزلنا لهم كتابًا فيه برهان على التماسهم شيئًا من الشركاء شرعه الله ورضيه لهم، أم إنهم ماضون في غواية الشياطين لهم، فهذه ذكرى مفيدة إذا أرادوا أن يلحقوا بالنجاة قبل فوات الأوان، فالله سبحانه هو الذي يمسك السماوات والأرض ولو شاء لتركهما فسقطت السماوات فدمرتهم، وتحركت الأرض بالزلازل فأهلكتهم، ولكنه حليم عمن أشرك وكفر يؤخره إلى أجل عله يتذكر ويعتبر، وهو غفور لمن أناب وانزجر واعتبر. ثم يذكرهم سبحانه بإقسامهم به أشد الإقسام أن لو جاءهم منذر من الله لسلكوا طريق الحق وخير السبل وكانوا أهدى من إحدى الأمم التى مضت لما جاءهم محمد ﷺ استكبروا ونفروا وصدوا عن سبيله، فلا يحيق الخداع إلا بأهله، ومصير أهله الدمار، سنة الله ولن تجد لسنته تحويلًا. فهذه ديار من أهلك الله من الأمم قبلهم يمرون عليها في تجارتهم في طريق الشام، فيها آثار من كفر وأسرف ولم يؤمن بآيات ربه، فليتعظوا فإنما يمهلهم الله ويحتج عليهم بفرص، فإذا حان أوان الدرس الإلهي فلا طريقة للنجاة من عقابه سبحانه، إنه كان بعباده بصيرًا. فإلى تفصيل ذلك: فعن قتادة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: أمة بعد أمة وقرنًا بعد قرن). وفي رواية: (خلفًا بعد خَلَف، قرنًا بعد قرن). ولهذا سمي أبو بكر ﵁ بخليفة رسول الله ﷺ ، لأن الخلف هو التالي للمتقدم. وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾. أي: سيناله جزاء كفره من عذاب الله وعقابه. وقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾.أي: إلا بعدًا من رحمة الله وبُغْضًا وغضبًا. ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾. أي: هلاكًا وضلالًا. وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال قتادة: (لا شيء والله خلقوا منها). وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. قال قتادة: (لا والله ما لهم فيها شرك). وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾. قال: (أم آتيناهم كتابًا فهو يأمرهم أن يشركوا). ونصب ﴿شُرَكَاءَكُمُ﴾ بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. أي: أخبروني عن شركائكم الذين تدعونهم هل عبدتموهم لأن لهم شركة مع الله في خلق السماوات أو في قطعة من الأرض، أم عندهم كتاب أنزلناه إليهم يشير إلى مثل هذه الشركة. ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا

стр. 3762

غُرُورًا﴾. قال ابن كثير: (ليس الأمر كذلك بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وما هي إلا غرور وباطل وزور). فقوله: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ هو كقول بعضهم لبعض: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال ابن جرير: (خداعًا من بعضهم لبعض وغرورًا وإنما تزلفهم آلهتهم إلى النار وتقصيهم من الله ورحمته). وقال القرطبي: (﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أي أباطيل تغر، وهو قول السادة للسِّفْلة: إن هذه الآلهة تنفعكم وتقربكم. وقيل: إن الشيطان يعد المشركين ذلك. وقيل: وعدهم بأنهم ينصرون عليهم). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾. أي: لئلا تزولا أو تضطربا عن أماكنهما، فهذه بعض صفات الخالق ، فأين شركاؤه الذين تدعون من دونه وهو الذي لو شاء أحدث زلزلة في الأرض أو أسقط شيئًا من السماء، فهل يستطيع أحد من الخلق أن يمنع أو يدفع. و"أنْ" في محل نصب، والتقدير: لئلا تزولا. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾. و ﴿وَلَئِنْ﴾ في معنى: لو، والتقدير: ولو زالتا ما أمسكهما من أحد، و"إنْ" في قوله: "إنْ أمسكهما" بمعنى: "ما". كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾. وكقوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ أي: ولو أرسلنا ريحًا، ولو أتيت الذين أوتوا الكتاب. وعن قتادة: (﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾. قال: من مكانهما). كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. فهو الذي يحكم أمر السماء والأرض، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾: يرى عباده يكفرون به ويحلم فيؤخر ويؤجل ولا يعجل وينظر، ويستر آخرين ويتجاوز عن خطاياهم فيغفر، إنه كان حليمًا غفورًا. وقيل: بل المعنى إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا من كفر الكافرين وقولهم اتخذ الله ولدًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾. وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.

стр. 3763

والحديث عن قريش، فقد أقسم مُشركوهم قبل أن يبعث الله محمدًا ﷺ حين علموا تكذيب أهل الكتاب رسلهم فلعنوا من كذّب نبيه منهم وبالغوا بالإقسام بأشد الأيمان فأقسموا بالله جل اسمه لئن جاءهم نذير -أي نبيّ- ليكونن أسلك لطريق الحق من إحدى الأمم التي خلت، فلما جاءهم نذير -وهو محمد ﷺ استكبروا وكذبوا ونفروا. فعن قتادة: (قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾، قال: وهو محمد ﷺ ). وقوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾. قال ابن جرير: (نفروا استكبارًا في الأرض وخُدْعة سيئة، وذلك أنهم صدّوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به. والمكر هاهنا: هو الشرك. قال: وأضيف المكر إلى السَّيئ، والسَّيئ من نعت المكر كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾). وقال قتادة: (﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ وهو الشرك. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ قال: وهو الشرك). فهؤلاء المشركون من قريش تعاملوا مع الحق تعامل المفاخرة والتكاثر والاستكبار، لا تعامل الإخبات والتواضع وإقامة العدل وتعظيم هذا الحق وهذا الوحي الكريم، فعندما ذُكر لهم أهل الكتاب وتكذيبهم رسلهم تفاخروا وأخذتهم حمية الجاهلية بأنهم إن جاءهم نبي لَيَنْصُرُنَّهُ وَلَيُوقِّرُنَّهُ، كما قال : ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. ولكن يوم شعروا أن الحق يمكن أن يلامس مناصبهم ويهز رياساتهم وزعاماتهم فضلوا البقاء على الباطل وما فيه من لذة الخيلاء والاستكبار الزائلة الفانية، فشأنهم في ذلك شأن أكثر الناس الذين يريدون حقًّا لا تكاليف فيه، وإنما سمعة ورياء وظهورٌ ورياسة، فكشفهم الله وعاب عليهم سوء خباياهم ومكرهم. وقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. قيل: هذا إشارة إلى قتلهم ببدر. ويحيق بمعنى يحيط، والحَوْق الإحاطة. روي عن ابن عباس: (أن كعبًا قال له: إني أجد في التوراة. مَنْ حفر لأخيه حُفرة وقع فيها! فقال ابن عباس: فإني أوجِدُك في القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: (من حَفَر لأخيه جُبًّا وقع فيه مُنكبًّا).

стр. 3764

وأخرج الطبراني وابن حبان بسند صحيح عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: [من غشّنا فليس منا، والمكر والخِداع في النار] (١). أي تدخل صاحبها النار، فهي من أخلاق الكفار. وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾. قال قتادة: (أي عقوبة الأولين، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. يقول: فلن تجد يا محمد لسنة الله تغييرًا). والسنة: الطريقة، والجمع سُنَن، وتارة يضيفها سبحانه إليه، وتارة إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين. كما قال : ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. وكقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾، وكقوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾. فقد أخذ الله إجراء العذاب على الكفار، كقوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾. ويجعل ذلك سنة فيهم، فكل من استحقه عذّبه لا يقدر أحد أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. أي: فلينظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بمصير من أسرف ولم يعظم آيات ربه ودينه وشرعه رغم ما آتاهم من قوة وأسباب. فقال: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. قال قتادة: (يخبركم أنه أعطى القوم ما لم يعطكم). فلينظروا مصير عاد وثمود ومَدْين وغيرهم، وليروا ما بقي من مساكنهم ودورهم. قال ابن كثير: (سيروا في الأرض فانظروا كيف دمّر الله مكذبي الرسل فخلت منهم منازلهم وسُلبوا نعيمهم رغم كثرة الأولاد والأموال والعدد والعُدَد). فقل يا محمد لمشركي قومك وذكرهم بما سمعوا على التواتر بما حَلّ بالأمم قبلهم رغم أنهم كانوا أقوى منهم. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ القهار والجبار بيده الملك لا يعجزه شيء في ملكوته وله الكبرياء. أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 3765

[قال الله تعالى: الكبرياء رِدائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (١). وفي رواية في الصحيح: [الكبرياء ردائي، والعِزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته] (٢). وفي رواية في مسند الإمام أحمد: [الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (٣). وأخرج ابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن بسر بن جحاش القرشي عن النبي ﷺ قال: [يقول الله: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بُردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق، وأنى أوان الصدقة] (٤). وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. يعني: عليمًا بخلقه ومن المستحق تعجيل العقوبة ومن هو على ضلالته راجع إلى الهدى بعد غيّه، فهو سبحانه القدير على الانتقام ممن شاء، والقدير على توفيق من أراد منهم للإيمان. وقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قال قتادة: (إلا ما حمل نوح في السفينة). أو قال: (وقد فُعل ذلك زمن نوح ﵇. فلو يؤاخذهم سبحانه بذنوبهم ما ترك على ظهرها من دابة. كما قال ابن مسعود: (يريد جميع الحيوان مما دبَّ ودرج). وقال ابن جرير: (أراد بالدابة هنا الناس وحدهم دون غيرهم). وقيل هذه الآية كالآية التي في سورة البقرة: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. قال مجاهد: (هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجَدْب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم). ولكن يؤخر عقابهم لأجل يعلمه هو سبحانه، محدود لا يقصرون عنه

стр. 3766

ولا يجاوزونه إذا بلغوه. قال مقاتل: (الأجل المسمى هو ما وعدهم في اللوح المحفوظ). وقال يحيى: (هو يوم القيامة). وقوله: أي: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.أي: إذا جاء عقابهم فالله يعلم من يستحق العقاب منهم ومن يستوجب الكرامة والعفو والمغفرة. تم تفسير سورة فاطر بعون الله وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه * * *

стр. 3767

دروس ونتائج وأحكام ١ - الفاطِرُ: الخالق، والفَطْرُ: الشق عن الشيء، وتفطر الشيء إذا تشقق. ٢ - إن الدنيا حلوة خضرة، وغرورها أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: يا ليتني قدّمت لحياتي. ٣ - إذا أراد الله بعبد خيرًا طهره قبل موته، وطهور العبد أن يفتح له عملًا صالحًا قبل موته ثم يقبضه عليه. ٤ - إذا كان يوم القيامة نادى مناد: مَنْ عَمِلَ عملًا لغير الله فليطلب ثوابه ممن عمله له. ٥ - لو أن الماء الذي يكون منه الولد أُهْرِقته على صخرة، لأخرج الله تعالى منها ولدًا، وليخلقنَّ الله نفسًا هو خالقها. ٦ - إذا بَلَّغَ الله العبد ستين سنة فقد أعذر إليه وأبلغ إليه في العمر. ٧ - من سَرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه. ٨ - الحرور من الحرّ، على وزن فعول، وهو الحرّ المؤذي الكثيف. ٩ - الجدد: الطرائق تكون في الجبال، واحدتها جُدَّة. والغرابيب الجبال الطوال السود. ١٠ - فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع. ١١ - من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار. ١٢ - من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. ١٣ - من غشنا فليس منا، والمكر والخداعُ في النار. ١٤ - قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته. ١٥ - الأجل المسمى هو الأجل المكتوب في اللوح المحفوظ، والله تعالى أعلم من يستحق العقاب من عباده ومن يستحق الكرامة والعفو والمغفرة.

стр. 3768

٣٦ - سورة يس وهي سورة مكية بإجماع أهل التفسير، وعدد آياتها (٨٣). وهناك من قال: إن قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ نزلت في بني سلمة من الأنصار، حين أرادوا أن يتحولوا من ديارهم ليقتربوا من المسجد في المدينة. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. موضوع السورة انتصار الله للقرآن ولسيد المرسلين وإنزال نقمته والخزي على الكافرين - منهاج السورة - ١ - انتصار الله لهذا القرآن العظيم، وتأكيده إنزاله على سيد المرسلين، لإنذار قوم بعدوا عهدًا بالإنذار، فهم مغلولون عن قبول الحق إلا أن يخلصوا إلى الله الفرار، وإلا حقت عليهم كلمة الله أنهم أصحاب النار. ٢ - انتفاع المؤمنين بالنذارة وثناء الله عليهم، وإثبات المعاد ببعث الله الموتى من قبورهم، وكل الأعمال والآثار مسطرة في اللوح المحفوظ عند بارئهم.

стр. 3769

٣ - ضَرْبُ الله المثل بقصة أصحاب القرية وتكذيبهم المرسلين، ومجيء رجل من أقصى المدينة يسعى يقول يا قوم اتبعوا المرسلين، ويحذرهم مغبة الشرك بالله فأصروا فأنجاه الله وأهلكهم بما كانوا به يستهزئون. ٤ - ذكر الله تعالى بعض الآيات الدالة للمشركين على قدرته على إحياء الموتى من قبورهم بعد فنائهم. ٥ - استهزاء المشركين بأمر البعث والحساب واستبعادهم القيامة، وتأكيد الله ما أنكروه بوصفه تعالى نفخة الفزع ثم نفخة البعث والقيام لله رب العالمين. ٦ - نَعْتُ الله نعيم المؤمنين في الجنة وانشغالهم في ألوان الملذات والسرور. ٧ - نَعْتُ الله حال المجرمين وهم إلى جهنم يحشرون، وقد كان حذّرهم تعالى مغبة عبادة الشيطان الذي أضلهم وأممًا قبلهم لم يكونوا يعقلون. ٨ - تبرئة الله تعالى نبيّه ﷺ من نظم الشعر، ليغلق الباب على من أراد أن يدعي أن القرآن من كلام محمد ﷺ وإنما هو كلام الله الذي علم رسوله الذكر. ٩ - امتنانُ الله تعالى على المشركين نعمة الأنعام ذَلَّلَها لهم لطعامهم وشرابهم وركوبهم وحمل أثقالهم. ١٠ - عَجْزُ الأوثان والأصنام عن جلب النفع ودفع الضر عن عابديها. ١١ - ذِكْرُ الله قصة بدء الخلق للإنسان من ماء مهين، ثم كبَّرَه ورعاه فإذا هو خصيم مبين، يكفر بقدرة الله تعالى على إعادته والله بكل خلق عليم. ١٢ - تنزيه الله نفسه عما يصفه به الكافرون، فإنه تعالى إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون، وله الملك كله سبحانه وإليه يرجعون. * * *

стр. 3770

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾. في هذه الآيات: افتتح الله هذه السورة بحرفين: الياء والسين. وكأن المعنى أو المراد هو الإعجاز وتحدي البطلة، فهذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف فأتوا بمثله إن استطعتم. ثم أقسم سبحانه بوحيه وتنزيله: إنك يا محمد لمن المرسلين من الله إلى عباده، وإنك لعلى صراط مستقيم وهو الإسلام، صراط الأنبياء جميعًا صلوات الله وسلامه عليهم. وما معك من القرآن هو تنزيل الرب الرحيم بعباده، العزيز في انتقامه، لتنذر مَنْ بَعُدُوا عهدًا بالإنذار، فتجدد النذارة لهم فيخلصوا من الغفلة، مع أن العقاب قد كتبه الله بعلمه على أكثرهم لاستكبارهم وعنادهم وتقليدهم المسرفين من الأمم قبلهم، فهم مغلولون مقيدون أن يأتوا بخير، قد جعل الله بعدله بينهم وبين الإسلام والإيمان سدًّا منيعًا، لأن واقع قلوبهم ونفوسهم يتناسب وذلك، فسواء يا محمد إنذارك وعدمه فهم بالإيمان زاهدون، وبحب الدنيا ماضون، وبتعظيم الشهوات والرياسات مرابطون. فالنذارة تنفع المخبتين، الذين يخشون ربهم ممسين ومصبحين، وباتباع هدي القرآن عاكفون، فأولئك لهم أجر التائبين المستغفرين. فالله

стр. 3771

يبعث الموتى من قبورهم ويوردهم ليروا ما قدموا من أعمالهم، فهو العليم قد كتب في اللوح المحفوظ كل أخبارهم. فإلى تفصيل ذلك: قوله تعالى: ﴿يس﴾. قال شيخ الإسلام: (إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها). وقوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾. قال ابن عباس: (قالت كفار قريش ليست مرسلًا وما أرسلك الله إلينا، فأقسم الله بالقرآن المحكم أن محمدًا من المرسلين). والحكيم صفة للقرآن، أي لا يتعرض لبطلان ولا تناقض، فهو الكتاب المحكم الذي ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، وكذلك معانيه ونظمه وأحكامه وبينات حججه، فأقسم بتنزيله سبحانه لنبيه محمد ﵊، إنك لمن المرسلين، بوحي من الله العظيم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال قتادة: (قسم كما تسمعون: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على الإسلام). فأقسم سبحانه بالقرآن الحكيم: إنك يا محمد لمن المرسلين، على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم، منزل من رب العزة الرحيم، بعباده المؤمنين المخبتين. فقوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، هو كقوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. و﴿عَلَى﴾ في قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إما صلة الإرسال، أي إنك لمن المرسلين على استقامة من الحق، أو تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: إنك لمن المرسلين. إنك على صراط مستقيم. وقيل: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. أي على طريق الأنبياء الذين تقدموك. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. قرأها قراء الكوفة وبعض قراء الشام بالفتح ﴿تَنْزِيلَ﴾ في محل نَصْب مفعول مطلق، والتقدير: "منزل تنزيل العزيز الرحيم". في حين قرأها قراء المدينة والبصرة ﴿تَنْزِيلَ﴾ بالرفع خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره (هو)، أو (إنه)، والتقدير: إنه تنزيلُ العزيز الرحيم، أو هذا تنزيل العزيز الرحيم، وكلاهما مشهور عند المفسرين. أما من قرأها بالجر ﴿تَنْزِيلَ﴾ على البدل من القرآن فهي قراءة غير مشهورة.

стр. 3772

وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾. قال قتادة: (قال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم من إنذار الناس قبلهم. وقال بعضهم: لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم: أي هذه الأمة لم يأتهم نذير حتى جاءهم محمد ﷺ ). وقال عكرمة: (قد أنذروا). فهناك تفسيران: ١ - تكون ﴿مَا﴾ والفعل مصدرًا -والتقدير: لتنذر قومًا إنذار آبائهم- أي لتنذر يا محمد هؤلاء القوم إنذارًا يشبه الإنذار الذي بلغ الأقوام قبلهم من رسلهم. وقد تكون ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، والتقدير قريبٌ من هذا -أي: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم-. فإن قيل: يجوز أن يَكون العرب أنذروا بخبر الأنبياء بالتواتر! فيقال: لكن لم ينذروا برسول من أنفسهم أو ببلاغ مبين. ٢ - تكون ﴿مَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وَالتقدير نفي -أي لتنذر قومًا لم ينذروا، أو ما أتى آباءهم قبلك نذير-. كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وكقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾. أي لم يأتهم نبي يقيم عليهم الحجة والبلاغ المبين. قال ابن كثير: (لتنذر العرب فإنه ما أتاهم من نذير قبلك) أي بعد إبراهيم ﵇. قلت: وكلا المعنيين حق. فكان هناك فترة من الرسل قبل محمد ﷺ ، ولكنهم كانوا مأمورين بدين إبراهيم دين التوحيد، وقد وصلوا بأخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فأحب الله أن يقيم عليهم الحجة البالغة بإرسال محمد ﷺ لينهضوا من الغفلة واتباع الشياطين. وقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾. أي معرضون متغافلون عن عقاب الله، فأحب الله أن يجدد الأمر لهم. قال ابن جرير: (﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ عما الله فاعل بأعدائه المشركين من إحلال نقمته وسطوته بهم). وقو له تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. هذا فيما سبق من علم الله، فيمن يموت على كفره ولا يؤمن بآيات الله ويكذب رسله. قال شيخ المفسرين: (لقد وجب العقاب على أكثرهم لأن الله قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله). ثم قال جل ذكره مفصلًا سبب تركهم الإيمان: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى

стр. 3773

الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال ابن عباس: (هو كقول الله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾. [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير). وعن عكرمة قال: (قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال: فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره). قلت: والمقمح لغة المقنع، وهو أن يحدر الذقن حتى يصير في الصدر ثم يرفع رأسه (١). فهو مثل ضربه الله تعالى لهم في امتناعهم من الهدى كامتناع المغلول، وهو تمثيل لحالة الكبر التي طغت في قلوب المكذبين بالرسل، فانتصب عنقُه كناية وتعبيرًا عن الاستكبار. كما قال القرطبي: (إن هؤلاء صاروا في الاستكبار عن الحق كمن جُعل في يده غُلٌّ فجمعت إلى عنقه. فبقي رافعًا رأسه لا يخفضه، وغاضًا بصره لا يفتحه). قال: (والمتكبر يوصف بانتصاب العنق). قلت: ولا شك أن الله سبحانه يحرمهم التوفيق إلى الهدى عقوبة منه بهم، نتيجة استكبارهم. قال قتادة: (﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾: أي فهم مغلولون عن كل خير). وقال مجاهد: (رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم). أي أيمان الكفار مغلولة لأعناقهم بالأغلال فلا تبسط في خير. قال أبو جعفرة (فكنى عن الأيمان ولم يجر لها ذكر لمعرفة السامعين بمعنى الكلام). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾. والسد هو الحاجز بين الشيئين، فهم قوم قد زين الله لهم سوء أعمالهم وتركهم يتخبطون ويترددون، فهم يعمهون ولا يبصرون رشدًا ولا يمتثلون حقًّا. كما قال مجاهد: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ عن الحق فهم يترددون). وقال قتادة: (ضلالات). وقال ابن زيد: (جعل هذا سدًّا بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية كلها. وقال: من منعه الله لا يستطيع).

стр. 3774

وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. قال قتادة: (﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هدى ولا ينتفعون به). وروي عن ابن عباس أنه قرأها: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ بالعين، من العشا: وهو أن يمشي بالليل ولا يبصر. ذكره ابن جرير. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. من العشا في العين، وهو ضعف بصرها حتى لا تبصر بالليل. وعن الضحاك: (﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ أي الدنيا ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي الآخرة، أي عموا عن البعث وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي فزينوا لهم في الدنيا ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة). وقال السدي: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ قال: محمدًا حين ائتمروا على قتله). وقيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ أي غرورًا بالدنيا. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي تكذيبًا بالآخرة. وقيل: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ الآخرة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الدنيا. وخلاصة المعنى: شبه الله انتصاب الأعناق بحالة المستكبرين عن الحق، فكأن الأغلال قد وضعت في أيديهم وجمعت إلى أعناقهم، فبقيت رؤوسهم منتصبة وقد غضت أبصارهم، وقد علم الله فساد قلوبهم فجعل الشهوات وحطام الدنيا والغي حاجزًا بينهم وبين الإيمان عقوبة لهم، ثم عموا عن البعث وتمادوا في التكذيب في الآخرة فأمهلهم واستدرجهم عقوبة أخرى، فكان ذلك سدًّا من بين أيديهم وسدًّا من خلفهم فضاع العمر عليهم وهم لا يبصرون طريق النجاة. وقوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. هو كقوله في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي لما رأى الله تماديهم في الكذب وتعظيمهم الشهوات فوق الوحي -وهو أمر علمه سبحانه وكتبه في اللوح المحفوظ- عاقبهم على ترك قلوبهم وإهمال معالجتها، وعلى مضيهم في طريق الرياء والكبر، فصار الران على قلوبهم، فلا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا إلا ما أشرب من هواهم، فسواء عليك بعد هذا يا محمد إنذارك وعدمه. وهذه الآية ردّ على القدرية الذين يقولون لا قدر. وقد ذكر الإمام القرطبي عن ابن شهاب: (أن عمر بن عبد العزيز أحضر غيلانَ القَدَرية فقال: يا غيلان! بلغني أنك تتكلم بالقدر، فقال: يكذبون عليَّ يا أمير

стр. 3775

المؤمنين. ثم قال: يا أمير المؤمنين! أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ فقال: اقرأ يا غيلان! فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ فقال: اقرأ، فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فقال: والله يا أمير المؤمنين إن شعرت أنّ هذا في كتاب الله قط. فقال له: يا غيلان: اقرأ أول سورة "يس". فقرأ حتى بلغ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين كأني لم أرها قط قبل اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب. فقال عمر: اللهم إن كان صادقًا فتب عليه وثبته، وإن كان كاذبًا فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين، فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه. وقال ابن عون: فأنا رأيته مصلوبًا على باب دمشق. فقلنا: ما شأنك يا غيلان؟ فقال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز). وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾. قال قتادة: (واتباع الذكر اتباع القرآن). وقوله: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قال قتادة: (أي ما غاب من عذابه وناره). وقيل: أن يخشاه في مغيبه عن أبصار الناس وانفراده بنفسه، فهذا الذي ينفع إنذارك له يا محمد: من آمن بالقرآن وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناظرين. أما المنافق الذي يظهر الإيمان بالقرآن في الشهادة، ويستخف بدين الله، ويستهزئ بالغيب إذا خلا فهذا لا ينفعه إنذارك ما دام قد طبع الله على قلبه وآثر الشرك على التوحيد. وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. أي: فبشر يا محمد من آمن وعظم الله في السر والعلانية بمغفرة الله لذنوبه فضلًا منه، وبالجنة منَّا منه ورحمة. ثم قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. فأخبر سبحانه بأنه هو يحيي الموتى ردًّا على منكري البعث والجزاء. وقال الضحاك: (أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل). والأول أظهر. وعن ابن زيد: (في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قال: ما عملوا. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال: أم الكتاب التي عند الله فيها الأشياء كلها هي الإمام المبين). يروي الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد ﵁ قال: [إن بني سَلِمَة شكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا

стр. 3776

وَآثَارَهُمْ﴾] (١). وفي رواية: [كانت بنو سلمة في ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقال رسول الله ﷺ : إنَّ آثارَكم تُكتب فلا تَنتقِلُوا]. وله شاهد عند ابن جرير، عن ابن عباس ﵄ قال: [كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت في مكاننا] وسنده صحيح (٢). وفي صحيح الإمام مسلم عن جابر ﵁ قال: [خَلَتِ البِقاعُ حولَ المسجد، فأراد بنو سَلِمة أن ينتقلوا قُرْبَ المسجد، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال لهم: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قُرْبَ المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ ! قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة! ديارَكم، تُكتَبُ آثارُكم، ديارَكُم تُكتَبُ آثاركم. فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا] (٣). وفي رواية لمسلم في آخره: (إن لكم بكل خطوة درجة). و"ديارَكم" منصوب على الإغراء. والتقدير: الزموا دياركم. وبنو سَلِمة بكسر اللام هم بطن من الأنصار، وليس في العرب بطن بكسر اللام غيرهم، وكانت ديارهم على مسافة من المسجد تمنعهم في سواد الليل وعند المطر واشتداد البرد، فهمّوا بالتحول إلى قرب المسجد من أجل ذلك، فأخبرهم ﵊ بأجر الخطا إلى المسجد. وفيهم نزلت هذه الآية. فقد روى ابن ماجة بإسناد جيد عن ابن عباس ﵄ قال: [كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا] (٤).

стр. 3777

وقد جاء الحض على حضور صلاة الجماعة وأجر المشي إليها وكثرة الخطا في السنة الصحيحة: وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدُهم إليها مَمْشى فأبعدُهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام، أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظمُ أجرًا] (٢). والمراد الحض على حضور صلاة الجماعة ولو كان المنزل بعيدًا من المسجد، فالأجر محسوب مضمون من الله سبحانه. الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: [كان رجل من الأنصار لا أَعْلَمُ أحدًا أبعدَ من المسجد منه، كانت لا تخطِئُهُ صلاة، فقيل له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظَّلْماء، وفي الرَّمْضاء (٣) فقال: ما يَسُرُّني أن مَنزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتبَ لي مَمْشايَ إلى المسجد، ورجوعي إذا رجَعْتُ إلى أهلي. فقال رسول الله ﷺ : قد جمع الله لك ذلك كلَّهُ] (٤). وفي رواية: [فتوجَّعْتُ له، فقلت: يا فلان! لو أنك اشتريت حمارًا يقيك الرمضاءَ وهوامَّ الأرض! قال: أما والله ما أحِبُّ أن بيتي مُطَنَّبٌ (٥) ببيت محمد ﷺ ! قال: فَحُمِلْتُ به حِملًا، حتى أتيتُ نبي الله ﷺ فأخبرته، فدعاه، فقال له: مثل ذلك، وذكر أنه يرجو أجر الأثر، فقال النبي ﷺ : إنّ لك ما احْتَسَبْت]. فكل هذه الآثار العظيمة تحمل على الحرص على صلاة الجماعة، فهي علامة من علامات الصدق في حياة المؤمن يلبي دعوة ربه وأمر نبيّه، ثم لا عذر مع سماع النداء

стр. 3778

إلا بإجابة الدعوة في المسجد، وتكفل الله بكل خطوة إلى الصلاة أن يرفع صاحبها ويمحو من خطاياه. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [كُلُّ سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تَعْدِلُ بين الاثنين صدقة، وتعينُ الرجل في دابته فتحمله أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتُميط الأذى عن الطريق صدقة] (١). والسلامى واحد السلاميات، وهي مفاصل الأصابع، وهو في الأصل عظم في فِرْسنِ البعير، فلعل المعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، والله تعالى أعلم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفَعُ به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله ﷺ ! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط] (٢). فهذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ. . .﴾ -مع أن السورة مكية والكلام في المدينة حول بني سلمة- فلربما نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة أو بالمدينة فقط، والله تعالى أعلم. وعن مجاهد: (﴿مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، قال: خطاهم بأرجلهم). وقال قتادة: (لو كان مُغْفَلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار). ولكن الله منّ بكرمه على المؤمن أن أثابه على خطوات الغدو والرواح إلى المسجد معًا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: [من غدا إلى المسجد أو راح، أعدَّ الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح] (٣). وقد رأى بعضهم أن البعد عن المسجد أفضل من القرب للأحاديث السابقة، ثم اختلفوا هل له أن يجاوز المسجد الأقرب للأبعد؟ ومذهب مالك أن لا يدع مسجدًا قربَه ويأتي غيره.

стр. 3779

قلت: وهذا هو الصحيح. إلا أن يكون تَرْكُهُ للأقرب لعذر، كوجود قبر أو منكر أو إمام غير جدير بالإمامة، ونحو ذلك. فقد روى الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [ليُصَلِّ الرجل في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد] (١). فالسنة أن يصلي في مسجد الجوار ولا يتبع المساجد، وأن يمشي إلى الصلاة بوقار. فقد روى ابن جرير بإسناده عن الحسين عن ثابت قال: (مشيت مع أنس فأسرعت المشي، فأخذ بيدي، فمشينا رُويدًا، فلما قضينا الصلاة، قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي فقال: يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب). وأصل ذلك في الصحيحين عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: [إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا] (٢). وعن مجاهد: (قوله: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال: في أم الكتاب). وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي شديد الوضوح، يبين عن حقيقة جميع ما أثبت فيه. فالله سبحانه قد أحصى كل أثر لابن آدم، وكل ما يصنعه الإنسان من عمل، كما قال جل ثناؤه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. و﴿وَكُلَّ﴾ في قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ منصوب بفعل محذوف، وكان التقدير: وأحصينا كل شيء أحصيناه. ويمكن رفعه على الابتداء ولكن النصب أولى. وبقوله: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال قتادة: (أراد اللوح المحفوظ) وهو كقول مجاهد. وقال آخرون: (أراد صحائف الأعمال). فالله نسأل أن يمحو السيئات، ويضاعف لنا الحسنات، ويكرمنا بدخول الجنات، إنه غفور شكور. ١٣ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ

стр. 3780

أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾. في هذه الآيات: يقول الله جل ثناؤه آمرًا نَبِيَّه ﷺ أن ينذر هؤلاء المشركين ممن حوله أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية التي بعث إليها ثلاثة رسل ليحذروهم شر الاستمرار على الشرك بالله في العبادة، وشر تحكيم غير منهجه سبحانه، فقابلوهم بالتكذيب والتشاؤم والتهديد، فأكّد المرسلون لهم أنما أعمالهم راجعة بالثواب أو العقاب عليهم، فما بكم التطيّر بنا، ولكنكم قوم أهل معاص وآثام، غلبت عليكم ذنوبكم وطغى إسرافكم. ثم عزّزهم الله مرة أخرى برجل سمع بهم فأقبل إليهم ودعا الناس إلى متابعة الرسل حيث لا يبغون أجرًا، وإنما هم مخلصون بتذكير الناس بالله وبالدار الآخرة ونبذ الأوثان والتحاكم للطاغوت والشيطان، ثم أظهر لهم دينه وتوحيده لربه، وأخبرهم أنه لا ينفعه ولا يضره غيره، ثم عاب آلهتهم بأنها لا تغني عنه شيئًا إن أراده الرحمان بضر ولا تنقذه من خطر قضاه الله، ثم أكد لهم إيمانه بالله ليسمعوا، فقتلوه بعد أن أبدى لهم النصيحة واستضعفوه ولم يكن أحد يدفع عنه، فلما لقي ربه

стр. 3781

قال له ادخل الجنة، فدخلها وأفضى إلى رحمة ربه وجنته وكرامته، وهو يقول: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. ولا والله ما عاتب الله قومه بعد أن قتلوه، وما بعث لهم جنودًا يقاتلونهم، بل غضب غضبة لم تبق من القوم أحدًا، فأهلكهم بصيحة فبادوا عن وجه الأرض فلم تبق منهم باقية. فيا حسرة العباد على مصائرها حيث ضيعت أوامر الله وفرطت بالحق واستهزأت بالرسل وتحاكمت للهوى والشهوات، وما اعتبرت بمصائر الأمم الهالكة قبلها التي دمرها الله بكفرها وبغيها، ثم الجميع قادمون يوم القيامة للوقوف في أرض المحشر ومعاينة أهوالها. فإلى تفصيل ذلك من أقوال المفسرين. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. قال قتادة: (ذُكِرَ لنا أن عيسى بن مريم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية مدينة بالروم، فكذبوهما، فأعزهما بثالث، فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾). وعن وهب بن منبه قال: (كان بمدينة انطاكية فرعون من الفراعنة يقال له: أبطيحس بن أبطيحس، يعبد الأصنام صاحب شرك، فبعث الله المرسلين وهم ثلاثة: صادق ومصدوق وسلوم، فقدم إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنان فكذبوهما، ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وصدعت بالذي أُمرت به وعابت دينه وما هم عليه قال لهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قلت: ولا دلالة على كون الرسل الثلاثة رسلًا للمسيح ﵇ ولا دلالة على كون القرية أنطاكية (١). والتعزز: القوة. كما قال مجاهد: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾: قال شدّدنا). وفي رواية قال: (زدنا). وقرأها القراء بالتشديد ﴿فَعَزَّزْنَا﴾، سوى عاصم قرأها بالتخفيف ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ أي غلبنا، والأول أظهر وعليه إجماع القراء. وقوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. أي: تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾: يأمر به أو ينهى عنه ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بدعواكم الرسالة. فأجاب الرسل: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا

стр. 3782

إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ الذي تقوم به الحجة عليكم، بأن الله واحد لا شريك له، فله أسلموا وإليه توجهوا ولا تشركوا، وإليه فتحاكموا وللقائه فاستعدوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذه عادة الأمم المكذبة يستعجبون إذا أوحى الله إلى بشر فينصرفون عن الحقيقة إلى الخرافة والأوهام، بأنه لو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. فأكّد لهم الرسل بأنهم مرسلون من عند الله، ولو كنا كذبة لانتقم الله منا. قال ابن كثير: (ولكن سينصرنا عليكم فما علينا إلا إبلاغكم ما أرسلنا به إليكم، فإن أطعتم فلكم سعادة الدارين وإن عصيتم فعليكم مغبة ذلك). وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يعنون إنا تشاءمنا بكم فإن أصابنا بلاء فمن أجلكم). وقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾. قال قتادة: (بالحجارة). وقيل: لنشتمنكم. وقيل: هو التعذيب المؤلم. وقيل: هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب. قال القرطبي: (وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل). وقوله: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال قتادة: (ولينالنكم منا عذاب موجع). فأجابهم الرسل: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. قال وهب بن منبه: (قالت الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي أعمالكم معكم). وقال ابن عباس: (معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم). فالمعنى: أجاب الرسل القوم المتشائمين ببلاغهم: بأن أعمالكم وأرزاقكم وحظكم من الخير والشر معكم ولازم في أعناقكم، وما هو من شؤمنا، فإن أصابكم سوء فبما اجترحت جوارحكم، وبما استذلكم الشيطان باتباع أهوائكم وشهواتكم وتحكيم نفوسكم، وكل ما أصابكم فهو أمر قد كتب عليكم وسبق لكم من الله. وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾. قال قتادة: (أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا). وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. قال يحيى بن سلاّم: (مسرفون في كفركم). وقال قتادة: (مسرفون في تطيركم). وقال ابن بحر: (السرف هاهنا الفساد، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون). وقيل: (مسرفون: مشركون، والإسراف مجاوزة الحد، والمشرك يجاوز الحدّ) ذكره القرطبي.

стр. 3783

وقال ابن كثير: (أمن أجل أن ذكّرناكم بالحق قابلتمونا بالتهديد والوعيد؟ بل أنتم قوم مسرفون). وقال ابن جرير: (قالوا لهم: ما بكم التطير بنا ولكنكم قوم أهل معاص لله وآثام قد غلبت عليكم الذنوب والآثام). وخلاصة المعنى: أن الرسل بلغوهم الحق الذي ثقل على نفوسهم، وخافوا منه على مصالحهم ورياساتهم وأهوائهم وشهواتهم، فقابلوهم بالاشمئزاز والتشاؤم والتكذيب والتهديد والوعيد، فكشف لهم الرسل حقيقة الأمر بأنهم لجؤوا إلى التشاؤم بهم ليغطوا حبهم للمعاصي والآثام، وتعلق قلوبهم بالكبر وحب الرياسة والطغيان. ثم قال جل ثناؤه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال قتادة: (ذكر لنا أن اسمه حبيب، وكان في غار يعبد ربه، فلما سمع بهم أقبل إليهم، قال: لما انتهى إليهم يعني إلى الرسل قال: هل تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا، فقال عند ذلك: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾). وعن أبي مُجَلِّز قال: (كان صاحب يس حبيب بن مري). وقيل: كان نجارًا. وقيل: قصّارًا. وقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﵄: (أن أهل القرية همّوا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة ساعيًا لينصرهم من قومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾). ثم قال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي على إبلاغكم رسالة الله. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له. ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي ما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم المعاد ليجزي كلًا بعمله. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ﴾: استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾. أي هذه الآلهة التي تعبدونها لا يملكون من الأمر شيئًا، فلو أرادني الله تعالى بسوء لا تستطيع هذه الآلهة إنقاذي ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن اتخذتها آلهة من دون الله تعالى. ثم خاطب الرسل بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الذي أرسلكم ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي اسمعوا ما أقول لتشهدوا لي بذلك. قال ابن إسحاق: قال ابن مسعود: (خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم. قال: وطِئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبَه من دبره وألقي في بئر وهي

стр. 3784

الرسّ وهم أصحاب الرسّ) (١). والقصب: المعي. وذكر ابن جرير عن قتادة: (هذا رجل دعا قومه إلى الله وأبدى لهم النصيحة فقتلوه على ذلك، وذُكِرَ لنا أنهم كانوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، اللهم اهد قومي، حتى أقْعصوه وهو كذلك. قال: أدخله الله الجنة وهو فيها حيّ يرزق). وقيل: معنى قيله: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ وجبت لك الجنة، فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة، لأن دخولها يستحق بعد البعث. قال مجاهد: (قيل: قد وجبت له الجنة، قال ذلك حين رأى الثواب). وعن ابن إسحاق عن بعض أصحابه أنَّ عبد الله بن مسعود كان يقول: (قال الله له: ادخل الجنة، فدخلها حيًّا يُرزق فيها قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها، فلما أفضى إلى رحمة الله وجنته وكرامته: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾). قال ابن عباس: (نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته في قوله: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾). قال: (نصح قومه حيًا وميتًا). وقال أبو مجلز: (﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾: إيماني بربي وتصديقي رسله والله أعلم). وخلاصة المعنى: أنه كان مخلصًا لله في دعوته، دافع عن الحق وعن رسل الحق، وضحّى بنفسه من أجل الحق الذي هدّد رؤوس الكبر والكفر في قومه، فوثبوا عليه فقتلوه ليخلدوا إلى دنياهم دون منافس لهم، وليستعبدوا الناس دون صارف لهم عنهم، فأثابه الله حسن أثر في الدنيا ونعيم في الآخرة، ووصف الله حاله في نعيمه على لسانه بنفسه، فقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من النعيم المقيم والثواب العظيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه كم كان حريصًا على هداية قومه). وقال القرطبي: (وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته. الثاني: تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل

стр. 3785

حاله). فرحمه الله تعالى فقد تمنى الخير لقتلته والباغين له الغوائل، ولكن الله سبحانه انتقم ممن قتله فجعل النقمة عليهم، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة فماتوا عن آخرهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. أي ما أنزل الله عليهم رسالة ولابعث لهم نبيًا، كما قال مجاهد في قوله: ﴿جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: (رسالة). وقال قتادة: (فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾). وقال الحسن: (أي ما أنزلنا عليهم من رسالة ولا نبي بعد قتله. قال: الجند: الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء). واختار ابن جرير أن الجند الملائكة. وقيل: الجند العساكر، كما ذكر ابن إسحاق عن ابن مسعود قال: (غضب الله له، يعني لهذا المؤمن، لاستضعافهم إياه غضبة لم تبق من القوم شيئًا فعخل لهم النقمة بما استحلوا منه وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾. يقول: ما كاثرناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾). وقال قتادة: (خامدون: هلكى). أي فإذا هم خامدون عن آخرهم لم تبق بهم روح تتردد في جسد، فبادوا عن وجه الأرض ولم تبق منهم باقية. فالله ما أهلكهم بجنده بل بصيحة واحدة فكانوا بها هالكين. وقراءة الجمهور بالفتح ﴿صَيْحَةً﴾، وقرأها أبو جعفر المدني ﴿صَيْحَةً﴾ بالرفع -فتكون كان بمعنى وقع- والقراءة الأولى أصح وعليها الإجماع. (فائدة): قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ فيه تصغير لأمرهم وشأنهم، فقد أهلكناهم بصيحة فهلكوا، وأما ما حصل لنبيّنا محمد ﷺ من التأييد بإنزال الملائكة يوم بدر والخندق -وكان يكفيهم مَلَكٌ واحد أو صيحة كما أُهلكت مدائن قوم لوط وبلاد ثمود وقوم صالح- فهو من أسباب الكرامة والإعزاز وعظائم الأمور التي اختص الله بها هذا النبي الكريم وأمته ﵊. وقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال قتادة: (يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضَيَّعت من أمر الله وفرّطت في جنب الله. قال: وفي بعض القراءات: يا حسرة العباد على أنفسها﴾).
следующие страницы →