← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٥. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾. في هذه الآيات: انتصار اللَّه تعالى لكتابه العظيم، فهو كتابه المعجز في آياته المسطور، يقابله آيات كبيرة في هذا الكون المنشور، فالسماوات والأرض والمخلوقات والدواب والليل والنهار والحياة والموت والرياح آيات عظيمة تدل على عظمته -تعالى- أصحاب العقول. فقوله تعالى: ﴿حم﴾ كسابقه، يفيد التحدي والإعجاز، فإن هذا القرآن المعجز للجن والإنس مؤلف من جنس هذه الأحرف التي يتخاطب العرب بها. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. انتصار لهذا القرآن المنزل من اللَّه العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير شؤون خلقه وفي قدره وشرعه وجميع تصريفه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (إن في السماوات السبع اللاتي منهن نزول الغيث، والأرض التي منها خروج الخلق أيها الناس لأدلة وحججًا للمصدقين بالحجج إذا تبينوها ورأوها). وقوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. أي: وفي خلقكم وخلق ما تفرّق في الأرض من دابة تذب عليها من غير جنسكم آيات وعبر لقوم يوقنون بحقائق الأمور فيقرون بمدلولاتها.

стр. 4377

وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. قال ابن كثير: (واختلاف الليل والنهار، في تعاقُبهما دائِبينَ لا يَفتُران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل اللَّه تعالى من السَّحاب من المطر في وقْتِ الحاجة إليه، وسَمَّاه رِزقًا لأنَّ به يحصل الرزق، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. وقوله : ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾، أي: جَنوبًا وشمالًا، ودَبورًا وصَبًا، بَحْرية وبَرِّية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو لِلِّقاح، ومنها ما هو غذاءُ الأرواح، ومنها ما هو عقيمٌ لا ينتج. وقال أولًا: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم ﴿يُوقِنُونَ﴾، ثم ﴿يَعْقِلُونَ﴾، وهو تَرَقٍّ من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى). وعن قتادة: (﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ قال: تصريفها إن شاء جعلها رحمة، وإن شاء جعلها عذابًا). وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. أخرج الطبراني في "الأوسط"، واللالكائي في "السنة" بسند حسن لشواهده، عن عبد اللَّه بن عمر مرفوعًا: [تفكروا في آلاءِ اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه ] (١). وله شاهد عند أبي نعيم بسند حسن من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه] (٢). وشاهد آخر عنده عن عبد اللَّه بن سلام مرفوعًا بلفظ: [لا تفكروا في اللَّه، وتفكروا في خلق اللَّه، فإن ربَّنا خلقَ ملكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز

стр. 4378

السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق] (١). ٦ - ١١. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ آلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ آلِيمٌ (١١)﴾. في هذه الآيات: تهديدُ اللَّه تعالى -بعد تعريفه بآياته الكبيرة- كل أفاك أثيم، يُصِرُّ على الكبر والعناد والاستهزاء بالدين، وقد توعده اللَّه وأمثاله من المشركين عذاب الجحيم. فقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾. قال النسفي: (إشارة إلى الآيات المتقدمة، أي: تلك الآيات ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾). قلت: بل آيات القرآن كلها حجج وبراهين على وحدانية اللَّه وقدرته. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. قال القرطبي: (أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه). وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال القاسمي: (أي بعد آياته ودلائله الباهرة. وتقديمُ اسم اللَّه للمبالغة والتعظيم). وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. قال ابن كئير: (أي: أفاكٍ في قوله كذّاب، حلاف مَهين أثيم في فعله وقيله، كافر بآيات اللَّه). وقوله تعالى: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول: يسمع آيات كتاب اللَّه تُقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ على كفره وإثمه فيقيم عليه، غير تائب منه، ولا راجع عنه ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ على ربه أن يذعن لأمره ونهيه

стр. 4379

﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ يقول: كأن لم يسمع ما تلي عليه من آيات اللَّه بإصراره على كفره ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يقول: فبشر يا محمد هذا الأفاك الأثيم الذي هذه صفته بعذاب من اللَّه له. ﴿أَلِيمٍ﴾ يعني موجع في نار جهنم يوم القيامة). وقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾. قال النسفي: (إذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها ﴿اتَّخَذَهَا﴾ اتخذ الآيات ﴿هُزُوًا﴾). وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. أي: سيقابلهم اللَّه لقاء استهزائهم بآياته بعذاب يهينهم ويؤلمهم ويذلهم في نار جهنم. وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾. قال ابن عباس: (أي أمامهم). أي من وراء ما هم عليه من التكبر على الحق والاستهزاء بآيات القرآن جهنم. وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾. أي: من الأموال والأولاد ومتاع الحياة الدنيا. كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المجادلة: ١٧]. وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال: [يقول اللَّه لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال له: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم. فيقول: كذبت، قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك، فيؤمر به إلى النار] (١). وقوله: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾. يعني: من الأوثان والأصنام والطواغيت والرؤساء، فكل هؤلاء لا يستطيعون نصر أنفسهم يوم القيامة فضلًا عن نصر أتباعهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾. مبتدأ وخبر، يعني القرآن. قال ابن عباس: (يعني كل ما جاء به محمد ﷺ ). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. أى: جحدوا آياته وحججه ودلائله. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. أي: لهم عذاب من أوجع العذاب اليم. والرجز هو أشد العذاب.

стр. 4380

١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾. في هذه الآيات: امتنانُ اللَّهُ تعالى على عباده تسخيره البحر لهم للمنافع والركوب لعلهم يشكرون، وتسخيره لهم ما في السماوات وما في الأرض لعلهم يتفكرون، وترغيب المؤمنين بالعفو والصفح حتى يأتي أَمْرُ اللَّه البين، فكل نفس بما كسبت رهينة ثم إلى ربكم -معشر العباد- ترجعون. فقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾. فيه ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، بأن سخّر لهم البحر بما فيه، والسفن تجري فيه بأمره. قال ابن كثير: (فإنه هو الذي أمر البحر أن يحملها). وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي: في الأسفار والتجارات والمكاسب والمعايش. قال النسفي: (بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري). وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: ما ذلَله لكم عبر البحر، إما من داخله أو من العبور فوقه بالخيرات والأمتعة من الأقاليم النائية والأقطار المتباعدة. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: من النجوم والجبال، والشجر والدواب والبحار والأنهار، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى من فضله وحده. قال القرطبي: (﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسانٌ منه وإنعام). وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال القاسمي: (أي: في آيات اللَّه وحججه وأدلته، فيعتبرون بها ويتفكرون).

стр. 4381

وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (لا يبالون نِعَم اللَّه، أو نِقم اللَّه. وهذه الآيات منسوخة بأمر اللَّه بقتال المشركين). والمقصود: كان الأمر من اللَّه للمؤمنين ابتداء الإسلام أن يصفحوا عن أذى المشركين ويصبروا على تماديهم، من باب التأليف لهم، فلما أصَرُّوا على العناد ورضي اللَّه عن إعداد المؤمنين شرع لهم الجلاد والجهاد. قال أبو صالح: (نسختها التي في الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾). وقال ابن زيد: (هؤلاء المشركون، وقد نسخ هذا وفرض جهادهم والغلظة عليهم). وعن قتادة: (﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال: نسختها ما في الأنفال: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وفي براءة: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه). وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. أي: ليجزي بالمغفرة قومًا مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم مقابل إحسانهم. فتنكير ﴿قَوْمًا﴾ على المدح لهم. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. أي: من عمل بطاعة اللَّه فانتهى إلى أمره وانزجر لنهيه فإنما يخص بذلك الخير نفسه ويقدمها لسعادتها، ومن أساء في عمله وأسخط ربه فإنما يرتد ذلك على نفسه فيقدمها لشقاوتها، والمرجع إلى اللَّه تعالى لتوضع الأعمال على الميزان بين يديه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. وأخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﵊، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١). ١٦ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ

стр. 4382

وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن فضله ونعمه على بني إسرائيل ومقابلة بعضهم نعمه بالبغي والظلم، وامتنانُ اللَّه على رسوله ﷺ بشريعة غراء فيها الحكم والعلم، وأمْره تعالى نبيّه بالثبات على الحق ومخالفة أهل الشرك والإثم. فقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾. قال ابن جرير: (الكتاب: يعني التوراة والإنجيل. والحكم: يعني الفهم بالكتاب والعلم بالسنن التي لم تنزل في الكتاب. والنبوة: يقول: وجعلنا منهم أنبياء ورسلًا إلى الخلق). وقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. أي: من المآكل والمشارب. قال القرطبي: (أي: الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني المَنّ والسَّلوى في التّيه). وقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أي على عالَمِي زمانهم. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾. قال ابن كثير: (أي: حُجَجًا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج). وقوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. أي: فما حصل الاختلاف بينهم إلا بعد قيام حجة اللَّه البالغة عليهم، وإنما كان ذلك طلبًا للرياسات ورغبة في المناصب الدينية الواهية؛ لأنها كانت على حساب الحق. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. أي: إن ربك -يا محمد- سيفصل بينهم يوم الحساب بالحق، فينصر المحق ويخذل المبطل، ويكشف البغي والحسد وطلب الرياسة في الدين على حساب الحق. وفي الآية تحذير لهذه الأمة أن تسلك في دينها مسلك بني إسرائيل.

стр. 4383

وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾. قال ابن عباس: (يقول: على هدى من الأمر وبينة). وقال قتادة: (والشريعة: الفرائض والحدود والأمر والنهي فاتبعها ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾). وقال ابن زيد: (﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ قال: الشريعة: الدين. وقرأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. قال: فنوح أولهم وأنت آخرهم). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: ولا تتبع ما دعاك إليه الجاهلون. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. أي: فهؤلا -يا محمد- لن يغنوا عنك لو اتبعتهم من عقاب اللَّه وسخطه، والكلام يتوجه للأمة من بعد نبيها لتحمل الدين بقوة ولا تمضي وراء أهواء الجاهلين والظالمين. وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. أي: وإن الظالمين بعضهم أنصار بعض، واللَّه يلي من اتقاه. قال النسفي: (وما أبين الفضل بين الولايتين). وقال ابن كثير: (﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، أي: وماذا تُغني عنهم وَلَايَتَهُم لبعضهم بعضًا، فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارًا ودمارًا وهَلاكًا، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات). وقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾. قال ابن زيد: (القرآن. هذا كله إنما هو في القلب. قال: والسمع والبصير في القلب. وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وليس بِبَصر الدنيا ولا بسمعها). قال الزمخشري: (جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع، بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحًا وحياة). أي: فهو تشبيه بليغ ﴿وَهُدًى﴾ أي: من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: من العذاب لمن آمن وأيقن ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: يطلبون اليقيق - ذكره القاسمي. ٢١ - ٢٣. قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ

стр. 4384

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾. في هذه الآيات: مخالفةُ اللَّه تعالى بين المؤمنين والفاسقين في الدارين، وخلقُه تعالى السماوات والأرض بالحق ثم الحساب في الآخرة وهم لا يظلمون، وختمُ اللَّه على أسماع وقلوب أهل الهوى، وطمس عيونهم وأبصارهم عن الهدى. فقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾. الاجتراح: الاكتساب. قال قتادة: (لقد تفرق القوم في الدنيا، وتفرقوا عند الموت، فتباينوا في المصير). والمقصود: هل من اجترح السيئات واكتسب الآثام وكذب الرسل وعبد غير اللَّه كمن صدق اللَّه الإيمان والعمل الصالح؟ ! كلا لا يستوون في أحوال محياهم ومماتهم. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]. وفي الصحيحين والمسند عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه يدنى المؤمن فيضع عليه كَنَفَهُ (١) ويسترُه فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قرَّره بذنوبه، ورأى فى نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]] (٢).

стр. 4385

وعن مجاهد: (﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر). وقال ليث: (بعث المؤمن مؤمنًا حيًا وميتًا، والكافر كافرًا حيًا وميتًا). وقال إبراهيم بن الأشعث: (كثيرًا ما رأيت الفُضيل بن عياض يردّد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة). وقرأ قراء المدينة والبصرة ﴿سَوَاءٌ﴾ بالرفع على أنها خبر مقدم، وأما قراء الكوفة فقرؤوها ﴿سواءً﴾ بالنصب على الحال من مفعولي نجعل، والقراءة بالنصب أشهر. وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: ساء ما ظنُّوا بنا وبِعَدْلِنا أن نُساوِيَ بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة، وفي هذه الدار). وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (فلم يخلق اللَّه السماوات والأرض للظلم والجور ولكن خلقناهما للحق والعدل. ومن الحق أن نخالف بين حكم المسيء والمحسن في العاجل والآجل). وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. قال ابن عباس: (ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من اللَّه ولا برهان). وقال قتادة: (لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف اللَّه). قال النسفي: (أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه). وقال أبو الدرداء ﵁: (إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه، فإن كان عمله تبعًا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعًا لعلمه فيومه يوم صالح). وقال الأصمعي: سمعت رجلًا يقول: إن الهوان هو الهوى قلب اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا وسئل ابن المقنع عن الهوى فقال: هَوانٌ سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه وقال:

стр. 4386

نونُ الهوان من الهَوى مسروقةٌ ... فإذا هَوِيت فقد لقيت هوانا وقال آخر: إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد تعبّدك الهوى ... فاخضع لحبِّك كائنا من كانا وقال عبد اللَّه بن المبارك: ومن البلايا للبلاء علامة ... ألا يُرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها ... والحرّ يشبع تارةً ويجوعُ وفي مسند البزار، وكتاب "الحلية" -لأبي نعيم- بسند حسن في الشواهد، عن أنس مرفوعًا: [ثلاثٌ مهلكاتٌ، وثلاثٌ منجياتٌ، فقال: ثلاثٌ مهلكاتٌ: شحٌّ مطاع، وهوًى مُتَبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسه. وثلاثٌ مُنْجيات: خشيةُ اللَّه في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا] (١). وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. قال ابن عباس: (أضله اللَّه في سابق علمه). والمقصود: خذله اللَّه تعالى عن محجة الطريق، وإصابة التوفيق، وسبيل الرشاد، لعلمه بحبه الغي ومعاندة الحق وتعظيم نفسه وهواه. وقيل: أضله اللَّه بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، وهذا المعنى يقتضي الأول. وقوله: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾. قال القرطبي: (أي: طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ أي: غطاء حتى لا يبصر الرشد). والمقصود: خذله اللَّه حتى لا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئًا يهتدي به، ولا يبصر حجة الوحي ليستضيء بها، بل القلب تعظيم هواه على سمعه وبصره وقلبه فانعطب ذلك منه ليبقى غارقًا في مستنقع جهله وشهواته.

стр. 4387

وقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن جرير: (فمن يوفقه لإصابة الحق، وإبصار محجة الرشد بعد إضلال اللَّه إياه ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس، فتعلموا أن من فعل اللَّه به ما وصفنا فلن يهتدي أبدًا). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]. قلت: والآية دليل على المرتبة الثانية من مراتب الضلال. فإن مراتب الضلال ثلاث: ١ - الضياع والانحراف. ٢ - الترك والإهمال والتناسي والخذلان. ٣ - الهداية إلى النار يوم القيامة. فمن ضيَّع هداية الدلالة والإرشاد -هداية الرسل- وأصرَّ على معاندة الحق وتعظيم الهوى والشهوات، وقع في الإهمال والخذلان: عقوبة اللَّه تعالى له. وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب اشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منْكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١). ٢٤ - ٢٦. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا

стр. 4388

ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾. في هذه الآيات: نَسْبُ المشركين المصائب والموت إلى الدهر، وتنطعهم بإنكار البعث من القبور بعد الموت إلى مشهد الحشر. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال اللَّه في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. قال: فيسبون الدهر، فقال اللَّه ﵎: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار] (١). وعن مجاهد: (﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال: الزمان). قال قتادة: (قال ذلك مشركو العرب: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ إلا العمر). والمقصود: يقولون ما يهلكنا فيفنينا إلا مرّ الليالي والأيام وطول العمر، إنكارًا منهم أن يكون لهم ربٌ يفنيهم ويهلكهم. وفي الصحيحين عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [قال اللَّه تعالى: يسُب ابنُ آدم الدهرَ وأنا الدهرُ، بيدي الليل والنهار] (٢). وفي صحيحِ البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، ولا تقولوا: خَيْبَة الدهر، فإن اللَّه هو الدَّهْرُ] (٣). والآية إخبارٌ عن قول الدَّهرية من الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، فلقد أنكروا البعث ونسبوا النوازل -ومنها الموت- إلى الدهر. قال سبحانه في سورة النحل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩]. فهدَّدهم سبحانه عاقبة ما يحلفون كذبًا وزورًا وافتراء على اللَّه بغير علم.

стр. 4389

وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. قال ابن جرير: (ما هم إلا في ظن من ذلك وشك، يخبر عنهم أنهم في حيرة من اعتقادهم حقيقة ما ينطقون من ذلك بألسنتهم). وجاء عن الشافعي وأبي عبيد وبعض الأئمة في تفسير قوله ﵇: "لا تسبوا الدهر فإن اللَّه هو الدهر": (كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شِدَّة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدَّهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويَسُبُّونه، وإنما فاعلُها هو اللَّه تعالى، فكأنهم إنما سَبُّوا اللَّه لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نُهِيَ عن سبِّ الدهر بهذا الاعتبار، لأن اللَّه تعالى هو الدّهر الذي يعنونه ويَسنُدون إليه تلك الأفعال). ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير واستحسنه ثم قال: (وقد غَلِطَ ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهريَّة في عَدِّهم الدهرَ من الأسماء الحسنى، أخذًا من هذا الحديث! ). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: وإذا تليت على هؤلاء المشركين آيات اللَّه وقوارع الوحي التي يستدل بها على قدرته تعالى على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرّقها ما كان منهم إلا أن قالوا: أحْيوا آباءنا إن كنتم صادقين في حجتكم. وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ردٌّ من اللَّه تعالى على هزالهم. قال النسفي: (﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ في الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ فيها عند انتهاء أعماركم ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يبعثكم يوم القيامة جميعًا، ومَنْ كان قادرًا على ذلك كان قادرًا على الإتيان بآبائكم ضرورة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: في الجمع). وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: حقيقة قدرة اللَّه وهوان أمر البعث عليه، لإعراضهم عن التفكر في آياته وعظيم مخلوقاته التي تدل على جبروته وعظمته وهيمنته. قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [يقبض اللَّه

стр. 4390

الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ] (١). وفيه أيضًا عن عبد اللَّه قال: [جاء حَبْرٌ من الأحبار إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمدُ، إنا نجِدُ أنّ اللَّه يجعل السماوات على إِصبع، والأرضين على إِصبع، والشَّجر على إِصْبَع، والماء والثّرى على إصبع، وسائرَ الخلائقِ على إصبع، فيقول: أنا الملِكُ، فضحك النبي ﷺ حتى بَدَتْ نواجذُهُ تصديقًا لقول الحَبْرِ، ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]] (٢). ٢٧ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: إثباتُ الملك للَّه والخسارة على المبطلين يوم الدين، وكل أمة تكون يومئذ جاثية ثم تدعى إلى كتابها للفصل وظهور الحق واليقين. فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾. قال القرطبي: (﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا). وقال ابن جرير: (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ يقول تعالى ذكره: ويوم تجيء الساعةُ التي يُنْشِرُ اللَّه فيها الموتى من قبورهم، ويجمعهم لموقف العرض، ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ يقول: يغبن فيها الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم للَّه شريكًا، وعبادتهم آلهة دونه بأن يفوز بمنازلهم من الجنة المحقون، ويبدلوا بها منازل من النار كانت للمحقين، فجعلت لهم بمنازلهم من الجنة، ذلك هو الخسران المبين). وقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾. أي: من هَوْلِ ذلك اليوم. والأمة هنا: أهل كل ملة، وفي تأويل ﴿جَاثِيَةً﴾ أكثر من قول: ١ - قال مجاهد: (مستوفزة). قال سفيان: (المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله). وقال الضحاك: (ذلك عند الحساب).

стр. 4391

٢ - قال ابن عباس: (مجتمعة). قال الفراء: (المعنى: وترى أهل كل دين مجتمعين). ٣ - قال عكرمة: (متميزة). قال: (جاثية متميزة على ناحيتها، وليس على الركب). ٤ - قال مُؤَرِّج: (خاضعة، بلغة قريش). ٥ - قال الحسن: (باركة على الركب). وأصل الجَثْو: الجلوس على الركب. قلت: ويبدو أن الجثو على الركب يكون عند الحساب، فإنه إذا جيء بجهنم تزفر لا يبقى أحد إلا جثا على ركبتيه من شدة الهول ورهبة الموقف. ويؤيد هذا ما رواه الترمذي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة قال: حدثني رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه ﵎ إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكُلُّ أمة جاثية، فأول من يدعى رجل جمع القرآن، ورجل قُتل في سبيل اللَّه، ورجل كثير المال. . . .] الحديث (١). وقوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾. قال يحيى بن سلام: (إلى حسابها). وقال مقاتل: (إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر). وقال مجاهد: (ما كتبت الملائكة عليها). والراجح أنه كتاب أعمالها. قال النسفي: (إلى صحائف أعمالها). والآية كقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]. وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: اليوم يوم الجزاء، تجازون بأعمالكم خيرها وشرها. كما قال سبحانه: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وكقوله جل ثناؤه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وفي صحيح الحاكم عن سلمان، عن النبي ﵊، قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يارب! لِمن يَزِنُ هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (٢).

стр. 4392

فهو ميزان دقيق ذو كفتين، عالي الحساسية والدقة، يعطي الوزن الدقيق الصحيح لكل عمل حسب قيمته وظروف القيام به، فهو يزن أعمالًا صالحة هي عند اللَّه أثقل من الجبال، كما يزن أعمالًا فاسدة هي عند اللَّه ضخمة الأثقال. وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس: (هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: نعم، الملائكة يَسْتَنْسِخون أعمال بني آدم). أخرج الآجري في "الشريعة" بإسناد صحيح عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ أوَّلَ شيءٍ خَلَقَهُ اللَّه : القلمُ، فَأَخَذهُ بيمينِه -وكلتا يديه يمينٌ- قال: فكتبَ الدنيا وما يكونُ فيها من عملٍ معمولٍ: بَرٍّ أو فجورٍ، رَطْبٍ أو يابِسٍ، فأحصاه عندَه في الذِّكر، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهل تكونُ النسخةُ إلا مِنْ أمْرٍ قد فُرِغَ منه] (١). ٣٠ - ٣٧. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾. في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن افتراق الأمم يوم القيامة إلى فريقين: أما أهل الإيمان والعمل الصالح على منهاج النبوة فهم أهل رحمة اللَّه يدخلهم في جنته برحمته،

стр. 4393

وأما أهل الكفر والاستكبار والاستهزاء بالساعة والحساب، فسينالهم أشد الخزي وأسوأ العقاب. فقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾. أي: الجنة. قال ابن جرير: (يعني في جنته برحمته). وفي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [قال اللَّه ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي] (١). وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾. أي: ذلك هو الظفر البين الواضح والفوز الكبير. وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا: أما قُرِئت عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عند سماعها). وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. قال القرطبي: (أي: مشركين تكسبون المعاصي). وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾. أي: وإذا قال المؤمنون لهؤلاء المشركين إن وعد اللَّه بالجزاء حق والساعة آتية لا شك في وقوعها قلتم أي شيء الساعة، أحق هي أم باطل؟ ! وقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾. قال المُبَرِّد: (-التقدير-: إن نحن إلا نظن ظنًا). والمعنى: قالوا: إن نتوهم وقوعها إلا توهّمًا، أي مرجوحًا لا يقين فيه. وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾. أي: وما نحن بمتأكدين ولا بمتحققين من أمر الساعة، وإنما الغالب في ذلك الظن. وقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾. قال القاسمي: (أي قبائح أعمالهم، أو عقوبات أعمالهم السيئات). وقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال النسفي: (ونزل بهم جزاء استهزائهم).

стр. 4394

وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: (نترككم). وهو كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٥١]. قال الترمذي: (معناه: اليوم نتركهم في العذاب). وقوله: ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ﴾. أي: كما أهملتم العمل ليومكم هذا وتعاملتم معه بالشك والظن ولزمتم أهواءكم وشهواتكم، فإنا نعاملكم اليوم معاملة الناسي لكم في نار جهنم. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [قالوا: يا رسول اللَّه! هلْ نرى ربَّنَا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّون في رؤية الشَّمس في الظهيرة، ليست في سَحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تُضارّون في رؤية القمر ليلةَ البدر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تُضارُّون في رؤية ربكم إلا كما تُضارّون في رؤية أحدهما، قال: فيلقى العَبْدَ فيقولُ: أيْ فُلْ (١)! ألم أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أَنْسَاك كما نَسيتني] (٢). وبنحوه رواه الترمذي وقال: (ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب). وقوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. قال ابن جرير: (وما لكم من مستنقذ ينقذكم اليوم من عذاب اللَّه، ولا منتصر لكم ممن يعذبكم فيستنقذ لكم منه). وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال ابن كثير: (أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حُجج اللَّه عليكم سِخرِيًّا، تسخَرون وتستهزئون بها). وقوله: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. أي: وخدعتكم زينة الدنيا وزخارفها فاطمأننتم لها. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. أي: فاليوم لا يخرجون من النار

стр. 4395

ولا يطلب منهم العتبى والاعتذار، ولا يؤذن لهم بالرجوع إلى الدنيا لاستئناف الطاعة والاستغفار. وقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: فلله الحمد على نعمه وأياديه عند خلقه، فإياه فاحمدوا أيها الناس فهو المالك المتصرف في السماوات والأرض رب العالمين. وقوله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال مجاهد: (يعني السلطان). قال القرطبي: (﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي: العظمة والجلال والبقاء والسلطان والقدرة والكمال). أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : [العِزُّ إزارُه، والكبرياءُ رِداؤُه، فَمَنْ ينازعني عَذَّبْتُه] (١). وفي لفظ عند مسلم: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء رِدائي، والعِز إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذَّبته] (٢). ورواه أحمد وأبو داود بلفظ: [قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار]. ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يحكيه عن ربه قال: [الكبرياء ردائي، فمن نازعني ردائي قصمته] (٣). وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. أي: وهو القوي القاهر لكل شيء، الذي لا يُغالب ولا يمانع، الذي عزّ كل شيء وقهر أعداءه بنقمته منهم.

стр. 4396

وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾. أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وتصريف شؤون خلقه وقضائه وقدره. وافق الفراغ من تفسير هذه السورة -سورة الجاثية- ظهر يوم الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة عام ١٤٢٦ هـ، بمنزلنا بدمشق الشام -قدسيا-. وتم ذلك بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه * * *

стр. 4397

دروس ونتائج وأحكام ١ - تفكروا في آلاء اللَّه وخلقه، ولا تفكروا في اللَّه . ٢ - أيام اللَّه: نعم اللَّه، أو نِقَمُ اللَّه. ٣ - يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. ٤ - منهاج النبوة واحد، والشرائع تختلف، وشريعة نبينا محمد ﷺ ناسخة لكل الشرائع قبلها. ٥ - الهوى إله الكفار، فالكافر اتخذ دينه بغير هدى من اللَّه ولا برهان. ٦ - مراتب الضلال: أ - الضياع والانحراف. ب - الترك والخذلان. ج - الهداية يوم القيامة إلى النار. ٧ - قال اللَّه تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار. ٨ - الجثو على الركب عند الحساب، من شدة هول جهنم ورهبة العقاب. ٩ - أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب القدر، وما هو كائن إلى الأبد. ١٠ - قال اللَّه تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار. * * *

стр. 4398

٤٦ - سورة الأحقاف وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٥). موضوع السورة خبر إهلاك أهل الأحقاف المكذبين وتهديد قريش بمصير الأمم الهالكين - منهاج السورة - ١ - انتصار اللَّه تعالى للقرآن الكريم، وإثبات الخلق للسماوات والأرض وما بينهما بالحق، وتقريع المشركين في عبادتهم آلهة من دون اللَّه الملك العظيم. ٢ - اتهام الكفار الحق بالسحر، وافتراؤهم على سيد البشر، وتجرد الرسول من علم الغيب وتحذير قومه مغبة الاستمرار على الكبر. ٣ - قَرْعُ النبي ﷺ يَهود المكر بحجة اللَّه البالغة، واعتزاز بعض المشركين بالإفك والباطل، وثناء اللَّه على المخلصين له المستقيمين على منهاجه ووعدهم جنات النعيم. ٤ - الوصية بالإحسان إلى الوالدين، وتأمل نعم اللَّه عند الأربعين، وسؤال العبد ربه إصلاح حاله وذريته وعونه على العمل الصالح.

стр. 4399

٥ - ارتباط الشرك بالعقوق هو الخسران المبين، ومشهد الخزي والذل أمام نار جهنم للكافرين. ٦ - خبر عاد مع نبيّهم هود ﵊، وعاقبة التكذيب الهلاك بالريحِ العاتية ليذوقوا مغبة الشرك والكبر والآثام. ٧ - تهديد قريش أن ينزل بها ما نزل بالأمم المكذبة السالفة، ولم تنفعهم الأموال والحصون والأولاد، ولم ينتفعوا بالأسماع والأبصار والأفئدة. ٨ - إهلاك القرى حول مكة مشهد لقريش للاعتبار، وما نفعتهم آلهتهم ساعة الاضطرار. ٩ - خبر لقاء رسول اللَّه ﷺ مع فريق من الجن، ورجوع القوم إلى قومهم ينذرونهم. ١٠ - التقريع على منكري البعث والمعاد، والتصوير لمشهد الخزي والهوان للكفار أمام جهنم، وحثّ النبي ﷺ على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. * * *

стр. 4400

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾. في هذه الآيات: ثناءُ اللَّه تعالى على نفسه وكتابه، وخلقه السماوات والأرض بالحق والكفار في غفلة عن أمره، وتقريع اللَّه المشركين في عبادتهم آلهة ضعيفة من دونه. فقوله تعالى: ﴿حم﴾ - مفهومه التحدي والإعجاز، شأن الحروف المقطعة التي سبقت في أوائل بعض السور. أي: هذا القرآن من جنس هذه الأحرف، ومع ذلك لا يستطيع أحد مهما أوتي من البلاغة والفصاحة أن يعارضه بمثله. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ -انتصار لهذا القرآن وثناء عليه، فهو الكتاب المعجز المنزل من اللَّه العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره وشرعه وقدره. وقوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (ما أحدثنا السماوات والأرض فاوجدناهما خلقًا مصنوعًا، وما بينهما من أصناف العالم إلا بالحق. يعني: إلا لإقامة الحق والعدل في الخلق).

стр. 4401

وقوله: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال ابن عباس: (يعني القيامة). وهو الأجل الذي تنتهي إليه السماوات والأرض. وقيل: إنه الأجل المضروب لكل مخلوق. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: لاهُونَ عما يراد بهم، وقد أنزل إليهم كتابٌ وأرسل إليهم رسولٌ، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غِبَّ ذلك). وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾. أي: قل -يا محمد- لمشركي قومك أرأيتم أوثانكم وآلهتكم التي تدعون من دون اللَّه، عرفوني أي مكان استقلوا بخلقه من الأرض؟ ! وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. أي: أم لهم شركة مع اللَّه في خلق السماوات. وقوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾. قال النسفي: (أي من قبل هذا الكتاب وهو القرآن، يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب اللَّه إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير اللَّه). وقوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾. أي: أو بقية من علم ثابت من علوم الأولين يؤكد صحة منهجكم. ومن أقوال المفسرين في هذه الآية: ١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: خط، كان يخطه العرب في الأرض). قال ابن عياش: (الخط: هو العيافة). ٢ - قال مجاهد: (﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾: أو أحدٍ يأثُر علمًا). وقال العوفي عن ابن عباس: (أو بَيِّنَةٍ من الأمر). وقرأ بعضهم: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: أو عِلم صحيح يأثرونه عن أحد ممن قبلهم. ٣ - عن قتادة: (﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: خاصة من علم). وقال أبو بكر بن عياش: (بقية من علم).

стр. 4402

وكل هذه الأقوال متقاربة متكاملة مفادها أن الأثارة: هي البقية من العلم الذي ثَبَتَ في كتب الأولين، فطالبهم اللَّه تعالى بإخراج مثل هذه الوثيقة التي تدل على صحة النهج الذي هم عليه، ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾. توبيخ للمشركين لقبح اختيارهم في عبادتهم من لا يستحيب إذا دعي، ولا يسمع إذا نودي. قال القرطبي: (﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي لا أحد أضل وأجهل ﴿مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهي الأوثان. ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ يعني لا يسمعون ولا يفهمون، فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم، إذ قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تُخدم). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. أي: وإذا حشر الناس يوم القيامة كان المعبودون من الأصنام والطواغيت والشياطين أعداء الكفار الذين صرفوا لهم العبادة، وتبرؤوا من عبادتهم. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]. أي: سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [إذا كان يوم القيامة أذَّنَ مؤذن: لِيَتَّبعْ كل أمة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللَّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يَبْقَ إلا مَنْ كان يَعْبد اللَّه بَرٌّ أو فاجِرٌ وغُبَّراتُ أهْلِ الكتاب، فَيُدْعى اليَهودُ، فيقال لهم: ما كنتم تَعْبدون؟ قالوا: كُنّا نَعْبُدُ عُزيرًا ابنَ اللَّه، فَيُقال لهم: كذبتم ما اتَّخَذَ اللَّهُ من صاحبةٍ ولا وَلَدٍ، فماذا تبغون؟ فقالوا: عَطِشنا رَبَّنا فاسْقِنا، فَيُشارُ ألا تَرِدون! فَيُحْشَرون إلى النار كأنها سرابٌ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا فيتساقطون في النار، ثم يُدْعى النَّصارى فيُقال لهم: ما كنتم تَعبدون؟

стр. 4403

قالوا: كُنّا نَعْبُدُ المسيحَ ابن اللَّه، فَيُقال لهم: كَذَبْتُم ما اتَّخَذَ اللَّه من صاحِبة، فيقال لهم: ماذا تَبْغُون؟ فكذلك مِثْلَ الأوَّل. . . .] الحديث (١). ٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾. في هذه الآيات: اتهامُ الكفار الحق بالسحر، وافتراؤهم الكذب على سيد البشر، وبلاع الرسول المبين لقومه ينذرهم مغبة الاستمرار على الكبر. فقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ -يعني القرآن. قال النسفي: (﴿بَيِّنَاتٍ﴾ جمع بينة، وهي الحجة والشاهد، أو واضحات مبينات). وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال القاسمي: (أي: بادهوه بالجحود أول ما سمعوه، من غير إجالة فكر، ولا إعمال روية). وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. المعنى: أم يقولون تقوّله محمد، ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ على سبيل الفرض، فإنكم لا تقدرون دفع عذاب اللَّه عني، فكيف أفتري على اللَّه لأجلكم. وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. قال مجاهد: (أي تقولونه). وقيل: (تخوضون فيه من التكذيب). قال القرطبي: (والإفاضة في الشيء: الخوض فيه والاندفاع). وفي التنزيل: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ -أي دفعتم. وقوله: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. تهديد ووعيد، وترهيب شديد. ونصب ﴿شَهِيدًا﴾ على التمييز. والمقصود: كفى باللَّه أن يعلم صدقي ويشهد أنكم مبطلون مكذبون.

стр. 4404

وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. أي: الغفور لمن تاب وأناب إلى طاعته، الرحيم بعباده المؤمنين الطائعين. وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لست بأول الرسل). وفي رواية: (ما كنت أول رسول أرسل). قال ابن كثير: (أي: لستُ بأول رسول طَرَقَ العالم، بل قد جاءت الرسلُ من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظيرَ له حتى تستنكِروني وتستبعدوا بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل اللَّه قبلي جميعَ الأنبياء إلى الأمم. وقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال الحسن: (أما في الآخرة فمعاذَ اللَّه قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يُفعل بي ولا بكم في الدنيا، أُخرَجُ كما أُخرِجَت الأنبياءُ قبلي؟ أم أُقتَلُ كما قُتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيُخْسَفُ بكم أو تُرمَون بالحجارة؟ ). وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. أي: قل لهم -يا محمد-: ما أتبع في دعوتي لكم وفي عملي وقولي إلا وحي اللَّه الذي يوحيه إلي. وقوله: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. قال القاسمي: (أي منذر عقاب اللَّه على كفركم به، أبان لكم إنذاره وأبان لكم دعاءه إلى ما فيه صلاحكم وسعادتكم). ١٠ - ١٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾. في هذه الآيات: قَرْعُ النبي ﷺ يهود المكر بحجة اللَّه البالغة، واعتزاز بعض المشركين بالإفك والباطل، وثناء اللَّه على المخلصين له المستقيمين على منهاجه ووعده لهم جنات النعيم وحسن المستقر. أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني والحاكم وابن حبان، بسند على شرط

стр. 4405

الشيخين عن عوف بن مالك قال: [انطلق النبي ﷺ يومًا وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلًا منكم يشهدون أنه لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه يحط اللَّه عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه. قال: فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم ردّ عليهم فلم يجبه أحد، ثم ثَلَّثَ فلم يجبه أحد. فقال: أبيتم، فواللَّه إني لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النبي المصطفى آمنتم أو كذبتم، ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا نخرج نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد. قال: فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني يا معشر اليهود؟ قالوا: واللَّه ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب اللَّه منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدّك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بأنه نبي اللَّه الذي تجدونه في التوراة. قالوا: كذبت، وردّوا عليه قوله وقالوا فيه شرًا. قال رسول اللَّه ﷺ : كذبتم لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل فيه قولكم. قال: فخرجنا ونحن ثلاثة، رسول اللَّه ﷺ ، وأنا، وعبد اللَّه بن سلام. وأنزل اللَّه فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾] (١). وقد صح إسلام عبد اللَّه بن سلام قبل ذلك، ولكنه ربما كان يخفي إسلامه. وفي الصحيحين والمسند عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: [ما سمعت النبيَّ ﷺ يقولُ لأحدٍ يمشي على الأرض: إنَّه مِنْ أَهْلِ الجنة، إلا لعبد اللَّه بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] الآية] (٢). ومعنى الآية: قل -يا محمد- لهؤلاء الكافرين بالقرآن، أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند اللَّه قد أنزله عليّ حقًا وكفرتم به، وشهد بصدقه شاهد منكم ومن أكابر علمائكم

стр. 4406

فآمن واستكبرتم عن الإيمان فما ظنكم أن اللَّه صانع بكم؟ ! إن اللَّه لا يوفق للهداية القوم الظالمين. قال النسفي: (﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ الضمير للقرآن، أي مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن: من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك. ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند اللَّه وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك يعني من عند اللَّه). وعن مسروق: (﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه، وكفرتُم أنتم بنبيكم وكتابكم). أي: فآمن عبد اللَّه بن سلام بنبيه وكتابه ثم صدق بمحمد ﷺ والوحي الجديد معه، وكفرتم أنتم باستكباركم. فائدة: قد تكون هذه الآية مدنية مستثناة من السورة، لأن إسلام عبد اللَّه بن سلام كان بالمدينة، وقد تكون الآية نزلت قبل ذلك بمكة من باب الإخبار قبل الوقوع واللَّه تعالى أعلم. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. قال قتادة: (قال ذاك أناس من المشركين: نحن أعز، ونحن، ونحن، فلو كان خيرًا ما سبقنا إليه فلان وفلان، فإن اللَّه يختص برحمته من يشاء). والمقصود: ذهب المشركون في ضلالهم أن القرآن لو كان خيرًا ما سبقهم إليه عمار وبلال وصهيب وخباب وأمثالهم من المستضعفين والعبيد والإماء، فقد أبرق لهم الشيطان أن لهم وجاهة عند اللَّه ومكانة يفضلهم بها بما هو لائق. وكذبوا فيما ذهبوا إليه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. قال ابن كثير: (أي: يَتَعَجَّبُونَ كيف اهتدى هؤلاء دوننا. ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بِدْعةٌ، لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركُوا خصلةً من خِصَال الخير إلا وقد بادروا إليها). وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (-يقول-: وإذ لم يبصروا بمحمد وبما جاء به من عند اللَّه من الهدى فيرشدوا به الطريق المستقيم فسيقولون هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ أكاذيب من أخبار الأولين قديمة).

стр. 4407

والمقصود: هروب من الحق بمحاولة الانتقاص من القرآن وأهله، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]. وهذا من الكبر والعجب الذي يسخط اللَّه تعالى. وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (١). وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثقالُ ذرةٍ من كبِر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن اللَّه جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (٢). وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾. أي: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى (التوراة) أنزلناه إمامًا لبني إسرائيل يأتمون به ويهتدون بهديه ورحمة لهم. وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾. أي: وهذا القرآن أنزلناه يصدق كتاب موسى، ويؤكد أن محمدًا ﷺ نبي مرسل- وهو بلسان عربي فصيح مبين. وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾. أي: لينذر هذا القرآن من كفر وطغى، ويبشر من أحسن وأناب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال ابن جرير: (﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الذي لا إله غيره ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك ولم يخالفوا اللَّه في أمره ونهيه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من فزع يوم القيامة وأهواله ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بما سبق من صدق التعظيم للَّه والاستقامة على منهج الحق هم أهل الجنة ينعمون فيها ولا يرحلون عنها، فأعمالهم سبب لنيل رحمة اللَّه وسبوغها عليهم. ونصب ﴿جَزَاءً﴾ على المصدر.

стр. 4408

١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾. في هذه الآيات: وصيةُ اللَّه الإنسان الإحسان إلى والديه، وحثّه إذا بلغ أربعين سنة تأمّل آلاء اللَّه وشكر نعمه عليه، وسؤال اللَّه تعالى إصلاح حاله وذريته ومباشرة العمل الصالح الذي يرضيه. فقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾. التوصية: الأمر: والحُسْن ضد القبح، وقوله: ﴿حُسْنًا﴾ - هو كذلك في قراءة قراء المدينة والبصرة. وأما في قراء الكوفة ﴿إِحْسَانًا﴾. والإحسان خلاف الإساءة. والآية عطف على إخلاص العبادة والتعظيم للَّه. فكثيرًا ما يعطف سبحانه بين الوصية بإقامة التوحيد وإخلاص العبادة له وبين الوصية ببر الوالدين وحسن صحبتهما والحنوّ عليهما. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. ومن صحيح السنة العطرة في ذلك أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثًا)، قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: الإشراك باللَّه، وعقوق

стр. 4409

الوالدين -وجلس وكان متكئًا- ألا وقول الزور، ما زال يكررها حتى قلت: ليته سكت] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" وأكثر أصحاب السنن بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ يبايعُهُ على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند حسن عن أبي مُرَّة، مولى أم هانئ بنت أبي طالب: [أنه ركب مع أبي هريرة إلى أرضه بـ "الحقيق" فإذا دخل أرضه صاحَ بأعلى صوته: عليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته يا أمَّتاه! تقول، وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته، يقول: رحمك اللَّه كما ربيتني صغيرًا. فتقول: يا بنىّ! وأنتَ، فجزاك اللَّه خيرًا ورضي عنك كما بررتني كبيرًا] (٣). وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾. قال قتادة: (يقول: حملته مشقة، ووضعته مشقة). وقرأ أهل المدينة والبصرة: ﴿كُرْهًا﴾، وأهل الكوفة ﴿كُرْهًا﴾. وقال الحسن: (حملته في مشقة، ووضعته في مشقة). قال مجاهد: (مشقة عليها). قال ابن كثير: (أي: قاست بسببه في حال حَمْلِهِ مشقةً وتعبًا، من وِحَام وغَثَيَانٍ وثِقَل وكَرْب، إلى غير ذلك مما ينال الحوامِلَ من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، أي: بمشقة أيضًا من الطَّلق وشِدَّته). وقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. أي: مدة حمله وفطامه ثلاثون شهرًا. والفِصالُ: الفِطام. قال ابن عباس: (إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرًا، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرًا). وفي الأثر عن عثمان أنه أتي بامرأة قد ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقضي عليها

стр. 4410

بالحدّ، فقال له عليّ ﵁: ليس ذلك عليها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فالرضاع أربعة وعشرون شهرًا والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. أي قوي وشبَّ وارتجل. قال ابن عباس: (أشدّه: ثلاث وثلاثون سنة، واستواؤه أربعون سنة، والعذر الذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستون). وعن الشّعبي قال: (الأشدّ: الحلم إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات). والأول أشبه في مفهوم الأشد من الحلم، فإن الأشد هو غاية القوة والاستواء، فالثلاث والثلاثون أشبه. وقوله: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. أي: تناهى عقله واكتمل فهمه وكمل حلمه، فهو سن الاستقرار في رسوخ المفاهيم. وروى الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى يُؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: (إذا بَلَغْتَ الأربعين فَخُذْ حِذْرَكَ). قال ابن جرير: (﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: ذلك حين تكاملت حجة اللَّه عليه، وسير عنه جهالة شبابه، وعرف الواجب للَّه من الحق في بر والديه). وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾. أي: ألهمني. ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ -أي شكر نعمتك. فأن أشكر: في موضع نصب على المصدر. ووزعت الرجل على كذا: إذا دفعته عليه. وقوله: ﴿عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾. قال القرطبي: (أي ما أنعمت به عليَّ من الهداية ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ بالتحنن والشفقة حتى ربّياني صغيرًا. وقيل: أنعمت عليّ بالصحة والعافية وعلى والديّ بالغنى والثروة). وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾. أي: ووفقني في المستقبل لاستقبال العمل الصالح الذي ترضاه. وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾. أي: اجعلهم هداة للإيمان والعمل الصالح. قال سهل بن عبد اللَّه. (المعنى اجعلهم لي خَلَفَ صدق، ولك عبيدَ حق). وقال أبو عثمان: (اجعلهم أبرارًا لي مطيعين لك). وقال ابن عطاء: (وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم). وقال محمد بن علي: (لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلًا). وفي التنزيل نحو ذلك من دعاء المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].

стр. 4411

وفي سنن أبي داود وابن ماجة بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: [لم يكن رسول اللَّه ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني وَدُنْياي وأهلي ومالي، اللهم استُر عَوْرَتي وآمِنْ روعاتي، اللهم احفظني من بين يَدَيَّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغْتال من تحتي] (١). وقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. أي: إني رجعت من ذنوبي السالفة، وإني لك بالطاعة من الخاضعين. قال ابن عباس: (﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه). وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾. أي: هؤلاء الموصوفون بما سبق هم الذين يتقبل اللَّه عنهم أحسن ما عملوا من صالحات الأعمال، ويصفح عن سيئات أعمالهم فلا يعاقبهم عليها. وقوله: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾. قال النسفي: (ومحله النصب على الحال، على معنى: كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم). وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى "مع" -أي: مع أصحاب الجنة، والمعنى واحد. وقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ - نصب لأنه مصدر مؤكد لما قبله. والتقدير: وعد اللَّه أهل الإيمان والعمل الصالح أن يتقبل أحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم وعد الصدق. وقوله: ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قال القرطبي: (في الدنيا على ألسنة الرسل، وذلك الجنة). ١٧ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)

стр. 4412

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾. في هذه الآيات: قصة ارتباط الشعرك بالعقوق، وعاقبة ذلك من الخسران المبين. وتصوير مشهد الخزي والذل أمام نار جهنم للكافرين. فعن الحسن: (﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ قال: هو الكافر الفاجر العاقّ لوالديه، المكذب البعث). قال النسفي: (أفّ: وهو صوت إذا صوّت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال حس علم أنه متوجع، واللام للبيان، أي هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما). والعقوق من أكبر الكبائر، وعقابه في الدنيا والآخرة، وفي التنزيل: قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج النسائي وأحمد وابن حبان بإسناد جيد عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ثلاثة لا ينظر اللَّه إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث. وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى] (١). الحديث الثاني: أخرج الدارمي والنسائي والبخاري في "التاريخ الصغير" بسند حسن في الشواهد عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، (ولا ولد زنية)] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن عروة قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]: [لا تمتنع من شيء أحبّاه] (٣). وقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾. قال قتادة: (أن أبعث بعد الموت).

стр. 4413

وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾. أي: وقد مضت قرون من الأمم قبلي فهلكوا فلم يبعث منهم أحد. وقوله: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. أي: ووالداه يستصرخان اللَّه عليه ويسألانه له الهداية، ويستغيثان عليه أن يؤمن باللَّه ويقرّ بالبعث وأن وعد اللَّه صدق وحق. وقوله: ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. -أي: فيجيب عدو اللَّه والديه مستنكرًا خروجه من قبره بعد موته فيقول: ما هذا الذي تقولانه إلا ما سطّره الأولون من الناس من الأباطيل. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: دخلوا في زُمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يومَ القيامة). وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. قال ابن زيد: (درج أهل النار يذهب سفالًا، ودرج أهل الجنة يذهب علوًا). والمقصود: لكل أعدّ اللَّه من الثواب أو العذاب حسب عمله ومقابل ما قدّم. قال القرطبي: (﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ﴾ أي ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند اللَّه يوم القيامة بأعمالهم). وقوله: ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: ولينالوا جزاء أعمالهم فلا يزاد على مسيء ولا ينقص من محسن. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾. قال النسفي: (عرضهم على النار تعذيبهم بها). وقيل: دنوّهم منها ينظرون إليها. والمعنى: ذَكِّرْهُم -يا محمد- يوم يكشف الغطاء فيقرّبون من النار وينظرون إليها، ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: لقد استوفيتم لذائذكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فما بقي لكم من اللذائذ شيء لاستيفائكم إياها. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. قال مجاهد: (الهوان). أي: فاليوم تذوقون عذاب النار الذي يهينكم ويخزيكم. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال ابن جرير: (بما كنتم تتكبرون في الدنيا على ظهر الأرض على ربكم، فتأبون أن تخلصوا له العبادة).

стр. 4414

وقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾. أي وبما كنتم تصرون عليه من الفسق والمعاصي وتعاطي المنكرات والموبقات والآثام. ٢١ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾. في هذه الآيات: خبر عاد قوم هود ﵇، وقد جاءهم بالوحي ينذرهم مغبة الشرك والآثام، فكذبوه فأخذهم اللَّه بريح عاتية تدمر المساكن وتقلع الرجال والخيام. فقوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ -تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وعنادهم. وعادٌ هم قوم هود ﵊ والأخوة هنا أخوة النسب. قال القرطبي: (كان أخوهم في النسب لا في الدين). وقوله: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾. أي اذكر يا محمد لقومك قصة عاد الذين كانوا يسكنون الأحقاف وقد قهروا أهل الأرض بقوتهم. والأحقاف: ديار عاد، وهي الرمال العظام، جمع حِقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلًا. قال عكرمة: (الأحقاف: الجبلُ والغار). وقال قتادة: (ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمن أهلَ رملٍ مُشرِفين على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر). قال ابن إسحاق: (كانت منازل عاد وجماعتهم، حيث بعث اللَّه إليهم هودًا. الأحقاف: الرمل فيما بين عُمان إلى حَضْرموت فاليمن كله، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا في الأرض كلها، قهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم اللَّه). وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. قال الضحاك: (لن يبعث اللَّه رسولًا إلا بأن يعبد اللَّه). قال ابن كثير: (يعني: وقد أرسَلَ اللَّه تعالى إلى مَنْ حول بلادهم في القرى مُرسَلين ومُنذِرين، كقوله :

стр. 4415

﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، وكقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٣ - ١٤]). وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي يقول هود لقومه: إني أخاف عليكم بإصراركم على عبادة غير اللَّه عذاب يوم تعظم فيه الأهوال والشدائد، وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. قال ابن زيد: (لتزيلنا). أي: أجابوه قائلين: أجئتنا لتصدنا وتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ . وقوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. إخبار عن استعجالهم العقوبة والعذاب، استهتارًا واستبعادًا من وقوع ذلك. قال ابن زيد: (﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب على عبادتنا ما نعبد من الآلهة ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ من أهل الصدق في قوله وعداته). وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾. أي: قال هود لقومه عاد. إنما العلم بمجيء ما أعدكم من العذاب على كفركم عند اللَّه، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالة ربي إليكم. وقوله: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾. قال ابن جرير: (﴿تَجْهَلُونَ﴾ مواضع حظوظ أنفسكم فلا تعرفون ما عليها من المضرّة بعبادتكم غير اللَّه، وفي استعجال عذابه). وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. العارض: السحاب الذي يعرض في أفق السماء. والمقصود: فلما رأوا العذاب مستقبلهم ظنوا أنه عارضٌ ممطر، فاستبشروا وفرحوا بقدوم الغيث وقد كانوا مُمْحلِين محتاجين إلى المطر. وقوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: بل القادم هو ريح شديدة تحمل الدمار والهلاك. قال ابن عباس: (أوّل ما رأوا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر اللَّه الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، ولهم أنين). وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. قال ابن عباس: (أي كل شيء بُعثت إليه).
следующие страницы →