← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾. قال السدي: (استوى إلى السماء وهي دخانٌ مِنْ تنفس الماء حين تنفّس، فجعلها سماء واحدة، ففتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة. وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد، وما لا يُعلم. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال: ثم زيَّنَ السماء بالكواكب، فجعلها زينة ﴿وَحِفْظًا﴾ من الشياطين). أي من الشياطين أن تسترق أخبارها. وعن قتادة: (﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد والثلوج). وفي المسند وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: [إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضِعُ أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته للَّه تعالى ساجدًا] (١). وفي مسند الإمام أحمد كذلك بسند صحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: [البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألفَ ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة] (٢). وفوق هذه المخلوقات كلها ما هو أعظم منها وأكبر، وهو العرش، وتحته كرسي الرحمان ، وقد وصفه اللَّه سبحانه في كتابه فقال في سورة البقرة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال ابن عباس: (لو أن السماوات السبع والأرضين السبع، بُسِطْنَ ثم وُصِلن بعضهن إلى بعض، ما كنّ فيه سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة). وبنحو معناه جاء الخبر الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه محمد بن أبي شيبة

стр. 4237

عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (١). وأخرج ابن خزيمة في التوحيد بسند صحيح عن ابن عباس قال: [الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره] (٢). فيكون العرش بهذا المعنى هو أعظم المخلوقات، ومن أول المخلوقات، استوى عليه الرحمان سبحانه استواء يليق بجلاله وكبريائه، وهو سبحانه غير محتاج إلى الكرسي ولا إلى العرش، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين. وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصفت لكم من خلقي السماء والأرض وما فيهما، وتزييني السماء الدنيا بزينة الكواكب على ما بينت تقدير العزيز في نقمته من أعدائه، العليم بسرائر عباده وعلانيتهم، وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم). ١٣ - ١٨. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا

стр. 4238

الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾. في هذه الآيات: يقول جل ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون عن هذه الحجة التي بينتها لهم -يا محمد- فقل أنذرتكم صاعقة تهلككم كما أهلكت عاد وثمود الذين كذبوا المرسلين، واستكبروا في الأرض وطغوا وكانوا ظالمين، فأهلكت عاد بالريح وثمود بالصاعقة وكتب اللَّه النجاة للمتقين. فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. الصاعقة: كل ما أفسد الشيء وغَيَّره عن هيئته. قال الرازي: (الصاعقة: نارٌ تسقط من السماء في رَعْد شديد. والصاعقة أيضًا صيحة العذاب). قال قتادة: (يقول أنذرتكم وقيعة مثل وقيعة عاد وثمود. قال: عذاب مثل عذاب عاد وثمود). وقوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. قال ابن عباس: (الرسل التي كانت قبل هود، والرسل الذين كانوا بعده، بعث اللَّه قبله رسلًا، وبعث من بعده رسلًا). قال ابن كثير: (أي في القرى المجاورة لبلادهم، بعث اللَّه إليهم الرسل يأمرون بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، ومُبشِّرين ومُنذرين، ورأوا ما أحَلَّ اللَّه بأعدائه من النِّقم، وما أَلْبَسَ اللَّه أولياءه من النِّعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدّقوا، بل كذبوا وجحدوا). والآية كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. وقوله: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. قال ابن جرير: (فقالوا لرسلهم إذ دعوهم إلى الإقرار بتوحيد اللَّه: لو شاء ربنا أن نوحده. . لأنزل إلينا ملائكة من السماء رسلا. . ولم يرسلكم وأنتم بشر مثلنا، ولكنه رضي عبادتنا ما نعبد فلذلك لم يرسل إلينا بالنهي عن ذلك ملائكة ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ -قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسلكم به ربكم إلينا جاحدون غير مصدقين به-). وقوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال النسفي: (أي تعظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الأجرام، أو استولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية). وقوله: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. قال القرطبي: (اغتروا بأجسامهم حين تهدّدهم

стр. 4239

بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم). قيل: وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. أي: أولم يروا أن اللَّه الذي خلقهم أوسع منهم قدرة، لأنه قادر على كل شيء، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره لهم، ولو شاء لَعَطَبَهُم وعطَّل حرَكَتَهُم وقدرتهم. وقوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. أي: وكانوا بمعجزاتنا يكفرون، وهم يعلمون أن تلك الآيات حق، وإنما منعهم البغي والكبر. وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال مجاهد: (شديدة). أو قال: (شديدة السَّموم عليهم). وقال قتادة: (الصرصر: الباردة). وقال السدي: (باردة ذات الصوت). قال ابن كثير: (والحق أنها مُتّصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحًا شديدة قوية، لتكونَ عُقوبَتُهم من جنس ما اغترُّوا به من قُواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدًا كقوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]، أي باردة شديدة، وكانت ذاتَ صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق صَرْصَرًا، لقوة صوت جريه). وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال ابن عباس: (أيام متتابعات أنزل اللَّه فيهن العذاب). وقال مجاهد: (مشائيم). وقال قتادة: (النحسات: المشؤومات النكدات). قال ابن زيد: (النحس: الشر، أرسل عليهم ريح شرٍّ ليس فيها من الخير شيء). وقال الضحاك: (شداد). قلت: وأصل النَّحْسِ في لغة العرب ضِدُّ السَّعْد، فيكون المعنى: أرسل اللَّه عليهم الريح الصرصر في أيام ذوات نحس: أي ذوات شؤم وشر وشدة عليهم، ابتُدئ بذلك عليهم ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]، ثم تتابع النحس عليهم سبع ليال وثمانية أيام حتى أبادهم عن آخرهم. وقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. أي: اتصل بهم عذاب الدنيا بالريح العقيم بعذاب الآخرة الأدهى والأمَرِّ في نار الجحيم، ثم هم لا ينصرون في الآخرة، كما خُذلوا ولم ينصروا في الدنيا. وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. -أي هداية الرسل- هداية الدلالة والإرشاد. قال

стр. 4240

ابن عباس: (أي بيَّنا لهم). وقال قتادة: (بَيَّنَا لهم سبيل الخير والشر). وقال ابن زيد: (أعلمناهم الهدى والضلالة ونهيناهم أن يَتَّبعوا الضلالة، وأمرناهم أن يتبعوا الهدى). وقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال السدي: (اختاروا الضلالة والعمى على الهدى). وقال ابن عباس: (أرسل اللَّه إليهم الرسل بالهدى فاستحبوا العمى على الهدى). وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. قال السدي: (عذاب الهون: الهوان). والمقصود: لما آثروا حياة العمى على الهدى بعث اللَّه عليهم صيحة ورَجْفةً وذلًا وهوانًا وعذابًا مخزيًا. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: بما قدموا لأنفسهم من التكذيب والعناد والجحود. وقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. قال القرطبي: (يعني صالحًا ومن آمن به، أي ميزناهم من الكفار، فلم يحلّ بهم ما حَلَّ بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم). ١٩ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى مشهد الحشر وقد دُفِعَ الطغاة إلى نار جهنم ونطقت جوارحهم بجرائمهم، فاستنكروا على جلودهم شهادتهم عليهم، فأجابوهم بأنهم نطقوا بأمر اللَّه لهم، وقد كانوا لا يستترون، ويظنون أن اللَّه لا يعلم كثيرًا مما يعملون، فأوصلهم ظنهم ذلك باللَّه إلى عذاب الخزي في النار هم فيها خالدون.

стр. 4241

فقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾. أي: اذكر يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك خزي ذلك اليوم على الكفار، يوم يفرزون في الحشر باتجاه النار. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال ابن عباس: (يدفعون). وقال السدي: (يحبَسُ أوّلهم على آخرهم). أي تجمع زبانية العذاب أولهم على آخرهم. قال النسفي: (أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله من وزعته أي كففته). قلت: يُستوقفون ليتلاحقوا ويجتمعوا فيها، كما اجتمعوا في الدنيا على الكذب، فاليوم تجمعهم نار جهنم، وفي وصفهم بأعداء اللَّه مبالغة في ذمهم. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا جَاءُوهَا﴾ مزيدة للتأكيد، والمقصود: حتى إذا صاروا بحضرتها أو وقفوا عليها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما قدموه وأخروه. قال الرازي: (فاللَّه سبحانه ذكر هنا ثلاثة أنواع من الحواس: وهي السمع والبصر واللمس، وأهمل ذكرَ نوعين، وهما الذوق والشم، فالذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه. . وكذلك الشم). فالذوق يحصل عندما تكون جلدة اللسان مماسة للطعام فهو نوع من اللمس، وكذلك الشم يحصل عندما تكون جلدة الحنك مماسة للشيء المشموم وهي نوع من اللمس أيضًا. وأما الجلود فهي الجلود المعروفة، في قول أكثر المفسرين. وقيل: (أراد بالجلود الفروج) ذكره السدي. وقال الحكم الثقفي: (إنما عنى فروجهم ولكنه كنى بها)، والأول أرجح وأشمل. قال الشوكاني: (لأن ما يشهدُ الفرجُ من الزنا أعظم قبحًا وأجلب للخزي والعقوبة). وأما قوله جل ذكره: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ -فقد جاء- في تفسيره حديث صحيح. فقد روى مسلم وأحمد عن أنس ﵁ قال: [ضحك رسول اللَّه ﷺ ذات يوم حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألون مِمَّ ضحكت؟ قالوا: ممّ ضحكت يا رسول اللَّه؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة! قال: يقول العبد يوم

стр. 4242

القيامة: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعْدًا لكنَّ وسحقًا، فعنكن كنت أناضل] (١). وقوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. قال النسفي: (وهو قادر على إنشائكم أول مرة وعلى إعادتكم ورجوعكم إلى جزائه). وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ الآية. ﴿أَنْ﴾ في محل نصب على العلة، أي لأجل أن تشهد أو مخافة أن تشهد. وفي الصحيحين والمسند عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: [﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية. قال: كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن اللَّه يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، فأنزلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ الآية] (٢). وفي رواية: قال ابن مسعود: [كنت مستترًا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشيٌّ وثقفيان، أو ثقفي وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن اللَّه يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخران: إنا إذا رفَعْنا أصواتنا سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخران: إن سمع منه شيئًا سمعه كله، قال: فذكرت للنبي ﷺ فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾] (٣).

стр. 4243

وعن السدي: (﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ أي تستخفون منها). قال مجاهد: (تتقون). أي: وما كنتم تستخفون فتتركون ركوب المحرمات والمآثم في الدنيا حذرًا أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم اليوم، ولكن حسبتم حين ركبتم ذلك في الدنيا أن اللَّه يخفى عليه كثيرًا مما تعملون. وعن السدي: (قوله: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ قال: أهلككم). وعن الحسن قال: (إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسن باللَّه الظن، فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل. قال ربكم: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾). قلت: ولقد كانت هذه الآيات العظيمة تهديدًا لقريش إذا استمرت في تشكيكها وتكذيبها واستهزائها بصفات اللَّه، أن يحصل لها من الخزي في ذلك اليوم الموعود ما حكاه اللَّه وأنزله على المؤمنين ليتلوه إلى يوم القيامة. وقوله ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾. كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: سواء عليهم أصبروا أم لم يصبروا، فإن النار مأواهم ومستقرهم لا محيد عنها ولا أمل لهم في الخروج منها. وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾. قال القرطبي: (أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار). وقيل: (وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين). قال ابن جرير: (وإن يسألوا العُتبى وهي الرجعة لهم) -أي إلى الدنيا، فلا جواب لهم. قال ابن كثير: (وإن طلبوا أن يستعتبوا ويُبْدوا أعذارًا فما لهم أعذار، ولا تُقال لهم عثرات). قلت: وفي لغة العرب، استعتبه: أي استرضاه. والمقصود: وإن حاولوا التماس رضى اللَّه تعالى بالإقرار بالذنب والندم، وطلبوا فرصة أخرى لِيُعَدِّلُوا طريقهم ومنهاج عبادتهم لم يجابوا لذلك، بل كان الجواب كما قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].

стр. 4244

٢٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: تزيين الشياطين للكفار أعمالهم، حتى جمع اللَّه في العذاب بينهم. ومحاولات الكفار الصد عن القرآن، وسبيل الرحمان، حتى أخزاهم اللَّه وضاعف لهم العذاب بمكرهم. فقوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال مجاهد: (﴿قُرَنَاءَ﴾ شياطين). وقال السدي: (﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة). قال ابن جرير: (-يقول-: وبعثنا لهم نظراء من الشياطين فجعلناهم لهم قرناء قرنّاهم بهم يزينون لهم قبائح أعمالهم. قال: فزين لهؤلاء الكفار قرناؤهم من الشياطين ما بين أيديهم من أمر الدنيا فحسنوا ذلك لهم وحبّبوه إليهم حتى آثروه على أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وحسّنوا لهم أيضًا ما بعد مماتهم بأن دعوهم إلى التكذيب بالمعاد، وأن من هلك منهم فلن يبعث وأن لا ثواب ولا عقاب حتى صدقوهم على ذلك، وسهل عليهم فعل كل ما يشتهونه، وركوب كلّ ما يلتذونه من الفواحش باستحسانهم ذلك لأنفسهم). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. قال ابن زيد: (نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).

стр. 4245

وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال: [إنّ إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فَرَّقْتُ بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١). وله شاهد عند ابن حبان من حديث أبي موسى الأشعري -بإسناد صحيح رجاله ثقات- عن النبي ﷺ قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرُج هذا فيقول: لم أزل به حتى طَلَّقَ امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والديه فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتلَ، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُهُ التاج] (٢). وقوله: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. أي: وحق عليهم ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ كمن قبلهم من الجن والإنس استووا وإياهم في الخسار والدمار. قال القرطبي: (أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم). وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. قال النسفي: (هو تعليل لاستحقاقهم العذاب). والمقصود: إن تلك الأمم الضالة من الجن والإنس كانوا مغبونين ببيعهم رضا اللَّه ورحمته بسخطه وعذابه فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. هو وصف لمحاولات قريش في الصد عن هذا القرآن، وذلك بافتعال الضجيج والفوضى عند تلاوته، ظنًا منهم أن ذلك سيصرف تأثيره الساحر على قلوب الناس حين يُتْلى فلا يؤثر. قال ابن عباس: (هذا قول المشركين قالوا: لا تتبعوا هذا القرآن والهوا عنه). وعن مجاهد: (﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ قال: المكاء والتصفير، وتخليط من القول

стр. 4246

على رسول اللَّه ﷺ إذا قرأ، قريش تفعله). وعن قتادة قال: (أي اجحدوا به وأنكروه وعادوه، قال: هذا قول مشركي العرب). وعن معمر، قال بعضهم في قوله: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ قال: (تحدثوا وصيحوا كيما لا تسمعوه). قال ابن جرير: (﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: لعلكم بفعلكم ذلك تصدون من أراد استماعه عن استماعه فلا يسمعه، وإذا لم يسمعه ولم يفهمه لم يتبعه، فتغلبون بذلك من فعلكم محمدًا). وقوله: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾. تَوَعُّدٌ من اللَّه المشركين على سوء ما مكروا وما بيّتوا. وقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال النسفي: (أي أعظم عقوبة على أسوأ أعمالهم وهو الكفر). وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾. قال القرطبي: (أي ذلك العذاب الشديد، ثم بينه بقوله ﴿النَّار﴾). وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. أي: لهم فيها المكث الأبدي مقابل ما كانوا من حجج اللَّه ينكرون ويلغون. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. أي: الشيطانين اللذين كانا سبب غوايتهم، فإن الشياطين على ضربين جني وإنسي كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ذر، ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يا أبا ذر، تعوّذ باللَّه من شياطين الإنس والجن. فقلت: أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١). وقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾. أي: نجعلهما أسفل منّا في العذاب ليشتد عليهم النكال، وليذوقوا ضعف الخزي والوبال، جزاء إضلالهم إيانا وصيرورتنا إلى هذا المآل. ٣٠ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ

стр. 4247

أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾. في هذه الآيات: تَنَزُّلُ الملائكة بالأمن والطمأنينة والبشرى بالجنة للمؤمنين، والوَعْد بالنصر والتأييد في هذه الحياة الدنيا وفي دار الخلود والنعيم. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال مجاهد: (هم الذين قالوا ربنا اللَّه ثم لم يشركوا به حتى لقوه). وقال: (أسلموا ثم لم يشركوا به حتى لحقوا به). قال عكرمة: (استقاموا على شهادة أن لا إله إلا اللَّه). والمقصود هم الذين أخلصوا الإيمان والعمل لوجه اللَّه كما شرع وثبتوا على ذلك حتى لقوا ربهم. وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن سفيان بن عبد اللَّه الثقفي قال: [قلت: يا رسولَ اللَّه، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل: آمنت باللَّه، ثم استقم] (١). وفي لفظ أحمد: [قال: قلت يا رسول اللَّه، حدثني بأمر أعتصِم به. قال: قُل: ربي اللَّه، ثم استقم. قلت: يا رسول اللَّه، ما أكثرُ ما تخاف علىَّ؟ فأخذ رسول اللَّه ﷺ بطرف لسان نفسه، ثم قال: هذا] (٢). وفي لفظ آخر: [قال فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه]. وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. "أنْ" في موضع نصب. والتقدير: بأن لا تخافوا ولا تحزنوا. قال مجاهد: (عند الموت). وقال: (لا تخافوا ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلفتم من دنياكم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله). وعن السدي: (﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ قال: لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما بعدكم). وقوله: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. قال السدي: (في الدنيا). وقال

стр. 4248

زيد بن أسلم: (يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث) - رواه ابن أبي حاتم. وفي المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح من حديث البراء مرفوعًا: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحَنوط (١) من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون اللَّه أن يعرج بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط] الحديث (٢). وله شاهد عند ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن الميت تحضُره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرُجي حميدة، وأبشري بروحٍ ورَيْحان، وربٍّ غير غضبان، فلا يزال يقالُ لها ذلك حتى تخرج] (٣). وقوله: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قال السدي: (نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة). والمعنى: فتقول لهم الملائكة عند موتهم: نحن الذين كنا نتولاكم في الدنيا، أي: كنا قرناءكم نسدّدكم ونعينكم ونحفظكم بأمر اللَّه، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونطمئن قلوبكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم بإذن اللَّه الصراط فوق الجحيم، لتصلوا إلى دار السلام دار الخلود والنعيم. وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾. أي: ولكم في الجنة ما تشتهون من الملاذ وألوان السرور والنعيم، ولكم كذلك

стр. 4249

ما تسألون وتتمنَّون حصوله من اللَّه المنعم الكريم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ["يقول اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علىِ قلب بشر، ذُخْرًا، بَلْهَ ما أطلعكم اللَّه عليه". ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]] (١). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ قال: [لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الجنةَ والنارَ أرسل جَبْرئيلَ إلى الجنة، فقال: انْظُر إليها وإلى ما أعْدَدْتُ لأهلها فيها، قال: فجاءها فنظر إليها وإلى ما أعَدَّ اللَّه لأهلها فيها، قال: فرجَعَ إليه، قال: فوعزتك لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها. .] الحديث (٢). وفيه أيضًا بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [المؤمنُ إذا اشتهى الولَدَ في الجنة، كانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسنُّهُ في ساعة كما يشتهي] (٣). وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾. نزلًا: نصب على المصدر. أي رزقًا وضيافة من اللَّه الغفور الرحيم. قال ابن كثير: (أي: ضيافة وعطاءً وإنعامًا من غفورٍ لذنوبكم، رحيمٍ بكم رؤوفٍ، حيث غفر، وسَتَرَ، ورَحِمَ ولطفَ). أخرج الإمام أحمد والبزار بإسناد على شرط الشيخين عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ["مَن أَحَب لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءه، ومن كَرِهَ لقاء اللَّه كَرِهَ اللَّه لقاءه". قلنا: يا رسول اللَّه، كُلُّنا نكرَه الموتَ؟ قال: "ليس ذلك كراهيةَ الموت، ولكن المؤمنَ إذا حُضِرَ جاءه البشير من اللَّه بما هو صائِرٌ إليه، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من أن يكونَ قد لَقِيَ اللَّه فأحَبَّ اللَّه لقاءه - قال: وإن الفاجر -أو الكافر- إذا حُضِرَ جاءَه بما هو صائِرٌ إليه من الشر -أو: ما يَلقى من الشرِّ- فَكَرِهَ لقاءَ اللَّه، فكَرِهَ اللَّه لقاءه"] (٤).

стр. 4250

وأصله في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵁ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ أحَبَّ لقاء اللَّه، أحَبَّ اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه، كره اللَّه لِقاءه. فقلت: يا نبي اللَّه! أَكراهيةُ الموتِ؟ فَكُلُّنا نَكْرهُ المَوْتَ، فقال: ليْسَ كذلِك، ولكِنَّ المؤمِنَ إذا بُشِّرَ برحمة اللَّه ورضوانِه وجَنَّتِهِ، أحبَّ لقاءَ اللَّه، فأحَبَّ اللَّه لقاءه، وإنَّ الكافر إذا بُشِّرَ بعذاب اللَّه وسَخَطِه، كَرِهَ لِقاءَ اللَّه، وكَرِهَ اللَّه لقاءَه] (١). ٣٣ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾. في هذه الآيات: الثناءُ الحسن على الدعاة إلى اللَّه أهل العمل الصالح والمثل الأعلى في المسلمين. والأمر بمدافعة السيئة بالتي هي أحسن فإذا صاحب العداوة كأنه ولي حميم. والإخبار عن بلوغ مراتب الجنة العالية أهل الصبر وأصحاب الحظ العظيم. والأمر بالاستعاذة باللَّه من همزات ووساوس الشيطان الرجيم. فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال الحسن: (هذا حبيب اللَّه، هذا وليّ اللَّه، هذا صفوة اللَّه، هذا خيرة اللَّه، هذا أحبُّ الخلق إلى اللَّه، أجاب اللَّه في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب اللَّه فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال إنني من المسلمين). وعن قتادة قال: (هذا عبد صدق قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه، وإن المنافق عبد خالف قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيته، وشاهده مغيبه). واختلف في المعني بذلك: فعن السدي: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال محمد ﷺ حين دعا إلى الإسلام).

стр. 4251

وعن قيس بن أبي حازم قال: (﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ قال: المؤذن، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ قال: الصلاة ما بين الأذان إلى الإقامة). قلت: بل الآية عامة في صفات خير العباد، وهم الأنبياء والرسل وأتباعهم من العلماء والقادة والدعاة إلى اللَّه وأهل العمل الصالح على منهاج النبوة. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق ذلك في أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن نصر في "الصلاة"، والحاكم في المستدرك، بإسناد صحيح -رجاله كلهم ثقات- عن العلاء بن زياد قال: [سأل رجل عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فقال: أي المؤمنين أفضل إسلامًا؟ قال: "أفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات اللَّه، وأفضل المهاجرين من جاهد لنفسه وهواه في ذات اللَّه". قال: أنت قلته يا عبد اللَّه بن عمرو أو رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: بل رسول اللَّه ﷺ قاله] (١). ورواه الطبراني بلفظ: [أفضل المؤمنين إسلامًا من سَلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا، وأفضلُ المهاجرين مَنْ هَجَرَ ما نهى اللَّه تعالى عنه، وأفضل الجِهاد من جَاهَدَ نفسه في ذات اللَّه ]. ورواه الحاكم من طريق عبد اللَّه بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده مرفوعًا به دون ذكر الهجرة، وذكر: [أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر] (٢). الحديث الثاني: أخرج الديلمي بسند صحيح لغيره عن معقل بن يسار مرفوعًا: [أفضل الإيمان الصبرُ والسماحة] (٣). الحديث الثالث: أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري: [أنّ رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: أي الناس أفضل؟ فقال: أفضل الناس (وفي رواية: خير الناس) رجلٌ يجاهد في سبيل اللَّه بماله ونفسه، ثم مؤمن في شعبٍ من

стр. 4252

الشِّعاب يعبدُ اللَّه ربَّه، ويدعُ الناس من شرِّه] (١). الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن ابن عمر ﵄، -وكذلك أحمد والترمذي بألفاظ متقاربة- عن النبي ﷺ قال: [المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم] (٢). وفي رواية: (أعظم أجرًا) بدل "خير". وفي لفظ آخر: [المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضلُ من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبرُ على أذاهم]. قال ابن جرير: (﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: وقال إنني ممن خضع للَّه بالطاعة، وذلّ له بالعبودة، وخشع له بالإيمان بوحدانيته). وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾. أي التوحيد والشرك، والبر والإثم. قال ابن عباس: (الحسنة لا إله إلا اللَّه، والسيئة الشرك). وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة: الشرك. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: (الحسنة العلم، والسيئة الفحش). وقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال ابن عباس: (أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك). وقال: (أمر اللَّه المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم اللَّه من الشيطان، وخضع لهم عدوّهم كأنه ولي حميم). وعن عطاء: (﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: السلام). قال ابن جرير: (-يقول-: ادفع يا محمد بحلمك جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عليك، وبعفوك عمن أساء إليك إساءة المسيء، وبصبرك عليهم مكروه ما تجد منهم ويلقاك من قِبلهم). وقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. قال قتادة: (أي كأنه وليٌّ قريب). والمقصود: فإذا فعلت ذلك تحول عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك. قال القاسمي: (﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ﴾ أي صديق أو قريب ﴿حَمِيمٌ﴾ أي شديد الولاء.

стр. 4253

وأصل الحميم الماء الشديد حرارته. كنى به عن الوليّ المخلص في ودّه، لما يجد في نفسه من حرارة الحب والشوق والاهتمام نحو مواليه). وقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. قال القرطبي: (﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ يعني هذه الفَعلة الكريمة والخصلة الشريفة ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ بكظم الغيظ واحتمال الأذى). أي: وما يلقى هذه الخصلة الرفيعة التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان إلا الذين صبروا على تجرّع الشدائد، الذين ورثوه من حسن طاعتهم للَّه وامتثالهم لأوامره القاضية بالتخلق بالعلم والعفو والحلم. وقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. قال ابن عباس: (أي نصيب وافر من الخير). وقال السدي: (﴿إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: ذو جدّ). وقال مجاهد: (الحظ العظيم الجنة). وقال الحسن: (واللَّه ما عظم حظ قط دون الجنة). فيكون مفهوم الآية على أحد تأويلين: التأويل الأول: ما يُلَقَّى تلك الخصلة الشريفة إلا أهل الصبر وإلا ذو حظ عظيم من الخير وكمال النفس والخُلق والعقل. التأويل الثاني: وما يُلَقَّى الجنة إلا الصابرون، وكذلك إلا ذو حظ عظيم. قلت: والإعجاز القرآني يحتمل التأويلين معًا، فإن تلك الخصال الرفيعة طرق الجنة. وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾. قال السدي: (وسوسة وحديث النفس). وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي من كيده وشره، وإرادته الفاسدة بمقابلة الإساءة بطرقه الشيطانية التي لا تبقي للصلح سبيلًا. قال ابن كثير: (أي: إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلةَ فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سَلَّطَه عليك، فإذا استعذت باللَّه ولجأت إليه، كَفَّهُ عنك ورَدَّ كيدَه). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٩٩ - ٢٠٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ

стр. 4254

مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨]. وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: إنه هو السميع لاستعاذة عباده العليم بأقوالهم وأفعالهم. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام من الليل كبّر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ثم يقول: "لا إله إلا اللَّه" ثلاثًا، ثم يقول: "اللَّه أكبر كبيرًا" ثلاثًا، "أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ] (١). ٣٧ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾. في هذه الآيات: الليلُ والنهارُ والشمس والقمر آيات كبيرة من آيات اللَّه العظيم. والسجودُ لا يكون إلا للَّه الذي خلقهن فمن استكبر فإن الملائكة جنود كثيرة يسبحون اللَّه وله يسجدون. والأرض الخاشعة تهتز بإذن اللَّه بالماء الذي ينزله عليها -سبحانه- فهو محيي الموتى الحي القيوم. فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية. أي: ومن علاماته الدالة على وحدانيته وعظيم قدرته الليل والنهار والشمس والقمر. قال ابن كثير: (أي: إنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يَقِرَّان، والشمسَ ونورَها وإشراقَها، والقمرَ وضياءَه وتقديرَ منازِلهِ في فَلَكِه، واختلافَ سيرِه في سمائِه، لِيُعرَف باختلافِ سيره وسيرِ الشمس مقاديرُ الليل النهار، والجُمَع والشهورُ والأعوام، ويتبيَّن بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان

стр. 4255

الشمسُ والقمرُ أحسنَ الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبَّهَ تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، أي: ولا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يُشرك به). وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: [قال لي رسول اللَّه ﷺ : أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: اللَّه ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتسجد تحتَ العرش، ثم تستأمر فيوشِكُ أن يُقالَ لها: ارجعي من حيث جئت] (١). وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: فإن استكبر المشركون عن السجود للَّه وإفراده بالتعظيم فإن الملائكة لا يفترون عن السجود له تعالى وتعظيمه بالليل والنهار. قال ابن عباس: (يقول: عبادي ملائكة صافون يسبحون ولا يستكبرون). قال القرطبي: (﴿وَلَا يَسْأَمُونَ﴾ أي لا يملون عبادته). وفي سنن ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إني أرى ما لا تَرَوْن، وأسْمَعُ ما لا تسمعون. إن السَّماء أَطَّت وحقَّ لها أن تئِطَّ. ما فيها موضع أربعِ أصابع إلا وملك واضِعٌ جبهتَه ساجدًا للَّه] (٢). وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾. أي: هامدة ميتة لا نبات فيها. قال قتادة: (أي: غبراء متهشمة). وقال السدي: (يابسة متهشمة). وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. قال مجاهد: (﴿اهْتَزَّتْ﴾ بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾ يقول: انتفخت). قال القرطبي: (فربوُّها ارتفاعها. قال: فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولًا وعرضًا). والربوة والرابية في كلام العرب الموضع المرتفع. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ومن آياته الدالة على قدرته على إعادة الموتى إحياؤه تعالى الأرض الجدبة القاحلة اليابسة بالماء ينزل

стр. 4256

عليها، فإذا النبات يهتز فيها ويترعرع، وإذا بالثمار والزروع تخرج فيها من جميع الألوان، إنَّ مَنْ أحياها على كل شيء قدير. ٤٠ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾. في هذه الآيات: تهديد اللَّه تعالى المعاندين في آياته، وثناؤه تعالى على كتابه المعجز في بيانه، وتسلية لرسوله عما يلقاه من أذى وتكذيب قومه. فعن ابن عباس: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه). وقال قتادة: (هو الكفر والعناد). أو قال: (يكذبون في آياتنا). وقال مجاهد: (المكاء وما ذكر معه). وقال السدي: (يشاقون: يعاندون). والخلاصة كما قال النسفي: (يميلون عن الحق في أدلتنا بالطعن، يقال: ألحد الحافِرُ ولَحَدَ إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة). وقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾. تهديد ووعيد. قال القاسمي: (أي لإحاطة علمه بهم، وكونه بالمرصاد لهم، فيسجزيهم). وقوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. أي: هل يستوي من يقذف في نار جهنم يوم القيامة ومن يأتي آمنًا من دخولها. وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. قال القرطبي: (أمر تهديد، أي بعدما علمتم أنهما

стр. 4257

لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعيد بتهديد وتوعُّد). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. قال قتادة: (كفروا بالقرآن). وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾. قال السدي: (عزيز من الشيطان). وقال قتادة: (أعزّه اللَّه لأنه كلامه وحفظه من الباطل). وقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. قال سعيد: (النكير من بين يديه ولا من خلفه). أي هو منيع الجانب لا يُرام أن يأتي أحدٌ بمثله وليس للبطلان إليه سبيل، فهو كلام رب العالمين الذي تخشع أمامه الجبال والبحار والأكوان. وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمرُ به وينهى عنه، الجميع محمودة عواقبُه وغاياته). وقال ابن جرير: (هو تنزيل من عند ذي حكمة بتدبير عباده، وصرفهم فيما فيهم مصالحهم، ﴿حَمِيدٍ﴾ يقول: محمود على نعمه عليهم بأياديه عندهم). وقوله: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال قتادة: (يعزي نبيَّه ﷺ كما تسمعون يقول: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]). وقال السدي: (ما يقولون إلا ما قد قال المشركون للرسل من قبلك). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: إن ربك -يا محمد- لذو مغفرة للمنيبين إليه، المقبلين بالتوبة عليه، بالصفح عنهم والتجاوز عن عقوبتهم، ولكنه ذو عقاب مؤلم لمن أصَرَّ على كفره وذنبه واستكبر عن التذلل لربه. وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾. قال سعيد بن جبير: (لو كان هذا القرآن أعجميًا لقالوا القرآن أعجمي، ومحمد عربيّ). وفي رواية: (قال: الرسول عربي، واللسان أعجمي). وعن مجاهد: (﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ يقول: بُيِّنت آياته، ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ نحن قوم عرب مالنا وللعُجْمة). والمقصود: محاصرة عناد مشركي قريش بقوارع حجج الوحي البالغة، فإن القرآن مع بلاغته وفصاحته وانكسارهم أمام روعة بيانه لم يؤمن به المشركون، فأثبت اللَّه تعالى في هذه الآية أن كفرهم بهذا القرآن إنما هو كفر عناد وتعنت. فإنه لو نزل بلغة العجم لأسرعوا القول هلا أنزل مفصلًا بلغة العرب كي نفهمه؟ .

стр. 4258

وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩]. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. قال قتادة: (جعله اللَّه نورًا وبركة وشفاء للمؤمنين). أي: قل يا محمد لمعاندي هذا الوحي من قومك: هذا القرآن لمن آمن به فيه هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. قال قتادة: (عموا وصموا عن القرآن فلا ينتفعون به ولا يرغبون فيه). وعن السدي: (﴿وَقْرٌ﴾ قال: صمم. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ قال: عميت قلوبهم عنه). وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: (بعيد من قلوبهم). وقال: ضيّعوا أن يقبلوا الأمر من قريب، يتوبون ويؤمنون فيقبل منهم فأبوا). قال ابن جرير: (معناه: كأنّ من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول). وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾. تعزية من اللَّه لرسوله محمد ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه، فقد كُذِّب موسى وأوذي من قبل ومعه التوراة -كتاب اللَّه- فقال بعضهم هو حق وقال بعضهم هو باطل كما اختلف قومك في كتابك. وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. قال السدي: (أخروا إلى يوم القيامة). أي: ولولا ما سبق من قضاء اللَّه وحكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لأهلكهم إهلاك استئصال. وقيل: الكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم ولولا ذلك لقضي بينهم في الدنيا. وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. قال القاسمي: (أي موقع للريب والاضطراب لأنفسهم وأتباعهم، لعمى بصائرهم وتبلد عقولهم، وإلا فالحق أجلى من أن يخفى). ٤٨ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ

стр. 4259

أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾. في هذه الآيات: مَرَدُّ العمل الصالح أو السَّيِئ على أهله، ومردُّ علم الساعة إلى اللَّه المتصرف في ملكه، وسوء حال المشركين في الحشر وعند الحساب لنيل عقابه لهم ونكاله. فقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾. قال النسفي: (فنفسه نفع). ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، قال: (فنفسه ضرّ). وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يعاقبُ أحدًا إلا بذنب، ولا يُعَذِّبُ أحدًا إلا بعد قيام الحُجَّة عليه، وإرسال الرسول إليه). وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] (١). وقوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. أي: لا يعلم وقتها إلا هو سبحانه. كما قال جل ذكره: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وكما قال جل ثناؤه: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٤]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: [-قال جبريل للنبي ﷺ : يا رسول اللَّه! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل] (٢). وفي رواية: [قال: يا رسول اللَّه! متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل]. وقوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾. قال القرطبي: (﴿مِنْ﴾ زائدة، أي وما تخرج ثمرة. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أي من أوعيتها، فالأكمام أوعية الثمرة). أي: وما تبرز ثمرة من أغطيتها فتنشق عنها إلا بإذن اللَّه. قال مجاهد: (﴿مِنْ

стр. 4260

أَكْمَامِهَا﴾ حين تطلع). وقال السدي: (من طلعها، والأكمام جمع كُمَّة وهو كل ظرف لماء أو غيره، والعرب تدعو قشر الكفرَّاة كُمًّا). وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. كقوله في سورة الرعد: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]. قال النسفي: (أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع إلا وهو عالم به، يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من الخداج والتمام والذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك). وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾. أي: ويوم ينادي اللَّه المشركين أين شركائي الذين كنتم تعبدون معي وزعمتم أن لهم الشفاعة. وقوله: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾. قال ابن عباس: (قوله: ﴿آذَنَّاكَ﴾ يقول: أعلمناك). قال القاسمي: (أي أعلمناك ما منا من يشهد لهم بالشركة ويقرّ بها الآن). أي: قال المشركون أو الأصنام -أو كلاهما: العابد والمعبود- أسمعناك وأعلمناك ليس أحد منا اليوم يشهد أن معكَ شريكًا. وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: بطل عنهم ما كانوا يدعون من قبل في الدنيا من الأوثان والأصنام والطواغيت وحصل التنكر منهم لعبادتهم. وقوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال السدي: (استيقنوا أنه ليس لهم ملجأ). أي: أيقنوا وعلموا أنه لا فرار لهم من النار ولا سبيل للنجاة. كما قال جل وعز: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]. ٤٩ - ٥١. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾. في هذه الآيات: حِرْصُ الإنسان على الدعاء بالخير، وسرعةُ جزعه إذا أصابه شر،

стр. 4261

وإسراعه إلى العجب والكبر والشرك إذا أصابه نعيم أو ما يَسُرّ. فقوله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾. قال ابن زيد: (لا يمل). وقوله: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾. قال السدي: (قانط من الخير). والمعنى: لا يمل الإنسان من دعاء ربه بالخير من مال وصحة ورفاهية وسرور، وإن مسه الشر من بلاء أو فقر أو ضيق أو ألم سارع إلى اليأس والقنوط وظن أنه ليس بعد هذا الشر من خير. وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾. قال مجاهد: (أي بعملي: وأنا محقوق بهذا). وقوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. أي: وما أحسب القيامة قائمة يوم تقوم. وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾. قال السدي: (غنى). وقيل: الجنة. قال ابن جرير: (يقول: وإن قامت أيضًا القيامة ورددت إلى اللَّه حيًا بعد مماتي ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ يقول: إن لي عنده غنى ومالًا). قال ابن كثير: (﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، أي يكفر بقيام الساعة لأجل أنه خُوّل نعمة يفخر ويبطَر ويكفُر، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، أي: ولئن كان ثَمَّ معادٌ فَلَيُحْسِنَنَّ إليَّ ربِّي، كما أحسن إليَّ في هذه الدار، يتمنى على اللَّه مع إساءته العملَ وعدم اليقين). وقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾. قال القرطبي: (أي لنجزينهم. قسم أقسم اللَّه عليه). وقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾. أي أليم شديد لا يفتر عنهم. وقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾. قال السدي: (يقول: ﴿أَعْرَضَ﴾: صد بوجهه ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾، يقول: تباعد). قال النسفي: (هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه اللَّه بنعمة أبطرته النعمة فنسي المنعم وأعرض عن شكره ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ وتباعد عن ذكر اللَّه ودعائه أو ذهب بنفسه وتكبر وتعظّم، وتحقيقه أن يوضع جانبه موضع نفسه لأن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة نفسه).

стр. 4262

وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. قال ابن عباس: (فذو تضرع واستغاثة). قال القرطبي: (والكافر يعرف ربه في البلاء، ولا يعرفه في الرخاء). وقال القاسمي: (﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي كثير. يديم تضرعه، ويستغرق في الابتهال أنفاسه. وقد استعير "العَرْضُ" لكثرة الدعاء. كما يستعار له "الطول" أيضًا. فيقال: أطال فلان الدعاء، إذا أكثر. وكذلك أعرض دعاءه). وقال ابن كثير: (﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، أي: يُطيل المسألة في الشيء الواحد. فالكلام العريضُ: ما طالَ لفظُه وقل معناه، والوَجيز: عكسُه، وهو: ما قَلَّ ودَلَّ). فائدة: لا منافاة بين قوله: ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ وبين قوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. فإنه قد يكون الأول في قوم والثاني في قوم آخرين، أو قنوط في البر وذو دعاء عريض في البحر، أو قنوط بالقلب ذو دعاء عريض باللسان، أو قنوط من الوثن والصنم ذو دعاء للَّه تعالى - ذكر نحوه النسفي. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]. أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد قوي عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]] (١). ٥٢ - ٥٤ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ

стр. 4263

مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾. في هذه الآيات: تحذيرُ اللَّه تعالى المشركين مغبة كفرهم بهذا القرآن، وهو تعالى يريهم آياته وعجائب قدرته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يظهر لهم أنه الحق كلام الرحمان. ألا إنهم في شك من لقاء ربهم، وهو محيط بأعمالهم وآجالهم، وبكل شيء في هذا الكون حولهم. فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. قال ابن جرير: (قل -يا محمد- للمكذبين بما جئتهم به من عند ربك من هذا القرآن: أرأيتم أيها القوم إن كان هذا الذي تكذبون به ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ ألستم في فراقٍ للحق وبعد من الصواب. فجعل مكان التفريق الخبر فقال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ إذ كان مفهومًا معناه. -أي-: قل لهم: من أشد ذهابًا عن قصد السبيل وأسلك لغير طريق الصواب ممن هو في فراق لأمر اللَّه وخوف له بعيد من الرشاد). وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. أي سنري هؤلاء المكذبين -ومن سار بعدهم على منهاجهم- آياتنا البديعة في نصر هذا الدين وإحقاق النبوة وخذلان الطغاة والمتكبرين، وآيات الآفاق والأنفس العجيبة التي تدل على انفراد اللَّه تعالى في هذا الوجود بالكبر والتعظيم. فعن عمرو بن دينار عن عمرو بن أبي قيس عن المنهال في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ قال: (ظهور محمد ﷺ على الناس). وعن السدي: (يقول: ما نفتح لك يا محمد من الآفاق ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في أهل مكة، يقول: نفتح لك مكة). وقال ابن زيد: (آفاق السماوات: نجومها وشمسها وقمرها اللاتي يجرين، وآيات في أنفسهم أيضًا). قال ابن كثير: (أي: سنظهر لهم دلالتنا وحجَجنا على كون القرآن حقًّا منزَّلًا من عند اللَّه على رسوله ﷺ بدلائل خارجية ﴿فِي الْآفَاقِ﴾، من الفتوحات

стр. 4264

وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال مجاهد، والحسنُ، والسُّدي: ودلائلٌ في أنفسهم، قالوا: وقعةُ بدر، وفتحُ مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي حَلَّتْ بهم، نصَرَ اللَّه فيها محمدًا ﷺ وصحبَه، وخذَلَ فيها الباطِلَ وحِزْبَه. ويحتملُ أن يكون المرادُ من ذلك ما الإنسان مركَّبٌ منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدالِّ على حكمة الصانع ﵎. وكذلك ما هو مجبولٌ عليه من الأخلاق المتباينة، من حَسَن وقبيح وبين ذلك، وما هو مُتَصَرِّفٌ فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله، وقوته، وحِيَلِه، وحَذَرِه، أن يجوزها ولا يتعدّاها، كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه "التفكر والاعتبار"، عن شيخِه أبي جعفر القرشي حيث قال وأحسن المقال: وإذا نَظَرْت تريدُ مُعْتبَرًا ... فانْظُر إليكَ فَفِيكَ مُعْتبَرُ أنت الذي يُمْسِي ويُصْبح في الـ ... دنيا وكُلّ أمورِه عِبَرُ أنتَ المصرَّف كان في صِغَرٍ ... ثم استَقَلَّ بشخصِكَ الكِبَرُ أنتَ الذي تَنْعَاهُ خِلْقَتُهُ ... يَنْعاهُ مِنْهُ الشَّعْرُ والبَشَرُ أنتَ الذي تُعْطَى وتُسْلَبُ لا ... يُنْجيه من أنْ يُسْلَبَ الحذَرُ أنت الذي لا شيء منه له ... وأحقُّ مِنْهُ بمالِهِ القَدَرُ). وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: أولم يكف بربك -يا محمد- أنه شاهد على كل أفعال عباده وأقوالهم، وهو مجازيهم على أعمالهم، ومن ذلك شهوده سبحانه على صدق محمد ﷺ عبده ورسوله فيما يخبر عنه. كما قال جل ثناؤه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]. وفي صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢).

стр. 4265

وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. قال السدي: (يقول: في شك). أي: هم في شك من قيام الساعة والحساب ولهذا لا يتفكرون ولا يستعدون. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. قال ابن جرير: (ألا إن اللَّه بكل شيء مما خلق محيط علمًا بجميعه، وقدرةً عليه، لا يعزب عنه علم شيء منه أراده فيفوته، ولكن المقتدر عليه العالم بمكانه). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٤ - ٩٥]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ في صفة بعض دعائه-: [اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر] (١). -تم تفسير سورة فصلت- بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه * * *

стр. 4266

دروس ونتائج وأحكام ١ - في الإنسان ثلاث مئة وستون مَفْصلًا عليه أن يتصدق عن كل مَفْصل كل يوم بصدقة. فالأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحا. ٢ - ينادي مناد في الجنة: إنّ لكم أنت تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا. ٣ - الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. ٤ - البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة. ٥ - يقول العبد يوم القيامة: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. . فيختم على فيه فتنطق أركانه بأعماله. ٦ - إنّ إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. ٧ - إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، وربٍّ غير غضبان. ٨ - المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسنُّهُ في ساعة كما يشتهي. ٩ - أفضل الإيمان الصبر والسماحة، وأفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، وأفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده. ١٠ - تذهب الشمس عند كل غروب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر لتخرج. ١١ - أطّت السماء وحق لها أن تئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته للَّه تعالى ساجدًا.

стр. 4267

١٢ - إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ١٣ - آيات الآفاق والأنفس ماضية بالدلالة إلى قيام الساعة. ١٤ - ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا. ١٥ - اللَّه تعالى هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، وهو الظاهر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء. * * *

стр. 4268

٤٢ - سورة الشورى وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٣). موضوع السورة البشرى للمؤمنين، والخذلان للطغاة الظالمين والشورى ركن من أركان السياسة الشرعية عند المسلمين - منهاج السورة - ١ - انتصار اللَّه لهذا القرآن العظيم، أنزله على رسوله الكريم. ٢ - الملائكة يسبحون للَّه لا يفترون، وللمؤمنين يستغفرون، والمشركون لا يفلحون. ٣ - تشريف اللَّه نبيّه بهذ القرآن العربي المبين، لينذر أهل مكة ومن حولهم يوم الحشر العظيم، وأن اللَّه لو شاء لهداهم أجمعين، ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. ٤ - اللَّه تعالى هو الحكَمُ، والحكمُ إليه والتقدير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ٥ - تبيانُ اللَّه منهاج الدين الحق للمرسلين، الذي ثقل وكبر على المشركين، وما حصل التفرق إلا بسبب الاستكبار عن طاعة رب العالمين، واللَّه يجمع الخلق ليوم الحشر ثم يفصل بينهم وهو خير الفاصلين.

стр. 4269

٦ - ذمُّ اللَّه أهل الجدال بالباطل وتوعدهم العذاب الأليم، فاللَّه تعالى أنزل الكتاب والميزان لفهم هذا الدين القويم، والمشركون مستهترون بأمر الساعة والمؤمنون مشفقون من هول ذاك اليوم العظيم. ٧ - لُطْفُ اللَّه تعالى بعباده ورزقه لهم رغم معاصيهم، وتوضيحه لهم السبيلين: سبيل سعادتهم وسبيل شقوتهم. ٨ - بثُّ اللَّه تعالى البشرى لعباده المؤمنين ليزدادوا إقبالًا عليه، والرسول ﷺ لا يبتغي الأجر بدعوته إلا من اللَّه الذي يعلم صدقه وإخلاصه إليه. ٩ - امتنان اللَّه تعالى على عباده قبول توبة التائبين، وتجاوزه عن المستغفرين. ١٠ - المؤمنون يقبلون على ربهم ويستجيبون، والكافرون ينفرون ويستكبرون. ١١ - بَسْطُ اللَّه الرزق لعباده بحكمته، وإنزال الغيث لهم بفضله ورحمته. ١٢ - إثباتُ الخلق كله للَّه، والمصائب هي عقوبات للمذنبين من اللَّه. ١٣ - آيات البر والبحر دلالات للمستدلين، ولا نجاة من العذاب إذا نزل بالقوم الظالمين. ١٤ - فناء زينة هذه الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير وأبقى للمؤمنين المتوكلين، المجتنبين الكبائر والفواحش والمعظمين أوامر ربهم وإذا أصابهم البغي كانوا من المنتصرين، فمن عفا وغفر وصبر فله أجر المحسنين. ١٥ - ضياعُ من أضلَّه اللَّه ولم يوفِّقه للهداية، والخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم وحُرموا الشفاعة والولاية. ١٦ - أمْرُ اللَّه عباده المسارعة بالاستجابة له قبل مجيء يوم الأهوال فلا ملجأ ولا نصير، وفرحُ الإنسان بالنعمة فإن مسّه الشر فيؤوس كفور. ١٧ - إثبات الملك كله للَّه وخلق الإناث والذكور، أو التنويع فيهم وهو العليم القدير. ١٨ - تأكيد أمر الوحي للَّه العظيم، يخاطب به من اصطفى وهو العلي الحكيم. ١٩ - امتنانُ اللَّه تعالى على رسوله الكريم، بالإيمان وبهذا الكتاب العظيم. ٢٠ - إثبات أمر الهداية للَّه العزيز الحكيم، وأمر البلاغ لرسوله الكريم. * * *

стр. 4270

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾. في هذه الآيات: انتصارٌ من اللَّه الملك العظيم، لهذا الوحي الكريم، أنزله على رسوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والملائكة للَّه يسبحون لا يفترون، وللمؤمنين يستغفرون، والذين أشركوا باللَّه لا يفلحون. فقوله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾. تقدم الكلام على أمثال ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن أهم ما تفيد هو الإعجاز والتحدي. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. انتصار لهذا القرآن العظيم. قال ابن جرير: (هكذا يوحي إليك يا محمد وإلى الذين من قبلك من أنبيائه ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره خلقه). وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. أي جميع ما في السماوات وما في الأرض تحت قهره وتصريفه، فالكل عبيدٌ له وملك له، وهو الشريف الرفيع الكبير المتعال. والتعالي: الارتفاع. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والعظيم: هو الكبير. وتعظَّم: تكبَّر.

стр. 4271

٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. وفي صحيح سنن ابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ تعارَّ من الليل، فقال حين يستيقظ: لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. ثم دعا ربه: رب اغفر لي، غفر له] (١). وفي جامع الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: [ما من عبد مسلم يعود مريضًا لم يحضُرْ أجلُهُ فيقول سبعَ مرات: أسأل اللَّه العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفِيَ] (٢). وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. قال قتادة: (أي من عظمة اللَّه وجلاله). قال السدي: (﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾: يتشققن). وقال الضحاك: (يتصدعن من عظمة اللَّه). وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن عباس: (والملائكة يسبحون له من عظمته). وقال السدي: (﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: للمؤمنين. يقول اللَّه : ألا إن اللَّه هو الغفور لذنوب مؤمني عباده، الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد توبتهم منها). قال بعض العلماء: (هَيَّبَ وعظَّم جل وعز في الابتداء، وألطف وبشَّر في الانتهاء). وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾. قال النسفي: (أي جعلوا له شركاء وأندادًا ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء فيجازيهم عليها). وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. أي: وما أنت -يا محمد- بموكل عليهم

стр. 4272

ولا مفوض إليك إحصاء أعمالهم، وإنما أنت منذر فبلغهم ما أرسلت به إليهم. ٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾. في هذه الآيات: تشريف اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بهذا القرآن العربي المبين، لينذر به أهل مكة ومن حولهم يوم الحشر العظيم، ولو شاء اللَّه لهداهم أجمعين، ولكن حقت كلمة الخزي والذل على الظالمين. فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. قال ابن كثير: (يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، أي: واضحًا جليًا بَيِّنًا). وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال السدي: (مكة). وقال النسفي: (أي مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، أو لأنها أشرف البقاع والمراد أهل أم القرى). قلت: وفي لغة العرب - أم كل شيء أصله ومركزه، فسميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض، فجمعت بين الوسطية والمكانة والشرف. أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن محمد بن مسلم، أنه قال: إن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخبره، أن عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء قال له: رأيت رسول اللَّه ﷺ ، وهو على ناقته، واقف بالحَزْوَرَة يقول: [واللَّه! إنَّك لَخَيْرُ أرضِ اللَّه، وأحَبُّ أَرْضِ اللَّه إليَّ. واللَّه! لولا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، ما خرجْتُ] (١). وفي صحيح البخاري وسنن ابن ماجة عن صفيَّةَ بنت شيبة قال: سمعت النبي ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: [يا أيها الناسُ! إنَّ اللَّه حَرَّمَ مَكَّةَ يومَ خلقَ السماوات

стр. 4273

والأرض. فهي حرامٌ إلى يوم القيامة. لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يأخُذُ لُقَطَتَها إلا منشِدٌ] (١). وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. قال ابن جرير: (ومن حول أم القرى من سائر الناس). وقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. أي يوم القيامة. يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. أي: لا شك في حدوثه ووقوعه. وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. قال القاسمي: (أي منهم فريق في الجنة، وهم الذين آمنوا باللَّه، واتبعوا ما جاءهم به رسول اللَّه ﷺ . وفريق في السعير، أي النار الموقدة المسعورة على أهلها. وهم الذين كفروا باللَّه وخالفوا ما جاءهم به رسوله). أخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان، فقال أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلّا أن تُخْبِرَنا يا رسول اللَّه، فقال للذي في يده اليمنى، هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقصِ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : فلأي شيء إذن نعملُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرِغَ منه؟ قال رسول اللَّه ﷺ : سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضَها، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (٢). وفي صحيح مسلم من حديث علي مرفوعًا: [ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب اللَّه مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقيةً أو سعيدةً. فقال رجل: يا رسول اللَّه أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكل مُيَسَّرٌ، أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة،

стр. 4274

وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾] (١). وفي مسند أبي يعلى بإسناد حسن عن أنس مرفوعًا: [إنَّ اللَّه قبض قبضة فقال: في الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: في النار ولا أبالي] (٢). وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي -وكان من أصحاب النبي ﷺ مرفوعًا: [إنَّ اللَّه خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول اللَّه فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر] (٣). وقد بسطت هذا المفهوم وأنواع الكتابة في اللوح المحفوظ في أبحاث القدر في كتابي: أصل الدين والإيمان -عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان- فلله الحمد والمنة. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال الضحاك: (أهل دين واحد، أهل ضلالة أو أهل هدى). وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. قال أنس بن مالك: (في الإسلام). وقوله: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. أي يدخل خلقه كلهم الجنة إلا ما لا خير فيهم: ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون، ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي: شافع، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: دافع. وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. إنكار من اللَّه تعالى على المشركين اتخاذهم آلهة من دون اللَّه، وإخبارٌ أنه سبحانه هو الولي الحق الذي لا يستحق أحد العبادة غيره. وقوله: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: وهو القادر على إحياء خلقه بعد موتهم، وهو القادر على كل شيء فلا يعجزه شيء.

стр. 4275

١٠ - ١٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾. في هذه الآيات: إنَّ اللَّه تعالى هو الحَكَمُ وإليه الحُكْم والتقدير، فاطر السماوات والأرض خالق الأزواج من البشر والأنعام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وبأمره تصريف الأقدار والأرزاق وهو على كل شيء قدير. فعن مجاهد: (﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. قال مجاهد: فهو يحكم فيه). أي: له الحكم فيه سبحانه في كتابهِ وسنة نبيه ﷺ ، فإن الدين قد اكتمل بهما، وأحكام الشريعة قد بُنِيَت جميعها على هذين الأصلين العظيمين. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. وفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ألا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الحديثُ عَنِّي وهو مُتَّكِئٌ على أريكتِه، فيقول: بَيْنَنَا وبينكم كِتابُ اللَّه، فما وجدنا فيه حلالًا اسْتَحْلَلْناه، وما وجدنا فيه حرامًا حَرَّمناه، وإن ما حَرَّمَ رسول اللَّه ﷺ كما حَرَّم اللَّه] (١).
следующие страницы →