فجاء الجواب من اللَّه ردًّا على تلك النفس المُتَمنِّيَة: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال قتادة: (يقول اللَّه ردًّا لقولهم وتكذيبًا لهم، يعني لقول القائلين: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ والصنف الآخر: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي. . .﴾ الآية). قال النسفي: (ولكن تركت ذلك وضيعته واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك).
وقال ابن جرير: (يقول: قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك، وكتاب أنزلته يتلى عليك، ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير، فكذبت بآياتي واستكبرت عن قبولها واتباعها وكنت ممن يعمل عمل الكافرين).
والمراد بالآيات في هذه الآية ما نزل من القرآن، وذلك كما قال الشوكاني: (المراد بالآيات هي الآيات التنزيلية وهو القرآن، ومعنى التكذيب بها قوله: إنها ليس من عند اللَّه وتكبر عن الإيمان بها، وكان مع ذلك التكذيب والاستكبار من الكافرين باللَّه).
قلت: وإن كان الخطاب للمذكر إلا أن النفس في كلام العرب تطلق على المذكر والمؤنث. والآية كقوله في سورة هود: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والآية التي قبلها: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه تعالى يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أنّ لكَ ما في الأرض من شيء كنتَ تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهونُ من هذا وأنت في صُلبِ آدم أن لا تشركَ بي شيئًا فأبيت إلا الشرك] (١).
وعن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يؤتى بالعبدِ يوم القيامة، فيقالُ له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسَخَّرت لك الأنعام والحرثَ وتركتك ترأسُ وتربعُ، فكنت تظنَّ أنك مُلاقِيَّ يومَكَ هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٢).
стр. 4132
التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون
تفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين -الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة- على فهم الصحابة والتابعين
تفسير منهجي فقهي شامل معاصر
الجزء السابع
تأليف الأستاذ الدكتور مأمون حموش
стр. 4133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4134
التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون
стр. 4135
جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
موافقة وزارة الإعلام
رقم: ٩١٠٩٢
ورقم: ٩١٤٥١
تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م
دمشق - سورية
يطلب من المؤلف
دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١
المدقق اللغوي الدكتور أحمد راتب حموش
стр. 4136
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
الخطاب لأهل الفرقة والاختلاف، ولأهل الكذب والافتراء، من نسبوا الولد والشريك للَّه، واستهزؤوا بشرعه ووحيه، فسيحشرهم أذلاء صاغرين في سجون جهنم جزاء وفاقًا، بما كانوا يمرحون في الأرض بغير الحق وبما كانوا يتجبرون، وقد علت وجوههم اليوم طبقة من السواد والغبرة والقترة.
فقد خرّج الإمام أحمد والترمذي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال. يغشاهم الذل من كل مكان. يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار. يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال]. وسنده صحيح (١).
وله شاهد عند ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظه: [إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صورة الناس، يعلوهم كل شيء من الصَّغار، حتى يدخلوا سجنًا من النار في دار يقال له بولس من نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينة الخبال].
وقوله: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ جملة في محل نصب على الحال. وقال الأخفش: (﴿تَرَى﴾ غير عامل في ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، إنما هو مبتدأ وخبر). قال الشوكاني: (والأولى أنَّ "ترى" إن كانت من الرؤية البصرية، فجملة ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ حالية، وإن كانت قلبية، فهي في محل نصب على أنها المفعول الثاني لترى، قال: والاستفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ للتقرير).
وقال القاسمي ﵀: (﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي لما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم. فالسواد حقيقي. أو لما يلحقهم من الكآبة، ويظهر عليهم من آثار الهيئات الظلمانية، ورسوخ الرذائل النفسانية في ذواتهم. فالسواد مجاز بالاستعارة).
وأما الكبر فقد عرّفه رسول اللَّه ﷺ في حديثه -الذي في المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي هريرة- حيث قال: [الكِبْرُ مَنْ بَطِرَ الحق، وغَمَطَ الناس] (٢).
стр. 4137
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
قال السدي: (﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قالَ: بفضائلهم). وقال ابن زيد: (بأعمالهم. قال: والآخرون يحملون أوزارهم يوم القيامة ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]).
وقال القاسمي: (أي بفوزهم وفلاحهم لإتيانهم بأسباب الفوز، من الاعتقادات المبنية على الدلائل والأعمال الصالحة). وقال ابن كثير: (أي بما سبق لهم من السعادة والفوز عند اللَّه فتبيض وجوههم لا يمسهم السوء يوم القيامة ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر، نائلون كلَّ خير).
وقد قرأها قراء المدينة وبعض قراء البصرة ومكة (بمفازَتِهم)، في حين قرأها قراء الكوفة (بمفازاتِهم) وكلاهما مشهور عند القراء. ويجوز أن تكون الباء في (بمفازتهم) للسببية: أي بسبب فوزهم مع انتفاء مساس السوء لهم وعدم وصول الحزن إلى قلوبهم لأنهم رضوا بثواب اللَّه وأمنوا من عقابه. حكاه الشوكاني.
وجملة القول: فإن اللَّه وعد الذين اتقوا الشرك والوقوع فيما يسخطه سبحانه بالنجاة يوم القيامة من الأهوال والفزع والمصائب والعذاب بما التمسوا أسباب الفوز والنصر والنجاة بأعمالهم وحرصهم على التقوى والعمل الصالح واجتناب الفواحش والآثام. فجملة ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ وجملة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ كلاهما في محل نصب حال، أي هذه حالة المتقين يوم القيامة.
قال النسفي: (﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾: النار ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: لا يمسهم السوء، أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم). وقال ابن جرير: (ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آراب الدنيا إذ صاروا إلى كرامة اللَّه ونعيم الجنان).
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. أي: فله الخلق والأمر سبحانه والتدبير، وهو الحفيظ على كل شيء وكيل، وهو تمهيد للآية التالية حيث يعيب عليهم سبحانه عبادة غيره، فإن الإقرار بالربوبية يقتضي الإقرار بالألوهية كما قال في سورة المؤمن: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ
стр. 4138
رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
قال ابن جرير: (اللَّه الذي له الألوهة من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له، خالق كل شيء، لا ما لا يقدر على خلق شيء، وهو على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة).
وقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال قتادة: (أي مفاتيح السماوات والأرض). وقال السدي: (خزائن السماوات والأرض). وقال ابن زيد: (المقاليد: المفاتيح. قال: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض).
قال الرازي: (والإقليد بكسر الهمزة المِفْتاح. و"المِقْلَدُ" بوزن المِبْضَعُ مفتاحٌ كالمنجل والجمع المقاليد). أي عنده مفاتيح خزائن الخير والشر ينفق منها كيف يشاء ويقسم منها كيف يشاء. كما جاء في معجم الطبراني ومسند الطيالسي بسند حسن عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ قال: [عند اللَّه خزائن الخَيْر والشر، مفاتيحُها الرجال، فطوبى لمن جعله اللَّه مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر، وويل لمن جعله اللَّه مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير] (١).
وقيل: (خزائن السماوات المطر، وخزائن الأرض النبات). قلت: بل الآية أعم من ذلك وأشمل فخزائن الخير لا يحصيها إلا اللَّه الخالق الأحد.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فإن من جحدوا القرآن وما فيه من الأدلة والبراهين والحجج، وأنكروا النبوة والوحي، فهم في أشد الخسران وكامل الحرمان.
قال ابن جرير: (والذين كفروا بحجج اللَّه فكذبوا بها وأنكروها، أولئك هم المغبونون حظوظهم من خير السماوات التي بيده مفاتيحها، لأنهم حرموا ذلك كله في الآخرة بخلودهم في النار، وفي الدنيا بخذلانهم عن الإيمان باللَّه .
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾. أي: فمن هو المنعم غيره الذي يستحق العبادة والتعظيم، ومن هو الرازق غيره الذي يوصف بالكريم، ومن هو المتفضل والمدبر غيره الذي يوصف بالحكيم، ومن هو الجبار القهار غيره ينصر عباده المؤمنين ويوصف بالعلي القوي العظيم.
стр. 4139
وقد كان المشركون دعوا النبي ﷺ لعبادة الأصنام وقالوا هو دين آبائك، فسفههم اللَّه بقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾. والاستفهام للإنكار التوبيخي، و"غيرَ" منصوب "بأعبد" وكأن التقدير: أفتأمروني أن أعبد غير اللَّه، كما يجوز نصب "غيرَ" بتأمروني، و"أعبد" بدل منه بدل اشتمال. والجمهور على قراءتها بإدغام نون الرفع في نون الوقاية "تأمروني".
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
هو كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال مقاتل: (أي أوحى إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف). وقال القرطبي: (وقيل: الخطاب له والمراد أمته، إذ قد علم اللَّه أنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك. والإحباط الإبطال والفساد، قال القشيري: فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فالمطلق ها هنا محمول على المقيد، ولهذا قلنا من حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج).
وهذا مذهب الشافعي، وأما مالك فتجب عنده الإعادة، والراجح أنها لا تجب، لما روى مسلم في صحيحه عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال أناس لرسول اللَّه ﷺ : [يا رسول اللَّه! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أُخِذَ بعمله في الجاهلية والإسلام] (١).
وكذلك روى الإمام مسلم عن عروة بن الزبير: [أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : أرأيت أمورًا كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية، من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : أسلمتَ على ما أسلفت من خير] (٢). واللَّه تعالى أعلم.
فغاية القول: أن الشرك يذهب العمل، والخطاب وإن وجّه للنبي ﷺ ففيه إقناط للكفرة وتضخيم لهذا الذنب العظيم الذي اقترفوه، وهو خطاب للأمة من باب أولى، ويعجبني ما ذكره العلامة القاسمي حيث قال: ("إنْ" تقتضي احتمال الوقوع. وهو هنا
стр. 4140
مقطوع بعدمه. قال: فالجواب أنّ هذا الكلام وارد على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضها لأغراض. والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإيذان بغاية قبح الإشراك).
وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. لفظ الجلالة منصوب بما بعده وهو قوله ﴿فَاعْبُدْ﴾. قال النسفي: (ردٌّ لما أمروه به من عبادة آلهتهم كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن عبدت فاعبد اللَّه، قال: وكن من الشاكرِين على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم). وقال ابن عباس: (فاعبد: أي فَوَحِّد). وقيل بل المعنى (فأطع). ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ قال الشوكاني: (لإنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد والدعاء إلى دينه واختصك به من الرسالة).
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي تميمة قال: شهدت رسول اللَّه ﷺ وأتاه رجل فقال: [أنت رسول اللَّه، أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلام تدعو؟ قال: أدعو إلى ربك الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضْلَلْتَ بأرض قَفْرٍ فدعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١). ورواه أبو داود.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
أما سبب نزول هذه الآية، فهو ما ذكره الإمام أحمد في مسنده ورجاله رجال الصحيح، والترمذي في جامعه، وابن خزيمة في صحيحه، وابن جرير في تفسيره عن علقمة بن عبد اللَّه قال: [جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم! أبلغك أن اللَّه يحمل الخلائق على أصبع، والسماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على أصبع، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، فأنزل اللَّه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾].
والحديث في الصحيح بلفظ (فتلا رسول اللَّه ﷺ ). فقد أخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، عند تفسير سورة الزمر، قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: [جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد: أن اللَّه يجعل السماوات على إصْبَع، والأرضينَ على إصَبعٍ، والشجرَ على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائرَ الخلائِق على إصبع،
стр. 4141
فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجِذُه تصديقًا لقول الحَبْر، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾] (١).
ثم ذكر البخاري فقال: قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾. فروى عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [يقبض اللَّه الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض] (٢).
وفي المسند عن ابن عمر ﵄ قال: [إن رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ورسول اللَّه ﷺ يقول هكذا بيده، ويحركها يقبل بها ويدبر، يُمَجِّدُ الربِّ نفسَهُ أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول اللَّه ﷺ المِنْبَرُ حتى قُلنا لَيَخِرَّنَ به] (٣).
وفي تأويل قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أكثر من قول:
الأول: ما عظموا اللَّه حق تعظيمه. قال السّدي: (ما عظموا اللَّه حق عظمته). وقال المبرد: (ما عظموه حق عظمته من قَوْلك فلان عظيم القدر).
الثاني: ما آمنوا به ولم يعرفوا قدره. قال ابن عباس: (هم الكفار الذين لم يؤمنوا بِقدرة اللَّه عليهم، فمن آمن أن اللَّه على كل شيء قدير فقد قدر اللَّه حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر اللَّه حق قدره).
الثالث: ما عبدوه بل أشركوا به. قال النحاس: (ما عظموه حق عظمته إذ عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها).
وكلها في معنى واحد، وهو أن الكافرين ما عرفوا اللَّه حق المعرفة، وما عظّموه حق التعظيم، وما أخلصوا له العبادة، بل نسبوا له النقائص والعيوب، فتعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرًا.
стр. 4142
وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
يروي ابن جرير عن علقمة عن عبد اللَّه بن مسعود قال: (كنا عند رسول اللَّه ﷺ حين جاءه حبر من أحبار اليهود فجلس إليه فقال له النبي ﷺ حدثنا قال: إن اللَّه ﵎ إذا كان يوم القيامة جعل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع والماء والشجر على أصبع وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزّهن ثم يقول: أنا الملك. قال: فضحك رسول اللَّه ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لما قال ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾).
قال ابن عباس: (قد قبض الأرضين والسماوات جميعًا بيمينه، ألم تسمع أنه قال ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يعني الأرض والسماوات بيمينه جميعًا. قال: وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه).
قلت: وكأن مراد ابن عباس قوله ﷺ : [وكلتا يديه يمين] كما في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو، ولفظه بتمامه: [إن المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين، الذين يَعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).
وأخرج محمد بن أبي شيبة في "كتاب العرش" عن أبي ذر الغفاري، عن النبي ﷺ قال: [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢).
قال ابن عباس: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد اللَّه إلا كخردلة في يد أحدكم).
وقد خرّج الترمذي عن عائشة: [أنها سألت رسول اللَّه ﷺ عن قوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قالت: قلت فأين الناس يومئذ يا رسول اللَّه؟ قال: على جسر جهنم] (٣). وفي رواية: (على الصراط يا عائشة).
стр. 4143
وفي لغة العرب: القَبْضة: المرة من القبض، والقُبضةُ: المقدار المقبوض بالكف، ومنه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي موسى عن النبي ﷺ : [إن اللَّه خلق آدم من قُبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض. .] الحديث. ومذهب السلف في (القبضة واليمين) إثبات ذلك بلا تكييف ولا تحريف ولا تبديل للفظ عما تعرف العرب.
وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال القرطبي: (ثم نزّه نفسه على أن يكون ذلك بجارحة).
وقال الشوكاني: (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة العظيمة والحكمة الباهرة).
قلت: ثم أتبع هذه الآية ذكر أهوال القيامة والنفخ في الصور يوم لا ينفع الشرك والرياء أهله بل يفزعون ويتقطعون، كما روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِلَ عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِركَه] (١).
٦٨ - ٧٥. قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا
стр. 4144
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.
في هذه الآيات: يخبر سبحانه عباده عن أهوال يوم القيامة لعلهم يتقوه ويخافوه، وهذه الأهوال تبدأ بنفخة الفزع ثم نفخة الصعق فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء اللَّه، فيموت بها الأحياء منهم ثم يقبض أرواح من استثنى، وآخِر من يموت ملك الموت فينفردُ اللَّه الحي القيوم بالبقاء إذ لا يشاركه في الديمومة أحد، كما كان على ذلك أولًا فيقول جل في كبريائه: (لمن الملك اليوم) ثلاث مرات! ثم يجيب نفسه فيقول (للَّه الواحد القهار). فقد قهر بجبروته وعظمته كل شيء، ثم يحيى إسرافيل ويأمره بنفخة القيام فينفخ فيقوم الناس لرب العالمين. فإذا برز الرحمان لفصل القضاء بين خلقه أضاءت الأرض وأشرقت بعظيم نوره ويؤتى بكتاب الأعمال لبدء الحساب كما يُحضر النبيون للشهادة على الناس، ويكرم اللَّه أمة محمد بالشهادة انتصارًا للأنبياء وشهادة لهم بتبليغ الأمانة التي جحدها أقوامهم، فيقضي اللَّه بين الرسل وأممهم ويفصل بينهم بالحق ويقاضي كلًا بعمله وهو أعلم بما يفعلون. ثم تسوق الملائكة المجرمين والأشقياء إلى النار سوقًا عنيفًا ودفعًا غليظًا فإذا ما وصلوها فتحت أبوابها فتحًا سريعًا، ليباشروهم عقابًا أليمًا بما أشركوا باللَّه وضيعوا شرعه وحكموا بغيره واستهزؤوا برسله، وتقول لهم الملائكة تقريعًا وتوبيخًا: ألم يأتكم رسل من جنسكم بالحجج والبينات وَيُحذرونكم شرّ هذا اليوم وذل الخزي فيه؟ ! قالوا: نعم، ولكن كذبناهم وعاندناهم ليحق علينا الشقاء الذي كتبه اللَّه علينا بعلمه وعدله وحكمته واستحقاقنا له. قالوا: فادخلوا أبواب جهنم ماكثين فيها جزاء مكوثكم في الدنيا على الكبر والعناد والاستهزاء بالحق فبئس ما اخترتم لأنفسكم من الهلاك والشقاء. ثم أخبر سبحانه عن منازل السعداء، أهل الإيمان الأتقياء، حيث تحتفل الملائكة اليوم بتقديمهم، واستقبالهم في وفودهم، ليسيروا في مواكب من البهجة والأمن إلى دار الخلود والاستقرار، فلا نصب بعد اليوم ولا وصَب ولا استعصار، فقد اصطفوا جماعات جماعات، المقربين ثم الأبرار ثم أصحاب اليمين والصالحات، فإذا ما وصلوا دار الخلود والنعيم والمسرات، خرج الخزنة الكرام لاستقبالهم، وتلقتهم الملائكة المقربون بالبشارة والسلام عليهم، سلام عليكم طبتم في منازلكم وفي جنانكم، ماكثين في قصوركم
стр. 4145
وغرفاتكم، فقد طابت في الدنيا أقوالكم وأعمالكم، وطابَ جهادكم وسعيكم، فطاب لأجل ذلك جزاؤكم. فتحركت ألسنتهم بحمد اللَّه العظيم، الذي صدقهم وعده الكريم، وأورثهم أرض الجنة أرض النعيم، ينعمون فيها ويتلذذون فنعم أجر العاملين، وأما الملائكة فهم محدقون حول العرش اليوم، يتابعون التسبيح والتعظيم، وقد قاموا بهذا الاستقبال الكريم، فرضي اللَّه عنهم وعن حسن استقبالهم وحسن عبادتهم، ولما فرغ اللَّه من القضاء بين خلقه لهجوا يذكره وقالوا الحمد للَّه رب العالمين. فإلى تفصيل ذلك:
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾. أي: نَفَخَ إسرافيل في القرن وهي النفخة الثانية نفخة الصعق، فإن النفخ في الصور ثلاثة أحوال:
الأولى: نفخة الفزع. وهي التي أشار اللَّه لها في سورة النمل بقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.
الثانية: نفخة الصعق. وهي قوله في سورة الزمر في هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال السدي: (أي مات).
الثالثة: نفخة القيام لربّ العالمين. وهي تتمة الآية السابقة: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
فبنفخة الصعق يموت الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من استثنى اللَّه سبحانه، ثم يقبض اللَّه أرواح الباقين حتّى يكون آخر من يموت ملك الموت ﵇، فينفرد الحيّ القيوم جل ثناؤه بالديمومة والبقاء، فهو الذي كان أولًا وهو الباقي آخرًا، ثم يقول سبحانه: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ ثم يجيب نفسه بنفسه سبحانه فيقول: (للَّه الواحد القهار)، أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل شيء. ثم يحيى اللَّه أولَ من يحيى إسرافيل ويأمره بالنفخة الثالثة وهي نفخة البعث، فينفخ إسرافيل في الصور، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (أي أحياء بعد ما كانوا عظامًا ورفاتًا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة).
والآية كقوله في سورة النازعات: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. وكقوله
стр. 4146
في سورة الإسراء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وكقوله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: [بينما يهودي يعرض سلعة له أعطي بها شيئًا كرهه أو لم يرضه قال: لا والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا؟ قال: فذهب اليهودي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا، وقال: فلان لطم وجهي. فقال رسول اللَّه ﷺ : لم لطمت وجهه؟ قال: قال يا رسول اللَّه: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر وأنت بين أظهرنا. قال: فغضب رسول اللَّه ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء اللَّه فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه. قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث أو في أول من بعث، فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش (وفي رواية: آخذ بقائمة من قوائم العرش) فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي. ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى ﵇] (١).
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (٢). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم يُنزل اللَّه من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقلُ. قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (٣) ومنه يركب الخلق يوم القيامة] (٤). (وفي رواية لمسلم: كل ابنِ آدم يأكله التراب إلا عجبَ الذنب منه خلق وفيه يركب).
وفي جامع الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا:
стр. 4147
يا رسول اللَّه! وما تأمرنا؟ قال: قولوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل] (١). وفيه عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول اللَّه ما الصور؟ قال: [قَرْنٌ ينفخُ فيه].
وعند البخاري عن ابن عباس: [في قوله تعالى ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ قال: الصور. و ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ قال: النفخة الأولى، و ﴿الرَّادِفَةُ﴾ قال: الثانية] (٢).
وأما تفصيل النفخة وما قبلها وما بعدها فقد جاء ذلك في صحيح الإمام مسلم من حديثٌ عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين، لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا، أو أربعين ليلة، فيبعث اللَّه تعالى عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه اللَّه تعالى (وفي رواية: فيطلبه فيهلكه) ثم يلبث الناس بعده سنين سبعًا، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل اللَّه تعالى ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه. ويبقى شرار الناس في خفة الطير (٣) وأحلام السباع (٤)، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارّة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا (أي أمال صفحة عنقه) وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه (أي يطينه ويصلحه) فيصعق ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل اللَّه تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أيها الناس! هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق. (وفي رواية: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق)] (٥).
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فيه أكثر من تأويل:
стр. 4148
الأول: أنهم جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت. قال السدي: (جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت).
وقيل: جبريل وميكائيل وحملة العرش وملك الموت وإسرافيل.
الثاني: أنهم رضوان والحور ومالك والزبانية. قال الضحاك: (هو رضوان والحور ومالك والزبانية).
الثالث: أنهم الشهداء. فعن سعيد بن جبير: (الشهداء ثنية اللَّه حول العرش متقلدين السيوف).
وقيل: عني بالاستثناء في الفزع: الشهداء، وفي الصعق: جبريل وملك الموت وحملة العرش. ورجحه ابن جرير.
الرابع: أنه موسى ﵇. لما جاء في حديث الصحيحين عن أبي هريرة. وفي رواية أخرى: [فأكون أول من رفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى اللَّه]. وفي طريق آخر: [لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطِشٌ بجانب العرش (١) فلا أدري أكان فيمن صُعِق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى اللَّه].
قال القشيري: (ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا غير أنهم أحياء عند اللَّه. فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز أن تكون بالموت، ولا يبعد أن تكون الموت والحياة فكل ذلك مما يجوزه العقل، والأمر في وقوعه موقوف على خبر صدق).
الخامس: قيل اللَّه أعلم بمن استثنى. فعن قتادة قال: (اللَّه أعلم بثنياه).
وعنه أيضًا: (قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال الحسن: يستثني اللَّه وما يدع أحدًا من أهل السماوات ولا أهل الأرض إلا أذاقه الموت. قال قتادة: قد استثنى اللَّه، واللَّه أعلم إلى ما صارت ثنيته. قال: وذكر لنا أن نبيّ اللَّه قال: أتاني ملك فقال: يا محمد اختر نبيًّا مَلِكًا، أو نبيًا عبدًا، فأومأ إليّ أن تواضَعْ. قال: نبيًا عبدًا. قال: فَأُعْطيت خصلتين: أن جُعِلْتُ أوّلَ من تنشق عنه الأرض، وأولَ
стр. 4149
شافِع، فأرفع رأسي فأجدُ موسى آخذًا بالعرش، فاللَّه أعلم أصَعِقَ بعدَ الصعقة الأولى أم لا؟ ).
السادس: قيل الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ يرجع إلى من مات قبل النفخة الأولى. قال القرطبي: (أي فيموت من في السماوات والأرض إلا من سبق موته، لأنهم كانوا قد ماتوا).
السابع: قيل عقارب أهل النار وحياتها. ذكره القرطبي أيضًا.
قلت: اللَّه أعلم ما يستثني عند كل نفخة ومن يُصعَق فيها، ولكن الثابت أن الناس سيموتون جميعًا في نهاية المطاف وأن أول من يرفع رأسه بعد الصعق نبينا ﵊ وهو لا يدري حين يبصر موسى ﵇ متعلقًا بقائمة العرش هل صُعِقَ أم استثنيَ من الصعق.
وقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾. قال السدي: (في الصور، وهي نفخة البعث).
وعن عكرمة: (في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ قال: الأولى من الدنيا، والأخيرة من الآخرة).
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. قال ابن جرير: (ذُكِرَ لنا أن معاذ بن جبل سأل نبيَّ اللَّه ﷺ : كيف يُبْعَثُ المؤمنون يوم القيامة؟ قال: يبعثون جُرْدًا مُرْدًا مكحلين بني ثلاثين سنة).
قلت: وهذا ثابت في حديث الترمذي وسنده حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [أهل الجنة جُردٌ، مردٌ، كُحْلٌ، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم] (١).
ورواه أحمد عن معاذ ولفظه: [يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين].
وأما نساء أهل الجنة فقد وصفهن اللَّه في سورة الواقعة: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. أي في سن واحدة، ليس فيهن العجائز والشّواب، بل كلهن شواب.
وعن السدي: (﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾: قال حين يبعثون). أي ينظرون إلى البعث
стр. 4150
الذي وعدوا به، وإلى الأهوال المحيطةِ بهم، أي قاموا ينظرون ماذا يؤمرون، وقيل بل المعنى ينتظرون ما يفعل بهم.
قال القاسمي: (أي وقوف، يقلبون أبصارهم دهشًا وحيرة، أو ينتظرون ما يحل بهم).
وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ فيه أكثر من تأويل:
الأول: قيل المراد أضاءت بعدل ربها، ذكره الحسن. وقال الضحاك: (بحكم ربها). قال القرطبي: (أي أنارت وأضاءت بعدل اللَّه وقضائه بالحق بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. قال: إشراقها إضاءتها، يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت). وقال النسفي: (وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حين ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها ولا ترى أزينَ للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه).
الثاني: قيل بل المراد نور يخلقه اللَّه يوم القيامة. قال ابن عباس: (النور المذكور ها هنا ليس من نور الشمس والقمر، بل هو نور يخلقه اللَّه فيضيء به الأرض). فتكون إضافة النور إلى اللَّه كإضافة المُلكِ إلى المالك.
الثالث: قيل بل المراد أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء. فعن السدي: (﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾: قال أضاءت). وقال ابن جرير: (فأَضاءت الأرض بنور ربها. يقال أشرقت الشمس: إذا صفت وأضاءت، وأشرقت: إذا طلعت، وذلك حين يبرز الرحمان لفصل القضاء بين خلقه) واختاره ابن كثير.
الرابع: قيل بل المراد المعنى الحقيقي وهو أن اللَّه نور السماوات والأرض.
قال قتادة: (فما يتضارّون في نوره إلا كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه).
وقال أبو جعفر النحاس: (وقوله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ يبين هذا الحديثُ المرفوع من طرق كثيرة صحاح "وتنظرون إلى اللَّه لا تُضامون في رؤيته" وهو يروى على أربعة أوجه: لا تُضامُون ولا تضارُون ولا تضامُّون ولا تضارّون، فمعنى "لا تضامُون" لا يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. و"لا تضارُون" لا يلحقكم ضير. و"لا تضامّون" لا ينضم بعضكم إلى
стр. 4151
بعض ليسأله أن يريه. و"لا تضارّون" لا يخالف بعضكم بعضًا، يقال: ضارّه مضارّة وضِرارًا أي خالفه) ذكره القرطبي.
قلت: والضيم لغة: الظلم، والحديث أصله في صحيح البخاري عن جرير بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنكم سترون ربّكم عيانًا. وفي رواية قال: كنا جلوسًا عند رسول اللَّه ﷺ فنظر إلى القمر ليلةَ البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تَضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾] (١).
وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [تضامون في رؤية القمر ليلة البدْر؟ قالوا: لا. قال: فكذلك لا تضامون في رؤية ربكم يوم القيامة] (٢).
وفيه أيضًا عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول اللَّه! أنرى ربنا؟ قال: [تَضَامّون في رؤية الشمس في الظهيرة في غير سحاب؟ قلنا لا. قال: فتضارونَ في رؤية القمر ليلة البدر في غير سحاب؟ قالوا: لا. قال: إنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤيتهما].
فإن اللَّه سبحانه نور السماوات والأرض، فإذا تجلى لعباده ليفصل بينهم فاض النور منه سبحانه: نور وجهه ونور عدله ونور قضائه وحكمه، فكان ذلك كله نورًا على نور.
وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾. فيه أكثر من قول:
الأول: كتب الأعمال. فعن قتادة قال: (كتاب أعمالهم. قال: يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فأخذ بيمينه وآخذ بشماله). وقال ابن جرير: (يعني كتاب أعمالهم لمحاسبتهم ومجازاتهم).
الثاني: قيل بل المراد وضع الكتاب للحساب. فعن السدي: (ووضع الكتاب: قال الحساب). أي مِنْ وَضْعِ المُحاسب كتاب المحاسبة بين يديه.
стр. 4152
الثالث: قيل بل المراد المحفوظ. قال ابن عباس: (يريد اللوح المحفوظ).
قلت: والظاهر أنه قد أحضر ما هو مكتوب قد سُطِّرت فيه الأعمال ودقائق الأفعال وعلمه اللَّه وكتبه في اللوح المحفوظ من قبل، ليوزع اليوم على الثقلين كل يأخذ كتابه بيده التي تناسب النتيجة والفصل والعدل والقضاء.
وقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾. قال ابن جرير: (وجيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابتهم به أممهم وردت عليهم في الدنيا حين أتتهم رسالة اللَّه). وقال ابن كثير: (يشهدون على الأمم بأنهم بلغوا رسالات اللَّه إليهم).
وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾. فيه أكثر من تأويل:
الأول: قيل المراد أمة محمد ﷺ يشهدون للرسل أنهم قد بلغوا أقوامهم إذ جحدت أممهم أن يكونوا أبلغوهم رسالة اللَّه.
فعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ فإنهم ليشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وبتكذيب الأمم إيّاهم). والآية كقوله في سورة البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
الثاني: قيل بل المراد الشهداء الذين قتلوا في سبيل اللَّه.
قال السدي: (الذين استشهدوا في طاعة اللَّه). وقال القاسمي: (وجوّز إرادة المستشهدين في سبيل اللَّه تعالى، تنويهًا بشأنهم، وترفيعًا لقدرهم، بضمهم إلى النبيين في الموقف). وقال الشوكاني: (وقيل المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل اللَّه، فيشهدون يوم القيامة لمن ذبّ عن دين اللَّه).
الثالث: قيل بل المراد الحفظة من الملائكة.
قال ابن زيد: (هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم). وقال القرطبي: (قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ فالسائق يسوقها إلى الحساب والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان).
الرابع: قيل بل المراد الأبرار في كل زمان ليحتجوا أمام اللَّه على أهل ذلك الزمان. قال النسفي: (وقيل هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان). وذكره القاسمي بقوله: (أي الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار المطلعين على أحوالهم).
стр. 4153
قلت: والبيان الإلهي يحتمل كل هذه المعاني الجليلة من اشتمال الشهداء على أمة محمد ﷺ أمة الوسط، والأبرار في كل زمان، وأتباع الرسل، ومن قتلوا في الذبّ عن دين اللَّه العظيم، ومِنْ حضور الملائكة المختصين بالشهادة لتقام الحجة على الناس في الآخرة كما أقيمت عليهم في الدنيا، وإن كان الأول هو الراجح:
ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرَّجل، والنبيّ ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومهُ، فَيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا، فَيُقَال له: من يشهدُ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيُدعى محمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلْمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نَبينا، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١).
وفي صحيح الإمام البخاري ومسند أحمد وجامع الترمذي له لفظ آخر عن أبي سعيد به: [يجيء نوح وأمته فيقول اللَّه: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والوسط: العدل، فيُدعونَ، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢).
وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.أي: بالعدل والقسط والصدق. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال القاسمي: (أي فتوزن أعمالهم بميزان العدل، ويوفون جزاء أعمالهم، لا ينقص منها شيء).
قلت: والمراد القضاء بين النبيين وأممهم، وفصل الخطاب، وإقامة الحجج، وتثبيت الحقوق، ودحض الشبه والأكاذيب والأباطيل، وتعيين المستحقات بدقة وإنصاف، فلا يحمل على أحد ذنب غيره ولا تجزى نفس ولا تعاقب إلا بما اجترحت واكتسبت.
стр. 4154
وقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾. أي: من خير أو شر، ومن صغير أو كبير. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. أي: فلا تخفى عليه من أعمالهم خافية، فهو الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي معهم إذ كانوا يبيتون ما لا يرضى من القول، ويأمرون بالمنكر والفاحشة في الأرض، كما كان مع المؤمنين وهم يحترقون شوقًا للقائه ويبذلون أوقاتهم في رضوانه، وفي الاستعداد للجهاد والموت في سبيله.
وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾.أي: جماعة جماعة، وطائفة طائفة، وحزبًا حزبًا، كل حسب انتمائه وصِلاته بأصناف الباطل والهوى وأنواع الغي والضلال. فإن ﴿زُمَرًا﴾ في محل نصب حال.
فعن قتادة في قوله: ﴿زُمَرًا﴾ قال: (جماعات). وقال أبو عبيدة: (زمرًا: جماعات متفرقة بعضها إثر بعض).
قال الشوكاني: (وهو مشتق من الزمر، وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه). وقال القاسمي: (أي أفواجًا متفرقة، بعضها في أثر بعض، على تفاوت ضلالهم وغيهم، رعاية للعدل في التقديم والتأخير).
وقال النسفي: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ سوقًا عنيفًا، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل). وقال القاسمي: (وقيل: دفعًا وزجرًا بصوت كصوت المزمار).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. وهي سبعة أبواب كما قال سبحانه في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾. وجملة (فتحت) جواب (إذا)، إذ إن كل قوم يدخلون من الباب المناسب لأعمالهم ولتوجههم ولما كانوا يخضعون من دون اللَّه من الطواغيت والشهوات والأهواء ومُغريات الحياة الدنيا. قال الحافظ ابن كثير: (وبمجرد وصولهم لها فتحت أبوابها سريعًا لتعجل لهم العقوبة).
وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾. أي: تقريعًا لهم وتوبيخًا وزيادة في الحسرة والألم. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾: مما أنزل اللَّه على الأنبياء والرسل من الكتب والعلم ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ بالحجج والبراهين ويحذرونكم شرّ هذا الموقف اليوم؟ ! ﴿قَالُوا بَلَى﴾ فأقروا والحسرة تأكل قلوبهم. ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ
стр. 4155
عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. أي: فمضى عليهم قضاء اللَّه وكتابته بأن الخزي اليوم والسوء على الكافرين، إذْ قد علم سبحانه الأعمال كلها وكتبها كتابة علم وعدل لا كتابة ظلم وجبر فتبارك اللَّه أحكم الحاكمين.
والآية كقوله سبحانه في سورة السجدة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ثم ذكر سبحانه سبب ما صاروا إليه من الشقاء الذي كتبه اللَّه عليهم لعلمه بفساد نياتهم وتوجههم: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكقوله في سورة "المؤمنون": ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾. وكذلك في سورة تبارك: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.
وفي الصحيحين عن علي عن النبي ﷺ قال: [ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا: يا رسول اللَّه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]] (١).
وقوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. هو كقوله جل ثناؤه في سورة النبأ: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. وكقوله في سورة البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. قال وهب: (تستقبلهم الزبانية بمقامع من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة ومضر). فهذا مآل الكبر واتباع الهوى فهل أجداكم أو نفعكم عند اللَّه شيئًا، أم هو الذي صيّركم إلى ما أنتم فيه من الشقاء.
ثم وصف سبحانه حال السعداء الأبرار، أهل النجاة والفوز الأخيار، لتستكمل صورة المشهد في ذلك اليوم الرهيب.
стр. 4156
وهو قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. وعن ابن زيد - في قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ وفي قوله ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ - قال: (كان سوق أولئك عنفًا وتعبًا ودفعًا، وقرأ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ قال: يدفَعون دفعًا، وقرأ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ قال: يدفعه، وقرأ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ثم قرأ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: فهؤلاء وفد اللَّه).
قال الشوكاني: (أي ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم). وقال النسفي: (المراد سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على بعض الملوك).
وقال القاسمي: (أي مساق إعزاز وتشريف، للإسراع بهم إلى دار الكرامة ﴿زُمَرًا﴾ أي متفاوتين حسب تفاوت مراتبهم في الفضل).
وأحسن الإمام القرطبي الربط بين الآية وما قبلها والمقارنة حيث قال (﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى اللَّه تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين ﴿وَسِيقَ﴾ بلفظ واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار الكرامة والرضوان، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. في تقدير جواب (إذا) وجوه عند اهل التفسير:
الأول: قيل الجواب محذوف تقديره (سعدوا). قال المبرد تقديره: (سعدوا وفتحت). وقيل بل تقديره: اطمأنوا.
الثاني: قيل بل الجواب قوله ﴿فُتِحَتْ﴾ والواو زائدة. ذكره الأخفش. قال القاسمي نقلًا عن السمين قوله: (وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها، لأن أبواب السجون مغلقة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له، ثم تغلق عليه. فناسب ذلك عدم الواو فيها. بخلاف أبواب السرور والفرح، فإنها تفتح انتظارًا لمن يدخلها). وقيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على اللَّه
стр. 4157
تعالى، والتقدير حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتحة، بدليل قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] ذكره الشوكاني.
الثالث: قيل بل الجواب محذوف تقديره "دخلوها". قال الزجاج: (القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير: حتى إذا جاؤوها، وكانت هذه الأشياء التى ذكرت دخلوها فالجواب دخولها وحذف لأن في الكلام دليلًا عليه).
الرابع: قيل بل الجواب قوله ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضًا. ذكره القاسمي.
الخامس: قيل بل الجواب محذوف تقديره جاؤوها. ويكون التقدير: (حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوابها).
قال النسفي: (والمعنى حتى إذا جاؤوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها).
وكلها لطائف جميلة يحتملها التأويل والتفسير تدل على عظمة البيان الإلهي وروعته وجمال آفاقه.
قال الإمام القرطبي: (وحذف الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد وقوفهم إذلالًا وترويعًا لهم. ذكره المهدوي وحكى معناه النحاس قبله. قال النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من الأول، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما قال اللَّه في أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ دلّ بهذا على أنها كانت مغلقة، ولما قال في أهل الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ دل بهذا علي أنها كانت مفتحة قبل ان يجيئوها، واللَّه أعلم).
وأما الواو فهي واو الحال على تقدير القول: جاؤوها وقد فتحت لهم الأبواب. وقيل إنها واو الثمانية فإن من عادة العرب في العدد القول: خمسة ستة سبعة وثمانية كقوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، وكقوله في سورة الكهف: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. ومنهم من استدل بهذا التأويل على أن أبواب الجنة ثمانية، واستدل بعضهم بحديث الإمام مسلم وأحمد وبعض أهل السنن عن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما منكم من أحد يتوضأ، فيسبغ الوضوءَ، ثم يقول حين يفرُغُ من وضوئه: أشهد أنْ لا إله إلا اللَّه وحده
стр. 4158
لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسوله، إلا فتحت لهُ أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء] (١).
وفي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون] (٢).
وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. قال ابن جرير: (وعنى بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمنة من اللَّه لكم أن ينالكم بعدُ مكروه أو أذى). وقيل الواو ملغاة أي التقدير: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، قال لهم خزنتها. وقوله ﴿طِبْتُمْ﴾ أي طابت أعمالكم في الدنيا فقابلها اليوم في الآخرة أن طاب مثواكم ومنزلكم. وقال مجاهد: (قوله ﴿طِبْتُمْ﴾ أي كنتم طيبين في طاعة اللَّه). وقال النقاش: (أي طبتم بالعملِ الصالح). وقال مقاتل: (إذا قطعوا جسر جهنم حُبِسْوا على قنطرة بين الجنة والنار، فَيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا وطيُبِّوُا قال لهم رضوان وأصحابه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بمعنى التحية ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾). أي ماكثين فيها أبدًا.
وقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه حديث القنطرة هذا حيث قال: حدثني الصَّلْتُ بنُ محمد حدثنا يزيدُ بن زُرَيْعٍ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ قال حدثنا سعيدٌ عن قتادةَ عن أبي المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يَخْلُصُ المؤمنون من النار فيُحْبَسُون على قنطرةٍ بين الجنة والنار، فيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأَحَدُهُم أهْدى بمنزلِهِ في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا] (٣).
وأول من يقرع باب الجنة ويدخلها هو محمد ﵊ خاتم النبيين وسيد ولد آدم، ثم تَلِجُ أمته من بعده.
فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أنا
стр. 4159
أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة] (١). وفي رواية: (أنا أول شفيع في الجنة).
وكذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [نحن السابقون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم] (٢). وفي لفظ عند الإمام مسلم عنه: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم (٣)، فاختلفوا فهدانا اللَّه لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه).
ولمسلم عنه أيضًا عن النبي ﷺ قال: [أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا صاحب لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، آخذ بِحلقة باب الجنة فيؤذن لي فيستقبلني وجه الجبار ﷻ فأخر له ساجدًا]. وروى الدارمي نحوه من طريق ابن عباس.
وكذلك روى مسلم عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك] (٤).
وأما صفة الزمرة الأولى من بين الزمر الداخلة في هذا الموكب العظيم فهي كما روى الشيخان والإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتغوطون فيها ولا يتمخطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا] (٥).
стр. 4160
وقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.
فإنهم إذا دخلوا الجنة حمدوا اللَّه الذي أذهب عنهم الهَمَّ والغَمَّ وأبدلهم بالحزن والضيق فرجًا ومخرجًا، كما قال سبحانه فى سورة فاطر: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. وكقوله في سورة الأعراف: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.فيحمدون اللَّه عند دخولهم الجنة لما شاهدوا حسن الاستقبال وعاينوا جميل التكريم ورؤية وجه اللَّه العظيم.
ففي صحيح الإمام مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيّض وجوهنا؟ ألم تدخِلْنا الجنة، وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربِّهم] (١).
وأما قوله ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ ففيه أكثر من تأويل:
الأول: قيل المراد أرض الجنة. فعن قتادة: (قوله ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ قال: أرض الجنة). وكذلك قال ابن زيد وقرأ ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وقال القاسمي: (أي أرض الآخرة شبه نيلهم بأعمالهم لها، بإرثهم من آبائهم. فكأن الأعمال آباؤهم). وقال النسفي: (أرض الجنة وقد أورثوها أي ملكوها وجعلوا ملوكها. قال: تشبيهًا بحال الوارث).
الثاني: قيل بل المراد الأرض التي كانت تكون لأهل النار لو كانوا مؤمنين.
فقد ذكر ذلك أبو العالية وقتادة والسدي. قال ابن جرير: (وجعل أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو كانوا أطاعوا اللَّه في الدنيا فدخلوها ميراثًا لنا عنهم).
الثالث: قيل بل هو على التقديم والتأخير والمراد أرض الدنيا. ذكره القرطبي.
قلت: والبيان الإلهي يحتمل هذه اللطائف البديعة، والتفاسير الرفيعة، فالحمد للَّه الذي مَكَّنَنَا في الأرض وخذل عدوّ الحق وأورث الأرض للمؤمنين يحكمون بشرع اللَّه العظيم، ثم كافأهم في قبورهم بأن أراهم مقاعدهم من الجنة وأورثهم مقاعد غيرهم
стр. 4161
من أهل النار بما أخلفوا اللَّه ما وعدوه وكانوا كاذبين، ثم هيأ لهم ملكًا في الجنة ليصيروا ملوكًا والخدم حولهم وهم ينعمون ويتلذذون.
وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾. قال السدي: (ننزل منها حيث نشاء). وقال أبو جعفر: (نتخذ من الجنة بيتًا ونسكن منها حيث نحبّ ونشتهي). أي حيث شئنا حللنا وحيث أحببنا نزلنا في جناننا المخصصة لنا. قال النسفي: (أي يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ أي يتخذ متبوأ ومقرًا من جنته حيث يشاء). وقوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. أي: فهنيئًا لمن قدّم لنفسه في الدنيا لسعادته في الآخرة في الجنة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: أعْددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر] (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبى ﷺ قال: [إن للمؤمنين في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا] (٢).
وفي لفظ آخر: (الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون).
قال ابن القيم ﵀: (وهذه الخيم غير الغرف والقصور بل هي خيام في البساتين وعلى شواطئ الأنهار).
وقوله: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾. أي: تراهم يا محمد يوم قضي الأمر محدقين من حول عرش الرحمان. قال ابن جرير: (ويعني بالعرش: السرير). ونقل عن السدي قوله: (محدقين حول العرش، قال: العرش السرير). وإدخال (مِن) في قوله ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ للتأكيد، والمراد حافين حول العرش كقولك (ما جاءني من أحد).
وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في محل نصب حال، أي حال كونهم مسبحين للَّه يلهجون بحمده وبذكره، وقيل: يصلون للَّه حول العرش شكرًا له وتعظيمًا. قال ابن
стр. 4162
جرير: (يصلون حول عرش اللَّه شكرًا له، والعرب تدخل الباء أحيانًا في التسبيح وتحذفها أحيانًا فتقول: سبح بحمد اللَّه وسبح حَمْدَ اللَّه كما قال جل ثناؤه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقال في موضع آخر ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾). قال النسفي: (وذلك للتلذذ دون التعبد لزوال التكليف).
وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أي بين الخلائق فريق في الجنة وفريق في السعير. قال الشوكاني: (أي بين العباد بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار). وهو اختيار ابن كثير.
التأويل الثاني: قيل: قضي بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء وبين أممهم بالحق والعدل. ذكره القرطبي. وهو اختيار ابن جرير.
التأويل الثالث: قيل: بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم. ذكره الشوكاني وَرَجَّح التأويل الأول.
قلت: فالكل قد أخذ حقه في ذلك اليوم الرهيب، فقد فصل اللَّه بين الأنبياء وأقوامهم بعد أن تقدم الشهداء من أمة محمد بالشهادة ضد المكذبين للرسل على صدق الرسل وتبليغهم. ثم قضي بينهم في دار الخلود كل في مقامه وحسب مرتبته سواء كان من أهل الجنة أو من أهل النار. وكذلك الملائكة فقد أنصفهم ربهم سبحانه في منازلهم ومراتبهم فلهج الملائكة والمؤمنون بحمد اللَّه العظيم الذي حمد نفسه ومدحها من قبلهم فتبارك اللَّه أحسن الخالقين حيث ختم الموقف بقوله: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (افتتح اللَّه أول الخلق بـ "الحمد للَّه" فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وختم بالحمد فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾).
قال القرطبي: (فلزم الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده).
وقال القاسمي ﵀: (والقائل: إما الحق ﷻ ، أو الملائكة الحافون، أو المؤمنون ممن قضي بينهم، أو الكل، فله الحمد .
واختار الحافظ ابن كثير إطلاق الآية حيث قال: (أي نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه للَّه رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله. قال: ولهذا لم يسند القول إلى قائل فدلّ على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد).
قلت: فإذا فرح المؤمنون بمنازلهم في الجنة، وَبِخِزْي أعدائهم في النار، نطقت
стр. 4163
ألسنتهم بالحمد وتحركت قلوبهم بالشكر والذكر للَّه المنعم الكريم، وشاركتهم بفرحهم الملائكة الكرام، ونَطَقَ معهم كل شيء في هذا الكون بما يحب اللَّه لنفسه من المدح فقالوا جميعًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
تم تفسير سورة الزمر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
* * *
стр. 4164
دروس ونتائج وأحكام
١ - اللَّه تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك به معه غيره تركه يوم القيامة وشركه، وقال له: اطلب ثوابك من عنده.
٢ - لا أحدَ أغيرُ من اللَّه، ولذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحبّ إليه المدح من اللَّه ولذلك مدَحَ نفسه، ولا أحدَ أحبُّ إليه العذر من اللَّه، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل.
٣ - الشمس والقمر ثوران مكوَّران في النار يوم القيامة.
٤ - إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا، ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد.
٥ - عجبًا لأمر المؤمن، إن اللَّه تعالى لم يقض له قضاءً إلا كان خيرًا له.
٦ - من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعِه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا.
٧ - أفضل الصلاة طول القنوت، وأفضل الجهاد من عُقِرَ جوادُه وأريق دَمُه.
٨ - عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى اللَّه تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات.
٩ - إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.
١٠ - إن اللَّه تعالى يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة اللَّه أن يأتي المؤمن ما حرَّم اللَّه عليه.
стр. 4165
١١ - ليودَّن أهل العافية يوم القيامة، أنَّ جلودهم قرضت بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء.
١٢ - إن اللَّه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتُغِيَ به وَجْهُه.
١٣ - الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما ابتغي به وجهُ اللَّه.
١٤ - إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك.
١٥ - الطاغوت مشتق من الطغيان. والطاغوت الشيطان، وكل ما عبد من دون الرحمان.
١٦ - بشرى الدنيا الرؤيا الصالحة، ومن قال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له -صادقًا من قلبه- وجبت له الجنة.
١٧ - إن اللَّه تعالى يحبّ معاليَ الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسَافَها.
١٨ - إنّ في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدّها اللَّه لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام.
١٩ - ليس المنشرح صدره مثل القاسي قلبه، واللَّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ.
٢٠ - أحسن الحديث القرآن، وأحسن القصص القرآن، والقرآن يصدق بعضه بعضًا.
٢١ - فضل العلم أحبّ إلى اللَّه من فضل العبادة، وخير دينكم الورع.
٢٢ - ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، لكل جزءً منها حَرُّها.
٢٣ - من مات وعليه دَيْن فليس ثمّ دينار ولا درهم، ولكنها الحسنات والسيئات.
٢٤ - لو أنكم توكلون على اللَّه تعالى حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطيرَ، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا.
٢٥ - قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمان، فمن شاء أقامه، ومن شاء أزاغه. والميزان بيد الرحمان يَرْفَعُ أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة.
٢٦ - إذا حضرتم مَوْتاكم فأغِمضُوا البَصَر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإن الملائكة تُؤمِّنُ على ما يقول أهل البيت.
٢٧ - من سَرّه أن يستجيب اللَّه له عند الشدائد والكُرَبِ، فليكثر الدعاء في الرخاء.
стр. 4166
٢٨ - لولا أنكم تذنبون، لخلق اللَّه خلقًا يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم.
٢٩ - كُلُّ أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن اللَّه هداني، فيكون له شُكْرٌ، وُكلُّ أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن اللَّه هداني، فيكون عليه حسرة.
٣٠ - يقبض اللَّه الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض.
٣١ - الناقور: الصور. والراجفة: النفخة الأولى. والرادفة: الثانية.
٣٢ - إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون.
٣٣ - قال اللَّه تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
٣٤ - الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلًا، في كل زاوية أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون.
٣٥ - افتتح اللَّه أول الخلق بـ "الحمد للَّه" فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وختم الحساب والقضاء بالحمد فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥].
* * *
стр. 4167
٤٠ - سورة غافر
وهي سورة مكية. قيل: سوى الآيتين (٥٦ - ٥٧).
قال ابن عباس وقتادة: (إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ والتي بعدها). وعدد آيات هذه السورة (٨٥).
وتسمى بسورة غافر إشارة لقول اللَّه فيها: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾، كما تسمى بسورة المؤمن لاشتمالها على قصة مؤمن آل فرعون.
قال المهايمي: (سميت به لاشتمالها على كلمات مؤمن آل فرعون، المتضمنة دلائل النبوة ورفع الشبه عنها، والمواعظ والنصائح وسلامته عن أعدائه. وعما أخذوا به، وهي من أعظم مقاصد القرآن. وتسمى سورة غافر وسورة الطّول).
وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: (أنزلت سورة حم المؤمن بمكة). وأورد البيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس قال: (أنزلت الحواميم السبع بمكة).
موضوع السورة
منهاج المؤمن في الدعوة
- منهاج السورة -
١ - انتصار للقرآن من اللَّه العزيز العليم، غافر الذنب وقابل توبة التائبين، شديد العقاب
стр. 4168
على المجرمين، وما يجادل في آيات اللَّه إلا أهل الكفر المُسْتدرجين.
٢ - تسليةُ النبي ﷺ بِذِكْرِ أخبار الرسل قبله وصبرهم على أذى قومهم حتى فصل اللَّه بالحق وأنزل نصره على المؤمنين، ونقمته وعذابه بالكافرين.
٣ - تسبيح الملائكة حملة العرش واستغفارهم للمؤمنين، وسؤال اللَّه تعالى أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم برحمته ومن صلح من أرحامهم جنات النعيم.
٤ - هوان الكفار يوم الحساب، وقد أخزاهم اللَّه بالعذاب، بعدما فرحوا بالشرك في دار الدنيا ونفروا من توحيد اللَّه رب الأرباب.
٥ - امتنانُ اللَّه على عباده بآيات مقدرته وإنزاله الماء، ليخلصوا له العبادة -سبحانه- والدعاء.
٦ - ثناء اللَّه على نفسه وعرشه وإثبات تنزل الوحي بأمره لينذر الرسل يوم الحساب، يوم يخرج الناس من قبورهم لنيل الجزاء من الثواب أو العقاب.
٧ - الإنذار بيوم الآزفة وقد وقعت القلوب في الحناجر من شدة المخافة، وهول الازدحام، وازدحام الأهوال.
٨ - سنة اللَّه تعالى في أخذ الأمم الظالمة وإنزال نقمته عليها والعذاب، وذلك في الدنيا قبل حلول العذاب الأكبر يوم الحساب.
٩ - إرسالُ اللَّه تعالى إلى فرعون وهامان وقارون الآثمين، واستكبار القوم ولجوء موسى إلى ربه لينصره على الطاغية وجنوده المجرمين.
١٠ - تحذير مؤمن آل فرعون قومه تكذيب أو معاندة المرسلين، وتنبيهه لهم أن هذا التمكين في الأرض لا يدوم ولا يرد بأس اللَّه عن القوم المسرفين.
١١ - تحذير مؤمن آل فرعون قومه عذاب الدارين، وطبع اللَّه على قلوب المتكبرين.
١٢ - تمادي فرعون في الكفر والضلال، ومساعدة هامان له في تثبيت سلطانه الفاسد، وما كيد الظالمين إلا في تبار وخسار.
١٣ - استمرار مؤمن آل فرعون تحذير قومه غرور الحياة الدنيا، وترغيبه لهم في طاعة اللَّه الموصلة إلى جنات النعيم، وتوضيحه لهم أن ما هم عليه من الكفر والإفساد يوصل إلى عذاب الجحيم، وأنهم سيذكرون يومًا قوله ونصيحته لهم واللَّه هو السميع البصير العليم.
стр. 4169
١٤ - نجاةُ مؤمن آل فرعون في الدنيا والآخرة، وإحاطة العذاب بفرعون وجنده في الغرق والقبر ثم بنار الآخرة المستعرة.
١٥ - حوار الرؤساء مع أتباعهم من المجرمين، وصورة الخزي والندم على الكافرين.
١٦ - تقدير اللَّه نزول نصره على رسله وعباده المؤمنين في الدارين، وتسلية اللَّه نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين.
١٧ - تسفيه المنكرين للبعث والمعاد، بأن خلق اللَّه السماوات والأرض أكبر من خلق العباد.
١٨ - أمْرُ اللَّه عباده إفراده بالدعاء والتعظيم، والمستكبرون عن عبادته مآلهم إلى نار الجحيم.
١٩ - امتنان اللَّه تعالى على عباده بنعمة الليل والنهار، والأرض والسماء والتصوير والرزق الحلال.
٢٠ - تفرّد اللَّه تعالى بأمر الإماتة والإحياء، وتقريع المشركين الذين يفرحون بالباطل ومصيرهم إلى الخزي والعذاب والإعياء.
٢١ - تسلية اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بأمره بالصبر، وتبشيره باقتراب الفرج.
٢٢ - امتنان اللَّه على قريش ومن بعدهم بنعمة الأنعام، والمنافع العائدة عليهم منها في المأكل والمشرب والمركب، وكذلك نعمة ركوب السفن في البحار.
٢٣ - التحذير من مصير الأمم الكافرة التي كفرت وجاءها العذاب بعد الطغيان، وما أغنى عنها ما أُعطيت من القوة والأموال والبنيان.
٢٤ - إيمان كثير من الناس عند رؤية العذاب، وكفرهم باللَّه بعد ذهاب العقاب.
٢٥ - سنة اللَّه التي قد خلت في عباده أن الهلاك على الكافرين، والنجاة لطائفة المؤمنين.
* * *
стр. 4170
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٩. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾.
في هذه الآيات: إن هذا القرآن المعجز هو من جنس هذه الحروف العربية، فهو تنزيل من اللَّه العزيز في انتقامه من أعدائه، العليم بما يعملون في السر والخفاء أو علانية وجهارًا تحت سمائه، وهو الغفور يقبل التوبة عن عباده، الشديد العقاب لِمَنْ تمادى في طغيانه وعناده، وهو المتفَضِّلُ صاحب الفضل والنعم المبسوطة على مَنْ شاء من خلقه، المتطوِّل عليهم بما لا يقدرون ولا يطيقون القيام بشكره، من الفضل والمنِّ والإنعام، وتذليل الدنيا وجميل الأيام. إنه ما يَدْفَعُ الحق من عباده بعد البرهان، إلا الجاحدون الذين يتقلبون في البلاد بالكفر والطغيان، وَحُبِّ الرياسة والكبر والعلو بالظلم على الأنام، فقد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من الأمم بعدهم، ممّن أهمَّتهم دنياهم وتعظيم شهواتهم، وبغوا وتمادوا حتى همّت كل أمة بقتل رسولهم،