الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن عائشة: [أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاكِ اللَّه عذابَ القبر. قالت عائشة: فدخل رسول اللَّه ﷺ عليّ فقلت: يا رسول اللَّه، هل للقبر عذابٌ قبل يوم القيامة؟ قال: لا، وعَمَّ ذلك؟ قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئًا من المعروف إلا قالت: وقاكِ اللَّه عذابَ القبر. قال: "كذبت يهود. وهم على اللَّه أكذب، لا عذابَ دونَ يوم القيامة". ثم مكث بعد ذلك ما شاء اللَّه أن يمكُثَ، فخرج ذات يوم نِصْفَ النهار مُشتملًا بثوبه، مُحمرَّةً عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: القبرُ كقِطع الليل المظلم! أيها الناس، لو تعلمون ما أعلمُ بكيتم كثيرًا وضحِكْتُم قليلًا، أيها الناس، استعيذوا باللَّه من عذاب القبر، فإن عذابَ القبر حق] (١).
وفي رواية: [قالت عائشة: ثم قال لنا رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك: وإنّه أُوحِي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن حبان في صحيحه عن أنس: [أن النبي ﷺ مرَّ بنخل لبني النجار، فسمع صوتًا فقال: ما هذا؟ قالوا: قبر رجل دفن في الجاهلية، فقال رسول اللَّه ﷺ : لولا أن تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني] (٣).
وله شاهد عنده من حديث جابر قال: [دخل النبي ﷺ يومًا نخلًا لبني النجار، فسمع أصوات رجال من بني النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم، فخرج رسول اللَّه ﷺ فزعًا، فأمر أصحابه أن تعوذوا من عذاب القبر] (٤).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن زيد بن ثابت قال: [بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر
стр. 4202
ستة أو خمسة أو أربعة -شك الجريري (١) - فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك. فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا باللَّه من عذاب النار، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب النار، فقال: تعوذوا باللَّه من عذاب القبر، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب القبر، قال: تعوذوا باللَّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ باللَّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا باللَّه من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ باللَّه من فتنة الدجال] (٢).
وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
قال القرطبي: (وآل فرعون: من كان على دينه وعلى مذهبه، وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك).
والمقصود: يأمر اللَّه يوم القيامة ملائكته أن يُدخلوا فرعون ومن كان معه على منهجه أشد العذاب في نار جهنم.
وقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾. أي: يختصمون فيها، والمراد فرعون وقومه.
وقوله: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾.
أي: فيقول الضعفاء للذين استكبروا عن الانقياد للأنبياء وحجة الوحي والحق: إنا كنا نتبعكم فيما دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا فهل أنتم متحملون عنا اليوم جزءًا من العذاب.
وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾.
قال ابن جرير: (﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم الرؤساء المتبوعون على الضلالة في الدنيا إنا أيها القوم وأنتم كلنا في هذه النار مخلدون لا خلاص لنا منها، ﴿إِنَّ
стр. 4203
اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ بفصل قضائه، فأسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، فلا نحن مما نحن فيه من البلاء خارجون، ولا هم مما فيه من النعيم منتقلون).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.
أي: سأل أهل النار الخزنة أن يدعوا لهم ربهم بتخفيف العذاب عنهم ولو مقدار يوم واحد من أيام الدنيا.
وقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾.
أي: فردوا عليهم ألم تقم الحجج عليكم على ألسنة الرسل قالوا بلى.
وقوله: ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
قال ابن كثير: (﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾، أي: أنتم لأنفسكم، فنحنُ لا ندعو لكم ولا نسمعُ منكم ولا نَوَدُّ خَلاصَكم، ونحن منكم بُرآءُ، ثم نخبركم أنه سواء دعوتُم أو لم تَدعُوا، لا يُستجاب لكم ولا يُخفف عنكم، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، أي: في ذَهاب، لا يُتَقبَّلُ ولا يُستجاب).
٥١ - ٥٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.
في هذه الآيات: تقريرُ اللَّه نزول نصره على رسله وعباده المؤمنين في الدنيا وفي الدار الآخرة، يوم لا ينفع الظالمين الاعتذار ولا سبيل لنيل الصفح أو المغفرة. وتسليةُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ عما يلقاه من أذى قومه بأمره بالصبر والتسبيح كما صبر موسى قبله
стр. 4204
على أذى قومه وقد أنزل عليه التوراة كما أنزل عليه القرآن، هدى وذكرى لأولي الألباب، وأن يستعيذ به تعالى من كيد المستكبرين أهل الجدل بالباطل الذي هم في تباب.
فقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. منهاج عام في حياة الرسل ومن مضى على منهاجهم.
قال السدي: (قد كانت الأنبياء والمؤمنون يُقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث اللَّه قومًا فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم).
وهذا الفهم يجيب على ما يخطر بالبال هنا من كون بعض الأنبياء كيحيى وزكريا وشعيا ﵈ قتله قومه، ومنهم من خرج مهاجرًا -من بين أظهر قومه- كإبراهيم ﵇ ومنهم من رفعه اللَّه إلى السماء كعيسى بن مريم ﷺ . ويضاف إلى ذلك الأمور الآتية:
١ - الآية بعمومها تدل على وعد اللَّه بنصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وذلك بإعلائهم على من كذّبهم، وإظفارهم عليهم حتى يقهروهم بالغلبة ويذلوهم بالظفر، كما كان لداود وسليمان ﵉ فقد أعطاهما اللَّه من الملك والسلطان ما قهروا به كل كافر، وكما كان لمحمد ﷺ فقد أظهره اللَّه على من كذّبه من قومه وأذلّهم.
٢ - كما تدل الآية على انتقام اللَّه لرسله والمؤمنين ممن حادّهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل دون قتال، كما فعل تعالى ذكره بنوح وقومه من تغريقهم وإنجائه، وبموسى وفرعون وقومه إذ أهلكهم غرقًا ونجّى موسى ومن معه.
٣ - وتدل الآية كذلك على انتقام اللَّه في الحياة الدنيا ممن كذبوا الرسل بعد وفاة الرسول فيهم، كنصرة اللَّه شعياء بعد مهلكه بأن سلّط على قتلته من قهرهم، وكفعله بقتلة يحيى إذ سلط بختنصّر عليهم فسامهم سوء العذاب. وكفعْله باليهود الذين أرادوا صلب المسيح ﵇ فسلط اللَّه عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، ثم ينزل عيسى بن مريم قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ويضع الجزية ويقتل الخنزير ويكسر الصليب.
٤ - قد يكون الكلام على وجه الخبر عن الجميع من الرسل والمؤمنين والمراد
стр. 4205
واحد، أي: ننصر رسولنا محمدًا والذين آمنوا به في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد - ذكره ابن جرير.
قلت: والأَوْلَى هنا أن يقال: الخبر عام وقد يستثنى بعضهم بالاعتبارات السابقة الذكر.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. قال قتادة: (من ملائكة اللَّه وأنبيائه والمؤمنين به). وعن السدي: (﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ قال: يوم القيامة).
قلت: وقد جعل اللَّه أمة محمد ﷺ أمة الشهادة على جميع الأمم، فهي تنتصر للمرسلين حين يكذبهم أقوامهم.
- قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: [يجيء نوحٌ وأمته، فيقول اللَّه: هل بَلَّغتَ؟ فيقول: نعم أي ربّ! فيقول لأمته: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبيّ، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (١).
وله شاهد في المسند وسنن النسائي وابن ماجة من حديث أبي سعيد -كذلك- مرفوعًا بلفظ: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: مَنْ يشهدُ لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعى محمّد وأمته، فيُقال لهم: هل بَلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلْمُكُم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبيُّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بَلَّغُوا فصدقناه، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾].
وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. أي: يوم لا يقبل اللَّه من الظالمين عذرًا ولا فدية.
стр. 4206
قال ابن جرير: (وذلك أن اللَّه قد أعذر إليهم في الدنيا وتابع عليهم الحجج فيها، فلا حجة لهم في الآخرة إلا الاعتصام بالكذب بأن يقولوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾).
وقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
أي: وكذلك فإن للظالمين اللعنة وهي الطرد من رحمة اللَّه، ولهم مع اللعنة كذلك شر ما في الدار الآخرة وهو العذاب الأليم المهين.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾.
أي: ولقد آتينا موسى حجة الوحي البالغة وبيان أمر الدين الحق، وأورثنا بني إسرائيل "الكتاب" أي: التوراة، الذي فيه نور وهدى ومنهاج لسعادتهم في الدارين.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. أي: إرشادًا وتذكرة لذوي العقول. ونُصِبَ قوله: ﴿هُدًى وَذِكْرَى﴾ على المفعول له أو على الحال.
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أي: فاصبر -يا محمد- على ما تلقاه من أذى قومك، فإن وعدك بالنصر حق.
قال النسفي: (﴿فَاصْبِرْ﴾ على ما يجرعك قومك من الغصص ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ﴾ يعني إن ما سبق به وعدي من نصرتك وإعلاء كلمتك حق).
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. حضّ للأمة على الاستغفار.
قال القرطبي: (قيل: لذنب أمتك، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوّز الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي ﵇ بدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] والفائدة زيادة الدرجات وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر اللَّه من ذنب صدر منك قبل النبوة).
وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾: أوائل النهار وأواخر الليل. والعشي: أوائل الليل. أي: ونزه ربك بالشكر له والثناء عليه بأواخر النهار وأوائل الليل.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. أي: لا يبلغون ذلك الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب.
стр. 4207
قال قتادة: (لم يأتهم بذلك سلطان). وقال مجاهد: (﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ قال: عظمة).
قال ابن جرير: (إن في صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأن اللَّه مُذِلُّهم).
وقال ابن كثير: (أي: ما في صُدورهم إلا كبرٌ على اتباع الحق، واحتقارٌ لِمَنْ جاءَهم به، وليس ما يَرومُونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحقُّ هو المرفوع، وقولُهم وقصدُهم هو الموضوع).
وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
أي: فاستعذ باللَّه -يا محمد- من شر الكفار، ومن مِثْل ما ابتلوا به من الكفر والكبر، فإن اللَّه هو السميع لدعائك ولما يقولون، البصير بعملك وما يعملون، وسيعلم الذين كفروا أي منقلب ينقلبون.
٥٧ - ٦٠. قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾.
في هذه الآيات: تسفيهٌ لمنكري البعث بوضعهم أمام الحقيقة الكبيرة: أنّ خَلْقَ السماوات والأرض أكبر من خلق الناس لو كانوا يعلمون. وأنه كما لا يستوي الأعمى والبصير كذلك لا يستوي المؤمنون والكافرون. فالساعة آتية، والدعاء أمْرٌ من اللَّه لعباده ليفردوه التعظيم والعبادة، والمستكبرون في جهنم خالدون.
فقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. قال يحيى بن سلام: (هو احتجاج على منكري البعث، أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها؟ ).
стр. 4208
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (أنّ خلق جميع ذلك هين على اللَّه).
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.
أي: لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر -وهو الكافر لا يتأمل حجج اللَّه بعينه- والبصير الذي يرى -وهو المؤمن الذي صدق بكلمات اللَّه وحججه ورسله-.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾.
أي: وكذلك لا يستوي أهل الإيمان والعمل الصالح مع الكفار العصاة أهل العمل السَّيئ.
وقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي حججه تعالى. فيعتبرون ويتعظون. أي لو تذكّروا آياته واعتبروا بها، لعرفوا خطأ ما هم مقيمون عليه، من إنكار البعث، ومن قبح الشرك).
وقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾. قال النسفي: (لأنه لا بد من جزاء لئلا يكون خلق الخلق للفناء خاصة).
أي: إن الساعة التي يبعث اللَّه فيها عباده من قبورهم لنيل الثواب ونكال العقاب لجائية أيها الناس لا شك في مجيئها، فأيقنوا بحدوثها واستعدوا لها.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يعني المشركين. لا يصدقون بقيام الساعة.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: وحدوني أغفر لكم). وقيل: أخلصوا لي العبادة أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم.
والمقصود: تَلَطُّفٌ من اللَّه تعالى وتَفَضُّلٌ على عباده وتَوَدُّدٌ إليهم، بأن ندبهم إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ الدعاءَ هو العبادة. ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾] (١).
стр. 4209
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
قال ابن مسعود ﵁: (ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح).
وفي صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، والترمذي في السنن، وأحمد في المسند، بإسناد حسن في الشواهد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ لم يَدْعُ اللَّه، سبحانه، غَضِبَ عليه] (١). وفي لفظ: [يغضب عليه].
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [ليس شيءٌ أكْرَمَ على اللَّه، سبحانه، من الدعاء] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن في الشواهد عن أبي هريرة مرفوعًا: [ادعوا اللَّه تعالى وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللَّه لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ] (٣).
الحديث الرابع: أخرج البزار في مسنده بسند صحيح عن أنس: [أن النبى ﷺ مرَّ بقوم مُبْتَلَيْن فقال: أما كان هؤلاء يسألون العافيةَ] (٤).
ففيه الإنكار على المبتلين الذين لا يسألون اللَّه العافية، وقد ثبت في الحديث
стр. 4210
الصحيح أن اللَّه تعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه يسأله أن يردهما صفرًا خائبتين.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.
قال السدي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ قال: عن دعائي. ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال: صاغرين).
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنه من لم يسأل اللَّه تعالى يغضب عليه] (١).
وفي مسند أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يُحشَرُ المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الناس، يعلُوهم كُلُّ شيء من الصَّغار حتى يدخلوا سِجنًا في جهنم -يقال له: بولس- تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من طينة الخَبال عُصَارَةِ أهل النار] (٢).
٦١ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾.
في هذه الآيات: امتنانٌ من اللَّه تعالى على عباده بنعمة الليل الذي يسكنون فيه، ونعمة النهار الذي ينتشرون فيه، وجعل الأرض لهم قرارًا، والسماء بناء، وتصويرهم
стр. 4211
بأحسن الصور، ورزقهم من الطيبات، لعلهم يفردونه بالعبادة والتعظيم، ويخلصون له الدين.
فقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾. امتنان منه سبحانه على عباده أن جعل لهم الليل يستريحون فيه من حركات السعي في المعايش في النهار، وجعل النهار مبصرًا مضيئًا ليناسب تحركهم في العمل والأسفار.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إن اللَّه لمتفضل عليكم أيها الناس بما لا كفء له من الفضل).
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. أي: قليل من يقوم بواجب الشكر للَّه على آلائه وتلطفه ونعمه، كما قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال النسفي: (أخبار مترادفة، أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الربوبية والإلهية وخلق كل شيء والوحدانية).
وقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. قال القرطبي: (أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: كما ضَلَّ هؤلاء بعبادة غير اللَّه، كذلك أُفِكَ الذين من قبلهم فَعَبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل بمجرَّدِ الجهل والهوى، وجحدوا حُجج اللَّه وآياته).
وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.
قال القاسمي: (﴿قَرَارًا﴾ أي: تستقرون عليها وتسكنون فوقها ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي مبنية مرفوعة فوقكم بغير عمد ترونها لمصالحكم وقوام دنياكم).
وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾. أي: خلقكم في أحسن صورة، فجعل كل عضو في مكان يليق به، ليتم الانتفاع بها، فتستدلوا بذلك على كمال حكمته، فيدعوكم ذلك إلى القيام بشكره والاعتراف بفضله وتعظيمه وحده لا شريك له.
стр. 4212
وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. أي: مما لذّ وطاب من المطاعم والمشارب التي تسرّون بها.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فالذي فعل هذه الأفعال، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، هو اللَّه الذي لا تنبغي الألوهة إلا له، وربكم الذي لا تصلح الربوبية لغيره، لا الذي لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا يرزق ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: فتبارك اللَّه مالك جميع الخلق جنّهم وإنسهم، وسائر أجناس الخلق غيرهم).
وقوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
أي: هو الباقي الذي لا يموت، الحيّ أزلًا وأبدًا، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا عديل له ولا شبيه ولا نظير، فأخلصوا له العبادة والتعظيم.
وفي الصحيحين عن عتبان بن مالك عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه حرَّمَ على النار من قال لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه ] (١).
وفي "الحلية" لأبي نعيم بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعًا:
[من قال: "لا إله إلا اللَّه" أَنْجَتْهُ يومًا من دهره، أصابه قبل ذلك ما أصابه] (٢).
وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال الفراء: (هو خبر، وفيه إضمار أمر، أي ادعوه واحمدوه).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لأن أقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس] (٣).
وفيه أيضًا عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [جاء أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: عَلِّمني كلامًا أقوله. قال: قل لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، اللَّه أكبر كبيرًا والحمد للَّه كثيرًا، سبحان اللَّه رب العالمين، لا حول ولا قول إلا باللَّه العزيز الحكيم.
стр. 4213
قال: فهؤلاء لربي فمالي؟ قال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني] (١).
وفي صحيح مسلم كذلك عن عبد اللَّه بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهما: [أنه كان يقول دُبُرَ كل صلاة، حين يُسَلِّمُ: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن. لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. قال ابن الزبير: وكان رسول اللَّه ﷺ يهلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كل صلاة مكتوبة] (٢).
وفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن أنس عن النبي ﷺ قال: [ما أنعم اللَّه تعالى على عبدٍ نعمةً فقال: الحمد للَّه، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٣).
قلت: ولا شك أن أكبر نعمة يحمد المؤمن اللَّه تعالى عليها هي أن جعله من أهل "لا إله إلا اللَّه".
٦٦ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: قل يا محمد لمشركي قومك إن اللَّه تعالى ينهى أن يُعبد سواه، إذ لا يستحق العبادة إلا هو، فهو الذي أُمرتُ أَنْ أَذِلّ له كما ذلّ له كل شيء وخضع له. لقد خلق أباكم آدم من تراب ثم خلقكم من نطفة ثم من علقة ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ من بطون أمهاتكم صغارًا ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ فتتكامل قواكم
стр. 4214
ويتناهى شبابكم وتمام خلقكم فتصيروا شيوخًا، ومنكم من يفارق الحياة قبل ذلك، إما سقطًا أو صغيرًا أو شابًا أو كهلًا. وإلا فإنه يمضي إلى أجله المحدود وعمره المعدود. إنه تعالى هو المتفرد بالحياة والموت وما أمره إلا كن فيكون.
قال ابن جريج: (قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: تتذكرون البعث). وقال النسفي: (﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فإنما يكوّنه سريعًا من غير كلفة).
٦٩ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾.
في هذه الآيات: العَجَبُ مِنْ قَوْمٍ يصرفون عقولهم عن الهدى إلى الضلال ويكذبون الوحي والمرسلين، وهم يوم القيامة يسحبون في الأغلال إلى الجحيم، مع التقريع والتوبيخ كذلك يضل اللَّه الكافرين، الذين كانوا يفرحون بالباطل ويخوضون بأهوائهم فبئس -جهنم- مثوى للمتكبرين.
فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾.
أي: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بالحق المجادلين بالباطل كيف يصرفون عقولهم عن الهدى إلى الضلال. قال قتادة: (﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أنى يكذبون ويعدلون). وقال ابن زيد: (يصرفون عن الحق).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
تهديد ووعيد، للذين كذبوا القرآن والنبوة، وأصروا على العناد والكفر.
стр. 4215
وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾.
قال القرطبي: (أي عن قريب يعلمون بطلان ما هم فيه إذا دخلوا النار وغُلّت أيديهم إلى أعناقهم). قال ابن جرير: (حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم).
وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال ابن كثير: (﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾، أي مُتصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم). والحميم: هو الماء الحارّ. قال المهايميّ: (لدفعهم برْد اليقين من دلائل الكتاب والسنة ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ -أي يحرقون- قال: لإحراقهم الأدلة العقلية والنقلية).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٥٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٥٠].
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس: [أن رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال رسول اللَّه ﷺ : لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشَهم، فكيف بمن يكون طعامه] (١).
стр. 4216
وعن مجاهد: (﴿يُسْجَرُونَ﴾ قال: يوقد بهم النار). وقال السدي: (يحرقون في النار). وعن ابن زيد: (يوقد عليهم فيها).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تقريع وتوبيخ.
أي: يقال لهم أين الذين كنتم تشركون بعبادتكم إياها من دون اللَّه من الأوثان والآلهة والطواغيت حتى يغيثوكم وينقذوكم مما أنتم متورطون اليوم فيه من الخزي والعذاب فإن المعبود يغيث من عبده وخدمه!
وقوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾.
قال ابن جرير: (فيجيب المساكين: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ -يقول-: عدلوا عنا فأخذوا غير طريقنا وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضلوا عنا، ولكنا لم نكن ندعو من قبل في الدنيا شيئًا، أي لم نكن نعبد شيئًا).
والمقصود: قالوا ذهبوا عنا فلم ينفعونا ثم جحدوا عبادتهم في محاولة للخروج من المأزق بأي سبيل. كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾. قال النسفي: (مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادقوا. أو كما أضل هؤلاء المجادلين يضل سائر الكافرين الذين علم منهم اختيار الضلالة على الدين).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾.
الفرح هنا: هو السرور بالباطل. والمرح: هو الأشر والبطر. والآية توبيخ لهم بما كانوا يفرحون بالمعاصي ويمرحون بالكبر والبطر.
قال مجاهد: (﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ قال: تبطرون وتأشَرون). وعن ابن عباس: (الفرح والمرح: الفخر والخيلاء، والعمل في الأرض بالجاهلية، وكان ذلك في الشرك، وهو مثل قوله لقارون ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ وذلك في الشرك).
وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (-يقول-: ادخلوا أبواب جهنم السبعة من كل باب مِنها جزء مقسوم منكم، فبئس منزل المتكبرين في الدنيا على اللَّه أن يوحدوه ويؤمنوا برسله اليوم جهنم).
стр. 4217
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، معَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها] (١).
٧٧ - ٧٨. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾.
في هذه الآيات: تسليةُ اللَّه تعالى نبيَّه ﷺ بأمره بالصبر، واقتراب الفرج، وطريق المرسلين. فإنه ما كان لرسول أن يأتي بآية أو نصر من عنده وإنما هو أمر اللَّه الذي ينزل بالنقمة على القوم المجرمين.
فقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. قال القاسمي: (أي فاصبر على جدال هؤلاء المتكبرين في آيات اللَّه، وعلى تكذيبهم، فإن وعد اللَّه إياك بالظفر عليهم، حق ثابت).
وقوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
أي: فإما نرينك يا محمد في حياتك بعض ما وعدنا هؤلاء المشركين من العذاب والانتقام أو قبضناك إلينا قبل حلول ذلك بهم فإلينا مصيرك ومصيرهم فنحكم عند ذلك بينك وبينهم بالحق، فنكرمك بجوارنا في جنات النعيم، ونخلدهم في النار في العذاب المهين. قال ابن كثير: (﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: في الدنيا. وكذلك وقع، فإن اللَّه تعالى أقرَّ أعيُنهم من كُبَرائهم وعظمائهم، أُبيدوا في يوم بدر. ثم فتح اللَّه عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته ﷺ ).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. تسلية من اللَّه تعالى لرسوله ﷺ ، فإن من الرسل من قصّ عليه سبحانه خبرهم وكيف أهلك مكذبيهم من أقوامهم، ومنهم أضعاف مضاعفة مما لم يقصص
стр. 4218
عليه في القرآن كيف كان لهم العاقبة والنصرة بعد هلاك كفار قومهم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قال النسفي: (وهذا جواب اقتراحهم الآيات عنادًا، يعني: إنا قد أرسلنا كثيرًا من الرسل وما كان لواحد منهم أن يأتي بآية إلا بإذن اللَّه، فمن أين لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا أن يشاء اللَّه ويأذن في الإتيان بها).
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
أي: فإذا جاء عذاب اللَّه ونزل انتقامه بالمكذبين قضي بالعدل: وهو نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين المبطلين: الذين يتبعونَ الباطل والشرك ويعظمون الطواغيت. قال القرطبي: (أي إذا جاء الوقت المسمى لعذابهم أهلكهم اللَّه، وإنما التأخير لإسلام من علم اللَّه إسلامه منهم، ولمن في أصلابهم من المؤمنين. وقيل: أشار بهذا إلى القتل ببدر).
٧٩ - ٨١. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾.
في هذه الآيات: اللَّه الذي لا تصلح العبادة إلا له -معشر المشركين من قريش- هو الذي جعل لكم الأنعام: من الإبل والبقر والخيل والغنم. فبعضها يركب ويؤكل ويحلب كالإبل، ويحمل عليها الأثقال في الأسفار. وبعضها يؤكل ويشرب لبنها ويحرث عليها الأرض كالبقر. وكذلك الغنم تؤكل ويشرب لبنها، ومن جميعها تستفيدون من الأصواف والأشعار والأوبار، لاتخاذ الثياب والأثاث والمتاع. وإنما يريكم سبحانه بعض آياته وحججه وبراهينه الدالة على وجوب إفراده بالعبادة والتعظيم، ولا تستطيعون إنكار شيء منها إلا بالعناد والكبر وركوب الأهواء واتباع سُبل الشياطين.
قال ابن جرير: (﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ يعني الخيل والحمير. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم).
وعن قتادة: (﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني الإبل تحمل أثقالكم إلى بلد). وقال مجاهد: (لحاجتِكم ما كانت).
стр. 4219
قال القرطبي: (﴿وَعَلَيْهَا﴾ يعني الأنعام في البر ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحر ﴿تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾؟ أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته). قال ابن كثير: (﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾؟ أي: لا تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تُعانِدوا وتُكابِروا).
٨٢ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: أفلم يسر يا محمد هؤلاء المجادلون من مشركي قومك في البلاد فإنهم أهل سفر إلى الشام واليمن، رحلتهم في الشتاء والصيف، فينظروا ما حلّ بمن كفر من الأمم قبلهم مع أنهم كانوا أكثر عددًا وأشد بطشًا فما أغنت عنهم قوتهم وأموالهم من بأس اللَّه إذ عاندوا المرسلين، وجحدوا آيات الوحي المبين، سنة اللَّه التي قد خلت في عباده بأن الهلاك على الكافرين.
وعن مجاهد: (﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ المشي بأرجلهم).
وعن السدي: (﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ قال: فَرِحُوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس اللَّه تعالى ما لا قِبَل لهم به). قال مجاهد: (قالوا: نحن أعلمُ منهم، لن نُبْعَثَ ولن نُعَذَّب). قال ابن جرير: (﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: فلما جاءهم بأسنا وسطوتنا لم يغن عنهم ما كانوا يعملون من البيوت في الجبال ولم يدفع عنهم ذلك شيء ولكنهم بادوا جميعًا وهلكوا).
وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. أي أحاط بهم ما كانوا يستبعدون وقوعه وينكرونه.
стр. 4220
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾.
قال السدي: (﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال: النقمات التي نزلت بهم ﴿قَالُوا﴾ أقررنا بتوحيد اللَّه وصدقنا أنه لا إله غيره، وجحدنا الآلهة التي كنا قبل وقتنا هذا نشركها في عبادتنا اللَّه، ونعبدها معه ونتخذها آلهة، فبرئنا منها).
وقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾. قال قتادة: (لما رأوا عذاب اللَّه في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك).
وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. قال قتادة: (يقول: كذلك كانت سنة اللَّه في الذين خلوا من قبل إذا عاينوا عذاب اللَّه لم ينفعهم إيمانهم عند ذلك).
قال ابن جرير: (ترك اللَّه ﵎ إقالتهم وقبول التوبة منهم ومراجعتهم الإيمان باللَّه وتصديق رسلهم بعد معاينتهم بأسه قد نزل بهم، سنته التي قد مضت في خلقه).
أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إنّ اللَّه يقبلُ تَوبَة العبدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ] (١).
وقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
قال الزجاج: (وقد كانوا خاسرين من قبل ذلك، إلا أنه بيَّن لنا الخسران لما رأوا العذاب).
تم تفسير سورة المؤمن بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه
* * *
стр. 4221
دروس ونتائج وأحكام
١ - ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.
٢ - من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط اللَّه حتى ينزع.
٣ - إن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن إليه في درِجته، وإن كانوا دونه في العمل، لِتَقَرَّ بهم عينه.
٤ - ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللَّه لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه.
٥ - يقبض اللَّه الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ !
٦ - يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت.
٧ - الآزفة هي القيامة، سميت بذلك لأنها قريبة، إذ كل ما هو آت قريب.
٨ - أفضلُ الجهاد كلمةُ عَدْلٍ عند سلطان جائر، أو أمير جائر.
٩ - إن شرّ الرِّعاء الحُطمة، فإياك أن تكون منهم.
١٠ - الطبع هو الختم. ثبتت الذنوب على القلب فحفّت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم.
١١ - استعيذوا باللَّه من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق.
١٢ - إن الدعاءَ هو العبادة، واللَّه تعالى قريب من عباده، وإنه من لم يسأل اللَّه تعالى يغضب عليه.
١٣ - إن اللَّه حَرَّم على النار من قال لا إله إلا اللَّه يبتغي بذلك وجه اللَّه .
стр. 4222
١٤ - ما أنعم اللَّه تعالى على عبد نعمة فقال: الحمد للَّه، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ.
١٥ - إن اللَّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر.
* * *
стр. 4223
٤١ - سورة فصلت
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٤).
موضوع السورة
القرآن العربي تنزيل الرحمان وفيه تفصيل آيات الآفاق والأنفس والأخبار والأحكام
- منهاج السورة -
١ - تنزيل القرآن من الرحمان، قرآن عربي مفصل الشرائع والأحكام.
٢ - قلوب المشركين مقفلة عن فهم هذا الوحي الكريم، وآذانهم فيها وقر عن سماع الحق المبين.
٣ - الويل للمشركين الذين لا يزكون نعمة اللَّه عليهم، وأعدّ اللَّه للمؤمنين جنات النعيم فيها سعادتهم وسرورهم.
٤ - التقريعُ على المشركين في كفرهم باللَّه وشركهم به. وهو الخالق للسماوات والأرض والجبال، ومقدّر الأعمال والأرزاق والأقوات والآجال.
٥ - تهديد اللَّه مشركي قريش بمصير الأمم المكذبة قبلهم كعاد وثمود.
стр. 4224
٦ - نَعْتُ اللَّه مشهد الحشر وخزي الطغاة وأتباعهم، ونطق أسماعهم وأبصارهم وجلودهم لتشهد عليهم.
٧ - تزيين الشياطين للكفار أعمالهم، ومكر اللَّه الغالب للطغاة ومكرهم.
٨ - تنزُّل الملائكة بالأمن والطمأنينة والبشرى بالجنة للمؤمنين، والوَعْدُ لهم بالنصر والتأييد في هذه الدنيا والتمكين.
٩ - الثناء الحسن على الدعاة إلى اللَّه أهل العمل الصالح والمثل الأعلى في المسلمين، والأمر بمدافعة السيئة بالتي هي أحسن فإذا صاحب العداوة كأنه ولي حميم.
١٠ - الإخبار عن بلوغ مراتب الجنة العالية أهل الصبر وأصحاب الحظ العظيم، والأمر بالاستعاذة باللَّه من همزات ووساوس الشيطان الرجيم.
١١ - الليل والنهار والشمس والقمر آيات كبيرة من آيات اللَّه العظيم، والسجود لا يكون إلا للَّه، والملائكة يسبحون ويسجدون ولا يستكبرون، والأرض الخاشعة تهتز بإذن اللَّه بالماء الذي ينزله محيي الموتى الحي القيوم.
١٢ - تهديد اللَّه تعالى المعاندين في آياته، وثناؤه على كتابه المعجز في بيانه، وتسلية رسوله ﷺ عما يلقاه من أذى وتكذيب قومه.
١٣ - مَرَدُّ العمل الصالح أو السَّعِى على أهله، ومردُّ علم الساعة إلى اللَّه المتصرِّف في ملكه، وسوء حال المشركين في الحشر وعند الحساب لنيل عقابه لهم ونكاله.
١٤ - حرص الإنسان على الدعاء بالخير، وسرعةُ جزعه إذا أصابه شر، وإسراعه إلى العجب والكبر والشرك إذا أصابه نعيم أو ما يَسُرّ.
١٥ - تحذير اللَّه المشركين مغبة كفرهم بهذا القرآن، وهو تعالى يريهم آيات الآفاق والأنفس ليظهر لهم أنه الحق كلام الرحمان، ألا إنهم في شك من لقاء ربهم، وهو تعالى محيط بهم وبأعمالهم وبكل ما حولهم.
* * *
стр. 4225
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾.
في هذه الآيات: إنه ما إن جهر النبي ﷺ بدعوته ممتثلًا بذلك أمر ربه ، حتى اتجهت الأنظار إليه وتحركت قوى الشر من قريش نحوه، ممثلة برؤوس الكفر وأئمة الطغيان. وفي هذه الأثناء نزلت أوائل سورة فصلت لتقرع ببيانها الساحر عقول طغاة مكة وقلوبهم وآذانهم التي ما انفتحت بعد لقبول منهج الإيمان.
أخرج ابن إسحاق في المغازي بسند حسن قال: (حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول اللَّه ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش! ألا أقومُ إلى محمد فأكَلِّمُهُ وأعرضُ عليه أمورًا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكفُّ عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النَسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكَفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : قل يا أبا الوليد أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا
стр. 4226
حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه. فلما فرغ من قوله تلا رسول اللَّه ﷺ صدر سورة السجدة) (١).
وفي رواية في مسند عبد بن حميد ومصنف ابن أبي شيبة عن جابر: (أن عتبة قال له: "فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا".
حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللَّه ﷺ يستمع منه قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاستمع مني. قال: أفعل. قال: " ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ".
ثم مضى رسول اللَّه ﷺ فيها وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى السجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك).
وفي رواية: (فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم. فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نَحلف باللَّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: "ورائي أني سمعت قولًا واللَّه ما سمعت مثله قط، واللَّه ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خَلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فواللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزّكم
стр. 4227
وكنتم أسعد الناس به". قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم) (١).
فقوله تعالى: ﴿حم﴾ هو كأمثاله في أوائل السور السابقة التي ابتدأت بالحروف المقطعة، ومفاده الإعجاز والتحدي، فإن القرآن العظيم هو من جنس هذه الأحرف وهو يتحدى الجن والإنس بإعجازه وبيانه وروعته وسموه.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. انتصارٌ للقرآن، فهو منزل من الرحمن الرحيم كما قال جل ذكره: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.
وقوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. أي: بُيِّنت معانيه وأحكمت أحكامه. قال السدي: (بُيِّنت آياته). وقوله: ﴿كِتَابٌ﴾ بدل من ﴿تَنْزِيلٌ﴾، أو خبر ثان لهذا، أو خبر ﴿تَنْزِيلٌ﴾. وجملة: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ في محل رفع نعت لكتاب.
وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بالنصب على المدح، والتقدير: ذكرنا قرآنًا عربيًا بشيرًا ونذيرًا، وذكرناه قرآنًا عربيًا. أو بالنصب على الحال من كتاب. و ﴿عَرَبِيًّا﴾ نعت قرآن منصوب.
وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون).
وقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. قال ابن جرير: (فصلت آيات هذا الكتاب قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون اللسان العربي، بشيرًا لهم يبشرهم إن هم آمنوا به وعملوا بما أنزل فيه من حدود اللَّه وفرائضه بالجنة، ومنذرًا من كذب به ولم يعمل بما فيه بأمر اللَّه في عاجل الدنيا وخلود الأبد في نار جهنم في آجل الآخرة).
وقوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. أي: فاستكبر عن الإصغاء للوحي وتدبر حججه هؤلاء مشركو قريش ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أي لا يصغون للحق إعراضًا واستكبارًا.
وقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾. قال مجاهد: (عليها أغطية كالجَعْبة للنَّبْل). وعن السدي: (﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ قال: عليها أغطية).
стр. 4228
وقوله: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾. قال السدي: (صمم). أي: ثقل يمنع من استماع قولك.
وقوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ هو الاختلاف في الدين. قال النسفي: (﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ ستر، وهذه تمثيلات لنبوّ قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، ومجّ أسماعهم له كأن بها صممًا عنه، ولتباعد المذهبين والدينين كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول اللَّه ﷺ وما هو عليه حجابًا ساترًا وحاجزًا منيعًا من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي).
وقوله: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾. أي: اعمل على طريقتك ونحن نعمل على طريقتنا لا نتابعك. قال مقاتل: (اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها). وقال الكلبي: (أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك). وعن الماوردي: (فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا). وقيل: (اعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا). قال ابن جرير: (أي: فاعمل يا محمد بدينك وما تقول إنه الحق إننا عاملون بديننا وما نقول إنه الحق، ودع دعاءنا إلى ما تدعونا إليه من دينك، فإنا ندع دعاءك إلى ديننا).
٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾.
في هذه الآيات: قل -يا محمد- لهؤلاء المشركين إنما أنا بشر مثلكم أنذركم بالوحي أنه لا إله إلا اللَّه فاعبدوه واستقيموا على عبادته واستغفروه من ماضيكم وجاهليتكم فالويل للمشركين، الذين لا يزكون نعمة اللَّه عليهم بالشكر والإيمان بل يكفرون. لقد أعدَّ اللَّه تعالى للمؤمنين العاملين بطاعته أجرًا غير ممنون، في جنات الخلود جنات النعيم.
فقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. أي لست بملك بل أنا واحد من بني آدم مثلكم. قال الحسن: (علمه اللَّه تعالى التواضع).
وقوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي من السماء من عند اللَّه تعالى على أيدي الملائكة.
стр. 4229
وقوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. قال ابن كثير: (لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما اللَّه إلهٌ واحد).
وقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾. قال القرطبي: (أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه). وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. أي: من شرككم وخطاياكم.
وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال ابن عباس: (هم الذين لا يشهدون أن لا إله إلا اللَّه). قلت: وهذا فقه كبير في فهم الآية، فإن إيجاب الزكاة المالية كان في السنة الثانية للهجرة، وهذه الآية مكية، إلا أن يقال أن يكون المراد أصل الصدقة الذي أُمِرَ به المسلمون أول الإسلام متروكًا لشعورهم قبل تعيين الأنصبة في المدينة بعد الهجرة، فيكون هذا جمعًا مع قول قتادة: (﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: يمنعون زكاة أموالهم)، وقوله السدي: (الذين لا يدينون بالزكاة)، وقول معاوية بن قرة: (ليس هم من أهل الزكاة).
لكن قد يقول قائل: بل الصلاة أَهَمُّ لو أريد تفصيل بعض الأحكام والأركان، فإن الصلاة قد فرضت قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أول الإسلام، ثم فصلت الفرائض ليلة الإسراء.
ووجه الإجابة عند ذلك يكون بالرجوع لمفهوم الزكاة -وهو النماء والطهارة- فتحمل الآية على طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة وأخصّ ذلك طهارتها من دنس الشرك والجحود، ثم أداء زكاة نعم اللَّه الجليلة الكثيرة: كالصحة والمال والولد وألوان النعيم، فيكون معنى الآية: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: دمار عليهم وهلاك محيط بهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: زكاة خلقهم من إفراد اللَّه تعالى بالدعاء والتعظيم، وشكره على نعمة العافية والمال والولد وألوان النعيم، ويدخل في ذلك عندئذ الإنفاق على القرابة المحتاجين وغيرهم من المساكين.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨].
стр. 4230
ومن كنوز السنة الصحيحة في آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن النبي ﷺ أَنَّهُ قال: [يُصْبِحُ على كُلِّ سلامى مِنْ أحدِكم صَدَقَةٌ، فكل تَسْبيحةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تحميدةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تهليلةٍ صَدَقَةٌ، وكُلُّ تكبيرةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمعروف صَدَقَةٌ، ونَهْيٌ عن المنكر صَدقَةٌ، ويُجْزئ مِنْ ذلك ركْعتان يَرْكَعُهُما من الضحا] (١).
الحديث الثاني: روى أحمد وأبو داود -واللفظ له- بإسناد صحيح عن بريدة قال: سَمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [في الإنسان ثلاث مئة وسِتّون مَفْصِلًا فعليه أن يتصدَّق عَنْ كلِّ مَفْصلٍ مِنْهُ بصدقة. قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي اللَّه؟ قال: النُّخاعة في المسجد تَدْفِنُها والشيء تُنَحِّيهِ عن الطريق، فإن لم تجِدْ فَرَكعتا الضحا تُجْزِئُكَ] (٢).
وقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (وهم بقيام الساعة وبعث اللَّه خلقه أحياء من قبورهم من بعد بلائهم وفنائهم منكرون).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
قال مجاهد: (﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قال: محسوب). وقال السدي: (قال بعضهم: غير منقوص، وقال بعضهم: غير ممنون عليهم). وقال غيره: (لا مقطوعٌ ولا مجبوبٌ). والراجح أنه أجر مستمر غير مقطوع ولا منقوص ولا مجبوب، مقابل ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح واستمروا على ذلك حتى لاقوا ربهم. وأما تفسير بعضهم: غير ممنون عليهم فقد رده بعض الأئمة بقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقوله عن أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧].
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٢ - ٣].
стр. 4231
٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [مَنْ يدخل الجنة يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلى ثِيابُهُ ولا يفنى شبابه] (١).
وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي مُنَادٍ: إنَّ لكمْ أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبَدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعموا فلا تبأسوا أبدًا] (٢).
٩ - ١٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾.
في هذه الآيات: التقريعُ على المشركين في كفرهم وشركهم باللَّه الذي خلق الأرض في يومين، وخلق فيها الجبال وبثّ فيها الدواب وقدّر فيها الأقوات في أربعة أيام، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وقدّر في كل سماء مقاديرها، وزين السماء الدنيا بمصابيح وحفظًا من استراق الشياطين، ذلك تقدير العزيز العليم.
فعن السدي: (﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال: في الأحد والاثنين). قال ابن جرير: (وذلك يوم الأحد ويوم الاثنين، وبذلك جاءت الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ وقالته العلماء). قال ابن كثير: (فالجمهور على أنها كأيامنا هذه).
قلت: وقد جاء تفصيل بدء الخلق في حديث الإمام مسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي فقال: [خلق اللَّه التربة يوم
стр. 4232
السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يومَ الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبَثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعةٍ من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل] (١).
وقوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. قال ابن جرير: (-أي-: وتجعلون لمن خلق ذلك كذلك أندادًا وهم الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معاصي اللَّه).
والمقصود: كيف تجعلون لخالق الأرض في يومين ومالك جميع الإنس والجن وكل أجناس الخلق نظراء وأمثالًا تعبدونهم معه وتصرفون لهم الاستغاثة والدعاء والذبح والنذر وغير ذلك مما لا ينبغي إلا للَّه الخالق الواحد الأحد الصمد.
وقوله: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. قال النسفي: (﴿ذَلِكَ﴾ الذي خلق ما سبق ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ خالق جميع الموجودات وسيدها ومربيها).
وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾. وهي الجبال الثوابت في الأرض تثبتها لئلا تميد بأهلها.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٦ - ٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣].
٤ - وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥].
فَثَبَّتَ اللَّه الأرض بهذه الثوابت وهي الجبال، فكانت كالأوتاد قد دُقَّتْ وَغُرِسَتْ في باطنها وأعماقها، يحفظ اللَّه بها توازن واستقرار هذه الأرض التي ارتضاها سبحانه مكان اختبار عباده فيما بعد. قال النسفي: (إنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع
стр. 4233
الجبال ظاهرةً لطالبيها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك وهو اللَّه .
وقوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ فيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: أي أنبت فيها الشجر. فَعَن السدي: (﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أنبت شجرها).
التأويل الثاني: أي أدام الخير فيها. قال ابن جرير: (يقول: وبارك في الأرض فجعلها دائمة الخير لأهلها).
التأويل الثالث: أي خدّمها بالمنافع وما سيحتاجه الخلق فيها. قال القرطبي: (﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾: بما خلق فيها من المنافع).
التأويل الرابع: قيل بل المراد الماء والزرع والثمر. أي: وبارك بالماء والزرع والشجر والثمر.
قلت: وكلها تفاسير متقاربة، واختلافات تنوع لا تضاد، غايتها أن اللَّه سبحانه قد بارك في الأرض، بما أودع فيها من الخيرات والمنافع والمياه والثمار، لتكون عونًا في المستقبل للإنسان حين يعيش فيها، فتكفيه مؤنتها، عَلّهُ يشكر بذلك خالقها، ولا ينتكس جاحدًا متكبرًا كشيطانها. ويدل على هذا قوله بعدها: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ وفيه معان جميلة ذكرها المفسرون:
المعنى الأول: قيل المراد أرزاقها. قال الحسن: (أرزاق أهلها ومصالحهم). وقال ابن زيد: (قدر فيها أرزاق العباد، ذلك الأقوات). وقال السدي: (يقول: أقواتها لأهلها).
المعنى الثاني: قيل المراد ما يصلحها. فعن قتادة: (قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قال: صلاحها).
المعنى الثالث: قيل المراد الجبال والأنهار والأشجار. فعن مجاهد قال: (خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء). وعن قتادة: (﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: خلق فيها جبالها وأنهارها وبحارها وشجرها، وساكنها من الدواب كلها). وفي رواية قال: (جبالها ودوابها وأنهارها وبحارها).
المعنى الرابع: قيل المراد المطر. فعن مجاهد: (في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قال: من المطر).
стр. 4234
المعنى الخامس: قيل بل المراد تقدير معاش الناس في كل بلد وما يصلح دنياهم وتجارتهم ومعيشتهم. قال الضحاك: (معنى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد). وقال عكرمة: (في كل أرض قوت لا يصلح في غيرها، اليماني باليمن، والسابري بسابور).
قلت: وغاية المعنى أن يقال: إن اللَّه ﵎ قد هَيَّأَ الأرض ليسكنها بعد ذلك الإنسان، أكرم المخلوقات وأشرفها، فقد زوّد اللَّه الأرض بما يقوت بني الإنسان من الغذاء، وبما يصلحهم من المعاش، وبما يدبّر أمورهم من أمر التعاون والتجارة، والغذاءُ لا يكون إلا بالمطر، والتجارةُ لا تكونُ إلا بالحركة والتنقّل والسفر، كما تحتاج إلى شيء من المال، وما يقوم مقامه من الحلي والجواهر والياقوت والدرر، فتفضل اللَّه سبحانه فأنزل المطر، وسلكه ينابيع في الأرض لتفجّر يومًا عبر العيون والنَهر، وتكرم اللَّه جل وعزّ فشق الطرق في السهول والجبال، وأودع للإنسان كنوزًا من الخير والمال، والحلي والدرر في الجبال وأعماق البحار، إضافة إلى ما يخرج من تلك الأعماق من السمك واللحم الحلال، كل ذلك قد سخّره لذلك الإنسان، ليدرك يومًا قيمته ومكانته عند خالق الأكوان والأزمان، لعله يقوم بالأمانة العليا التي خلقه من أجلها، وأرسل له بذلك الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام.
وأما قوله: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في تتمة أربعة أيام. قال الشوكاني: (أي في تتمة أربعة أيام باليومين المتقدمين. قاله الزجاج وغيره). أي فرغ اللَّه سبحانه من خلق الأرض وجميع ما تقوم به حاجة الإنسان في المستقبل، يوم سيسكنها بأمره، في أربعة أيام: وهي بدءًا من يوم الأحد، يوم خلق فيها الجبال، وانتهاء بيوم الأربعاء، يوم خلق فيها النور والأمل، الذي سيشرق يومًا في قلوب خلقه من النساء والرجال، فكمّلَ سبحانه في تلك الأيام جميع أسباب الحياة فيها، من الأشجار والماء والمدائن والعمران والخراب وغير ذلك مما يقوم ويصلح به الحال.
وقوله: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ فيه قولان:
الأول: عن الحسن قال: (في أربعة أيام مستوية تامة). وعن قتادة: (﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قال: من سأل عن ذلك وجده كما قال اللَّه). أي من سأل عن علم ذلك التقدير يوم خلق اللَّه الخلق والأرض، وكم كان ذلك الأجل، حتى استكملها وجعل فيها
стр. 4235
الجبال الرواسي والسبل والأنهار، والبحار والأقوات والأشجار، فإنّ حدّه كما أخبر تعالى أربعة أيام.
والثاني: عن ابن زيد قال: (قدّر ذلك على قدر مسائلهم، يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا شيء قد علمه قبل أن يكون). وقال الفراء: (في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين). قال القرطبي: (وقال أهل المعاني: معنى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: ولغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل).
وغاية المعنى أن اللَّه سبحانه قد أثبت تقدير بدء خلق الأرض وما تحتاجه من مقومات العيش فيها في أربعة أيام، ليسكنها الإنسان يومًا فيجد ما يسأل من حاجة فيها، فقد أودعها اللَّه من كنوز الخير وما يقوم به العيش، لينعم الإنسان فيها يومًا ولا يشقى، ولينصرف بهمته ومشاعره وجوارحه إلى ما هو أسمى وأرقى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. قال القرطبي: (أي عمد إلى خلقها وقصد لتسويتها).
وقال ابن جرير: (ثم ارتفع إلى السماء)، أي بلا تكييف ولا تمثيل. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفّس.
وقد ذكر القاسمي -في تفسيره- ﵀: (وقال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أي ذرات، أي غازات أي سديم. ثم تجاذبت كما يتجمع السحاب فصارت كتلة واحدة. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي كتلة واحدة. فدارت ثم تقطعت وتفصلت بالقوة الدافعة، فتكونت الأرض والسماوات، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ أي فصلناهما، فصارتا كرات من الماء في يومين. ثم قال: وفي هذا الوقت كان عرشه على الماء. أي كان ملكه وسلطانه على الماء واللَّه أعلم).
وعن ابن عباس: (﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، قال اللَّه تعالى للسماء: أطلعي شَمْسَك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك. وقال للأرض: شُقِّي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾).
стр. 4236
وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾. قال السدي: (استوى إلى السماء وهي دخانٌ مِنْ تنفس الماء حين تنفّس، فجعلها سماء واحدة، ففتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة. وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد، وما لا يُعلم. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال: ثم زيَّنَ السماء بالكواكب، فجعلها زينة ﴿وَحِفْظًا﴾ من الشياطين). أي من الشياطين أن تسترق أخبارها.
وعن قتادة: (﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد والثلوج).
وفي المسند وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته للَّه تعالى ساجدًا] (١).
وفي مسند الإمام أحمد كذلك بسند صحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: [البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألفَ ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة] (٢).
وفوق هذه المخلوقات كلها ما هو أعظم منها وأكبر، وهو العرش، وتحته كرسي الرحمان ، وقد وصفه اللَّه سبحانه في كتابه فقال في سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال ابن عباس: (لو أن السماوات السبع والأرضين السبع، بُسِطْنَ ثم وُصِلن بعضهن إلى بعض، ما كنّ فيه سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة).
وبنحو معناه جاء الخبر الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه محمد بن أبي شيبة
стр. 4237
عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (١).
وأخرج ابن خزيمة في التوحيد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٢). فيكون العرش بهذا المعنى هو أعظم المخلوقات، ومن أول المخلوقات، استوى عليه الرحمان سبحانه استواء يليق بجلاله وكبريائه، وهو سبحانه غير محتاج إلى الكرسي ولا إلى العرش، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصفت لكم من خلقي السماء والأرض وما فيهما، وتزييني السماء الدنيا بزينة الكواكب على ما بينت تقدير العزيز في نقمته من أعدائه، العليم بسرائر عباده وعلانيتهم، وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم).
١٣ - ١٨. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا
стр. 4238
الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون عن هذه الحجة التي بينتها لهم -يا محمد- فقل أنذرتكم صاعقة تهلككم كما أهلكت عاد وثمود الذين كذبوا المرسلين، واستكبروا في الأرض وطغوا وكانوا ظالمين، فأهلكت عاد بالريح وثمود بالصاعقة وكتب اللَّه النجاة للمتقين.
فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.
الصاعقة: كل ما أفسد الشيء وغَيَّره عن هيئته. قال الرازي: (الصاعقة: نارٌ تسقط من السماء في رَعْد شديد. والصاعقة أيضًا صيحة العذاب). قال قتادة: (يقول أنذرتكم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود. قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود).
وقوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.
قال ابن عباس: (الرسل التي كانت قبل هود، والرسل الذين كانوا بعده، بعث اللَّه قبله رسلًا، وبعث من بعده رسلًا). قال ابن كثير: (أي في القرى المجاورة لبلادهم، بعث اللَّه إليهم الرسل يأمرون بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، ومُبشِّرين ومُنذرين، ورأوا ما أحَلَّ اللَّه بأعدائه من النِّقم، وما أَلْبَسَ اللَّه أولياءه من النِّعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدّقوا، بل كذبوا وجحدوا). والآية كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١].
وقوله: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
قال ابن جرير: (فقالوا لرسلهم إذ دعوهم إلى الإقرار بتوحيد اللَّه: لو شاء ربنا أن نوحده. . لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلا. . ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي عبادتنا ما نعبد فلذلك لم يرسل إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ -قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدقين به-).
وقوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال النسفي: (أي تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الأجرام، أو استولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية).
وقوله: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. قال القرطبي: (اغتروا بأجسامهم حين تهدّدهم
стр. 4239
بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم). قيل: وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.
أي: أولم يروا أن اللَّه الذي خلقهم أوسع منهم قدرة، لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره لهم، ولو شاء لَعَطَبَهُم وعطَّل حرَكَتَهُم وقدرتهم.
وقوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. أي: وكانوا بمعجزاتنا يكفرون، وهم يعلمون أن تلك الآيات حق، وإنما منعهم البغي والكبر.
وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال مجاهد: (شديدة). أو قال: (شديدة السَّموم عليهم). وقال قتادة: (الصرصر: الباردة). وقال السدي: (باردة ذات الصوت). قال ابن كثير: (والحق أنها مُتّصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحًا شديدة قوية، لتكونَ عُقوبَتُهم من جنس ما اغترُّوا به من قُواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدًا كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أي باردة شديدة، وكانت ذاتَ صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق صَرْصَرًا، لقوة صوت جريه).
وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال ابن عباس: (أيام متتابعات أنزل اللَّه فيهن العذاب). وقال مجاهد: (مشائيم). وقال قتادة: (النحسات: المشؤومات النكدات). قال ابن زيد: (النحس: الشر، أرسل عليهم ريح شرٍّ ليس فيها من الخير شيء). وقال الضحاك: (شداد).
قلت: وأصل النَّحْسِ في لغة العرب ضِدُّ السَّعْد، فيكون المعنى: أرسل اللَّه عليهم الريح الصرصر في أيام ذوات نحس: أي ذوات شؤم وشر وشدة عليهم، ابتُدئ بذلك عليهم ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]، ثم تتابع النحس عليهم سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم.
وقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. أي: اتصل بهم عذاب الدنيا بالريح العقيم بعذاب الآخرة الأدهى والأمَرِّ في نار الجحيم، ثم هم لا ينصرون في الآخرة، كما خُذلوا ولم ينصروا في الدنيا.
وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. -أي هداية الرسل- هداية الدلالة والإرشاد. قال
стр. 4240
ابن عباس: (أي بيَّنا لهم). وقال قتادة: (بَيَّنَا لهم سبيل الخير والشر). وقال ابن زيد: (أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يَتَّبعوا الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى).
وقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال السدي: (اختاروا الضلالة والعمى على الهدى). وقال ابن عباس: (أرسل اللَّه إليهم الرسل بالهدى فاستحبوا العمى على الهدى).
وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. قال السدي: (عذاب الهون: الهوان). والمقصود: لما آثروا حياة العمى على الهدى بعث اللَّه عليهم صيحة ورَجْفةً وذلًا وهوانًا وعذابًا مخزيًا.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: بما قدموا لأنفسهم من التكذيب والعناد والجحود.
وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
قال القرطبي: (يعني صالحًا ومن آمن به، أي ميزناهم من الكفار، فلم يحلّ بهم ما حَلَّ بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم).
١٩ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾.
في هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى مشهد الحشر وقد دُفِعَ الطغاة إلى نار جهنم ونطقت جوارحهم بجرائمهم، فاستنكروا على جلودهم شهادتهم عليهم، فأجابوهم بأنهم نطقوا بأمر اللَّه لهم، وقد كانوا لا يستترون، ويظنون أن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما يعملون، فأوصلهم ظنهم ذلك باللَّه إلى عذاب الخزي في النار هم فيها خالدون.