← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

إليكم]، ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ بتوفيقه ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي حسّنه إليكم حتى اخترتموه). وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. قال ابن عباس: (يريد به الكذب خاصة). وقيل: كل ما خرج عن الطاعة. قال النسفي: (﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ وهو تغطية نعم اللَّه ونجمطها بالجحود ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع). وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. الرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من "الرشادة" وهي الصخرة. قال القاسمي: (﴿أُولَئِكَ﴾ أي الموصوفون بمحبة الإيمان، وتزينه في قلوبهم، وكراهتهم المعاصي ﴿هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ " أي السالكون طريق الحق). أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في "الكبرى" بسند صحيح عن عُبيد اللَّه بن رفاعة عن أبيه قال: [لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول اللَّه ﷺ : استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسطَ لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل من هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيمَ يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق] (١). وقوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي:

стр. 4517

عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره). ٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى عباده المبادرة بالإصلاح بين المسلمين الباغين بعضهم على بعض، والأخذ على يد المخطئ منهم حتى يفيء إلى أمر اللَّه واللَّه يحب المقسطين، ويحب المؤمنين أن يكونوا إخوة متسامحين متراحمين. فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أنس ﵁ قال: [قيل للنبي ﷺ : لو أتَيْتَ عَبْدَ اللَّه بنَ أُبيٍّ، فانطَلَقَ إليه النبي ﷺ ورَكِبَ حمارًا فانطلق المسلمون يمشون معه -وهي أرض سَبِخَةٌ- فلما أتاه النبي ﷺ فقال: إليك عني، واللَّه لقد آذاني نتنُ حمارِكَ، فقال رجل من الأنصار مِنهم: واللَّه لحِمارُ رسولِ اللَّه ﷺ أطْيَبُ ريحًا منكَ، فَغَضِبَ لعبد اللَّه رَجُلٌ من قَوْمِهِ فشتما (١) فغضِبَ لِكُلِّ واحد منهما أصحابُهُ، فكانَ بينهما ضَرْبٌ بالجريد والنِّعال والأيدي، فبلغنا أنها نزلت ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]] (٢). وروى البخاري عن أم كلثوِم بنت عقبة أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [ليس الكذَّابُ الذي يُصلح بين الناس فَيَنْمي خيرًا أو يقولُ خيرًا] (٣). وقد جاء فضل الإصلاح بين المسلمين في أحاديث كثيرة، منها:

стр. 4518

الحديث الأول: أخرج البخاري عن سهل بن سعد ﵁: [أنَّ أهْلَ قُباءٍ اقتتلوا حتى تَرَامَوْا بالحجارة، فَأُخْبِرَ رسولُ اللَّه ﷺ بذلك فقال: اذهبوا بنا نُصْلِحْ بَيْنَهُم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كُلُّ سُلامى من الناس عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يوم تطلُعُ فيه الشمس، يَعْدِلُ بين الناس صدقة] (٢). الحديث الثالث: أخرج أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي بَكْرَةَ: أن رسول اللَّه ﷺ خَطَبَ يومًا ومعه على المنبر الحسنُ بن علي، فجعل ينظرُ إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول: [إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّه أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين] (٣). وقد أصلح اللَّه تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، وحجز به الفتنة أن تستمر لستأصل شوكة المسلمين. وقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (فإن اللَّه سبحانه أمر النبي ﷺ والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم اللَّه وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب اللَّه حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه، ويقرّوا بحكم اللَّه). وفي الصحيحين وسنن الترمذي -واللفظ له- عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: [انْصُر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا، قيل: يا رسول اللَّه نصرته مظلومًا! فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تكفُّهُ عن الظُّلْمِ، فذاك نَصْرك إيّاه] (٤). وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. أي: فإن رجعت الفئة الباغية ونزلت عند حكم اللَّه فأصلحوا بينهما بالإنصاف

стр. 4519

والعدل وميزان القسط ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: فيجازيهم أحسن الجزاء. وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ المقسطين، عند اللَّه، على منابر من نور، عن يمين الرحمن ، وكِلْتا يَدَيْهِ يمين، الذين يَعْدِلون في حُكْمهم وأهْلِيهم وما وَلُوا] (١). وله شاهد عند النسائي بسند جيد عن عبد اللَّه بن عمرو -أيضًا- أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسَطُوا في الدنيا] (٢). وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي: جميع المؤمنين إخوة في الدين. وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان). والمعنى: احرصوا -أيها المؤمنون- على سلامة صرح الأخوّة بينكم، فأصلحوا بين المختصمين، وخافوا اللَّه بإقامة العدل والقسط لتنالكم رحمته ومغفرته. وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [المسلمون كَرَجُلٍ واحدٍ، إن اشتكى عَيْنُهُ، اشتكى كُلُّهُ، وإن اشتكى رأسُهُ، اشتكى كُلُّهُ]. وفي لفظ: [مثل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عُضْوٌ، تداعى له سائِرُ الجسد بالسَّهر والحُمَّى] (٣). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [المؤمِنُ للمؤمِن كالبُنيان، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا] (٤).

стр. 4520

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن سهل بن سعد الساعدي يحدِّثُ عن رسول اللَّه ﷺ قال: [إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألَمُ المؤمن لأهل الإيمان كما يألَمُ الجَسَدُ لما في الرأس] (١). الحديث الرابع: أخرج مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما مِنْ عَبْدٍ مُسْلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بِمثل] (٢). ١١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. في هذه الآيات: توجيهٌ من اللَّه العظيم عباده المؤمنين، لاجتناب عادات القوم الفاسقين، من السخرية فيما بينهم واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة وغير ذلك من العادات التي تسخط اللَّه، واللَّه غفور رحيم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. نهي عن السخرية بالناس أو احتقارهم والاستهزاء بهم. قال ابن جرير: (إن اللَّه عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره ولا لذنب ركبه ولا لغير ذلك). قال ابن كثير: (فإنه قد يكون المحتقر أعظمَ قدرًا عند اللَّه تعالى وأحبَّ إليه من الساخر منه المحتقِر له، ولهذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾، فنَصَّ على نَهْي الرجال، وعطفَ بنهي النساء).

стр. 4521

قال القرطبي: (﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ أفرد النساء بالذى لأن السّخرية منهم أكثر). ومن صحيح السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث، منها: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا: [الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (١). والمراد احتقارهم واستصغارهم. الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عائشة قالت: [حَكَيت للنبي ﷺ رجلًا، فقال: ما يسرني أني حَكَيت رجلًا وأن لي كذا وكذا. قالت فقلت: يا رسول اللَّه، إن صفية -وقالت بيدها- هكذا، يعني أنها قصيرة. فقال: لقد مزجت بكلمةٍ لو مُزج بها البحر لمزج] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني وابن عساكر بسند جيد عن شقيق قال: [لبّى عبد اللَّه ﵁ على الصفا، ثم قال: يا لسان قل خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: أكثر خطايا ابن آدم في لسانه] (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال مجاهد: (لا تطعنوا). وقال قتادة: (ولا يطعن بعضكم على بعض). قلت: واللمز في لغة العرب العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها. ورجل لَمّاز ولُمَزَة: أي عيّاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. قال الطبري: (اللَّمْزُ باليد والعين واللسان والإشارة. والهَمْزُ لا يكون إلا باللسان). وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضًا، فمن قتل مسلمًا كأنما قتل نفسه، لأن المؤمنين كنفس واحدة. فيكون المعنى: ولا يعب بعضكم بعضًا. وقوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. أي: لا تداعوا بالألقاب. قال أبو جعفر: (والنبز

стр. 4522

واللقب بمعنى واحد، يجمع النبز: أنبازًا، واللقب ألقابًا). قال ابن عباس: (التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها، وراجع الحق، فنهى اللَّه أن يعير بما سلف من عمله). وقال ابن زيد: (تسميته بالأعمال السيئة بعد الإسلام زان فاسق). أخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن أبي جَبيرَة بن الضحاك قال: [فينا نزلت، معشر الأنصار: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. قدم علينا النبي ﷺ ، والرجل منا له الاسمان والثلاثة. فكان النبي ﷺ ، ربما دعاهم ببعض تلك الأسماء. فيقال: يا رسول اللَّه! إنه يغضب من هذا. فنزلت: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾] (١). واختار ابن جرير أن الآية عامة في كل تلاعب بالألقاب يسيء إلى الآخرين فقال: (والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ اللَّه بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها). وقوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. الاسم هنا بمعنى الذكر والصفة، والتقدير: بئس الذكر اللامزين والمتنابزين أن يذكروا بالفسق بعد الإيمان. قال النسفي: (وقوله بعد الإيمان استقباح للجمع بين الإيمان وبين الفسق الذي يحظره الإيمان). وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال القرطبي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي عن هذه الألقاب الذي يتأذى بها السامعون ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم بارتكاب هذه المناهي). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. تحذير من اللَّه سبحانه عباده المؤمنين من بعض الظن، لما قد يترتب عليه من ظلم وضياع حقوق أو إساءة وغيبة، في حين أذن لهم بظن الخير، أن يظن بعضهم ببعض خيرًا، كما قال سبحانه في سورة النور: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾. فتوجه النهي في آية الحجرات إلى ظن الشر والسوء. قال ابن عباس: (نهى اللَّه المؤمن أن يظن بالمؤمن شرًا). فإن ظن المؤمن بأخيه المؤمن الشر لا الخير فقد أثم، لأن اللَّه نهاه عن فعل ذلك.

стр. 4523

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إياكم والظنَّ، فإن الظَّنَّ أكذب الحديث] (١). وقوله: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾. قال ابن عباس: (نهى اللَّه المؤمن أن يتتبع عورات المؤمن). وقال مجاهد: (خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر اللَّه). وقال قتادة: (هل ترون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع، أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سره). والتجسُّس: البحث عما يُكتم عنك، والتحسّس: طلب الأخبار والبحث عنها. والتجسّس يطلق غالبًا في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسّس فيكون غالبًا في الخير، كما قال تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]. وقد يستعمل كل منهما في الشرِّ. كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لا تحاسَدُوا، ولا تباغضوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا] (٢). وفي لفظ: [لا تهجُروا ولا تدابروا، ولا تحسَّسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا]. قال الأوزاعي: (التجسّس: البحث عن الشيء. والتحسّس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسَمَّع على أبوابهم. والتدابُر: الصَّرْمُ) (٣). ومن صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود في السنن بسند صحيح عن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [إنّك إن اتَّبَعْتَ عَوْرات الناس أفْسَدْتَهم أو كِدْتَ اْنْ تُفْسِدَهم] (٤). الحديث الثاني: أخرج أحمد وأبو داود والحاكم بسند رجاله ثقات عن جبير بن

стр. 4524

نفير، وكثير بن مرّة وعمرو بن الأسود والمقدام بن معديكرب وأبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الأمير إذا ابتغى الرِّيبَةَ في الناس أفسَدَهم] (١). الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: [أُتِيَ ابن مسعود فقيل: هذا فلان تَقْطُرُ لحيته خمرًا! فقال عبد اللَّه: إنا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذْ به] (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. نهي عن الغيبة، وهو أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: [أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: [فرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه] (٣). وفي لغة العرب: اغتابه اغتيابًا إذا وقع فيه، والاسم الغِيبة، وهي ذكر العَيْبِ بظهر الغيب. قال الحسن: (الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب اللَّه تعالى: الغِيبة والإفك والبهتان. فأما الغِيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه. وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه. وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه). وعن شعبة: قال لي معاوية -يعني ابن قُرّة-: (لو مَرَّ بك رجل أقطع، فقلت هذا أقطع كان غِيبة). وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذه المعاني في أحاديث: الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يَخْمِشُونَ وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم] (٤).

стр. 4525

الحديث الثاني: أخرج الحاكم وأبو داود بسند صحيح في الشواهد عن المستورد أن النبي ﷺ قال: [من أكلَ برجل مسلم أكلة، فإن اللَّه يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوبًا، فإن اللَّه يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة، فإن اللَّه يقوم به مقام سمعة يوم القيامة] (١). الحديث الثالث: أخرج أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قالت: [قلت للنبي ﷺ : حَسْبُكَ من صَفِيَّةَ كذا وكذا" -تعني قصيرة- فقال: "لقد قلتِ كَلِمَة لو مُزجت بماء البحر لَمَزَجَتْه". قالت: وحكَيْت له إنسانًا فقال ﷺ "ما أحِبُّ أنى حكيتُ إنسانًا وإنَّ لي كذا وكذا"] (٢). الحديث الرابع: أخرج الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" -بإسناد صحيح- عن أنس بن مالك قال: [كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فناما، فاستيقظا، ولم يُهَيِّئ لهما طعامًا، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم نوم بيتكم، فأيقظاه فقالا: ائت رسول اللَّه ﷺ فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك. فقال: أقرهما السلام، وأخبرهما أنهما قد ائتدما! ففزعا، فجاءا إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول اللَّه! بعثنا إليك نستأمك، فقلت: قد ائتدما. فبأي شيء ائتدما؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لَحْمَهُ بين أنيابكما -يعني لحم الذي استغاباه-. قالا: فاستغفر لنا، قال: هو فليستغفر لكما] (٣). فائدة: الغيبة تباح عند تحقق المصلحة الشرعية، وذلك في ستة أحوال جمعها الشيخ كمال الدين بن أبي شرف بقوله: القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرّف ومحذّر ومجاهر فسقًا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر

стр. 4526

وتفصيل ذلك مع أدلته في كتابي: "منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن"، فلله الحمد والمنة. وقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾. فيه بيان من اللَّه سبحانه أن أكل لحم المؤمن بغيبته حيًّا، كأكل لحمه بعد مماته ميتًا. قال ابن عباس: (حرم اللَّه على المؤمن أن يغتاب المؤمن بشيء، كما حرّم المَيْتَة). وقال قتادة: (كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدوّدة أن تأكل منها، فكذلك فاكره غيبته وهو حي). أخرج الترمذي وابن حبان بسند حسن عن نافع، عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: [يا معشرَ من آمنَ بلسانه ولمْ يُفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عَوْراتِهم، فإنه من يَتَّبع عورات المسلمين يَتَّبع اللَّه عَوْرَته، ومن يَتَّبع اللَّه عَوْرَتَهَ يَفْضَحْهُ ولو في جوف رحْلِه. قال: ونظر ابن عُمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظمَ حرمتك، وللمؤمن أعظمُ حرمةً عند اللَّه منك] (١). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾. أي: فاتقوا اللَّه في إخوانكم -معشر المسلمين- ولا تتبعوا العورات أو تتجسسوا، واللَّه يتوب على من تاب، ويرحم عباده المنيبين. قال ابن جرير: (﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾: إن اللَّه راجع لعبده إلى ما يحبه إذا رجع العبد لربه إلى ما يحبه منه، رحيم به بأن يعاقبه على ذنب أذنبه بعد توبته منه). ١٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾. في هذه الآية: دعوة اللَّه عباده للتعارف وحفظ الأنساب وتبادل الخيرات والخبرات، وإنما التميز بالتقوى والحرص على الطاعات، واللَّه عليم بعباده خبير بمن استحق منهم رفع الدرجات. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. يعني آدم وحواء. قال مجاهد: (خلق اللَّه الولد من ماء الرجل وماء المرأة، وقد قال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾). والمقصود: أَنَّ أصولكم واحدة، من أبويكم آدم وحواء، أو من ماء ذكر من الرجال، وماء أنثى من النساء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب.

стр. 4527

ويُنسب إلى عليّ ﵁ من الشعر: الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدمُ والأمُّ حوّاء نفس كنفس وأرواحٌ مشاكلةٌ ... وأعظمٌ خلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهمُ من أصلهم حسبٌ ... يفاخرون به فالطين والماء ما الفضل إلا لأهل العلم إنّهم ... على الهُدى من استهدى أدِلّاء وقَدْرُ كلِّ امرئ ما كان يحسنه ... وللرجال على الأفعال سيماء وضدُّ كل امرئ ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. أي: لينسب الرجل إلى أبيه وأمه وقومه، فلا تختلط الأنساب. قال ابن عباس: (الشعوب الجمهور، مثل مضر. والقبائل الأفخاذ). وقال مجاهد: (الشعوب البعيد من النسب، والقبائل دون ذلك). وقيل: الشعب أكبر من القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العِمارة، ثم البطن، ثم الفَخِذ. وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. قال ابن جرير: (﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾: وجعلناكم متناسبين، فبعضكم يناسب بعضًا نسبًا بعيدًا، وبعضكم يناسب بعضًا نسبًا قريبًا. ليعرف بعضكم بعضًا في قرب القرابة منه وبعده، لا لفضيلة لبهم في ذلك، وقربة تقربكم إلى اللَّه، بل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي أشدكم اتقاء له وخشية بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتًا، ولا أكثركم عشيرة). وقال النسفي: (﴿لِتَعَارَفُوا﴾ أي إنما رتبكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسبَ بعض). قال مجاهد: (جعلنا هذا لتعارفوا، فلان بن فلان من كذا وكذا). قلت: ومعرفة الأنساب تفيد في صلة الأرحام، وهي محبة في الأهل ومثراة في المال. فقد أخرج الترمذي ورجاله ثقات عن أبيِ هريرة، عن النبي ﷺ قال: [تَعَلَّموا من أنسابكم ما تَصلون به أرحامَكُم، فإنَّ صِلةَ الرحم مَحَبَّةٌ في الأهل، مَثْراةٌ في المال، مَنْسَأةٌ في الأثَر] (١).

стр. 4528

وله شاهد عند أبي داود الطيالسي في "مسنده" قال: حدثنا إسحاق بن سعيد قال: حدثني أبي قال: [كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل فسأله: من أنت؟ قال: فَمَتَّ له برحم بعيدة، فألان له القول، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : اعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قطعت، وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت، وإن كانت بعيدة] (١). ورواه البخاري في "الأدب المفرد" بنحوه وزاد: [وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها، تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها]. وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. أَصْلٌ في ميزان التفاضل بين الناس. والمقصود: إنما تفاضلكم أيها الناس عند اللَّه بالتقوى لا بالأحساب والأنساب. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ اللَّه لا ينظر إلى صُوركم وأموالكم، ولكِنْ ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم] (٢). وفي لفظ: [إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صُوركم، ولكن يَنْظُرُ إلى قلوبكم]. وفي لفظ: (التقوى هاهنا) -ويشير إلى صدره- ثلاث مرِار. الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: [سُئِل رسول اللَّه ﷺ : أيُّ الناس أكرم؟ قال: أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبيُّ اللَّه، ابنُ نبيِّ اللَّه، ابن نبي اللَّه، ابن خليلِ اللَّه. قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ . قال: فعَنْ معادنِ العرب تسألوني؟ قالوا: نعم! قال: فخياركُم في الجاهلية خياركُم في الإسلام إذا فَقِهُوا] (٣). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحْمُ جَهَنَّمَ، أوْ ليكونُنَّ أهونَ على اللَّه من الجُعَلِ الذي يُدَهْدِهُ الخِراءَ بأنْفِه. إنَ اللَّه أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية وفَخْرَها

стр. 4529

بالآباء. إنما هو مؤمنٌ تقيٌّ، أو فاجِرٌ شقيٌّ. الناس كلُّهم بنو آدمَ، وآدمُ خُلِقَ من التراب] (١). وفي لفظ: [مؤمن تقي، وفاجر شقيّ. والناس بنو آدم، وآدم من تراب]. الحديث الرابع: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر: [أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة. فقال: "يا أيها الناس، إن اللَّه قد أذهب عنكم عُبيَّةَ الجاهلية وتعاظُمها بآبائِها، فالناس رجلان: رَجُلٌ بَرٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّه، وفاجر شقِيٌّ هَيِّنٌ على اللَّه. والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من التراب، قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ "] (٢). وله شاهد عند أبي نعيم في "الحلية" (٣/ ١٠٠) عن جابر قال: [خَطبنا رسول اللَّه في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس! إنَّ ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمى، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمرَ إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ألا هل بلّغتُ؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: فيبلغ الشاهد الغائبَ]. الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: [الحَسَبُ: المالُ. والكرمُ: التقوى] (٣). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. أي عليم بشؤون عباده وبأتقاهم وأكرمهم عنده، خبير بأمورهم وجميع مصالحهم، لا تخفى عليه خافية. ١٤ - ١٨. قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 4530

صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. في هذه الآيات: التمييز بين الإسلام والإيمان، فالمؤمنون هم الذين صدقوا اللَّه اليقين، وبرهنوا على صدقهم بالجهاد بالأموال والأنفس لحفظ وحراسة الدين، واللَّه تعالى له المَنُّ بالهداية على عباده المؤمنين، وهو المتفرد بعلم الغيب والبصير بأعمال العاملين. فقوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. إنكار على الأعراب ادّعاءهم مقام الإيمان أَوَّل ما دخلوا الإسلام. فإن الإيمان أخصّ من الإسلام -كما هو مذهب أهل السنة والجماعة-. وحقيقة الإيمان الإقرار بالقلب والتصديق بالعمل، وأما الإسلام فقبول ما أتى به النبي ﷺ في الظاهر. وفي صحيح مسلم من حديث عمر -أن جبريل ﵇ حين طلع بصورة رجل-[قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؛ فقال رسول اللَّه ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ ، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له، يسأله ويصدّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيرِهِ وشرِّه. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فان لم تكن تراه، فإنه يراك] الحديث (١). فسأل جبريل ﵇ عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان مترقيًا من الأعم إلى الأخص ثم للأخصّ منه. وفي الصحيحين والمسند عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: [أعطى رسول اللَّه ﷺ رجالًا ولم يُعْطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول اللَّه، أعطيتَ فلانًا وفلانًا ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا، وهو مُؤْمنٌ؟ فقال النبي ﷺ : أو مُسْلِمٌ -حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: أو مسلمٌ- ثم قال النبي ﷺ : إني لأعطي رجالًا وأدع مَن هو أحبُّ إليَّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يكُبّوا في النار على وُجوههم] (٢). ففرّق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن، مما يؤكد أن الإيمان أخصّ من الإسلام. وهذا يدل مع الآية السابقة أن المقصود تأديب هؤلاء الأعراب الداخلين حديثًا في

стр. 4531

الإسلام لئلا يدّعوا مقام من سبقهم وصار في سجل أهل الإيمان، ولا دليل على أنهم كانوا منافقين كما ذهب البخاري وغيره. وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. قال ابن كثير: (قوم ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصُل لهم بعد، فَأُدِّبُوا وأُعْلِمُوا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لَعُنِّفُوا وفُضِحوا، كما ذُكِرَ المنافقون في سورة براءة). وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. قال مجاهد: "لَا يَلِتْكُم": لا ينقصكم). قال ابن زيد: (إن تصدقوا إيمانكم بأعمالكم يقبل ذلك منكم). والمقصود: إِنْ تخلصوا الطاعة للَّه ولرسوله لا ينقصكم ربكم من أجور طاعتكم شيئًا. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي من أطاعه وتاب إليه من سالف ذنوبه، فأنيبوا إليه أيها الأعراب، واستغفروا ذنوبكم، واسلكوا سبيل الإيمان بصدق تنلكم رحمته سبحانه. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. تعريف بحقيقة أهل الإيمان. قال القاسمي: (أي لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به من وحدانية اللَّه ونبوّة نبيّه، وألزموا نفوسهم طاعة اللَّه، وطاعة رسوله، والعمل بما وجب عليهم من فرائض اللَّه بغير شك في وجوب ذلك عليهم). وقوله: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: وأضافوا إلى ما سبق مجاهدة المشركين ببذل أموالهم ومهجهم في سبيل اللَّه، لتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. قال ابن زيد: (صدقوا إيمانهم بأعمالهم). والمقصود: هؤلاء هم المتصفون بهذه الأعمال: من أعمال القلب واللسان والجوارح هم الذين صدقوا في اذعاء الإيمان، لظهور أثر الصدق على جوارحهم، وتصديق أفعالهم وأقوالهم. وقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾. أي بما أنتم عليه من الطاعة والامتثال لمعالم الدين. قال ابن جرير: (هذا تقدم من اللَّه إلى هؤلاء الأعراب بالنهي عن أن يكذبوا ويقولوا غير الذي هم عليه في دينهم. يقول: اللَّه محيط بكل شيء عالم به، فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم، فينالكم عقوبته، فإنه لا يخفى عليه شيء).

стр. 4532

وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي: واللَّه الذي تعلّمونه أنكم مؤمنون هو علّام جميع ما في السماوات والأرض لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا يخفى عليه شيء، وهو بكل شيء عليم. وقوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾. المنّ: ذكر الأيادي تعريضًا للشكر، والمعنى: أيمُن عليك -يا محمد- هؤلاء الأعراب بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم؟ ! وقوله: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: قل لهم -يا محمد- لا تمنوا عليّ بإسلامكم، فإن المنّة للَّه عليكم بأن هداكم لطريق الإيمان، إن صح زعمكم أنكم مؤمنون. كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: [يا معشرَ الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم اللَّه بي؟ وكنتم متفرِّقين فألَّفَكم اللَّه بي، وكنتم عالة فأغناكم اللَّه بي؟ . قالوا: اللَّه ورسوله أمَنّ] (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. تَاْكيدٌ لعلمه المطلق بأحوال جميع مخلوقاته، وما غاب في أرجاء أرضه وسماواته، وبصره بأعمال عباده، فلا يخفى عليه شيء. تم تفسير سورة الحجرات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الخميس ٧ - رجب - ١٤٢٦ هـ الموافق ١١ - آب - ٢٠٠٥ م * * *

стр. 4533

دروس ونتائج وأحكام ١ - إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها سبعين خريفًا في النار. ٢ - إنّ اللَّه تعالى حَييٌّ ستير، يحب الحياء والسِّتر. ٣ - إياكم والظنّ، فإنَّ الظَّنَ أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا. ٤ - ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينْمي خيرًا أو يقول خيرًا. ٥ - إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمان، بما أقسطوا في الدنيا. ٦ - المسلمون كرجل واحد، إن اشتكى عينُه، اشتكى كُلُّه، وإن اشتكى رأسه، اشتكى كُلُّه. ٧ - ما مِنْ عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولكَ بِمثل. ٨ - الكبر بطرُ الحق وغمطُ الناس. وأكثر خطايا ابن آدم في لسانه. ٩ - لا قرب بالرحم إذا قطعت، وإن كانت قريبة، ولا بعد بها إذا وصلت، وإن كانت بعيدة. فاعرفوا أنسابكم، تصلوا أرحامكم. ١٠ - إن اللَّه لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقِهوا. ١١ - الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ١٢ - المؤمن يجاهد بسيفه وماله ونفسه ولسانه. والإيمان قول وعمل. والقول: قول اللسان وقول القلب. والعمل عمل اللسان والقلب والجوارح. * * *

стр. 4534

٥٠ - سورة ق وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٥). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد ورد في ذكر هذه السورة الكريمة وفضلها أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أُمِّ هشام بنتِ حارثةَ بنِ النعمانِ قالت: [لقد كان تَنُّورُنا وتنُّورُ رسول اللَّه ﷺ واحِدًا، سنتين أو سَنَةً وبعضَ سَنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول اللَّه ﷺ ، يقرؤها كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ على المِنْبَرِ، إذا خطَبَ الناس] (١). وفي لفظ: [ما حَفِظت "ق" إلا مِنْ فِي رسول اللَّه ﷺ يَخْطُبُ بها كل جُمُعَة]. الحديث الثاني: أخرج مالك وأحمد ومسلم عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه: [أنّ عمرَ بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان يَقْرَأُ به رسولُ اللَّه ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾] (٢). الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند، عن جابر بن

стр. 4535

سَمُرَةَ: [أنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. وكانت صلاتُه، بَعْدُ، تخفيفًا] (١). وهذه السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من الحجرات، والأول أرجح، وبه جاء النصّ الصحيح عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كما في الحديث الآتي. الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند يرقى للحسن عن عثمان بن عبد اللَّه بن أوس الثقفي عن جده أوس بن حذيفة قال: [كنت في الوفد الذين أتوا النبي ﷺ أسلموا من ثقيف من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا ولا نبرح حتى يحدثنا ويشتكي قريشًا ويشتكي أهل مكة، ثم يقول: لا سواء، كنا بمكة مستذلين ومستضعفين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال، الحرب علينا ولنا، فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا ما أمكثك عنا يا رسول اللَّه؟ قال: طرأ عَلَيَّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألنا أصحاب رسول اللَّه ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تُحَزِّبُون القرآن؟ قالوا: نحزّبُه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم] (٢). وبيانه "ثلاث سور": البقرة وآل عمران والنساء. "وخمس سور": المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة. "وسبع سور": يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحِجْر، والنحل. "وتسع سور": سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان. "وإحدى عشر: سورة": الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وألم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس. "وثلاث عشرة سورة": الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان،

стр. 4536

والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل ويبدأ بـ "ق" حتى نهاية المصحف. موضوع السورة القرآن هو الكتاب الجامع المجيد لقصة الإنسان والوعد والوعيد - منهاج السورة - ١ - وصْفُ القرآن بالمجيد، وتوبيخ المشركين في إنكارهم البعث والوعد والوعيد. ٢ - علم اللَّه تعالى بما تنقص الأرض من الأجساد في القبور، والكافرون غافلون ماضون في عتو ونفور. ٣ - تنبيه اللَّه تعالى على آياته البديعة في الخلق، وإنزال الماء والإحياء بعد الموت. ٤ - تهديدُ كفار قريش أن ينزل بهم مصير المكذبين، وتقريع لهم في إنكارهم البعث والحساب يوم الدين. ٥ - إعلامُ اللَّه عن خلقه الإنسان، وعلمه بوساوس نفسه، وقربه تعالى منه وكتابة الملكين. ٦ - إخبار اللَّه تعالى عن قصة النهاية: الموت، فالقبر، فالبعث، فالحساب. ٧ - إحضار القرين الموكل بالإنسان كتاب عمله معه إلى مشهد الحشر، وصدور أمر الجبار بإلقاء الكافر في النار، واختصام القرين من الجن مع صاحبه. ٨ - استعداد جهنم لاستقبال الكفار والفجار، واقتراب الجنة من أهلها الأبرار. ٩ - صدور الأمر من اللَّه بدخول المؤمنين الجنة بسلام، لهم فيها ما لذّ وطاب مما أعِدَّ لقوم كرام. ١٠ - تنبيه كفار قريش لمصير الأمم قبلهم، وخلق اللَّه السماوات والأرض في ستة أيام، وتوجيه النبي ﷺ للصبر والتسبيح والسجود والقيام. ١١ - تسلية النبي ﷺ عما يلقاه من التكذيب، بذكر مشهد البعث والحشر الرهيب. ١٢ - أمر اللَّه تعالى نبيَّه ﷺ بالتذكير بالقرآن، ففيه الذكرى من أراد النجاة من النيران.

стр. 4537

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٥. قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾. في هذه الآيات: ثناء اللَّه تعالى على القرآن بوصفه بالمجيد، وتوبيخ المشركين في إنكارهم المعاد وانغماسهم في الضلال البعيد، واللَّه تعالى يعلم ما تنقص الأرض من أجسادهم وعنده كتاب حفيظ. فقوله: ﴿ق﴾ - هو كأشباهه من الحروف التي ذكرت في أوائل السور. وقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. قال سعيد بن جبير: (الكريم). قال القرطبي: (﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي الرفيع القدر). وجواب القسم هو مضمون الكلام بعد القسم. قال ابن كثير: (وهو إثبات النبوّة، وإثباتُ المعاد، وتقريره وتحقيقُه). وقوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. أي: تعجبوا أن أرسل اللَّه إليهم بشرًا منهم من بني آدم، ولم يأتهم ملك برسالة من عند اللَّه، فقالوا هذا شيء عجيب. وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. تَعَجُّبٌ آخر من الكافرين من المعاد وبعث الأجساد. قال الضحاك: (قالوا: كيف يحيينا اللَّه، وقد صرنا عظامًا ورفاتًا، وضللنا في الأرض). قال النسفي: (﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ مستبعد مستنكر). وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: ما تأكل الأرض من

стр. 4538

لحومهم وأبشارهم وعظامهم وأشعارهم). وقال قتادة: (ما تأكل الأرض منهم إذا ماتوا). والمقصود: أنَّ اللَّه تعالى قد علم ما تأكل الأرض من لحومهم وعظامهم في قبورهم، وكيف تتفرق أبدانهم كل ساعة حتى يبعثهم. وقوله: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾. قال الضحاك: (ما أكلت الأرض منهم ونحن عالمون به، وهم عندي مع علمي فيهم في كتاب حفيظ). وقال أبو السعود: (أي حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، أو محفوظ من التغيّر). وفيه تأكيد لعلمه تعالى بدقائق الأشياء وثبوتها في اللوح المحفوظ عنده. وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾. أي: بل كذبوا بما هو أكبر من ذلك، النبوّة والقرآن العظيم المعجز. قال الزمخشري: (إضراب أتبع الإضراب الأول، للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق، الذي هو النبوّة الثابتة بالمعجزات، في أول وهلة من غير تفكّر ولا تدبّر. وكونه أفظع، للتصريح بالتكذيب من غير تدبر بعد التعجب منه). وقوله: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. قال ابن عباس: (المريج: الشيء المنكر). أو قال: (يقول: مختلف). وفي رواية: (هم في أمر ضلالة). وقال سعيد بن جبير: (ملتبس). وقال قتادة: (ملتبس عليه أمره). فالمعنى: فهم في أمر مختلف مضطرب ملتبس منكر عليهم خلاله ونعوته. ٦ - ١١. قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾. في هذه الآيات: تنبيهُ المشركين إلى آيات اللَّه البديعة الدالة على قدرته العجيبة، كخلق السماء والكواكب، ومَدّ الأرض وإرساء الجبال، وخلق الأزواج من النبات،

стр. 4539

وإنزال الماء المبارك وإنبات الجنات والحبّ والنخل الباسقات، وإحياء الأرض الميتة وكذلك الخروج للحشر بعد الممات. فقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾. أي: أفلم ينظر مكذبو البعث إلى السماء فوقهم كيف أُحكم بناؤها وُزينت بالكواكب والنجوم ومالها من صدوع ولا فتوق. قال مجاهد: (﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ يعني من شقوق). وقال غيره: (فُتوق). وقال غيره: (صُدوع). والمعنى متقارب. والآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾. أي: بسطناها ودحوناها. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، وهي الجبال. جعلها اللَّه ثوابت رست في الأرض لئلا تميد بأهلها وتضطرب. وقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. قال ابن زيد: (هو الحسن المنظر). والمقصود: وأنبت اللَّه في الأرض من كل صنف من أصناف النبات والزروع والثمار ما يسر الناظرين. وقوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. قال قتادة: (﴿تَبْصِرَةً﴾: نعمة من اللَّه يبصرها العباد ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي مقبل بقلبه إلى اللَّه). وقال مجاهد: (﴿تَبْصِرَةً﴾: بصيرة, ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال: مجيب). وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾. أي: وأنزل اللَّه من السماء مطرًا مباركًا فأنبت به سبحانه بساتين وحدائق والزرع المتصف بالحب المستفاد بادخاره. قال قتادة: (﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ هذا البرّ والشعير). وقال مجاهد: (الحنطة). قال القرطبي: (التقدير: وحبّ النبت الحصيد وهو كل ما يحصد. وقيل: كل حبِّ يُحْصَد ويُدّخر ويُقْتات). وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. باسقات: حال، والباسقات: الطوال. قال ابن عباس: (﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ قال: النخل الطوال, ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ يقول: بعضه على بعض). والمقصود: وأنبت اللَّه بالماء النخل طوالًا شاهقات ﴿لَهَا طَلْعٌ﴾ -وهو أول ما يخرج من ثمر النخل- متراكب قد نُضِّد بعضه على بعض في شكل بديع.

стр. 4540

وقوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَاد﴾. قال ابن جرير: (يقول: أنبتنا بهذا الماء الذي أنزلناه من السماء هذه الجنات، والحبّ والنخل قوتًا للعباد، بعضها غذاء، وبعضها فاكهة ومتاعًا). وقوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾. أي: وأحيينا بهذا الماء المبارك النازل من السماء بلدة قد أجدبت وقحطت، فهي هامدة لا زرع فيها ولا نبت. وقوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾. أي: كذلك كما أحيا اللَّه هذه الأرض الميتة فإنه يخرجكم من قبوركم أحياء بعد موتكم وفنائكم. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. وفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عبد اللَّه بن عمرو، قال رسول اللَّه ﷺ : [ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا -أي: أمال صفحة عنقه- وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه -أي: يصلحه ويطينه- فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل اللَّه تعالى مطرًا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون] (١). ١٢ - ١٥. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾. في هذه الآيات: تهديدُ اللَّه تعالى كفار قريش أن ينزل بهم ما نزل بأمثالهم من المكذبين، وتقريع لهم في إنكارهم المعاد والبعث للحساب يوم الدين.

стр. 4541

فقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. أي قبل كفار العرب الذين يكذبون محمدًا ﷺ . فعذبهم اللَّه تعالى بالغرق العام والطوفان الكبير. وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾. قال مجاهد: (﴿الرَّسِّ﴾: بئر). والمقصود: أصحاب البئر الذين ذكروا في سورة الفرقان وأهلكهم اللَّه بتكذيبهم. وقوله: ﴿وَثَمُودُ﴾. وهم قوم صالح، الذين عقروا الناقة واستكبروا فأهلكوا بالصيحة. وقوله: ﴿وَعَادٌ﴾. وهم قوم هود، أهلكوا -لما كذبوا- بالريح الصرصر العاتية. وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنُ﴾. أي: هو وقومه الذين دكهم اللَّه بالغرق في اليمّ. وقوله: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾. قال ابن كثير: (وهم أمته الذين بُعِثَ إليهم من أهل سَدُومَ ومعاملتها في الغور، وكيف خسف اللَّه تعالى بهم الأرضَ، وأحالَ أرضَهم بُحَيرةً منتنة خبيثةً، بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحقّ). وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾. وهم قوم شعيب ﵇. قال قتادة: (والأيكة: الشجر الملتف). وقوله: ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾. أهل أوثان كانوا يعبدونها باليمن، وقد مضى تفصيل خبرهم في سورة الدخان. وقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾. قال النسفي: (أي كل واحد منهم ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ لأنَّ من كذّب رسولًا واحدًا فقد كذبّ جميعهم ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ فوجب وحلّ وعيدي، وفيه تسلية لرسول اللَّه ﷺ وتهديد لهم). وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾. تقريع لمشركي قريش إذ قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لم يعينا الخلق الأول). وقال مجاهد: (أفعيي علينا حين أنشأناكم خلقًا جديدًا فتمتروا بالبعث). والمقصود: أَفَأَعْجَزنا ابتداء الخلق حتى أنتم تشكون في قدرتنا على الإعادة، والإعادة أسهل عادة من المرة الأولى. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].

стр. 4542

٢ - وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [قال اللَّه تعالى: يَشْتِمُني ابنُ آدمَ، وما ينبغي له أن يَشْتِمني، ويكذِّبُني وما ينبغي له. أما شتمُه فقوله: إنّ لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني] (١). وفي لفظ: [وليس أوَّلُ الخلق بأهون عليّ من إعادته]. وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: في شك من البعث). ١٦ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: إعلامُ اللَّه تعالى عن خلقه الإنسان وعلمه بوساوس نفسه، وقربه تعالى منه، وكتابة الملكين دقائق قوله وعمله. وإخبار منه تعالى عن قصة النهاية ابتداءً بسكرة الموت، ثم النفخ في الصور للقيام من القبر، ثم مجيء كل نفس يسوقها الملك إلى أرض المحشر لبدء الحساب. فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. إخبار عن كمال إحاطته تعالى بأحوال الإنسان وتقلبات نفسه. قال ابن جرير: (يقول: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما تحدِّثُ به نفسه فلا يخفى علينا سرائره وضمائر قلبه). ولكنه من حلمه سبحانه وكرمه فإنه قد تجاوز عن حديث العبد نفسه ما لم يقل أو يعمل.

стр. 4543

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه تجاوزَ عن أمتي ما حَدَّثت به أنْفُسُها ما لم تَعْمل أو تتكلّم] (١). وفي لفظ: [إن اللَّه تجاوز لأمتي عما وسْوَسَتْ -أو حدَّثتْ- به أنْفُسَها ما لم تعْمل به أو تَكَلَّم]. قال قتادة: (إذا طلّق في نفسه فليس بشيء). وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. قال ابن كثير: (يعني ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حبل وريده إليه). والوريد: حبل العاتق الممتد من ناحية الحلق إلى العاتق، وهما وريدان عن يمين وشمال. وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال مجاهد: (﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ ملكان يتلقيان عملك: أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك). قال الحسن: (حتى إذا متّ طُوِيت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] عَدَلَ واللَّه عليك من جعلك حسيبَ نفسك). قال النسفي: (التلقي: التلقن بالحفظ والكتابة، والقعيد: المقاعد، كالجليس بمعنى المجالس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه). والمقصود: يقول جل ذكره -ونحن أقرب إلى الإنسان من وريد حلقه حين يتلقى الملكان الحفيظان ما يتلفظ به فيجعلانه في صحيفة أعماله-. وفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إنّ صاحِبَ الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندمَ واستغفر اللَّه منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة] (٢).

стр. 4544

وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال ابن عباس: (يكتب كُلَّ ما تَكَلَّم به من خير أو شرٍّ، حتى إنه ليكتُب قوله: أكلتُ، شرِبتُ، ذهبتُ، جِئتُ، رأيتُ، حتى إذا كان يوم الخميس عُرِض قولهُ وعمله، فأقِرَّ منه ما كان فيه من خيرٍ أو شرٍّ، وأُلقي سائره). وفي "الرقيب" ثلاثة أقوال: ١ - المتبع للأمور. ٢ - الحافظ - قاله السدّي. ٣ - الشاهد - قاله الضحاك. وفي "العتيد" قولان: أ - الحاضر الذي لا يغيب. ب - الحافظ المُعَدُّ إما للحفظ وإما للشهادة. قلت: وكل هذه المعاني متقاربة، مفادها أن الإنسان ما يلفظ من قول إلا لديه ملك يرقب عمله ﴿عَتِيدٌ﴾ أي حاضر حافظ. وقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾. أي: غمرته وشدته. قال القرطبي: (فالإنسان ما دام حَيًّا تكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم يجيئه الموت وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان اللَّه تعالى وعده وأوعده). وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت: [إنَّ رسول اللَّه ﷺ كان بَيْنَ يديه رَكْوَةٌ -أو عُلْبَةٌ فيها ماء- فجعل يُدْخِلُ يدَهُ في الماء فَيَمْسَحُ بها وَجْهَهُ ويقول: "لا إله إلا اللَّه، إن للموت سَكرات". ثم نَصَبَ يَدَهُ فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى"، حتى قُبِضَ ومالَتْ يَدُه] (١). وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. قال ابن جرير: (هذه السكرة التي جاءتك أيها الإنسان بالحق هو الشيء الذي كنت تهرب منه، وعنه تروغ). و﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ لها وجهان من التأويل: ١ - ﴿مَا﴾ موصولة، أي ذلك الذي كنت منه تحيد، أي تبتعد وتهرب. ٢ - ﴿مَا﴾ نافية، والتقدير: ذلك ماهنت تقدر على الفرار منه ولا الحَيْد عنه.

стр. 4545

وكلا المعنيين حق. وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. أي: ونفخ في الصور نفخة البعث ليقوم الناس لرب العالمين، ذلك اليوم الذي وعده اللَّه الكفار أن يعذبهم وينتقم منهم فيه. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. قال ابن عباس: (السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه). وقال الضحاك. (السائق الملك، والشهيد العمل). وقيل: ملك يسوقُه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله. وفي صحيح مسلم عن أنس قال: [كنا عند رسول اللَّه ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون ممَّ أضحك؟ قال: قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربَّه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فيخْتَمُ على فيه، ويقال لأركانه انْطقُي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل] (١). أي أجادل وأدافع وأخاصم. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. أي: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عايَنْتَ اليوم أيها الإنسان من الأهوال والشدائد، فكشفنا عنك غطاءك فجلينا ذلك لك وأظهرناه لعينيك حتى رأيته وعاينته فزالت الغفلة عنك، فانت اليوم نافذ البصر تبصر بقوة كالحديد، فأنت اليوم في أرض المحشر وقد صار عالم الغيب ذلك أمامك عالم شهادة. قال ابن عباس: (﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ قال: الحياة بعد الموت). وقال قتادة: (عاين الآخرة). ٢٣ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ

стр. 4546

عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. في هذه الآيات: إحضار القرين الموكل بالإنسان كتاب عمله معه إلى مشهد الحشر، وصدور الأمر من الجبار بإلقاء الكافر في جهنم ذات الشرر، واختصام القرين من الجن مع صاحبه وكلاهما واقع تحت ذلك الأمر. فقوله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾. قال قتادة: (الملك). قال ابن زيد: (هذا سائقه الذي وُكِّلَ به). والراجح أنه الملك الموكل بعمل ابن آدم، فهو القرين الذي لا يفارقه إلا عند الموت، فيأتي يوم القيامة يشهد عليه بما عمل. وقوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. قال ابن جرير: (هذا الذي هو عندي معدّ محفوظ). والمقصود: يقول القرين: هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته وأحضرت معه ديوان عمله الذي هو عندي قد كتبت فيه عمله، فهو معدّ محفوظ. وقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. قال ابن كثير: (الظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عَرْصَةِ الحساب، فلما أدّى الشهيدُ عليه، أمرهما اللَّه تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير. ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، ﴿عَنِيدٍ﴾: معانِدٌ للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك). وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. قال قتادة: (هو الزكاة المفروضة). والراجح أن المعنى أعم من ذلك، فهو مناع للحقوق التي عليه من بِرٍّ وصلة وصدقة، لا يؤدي ما وجب عليه فيها. وقوله: ﴿مُعْتَدٍ﴾. قال قتادة: (فى منطقِه وسيرته وأمره). قلت: والاعتداء يشمل الظلم في اللسان والجوارح، فاللسان فيه البذاء والفحش، واليد فيها الإقتار والإسراف والسطوة، والرِّجْلُ فيها المشي في الباطل، إلى غير ذلك من أشكال الاعتداء. وقوله: ﴿مُرِيبٍ﴾. قال قتادة: (أي شاك). فهو شاك في أمره ودينه، مريب من نظر في أمره وحاله.

стр. 4547

وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. أي أشرك باللَّه فعبد معه غيره. وقوله: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. تأكيد للأمر الأول. أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يَخْرُجُ عُنُقٌ من النار يوم القيامة له عَيْنان تُبْصِران، وأُذُنان تَسْمعان، ولسانٌ ينطِقُ، يقول: إني وُكِّلْتُ بثلاثة: بكل جَبّارٍ عنيد، وبكل مَنْ دعا مع اللَّه إلهًا آخر، وبالمصوِّرين] (١). وقوله: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال ابن عباس: (قرينه شيطانه). وقال مجاهد: (الشيطان قُيّضَ به). وقال ابن زيد: (قال قرينه من الجن: ربنا ما أطغيته، تبرأ منه). والمقصود: يتبرأ شيطان الكافر يوم القيامة من أن يكون هو الذي أضلّه. وقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. قال النسفي: (أي ما أوقعته في الطغيان ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى). والآية تشبه الآية الأخرى في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فالشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر ويوسوس للعبد حتى يقع في الإثم ثم يتبرأ منه يوم القيامة. أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: مَنْ أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبسته التاج، فيخرج هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته فيقول: أوشك أن يتزوج. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقَّ والديه فيقول: يوشك أن يبرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك،

стр. 4548

فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُه التاج] (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال ابن عباس: (إنهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل اللَّه حجتهم، وردّ عليهم قولهم). وقال ابن زيد: (يقول: قد أمرتكم ونهيتكم، قال: هذا ابن آدم وقرينه من الجن). والمقصود: يردّ اللَّه اعتذار الإنسى وقرينه من الجن عن الكفر والطغيان -فلا يقبل من ذلك شيئًا- يقول: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج البينات والبراهين القاطعات، ومضى زمان التوبة والإنابة من الآثام والسيئات. وقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. قال مجاهد: (يعني قد قضيت ما أنا قاضٍ). وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. أي لا أعاقب إلا من استحق العقاب بذنبه وإصراره. ٣٠ - ٣٥. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾. في هذه الآيات: استعدادُ جهنم لاستقبال الكفار والفجار، واقتراب الجنة من أهلها الأبرار، وصدور الأمر بدخولهم الجنان بسلام، ولهم فيها ما يختارون من الملذات التي أعدت لقوم كرام. فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. إِخْبارٌ منه تعالى عن استقبال جهنم يوم القيامة لكل ما يُلقى فيها، وقد وعد تعالى بملئها وهي تقول: هل من مزيد. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بآفاق هذا المعنى. الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه -في كتاب التفسير عند هذه الآية- عن

стр. 4549

أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يُلقى في النار وتقول: هل مِنْ مَزيد، حتى يَضَعَ قَدَمَهُ فتقول: قَطْ قَطْ] (١). ورواه في كتاب التوحيد بلفظ: [لا يزال يُلقى فيها وتقول: هل مِن مَزيدٍ، حتى يَضَعَ فيها ربُّ العالمين قَدَمَهُ فينزوي بعضها إلى بعض، ثم تقول: قَدْ قدْ، بعِزَّتك وكرمِكَ، ولا تزال الجنة تَفْضُلُ حتى ينشِئَ اللَّه لها خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجنة] (٢). ولفط الترمذي: [لا تزال جهنم تقول: هَلْ مِن مزيدٍ، حتى يضعَ فيها ربُّ العِزَّةِ قَدَمَهُ فتقول: قَطْ، قط، وعِزَّتِكَ، ويُروي بَعْضُها إلى بعض]. الحديث الثاني: أخرج البخاري في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [تحاجَت الجَنَّةُ والنار، فقالت النارُ: أُوثِرتُ بالمتكبِّرين والمُتَجَبِّرِين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخُلني إلا ضُعفاء الناس وسقَطُهم؟ قال اللَّه ﵎ للجنة: أنتِ رحمتي أرْحَمُ بكِ مَنْ أشاءُ من عبادي، وقال للنار: إنما أنْتِ عذابٌ أُعذِّبُ بكِ مَنْ أشاءُ مِن عبادي، ولكل واحِدَةٍ منهما مِلْؤُها، فأمّا النار: فلا تَمْتَلِئُ حتى يَضَعَ رجْلَهُ فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ، فهنالِكَ تمتَلِئُ ويُزوى بَعْضُها إلى بَعْض، ولا يَظْلِمُ اللَّه مِنْ خلقِهِ أحدًا. وأما الجنة: فإن اللَّه يُنْشِئُ لها خَلْقًا] (٣). الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [احْتَجَّت الجنة والنارُ، فقالت النار: فيَّ الجبارون والمتكبِّرون. وقالت الجنة: فيَّ ضُعفاء الناس ومساكينهم. فقضى بينهما، فقال للجنة: إنما أنت رحمتي، أرحمُ بك مَنْ أشاء مِن عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤُها] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. قال قتادة: (يقول: وأدنيت). أي: قُرِّبت من المتقين يوم القيامة مكانًا غير بعيد، أو شيئًا غير بعيد، فكل آتٍ قريب.

стр. 4550

وقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. أي: هذا الثواب والإكرام إنما هو خاص لكل رجّاع إلى ذكر اللَّه، حافظ لحدوده، مُعَظِّم لدينه. قال ابن عباس: (﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ قال: لكل مُسَبِّح). وقال مجاهد: (الأواب: المسبّح). وقال الحكم بن عُتَيبة: (هو الذاكر اللَّه في الخلاء). وقال مجاهد في رواية: (الذي يذكر ذنوبه فيستغفر منها). وقال التيمي: (سألت ابن عباس عن الأوّاب الحفيظ قال: حفظ ذنوبه حتى رجع عنها). وقال قتادة: (﴿حَفِيظٍ﴾: حفيظ لما استودعه اللَّه من حقه ونعمته). قال ابن جرير: (هو حفيظ لكل ما قَرَّبَهُ إلى ربه من الفرائض والطاعات والذنوب التي سَلَفت منه للتوبة منها والاستغفار). وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. أي: من خاف اللَّه في سرّه في الدنيا حيث لا يراه أحد إلا اللَّه . وقوله: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾. قال قتادة: (أي منيب إلى ربه مقبل). قلت: وبين الخشية والإنابة صلة من النسب. فالإنابة أثر رفيع للخشية، وتعني الرجوع والإحسان. قال الحسن: (عملوا واللَّه بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا). وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -في السبعة الذين يظلهم اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله- قال رسول اللَّه ﷺ : [ورجلٌ ذكرَ اللَّه خاليًا ففاضت عيناه] (١). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [عَيْنان لا تَمَسُّهُما النار: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشية اللَّه، وعَيْنٌ باتت تحرس في سبيل اللَّه] (٢). ورواه الطبراني من حديث أنس بلفظ: [عَيْنان لا تَرَيان النارَ: عينٌ بَكَتْ وجَلًا من خشية اللَّه، وعينٌ باتت تكلأ في سبيل اللَّه]. وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾. يعني الجنة. قال قتادة: (سَلِمُوا من عذاب اللَّه ، وسَلَّم عليهم ملائكة اللَّه).

стр. 4551

وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. قال قتادة: (خلدوا واللَّه، فلا يموتون، وأقاموا فلا يظعنون، وَنَعِمُوا فلا يبأسون). وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [يُنادي مُنَادٍ: إنَّ لكم أن تَصِحُّوا فلا تَسْقَمُوا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أَبَدًا، وإنَّ لكم أن تَشِبُّوا فلا تَهْرموا أبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعموا فلا تَبْأسوا أبدًا] (١). وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾. أي: من ألوان الملذات وأصناف المسرّات، فمهما طلبوا وجدوا، ومهما خطر في بالهم أحضر بين أيديهم. وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [المؤمِنُ إذا اشتهى الولَدَ في الجنة، كان حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسنُّهُ في ساعةٍ كما يشتهي] (٢). وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. قال النسفي: (على ما يشتهون، والجمهور على أنه رؤية اللَّه تعالى). وقال القرطبي: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ مِنْ النعم مما لم يخطر على بالهم). ٣٦ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: تنبيه كفار قريش إلى مصير الأمم قبلهم ممن أسرف وكذّب، وإثبات اللَّه تعالى خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام دون تعب أو نصب. وتوجيهه تعالى نبيّه ﷺ إلى الصبر والتسبيح والسجود أطراف النهار وآناء الليل فهو خير له وأطيب.

стр. 4552

فقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وكثيرًا أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون هم أشد من قريش الذين كذبوا محمدًا). وقوله: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. قال ابن عباس: (أثَّروا فيها). وقال مجاهد: (ضربوا في الأرض). وقال قتادة: (فساروا في البلاد). أي ابتغاء الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها، والخطاب لقريش. وقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. أي: فهل كان لهم بتنقّبهم في البلاد وضربهم في أرجاء الأرض وجمعهم الأموال والمكاسب من معدل عن الموت، ومنجى من الهلاك، ومفرّ من قضاء اللَّه وقدره الذي حاق بهم نتيجة تكذيبهم الرسل؟ ! والمحيص مصدر حاص عنه يحيص حَيْصًا وحُيوصًا ومَحيصًا ومَحاصًا وحيصانًا، أي: عَدَلَ وحادَ. ويقال: ما عنه محيص أي مَحيد ومَهْرب. والمقصود: حاصرهم العذاب حين نزل بهم فما استطاعوا الحَيْص والمحيد والمهرب منه. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾. أي: إن فيما ذكر في هذه السورة من الحقائق والأخبار لتذكرة وموعظة. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي: لبٌّ يعَي به. وقال مجاهد: (عَقْلٌ). أي عقل يتدبر به، وقيل: من كان له حياة ونفس مميزة. قلت: والأولى أن يقال ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: واع يفقه العبر، ويفهم آفاق موعظة هذا الوحي العظيم، فإن عمى القلب هو أشد العمى كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. قال قتادة: (﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي من هذه الأمة، يعني بذلك القلب: القلب الحي). وقال ابن زيد: (قلب يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب اللَّه بها من عصاه من الأمم). وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. أي أصغى إلى المواعظ وقلبه شاهد غير غافل ولا ساه. قال الضحاك: (العرب تقول: ألقى فلان سمعه: إذا استمع بأذنيه وهو شاهد، يقول غير غائب).

стр. 4553

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قال ابن عباس: (وما مسنا من نصب). وقال سفيان: (من سآمة). واللغوب: التعب والإعياء، والآية في تقرير المعاد وإثبات إحياء الموتى وبعثهم بطريق الأولى، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. قال النسفي: (أي على ما يقول اليهود ويأتون به من الكفر والتشبيه، أو على ما يقول المشركون في أمر البعث، فإن من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم). وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. قال ابن زيد: (قبل طلوع الشمس: الصبح، وقبل الغروب: العصر). أخرج البخاري في صحيحه عن جرير قال: [كنّا مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة -يعني البَدْرَ- فقال: إنكم سَتَرَون رَبَّكم كما تَرَوْنَ هذا القَمَر، لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا. ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾] (١). قال ابن كثير: (وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء، ثنتان قبل طلوع الشمس في وقت الفجر وقبل الغروب في وقت العصر، وقيامُ الليل كان واجبًا على النبي ﷺ وعلى أمته حَوْلًا، ثُمَّ نُسِخَ في حَقِّ الأمَّةِ وجوبُه. ثم بعد ذلك نسخَ اللَّه تعالى ذلك كُلَّه ليلةَ الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاةُ الصبحِ والعصر، فهما قبل طلوعِ الشمس وقبل الغروب). قلت: والمقصود تسلية اللَّه تعالى نبيّه ﷺ عما يلقاه من تكذيب المشركين، ليستعين باللَّه عليهم بالتسبيح في هذين الوقتين الكبيرين، فإنهما وقتان ينشغل عنهما كثير من الناس ويغفلون عن أهميتهما.

стр. 4554

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ فيه أقوال متكاملة: ١ - قال أبو الأحوص: (هو تسبيح اللَّه تعالى في الليل). ٢ - قال مجاهد: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: من الليل كله). أي صلاة الليل كله. ٣ - عن ابن عباس: (أنها ركعتا الفجر). ٤ - عن ابن زيد: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ قال: العتمة). يعني صلاة العشاء الآخرة. وفي التنزيل نحو ذلك، قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصاهت، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ تَعَارَّ من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه وحْدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد اللَّه وسبحان اللَّه، ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دَعا استُجيبَ، فإنْ توضأ وصَلّى قُبِلت صَلاتُه] (١). وقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال ابن عباس: (هو التسبيح بعد الصلاة). وقيل: (هما الركعتان بعد المغرب). روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وأبي هريرة وأبي أمامة، وأثر ذلك عن مجاهد وقتادة. ولا مانع من اجتماع القولين. وفي الصحيحين عن وَرَّاد مولى المغيرة بن شُعبة قال: كتب المغيرةُ إلى معاوية بن أبي سفيان: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يقول في دُبر كل صلاة إذا سَلَّمَ: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانِعَ لما أعطيتَ، ولا مُعْطي لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ] (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: [جاء فُقراء المهاجرين فقالوا: يا رسول اللَّه ذَهب أهل الدُّثور بالدرجات العُلَا والنَّعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يُصَلّون كما نُصَلّي، ويصومون كما نصومُ، ويتصدَّقون ولا نتصَدَّق،

стр. 4555

ويُعتقِون ولا نُعتِق! قال: أفلا أُعَلِّمُكُم شيئًا إذا فعلتموه سَبَقْتُم مَنْ بعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَنْ فَعَلَ مثل ما فعلتم؟ تُسَبِّحُون وتحمدون وتكبرون دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين. قال: فقالوا: يا رسولَ اللَّه، سمِعَ إخوانُنا أهلُ الأموالِ بما فعلنا، ففعلوا مثله. قال: ذلك فضلُ اللَّه يؤتيه من يشاء] (١). ٤١ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾. في هذه الآيات: تسليةُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه بذكر ساعة البعث من القبور لمشهد الحشر، ثم القيام بين يدي الجبار لفصل الأمر. وأمره تعالى له بالتذكير بالقرآن ففيه الذكرى من أراد خير المستقر. فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال كعب: (ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، إن اللَّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء). وقال قتادة: (كنا نحدّث أنه ينادى من بيت المقدس من الصخرة وهي أوسط الأرض). قلت: والأَوْلى عدم تحديد المكان الذي ينادى منه ما دام لم يقم دليل قوي للاحتجاج. فيكون المعنى كما قال ابن جرير: (واستمع يا محمد صيحة يوم القيامة يوم ينادي بها منادينا من موضع قريب). وقوله: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾. قال ابن كثير: (يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون). وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. أي: ذلك يوم خروج أهل القبور من قبورهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾. أي: هو الذي يحيي الأموات
следующие страницы →