الأنصاري، أنه سمعَ رسول اللَّه ﷺ يقول: [أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشهُ كفافًا وقنع به] (١).
وبنحوهِ في المسند وجامع الترمذي عن عمر، عن النبي ﷺ قال: [لو أنكم تتوكلون على اللَّه تعالى حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطيرَ، تغدو خِماصًا، وتروحُ بِطانًا] (٢).
فإذا كفى اللَّهُ عبده المؤمن فلا طاقة لأحد في إقلاقه، وإذا تولى اللَّهُ عبدًا فلا سبيل لأحدٍ إلى إيذائهِ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.
أي: من أعمى اللَّه على قلبهِ وبصيرتهِ -عدلًا منه سبحانه نتيجةَ تماديه- فلا سبيل إلى هدايتهِ، وهذا شأن من لم يعرف تولي اللَّه وكفايته لهذا النبي الكريم فيخوفونه بمخلوقات وأحجار لاتضر ولا تنفعُ سائلها، وكذلكَ فإن من كتب اللَّه له الهداية -لعلمه سبحانهُ بحرصه عليها وخوفه من مغبةِ التفريط فيها- فإنه لا سبيل لأحد إلى غوايتهِ ما دام هو في حماية اللَّه جل ثناؤه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي منيع الجناب لا يضامُ من استند إلى جانبهِ، فإنه العزيز الذي لا أعزَّ منه، والمنتقمُ ولا أشد انتقامًا منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ ).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
هذا الاعتراف قد ذكر في أكثر من موضع، فقال جلّ ذكره في سورة العنكبوت: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١]. وقال في سورة الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فإذا كنتم تقرون بأنه الخالق فلم تخضعون لغيره، وإذا كنتم تقرون بأنه الرازق فلم تسألون حجرًا أو قبرًا أو صالحًا مضى لا يملكُ لنفسه ضرًّا
стр. 4097
ولا نفعًا ولا حياةً ولا نشورًا. وإذا كنتم تقرون بأنه المحيي والمميت فلم تلتمسون الشفاعة من غيره، أفإن أصابني اللَّه بشدة وضنك في معيشتي هل هن قادرات على كشف الضر عني وتخليصي مما أصابني، ولئن أرادني الرحمان برحمة وسعة في العيش ورغد في العافية وبسط في المال والرزق، ورخاء وغبطة وسرور، هل هن ممسكات عني ما أراد أن يصيبني به من تلك العافية والرحمة وذلكَ الخير. قال مقاتل: (فسألهم النبي ﷺ فسكتوا).
قال ابن جرير: (وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، والمعنى فإنهم سيقولون لا).
وهي في قراءة أهل البصرة والمدينة: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. وأما قراءة نافع وابن كثير وأهل الكوفة فهي ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾، ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾. وكلاهما مشهور بين القراء.
وقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. هو كقوله في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣].
وفي المسند للإمام أحمد وفي جامع الترمذي ومعجم الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: [يا غلام! إني أعلمك كلمات، احفظ اللَّه يحفظك، احفظِ اللَّه تجدهُ تجاهَكَ، إذا سألتَ فاسأل اللَّه، وإذا استعنتَ فاستعن باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيء، لم ينفعوكَ إلا بشيء قد كتبه اللَّه لكَ، ولو اجتمعوا على أن يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللَّه عليكَ، جفّت الأقلامُ ورفعت الصحف] (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
قال مجاهد: (قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قال: على ناحيتكم). وقال ابن جرير: (قل يا محمد لمشركي قومك الذين اتخذوا الأوثان والأصنام آلهة يعبدونها من دون اللَّه، اعملوا أيها القومُ على تمكنكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ كذلك على تؤدة، على عمل من سلف من أنبياء اللَّه قبلي ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءكم بأس اللَّه مَن المحق منا من المبطل والرشيد من الغويّ). وقال القاسمي:
стр. 4098
(﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: أي حالتكم التي أنتم عليها، من العداوة ومناصبة الحق). وقال الشوكاني: (أي على حالتكم التي أنتم عليها وتَمَكَّنْتُم منها ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على حالتي التي أنا عليها وتمكنت منها. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ قال: أي يهينه ويذله في الدنيا، فيظهر عند ذلكَ أنه المبطل وخصمه المحق، والمراد بهذا العذاب عذاب الدنيا وما حلَّ بهم من القتل والأسر والقهر والذلة. ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي دائم مستمر في الدار الآخرة وهو عذاب النار).
قلت: وغاية المعنى أَنَّ ذلكَ تهديدٌ من اللَّه لهم على تماديهم في الكذب والعناد واتباع ملة الآباء، والتعامي عن الوحي ونور القرآن، واتخاذ الأصنام والأوثان بدعوى الشفاعة ولا برهان، فاعملوا على طريقتكم -أيها القوم- التي ارتضيتم، ومنهجيتكم التي إليها تحاكمتم، فإني سامضي على طريقتي ومنهجي، وستعلمون وبال ذلكَ حين تعاينون عذاب الدنيا وجحيم الآخرة، وقد صدق اللَّه العظيم، فأذاقهم الذل يوم بدر ودُقّت أعناقهم ونكست رؤوسهم، وأهانهم بالجوع والسيف ثم هم في الآخرة من المقبوحين.
وقد خرّج الإمام البخاري في صحيحه عن عبد اللَّه قال: [بينا رسول اللَّه ﷺ ساجد (وفي رواية: أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت) وأبوِ جهل وأصحابٌ له جلوس إذ قال بعضهم لبعض: أيُّكم يجيءُ بِسَلَى جَزور بني فلان فيَضَعُهُ على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به فنظر حتى سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أُغني شيئًا لو كان لي مَنَعَةٌ، قال: فجعلوا يضحكون ويُحيلُ بعضُهم على بعض ورسول اللَّه ﷺ ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره، فرفع رسول اللَّه ﷺ رأسهُ ثم قال: اللهم عليكَ بقريش ثلاث مرات، فشَقَّ عليهم إذ دعا عليهم. قال: وكانوا يَرَوْن أنَّ الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمّى: اللهم عليكَ بأبي جهل وعليك بعُتْبةَ بنِ ربيعةَ وشيبةَ بن ربيعة والوليدِ بن عتبة، وأميةَ بن خلف وعقبة بن أبي مُعَيْط وعدَّ السابع فلم يَحفَظْ قال: فوالذي نفسي بيدهِ لقد رأيتُ الذين عدَّ رسول اللَّه ﷺ صرعى في القليب قليب بدر] (١).
стр. 4099
وقد فُصّل هذا الموقف في مسند الإمامِ أحمد يرويه عن عائشة قالت: [أمَرَ رسول اللَّه ﷺ بالقَتْلى أنْ يُطْرَحوا في القليب فطُرحوا فيه إلا ما كانَ من أميةَ بن خلف فإنه انتفخَ في درْعِه فملأها فذهبوا يُحَرِّكوه فتزايل فأقرّوه وألقوا عليه ما غيَّبَهُ منَ التُّراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم رسول اللَّه ﷺ فقال يا أهل القليب! هل وجدتم ما وعدَ ربُّكم حقًا فإني قد وَجدْتُ ما وعدني ربي حقًا. فقال له أصحابهُ: يا رسول اللَّه أتكلم قومًا موتى! فقال لهم: لقد عَلِموا أن ما وَعدْتُهُمْ حق] (١).
ثم يوم القيامة يخزيهم ويذيقهم أشد العذاب وهم يصطرخون في نار جهنم ربنا أخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل، ولكن هيهات فلقد حقت كلمة العذاب على الكافرين.
٤١ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨) فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
стр. 4100
يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.
في هذه الآيات: يوجه اللَّه سبحانهُ خطابه إلى نبيّه ﵇: هذا القرآن قد أنزلناهُ عليك لتنذر به جميع الخلق إنْسَهم وجنّهم ولتعرفهم سبيل النجاة ومعنى الأمن في الدنيا والآخرة، فمن رضي بطريق الوحي واهتدى لطريقِ السعادة فإنما يعود بالنفع على نفسهِ، ومن أصر على الضلال، وطريقِ الغي والشهوات فإنما عليهِ الوبال، وما أنت يا محمد بموكل عليهم حتى يهتدوا إنما أنتَ نذير، فاللَّه هو سبحانه يملك قلوبهم وأرواحهم، فإن الأنفس التي كتب عليها مُفارقة الحياة فتخرجُ منها أرواحها وتفارق أبدانها وتُبطل تصرفاتها بالكلية، وأما تلك التي لم يحن موتها فتقبض عند النوم ويبطل تصرفها بالحواس الظاهرة، ثم يعيدها إلى أن يأتي أجلها وينقضي عمر صاحبها فإذا خرجت عندئذ فلا تعود، إنَّ في ذلكَ لذكرى واعتبارًا، فكذلك الإيمان والضلال، يثبت الإيمان ويتزحزح أو يتغير أو يموت كلّ ذلكَ بعلم اللَّه كالآجال، ويا ويلهم إذ لم يعتبروا يوم اتخذوا الشفعاء على صورة الأصنام، يظنون الصلة عبر الحجارة إلى خالق الأنام، وهي جمادات ومخلوقات وأوثان، لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، فاللَّهُ هو المتصرف وحده، وإليهِ يرجعُ الأمر كله، ويا ويلهم تنقبض قلوبهم إذا ذكر اللَّه وحده، وتشمئز نفوسهم إذا أفرد بالتعظيم لا شريك له، وإذا ذكرت آلهتهم تهللت وجوههم، واستبشرت قلوبهم، بل اللَّه فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة سيحكم بينهم، ويوم القيامةِ يتمنى المشركون أن يفتدوا من العذاب بأموال الدنيا وزينتها، وبأضعاف ذلكَ من بهجتها وعرضها، حين يبصرون ما لا يتوقعون من أهوالها، ويعاينون سوء ما اجترحوا من آثامها، فهذا شأن الإنسان يلجأ إلى اللَّه عند المصيبة، ويجأر إليهِ عند الشدةِ، أما في الرخاء فيستسلم لغواية الشيطان فينسب العلم لنفسه من دون الرحمان، وبأنه هو صانعُ القرار والخير ومدبر الأمر بإتقان، فقد ضلت بذلكَ من قبلهم أمم على مر الزمان، ونالوا نكالَ الغرور الذي أصابهم على مر الأيام، وهذا مصير هؤلاء المشركين اليوم الخائضين في متاهات الكبر والعجب وحالك الظلام، فاللَّهُ
стр. 4101
هو الذي يقسم الرزق والخير وهو مدبرُ الأمر لو كانوا يدركونَ ويوقنون شأن أهل الإيمان. فإلى تفصيل ذلك:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يشبه آية البقرة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]. ويشبه آية فاطر: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر: ٣١]. فإن القرآن هو الحق نزل لينقذ الناس من ظلمات الهوى وتدلي الشهوات ليرفعهم اللَّه به في طريق الطاعات، وإشباع الغرائز بالسبل المشروعات المأجورات، لا في طرق الشياطين الساقطات، فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه وعمل لسعادة مستقبله ومن اختار الضلال فقد ضر نفسه وأسهم في شقائها يوم القيامةِ. وما أنت عليهم يا محمد بوكيل فما كان لك أن تجبرهم على الهدى فإنما عليكَ البلاغ واللَّهُ يتولى القلوب.
فقد أخرج ابن ماجة في السنن عن النواس بن سمعان قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: [ما من قلب إلا بين إِصْبَعين من أصابع الرحمان إن شاء أقامهُ وإن شاء أزاغه. وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينكَ. قال: والميزانُ بيد الرحمان يَرْفَعُ أقوامًا ويَخْفِضُ آخرين إلى يوم القيامة] (١).
ورواه أحمد ولفظه: [ما من قلبٍ إلا وهو بين أُصْبُعَين من أصابع رب العالمين إن شاء أن يقيمه أقامهُ وإن شاء أن يُزيغهُ أزاغه. وكان يقول: يا مقلب القلوب ثبِّتْ قلوبنا على دينك، والميزانُ بيدِ الرحمان يخفضُهُ ويَرْفَعُه].
ثم روى نحوه من طريق عائشة قالت: [دعواتٌ كان رسول اللَّه ﷺ يُكثِرُ أن يَدْعُوَ بها: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت يا رسول اللَّه إنك تكثر تدعو بهذا الدعاء فقال: إن قلب الآدمي بين أصبُعين من أصابع اللَّه فإذا شاء أزاغهُ وإذا شاء أقامهُ].
ثم ذكر رواية جامعة من طريق أم سلمة: أتُحدِّثُ أن رسول اللَّه ﷺ ، كان يكثر في دعائه أن يقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: قلت: يا رسول اللَّه!
стр. 4102
أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: نعم. ما خلق اللَّه من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أُصبَعين من أصابع اللَّه، فإن شاء اللَّه أقامه وإن شاء اللَّه أزاغه، فنسأل اللَّه ربنا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألهُ أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. قالت: قلت يا رسول اللَّه! ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلى قولي: اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مُضِلاتِ الفتن ما أحييتنا].
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. هو كقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. أي فما جعلنا أمر القلوب بيدك تدخل الإيمان إليها إذا شئت، بل ذلكَ من أمر اللَّه لا يشاركه فيه أحد.
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
أما قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي يقبضها عند فناءِ آجالها واستيفاءِ أعمارها. قال الشوكاني: (أي يقبضها عند حضور أجلها ويخرجها من الأبدان). وأما صفة القبض فهي كما قال سبحانهُ في سورة الواقعة: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧].
وكما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا خرجت روحُ العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها -فذكر من ريح طيبها- ويقول أهل السماء: روح طيبة، جاءت من قبلِ الأرض، صلى اللَّه عليك، وعلى جسدٍ كنتِ تعمرينهُ، فينطلقُ به إلى ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحُه -فذكر من نتنها- ويقول أهل السماء: روحٌ خبيثة جاءت مِنْ قِبلِ الأرض، فيقالُ: انطلقوا بهِ إلى آخرِ الأجل] (١).
وفي مسند أحمد بسند حسن عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: [إذا حضرتم مَوْتاكم فأغمضوا البَصَرَ، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرًا، فإن الملائكةَ تُؤَمِّنْ على ما يقول أهل البيت] ورواهُ ابن ماجه والحاكم (٢).
وكذلكَ أخرج النسائي والحاكم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إذا حُضِرَ
стр. 4103
المؤمن، أتته ملائكةُ الرحمةِ بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضيةً مرضيًّا عنكِ، إلى روح وريحانٍ، وربٍّ غير غضبانَ، فيخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناولهُ بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيبَ هذا الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتونَ به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدُم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوهُ فإنّه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهِبَ بهِ إلى أمِّهِ الهاويةِ، وإن الكافرَ إذا حُضِرَ أتَته ملائكة العذابِ بِمِسحٍ، فيقولون: اخرُجي ساخطةً مسخوطًا عليكِ، إلى عذاب اللَّه، فيخرجُ كأنتنِ ريحٍ جيفة، حتى يأتُوا بِها باب الأرض، فيقولون ما أنتنَ هذهِ الريح؟ حتى يأتوا بها أرواحَ الكفَّار] (١).
وأما قوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ففيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: قيل يقبضها عن التصرف والتمييز مع بقاء الأرواح في أجسادها.
قال الزجاج: (لكل إنسان نفسان: أحدهما نفس التمييز وهي التي تفارقهُ إذا نامَ فلا يعقل، والأخرى نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس). وقال الفراء: (المعنى ويقبض التي لم تمت عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمت وفاتها نومها). قال ابن زيد (فالنومُ وفاة).
وقال القاسمي ﵀: (﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أي مفارقتها لأبدانها، بإبطال تصرفها فيها بالكلية، ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أي ويتوفى التي لم يحن موتها في منامها، بإبطال تصرفها بالحواس الظاهرة ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أي فلا يردها إلى بدنها إلى يوم القيامة ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: هو نوم آخر أو موت ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي فيما ذكر من التوفي على الوجهين ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي في كيفيةِ تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها).
التأويل الثاني: قيل المعنى: أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف.
فعن سعيد بن جبير قال: (إن اللَّه يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء اللَّه أن تتعارف. قال: يجمعُ بين أرواحِ الأحياء وأرواحِ
стр. 4104
الأموات فيتعارف منها ما شاء اللَّه أن يتعارف فيمسك التي قضى عليها الموت ويُرسل الأخرى إلى أجسادها).
وعن السدي قال: (تُقْبَضُ الأرواح عند نيام النائم فتقبضُ روحه في منامهِ، فتلقى الأرواح بعضها بعضًا أرواح الموتى وأرواح النيام، فتلتقي فتتساءل. قال: فيخلى عن أرواح الأحياء فترجع إلى أجسادها وتريد الأخرى أن ترجعَ فَيَحْبِس التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، قال إلى بقية آجالها). قال ابن عباس: (يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء).
وقد ذكر هذا المعنى الحافظ ابن كثير في التفسير حيث قال: (فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا آوى أحدكم إلى فراشهِ فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعهُ، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادكَ الصالحين]).
التأويل الثالث: قيل المرادُ التمييز بينَ النفس والروح.
فقد رُوي عن ابن عباس قوله: (في ابن آدم نفس وروح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض اللَّه نفسه ولم يقبض روحه).
التأويل الرابع: قيل بل المراد التعريف بميكانيكية الرؤيا والأحلام.
فقد ذُكر عن علي ﵁ قوله: (تخرج الروحُ عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبهَ من النوم عاد الروح إلى جسدهِ بأسرع من لحظة). كما ذكر عنه قوله: (ما رأت نفس النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة وما رأت بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة).
قلت: وهذا البحث من أدق الأبحاث في الإسلام وأكثرها غموضًا عند كثير من الناس فضلًا عن مشايخهم، وهو من الأمور الغيبية التي أطلعنا اللَّهُ على بعض دقائقه وتفصيلاته. والراجح لدي في معنى الآية هو التأويل الأول، فيتوفى اللَّه الأنفس التي انقضت آجالها، فتفارق أرواحها أبدانها، وتبطل التصرفات منها بالكلية، وأما التي ما زالت تنتظر بقية ما قُسِمَ وقُدِّرَ لها، فيحصلُ لها موت جزئي في منامها، فإن النومَ
стр. 4105
يشبه الموت في بعض مظاهره، فاللَّه سبحانهُ قد أطلق لفظ الوفاة في القرآن على ثلاثة معان: الأول: الوفاة بمعنى انقضاء الأجل. كقوله في سورة النحل: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]. وكقوله في سورة محمد: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]. وكقوله هنا في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.
الثاني: الوفاة بمعنى النوم. كقوله سبحانه في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وكقوله هنا في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾.
الثالث: الوفاة بمعنى الرفع والمغادرة. كقوله سبحانه في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]. قال مطر الوراق: (إني متوفيكَ من الدنيا وليسَ بوفاة موت). وكذا قال ابن جرير: (توفيه هو رفعه). وكقوله في سورة المائدة: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
وفي آية الزمر هنا فإن الوفاة أطلقت على النوم في حق من لم ينقض أجله بعد، كما روى البيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة] (١). وكذلكَ ما في الصحيحين عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا أوى أحدُكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليضطجع على شِقّهِ الأيمن ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبكَ أرفعهُ، فإن أمسكتَ نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادكَ الصالحين] ورواه أبو داود (٢).
وفي لفظ: (فاغفر لها) بدل (فارحمها).
وقد روى الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إذا استيقظَ
стр. 4106
أحدكم فليقل: الحمدُ للَّه الذي ردَّ عليَّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذِنَ لي بذكره] (١).
وأخرج البخاري عن حذيفةَ قال: [كان رسول اللَّه ﷺ إذا أخذ مضجعهُ من الليل وضعَ يده تحتَ خده، ثم يقول: "اللهم باسمكَ أموت وأحيا". وإذا استيقظَ قال: "الحمدُ للَّه الذي أحيانًا بعد ما أماتنا وإليه النشور"] (٢).
وأما النفس والروح فقد اختلف الناسُ كثيرًا في أمرهما، هل هما شيء واحد أو شيئان مختلفان؟ ويبدو أنهما يتفقان أحيانًا في المعنى ويختلفان أحيانًا أخرى، فإذا اتفقا انصرف المعنى إلى الروح كما قال جل ثناؤه في سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وكقوله في سورة الفجر: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. وكقوله في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.
وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسندهِ عن أم سلمة قالت: [دخل رسول اللَّه ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصرهُ، فأغمضهُ ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكةَ يؤمنون على ما تقولون] الحديث (٣).
ثم عبّر عن الروح بالنفس كما خرّج مسلم عن أبي هريرةَ عنه ﷺ قال: [ألم تروا إلى الإنسانِ إذا مات شخصَ بصرُهُ، فذاكَ حينَ يتبعُ بصرهُ نفسَهُ] (٤).
وكذلكَ خرّج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ قال: [إن الميت تحضرهُ الملائكةُ، فإذا كان الرجلُ صالحًا قال: اخرجي أيتها النفسُ الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرُجي حميدةً، وأبشري بروحٍ وريحانٍ، وربٍّ غير غضبان، فلا يزالُ يقال لها ذلكَ حتى تخرجَ، ثمَّ يُعرجُ بها إلى السماء، فيستفتحُ لها، فيقالُ: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفسِ الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي
стр. 4107
حميدةً، وأبشري برَوْحٍ وريحانٍ، وربّ غير غضبان، فلا يزال يُقالُ لها ذلكَ حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها اللَّه ﵎. فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفسُ الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمةً وأبشري بحميم وغسَّاقٍ، وآخرَ من شكله أزواج، فلا يزالُ يقال لها ذلكَ حتى تخرجَ، ثم يعرجُ بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقالُ: من هذا، فيقالُ: فلانٌ، فيقالُ: لا مرحبًا بالنفس الخبيثةِ، كانت في الجسدِ الخبيث، ارجعي ذميمةً، فإنَّها لا تفتّحُ لك أبواب السماء، فترسل من السماءِ، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالحُ في قبره، غير فزعٍ ولا مَشعوف (١)، ثم يقال لهُ: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام، قال: فيقالُ: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول اللَّه ﷺ جاءنا بالبيناتِ من عند اللَّه فصدقناه، فيقال لهُ: هل رأيتَ اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأحدٍ أن يرى اللَّه، فيفرج له فرجةٌ من قبل النار، فينظر إليها يحطِمُ بعضها بعضًا، فيقالُ له: انظر إلى ما وَقاكَ اللَّه تعالى، ثم يفرجُ له فرجةٌ قبلَ الجنةِ، فينظرُ إلى زهرتِها، وما فيها، فيقال له: هذا مقعدكَ، ويقال له على اليقينِ كنتَ، وعليه مُتّ، وعليهِ تبعث إن شاء اللَّه. ويجلسُ الرجلُ السوءُ في قبره فزعًا مشعُوفًا، فيقال لهُ: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعتُ الناس يقولون قولًا فقُلْتُهُ! فيُفرجُ لهُ فرجةٌ قبل الجنةِ، فينظرُ إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف اللَّه عنك، ثم يفرج له فرجةٌ إلى النار، فينظرُ إليها يحطمُ بعضها بعضًا فيقال: هذا مقعدكَ، على الشك كنتَ، وعليه متّ، وعليه تُبْعَثُ إن شاء اللَّه] (٢).
وأما إن اختلفا فيراد بالروح شيء وبالنفس شيءٌ ولكن بينهما صلة من النَسب، فالنفس مجموعة من الأحاسيس والمشاعر والرغبات والروح محرك لهذه الأحاسيس، فإذا خرجت الروح سكنت كل هذه الأحاسيس وصار الجسد كالخشب لا يتأثرُ بما حولهُ. فقوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣] وقوله فيها: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٢٦] وقوله فيها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وكقوله في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ. . .﴾ [المائدة:
стр. 4108
٤٥]. فالنفسُ هنا تشمل هذه الأحاسيس والمشاعر والرغبات وما تتمناه الغرائز فهي تشملُ من الجسد والروح معًا.
وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال: [ما من نفس تموت لها عند اللَّه خير يسُرُّها أن ترجعَ إلى الدنيا، وأنَّ لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتل مرةً أخرى، لما يرى من فضل الشهادة] (١).
وبين النفس وبين الروح والقلب صلة من النسب، ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجه وصحيح ابن حبان بسند حسن عن معاذ، عن النبي ﷺ قال: [ما من نفسٍ تموتُ وهي تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، يرجع ذلكَ إلى قلب موقن، إلا غفر اللَّه له] (٢).
وكذلكَ في الصحيحين عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب اللَّه مكانها من الجنةِ والنار، وإلا قد كُتِبَت شقية أو سعيدة، قيل: أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا، ولا تتكلوا، فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسّرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة] (٣).
وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [ما من نفس منفوسةٍ اليوم، يأتي عليها مئة سنة وهي يومئذ حية] (٤). ومعلوم أن السعادة في الدنيا والآخرة على الروح والجسد معًا، وأن الحياةَ تطلق على الجسمِ وأما الروح فلا تموت، وإنما تلازم الإنسان في الدنيا ثم تقبض من جسده الذي يفقد حركته بخروجها ثم يعرجُ بها إلى السماء، فتستقبلُ إن كانت مؤمنة روح مؤمن، وترفضُ إن كانت خبيثة روح خبيث، ثم تعاد إلى قبرهِ فيعيش فيها حياة البرزخ ينعم في قبره بروحه وجسده أو يشقى في قبره بروحهِ وجسده. كما في حديث البراء وفيه: [ثمّ يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فيردُ إلى الأرض، وتعاد روحهُ في جسدهِ، فإنّه يسمع خفقَ نعال أصحابهِ إذا ولوا عنه مدبرين،
стр. 4109
فيأتيهِ ملكان شديدًا الانتهارِ فينتهرانهِ. . . .] الحديث. ثم قال في الكافر أو الفاجرِ حيث لم تستقبل روحه: [أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرحُ روحه من السماء طرحًا حتى تقع في جسده ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، فتعادُ روحه في جسدهِ، فإنه ليسمعُ خفق نعال أصحابهِ إذا ولوا عنه. .] الحديث. رواه أبو داود والحاكم.
فائدة: قلت: وبين الفؤاد والعقل والقلب والنفس والروح صلة من النسب، فالفؤادُ يشمل العقلَ والقلب وهو موضع تكليف وسؤال يوم القيامة كما قال سبحانهُ في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وكما في سورة الأحقاف: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وكقوله في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
والقلبُ هو مركز التفكير والفقه والفهم وليس العقل الذي في الدماغ، بل إن الدماغ متأثر بالقلب الذي هو من جهة مركز حياة الأبدان وموجه حركتها وبتعطله تتعطل الحياة، ومن جهة ثانية فهو مركز الفكر والعقل والفهم والفقه، كما قال جل ثناؤه في سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وكما قال سبحانه في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
ولكن القلب متصل بذلكَ بالنفس وما تتميز به من تفاعل مع الغرائز وإحساس ومشاعر، ومتصل بالروح بل الروح متصلة بكل هذه الأجزاء محركة لها. فإن قال قائل: لو استبدلنا قلب إنسان بآخر فماذا يجري لعواطفهِ ومشاعره وروحهِ ما دمتم تقولون إن القلب هو مركز التكليف والنية، وإنه يُسمعُ اليوم مثل هذا الاستبدال في الطب ونقل الأعضاء لظروف مرضية؟ قلنا واللَّهُ المستعان: إن القلب ليس وحده الذي يتحرك بل هو جزء من شبكة معقدة جدًا تسري فيها الروح وتنبثق منها عملية الفهم
стр. 4110
والإدراك مع مشاركة من الدماغ والعقل، كما تتأثر بها النفس والأحاسيس والمشاعر، والدليل عندي حديث البراء السابق وفيه: [وإن العبد الكافر (وفي رواية الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكةٌ، غلاظٌ شدادٌ، سودُ الوجوه، معهم المسوح من النار فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيءُ ملك الموت حتى يجلسَ عند رأسهِ، فيقولُ: أيتها النفسُ الخبيثة اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرّق في جسدهِ، فينتزعها كما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب]. فإن الروح سُحبت من بين هذه الشبكة المتكاملة التي تقطعت. وهذا ما وُفِّقْتُ له من الربط بعون اللَّه، وما رأيتهُ في تفسير قبل ذلكَ وربما فتح وإلهام لم أسبق إليه واللَّه تعالى أعلم إذ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (إن في قبض اللَّه نفس النائم والميت وإرسالهُ بعدُ نفسَ هذا ترجع إلى جسمها وحبسه لغيرها عن جسمها لعبرة وعظة لمن تفكر وتدبَّر وبيانًا لهُ أن اللَّه يحيى من يشاء من خلقه إذا شاء ويميتُ من شاء إذا شاء). أي إن مغادرة الأرواح أجسادها مغادرة كلية عند الموت أو جزئية عند النوم وآلية هذه الصلات مع النفس والقلب والروح، وهذا العالم الغامض المليء بالألغاز، وبعلم الغيب، وميكانيكية الأحلام، كل ذلك من أرفع الدلالات على عظمةِ اللَّه خالق هذه الأنفس والأرواح ومقلب القلوب والأفئدة والعقول، الذي يحيى ويميت، ويبعثُ وينشرُ ويَحْشُرُ، ويحاسب ويجازي، فهل من مدكر ومعتبر في هذه الآيات الدقيقة التي يجريها وهو أحسن الخالقين.
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾.
قال مجاهد: (لا يشفع عندهُ أحد إلا بإذنه). وعن قتادة: (﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ قال: الآلهة ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ قال: الشفاعة). وقوله: ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ لأنها جمادات وأصنامٌ من أحجار أو طعام.
قلت: وهذه الآية تفسّر بقوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وبقوله في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
стр. 4111
وهي متصلة بما قبلها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي عطلوا الفكر وما أعملوا العقل بل تجاوزوا صحيح المحاكمات وانحطوا في التصرف فرأوا في أصنامهم وأوثانهم شفعاء، نسبوها للَّه أو نسبوا لها قوةً وتأثيرًا عند اللَّه ظلمًا وزورًا. فكذبهم اللَّه وعابهم، ودحضَ وجهَتَهُمْ وظنَّهم وفاسدَ ما اعتقدوه، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي هو الذي يأذنُ بالشفاعة لمن شاء وأحب، كما قال سبحانهُ في سورة الأنبياء: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤]، إلى أن قال جلت أسماؤه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. فلا أحد يملكَ الشفاعةَ ابتداءً بل من أكرمهُ اللَّه بها، فله الملك والكبرياءُ وحده يومَ لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه، كما أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يقبض اللَّه الأرض يوم القيامةِ، ويطوي السماوات بيمينهِ، ثم يقول: أنا الملِكُ، أين ملوك الأرض؟ ] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
قال قتادة: (أي نفرت قلوبهم واستكبرت). وقال مجاهد: (انقبضت. قال: وذلكَ يوم قرأ عليهم النجم عند باب الكعبة). وعن السدي: (قوله: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ قال: نفرت ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أوثانهم).
وقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. قال القرطبي: (أي يظهر في وجوههم البشر والسرور). وقال القاسمي: (أي يفرحون بذلك. لفرط افتنانهم بها، ونسيانهم حق اللَّه تعالى. ولقد بولغ في الأمرين حيث بين الغاية فيهما. فإن الاستبشار أن يمتلئ قلبه سرورًا حتى تنبسطَ له بشرة وجهه. والاشمئزاز أن يمتلئ غمًا حتى ينقبض أديم وجهه).
قلت: وأصل الاشمئزاز النفور والازورار وإبداء الكراهية، وهذا شأن كثير من الناس الذين فَتَنوا أنفسهم بالشهوات ومسالك الحرام وتعلقت قلوبهم بالكبائر والفواحش فإذا ما ذكرتهم باللَّه نقموا واشمأزوا بحيث لا يريدون أن يسمعوا صوت الحق الذي يهديهم ويعكر عليهم فاسد أمزجتهم، وكذلكَ إذا ذُكِّروا بالموتِ أبدوا انزعاجهم وغيروا الحديث إلى ما يرفِّه أحلامهم، كما قال جل ثناؤه في سورة الروم
стр. 4112
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه يبغض كل جعظري جَوَّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفةٍ بالليل، حمارٍ بالنهار، عالمٍ بالدنيا، جاهلٍ بالآخرة] (١).
وعند الحاكم في تاريخه عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ : [إن اللَّه تعالى يبغضُ كلَّ عالمٍ بالدنيا، جاهلٍ بالآخرة] (٢).
وفي مسند الإمام أحمد عن أُسامة بن زيد، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى يبغضُ الفاحِش المتفحِشّ] (٣).
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
فعن السدي: (﴿فَاطِرَ﴾: قال: خالق، وفي قوله: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾ قال: ما غاب عن العباد فهو يعلمه ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ قال: ما عرف العباد وشهدوا فهو يعلمه).
قلت: وفيهِ أمر من اللَّه لنبيّه وتسلية لهُ إذ كذبه المشركون أن يلجأ إلى اللَّه سبحانهُ بالدعاء والابتهال والتضرع ليرد عنه كيد عدوّه في نحره ويكسر شوكتهُ ويذل كبرياءه وعناده. ولذلكَ كان يفتتح ﵊ قيام الليل بهذا الدعاء العظيم.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أمّ المؤمنين بأي شيء كان نبيٌّ اللَّه ﷺ يفتتح صلاتهُ إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم ربَّ جَبْرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السماوات والأرض عالمَ الغيب والشهادةِ أنتَ تحكم بين عبادكَ فيما كانوا فيه يختلفون. اهدِني لما اختلف فيهِ من الحق بإذنكَ إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم] (٤).
стр. 4113
وفي ذلك تعليم العباد أن يلجؤوا إلى اللَّه تعالى بالصلاة والدعاء في الليل عند الاختلاف وأن يستعينوا بأسمائه الحسنى على إدراك الحق والفصل عند الخلاف.
وفي الأثر عن سعيد بن جبير قال: (إني لأعرف آية ما قرأها أحدٌ قط فسألَ اللَّهَ شيئًا إلا أعطاهُ إياه، قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾.
وهذه الآية مفسّرة بالآية التي في سورة يونس: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤]، وبالآية التي في سورة فاطر: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٦ - ٣٧].
وفي الصحيحين عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى يقول لأهون أهل النارِ عذابًا: لو أن لك ما في الأرضِ من شيء كنتَ تفتدي بهِ؟ قال: نعم، قال: فقد سألتكَ ما هوَ أهونُ من هذا وأنتَ في صلب آدم أن لا تشركَ بي شيئًا فأبيت إلا الشرك] (١).
ولذلكَ كان يحث النبي ﷺ أصحابه على العمل الصالح والصدقة وما ينفعُ يوم الحساب حتى الكلمة الطيبة حتى لا يقعَ في الندامة حيث لا تنفعُ ولا تجدي وقد مضى زمن العمل.
فقد أخرج الترمذي بسند حسن عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يقي أحدُكم وجهَهُ حرَّ جَهنم ولو بتمرة، ولو بشِق تمرة، فإن أحدكم لاقِي اللَّه، وقائل له ما أقول لأحدكم: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أجعل لك مالًا وولدًا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمتَ لنفسك؟ فينظر قدامه وبعده، وعن يمينهِ وعن شماله، ثم لا يجد شيئًا يقي به وجهَه حرّ جهنم، لِيَقِ أحدُكم وَجْهَه النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن اللَّه
стр. 4114
ناصركم، ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة، وأكثر ما يخاف على مطيتها السَّرق] (١).
وجملة القول: أن الذين كذبوا وأشركوا سيتمنون يوم القيامة لو استطاعوا أن يفتدوا بكل ما يملكون وما كانوا يتنعمون به في الدنيا وما لا يملكون من دنيا غيرهم وأضعاف ذلكَ سوء المصير والفاجعة التي ستنزلُ بهم، كما قال في سورة الرعد: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨]. وكما جاء عن مجاهد: (عملوا أعمالًا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات). وقال غيره: (عملوا أعمالًا توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. قال القرطبي: (ويجوز أن يكونوا توهموا أنه يغفر لهم من غير توبة فـ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ من دخول النار. ثم ساق أثرًا عن سفيان الثوري في هذه الآية حيث قال: (ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم). وأثرًا عن عكرمة بن عمار حيث قال: (جزع محمد بن المنكدر عند موتهِ جزعًا شديدًا، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب اللَّه ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب)).
وقال ابن جرير: (ظهر لهم يومئذ من أمر اللَّه وعذابه، الذي كان أعدّه لهم ما لم يكونوا قبل ذلكَ يحتسبون أنه أعدّه لهم). وقال ابن كثير: (وأحاط بهم من العذاب ما كانوا يستهزئون به عند ذكره لهم في الدار الدنيا). وهو معنى الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الشوكاني: (أي مساوئ أعمالهم من الشرك وظلم أولياء اللَّه، و ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون مصدرية: أي سيئات كسبهم، وأن تكون موصولة: أي سيئات الذي كسبوه ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي أحاط بهم ونزل بهم ما كانوا يستهزئون به من الإنذار الذي كان ينذرهم به رسول اللَّه ﷺ ، قال: وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ الآية: قال: قست ونفرت ﴿قُلُوبُ﴾ هؤلاء الأربعة ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أبو جهل بن هشام والوليد بن عقبة وصفوان وأبيّ بن خلف ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ اللات والعزى ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾).
стр. 4115
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
أما قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ ففيه أقوال:
الأول: (﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ عندي بوجوه المكاسب). قاله قتادة وفي رواية: (﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على خير عندي). وقال القاسمي: (أي مني بوجوه الكسب والتحصيل).
الثاني: (أي بعلم علمني اللَّه إياه) قاله الحسن.
الثالث: أي على شرف أعطانيه، قال ابن جرير: (يعني على علم من اللَّه بأني له أهل لشرفي ورضاه بعملي).
وقال ابن كثير: (أي لما علم اللَّه تعالى من استحقاقي له ولولا أني مستحق لما خوّلني هذا). وذكره القرطبي فقال: (أي على علم مِن اللَّه بفضلي).
الرابع: أي هذا دلالة على منزلتي في الآخرة. قال الشوكاني: (وقيل: قد علمت أني إذا أوتيتُ هذا في الدنيا أنّ لي عند اللَّه منزلة وجاء بالضمير في أوتيته مذكرًا مع كونه راجعًا إلى النعمةِ لأنها بمعنى الإنعام).
قلت: والآية تصف الغرور الذي يعتري العبد إذا شعر بالغنى والخير والعافية وذهب عنه الألم والعناء والفقر كما قال جل ثناؤه في سورة العلق: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]. وهو مدخل إبليس الأهم إلى النفس البشرية، فالإنسان عند الضعف يتذكر بفطرته ربّه سبحانه فيجأرُ إليه ليكشف عنه المصيبةَ ولكنه سرعان ما يستجيب لغوايات ووساوس شيطانهِ إذا شعر بالعافية والغنى فهو يدخل عليه من التأويل الأول، أي إنما حصل لك ذلك لفضل سعة علمك وإحاطتك بوجوه الكسب والتحصيل، فإن لم يستجب دخل عليه من التأويل الثاني أي إنما حصل لك ذلك الخير بعلم اختصه اللَّه بك، فإن لم يستجب دخل عليه من التأويل الثالث أي إنما ذلكَ علامة رضائه عنك واستحقاقك، وإلا دخلَ عليهِ من التأويل الرابع أي إن ورود هذه النعم عليك في الدنيا علامةُ ورودها عليك في الآخرة ودليل منزلتك يوم القيامة، ولا يهم الترتيب، بل كلها مداخل للشيطان إلى الإنسان ليصرفه عن التواضع للَّه إلى الكبر الذي دمّر إبليس وأخزاه، فتعوذ باللَّهِ من حال المستكبرين. ولذلكَ كانَ من هديه ﵊، الدعاء في الرخاء قبل الشدائد، كما روى الترمذي والحاكم بسند حسن عن
стр. 4116
أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [من سرّه أن يستجيبَ اللَّه له عند الشدائد والكُرَب فليكثر الدعاءَ في الرخَاء] (١).
كما كان من هديه التحذير من مواضع الكبر والغرور، والالتجاء إلى رحمة اللَّه وفضله.
ففي صحيح الإمام مسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [لا يُدخِل أحدًا منكم عملُهُ الجنة، ولا يجيرُ من النار، ولا أنا إلا برحمة اللَّه] (٢).
وفيه عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لا يدخلُ الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كبرٍ، قيلَ: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبُه حسنًا، ونعله حسنة، قال: إن اللَّه جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحقِّ، وغمْطُ الناس] (٣).
وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾. قال قتادة: (أي بلاء). وقال القرطبي: (أي بل النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها): وقال النحاس: التقدير: بل أعطيته فتنة. وقال ابن كثير: (أي ليسَ الأمر كما يزعمُ إنما نعمتنا كانت اختبارًا لهُ أيطيعُ أم يعصي ونحن أعلمُ بما سيكون منه).
قلت: وهذه الآية كقولهِ في سورة الروم: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٦ - ٣٧].
وكقوله في سورة الإسراء: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٣ - ٨٤].
وقد أخرج ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" والطبراني في "الكبير" وابن حبان في صحيحه بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إن للَّه تعالى أقوامًا يختصّهم بالنعم لمنافِعِ العبادِ، ويقرّها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحوّلها إلى غيرهم] (٤).
стр. 4117
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي إن ما قسم اللَّه في الحياة الدنيا اختبار وامتحان فابتلى هؤلاء بالغنى وابتلى هؤلاء بالفقر، وابتلى هؤلاء بالعافية كما ابتلى هؤلاء بالمرض، ثم لا يدري كثير من الناس أجر الصابرين عند اللَّه يوم القيامة وأجر الراضين المحتسبين. قال ابن جرير: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: بجهلهم وسوء رأيهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لأي سبب أعطوا ذلك).
فقد أخرج الترمذي في "الجامع" والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [ليودّنَّ أهل العافيةِ يوم القيامةِ أن جلودهم قرضتْ بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء] (١).
وكذلكَ في المسند عن محمود بن لبيد، عن النبي ﷺ قال: [اثنتان يكرههما ابنُ آدم: يكرهُ الموت، والموتُ خيرٌ له من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلةُ المال أقلُ للحساب] (٢).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
قال السدي: (الأمم الماضية). وقيل: يعني الكفار قبلهم كقارون وغيره كما حكى اللَّه عن قارون في سورة القصص حيث قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. وفي ﴿مَا﴾ قولان:
الأول: إنها للجحد. والمعنى: لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب اللَّه شيئًا.
الثاني: قيل بل هي للاستفهام. والمراد: أي فما الذي أغنى عنهم أموالهم.
وكلاهما يحتمله المجاز والبيان القرآني، والآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. أي: لقد حق القول على الأمم الماضية لما كذبت فأهلكها اللَّه ودمّرها، وليس هؤلاء القوم المكذبين من قريش بأحسن حال ممن قبلهم، فالكل
стр. 4118
ماض تحت سنته سبحانه، وسيعلم هؤلاء المعاندون أي منقلب ينقلبون فما أحد يعجز اللَّه سبحانه بل الكل مقهور بجبروته وكبريائه وعظمته. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وكما قال: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٢ - ٥٣].
وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذبته] ورواه أحمد والحاكم (١).
ولفظ الحاكم: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (٢).
ولفظ أحمد: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار].
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
هو كقوله في سورة الروم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧]. وكقوله في سورة الزخرف: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وفي الآية اختصاص للمؤمن بالذكر فهو وحده دون غيره ينتفع بالذكر ويعلمُ حقيقة الأمر، دونما غرور من الشيطان أو وسوسة أو كبر. قال القرطبي: (لأنه هو الذي يتدبر الآيات وينتفع بها، ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكرًا واستدراجًا، وتقتيره رفعة وإعظامًا).
وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يُعَلِّمُ من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: فقلت أنا يا رسول اللَّه. قال: فأخذ بيدي فعدّ خمسًا قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم اللَّهُ لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جاركَ تكن مؤمنًا، وأحبَّ للنَّاس ما تحب لنفسك
стр. 4119
تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب] (١).
وقد نقل القاسمي عن المهايميّ في تفسير الآية قوله: (ومن آياته في ذلكَ أنه تعالى قوي بذاته، له تقوية من يشاء وتضعيف من يشاء. ومنها أنه فيّاض بذاته لا يتوقف فيضه على الشفعاء. ومنها أنه فاعل بذاته لا توقف فعله على سبب وواسطة).
٥٣ - ٦٧. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.
في هذه الآيات: يتودّد الرحمان إلى عباده جل ثناؤه ويقدم لهم عرضًا مغريًا،
стр. 4120
ودعوة مفتوحة لهم، وخاصة لعصاتهم، ليبادروا إلى التوبة والاستغفار بعد الإقلاع عن الذنوب والآثام، وهي فرصة ذهبية لتدارك العمر والنجاة من خطر لحظات الغرغرة ودقائق بلوغ الروح الحلقوم، فهو الغفور سبحانهُ مهما تراكمت الذنوب، ذو قدرة على تجاوزها وعلى التجاوز والعفو عن صاحبها، فارجعوا أيها الناس إلى اللَّه العظيم واستسلموا لأمرهِ وإلا باغتكم سبحانه بعذاب أليم، واستمسكوا بالقرآن فهو الحق وهو أحسن ما جاءكم، وإلا فاجأكم اللَّه بالعذاب من حديث لا تشعرون، فيتمنى عندها أهل الكبر والظلم العودة إلى الدنيا ويندمون على ما كانوا يفرطون ويستهزئون، كلا لا سبيل فقد قامت حجة اللَّه عليكم في الدنيا وآثرتم الكذب وسبيل المستكبرين والكافرين، ثم يوم القيامة يقفون في وجوه مسودة قد علاها أثر الظلم لتصلى نار جهنم مأوى المتكبرين، في حين ينجي اللَّه المتقين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهو اللَّه الخالق رب كل شيء ومليكه، والكل مقهور بأمره وكبريائه، وعندهُ خزائن السماوات والأرض، فمن آثر عناد اللَّه والكبر الذي لا يليقُ إلا بجلاله أخزاه وكبهُ على وجهه في النار مع الخاسرين، فكيف تعبدون غيره وتدعون نبيّه إلى عبادة من دونه وقد أوحى اللَّه إليهِ كما أوحى إلى الأنبياء من قبله بأن الشرك يحبط العمل، ويورث سخطَ اللَّه وجحيم النار كالظلل، بل أخلص العبادة للَّه يا محمد أنتَ ومن معكَ وكن من الشاكرين، فإن هؤلاء ما قدروا اللَّه حق قدره إذ عرضوا عليك الشرك والكفر باللَّه وهو الذي يقبض الأرض ويطوي السماوات بيمينهِ يوم القيامة سبحانه هو الكبير المتعال، فتعالى عما يشركون وعما يفترون فهو العظيم ذو الجلال. وتفصيلُ ذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار من اللَّه تعالى بأنه يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها وإن كانت كزبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه). وأما أسباب نزول هذه الآيات ففيها أحاديث صحيحة.
ففي الصحيحين وجامع الترمذي عن ابن عباس ﵄: [أن أناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، ونزل ﴿قُلْ
стр. 4121
يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾] (١).
وكذلكَ فقد أخرج الحاكم والبزار ورجاله ثقات، عن عبد اللَّه بن عمر عن عمر قال: [كنا نقول ما لمفتَتِنٍ توبة وما اللَّهُ بقابل منه شيئًا، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ والآيات بعدها. قال عمر: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام بن العاص: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أُصَعِّدُ بها فيه وَأصَوِّبُ ولا أفهمها حتى قلت: اللهم فَهِّمْنِيها. قال: فألقيَ في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعتُ إلى بعيري فجلست عليه فلحقتُ برسول اللَّه ﷺ وهو بالمدينة] (٢).
وجملة أقوال المفسرين في أسباب النزول تنحصر في ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنها نزلت في قوم من أهل الشرك زنوا وقتلوا وظنوا أنه لا توبة.
فعن ابن عباس: (﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: وذلكَ أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان ودعا مع اللَّه إلهًا آخر، وقتل النفس التي حرم اللَّه لم يغفر له، فكيف نهاجرُ ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس التي حرم اللَّه ونحن أهل الشرك فأنزل اللَّه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾).
وعن مجاهد في قول اللَّه: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: (قتل النفس في الجاهلية).
وقال قتادة: (ذكر لنا أن ناسًا أصابوا ذنوبًا عظامًا في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يُتابَ عليهم فدعاهم اللَّه بهذه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾).
وقال عطاء بن يسار: (نزلت هذه الآيات الثلاث بالمدينة في وحشي وأصحابه
стр. 4122
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾).
وقال السدي: (هؤلاء المشركون من أهل مكة، قالوا: كيفَ نجيبك وأنت تزعم أنه من زنى أو قتل أو أشرك بالرحمان كان هالكًا من أهل النار، فكل هذه الأعمال قد عملناها فأنزلت فيهم هذه الآية ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾).
قال الشوكاني في فتح القدير: (وأعلم أن هذه الآية أرجا آية في كتاب اللَّه سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارة، فإنه أولًا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلكَ بالنهي عن القنوط من الرحمةِ لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى بعدهُ شك ولا يتخالج القلب عند سماعه ظنّ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليهِ للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده. . ثم قال: ثم لم يكتف بما أخبر عباده به من مغفرة كل ذنب بل أكد ذلكَ بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ فيالها من بشارةٍ ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم الصادقين في رجائه. الخالعين لثياب القنوط الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب).
وقد ذكر ابن كثير كلامًا جميلًا في ذلكَ حيث قال: (إن اللَّه تعالى بفضله وكرمه ومنّه دعا الكفار جميعًا بلا استثناء إلى التوبة حتى الذي قال أنا ربكم الأعلى ولكنه لم يؤمن إلا في حين لا تنفعهُ توبة عند الاحتضار إذ قال له تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]).
القول الثاني: قيل بل المراد أهل الإسلام، فنزلت في قوم صدهم المشركون عن الهجرة وفتنوهم فظنوا أنه لا توبة.
يروي ابن جرير عن نافع عن ابن عمر قال: (أنزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا ثم فُتِنُوا وعذّبوا فافتتنوا، كنَّا نقول: لا يقبل اللَّه من هؤلاء صرفًا ولا عدلًا أبدًا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عُذِّبوه، فنزلت هذه الآيات وكان عمر بن الخطاب كاتبًا قال: فكتبها بيده ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، إلى أولئكَ النفر فأسلموا وهاجروا).
ثم ساق أثرًا عن ابن سيرين عن علي ﵁ وقد قال لأصحابه: (أي آية في
стр. 4123
القرآن أوسع؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] ونحوها، فقال علي: ما في القرآن أوسع من ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ. . .﴾ إلى آخر الآية).
القول الثالث: قيل بل نزلت في قوم يرون أهل الكبائر في النار فأعلمهم اللَّه أنه يغفر لمن يشاء.
فقد روي عن نافع عن ابن عمر قال: (كنا معشر أصحاب رسول اللَّه ﷺ نرى أو نقول: أنه ليسَ شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب منها قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا خفنا عليهِ وإن لم يصب منها شيئًا رجونا له) ذكره ابن جرير.
قال ابن عباس: (من آيس عباد اللَّه من التوبةِ بعد هذا فقد جحد كتاب اللَّه .
وروى ابن أبي حاتم عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال لقاصٍّ يُذَكِّرُ الناس وَيُقَنِّطُهُم: (يا مُذَكِّر لم تُقَنِّط الناس من رحمة اللَّه؟ ثم قرأ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾).
قلت: والراجح أن الآية عامة وإن كانت أسباب النزول قد جاءت فيمن كانوا قتلوا وزنوا وأكثروا من المشركين وظنوا أنه لا توبة، أو في قوم ما استطاعوا أن يهاجروا وفُتنوا وفَتنوا أنفسهم، كما قدمت في بداية ورود الآيات بحديث الصحيحين وحديث الحاكم، ولكن الآيات تبقى في حق كل من أسرف على نفسه بشرك وكفر ثم تاب واستغفر، أو بكبائر وفواحش ثم أقلع وأناب واستعتب، كما قال جل ثناؤه في حق المشركين من أهل الكتاب في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٤].
وكما قال جل وعز في حق المنافقين في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ
стр. 4124
بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٧].
وكما قالَ في حق أهل الكبائر في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وكما قال في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]. ففسح لهم طريقًا إلى التوبة كما قال الحسن البصري ﵀: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة).
وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: [قدمَ رسولُ اللَّه ﷺ بِسَبْي، فإذا امرأةٌ من السبي تَسْعَى، إذ وجدَتْ صبيًا في السَّبْي أخذتهُ، فألزقَتْهُ ببطنِها، فأرضَعَتْهُ، فقال رسول اللَّه ﷺ : أترونَ هذه المرأةُ طَارِحَةً ولدَها في النار؟ قلنا: لا، واللَّهِ، فقال: للَّهُ أرحَمُ بعبادهِ من هذه بولدها] (١).
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لما خلق اللَّه الخلقَ، كتبَ في كتابٍ، فهو عِنْده فوق العرش: إن رحمتي تغلبُ غضبي] (٢). وفي روايةٍ: (سبقت غضبي). وفي رواية: (غلبت غضبي).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربَّه، ﵎، قال: [أذنب عبدٌ ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال اللَّه ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن لهُ ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أنه لهُ ربًّا يغفِرُ الذنبَ ويأخذُ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن لهُ ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي فليفعل ما شاء] (٣). أي: ما دام يذنب ويتوب ولا يُصِر، بل يتكرر الذنب من ضَعف وزلل فإن اللَّه يغفر لمن تاب وأقلع واستغفرَ، وردّ الحقوق إلى أهلها.
وفي صحيح الإمام مسلم ما يشهد لهذا المعنى، ففي حديث أبي أيوب رضي اللَّهُ
стр. 4125
عَنْهُ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [لولا أنكم تُذنبون، لخلق اللَّه خلقًا يذنبون، فيستغفرون فيغفِرُ لهم] (١).
ورواه أحمد عنه، وفيه أنه قال حين حضرته الوفاة: [قد كنت كتمتُ شيئًا سمعتهُ من رسول اللَّه ﷺ يقول: لولا أنكم تذنبون لخلق اللَّه قومًا يذنبون فيغفر لهم].
وروى البيهقي في "شعب الإيمان" بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [لو لم تكونوا تُذنبون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبرُ من ذلكَ، العُجْبَ، العُجْب] (٢).
وروى الطبراني في "الكبير" بسند حسن عن أبي سعيد الأنصاري، عن النبي ﷺ قال: [الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له] (٣).
وقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (لا تيأسوا من رحمة اللَّه).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. أي: حتى الشرك باللَّه إن تاب صاحبه قبل أن يغرغر، وأما إن لم يتب فقد توعده اللَّه بعدم المغفرة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. ففيما عدا الشرك الذي لم يتب صاحبه وماتَ فأمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإن عاقبه كان عدلًا منه سبحانه وإن غفر له وستر عليهِ كان ذلكَ رحمة منه فهو أرحم الراحمين.
قال ابن جرير: (إن اللَّه يستر على الذنوب كلها بعفوه من أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بهم، أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها).
وقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾. قال قتادة: (أي أقبلوا إلى ربكم). وقال السدي: (أجيبوا). وقال ابن زيد: (الإنابة الرجوع إلى الطاعة والنزوع عما كانوا عليه، ألا تراه يقول: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الرعد: ٣١]). وقال القرطبي: (والإنابة الرجوع إلى اللَّه بالإخلاص).
وقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. أي استسلموا لأمره ولجبروته فاخضعوا له معظمين مخبتين، وأقروا له بالطاعة والتواضع.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾. أي عذاب الدنيا وخزي الذل فيها ﴿ثُمَّ لَا
стр. 4126
تُنْصَرُونَ﴾ فلا ينصركم ناصر، ولا يمنعكم من بطشه مانع، ولا ينقذكم من بين يديهِ سبحانه منقذ.
وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: المراد بأحسن ما أنزل هو القرآن.
والقرآن كله حسن، ولكن المعنى كما قال الحسن: (التزموا طاعته واجتنبوا معصيته). وقال السدي: (الأحسن ما أمر اللَّه به في كتابه). واختاره ابن جرير حيث قال: (واتبعوا أيها الناس ما أمركم به ربكم في تنزيله، واجتنبوا ما نهاكم فيه عنه، ذلكَ هو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا. قال: فإن قيل: ومن القرآن شيء أحسن من شيء؟ قيل له: القرآن كله حسن وليس المعنى كما توهمت. وإنما معناه: واتبعوا مما أنزل إليكم ربكم من الأمر والنهي والخَبر، والمثل والقصص والجدل والوعد والوعيد أحسنه، وأحسنه أن تأتمروا لأمره، وتنتهوا عما نهى عنه، لأن النهي مما أنزل في الكتاب، فلو عملوا بما نهوا عنه كانوا عاملين بأقبحه، فذلكَ وجهه).
التأويل الثاني: المراد بأحسن ما أنزل هو المحكمات. قال ابن زيد: (يعني المحكمات، وَكِلُوا علم المتشابه إلى عالمه).
التأويل الثالث: المراد القرآن من بين الكتب السابقة. قال ابن زيد: (أنزل اللَّه كتبًا التوراة والإنجيل والزبور ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز). قال القرطبي: (وقيل: هذا أحسن لأنه ناسخ قاض على جميع الكتب، وجميع الكتب منسوخة).
التأويل الرابع: قيل المراد العفو إذا خُيِّرْتم بين العفو والقصاص. قال الشوكاني: (وقيل العفو دون الانتقام، بما يحق فيه الانتقام).
التأويل الخامس: قيل المراد بالأحسن أخبار الأمم الماضية فما أنزلها اللَّه إلا لتعتبروا بها فهي أحسن دليل على فهم سنن اللَّه في عباده، فإن في التاريخِ عبرة لمن أراد أن يعتبر.
التأويل السادس: قيل بل المراد الوحي دون غيره. قال القرطبي: (وقيل ما عنهم اللَّه النبي ﵇ وليس بقرآن فهو حسن، وما أوحى إليهِ من القرآن فهو الأحسن).
قلت: وكلها معان متقاربة ويحتملها الإعجاز ويبانُ القرآن، والآية كقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ فإن القرآن خير كتاب على وجه الأرض وقد
стр. 4127
نسخ ما أنزل قبلهُ من الكتب من التوراة والإنجيل والزبور، فهو الكتاب والمنهج إلى يوم القيامةِ، وفيه خير الأمر وخير الأخلاق وأرفعها، ففيه مقام الإحسان والعفو وَعِبَرُ الأمم الماضية، وفيه المحكمات من الآيات التي يُرجَع إليها عند الاختلاف في فهم المتشابهات فتبارك اللَّه منزل القرآن العظيم.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. المراد عذاب الدنيا يفجؤكم اللَّه به فيهددكم بالقتل والأسر والقهر والخوف والجدب والقحط ونقص المياه وموت الثمر، والفقر والأمراض، وعندئذ لا يغني حذر من قدر.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.
قال السدي: (يا حسرتا: قال الندامة). والألف كناية المتكلم والمراد يا حسرتي. قال ابن جرير: (ولكن العرب تحول الياء في كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفًا فتقول: يا ويلتا ويا ندما فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء. قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾: بمعنى لئلا تقول نفس يا حسرتا، وهو نظير قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، بمعنى أن لا تميد بكم، فأن بهذا المعنى في موضع نصب). وقيل المراد: (من قبل).
قال الزمخشري: (فإن قلت لم نكّرت؟ قلت: لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر).
قال القرطبي: (ويجوز أن يريد نفسًا متميزة من الأنفس، إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير).
وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فيه أقوال متقاربة:
الأول: المراد في أمر اللَّه. فعن مجاهد: (﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: يقول في أمر اللَّه). وقال السدي فيها: (تركت من أمر اللَّه).
الثاني: قيل بل المراد طاعة اللَّه. قال الحسن: (على ما فرطت: في طاعة اللَّه).
الثالث: قيل بل المراد ذكر اللَّه. قال الضحاك: (أي في ذكر اللَّه . قال: يعني القرآن والعمل به).
الرابع: قيل بل المعنى ثواب اللَّه. قال أبو عبيدة: (في جنب اللَّه: أي في ثواب اللَّه).
стр. 4128
الخامس: قيل بل المراد بالجنب الجوار والقرب. قال الفراء: (الجنب القرب والجوار، يقال: فلان يعيش في جنب فلان أي في جواره، ومنه ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. أي على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة).
السادس: أي طريق اللَّه. قال الزجاج: (أي على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق اللَّه الذي دعاني إليه).
قال القرطبي: (والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنبًا، تقول تجرعت في جنبك غصصًا، أي لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك).
السابع: قيل بل المعنى رضا اللَّه. قال الشوكاني: (وقال الزجاج: أي فرطت في الطريق الذي هو طريق اللَّه من توحيده والإقرار بنبوة رسول اللَّه ﷺ وآله وسلم، وعلى هذا فالجنب بمعنى الجانب: أي قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا اللَّه).
قلت: وغاية المعنى أنّ الندم سيأكل من قلوب المسرفين الذين ضَيَّعوا حياتهم الدنيا بالكبر والاستهزاء بأمر اللَّه ونهيه واستسهال أمر الفواحش والكبائر والمضي في غير طريق اللَّه وطريق رضوانه وطاعته وثوابه، والاستئناس بجوار غيره، وقرب من أبعده اللَّه وكان من الخاسرين، كما قال جل ثناؤه في سورة الرعد: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
وفي صحيح الإمام مسلم عن أنس بن مالك، ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: [إنّ الكافر إذا عَمَل حسنةً، أُطْعِمَ بها طُعْمةً من الدنيا، وأما المؤمنُ، فإن اللَّه تعالى يَدَّخِرُ له حسناتِه في الآخرة، ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدنيا على طاعته].
وفي رواية: [إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً يُعطى بها في الدنيا، ويُجْزى بها في الآخرة، وأما الكافِرُ، فيطعَمُ بحسناتِ ما عمل بها للَّه تعالى في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنةٌ يُجْزَى بها] (١).
وأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كُلُّ أهل النار يرى مَقْعَدَه من الجنة، فيقول: لو أنَّ اللَّه هداني، فيكون عليهم حَسْرةً، وكُلُّ أهل الجنة يرى مَقْعَدَهُ من النار، فيقول: لولا أنَّ اللَّه هداني، فيكون له شُكْرًا، ثم تلا
стр. 4129
رسول اللَّه ﷺ : ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾] (١).
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾. قال قتادة: (فلم يكفه أن ضيَّع طاعة اللَّه، حتى جعل يسخر بأهل طاعة اللَّه. قال: هذا قول صنف منهم).
وقال السدي: (يقول: من المستهزئين بالنبي ﷺ وبالكتاب وبما جاء به).
وقال ابن جرير (وإن كنت لمن المستهزئين بأمر اللَّه وكتابه ورسوله والمؤمنين به). وقال الشوكاني: (أي وما كنت إلا من المستهزئين بدين اللَّه في الدنيا، ومحل الجملة النصب على الحال).
قلت: والآية تشبه قوله في سورة التوبة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. فإن الاستهزاء باللَّه أو كتابه أو دينه أو رسوله كفر يورد صاحبه المهانة والذل يوم القيامة. كما جاء في صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري ﵀ عن طيْسَلَةَ بن ميّاس قال: [كنت في النَّجَدَات فأصبتُ ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر فذكرت ذلك لابن عمر قال: ما هي؟ قلت كذا وكذا. قال: ليست هذه من الكبائر: هُنَّ تِسْعٌ: [الإشراك باللَّه، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر (٢)، وبكاء الوالدين من العقوق] (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. فيه محاولة الظالم الهروب من التكليف، ونسب الجبر والظلم للَّه، ولكنها محاولة واهية لن تجديهم في الآخرة، وهي طريقة كثير من الناس اليوم لِرفع الأمر والمسؤولية عن عاتقهم، وهم يضحكون على أنفسهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
قال قتادة: (﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآية قال: هذا قول صنف منهم. ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ الآية، قال: هذا قول صنف آخر. ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى
стр. 4130
الْعَذَابَ﴾ الآية. يعني بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا، قال: هذا صنف آخر).
وعن ابن عباس (قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: أخبر اللَّه ما العباد قائلوه قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، قال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ -إلى قوله- ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول: من المهتدين، فأخبر اللَّه سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى وقال ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. قال: ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا).
قال الشوكاني: (﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي لو أن اللَّه أرشدني إلى دينه لكنت ممن يتقي الشرك والمعاصي، وهذا من جملة ما يحتج به المشركون من الحجج الزائفة، ويتعللون به من العلل الباطلة، كما في قوله - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ - فهي كلمة حق يريدون بها باطلًا).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: لو كانت لي فرصة العودة إلى الدنيا، وإمكانية الرجعة إليها، لكنت من عباد اللَّه المخلصين الموحدين المؤمنين، فأخبر تعالى أن لو رُدُّوا لما قدروا على الهدى.
وأما نَصب ﴿فَأَكُونَ﴾ فعلى وجهين عند أهل اللغة.
الأول: أن يكون النصب على جواب التمني، أي جواب (لو).
الثاني: أن يكون معطوفًا على (كرّةً) والتقدير: "لو أن لي أن أكرَّ فأكون من المحسنين".
وقد أخرج الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [كُلُّ أهل الجنة يرى مقعدَهُ من النار، فيقول: لولا أن اللَّهَ هداني، فيكونُ لهُ شُكرٌ، وكُلُّ أهلِ النار يرى مقعدَه من الجنة، فيقولُ: لو أن اللَّه هداني، فيكون عليه حسرة] (١).
стр. 4131
فجاء الجواب من اللَّه ردًّا على تلك النفس المُتَمنِّيَة: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال قتادة: (يقول اللَّه ردًّا لقولهم وتكذيبًا لهم، يعني لقول القائلين: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ والصنف الآخر: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي. . .﴾ الآية). قال النسفي: (ولكن تركت ذلك وضيعته واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به، فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك).
وقال ابن جرير: (يقول: قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك، وكتاب أنزلته يتلى عليك، ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير، فكذبت بآياتي واستكبرت عن قبولها واتباعها وكنت ممن يعمل عمل الكافرين).
والمراد بالآيات في هذه الآية ما نزل من القرآن، وذلك كما قال الشوكاني: (المراد بالآيات هي الآيات التنزيلية وهو القرآن، ومعنى التكذيب بها قوله: إنها ليس من عند اللَّه وتكبر عن الإيمان بها، وكان مع ذلك التكذيب والاستكبار من الكافرين باللَّه).
قلت: وإن كان الخطاب للمذكر إلا أن النفس في كلام العرب تطلق على المذكر والمؤنث. والآية كقوله في سورة هود: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والآية التي قبلها: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه تعالى يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أنّ لكَ ما في الأرض من شيء كنتَ تفتدي به؟ قال: نعم، قال: فقد سألتك ما هو أهونُ من هذا وأنت في صُلبِ آدم أن لا تشركَ بي شيئًا فأبيت إلا الشرك] (١).
وعن الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يؤتى بالعبدِ يوم القيامة، فيقالُ له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا، وسَخَّرت لك الأنعام والحرثَ وتركتك ترأسُ وتربعُ، فكنت تظنَّ أنك مُلاقِيَّ يومَكَ هذا؟ فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٢).
стр. 4132
التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون
تفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين -الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة- على فهم الصحابة والتابعين
تفسير منهجي فقهي شامل معاصر
الجزء السابع
تأليف الأستاذ الدكتور مأمون حموش
стр. 4133
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4134
التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون
стр. 4135
جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
موافقة وزارة الإعلام
رقم: ٩١٠٩٢
ورقم: ٩١٤٥١
تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م
دمشق - سورية
يطلب من المؤلف
دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١
المدقق اللغوي الدكتور أحمد راتب حموش