← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

ما تتمناه النفس من طيب الطعم والريح وما تلذ به الأعين من حسن المنظر، في نعيم دائم لا يزول. قال سعيد بن جبير: (﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ النظر إلى اللَّه . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه : أعْدَدْت لعبادي الصالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر] (١). وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقال لهم: وهذه الجنة التي أورثكموها اللَّه عن أهل النار الذين أدخلهم جهنم بما كنتم في الدنيا تعملون من الخيرات). وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ولكم من جميع أنواع الفاكهة ما تختارون، لتتم عليكم بذلك النعمة بعد تلذذكم بالطعام والشراب. قال ابن عباس: (﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾: هي الثمار كلها، رطبها ويابسها). ٧٤ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿إنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾. في هذه الآيات: شقاءُ المجرمين في نار جهنم نار الجحيم، فلا يُفَتَّرُ عنهم العذاب ولا يموتون فيستريحون، ونادوا خازن النار ليتوسط لهم إلى ربّه في القضاء عليهم فأجابهم بأنهم ماكثون، فقد كانوا على الكفر باللَّه والمكر بالحق وأهله يصبحون ويمسون، فها هو اليوم الذي كانوا يوعدون.

стр. 4342

فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾. أصل الفتور الضعف، أي لا يخفف عن المجرمين عذاب جهنم وهم فيه ماكثون. وقوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال قتادة: (آيسون: مستسلمون). أي وهم في حالة إياس من كل خير. وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾. أي: وما ظلمناهم بالعذاب ولكن هم ظلموا أنفسهم بالشرك والإصرار على المعاصي والآثام. قال ابن كثير: (﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: بأعمالهم السيئة بعد قيام الحُجَج عليهم وإرسال الرسُل إليهم، فكذّبوا وعَصَوا، فَجُوزُوا بذلك جزاء وفاقًا وما ربك بظلام للعبيد). وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. مالك: خازن جهنم، ناداه أهل النار: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ليقبِضْ أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه. وفي صحيح البخاري عن عطاء، عن صَفْوانَ بنِ يَعْلى، عن أبيه قال: [سمعت النبي ﷺ يقرأ على المِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾] (١). وقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. هو جواب مالك لهم حين سألوه الموت والخلاص. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١١ - ١٣]. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا صارَ أَهْلُ الجنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأَهْلُ النار إلى النار جِيءَ بالموت حتى يُجْعَلَ بين الجنة والنار، ثم يُذْبَحُ، ثم ينُادي مُنادٍ: يا أهلَ الجنة لا مَوْتَ، يا أهلَ النار لا مَوْتَ، فيزداد أهلُ الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزدادُ أهلُ النار حُزْنًا إلى حُزْنِهم] (٢). وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. أي: لقد أقمنا عليكم

стр. 4343

العذر بحجة الوحي وبيان الرسل، ولكن سجاياكم لا تَقْبَل الحق ولا تحبه، بل تألف الباطل وتأنس به، فلوموا أنفسكم على ما فرطتم وقدمتم لآخرتكم. وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال مجاهد: (أراد كَيْدَ شَرٍّ فكدناهم). أو قال: (إن كادوا شرًا كدنا مثله). وقال قتادة: (أم أجمعوا أمرًا فإنا مجمعون). وقال ابن زيد: (أم أحكموا أمرًا فإنا محكمون لأمرنا). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]. وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته] (١). وفي صحيح الترمذي عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد اللَّه بعبده الخيرَ عجلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّرَ أمسك عنه حتى يُوافى به يوم القيامة] (٢). وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. أي: إسرارهم في أنفسهم وعلانيتهم في مناجاتهم بينهم. وقوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال السدي: (الحفظة). قال القرطبي: (﴿بَلَى﴾ نسمع ونعلم ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي الحفظة عندهم يكتبون عليهم). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. فيه أكثر من تأويل: ١ - قال مجاهد: (قل إن كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أول من عبد اللَّه وَوَحَّدَه وكذّبكم). ٢ - قال ابن عباس: (يقول: لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين).

стр. 4344

٣ - وقال قتادة: (هذه كلمة من كلام العرب ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ أي إن ذلك لم يكن، ولا ينبغي). ٤ - قال السدي: (لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدًا، ولكن لا ولد له). قلت: والقول الرابع أقرب للسياق، والمقصود لو فُرض هذا فأنا أول من يعظم ذلك الولد كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، ولكن هذا ممتنع قي حقه تعالى، فالشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضًا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. قال قتادة: (أي يكذبون). والآية تنزيه من اللَّه تعالى لنفسه عما يصفه به الظالمون، أي: تعالى وتَقَدَّس سبحانه عن الولد، فهو فرد صمد، لا نظير له، ولم يكن له كفوًا أحد، وهو رب السماوات والأرض ورب العرش والكل محتاج إليه، فقير إلى رحمته وفضله. وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. قال السدي: (يوم القيامة). قال النسفي: (﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي القيامة، وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب). ٨٤ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ العبودية للَّه سواء في أهل السماء أو في أهل الأرض فهو الملك وإليه أمر الساعة وكل إليه راجعون، ولا يملك أحد الشفاعة إلا بإذنه فأنى يصرفون. إنهم يقرون للَّه بالربوبية ومع ذلك يشركون به في عبادتهم فسوف يعلمون. فعن قتادة: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ قال: يُعبد في السماء،

стр. 4345

ويُعبد في الأرض). قلت: فإنه سبحانه لم يقل: (وهو اللَّه في السماء وهو اللَّه في الأرض)، فإن لفظ الإله في لغة العرب لا تعني إلا المعبود والمألوه والمطاع. فيكون المعنى للمتبصر في لغة العرب: (وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود). فالملائكة في عبادة مستمرة لا يفترون. وكذلك المؤمنون في الأرض يتقلبون بين أصناف العبادة في كل وقت وحين. وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. قال ابن جرير: (الحكيم في تدبير خلقه وتسخيرهم لما يشاء، العليم بمصالحهم). وقوله: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. تبارك: تفاعل من البركة. قال ابن كثير: (أي استقرَّ له السلامةُ من العيوب والنقائص، لأنه الربُّ العَلِيُّ العظيمُ، المالك للأشياء، الذي بيده أزمَّةُ الأمورِ نقضًا وإبرامًا). وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. أي وقت قيامها، فلا يُجَلِّيها لوقتها إلا هو. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي للحساب، لنوال الثواب، ونكال العقاب. فيجازي كلًا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. وقوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾. قال مجاهد: (عيسى وعزير، والملائكة). أي لا يملك من دُعي من الأصنام والأوثان وغيرهم أن يشفعوا عند اللَّه. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال سعيد بن جبير: (-المعنى- ولا يملك هؤلاء (١) الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة. قال: وشهادة الحق لا إله إلا اللَّه). قال قتادة: (الملائكة وعيسى وعزير قد عُبدوا من دون اللَّه، ولهم شفاعة عند اللَّه ومنزلة). وخلاصة المعنى كما قال الحافظ ابن كثير: (﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، هذا استثناء منقطع، أي: لكن مَن شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعتُه عنده بإذنه له). وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين باللَّه من

стр. 4346

قومك: من خلقهم؟ ليقولنّ: اللَّه خلقنا ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ فأيُّ وجه يصرفون عن عبادة الذي خلقهم، ويحرمون إصابة الحق في عبادته). وقوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال قتادة: (هذا قول نبيهم ﵊ يشكو قومه إلى ربه). قال مجاهد: (فأبرّ اللَّه قول محمد ﷺ ). وفي لفظ: ﴿وَقِيلِهِ﴾ تأويلان -على قراءة النصب- قراءة قراء مكة والبصرة. أي: "وقيلَه". التأويل الأول: العطف على قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. أي: ونسمع قيلَه يا رب. التأويل الثاني: أن يقّدر فِعل. أي: "وقال قيلَه". وأما على القراءة بالكسر: "وقيلِه" -قراءة قراء الكوفة- فالتأويل العطف كما يلي: "وعنده علم الساعة وعلم قيله". قال القرطبي: (في ﴿وَقِيلِهِ﴾ ثلاث قراءات: النصب، والجرّ، والرفع. فأمّا الجرّ فهي قراءة عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هُرْمُز ومسلم بن جُندب. فمن جرّ حمله على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله. ومن نصب فعلى معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قيلَه، وهذا اختيار الزجاج. وقال الفراء والأخفش يجوز أن يكون "وقيله" عطفًا على قوله ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾). وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾. أَمْرٌ بالإعراض عنهم وتوديعهم بالسلام، ولم يجعله تحية لهم. أي: أعرض عن هؤلاء المشركين من قومك -يا محمد- ولا تجاوبهم بمثيل سيئ كلامهم بل تألفهم واصفح عنهم فِعلًا وقولًا. قال القاسمي: (﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: لكم أو عليكم. أو أمري سلام. أي متاركة، فهو سلام متاركة لا تحية). وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. تهديد ووعيد. أي سيعلمون قريبًا إذا نزل بهم بأس اللَّه ووعده، وأعلى دينه وأولياءه، وشرع لهم الجهاد والجلاد، وانتشروا في الأرض ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، كيف يكون الخزي عليهم والذل يحيط بهم.

стр. 4347

وعن قتادة: (﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يُعزي نبيّه ﷺ ، قال: اصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم). وقال ابن جرير: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما يلقون من البلاء والنكال والعذاب على كفرهم). تم تفسير سورة الزخرف بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه * * *

стр. 4348

دروس ونتائج وأحكام ١ - إن هذا القرآن سبب طرفه بيد اللَّه وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا. ٢ - على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسمّوا اللَّه ثم لا تقصِّروا عن حاجاتكم. ٣ - لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء. ٤ - ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. ٥ - إن اللَّه يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظِلِّي، يوم لا ظِلّ إلا ظِلّي. ٦ - يجاء بالموت يوم القيامة فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. ٧ - إذا أراد اللَّه بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّر أمسك عنه حتى يوافى به يوم القيامة. ٨ - ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ أي على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عند اللَّه بإذن اللَّه. ٩ - ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أمر بالإعراض عنهم وتوديعهم، وليس تحية لهم. ١٠ - الأمر بالصفح كان أول الإسلام، فلما شرع الجهاد صار هو منهاج السلام. * * *

стр. 4349

٤٤ - سورة الدخان وهي سورة مكية في الغالب (١)، وعدد آياتها (٥٩). ما ورد في ذكرها: أخرج الإمام مسلم عن عبد اللَّه بن عمر: [أن عمر بن الخطاب ﵄ انطلق مع رسول اللَّه ﷺ في رهط قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أُطُمِ بني مَغَالَةَ، وقد قارب ابنُ صياد يومئذ الحُلُمَ، فلم يشعر حتى ضرب رسول اللَّه ﷺ ظهره بيده ثم قال رسول اللَّه ﷺ لابن صياد: أتشهد أني رسول اللَّه؟ فنظرَ إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسولُ الأمِّيين، فقال ابن صياد لرسول اللَّه ﷺ : أتشهد أني رسول اللَّه؟ فرفضَهُ رسول اللَّه ﷺ ، وقال: آمنت باللَّه وبرسله، ثم قال رسول اللَّه ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذبٌ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : خُلِّطَ عليك الأمر. ثم قال له رسول اللَّه ﷺ : إني قد خبأتُ لك خبيئًا. فقال ابن صياد: هو الدُّخُّ. فقال له رسول اللَّه ﷺ : اخسأ فلن تَعْدُوَ قَدْرَك] (٢). وقوله: "الدُّخ" يعني سورة الدخان، وكان قد أضمر ﷺ لابن صياد آية الدخان: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فلم يهتد ابن صياد من الآية إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب.

стр. 4350

وفي مسند البزّار ومعجم الطبراني عن زيد بن حارثة: [أن رسول اللَّه ﷺ قال لابن صياد: "إني قد خَبأْت خَبْأ فما هو؟ "- وخبأ له رسول اللَّه ﷺ سورة الدخان - فقال: هو الدُّخُّ، فقال: "اخسأ، ما شاء اللَّه كان". ثم انصرف] (١). موضوع السورة تهديد الكافرين المعاندين للمرسلين بدخان الدنيا ودخان نار الجحيم - منهاج السورة - ١ - انتصار من اللَّه تعالى للقرآن العظيم، الذي نزل في ليلة القدر من شهر رمضان الكريم. ٢ - تضييق اللَّه حياة المشركين في مكة بالدخان والجهد والقحط لعلهم يرجعون. ٣ - كشف اللَّه العذاب عن القوم حين دعوه، فلما غدروا أعقبهم يوم بدر يوم البطشة الكبرى، والعذاب الأدنى. ٤ - تسلية اللَّه تعالى رسوله ﷺ بذكر خبر موسى ﵇ مع الطاغية فرعون. ٥ - غرق فرعون وجنوده، ومغادرتهم الجنات والعيون، ليرثها من بعدهم بنو إسرائيل. ٦ - إنكار مشركي العرب البعث بعد الموت والحساب، ومطالبتهم بإحضار الآباء وتعجيل الثواب أو العقاب. ٧ - التقريع على المشركين بأنهم ليسوا أقوى من قوم تُبَّعٍ والأمم السالفة المتجبرة التي كذبت بالحساب، فنزل بها انتقام اللَّه وعاجل العقاب. ٨ - تقرير اللَّه تعالى حكمته في الخلق، أنها للجِدّ والعبادة لا للهزل واللعب.

стр. 4351

٩ - تأكيد جمع اللَّه الخلائق ليوم الفصل حيث لا يغني حميم ولا قريب، ولا ينجو إلا من رحم اللَّه وجاء بقلب منيب. ١٠ - نَعْتُ طعام المشركين بأنه من شجرة الزقوم، فهو يغلي في البطون كغلي الحميم. ١١ - الأمر بإدخال الطغاة إلى وسط الجحيم، وأن يصب على رأس أحدهم من الحميم. ثم يقال له توبيخًا: ذق إنك أنت العزيز الكريم. ١٢ - نعْتُ مقام المتقين في جنات النعيم، وطعامهم ولباسهم ونكاحهم وقد وقاهم اللَّه عذاب الجحيم. ١٣ - تسلية النبي ﷺ بهذا البيان والذكر الحكيم، ووعده بالنصر القريب على القوم الكافرين. * * *

стр. 4352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٨. قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾. في هذه الآيات: نزولُ القرآن الكريم في ليلة القدر من شهر رمضان، وهي ليلة خير من ألف شهر، يُفْصَل فيها من اللوح المحفوظ كل أمر محكم لا يتبدل، رحمة من اللَّه الواحد الأحد رب العالمين. فقوله تعالى: ﴿حم﴾. هو كسابقه في مفهوم الحروف المقطعة أوائل السور. وأنه يقتضي الإعجاز. وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. انتصار لهذا القرآن عقب تلك الحروف. فهو الكتاب الواضح في آياته، البين في دلالاته وأحكامه ومعانيه. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. هي: ليلة القدر، في شهر رمضان. كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. وكما قال جل ذكره: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال قتادة: (أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، إلى بيت العزة في سماء الدنيا، ثم أنزله اللَّه على نبيّه ﷺ في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة). وفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن أنس بن مالك قال: دخل رمضان. فقال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ هذا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وفيه لَيْلةٌ خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْر. مَنْ حُرِمَهَا فقد

стр. 4353

حُرِمَ الخيرَ كُلَّه. ولا يُحْرَمُ خَيْرها إلا مَحْرومٌ] (١). وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مُعلِمين الناسَ ما ينفَعُهم ويضُرُّهم شرعًا، لِتَقومَ حُجّة اللَّه على عباده). وقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. أي: يُفْصَل في هذه الليلة من اللوح المحفوظ كل أمر محكم لا يتبدل ولا يتغيّر، فينزل إلى الكَتَبةِ ما سيكون في السَّنة من الآجال والأرزاق والأحوال الهامة. قال ربيعة بن كلثوم: قال رجل للحسن وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي؟ قال: (نعم واللَّه الذي لا إله إلا هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي اللَّه كلَّ أجل وخلق ورزق إلى مثلها). وفي رواية: (فيها يقضي اللَّه كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها). وعن عمر مولى غفرة قال: (يقال: ينسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها، وذلك لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ قال: فتجد الرجل ينكح النساء وبغرس الغرس واسمه في الأموات). وعن مجاهد: (قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: في ليلة القدر كلّ أمر يكون في السنة إلى السنة: الحياة والموت، يقدر فيها المعايش والمصائب كلها). وقوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾. أي: كل ما يكون وَيُقَدَّر تلك الليلة فبإذن اللَّه وعلمه. قال ابن عيسى: (هو ما قضاه اللَّه في الليلة المباركة من أحوال عباده). وقوله: ﴿أَمْرًا﴾ في محل نصب حال، أو في محل نصب على الاخنصاص. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. قال القاسمي: (أي مرسلين إلى الناس رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آيات اللَّه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، رحمة منه تعالى بهم، لمسيس الحاجة إليه). وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: إنما أرسل اللَّه الرسل رحمة بالعباد لاستقامة أمور دنياهم وأخراهم. وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ في محل نصب حال. وقيل: مفعول لأجله، أي: أرسلناه للرحمة.

стр. 4354

وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. ﴿رَبِّ﴾ بدل من ﴿ربك﴾. والمعنى: هو رب السماوات والأرض وما بينهما. ومقصود الشرط: إن كان إقراركم للَّه بالربوبية عن علم وإيقان، فإنه هو الذي أنزل الكتب وأرسل الرسل رحمة بكم، وإنه هو السميع لدعاء عباده وقيلهم العليم بما يصلح أحوالهم. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال القرطبي: (أي: هو خالق العالم، فلا يجوز أن يشرك به غيره ممن لا يقدر على خلق شيء. ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: يحيى الأموات ويميت الأحياء. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: مالككم ومالك من تقدّم منكم. واتقوا تكذيب محمد لئلا ينزل بكم العذاب). ٩ - ١٦. قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾. في هذه الآيات: تضييقُ اللَّه الخناق على مشركي قريش بالدخان والجهد والقحط حتى لجؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ يناشدونه بالرحم أن يسأل ربه رفع العذاب، فكشفه تعالى ثم تمادوا فأخزاهم يوم بدر بأشد العقاب. فقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. أي: بل هؤلاء المشركون من قريش في شك يمترون ولا يوقنون. قال النسفي: (وإِن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن بل قول مخلوط بهزء ولعب). وقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآيات. أخرج البخاري ومسلم عن مُسلِم بن صَبيح، عن مسروق قال: قال عبد اللَّه: [إنما

стр. 4355

كان هذا لأن قريشًا لما استعصوا على النبي ﷺ دعا عليهم بسنين كسنين يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: فَأُتِي رسول اللَّه ﷺ فقيل: يا رسول اللَّه، استسق اللَّه لمضر فإنها قد هلكت، قال: لمضر؟ إنك لجريء، فاستسقى فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل اللَّه : ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر]. وفي رواية لمسلم: [جاء إلى عبد اللَّه رجل فقال: تركت في المسجد رجلًا يفسر القرآن برأيه، يفسِّر هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: يأتي الناس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام. فقال عبد اللَّه: مَنْ عَلِم عِلْمًا فليقل به ومن لم يعلم فليقل اللَّه أعلم، فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا علم له به: اللَّه أعلم. إنما كان هذا فذكره]. وفي رواية: [فجعل الرجل ينظرُ إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجَهْدِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فَأُتِي رسول اللَّه ﷺ فقيل: يا رسول اللَّه، استسق اللَّه لِمُضَرَ، فإنها قد هَلَكَت. فاستسقى لهم فَسُقُوا، فأنزل اللَّه : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال ابن مسعود: فيكشِفُ العذابَ عنهم يومَ القيامة؟ ! فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل اللَّه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قال: يعني يوم بدر. قال ابن مسعود: فقد مضى خمسة: الدخان، والرومُ، والقمرُ، والبطشة، واللِّزام] (١). وأخرجه الطبراني بسند صحيح عن مسروق قال: [دخلنا المسجد -يعني مسجد الكوفة- عند أبواب كِنْدَةَ، فإذا رجلٌ يقصُّ على أصحابه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، تدرون ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يومَ القيامة، فيأخذ بأسماعِ المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابنَ مسعود فذكرنا

стр. 4356

ذلك له، وكان مُضْطجعًا فَفَرغ فقعد، وقال: إن اللَّه قال لنبيكم ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، إنَّ مِنَ العِلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلَم: اللَّه أعلم. سأحدِّثكم عن ذلك، إنَّ قُريْشًا لما أبطأتْ عن الإسلام واستَعْصَتْ على رسول اللَّه ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسِني يوسُف، فأصابهم من الجَهد والجُوع حتى أكلوا العظامَ والمَيتة، وجعلوا يرفَعونَ أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان] (١). وقد عدّ النبي ﷺ الدخان في الآياتِ التي تكون قبل قيام الساعة كما في حديث حُذيفة بن أَسِيدٍ الغفاري -في صحيح مسلم ومسند أحمد- قال: [اطّلَعَ النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكَرُ، فقال: ما تَذْكُرون؟ قالوا: نَذْكُرُ الساعة، قال: إنها لَنْ تقومَ حتى تَرَوْنَ قبلها عَشْرَ آيات. فذكر: الدُّخان، والدّجال، والدّابة، وطلوعَ الشمس مِنْ مَغْرِبِها، ونُزولَ عيسى بن مريم ﷺ ، ويأجوجَ ومأجوجَ، وثلاثةَ خُسوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِق، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بجزيرة العرب، وآخِرُ ذلك نارٌ تَخْرُجُ من اليمن، تطرُدُ الناس إلى مَحْشَرِهم] (٢). قال ابن مسعود: [خمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، واللِّزامُ، والرُّوم، والبَطْشَةُ، والقَمَرُ] (٣). وِفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب، في قوله : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]. قال: [مصائبُ الدنيا، والرومُ، والبَّطْشَةُ، أو الدُّخان] (٤) -شُعْبَةُ هو الشّاك في البطشة أو الدخان-. وقوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾. أي: يتغشاهم ويَعُمُّهم. ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ -تقريع لهم وتوبيخ-. أي يقول اللَّه لهم: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. هو قول قريش للنبي ﷺ : إنْ كشف اللَّه عنّا هذا العذاب آمنا بك وأسلمنا معك. قال

стр. 4357

قتادة: (العذاب هنا الدخان). وقال النقاش: (الجوع). وكلا المعنيين وارد ولا تناقض، فقد اجتمع عليهم الجهد والجوع والدخان. وقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾. أي: من أي وجه يتذكرون وقد تولوا عن رسول اللَّه ﷺ والقرآن والحجج. قال ابن عباس: (أي متى يتّعظون واللَّه أبعدهم من الاتعاظ والتذكر بعد تولّيهم عن محمد ﷺ وتكذيبهم إياه). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾. قال مجاهد: (تولوا عن محمد ﵊ وقالوا معلم مجنون). قال النسفي: (كيف يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي: وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الاذّكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول اللَّه ﷺ من الآيات والبينات من الكتاب المعجز وغيره، فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بأنّ عَدَّاسًا غلامًا أعجميًا لبعض ثقيف هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. أي: إنا سنكشف عنكم العذاب الذي أنزلناه بكم زمانًا قليلًا أو كشفًا يسيرًا، ولكنكم سرعان ما تعودون إلى كفركم وغيكم وتنسون فضل ربكم. قال ابن مسعود: (فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية) - رواه مسلم (١). وقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾. قال ابن مسعود: (البطشة الكبرى: يوم بدر). قال ابن جرير: (فعادوا، فبطش بهم جل ثناؤه بطشته الكبرى في الدنيا فأهلكهم قتلًا بالسيف). ١٧ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ

стр. 4358

بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلَا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾. في هذه الآياتِ: تسليةُ اللَّه تعالى رسوله ﷺ بذكر خبر موسى ﵇ مع الطاغية فرعون، وتكذيب القوم بالوحي والنبوة حتى دكّهم اللَّه بالهلاك وتركوا الجنات والعيون، وأورثها اللَّه بني إسرائيل بعد أن نجّاهم، وأكرمهم بالتوراة والآيات ومحّص إيمانهم وابتلاهم. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾. أي: ولقد اختبرنا قبل فشركي قومك يا محمد قوم فرعون، وهم قبط مصر، وبعثنا فيهم موسى ﵊. قال قتادة: (قوله: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ قال: موسى ﵇، ووصفه جل ثناؤه بالكرم لأنه كان كريمًا عليه، رفيعًا عنده مكانُهُ، وقد يجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كان في قومه شريفًا وسيطًا). وقوله: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. قال قتادة: (يعني به بني إسرائيل، قال لفرعون: علام تحبس هؤلاء القوم، قومًا أحرارًا اتخذتهم عبيدًا، خلّ سبيلهم). والآية كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]. وقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. قال ابن جرير: (أمين على وحيه ورسالته التي أوعدنيها إليكم).

стр. 4359

وقوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (لا تفتروا على اللَّه). وقال قتادة: (أي: لا تبغوا على اللَّه). وقال ابن كثير: (أي لا تَسْتَكْبِروا اتباع آياته، والانقياد لِحُججه والإيمانِ ببراهينه، كقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]). وقوله: ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. قال قتادة: (أي: بعذر مبين). والمراد: الآيات البينات والأدلة الساطعات والحجج الظاهرات التي أكرم اللَّه بها موسى. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال ابن عباس: (هو الرَّجم باللسان، وهو الشّتم). وقال قتادة: (الرجم بالحجارة). والمقصود: إني أعوذ باللَّه ربي وربكم أن تصلوا إلي بسوء بقول أو فعل. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. قال قتادة: (أي فخلوا سبيلي). وقال مقاتل: (أي دعوني كَفافًا لا لِيَ ولا عَلَيّ). والمقصود: كفوا أذاكم عني ولا تتعرضوا لي ودعوا الأمر مسالمة بيني وبينكم حتى يحكم اللَّه بيننا. وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾. أي: فلما طال مُقامه فيهم يقيم حجج اللَّه عليهم، ولم يظهروا إلا العناد والاستكبار والإجرام، دعا عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. في الكلام محذوف تقديره: فأجابه ربه في دعوته، وأمره أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم متجاوزًا فرعون وإذنه، كما قال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. قال النسفي: (﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: دبّر اللَّه أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين ويغرق التابعين).

стр. 4360

وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. الرّهو: السير السهل. قال ابن عباس: (﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾: كهيئته وامضِه). وقال مجاهد: (طريقًا يَبَسًا كهيئته، يقول: لا تأمره يرجعُ، اتركه حتى يرجعَ آخرُهم). والمعنى: لما جاوز موسى ببني إسرائيل البحر، أراد أن يضرب بعصاه البحر ليعود كما كان، حتى يصير حائلًا بينهم وبين فرعون فلا يصل إليهم، فأمره اللَّه بتركه ساكنًا وطمأنه بأن لا يخاف دركًا ولا يخشى، وبأن فرعون وجنوده في عداد الغرقى، وهو قوله: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. ﴿كَمْ﴾: للتكثير. أي: كم تركوا من بساتين وعيون ماء، كالأنهار والآبار، كانوا ينعمون بخيراتها فأهلكهم اللَّه ومنعهم من الاستمرار في النعيم، وصيَّرهم إلى حياة الهلاك والجحيم. وقوله تعالى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: وكم تركوا من زروع وثمار مختلفة، ومساكن أنيقة وأماكن حسنة كانوا يستمتعون بالمقام فيها. قال مجاهد: (﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: المنابر). وقال قتادة: (﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: أي حسن). وقوله تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾. قال قتادة: (ناعمين). قال ابن كثير: (أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا، ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. قال قتادة: (يعني بني إسرائيل). وهو كقوله جل ثناؤه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. وكقوله جل ذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. قال الحسن: (فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين). قال القاسمي: (﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ فيه تهكّم بهم وبحالهم، المنافية

стр. 4361

لحال من يعظم فقده. فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ أي: مؤخّرين بالعقوبة. بل عوجلوا بها، زيادة سخط عليهم). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. أي: من استعباد فرعون وقتله أبناءهم. قال قتادة: (بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم). وقوله تعالى: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من العذاب، إنه كان جبارًا من المشركين. قال القرطبي: (وليس هذا عُلُوّ مَدْح بل هو عُلُوٌّ في الإسراف، كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]. وقيل: هذا العلو هو الترفع عن عبادة اللَّه). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال قتادة: (أي اختيروا على أهل زمانهم ذلك، ولكل زمان عالم). أي: اختار اللَّه بني إسرائيل على عالم ذلك الزمان، فخلّصهم من الغرق وأورثهم الأرض بعد فرعون. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾. قال قتادة: (أنجاهم اللَّه من عدوهم، ثم أقطعهم البحر، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى). وقال ابن زيد: (﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ قال: اختبار يتميز به المؤمن من الكافر). وقال: (ابتلاؤهم بالرخاء والشدة، ثم قرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]). والمقصود: اختبرهم اللَّه تعالى بالآيات المعجزات، والخوارق البينات، والحسنات والسيئات، ليميز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق. ٣٤ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾. في هذه الآيات: إنكارُ مشركي العرب البعث بعد الموت والحساب، وتحديهم بإحضار الآباء وتعجيل ذلك الثواب أو العقاب، فهل هم أقوى من قوم تُبَّعٍ والأمم السالفة المتجبرة التي دكّها العذاب؟ !

стр. 4362

فقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾. قال قتادة: (قد قال مشركو العرب: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي: بمبعوثين). يقال: أنشر اللَّه الموتى، ونشرهم إذا بعثهم. والمعنى: أن هؤلاء مشركي قومك يا محمد يكذبون بالنشور بعد الموت والثواب والعقاب. وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. خطاب من المشركين لمن يعدهم النشور من رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين. قال النسفي: (أي إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلًا على أن ما تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق). وقوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. أي: أهم خير في القوة والمنعة أم قوم تبّع الحميري ومن مضى قبلهم من الأمم القوية المتجبرة دمّرهم اللَّه ودكّ عروشهم بإجرامهم وكفرهم بالبعث والحساب. قال قتادة: (ذُكر لنا أن تُبَّعًا كان رجلًا من حمير، سار بالجيوش حتى حير الحيرة، ثم أتى سمرقند فهدمها. وذُكر لنا أنه كان إذا كتب كتبَ باسم الذي تسمّى وملك برًّا وبحرًا وصحًا وريحًا. وذُكر لنا أن كعبًا كان يقول: نُعِتَ نَعْتَ الرَّجُل الصالح ذمَّ اللَّه قومه ولم يذمه. وكانت عائشة تقول: لا تسبّوا تُبَّعًا، فإنه كان رجلًا صالحًا). وقوم تبّع -هم سبأ- أهلكهم اللَّه وخرّب بلادهم وشرّدهم في البلاد، وفرقهم شذَر مذَر، وقد شبههم اللَّه في إنكارهم للمعاد بقريش، فقد كانوا عربًا من قحطان، وهؤلاء عربٌ من عدنان. وقد كانت حِمير -وهم سبأ- كلما ملَكَ فيهم رجلٌ سَمَّوه تُبَّعًا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، ونحو ذلك. ولكن يبدو أن تبعًا أسلم فجاءه المدح في السنة الصحيحة وبقي الذم لقومه. فقد

стр. 4363

أخرج الإمام أحمد والطبراني من حديث سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا: [لا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فإنه كان قدْ أسْلَمَ] (١). وأخرجه الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين عن عائشة أنها قالت: [كان تُبَّعٌ رجلًا صالحًا، الا ترى أن اللَّه ذمّ قومه ولم يذمّه؟ ] (٢). وله شاهد مرسل جيد أخرجه عبد الرزاق قال: أخبرنا بكار بن عبد اللَّه قال: سمعت وهب بن منبه يقول: [نهى رسول اللَّه ﷺ الناس عن سبّ أسعد، وهو تُبَّع. قلنا: يا أبا عبد اللَّه! وما كان أسعد؟ قال: كان على دين إبراهيم ﷺ ] (٣). وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما أدري تُبَّعٌ ألعينًا كانَ أم لا؟ وما أدري ذا القرنين أنبيًّا كان أم لا؟ وما أدري الحدود كفاراتٌ أم لا؟ ] (٤). وقد وقع في "المستدرك لفظ (أنبيًا) بدل (ألعينًا) ويبدو أنه خطأ من بعض نسّاخ "المستدرك" والصواب (ألعينًا). قال ابن عساكر عقب الحديث: (وهذا الشك من النبي ﷺ كان قبل أن يبين له أمره، ثم أخبر أنه كان مسلمًا، وذاك فيما أخبرنا. . . ثم ساق الحديث السابق: "لا تسبوا تبعًا فإنه قد كان أسلم"). وبنحوه قول الهيثمي: (يحتمل أنه ﷺ قاله في وقت لم يأته فيه العلم عن اللَّه، ثم لما أتاه قال ما رويناه في حديث عبادة وغيره). يعني قوله ﷺ : ". . . ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له. . . " أخرجه الشيخان وغيرهما.

стр. 4364

٣٨ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾. في هذه الآيات: تقريرُ اللَّه تعالى حكمته في الخلق للجدّ والعبادة لا للهزل واللعب، وتأكيدُه الفصل لجميع الخلائق في يوم الفصل حيث لا يغني حميم ولا قريب، ولا ينجو يومئذ إلَّا من رحم اللَّه وجاء بقلب منيب. فقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾. قال مقاتل: (غافلين). وقال الكلبي: (لاهين). والآية إخبارٌ عن كمال عدله وحكمته سبحانه في غاية الخلق، وعن تنزيهه نفسه عن اللهو والعبث والباطل. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: [قال اللَّه : يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللَّه ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه قال: [نام رسول اللَّه ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول اللَّه! لو اتخذنا لك وِطاءً، فقال: ما لي

стр. 4365

وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استَظَلَّ تَحْتَ شجرة، ثمَّ راحَ وتركها] (١). وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (ما خلقنا السماوات والأرض إلا بالحق الذي لا يصلح التدبير إلا به. لم نخلق الخلق عبثًا بأن نحدثهم فنحييهم ما أردنا، ثم نفنيهم من غير الامتحان بالطاعة والأمر والنهي، وغير مجازاة المطيع على طاعته، والعاصي على المعصية. . . ولكن أكثر هؤلاء المشركين باللَّه لا يعلمون أنَّ اللَّه خلق ذلك لهم، فهم لا يخافون على ما يأتون من سخط اللَّه عقوبة، ولا يرجون على خير إن فعلوه ثوابًا لتكذيبهم بالمعاد). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال قتادة: (يوم يُفصَلُ فيه بين الناس بأعمالهم). فيوم الفصل ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. أي: يوم يجمع اللَّه الأولين والآخرين ثم يفصل بينهم: فريق في الجنة وفريق في السعير. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ﴾ الأول. والموْلى: هو الوليّ، وهو الناصر والمعين. قال قتادة: (انقطعت الأسباب يومئذ بابن آدم، وصار الناس إلى أعمالهم، فمن أصاب يومئذ خيرًا سعد به آخر ما عليه، ومن أصاب يومئذ شرًا شقي به آخر ما عليه). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. قال النسفي: (أي: لا يمنع من العذاب إلا من ﵀ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الغالب على أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ لأوليائه). ٤٣ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾. في هذه الآياتِ: نَعْتُ طعام المشركين في نار الجحيم، إنه من شجرة الزقوم طعام

стр. 4366

يغلي في البطون كغلي الحميم، ويؤمر بإدخال صاحبه إلى وسط الجحيم، ثم يصب على رأسه من ماء الحميم، ويقال لصاحبه استهزاء: ذق إنك أنت العزيز الكريم. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾. قال القرطبي: (شجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها اللَّه في جهنم وسمّاها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار. وشبَّه ما يصير منها إلى بطونهم بالمُهْل، وهو النُّحاس المذاب). وفي لغة العرب: أثم الرجل إثمًا ومأثمًا إذا وقع في الإثم، فهو آثم وأثيم وأثوم. وعن يحيى بن سلام: (الأثيم: هو المشرك المكتسب للإثم). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس: [أن رسول اللَّه ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال رسول اللَّه ﷺ : لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشَهم، فكيف بمن يكون طعامه] (١). وقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال مجاهد: (خذوه فادفعوه). وقال قتادة: (﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ إلى وسط النار). وأصل العَتْل: أن تأخذ بتلابيب الرجل فتجرّه لتذهب به إلى حبس أو بليّة. فيقال يوم القيامة للزبانية خذوا هذا الأثيم فجرّوه وسوقوه إلى داخل جهنم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. قال ابن جرير: (-يقول-: ثم صبوا على رأس هذا الأثيم من عذاب الحميم يعني من الماء المسخن). وهو كقوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. استهزاء واستخفاف وتوبيخ وإهانة وانتقاص. أي: قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ. قال ابن عباس: (أي لست بعزيز ولا كريم).

стр. 4367

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾. أي: إن هذا العذاب -معشر الكفار- اليوم، هو الذي كنتم تشكون به في الدنيا فتختصمون فيه ولا توقنون بحدوثه، فها هو اليوم يمس جلودكم ويلفح وجوهكم فذوقوه وأيقنوا. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٣ - ١٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤]. وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : [يُؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا وسَخَّرْت لك الأنعام والحَرْثَ، وتَركْتُكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ فكنت تظنّ أنَّك مُلاقِيَّ يَوْمكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١). قال أبو عيسى: (ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب، وكذا فسّر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١] قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب). ٥١ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلَا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ مقام المتقين بعد نَعْت مقام المجرمين، فالمتقون في جنات وعيون ولباس من حرير ويجلسون متقابلين، وقد زوجهم ربهم بالحور العين، فهم

стр. 4368

يدعون ألوان الفاكهة آمنين، فلا موت بعد اليوم وقد وقاهم اللَّه عذاب الجحيم، وذلك هو الفضل من اللَّه والفوز العظيم. فانتظر يا محمد مآل القوم المكذبين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾. قال قتادة: (إي واللَّه، آمين من الشيطان والأنصاب والأحزان). وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. ترجمة عن المقام الأمين، فهم في بساتين الخضرة والجمال وبين عيون الماء. قال ابن جرير: (والجنات البساتين، والعيون: عيون الماء المطرد في أصول أشجار الجنات). قال ابن كثير: (وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجر الزقوم، وشرب الحميم). وقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. السندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه. قال عكرمة: (الإستبرق: الديباج الغليظ). وقال الزجاج: (هما نوعان من الحرير). فالسندس: رفيع الحرير كالقمصان ونحوها، والإستبرق: ما يلبس من الحرير على أعالي القماش، وله بريق ولمعان. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ [الكهف: ٣١]. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: [أهدى أكيدر (١) دومة إلى النبي ﷺ جبة من سندس، فتعجب الناس من حسنها، فقال: لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذا] (٢). وفي الصحيحين أيضًا من حديث البراء قال: [أهدي لرسول اللَّه ﷺ ثوب حرير فجعلوا يعجبون من لينه فقال رسول اللَّه ﷺ : تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا] (٣).

стр. 4369

وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾. أي: على السرر، ينظر بعضهم إلى بعض، ولا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. قال مجاهد: (أنكحناهم حورًا. قال: والحور: اللاتي يحار فيهن الطرف باد مُخُّ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد، وصفاء اللون). وعن قتادة: (﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾: بيضاء عيناء). وفي رواية: (بيض عين). والعين: جمع عيناء، وهي العظيمة العينين من النساء. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤)﴾ [الرحمن: ٧٢ - ٧٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣]. ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: في الصحيحين وسنن ابن ماجة والترمذي عن أنس، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: [لَغَدْوة في سبيل اللَّه أو رَوْحَةٌ خَيْرٌ من الدنيا وما فيها، ولقابُ قوسِ أحدِكم أو موضِعُ يدِه في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو أنّ امرأة من نِساء أهل الجنة اطّلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأتْ ما بينهما ريحًا، ولَنَصيفُها -أي خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن داود بن عامر بن أبيِ وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: [لو أنَّ ما يُقِلُّ ظفُرٌ مما في الجنة بدا لتَزَخْرَفتْ له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولو أنَّ رجلًا مِنْ أهل الجنة اطَّلَعَ فبَدا أساوِرُهُ لطَمَسَ ضوءَ الشمس كما تطمسُ الشمسُ ضوء النجوم] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني وأبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد

стр. 4370

قط، إن مما يغنين: نحن الخيِّرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بِقُرَّةِ أعيان] (١). وله شاهد في الروض النضير من حديث أنس ولفظه: [إن الحور العينَ لتغنين في الجنة يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام]. وقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار أُحضِرَ لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضرُ إليهم كلما أرادوا). وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾. قال ابن جرير: (-أي- لا يذوق هؤلاء المتقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا). وهذا الاستثناء يؤكد النفي، فهو استثناء منقطع، والمقصود: انعدام الموت في الآخرة، واستمرار سعادة أهل الجنة. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يُؤتى بالموت كهيئة كَبْشٍ أمْلحَ فينادي مُنادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئِبُّونَ ويَنْظُرون فيقول: هل تَعْرِفونَ هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرَئِبُّون ويَنْظُرون فيقول: هَلْ تعرفونَ هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، وكُلُّهم قد رآه، فيذبَحُ، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موتَ، ويا أهل النار خلودٌ فلا مَوْتَ] (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي مُناد: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تبأسوا أبدًا] (٣). وفي مسند البزار ومعجم الطبراني بسند حسن عن جابر قال: [قيل يا رسول اللَّه،

стр. 4371

هل ينام أهل الجنة؟ قال: لا، النوم أخو الموت] (١). وفي رواية الطبراني: [النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون]. وفي رواية لغيره: [النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة]. وقوله: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. نور على نور، وفضل على فضل، فقد جمع لهم سبحانه بين الخلود في الجنان، وتحريم أجسامهم عن النيران، لتقر عيونهم وقلوبهم. وقوله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾. قال القرطبي: (أي فعل ذلك بهم تفضّلًا منه عليهم). وفي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لن يُدْخِلَ أحدًا منكم عملُه الجنة، ولا يحجيه من النار، قالوا: ولا أنت يا رسولَ اللَّه؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه منه بفضل ورحمة. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدُّلْجة، والقَصْد القَصْد تبلغوا. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى اللَّه أدومُه وإنْ قلَّ] (٢). وفي لفظ ابن ماجة: [قاربوا وسدّدوا. فإنّه ليس أحَدٌ مِنكم بِمُنْجيه عَمَلُه. قالوا: ولا أنت؟ يا رسول اللَّه! قال: ولا أنا. إلا أن يتغمدني اللَّه برحمة منه وفضل]. وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أي: غاية السعادة والربح العظيم والفوز الكبير، فإن الفرح بدخول الجنة والنجاة من النار لمن أعظم الفرح، ولا ينافسه إلا الحصول على رضوان اللَّه فلا يسخط أبدًا، ولذة النظر إلى وجهه الكريم فلا يبأس بعده أبدًا. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. قال قتادة: (أي هذا القرآن). وقال ابن زيد: (القرآن، ويسرناه: أطلق به لسانه). والمقصود: إنما أنزلناه قرآنًا عربيًا فصيحًا سهلًا واضحًا بأفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها، وسهّلنا ذكره وتلاوته على لسانك وعلى من يقرؤه لعلهم يتعظون ويتفهّمون وينزجرون.

стр. 4372

وقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾. قال النقاش: (أي: انتظر ما وعدتك من النصر عليهم إنهم منتظرون لك الموت). وقال ابن جرير: (فانتظر أنت يا محمد الفتح من ربك والنصر على هؤلاء المشركين باللَّه من قومك من قريش، إنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك بصدِّهم عما أتيتهم به من الحق من أراد قبوله واتباعك عليه). والآية تسلية للنبي ﷺ من اللَّه عما يلقاه من عناد قومه وتكذيبهم، وحمل بشائر النصر له والظفر عما قريب. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. ٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. أخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي بسند رجاله ثقات عن أنس مرفوعًا: [النَّصر مع الصَّبر، والفرجُ مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا] (١). تم تفسير سورة الدخان بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه * * *

стр. 4373

دروس ونتائج وأحكام ١ - أنزل القرآن كله في ليلة القدر، وهي ليلة مباركة خير من ألف شهر. ٢ - مَنْ حُرِمَ خير ليلة القدر فقد حُرم أعظم الخير، ولا يُحرم خيرها إلا محروم. ٣ - من علامات الساعة: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ﷺ ، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف، ونار تخرج من اليمن. ٤ - البطشة الكبرى: يوم بدر، والعذاب الأدنى: مصائب الدنيا، والعذاب الأكبر: عذاب الآخرة. ٥ - الابتلاء بالرخاء والشدة، وبالاختبار يميز اللَّه الخبيث من الطيب. ٦ - لا تسبّوا تُبَّعًا، فإنه كان قد أسلم، وكان على دين إبراهيم ﵇. ٧ - ما الدنيا في الآخرة إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها. ٨ - لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه! ؟ . ٩ - ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: استهزاء واستخفاف وتوبيخ وإهانة وانتقاص. ١٠ - النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون. * * *

стр. 4374

٤٥ - سورة الجاثية وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٧). موضوع السورة مخالفة اللَّه بين المؤمنين والفاسقين ومشهد الأمم وهي جاثية لنيل الجزاء يوم الدين. - منهاج السورة - ١ - ثناء اللَّه على كتابه المسطور، وإظهار بديع آياته في كونه المنشور. ٢ - تهديدُ اللَّه المعاندين لآياته المستكبرين، وتوعده لهم بعذاب الهون في نار الجحيم. ٣ - امتنان اللَّه على عباده تسخيره لهم البحر وما في السماوات والأرض لعلهم يشكرون. ٤ - ترغيب المؤمنين بالعفو والصفح حتى يأتي أمر اللَّه المبين، وكل نفس بما كسبت رهينة ثم إلى ربكم ترجعون. ٥ - إخبار اللَّه تعالى عن فضله ونعمه على بني إسرائيل، ومقابلة بعضهم نعمه بالبغي والظلم. ٦ - امتنان اللَّه تعالى على رسوله ﷺ بهذه الشريعة المليئة بالحكم والعلم، وأمره -تعالى- له بمخالفة أهل الشرك والظلم.

стр. 4375

٧ - مخالفة اللَّه تعالى بين المؤمنين والفاسقين في الدارين، وختمه -تعالى- على أسماع وقلوب أهل الهوى، وطمس أبصارهم عن الهدى. ٨ - نَسْبُ المشركين المصائب والموت إلى الدهر، وإنكارهم البعث من القبور والحشر. ٩ - إثباتُ الملك للَّه والخسارة على المبطلين، وكل أمة جاثية يوم القيامة لتدعى إلى كتابها وليظهر الحق واليقين. ١٠ - إخبار اللَّه عن افتراق الأمم يوم القيامة فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. * * *

стр. 4376

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٥. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾. في هذه الآيات: انتصار اللَّه تعالى لكتابه العظيم، فهو كتابه المعجز في آياته المسطور، يقابله آيات كبيرة في هذا الكون المنشور، فالسماوات والأرض والمخلوقات والدواب والليل والنهار والحياة والموت والرياح آيات عظيمة تدل على عظمته -تعالى- أصحاب العقول. فقوله تعالى: ﴿حم﴾ كسابقه، يفيد التحدي والإعجاز، فإن هذا القرآن المعجز للجن والإنس مؤلف من جنس هذه الأحرف التي يتخاطب العرب بها. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. انتصار لهذا القرآن المنزل من اللَّه العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير شؤون خلقه وفي قدره وشرعه وجميع تصريفه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (إن في السماوات السبع اللاتي منهن نزول الغيث، والأرض التي منها خروج الخلق أيها الناس لأدلة وحججًا للمصدقين بالحجج إذا تبينوها ورأوها). وقوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. أي: وفي خلقكم وخلق ما تفرّق في الأرض من دابة تذب عليها من غير جنسكم آيات وعبر لقوم يوقنون بحقائق الأمور فيقرون بمدلولاتها.

стр. 4377

وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (واختلاف الليل والنهار، في تعاقُبهما دائِبينَ لا يَفتُران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل اللَّه تعالى من السَّحاب من المطر في وقْتِ الحاجة إليه، وسَمَّاه رِزقًا لأنَّ به يحصل الرزق، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. وقوله : ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾، أي: جَنوبًا وشمالًا، ودَبورًا وصَبًا، بَحْرية وبَرِّية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو لِلِّقاح، ومنها ما هو غذاءُ الأرواح، ومنها ما هو عقيمٌ لا ينتج. وقال أولًا: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم ﴿يُوقِنُونَ﴾، ثم ﴿يَعْقِلُونَ﴾، وهو تَرَقٍّ من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى). وعن قتادة: (﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ قال: تصريفها إن شاء جعلها رحمة، وإن شاء جعلها عذابًا). وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. أخرج الطبراني في "الأوسط"، واللالكائي في "السنة" بسند حسن لشواهده، عن عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: [تفكروا في آلاءِ اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه ] (١). وله شاهد عند أبي نعيم بسند حسن من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه] (٢). وشاهد آخر عنده عن عبد اللَّه بن سلام مرفوعًا بلفظ: [لا تفكروا في اللَّه، وتفكروا في خلق اللَّه، فإن ربَّنا خلقَ ملكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز

стр. 4378

السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (١). ٦ - ١١. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ آلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ آلِيمٌ (١١)﴾. في هذه الآيات: تهديدُ اللَّه تعالى -بعد تعريفه بآياته الكبيرة- كل أفاك أثيم، يُصِرُّ على الكبر والعناد والاستهزاء بالدين، وقد توعده اللَّه وأمثاله من المشركين عذاب الجحيم. فقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾. قال النسفي: (إشارة إلى الآيات المتقدمة، أي: تلك الآيات ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾). قلت: بل آيات القرآن كلها حجج وبراهين على وحدانية اللَّه وقدرته. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. قال القرطبي: (أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه). وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال القاسمي: (أي بعد آياته ودلائله الباهرة. وتقديمُ اسم اللَّه للمبالغة والتعظيم). وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال ابن كئير: (أي: أفاكٍ في قوله كذّاب، حلاف مَهين أثيم في فعله وقيله، كافر بآيات اللَّه). وقوله تعالى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يسمع آيات كتاب اللَّه تُقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ على كفره وإثمه فيقيم عليه، غير تائب منه، ولا راجع عنه ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ على ربه أن يذعن لأمره ونهيه

стр. 4379

﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ يقول: كأن لم يسمع ما تلي عليه من آيات اللَّه بإصراره على كفره ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يقول: فبشر يا محمد هذا الأفاك الأثيم الذي هذه صفته بعذاب من اللَّه له. ﴿أَلِيمٍ﴾ يعني موجع في نار جهنم يوم القيامة). وقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾. قال النسفي: (إذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها ﴿اتَّخَذَهَا﴾ اتخذ الآيات ﴿هُزُوًا﴾). وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. أي: سيقابلهم اللَّه لقاء استهزائهم بآياته بعذاب يهينهم ويؤلمهم ويذلهم في نار جهنم. وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾. قال ابن عباس: (أي أمامهم). أي من وراء ما هم عليه من التكبر على الحق والاستهزاء بآيات القرآن جهنم. وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾. أي: من الأموال والأولاد ومتاع الحياة الدنيا. كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المجادلة: ١٧]. وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال: [يقول اللَّه لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم. فيقول: كذبت، قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار] (١). وقوله: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾. يعني: من الأوثان والأصنام والطواغيت والرؤساء، فكل هؤلاء لا يستطيعون نصر أنفسهم يوم القيامة فضلًا عن نصر أتباعهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾. مبتدأ وخبر، يعني القرآن. قال ابن عباس: (يعني كل ما جاء به محمد ﷺ ). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. أى: جحدوا آياته وحججه ودلائله. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. أي: لهم عذاب من أوجع العذاب اليم. والرجز هو أشد العذاب.

стр. 4380

١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾. في هذه الآيات: امتنانُ اللَّهُ تعالى على عباده تسخيره البحر لهم للمنافع والركوب لعلهم يشكرون، وتسخيره لهم ما في السماوات وما في الأرض لعلهم يتفكرون، وترغيب المؤمنين بالعفو والصفح حتى يأتي أَمْرُ اللَّه البين، فكل نفس بما كسبت رهينة ثم إلى ربكم -معشر العباد- ترجعون. فقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾. فيه ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، بأن سخّر لهم البحر بما فيه، والسفن تجري فيه بأمره. قال ابن كثير: (فإنه هو الذي أمر البحر أن يحملها). وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي: في الأسفار والتجارات والمكاسب والمعايش. قال النسفي: (بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري). وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: ما ذلَله لكم عبر البحر، إما من داخله أو من العبور فوقه بالخيرات والأمتعة من الأقاليم النائية والأقطار المتباعدة. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: من النجوم والجبال، والشجر والدواب والبحار والأنهار، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى من فضله وحده. قال القرطبي: (﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسانٌ منه وإنعام). وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: في آيات اللَّه وحججه وأدلته، فيعتبرون بها ويتفكرون).
следующие страницы →