← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

أفَأَخْبَرَكَ أنَّكَ تأتيه العام؟ قلتُ: لا، قال: فإنَّكَ آتيه ومُطَوِّفٌ به. قال الزُّهْري: قال عمر: فَعَمِلْتُ لذلك أعمالًا. قال: فلمّا فرغ من قَضِيَّةِ الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: قُوموا فانْحَروا ثم احْلِقوا. قال: فواللَّه ما قام منهم رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مَرّات، فلمّا لم يَقُمْ منهم أحَدٌ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمَةَ فذكرَ لها ما لقِيَ من الناس فقالت أمّ سلمة: يا نبي اللَّه، أتحِبُّ ذلك؟ اخْرُجْ ثم لا تُكَلِّم أحَدًا منهم كَلِمةً، حتى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فخرج فلم يُكَلِّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجَعَل بعضهم يَحْلِقُ بَعْضًا حتى كادَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا. ثم جاءه نِسْوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرك، فتزوج إحداهُما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة. فجاءه أبو بصير رجل من قريش. . -] (١). وسيأتي تمام القصة عند تفسير الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ إن شاء اللَّه. ١١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ سلوك المنافقين وكَشْفُ كَذِبِ قلوبهم، وتَوَعُّد اللَّه من لا يؤمن به وبرسوله إنزال عذابه المؤلم بهم، فاللَّه تعالى هو الملك يغفر لمن يشاء

стр. 4482

ويعذب من يشاء وهو الغفور للمؤمنين الرحيم بهم. فقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾. قال مجاهد: (أعراب المدينة جهينة ومزينة، استتبعهم لخروجه إلى مكة، قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاؤوه، فقتلوا أصحابه فنقاتِلهم! فاعتلوا بالشغل) - وهو حسن مرسل. فلقد استنفر رسول اللَّه ﷺ أثناء خروجه الأعراب الضاربين حول المدينة كمزينة وجهينة ونحوهم من أهل البوادي للخروج معه، فاعتذروا إليه بهذه الطريقة الهزيلة التي سجَّلها القرآن في حقهم وعابها عليهم، إذ كان الدافع لذلك جبنًا وجدوه في صدورهم، لقد رأوا فيها عمرة محفوفة بالمخاطر. لقد ظنوا أن الفرار أجدى، وأن الاعتذار إلى النبي ﷺ سهل، فيما لو قُدِّر وعاد منتصرًا، ففضحهم اللَّه وذمَّهم في قرآن يُتلى. وقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: قل لهؤلاء الأعراب الذين يسألونك أن تستغفر لهم لِتَخَلُّفِهِم عنك: إن أنا استغفرت لكم أيها القوم، ثم أراد اللَّه هلاككم أو هلاك أموالكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعًا بتثميره أموالكم وإصلاحه لكم أهليكم، فمن ذا الذي يقدر على دفع ما أراد بكم من خير أو شر واللَّه لا يعازّه أحد، ولا يغالبه أحد). والقراءة المشهورة ﴿ضَرًّا﴾ بالفتح، وهي خلاف النفع، وهي قراءة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين، في حين قرأها بالضم ﴿ضَرًّا﴾ عامة قراء الكوفة، وهي بمعنى البؤس والسَّقم. وقوله: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تهديد ووعيد، أي: فيجازيكم عليه. وقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾. قال قتادة: (ظنوا بنبي اللَّه ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنه سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي اللَّه ﷺ ). قال القرطبي: (﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ﴾ أي النفاق. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وهذا التزيين من

стр. 4483

الشيطان، أو يخلق اللَّه ذلك في قلوبهم. ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أن اللَّه لا ينصر رسوله). وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾. قال مجاهد: (هالكين). وقال قتادة: (فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير). قلت: والبور في لغة العرب: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. وقوم بور: هَلْكى - حكاه الرازي والجوهري. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾. قال ابن كثير: (أي: من لم يُخلِص العمل في الظاهر والباطن للَّه فإنَّ اللَّه تعالى سَيُعَذِّبُهُ في السعير، وإن أظهرَ للناس ما يعتقدون خِلاف ما هو عليه في نفس الأمر). وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: وللَّه سلطان السماوات والأرض فهو الحاكم الملك المتصرف في شؤون ما خَلَق، فلا أحد يقدر على دفع أمره -معشر المنافقين- إن أراد تعذيبكم أو العفو عنكم. فبادروا بالتوبة من تَخَلُّفِكُم عن رسول اللَّه ﷺ فإن اللَّه يغفر للتائبين وهو الغفور الرحيم. ١٥ - ١٧. قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ اللَّه تعالى المنافقين في هَمِّهم جمع الغنائم رغم التكذيب بالحق والرسول الكريم، وتوجيه اللَّه رسوله لدعوتهم لاختبار قادم يُكْشَفُ فيه أهل الصدق من الكاذبين. وإعذار اللَّه الأعمى والأعرج والمريض ووعده المخبتين للَّه

стр. 4484

ورسوله جنات النعيم، والمعرضين المكذبين عذاب الجحيم. فقوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. أي: سيقول لك -يا محمد- المخلفون عن صحبتك إذا سرت معتمرًا، إذا انطلقت وأصحابك إلى ما أفاء اللَّه عليكم -مما وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر- ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾. قال ابن جرير: (إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها. . . يريدون أن يغيروا وعد اللَّه الذي وعد أهل الحديبية). قال مجاهد: (تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي ﷺ وأخذ قومًا ووجّه بهم قالوا ذَرُونا نتّبعكم فنقاتل معكم). وقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: من قل الرجوع من الحديبية ومن قبل سؤالكم الخروج إلى مغانم خيبر. قال قتادة: (أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب). قال ابن كثير: (أمر اللَّه تعالى رسوله ﷺ ألا يأذن لهم في ذلك معاقبةً لهم من جنس ذنبهم، فإن اللَّه تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يَشْرَكُهم غيرُهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غيرُ ذلك شرعًا وقدرًا). وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال ابن زيد: (أَنْ نُصيب معكم غنائم). وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال القرطبي: (يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا. وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلًا، وهو ترك القتال). وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. اختلف المفسرون في المقصود من قرأ في هذه الآية على أقوال: ١ - قال ابن عباس: (﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أهل فارس). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (فارس والروم). وعن كعب قال: (الروم). وعن مجاهد: (هم أهل الأوثان). ٢ - وقال عكرمة: (هوازن وثقيف). وقال قتادة: (هي هوازن وغطفان يوم حنين). وفي رواية قال: (فدُعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف، فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد).

стр. 4485

٣ - وعن الزهري، قال. (بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب). وفي رواية عنه قال: (لم يأت أولئك بعد). ٤ - وقال مجاهد: (هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعيّن فرقة) -واختاره ابن جرير- وهو الأقرب واللَّه تعالى أعلم. وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. قال ابن كثير: (يعني يُشرَعُ لكم جِهادهم وقتالُهم، فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يُسلمِون فيدخُلُون في دينكم بلا قتال بل باختيار). وقوله: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: فإن تخبتوا لأمر اللَّه وتنفروا للجهاد وقتال أعداء هذا الدين فلكم الأجر الجزيل بِعِزِّ الدنيا وسعادةِ الآخرة، وإن تتخلفوا كما فعلتم يوم المسير إلى مكة -زمن الحديبية- فإن عذاب اللَّه نازل بكم. وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾. قال قتادة: (عذر اللَّه أهل العذر من الناس). قال الضحاك: (يعني في القتال). وقال ابن زيد: (في الجهاد في سبيل اللَّه). أي. ليس على الأعمى ضيق ولا المريض ولا الأعرج في شهود الحرب للعلل بهم. قال المهايميّ: (﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: وإن أمكنه القتال بإحساس صوت مشي العدوّ، ومشي فرسه، لكن يصعب عليه حفظ نفسه عنه. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ أي: وإن أمكنه القتال قاعدًا، لكن لا يمكنه الكرّ والفرّ، ولا يقوى قوة القائم. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ أي: فإنه وإن أمكنه الإبصار والقيام، فلا قوة له في دفع العدوّ، فضلًا عن الغلبة عليه). وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال القاسمي: (أشار تعالى إلى أن هؤلاء، وإن فاتهم الجهاد لا ينقص ثوابهم إذا أطاعوا اللَّه ورسوله). يعني: الأعمى والأعرج والمريض. وعموم الآية يفيد أن من يطع اللَّه ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء اللَّه يدخله جنات النعيم، ومن يتخلف يعذبه بالخزي والمذلّة في الدنيا، ثم في الآخرة في عذاب الجحيم.

стр. 4486

١٨ - ١٩. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾. في هذه الآيات: لقد علم اللَّه في نفوس المؤمنين من أصحاب الشجرة صدق قلوبهم ونياتهم، وإخلاصهم في الوفاء بما ذهبوا إليه وتعاقدوا معك عليه يا محمد، فأمدّهم بتثبيت من عنده، وملأ قلوبهم صبرًا وطمأنينة، ثم أثابهم بصدق عزائمهم ونياتهم فتحًا في القريب العاجل، عوضهم به سبحانه مما رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها، فأنزل سبحانه فتحًا قريبًا أتحف به حياتهم وأظهر به شوكتهم وبسط به نفوذهم في الأرض، وسمعت بهم فيه ملوك الدنيا من فارس والروم، ألا وهو الإجهاز على يهود المكر في خيبر. أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر بن عبد اللَّه: [في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال جابر: بايعنا رسول اللَّه ﷺ على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت] (١). وعن قتادة: (﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الصبر والوقار). قال ابن جرير: (فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحُسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم اللَّه له). وقوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. أي: ثم أثابهم سبحانه بصدق عزائمهم ونياتهم، فتحًا قريبًا يفرحون به ويأنسون بآفاقه. قال قتادة: (بلغني أنها خيبر). قال ابن كثير: (﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: وهو ما أجرى اللَّه على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم. وما حصَلَ بذلك من الخير العام والمستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حَصَل لهم من العزِّ والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمً﴾).

стр. 4487

٢٠ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾. في هذه الآيات: وَعْدُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين المغانم الكثيرة عقب الحديبية، وكشف سنته تعالى في إذلال الكافرين وإلقاء الرعب في قلوبهم، وامتنانه تعالى على المؤمنين بصرف كيد المشركين عنهم ومكرهم. فعن مجاهد: (﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ قال: المغانم الكثيرة التي وعدوا: ما يأخذونها إلى اليوم). وقوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾. قال ابن عباس: (يعني صلح الحديبية). وقال مجاهد: (عجل لكم خيبر). وقال ابن زيد: (يوم خيبر). وقوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾. قيل: هم اليهود كفّ اللَّه أيديهم عن عيال الذين ساروا من المدينة مع رسول اللَّه ﷺ إلى مكة. قال قتادة: (كفَّ أيدي الناس عن عيالهم بالمدينة). وقال في رواية: (عن بيوتهم، وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا إلى الحديبية وإلى خيبر، وكانت خيبر في ذلك الوجه). قال ابن كثير: (﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم يَنَلْكُم سوءٌ مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كفَّ أيديَ الناس الذين خلفتموهم وراء أَظْهُركم عن عيالِكم وحريمكم). وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جرير: (وليكون كفه تعالى ذكره أيديهم عن عيالهم آية وعبرة للمؤمنين به، فيعلموا أن اللَّه هو المتولي حياطتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم، ويتقوا اللَّه في أنفسهم وأموالهم وأهليهم بالحفظ وحُسن الولاية ما كانوا مقيمين على طاعته منتهين إلى أمره ونهيه). وقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي طريقًا قويمًا لا اعوجاج فيه، مبناه على

стр. 4488

الثقة باللَّه الذي يحفظكم ويختار لكم ما فيه مصلحة دنياكم وآخرتكم، وإن كرهتموه في الظاهر فإنه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾. أي: ونصر آخر وفتح جديد وغنيمة أخرى لم تكونوا تقدرون عليها، ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ بأن أعدّها لكم وحفظها لوقتها فهو على كل شيء قدير. قال القرطبي: (ومعنى: ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: أي أعدّها لكم، فهي كالشيء الذي قد أحيط به من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: ﴿أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ على أنها ستكون لكم، كما قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقيل: حفظها اللَّه عليكم، ليكون فتحها لكم). وقد اختلف في تحديد هذه الغنيمة على أقوال: قال ابن عباس: (فارس والروم). وقال مجاهد: (ما فتحوا حتى اليوم). وفي رواية: (هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة). وقال قتادة: (كنا نحدث أنها مكة) -واختاره ابن جرير- واللَّه تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. بشرى من اللَّه سبحانه لعباده المؤمنين، بأنهم أصبحوا في حالة شوكة وتمكين، فلو قاتلكم بعد هذا الفتح والنصر المعجل الكفار لولوكم أعجازهم في الحرب مدبرين، فعل المنهزم الذليل، ثم لا يجدون من يواليهم على حربكم وينصرهم عليكم. وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. أي: هذه سنّته تعالى التي مضت في الفريقين: أهل الإيمان وأهل الكفر، فإنه ما تقابل الكفر والإيمان في مشهد إلا زلزل اللَّه الكافرين ونصر المؤمنين، كما كان ذلك يوم بدر حين رضي سبحانه عن فئة الإيمان المستضعفين، فَسَلّطهم على رقاب المشركين، وأعلى بهم راية الحق والدين. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾. امتنان من اللَّه سبحانه على النبي ﷺ والصحابة رضوان اللَّه عليهم أن صرف أيدي المشركين وغدرهم وأذاهم عنهم فلم ينالوا منهم، وكذلك صرف أيدي المؤمنين عن

стр. 4489

المشركين عند المسجد الحرام فلم يحصل قتال، بل صان الفريقين لما فيه خير المسلمين وجميل عاقبتهم. وقد جاء في أسباب نزول هذه الآيات أحاديث كثيرة: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس قال: [لما كان يوم الحديبية هبط على رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة بالسلاح، من قِبَل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول اللَّه ﷺ ، فدعا عليهم فأخذوا. قال عفان: فعفا عنهم ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾] (١). فقد تخلل كتابة العقد -يوم الحديبية- بعض الغدر من قريش وبعض الطيش من شبابها، إلا أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم تمكنوا من الإحاطة بهم بسرعة، وأحضروهم بين يدي رسول اللَّه ﷺ أذلاء صاغرين، فهؤلاء كانوا ثمانين رجلًا أرادوا أخذ معسكر المسلمين غرّة، فَأُسروا وجيء بهم إلى رسول اللَّه ﷺ فعفا عنهم وأذن بإطلاقهم. ثم خرج هجوم آخر مفاجئ من ثلة من شباب قريش أثناء الحوار الذي دار بين رسول اللَّه ﷺ وسهيل بن عمرو، فما رأى المسلمون إلا وثلاثون شابًا يَنْقَضُون عليهم بأسلحتهم، فحرك النبي ﷺ شفتيه بدعاء سريع إلى اللَّه، فأخذ اللَّه بأسماعهم، ووثب الصحابة فأسروهم، وتفصيل ذلك في الحديث الآتي: الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن مغفل المزني ﵁ قال: [كنا مع رسول اللَّه ﷺ في أصل الشجرة التي قال اللَّه تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول اللَّه ﷺ وعلي بن أبي طالب ﵁، وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول اللَّه ﷺ لعلي ﵁: اكتب باسم اللَّه الرحمن الرحيم، فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال: اكتب باسمك اللهم -وكتب- هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه أهل مكة. فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللَّه. قال: فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح، فثاروا في

стр. 4490

وجوهنا، فدعا عليهم رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ اللَّه تعالى بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم. فقال رسول اللَّه ﷺ : هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟ فقالوا: لا، فخلّى سبيلهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾] (١). ثم حصل غدر ثالث من المشركين بعد إبرام الصلح وقد اختلط المسلمون بالمشركين وجلسوا معًا تحت الشجر في بطن الوادي. فعن قتادة قال: (ذكر لنا أن رجلًا يقال له ابن زنيم اطلع على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول اللَّه ﷺ خيلًا فأتوا باثني عشر من الكفار فقال لهم: هل لكم علي عهد؟ هل لكم عليّ ذمة؟ قالوا: لا، فأرسلهم، وأنزل اللَّه تعالى في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾). وهذا الذي ذكره قتادة يشهد له الحديث الآتي: الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن سلمة قال: [ثم إنَّ المشركين راسلونا الصلح حتى مشى بعضنا في بعف، واصطلحنا. قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيد اللَّه أسقي فرسه، وأحُسُّهُ وأخدِمُهُ وآكل من طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجرًا إلى اللَّه ورسوله ﷺ . قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرةً فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول اللَّه ﷺ ، فأبغضتُهُم فتحولت إلى شجرة أخرى وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي يا للمهاجرين! قُتِلَ ابن زُنَيم. قال: فاخترطت سيفي ثم شَدَدْتُ على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذتُ سلاحهم فجعلته ضِغثًا في يدي، قال: ثم قلت: والذي كرَّمَ وجْهَ محمد لا يَرْفَعُ أحد منكم رأسه إلا ضَرَبْتُ الذي فيه عيناه. قال: ثم جِئتُ بهم أسوقهم إلى رسول اللَّه ﷺ . قال: وجاء عمّي عامِرٌ برجل من العَبَلاتِ يُقال له مِكْرَزٌ يقوده إلى رسول اللَّه ﷺ على فرس مُجَفَّفٍ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول اللَّه ﷺ فقال: دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثناه، فعفا عنهم رسول اللَّه ﷺ وأنزل اللَّه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية] (٢).

стр. 4491

ويبدو أن هذه الآية من سورة الفتح قد نزلت في هذه الحوادث جميعها، ومن ثمَّ فلا مانع من تعدد أسبابها، كما لم يكن عند طغاة مكة مانع من تكرار الغدر مرة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان اللَّه يذيقهم الذل والخزي والصغار. الحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن المسور ومروان قالا: [. . ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجلٌ من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحُليفة فنزلوا يأكلون من تَمْرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سَيْفَكَ هذا يا فلانُ جيدًا، فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل واللَّه إنه لجيّد، لقد جَرَّبْتُ به ثم جَرَّبْتُ. فقال أبو بصير: أرني أنظرْ إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعْدو، فقال رسول اللَّه ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذُعْرًا، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قُتِل واللَّه صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي اللَّه قد واللَّه أوفى اللَّه ذِمَّتَكَ، قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم. قال النبي ﷺ : وَيْلُ أمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد. فلما سمع ذلك عرف أنه سيَرُدُّه إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر. قال: ويَنْفَلِتُ منهم أبو جندل بنُ سُهَيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجلٌ قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللَّه ما يسمعون بِعيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبي ﷺ تُناشِدُه باللَّه والرَّحم لَمَّا أَرْسَلَ، فَمَنْ أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وكانت حميّتُهم أنهم لم يقروا أنه نبيّ اللَّه ولم يقروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وحالوا بَيْنَهم وبين البيت] (١). ٢٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ

стр. 4492

كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾. في هذه الآيات: إثبات كفر طغاة مكة الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام بقصد العمرة وقد ساقوا الهدي، وإثبات أن الجهاد لا يكون إلا عند تميّز الصفوف، فقد منع اللَّه نبيّه ﷺ من دخول مكة عنوة دخول الفاتحين، لوجود مؤمنين مستضعفين، الأمر الذي قد ينالهم به الأذى لو فعلوا ذلك. وامتنان اللَّه تعالى على رسوله وعلى المؤمنين إنزاله السكينة على قلوبهم، وحمايتهم بكلمة التقوى وهو أعلم بأحوالهم وما يصلح أمرهم. فعن قتادة: (﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾. أي: محبوسًا). وقوله: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي وكان سبعين بدنة عن وصوله إلى محلّه ليذبح ويطعم منه فقراء مكة. قال النسفي: (﴿مَحِلَّهُ﴾ مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب، وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم، والمراد المحل المعهود وهو منى). وقال الشافعي: (الحرم). قلت: ولا شك أن مكة كلها منحر، وفجاجها منحر، ولكن اللَّه بفضله جعل ذلك الموضع -حين أحصر نبيّه والمؤمنون- محلًا. وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللَّه قال: [نَحَرْنا مع رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية البَدَنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال: [اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة، كُلُّ سَبْعَةٍ في بَدَنَةٍ، فقال رجل لجابرٍ: أَيُشْتَرَكُ في البَدَنَةِ ما يُشْتَرَكُ في الجَزُور؟ قال: ما هي إلا مِنَ البُدن]. قال: وحضر جابر الحديبية قال: [نَحَرْنا يومئذ سَبْعين بَدَنَةً، اشتركْنا كُلُّ سَبْعةِ في بَدَنَةٍ] (٢).

стр. 4493

وفي صحيح البخاري عن المِسْور ﵁: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ نَحَر قبل أن يَحْلِقَ وأمر أصحابه بذلك] (١). وفيه عن كَعْب بن عُجْرَةَ قال: [وقف عليَّ رسولُ اللَّه ﷺ بالحديبية ورأسي يَتَهافَتُ قَمْلًا، فقال: يُوْذيكَ هَوَامُّكَ؟ قلتُ: نَعَمْ، قال: فاحلِقْ رأسَكَ. قال: فِيَّ نَزَلتْ هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى آخرها. فقال النبي ﷺ : صُمْ ثلاثةَ أيام، أو تَصَدَّق بِفرَقٍ بَيْن سِتَّةٍ، أو نُسُكٍ مما تَيَسَّر] (٢). وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال قتادة: (فكان بها رجال مؤمنون ونساء مؤمنات، فكره اللَّه أن يُؤذَوا أو يوطَؤُوا بغير علم، فتصيبكم منهم معرة بغير علم). وفي قوله: ﴿مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قال ابن زيد: (إثم بغير علم). وقال ابن إسحاق: (والمعرّة: هي المفعلة من العُرّ، وهو الجرب، وإنما المعنى: فتصيبكم من قِبَلهم معرة تعرُّون بها، يلزمكم من أجلها كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة، من أطاق ذلك، ومن لم يطق فصيام شهرين). فكان من الحكمة والحال هذه ألا يدخل المسلمون مكة عنوة، لئلا يقع مسلموها المستضعفون في الضيق والأذى بسبب محاولة قريش استخدامهم دريئة تنتقم من المسلمين بهم، وتنزل نقمتها وحقدها عليهم. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولولا رجال من أهل الإيمان ونساء منهم أيها المؤمنون باللَّه أن تطؤوهم بخيلكم ورجلكم لم تعلموهم بمكة، وقد حبسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون من أجل ذلك الخروج إليكم فتقتلوهم). قلت: ومن هنا ندرك حجم المصيبة التي تنزل ببعض الأقليات المسلمة المبعثرة في أرجاء المعمورة والتي أسلمت يومًا بفضل اللَّه نتيجة للفتوحات الإسلامية التي طالت تلك البلاد عبر التاريخ، وذلك عندما تحاول تلك المجموعات الاستقلال عن حكومات تلك البلاد باللجوء إلى العنف والقتال، وهي تعيش متفرقة داخل تلك

стр. 4494

البلاد، فينالها عند ذلك من الشر والتشريد ما لا يعلمه إلا اللَّه، وكان أولى بهؤلاء وأمثالهم، أن يصبروا على بناء جماعة الحق في واقعهم، ويصقلوا هذا البناء بالصدق واليقين والعمل الصالح والصبر على منهاج النبوة في التغيير، حتى يأذن اللَّه لهم بحال فيه نصرهم متى رضي عن دينهم وامتثالهم، أو يأذن لهم بالهجرة إلى حيث يعز فيه سبحانه أهل العزائم من الطائفة المنصورة، وأما عند الفوضى واختلاط الصفوف فلا يوجد جهاد حتى تتضح راية الحق وتتميز من راية الباطل. وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: ليدخل اللَّه في الإسلام من أهل مكة من يشاء قبل أن تدخلوها. وقوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾. قال القُتبي: (أي تميّزوا). وقال الكلبي: (لو تفرّقوا). وقال الضحاك: (لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف). وقوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: لو تميز مشركو مكة من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين لم تعلموهم، لَسَلَّطَ اللَّه المؤمنين على المشركين بالقتل أو الأسر أو نوع آخر من العذاب الآجل. وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. الحمية: فعِيلة، وهي الأنَفَة. قِال الزُّهْري: (حَمِيَّتُهم أنفتهم من الإقرار للنبي ﷺ بالرسالة والاستفتاح بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ومنعهم من دخول مكة). وقال ابن بحر: (حمِيّتُهم عصبيّتُهم لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه تعالى، والأنفة من أن يعبدوا غيرها). وقيل: (﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ إنهم قالوا: قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا في منازلنا، واللات والعزى لا يدخلونها أبدًا) - ذكره القرطبي. وقد مضى في حديث البخاري عن المسور ومروان قالا: [وكانت حميّتهم أنهم لم يقروا أنه نبيُّ اللَّه، ولم يقروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وحالوا بينهم وبين البيت] (١).

стр. 4495

قلت: وكل ما سبق ذكره داخل في مفهوم الحمية ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ التي تمسك بها المشركون واستندوا إليها. وقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: فأنزل اللَّه الصبر والطمأنينة والوقار على رسوله ﷺ وعلى المؤمنين حين أظهر الكفار حمية الجاهلية. وقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾. قال ابن عباس: (شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فهي كلمة التقوى. يقول: فهي رأس التقوى). وقال عطاء الخراساني: (لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه). وعن مجاهد: (﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال الإخلاص). وفي رواية: (كلمة الإخلاص). وقال سعيد بن جبير: (﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: لا إله إلا اللَّه، والجهاد في سبيله). وعن عروة، عن المسور قال: (لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له). وقيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قلت: ويجمع هذه الأقوال (شهادة أن لا إله إلا اللَّه) فإن إقامة هذه الشهادة بلوازمها وشروطها يجمع منهاج التقوى. وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، عن النبي ﷺ : [﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ قال: (لا إله إلا اللَّه)] (١). وقوله: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾. قال قتادة: (وكان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها: أي التوحيد وشهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله). وقال أبو السعود: (﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ أي: متصفين بمزيد استحقاق لها). وقال القاسمي: ﴿وَأَهْلَهَ﴾ أي: المستأهل لها). وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. أي: يعلم حق كل شيء، فيسوقه إلى مستحقه. فهو يعلم المستحق للخير من المستحق للشر. ٢٧ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا

стр. 4496

فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: تأكيدُ اللَّه تعالى لرسوله بالرؤيا دخول المسجد الحرام مع أصحابه آمنين محلقين ومقصرين. ووعده تعالى رسوله الذي أرسله بالهدى والدين الحق الظهور التام على الكافرين. فقوله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. قال قتادة: (أُري في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام، وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين). فقد كان رسول اللَّه ﷺ أُري في منامه أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر بذلك أصحابه وهو بالمدينة، فلما خرجوا عام الحديبية ظنوا تحقق الرؤيا هذا العام، فلما ظهر من الأمر ما ظهر وكان الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء. ففي صحيح البخاري من حديث المسور ومروان: [قال عمر ﵁: فأتيت نبيَّ اللَّه ﷺ فقلت: ألستَ نبيَّ اللَّه حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلِمَ نُعطي الدنيّة في ديننا إذن؟ قال: إني رسول اللَّه، ولستُ أعصيه، وهو ناصري. قلت: أولستَ كنت تُحَدِّثنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنّا نأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومُطَّوِفٌ به] (١). فجاءت الآية لتحقيق الخبر وتوكيده: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾. أي: آمنين حال دخولكم، ثم تحلقون أو تقصرون حال إتمام مناسككم. فإنه ما إنْ هَلَّ هلال ذي القعدة، وهو الشهر الذي صدّ فيه المشركون المسلمين عن المسجد الحرام، إلا تهيأ النبي ﷺ للخروج إلى مكة لقضاء العمرة، ووافق ذلك السنة السابعة للهجرة.

стр. 4497

قال ابن القيم في "زاد المعاد": (قال سليمان التَّيمي: لما رجع رسول اللَّه ﷺ مِنْ خَيبر، بعث السرايا، وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة، ثم نادى في الناس بالخروج) (١). وقال الحاكم: (أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم، وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين، فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان) (٢). قال ابن هشام: (واستعمل على المدينة عُويف بن الأضبط الديلي). ثم خرج رسول اللَّه ﷺ في أصحابه وساق ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وما إن بلغَ ذا الحليفة إلا أحرم للعمرة ولبّى، فلبى المسلمون معه، وكانوا قد خرجوا بسلاحهم خشية غدر قريش، فقد أمرهم رسول اللَّه ﷺ أن يكونوا مستعدين للطوارئ ومتهيئين لأسوأ الظروف والأحوال. قال موسى بن عقبة: (حتى إذا بلغ يأجُجَ (٣) وضع الأداة كُلَّها، الحَجَفَ والمِجَانَّ، والنَّبْلَ والرِّماح، ودخلوا بسلاح الراكب السيوف). وقد أراد بذلك رسول اللَّه ﷺ التزام العهد الذي كتبه مع قريش قبل عام. ففي صحيح الإمام البخاري عن البراء، قال: [لما اعتمر النبي ﷺ في ذي القَعْدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. . . فكتب: هذا ما قاضى محمدُ بنُ عبدِ اللَّه لا يُدْخِلُ مكةَ السلاح إلا السيف في القِرَاب، وأن لا يخرُجَ من أهلها بأحد إن أراد أن يتبَعَهُ. وأن لا يَمْنَعَ من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها] (٤). فأبقى المسلمون أسلحتهم غير السيوف خارج الحرم، وخلف عليها رسول اللَّه ﷺ أوس بن خولى الأنصاري في مئتي رجل، ومضى داخلًا على ناقته القصواء، وقد أحدقت به طائفة من المسلمين متوشحي السيوف وهم يلبون.

стр. 4498

يروي البخاري عن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: [لما اعتمر رسول اللَّه ﷺ سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول اللَّه ﷺ ] (١). ومضى الموكب الرهيب أمام أعين المشركين الذين جلسوا على جبل قعيقعان شمال الكعبة ينظرون إلى المسلمين، وكانوا قد أشاعوا في قومهم فقالوا: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه بالرَّمَل في الطواف لإظهار القوة. فقد أخرج الإمام البخاري عن ابن عباس قال: [قَدِمَ رسولُ اللَّه ﷺ وأصحابُه فقال المشركون: إنه يَقْدُم عليكم وَفْدٌ وَهَنَتْهُم حُمّى يثرب (وفي رواية لمسلم: ولقوا منها شدة)، وأمرهم النبي ﷺ أن يَرْمُلُوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين (وفي رواية مسلم: ليرى المشركون جَلَدهم)، ولم يَمْنَعْهُ أن يأمُرَهُم أن يَرْمُلوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم] (٢). وفي رواية: [لما قدم النبي ﷺ لعامِه الذي استأمن قال: ارْمُلُوا ليرى المشركون قوتهم، والمشركون من قِبَل قُعَيْقِعان]. ورواه الإمام أحمد بإسناد صحيح من حديث عبد اللَّه بن عباس: [أن قريشًا قالت: إنّ محمدًا وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ لعامه الذي اعتمر فيه قال لأصحابه: ارمُلُوا بالبيت ثلاثًا ليرى المشركون قوتكم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتهم] (٣). ثم أمر أصحابه فقال: اكشفوا عن المناكب واسْعَوا في الطواف، فامتثلوا الأمر بالاضطِباع، فكشفوا المناكب اليمنى وأبقوا طرف الرداء على اليسرى. ثم دخل مكة من قبل الثنية التي تطلعه على الحجون وهو يلبي، حتى استلم الركنَ بمِحجنِه ثم طاف وطاف المسلمون. وقد مضى يومئذ عبد اللَّه بن رواحة الأنصاري ﵁ بين يدي رسول اللَّه ﷺ متوشحًا بالسيف يرتجز بقوة وشجاعة، وينزل شعره الأصيل على قلوب المشركين كالسهام. قال موسى بن عقبة: (فوقف أهل مكة: الرجالُ والنساءُ والصبيانُ، ينظرون إلى

стр. 4499

رسول اللَّه ﷺ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد اللَّه بن رواحة بين يدي رسول اللَّه ﷺ يرتجز متوشحًا بالسيف يقول: خَلُّوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله في صُحُفٍ تُتلى على رسوله ... يا رب إني مؤمن بقِيله إني رأيت الحق في قَبوله ... اليوم نَضْرِبْكُمْ على تأويله ضَرْبًا يُزيل الهامَ عن مقيلِه ... ويُذْهل الخليل عن خليله قال: وتغيَّبَ رجال من المشركين كراهية أن ينظروا إلى رسول اللَّه ﷺ حَنَقًا وغيظًا، فأقام رسولُ اللَّه ﷺ بمكة ثلاثًا) (١). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أنَّ النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد اللَّه بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول: خلّوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضَرْبًا يزيل الهام عن مقيله ... ويُذهل الخليل عن خليله فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول اللَّه ﷺ وفي حرم اللَّه تقول الشعر؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : خَلِّ عنْه يا عُمَرُ فلهي أسْرَعُ فيهم من نضح النَّبْل] (٢). ومضى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه يرمل بهم حتى أتمّ ثلاثة أشواط من الطواف لها رهبة وهيبة، وحقق ما أراد من إظهار القوة حتى اكتأب المشركون، ثم تابع الأشواط ماشيًا. روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمّى قد وهنتهم؟ ! هؤلاء أجلدُ من كذا وكذا] (٣). ولما انتهى رسول اللَّه ﷺ من الطواف سعى بين الصفا والمروة، فكانت حركته ضمن موكب أصحابه تنزل على نفوس المشركين كوقع الحديد. يروي البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [إنما سعى النبي ﷺ بالبيت وبين الصفا والمروة لِيُريَ المشركين قوته] (٤).

стр. 4500

ولما فرغ من السعي قال وهو على المروة: هذا المنحر، وكل فجاج مكة وطرقها منحر، وكان قد وقف الهدي عند المروة فأمر بنحرها. يروي الإمام مالك في الموطأ، قال: [حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه أن رسول اللَّه ﷺ قال بمنى: هذا المنحر وكل منى منحر. وقال في العمرة: هذا المَنْحَرُ، يعني المروة، وكل فجاج مكة وطُرقها مَنْحَرٌ] (١). فنحر عند المروة، ثم حلق وقلّده بذلك المسلمون، ثم بعث ناسًا من أصحابه إلى يأجج ليقيموا على السلاح ويأتي الآخرون ليقيموا مناسكهم، ففعلوا. فلما مضى الأجل أرسلت قريش إلى عليّ أن قل لصاحبك أن أخرج فقد مضى الأجل. يروي البخاري عن البراء قال: [فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل] (٢). وكان عند دخوله ﷺ قد بعث جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث يخطبها إليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوجها العباس من رسول اللَّه ﷺ ، فلما طلبوا منه الخروج قال لهم -كما يروي ابن إسحاق وموسى بن عقبة-: (وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه. قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فأخرج عنا، فخرج رسول اللَّه ﷺ وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسَرِف) (٣). فخرج رسول اللَّه ﷺ بأصحابه وقد من اللَّه عليه بالعمرة وإظهار الشوكة، ولكن ما إن خرج إلا تبعته ابنة حمزة تناديه يا عم، فحملتها فاطمة، واختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها. أخرج ذلك الإمام البخاري عن البراء قال: [فخرج النبي ﷺ فتبعتْه ابنةُ حمزة تنادي: يا عمّ. فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنةُ عمي وخالتُها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم. وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشْبَهْتَ خَلْقي

стр. 4501

وخُلُقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا] (١). ثم خرج رسول اللَّه ﷺ ، وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بسرف، فبنى بها رسول اللَّه ﷺ هناك، ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة في ذي الحجة. وسميت هذه العمرة عمرة القضاء، لأن ذلك مشتق من المقاضاة وهي المصالحة التي كانت يوم الحديبية مع قريش. قال ابن القيم: (ومنها أنَّ المُحْصَرَ لا يجب عليه القضاءُ، لأنه ﷺ أمرهم بالحلق والنحر، ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، والعمرة من العام القابل لم تكن واجبة، ولا قضاء عن عُمرة الإحصار، فإنهم كانوا في عمرةِ الإحصار ألفًا وأربع مئة، وكانوا في عمرة القضية دون ذلك، وإنما سُمِّيت عمرةَ القضية والقضاء، لأنها العمرة التي قاضاهم عليها، فأُضيفت العُمرة إلى مصدر فعله) (٢). وتحقّق وعد اللَّه لنبيّه والمسلمين، كما أخبرهم قبل عام في القرآن النازل من سورة الفتح: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال ابن هشام: (يعني خيبر). وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه! فلما كانت الرابعة قال: والمقصرين] (٣). وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. قال ابن كثير: (أي: بالعم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تَشْتَمِلُ على شيئين: عِلْمٍ وعَمَلٍ، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعيّ مقبول، فإخباراتُها حقٌّ وإنشاءاتها عدلٌ). وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. أي: على جميع الأديان ومناهج أهل الأرض. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قال الحسن: (شهد على نفسه أنه سيظهر دينه). والتقدير: وكفاه اللَّه شهيدًا. و ﴿شَهِيدًا﴾ تمييز أو حال.

стр. 4502

قال القاسمي: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أن ما وعده من إظهار دينه على جميع الأديان أو الفتح أو المغانم كائن). ٢٩. قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾. في هذه الآية: إثبات الرسالة للنبي ﵊، ونَعْتُ أصحابه الغرّ الكرام، وذِكْرُ صفتهم في التوراة والإنجيل والقرآن، وَوَعْدُهُ تعالى عباده المؤمنين بالنصر والمغفرة والظهور على الطغاة اللئام. فقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾. إثبات للنبوة والرسالة بكلام جامع بديع. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. إخبار عن صفة أتباعه ﵊، فهم أولو بأس وشدة عند مجالدة الكافرين، وأولو رحمة ورأفة بين بعضهم بعضًا. قال قتادة: (﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ألقى اللَّه في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض). والآية كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. قال ابن كثير: (وهذه صفةُ المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا بَرًّا بالأخيار، غَضُوبًا عَبُوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]). وفي الصحيحين والمسند عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ترى المؤمنين في تراحُمهم وتوادّهم وتعاطُفهم كمَثَل الجَسَدِ إذا اشتكى عُضْوًا تداعى له سائر جسدِه بالسَّهر والحُمَّى] (١).

стр. 4503

وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: ["المؤمِنُ للمؤمِنِ كالبُنْيانِ يشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا"، وشبك بين أصابعه] (١). وقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾. قال قتادة: (يقول: تراهم ركعًا أحيانًا للَّه في صلاتهم سجدًا أحيانًا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضًا، فضلًا من اللَّه، وذلك رحمته إياهم بأن يتفضّل عليهم فيدخلهم جنته ﴿وَرِضْوَانًا﴾ يقول: وأن يرضى عنهم ربهم). فوصفهم اللَّه تعالى بكثرة العمل وكثرة الصلاة، التي هي عمود الدين، وخير موضوع. كما أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [الصلاةُ خيرُ موضوع، فمن استطاع أن يَستكثِرَ فَلْيَسْتكْثِر] (٢). كما وصفهم باحتساب ثواب الأعمال عند اللَّه، وأملهم بذلك الجنة وما فيها من الملذات والخيرات والرزق الوفير، ورضوان من اللَّه أكبر من كل شيء. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [إنَّ اللَّه يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لَبَّيْكَ ربَّنا وسَعْدَيْكَ والخيرُ في يَدَيْكَ، فيقول: هَلْ رضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعْطَيتنا ما لمْ تُعْطِ أحدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فيقول: [لا أُعْطيكم أَفْضَلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ، وأيُّ شَيْءٍ أفضلُ مِنْ ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسْخَطُ عليكم بعده أبدًا] (٣). وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾. فيه أقوال متقاربة متكاملة: ١ - قال ابن عباس: (صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة). وقال عطية: (مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضًا). وقال مقاتل: (النور يوم القيامة). وقال الحسن: (بياضًا في وجوههم يوم القيامة). ٢ - وقال مجاهد، عن ابن عباس: (أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام.

стр. 4504

وسَحْنته وسَمْته وخشوعه). وقال مجاهد: (الخشوع والتواضع). ٣ - وعن شمر عن عطية قال: (تهيّج في الوجه من سهر الليل). وقال سعيد بن جبير: (ثرى الأرض، وندى الطهور). وقال عكرمة: (هو أثر التواب). وقال السدي: (الصلاة تُحَسِّنُ وجوههم). وقال بعض السلف: (من كَثُرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار). وقال بعضهم: (إنَّ للحسنة نورًا في القلب، وضياءً من الوجه، وسَعَةً في الرزق، ومَحَبَّةً في قلوب الناس). والخلاصة: أنَّ لكثرة السجود علامة إشراق في الوجه، وقد تمَيّز الصحابة رضوان اللَّه عليهم بتلك السمة الباهرة لكثرة ما هم فيه من الصلاة وطول السجود والقيام. قال الإمام مالك: (بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: واللَّه لهؤلاء خيرٌ من الحواريين فيما بَلَغنا). وفي مسند أحمد وسنن أبي داود بسند حسن عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [إنَّ الهَدْيَ الصالحَ والسَّمتَ الصالحَ والاقتصاد جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة] (١). وقوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. أي: بهذه الأوصاف الرفيعة ذُكروا في التوراة. وقوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾. أي: ومثلهم في إنجيل عيسى كزرع أخرج نباته فهو يترعرع بكثرة مذهلة. قال ابن عباس: (قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: سنبله حين يتسلع نباته عن حباته). وقال قتادة: (أخرج نباته. قال: هذا مثل أصحاب محمد ﷺ في الإنجيل، قيل لهم: إنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). وقال مجاهد: (﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: ما يخرج بجنب الحقلة فيتم وينمى). وقال ابن زيد: (أولاده، ثم كثرت أولاده). وأما قوله: ﴿فَآزَرَهُ﴾ يعني: فقواه. قال مجاهد: (فشده وأعانه). وقال ابن زيد: (﴿فَآزَرَهُ﴾: اجتمع ذلك فالتفّ، وكذلك المؤمنون خرجوا وهم قليل ضعفاء، فلم

стр. 4505

يزل اللَّه يزيد فيهم، ويؤيدهم بالإسلام، كما أيَّد هذا الزرع بأولاده، فآزره، فكان مثلًا للمؤمنين). وقوله: ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. أي: فلما آزره سبحانه غلظ ذلك الزرع فاستوى على سوقه (والسوق: جمع ساق) فصار هذا الزرع الذي استغلظ وصلب وحسن نباته يعجب الذين زرعوه وبذلوا الجهد في بذاره وتثبيت جذوره، وهو مثل يراد به النبي ﷺ والرعيل الأول الذين كانوا أساس هذه الدعوة، فما زالوا في جهاد وعراكِ وبذل وتضحية حتى أنشأ اللَّه بهم جيلًا ضخمًا وجيشًا كبيرًا ليغيظ بهم الكفار. قال ابن زيد: (﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ قال: يعجب الزرّاع حُسنه ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ بالمؤمنين، لكثرتهم، فهذا مثلهم في الإنجيل). ذكر الخطيب -أبو بكر- عن أبي عروة الزبيريّ من ولد الزبير قال: (كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقد أصابته هذه الآية). وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد قال: قال النبي ﷺ : [لا تَسُبُّوا أصحابي، فَلَوْ أنَّ أحدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلغ مُدَّ أحَدِهم ولا نصيفَهُ] (١). وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال النسفي: (لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك). و ﴿من﴾ في قوله ﴿مِنْهُم﴾ لبيان الجنس. والمعنى: وعد اللَّه هؤلاء الأخيار من الصحابة الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة لذنوبهم وثوابًا عظيمًا ورزقًا كريمًا ينعمون به في الآخرة، وعْدُ صِدق لا يُبَدَّل ولا يُغَيَّر، ومن أصدق من اللَّه قيلًا. تم تفسير سورة الفتح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منه وكرمه الاثنين ٤ - رجب - ١٤٢٦ هـ الموافق ٨ - آب - ٢٠٠٥ م

стр. 4506

دروس ونتائج وأحكام ١ - الفتح المبين بيعة الرضوان يوم الحديبية. ٢ - النَّصْرُ مع الصَّبر، والفرجُ مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرًا. ٣ - إن المقسطين عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه يمين، الذي يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا. ٤ - كانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانت بيعة على الصبر أو الموت. ٥ - البور في لغة العرب: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، وقوم بور: هلكى. ٦ - تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، في النحر. ٧ - السُّنَةُ الرَّمَلُ في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف العمرة أو الحج. ٨ - المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا. ومثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. ٩ - الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثِر فليستكثر. ١٠ - إنّ الهدي الصالحَ والسَّمت الصالح والاقتصاد جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة. * * *

стр. 4507

٤٩ - سورة الحجرات وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٨). موضوع السورة ذمُّ مناداة الرسول من وراء الحُجرات وتوجيه المؤمنين لأحسن الأخلاق والعادات - منهاج السورة - ١ - ذِكْرُ بعض الآداب في مخاطبة النبي ﷺ ، كخفض الصوت والتبجيل والاحترام. ٢ - ذمّ بعض الأعراب في سوء مناداتهم الرسول ﵊، وتوجيههم لِحُسْنِ الأدب الذي عليه الأصحاب الكرام. ٣ - توجيه المؤمنين للتثبت من صحة الأخبار، لئلا يقعوا في الندم أو ظلم الأخيار. ٤ - امتنان اللَّه تعالى على المؤمنين بالنبي ﵊، وبأن حبَّبَ إلى قلوبهم الحق والإيمان. ٥ - الأمر بالمبادرة بالإصلاح بين المؤمنين، والأخذ على يد المخطئ واللَّه يحب المقسطين. ٦ - تأكيد الأخوة بين المؤمنين، وتحريم السخرية واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة للمسلمين.

стр. 4508

٧ - الدعوة للتعارف وحفظ الأنساب، والتميز يكون بالتقوى لا بالأحساب. ٨ - الفرق بين الإسلام والإيمان عند التخصيص، فالمؤمنون برهنوا على صدقهم ويقينهم بالجهاد بالأموال والأنفس وبذل الغالي والنفيس. ٩ - المنُّ للَّه وحده في هداية عباده للإيمان، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمان. ١٠ - اللَّه تعالى هو المتفرد بعلم الغيب، وهو البصير بدقائق أعمال العباد بلا ريب. * * *

стр. 4509

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾. في هذه الآيات: ذكر بعض الآداب التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون في معاملتهم رسول اللَّه ﷺ كالتوقير والاحترام، والتبجيل والإعظام، وخفض الصوت عن صوته ﵊. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. قال ابن عباس: (لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة). وقال: (نُهوا أن يتكلّموا بين يدي كلامه). وقال مجاهد: (لا تَفَتَاتُوا (١) على رسول اللَّه ﷺ بشيء حتى يقضيَ اللَّه تعالى على لسانه). وقال الضحاك: (لا تقضوا أمرًا من دون اللَّه ورسوله من شرائع دينِكم). وقال ابن زيد: (لا تقطعوا الأمر دون اللَّه ورسوله). أخرج البخاري عن ابن أبي مليكة أن عبد اللَّه بن الزبير أخبرهم: [أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ ، فقال أبو بكر: أَمِّرْ القعقاع بن معبد بن زرارة. فقال عمر: بل أمِّر الأقرعَ بن حابس. قال أبو بكر: ما أراد إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - حتى انقضت] (٢).

стр. 4510

والخلاصة: قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أصل في وجوب الانقياد لرسول اللَّه ﷺ في أقواله وأفعاله، وعدم الخروج على منهاجه برأي أو تأويل أو شبهة. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: وخافوا اللَّه أيها المؤمنون أن تتجاوزوا حدودكم وتتقدموا على قول نبيكم وسنته ونهجه، فإن اللَّه سميع لأقوالكم عليم بأعمالكم وبكل شيء. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية. أدب رفيع آخر أدَّبَ اللَّه تعالى به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت نبيهم ﷺ في حضرته. أخرج البخاري والترمذي عن نافع بن عمر، عن أبي مُلَيْكَةَ قال: [كادَ الخَيِّران أن يَهْلِكا، أبو بكر وعمر ﵄ رَفَعا أصواتَهُما عند النبي ﷺ حين قَدِمَ عليه ركبُ بِني تميم، فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخرُ برجُل اخَر -قال نافع: لا أحفظ اسمه- فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خِلافي. قال: ما أردتُ خِلافَكَ. فارتفعت أصواتُهما في ذلك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الآية. فما كان عمرُ يُسمِعُ رسولَ اللَّه ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهِمَه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر ﵁] (١). وفي صحيح البخاري عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك: [أن النبي ﷺ افتقد ثابتَ بن قيس فقال رجلٌ: يا رسول اللَّه، أنا أعلمُ لك عِلْمَهُ. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسَهُ، فقال له: ما شأنُكَ؟ فقال: شَرٌّ، كان يَرْفَعُ صَوْتَهُ فوقَ صوتِ النبي ﷺ ، فقد حَبِطَ عَمَلُهُ، فهو من أهل النار، فأتى الرجلُ النبيَ ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا -قال موسى: فرجَعَ إليه المَرَّة الآخِرَةَ ببشارةِ عظيمة فقال: اذهب إليه فقُل له: إنك لستَ من أهل النار، ولكنَّكَ من أهل الجنة] (٢). ورواه أحمد على شرط الشيخين عن ثابت، عن أنس قال: [لما نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ - وكان ثابت بن قيس بن الشمَّاسِ رفيعَ الصوتِ فقال: أنا الذي كنتُ أرفَعُ صوتي على

стр. 4511

رسول اللَّه ﷺ حَبِطَ عملي، أنا من أهل النار. وجلسَ في أهله حزينًا، ففقدَه رسول اللَّه ﷺ فانطلقَ بعض القوم إليه فقالوا له: تَفَقَّدك رسول اللَّه ﷺ مالك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجْهَرُ له بالقول، حَبِطَ عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال. قال: لا، بل هو من أهل الجنة. قال أنس: فكُنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يومُ اليمامة كان فينا بعضُ الانكشاف، فجاءَ ثابتُ بن قَيس بن شمَّاس وقد تَحَنَّطَ ولبِسَ كفَنَهُ، فقال: بئسما تُعَوِّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتِلَ] (١). وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. قال مجاهد: (لا تنادوه نداء، ولكن قولًا لينًا يا رسول اللَّه). وعن قتادة قال: (كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم اللَّه، ونهاهم عن ذلك). وقال الضحاك: (هو كقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. نهاهم اللَّه أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضًا، وأمرهم أن يشرِّفوه ويعظِّموه ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة). وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشيةَ أن يغضبَ من ذلك، فيغضب اللَّه تعالى لِغَضَبِهِ، فَيُحبِطَ اللَّه عملَ من أغضبه وهو لا يدري). أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ الرجل ليتكلَّمُ بالكلمةِ لا يَرى بها بأسًا، يَهْوي بها سَبْعين خريفًا في النار] (٢). وأخرج الترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح عن بلال بن الحارث المزني صاحب رسول اللَّه ﷺ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [إن أحَدَكُم ليتكلَّم بالكلمة من رضوان اللَّه ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ فيكتبُ اللَّهُ له بها رضوانه إلى يوم يَلْقاهُ، وإنَّ

стр. 4512

أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ اللَّه ما يَظُنُّ أنْ تبلُغَ ما بَلَغَتْ فيكتب اللَّه عليه بها سَخَطَهُ إلى يوم يلقاه] (١). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. قال ابن عباس: (طهّرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من اللَّه والتقوى). وقال قتادة: (أخلص اللَّه قلوبهم فيما أحبّ). وقال الأخفش: (اختصها للتقوى). والمعنى: إن الذين يخفضون أصواتهم في مجلس رسول اللَّه ﷺ تعظيمًا له أولئك الذين أخلص اللَّه قلوبهم فيما أحب، وجعلها أهلًا ومحلًا لاستقرار التقوى. ثم إنه في الآخرة ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ٤ - ٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾. في هذه الآيات: نعْتُ سوء أدب بعض الأعراب القساة في مناداتهم النبي ﵊، وتوجيههم لحسن الأدب الذي عليه الصحابة الكرام. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ذمٌّ من اللَّه لبعض الأعراب الأجلاف الذين كانوا ينادون رسول اللَّه ﷺ من وراء الحُجرات، وهي بيوت نسائه، يرفعون أصواتهم وينادون: يا محمد اخرج إلينا، والحجرات: جمع حجرة، والمراد البيت. أخرج الترمذي والنسائي بسند صحيح عن البراء: [في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمد، إنَّ حَمْدي زيْنٌ وذَمِّي شينٌ. فقال: ذاك اللَّه ] (٢). وأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس: [أنه نادى رسول اللَّه ﷺ من وراء الحُجُرات فقال: يا محمد -وفي

стр. 4513

رواية: يا رسول اللَّه - فلم يُجبه، فقال: يا رسولَ اللَّه ﷺ ، إنَ حَمْدي لَزَينٌ. وإن ذَمِّي لَشينٌ. فقال: ذاك اللَّه ] (١). وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. إرشاد منه سبحانه إلى الأدب الذي كان ينبغي أن يتأدب به هؤلاء الذين ينادون رسول اللَّه ﷺ من وراء الحجرات. قال القرطبي: (أي لو انتظروا خروجك لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم. وكان ﷺ لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، فكان إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب). وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. توجيه منه سبحانه إلى التوبة والإنابة لتكفير الزلل والعيوب، فإنه تعالى يغفر ويستر وهو الغفور السِّتير. أخرج أبو داود بسند صحيح عن يعلى بن أمية، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى حَيِيٌّ ستير، يحب الحياء والسِّتر] (٢). ٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾. في هذه الآيات: توجيهُ اللَّه تعالى عباده المؤمنين للتثبت من صحة الأخبار، لئلا يقعوا في الندم أو الظلم للمؤمنين الأخيار، وامتنانُه تعالى عليهم بهذا النبي المختار. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾. أَمْرٌ بالتثبّت في خبر الفاسق وعدم اعتماده إلا بعد التحقق منه. وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، حين بعثه رسول اللَّه ﷺ على صدقات بني المصطلق. فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند حسن عن عيسى بن دينار قال: حدثني أبي

стр. 4514

أنه سمع الحارثَ بن ضِرار (١) الخُزاعي يقول: [قدِمْتُ على رسول اللَّه ﷺ فدعاني إلى الإسلام، فَدَخلتُ فيه وأقررتُ به. ودعاني إلى الزكاة فأقررتُ بها، وقلت: يا رسولَ اللَّه، أرجِعُ إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداءِ الزكاة، فمن استجاب لي جمعتُ زكاتَه. ويُرسِلُ إليَّ رسولُ اللَّه رسولًا لإِبَّان كذا وكذا لِيأتِيَكَ ما جمعتُ من الزكاة. فلما جمعَ الحارثُ الزكاةَ ممن استجاب له، وبلغ الإبَّانُ الذي أراد رسول اللَّه ﷺ أن يبعثَ إليهِ، احتبسَ عليه الرسول فلم يأتِه، فظن الحارِثُ أنه قد حدثَ فيه سَخْطَةٌ من اللَّه ورسوله، فدعا بِسَرَوَاتِ قومه فقال لهم: إن رسولَ اللَّه ﷺ كان وَقَّتَ لي وقتًا يُرسِلُ إليَّ رسوله لِيقبضَ ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول اللَّه ﷺ الخُلْفُ، ولا أرى حَبْسَ رسوله إلا مِنْ سَخْطَةِ. فانطلقوا فنأتيَ رسول اللَّه ﷺ . وبعث رسول اللَّه ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليدُ حتى بلغ بعضَ الطريق فَرِق -أي: خاف- فرجَع فأتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ الحارثَ منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول اللَّه ﷺ البعثَ إلى الحارث، وأقبل الحارثُ بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصلَ عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارثُ. فلما غشيهم قال لهم: إلى مَنْ بُعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول اللَّه ﷺ بعثَ إليكَ الوليدَ بن عُقبة، فزعم أنك منعتَه الزكاة وأردت قتله. قال: لا، والذي بعثَ محمدًا بالحق ما رأيته بَتَّةً ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول اللَّه ﷺ قال: منعتَ الزكاة وأردتَ قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلتُ إلا حين احتَبَسَ عليَّ رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ خشيت أن تكون كانت سخطة من اللَّه ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى هذا المكان ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾] (٢). قلت: ويبدو أن سبب تصرف الوليد بن عقبة بتلك الطريقة هو سماعه بخروجهم للقائه، فظنهم يريدون قتله، وإنما أرادوا استقباله. فلنستمع لرواية ابن إسحاق وفيها تفصيل لما حدث، وتصلح شاهدًا للحديث السابق. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان: [أن رسول اللَّه ﷺ بعث إليهم بعد

стр. 4515

إسلامهم الوليدَ بن عقبة بن أبي معيط، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قِبَلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غَزْوهم، حتى همَّ رسول اللَّه ﷺ بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك قدمَ وفدُهم على رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا رسول اللَّه، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لِنُكْرِمَه، ونؤدّي إليه ما قِبَلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا -أي جدّ وأسرع بالرجوع-، فبلغنا أنه زعم لرسول اللَّه ﷺ أنا خرجنا إليه لنقتله، واللَّه ما جئنا لذلك، فأنزل اللَّه تعالى فيه وفيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. . . إلى آخر الآية] (١). وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. قال ابن جرير: (فتبينوا لئلا تصيبوا قومًا برآء مما قذفوا به بجناية بجهالة منكم فتندموا على إصابتكم إياهم). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إياكم والظَّنَّ، فإن الظَّنَ أكذَبُ الحديث، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا] (٢). وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. أي: واعلموا -معشر المؤمنين- أن فيكم رسول اللَّه فاحذروا أن تفتروا الكذب بين يديه فإن اللَّه يخبره أخباركم ويعرفه أنباءكم. ولو كان رسول اللَّه ﷺ يعمل في الأمور بآرائكم ويطيعكم فيما تقولون له لنالكم بذلك "العنت" أي الشدة والمشقة. وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي نضرة قال: [قرأ أبو سعيد الخدري: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. قال: هذا نبيكم يوحى إليه. وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لَعَنِتوا، فكيف بكم اليوم] (٣). وقول: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. أي: حسَّن الإيمان في قلوبكم فآمنتم وأقبلتم على الحق. قال القرطبي: (هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي ﷺ ولا يخبرون بالباطل، أي جعل الإيمان أحبّ الأديان

стр. 4516

إليكم]، ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ بتوفيقه ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي حسّنه إليكم حتى اخترتموه). وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. قال ابن عباس: (يريد به الكذب خاصة). وقيل: كل ما خرج عن الطاعة. قال النسفي: (﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ وهو تغطية نعم اللَّه ونجمطها بالجحود ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ وهو الخروج عن محجة الإيمان بركوب الكبائر ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ وهو ترك الانقياد بما أمر به الشارع). وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. الرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من "الرشادة" وهي الصخرة. قال القاسمي: (﴿أُولَئِكَ﴾ أي الموصوفون بمحبة الإيمان، وتزينه في قلوبهم، وكراهتهم المعاصي ﴿هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ " أي السالكون طريق الحق). أخرج الإمام أحمد في المسند، والنسائي في "الكبرى" بسند صحيح عن عُبيد اللَّه بن رفاعة عن أبيه قال: [لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول اللَّه ﷺ : استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسطَ لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل من هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيمَ يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق] (١). وقوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي:

стр. 4517

عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره). ٩ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾. في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى عباده المبادرة بالإصلاح بين المسلمين الباغين بعضهم على بعض، والأخذ على يد المخطئ منهم حتى يفيء إلى أمر اللَّه واللَّه يحب المقسطين، ويحب المؤمنين أن يكونوا إخوة متسامحين متراحمين. فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أنس ﵁ قال: [قيل للنبي ﷺ : لو أتَيْتَ عَبْدَ اللَّه بنَ أُبيٍّ، فانطَلَقَ إليه النبي ﷺ ورَكِبَ حمارًا فانطلق المسلمون يمشون معه -وهي أرض سَبِخَةٌ- فلما أتاه النبي ﷺ فقال: إليك عني، واللَّه لقد آذاني نتنُ حمارِكَ، فقال رجل من الأنصار مِنهم: واللَّه لحِمارُ رسولِ اللَّه ﷺ أطْيَبُ ريحًا منكَ، فَغَضِبَ لعبد اللَّه رَجُلٌ من قَوْمِهِ فشتما (١) فغضِبَ لِكُلِّ واحد منهما أصحابُهُ، فكانَ بينهما ضَرْبٌ بالجريد والنِّعال والأيدي، فبلغنا أنها نزلت ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]] (٢). وروى البخاري عن أم كلثوِم بنت عقبة أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [ليس الكذَّابُ الذي يُصلح بين الناس فَيَنْمي خيرًا أو يقولُ خيرًا] (٣). وقد جاء فضل الإصلاح بين المسلمين في أحاديث كثيرة، منها:

стр. 4518

الحديث الأول: أخرج البخاري عن سهل بن سعد ﵁: [أنَّ أهْلَ قُباءٍ اقتتلوا حتى تَرَامَوْا بالحجارة، فَأُخْبِرَ رسولُ اللَّه ﷺ بذلك فقال: اذهبوا بنا نُصْلِحْ بَيْنَهُم] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كُلُّ سُلامى من الناس عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يوم تطلُعُ فيه الشمس، يَعْدِلُ بين الناس صدقة] (٢). الحديث الثالث: أخرج أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي بَكْرَةَ: أن رسول اللَّه ﷺ خَطَبَ يومًا ومعه على المنبر الحسنُ بن علي، فجعل ينظرُ إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول: [إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللَّه أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين] (٣). وقد أصلح اللَّه تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة، وحجز به الفتنة أن تستمر لستأصل شوكة المسلمين. وقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (فإن اللَّه سبحانه أمر النبي ﷺ والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم اللَّه وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب اللَّه حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه، ويقرّوا بحكم اللَّه). وفي الصحيحين وسنن الترمذي -واللفظ له- عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: [انْصُر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا، قيل: يا رسول اللَّه نصرته مظلومًا! فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تكفُّهُ عن الظُّلْمِ، فذاك نَصْرك إيّاه] (٤). وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. أي: فإن رجعت الفئة الباغية ونزلت عند حكم اللَّه فأصلحوا بينهما بالإنصاف

стр. 4519

والعدل وميزان القسط ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: فيجازيهم أحسن الجزاء. وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ المقسطين، عند اللَّه، على منابر من نور، عن يمين الرحمن ، وكِلْتا يَدَيْهِ يمين، الذين يَعْدِلون في حُكْمهم وأهْلِيهم وما وَلُوا] (١). وله شاهد عند النسائي بسند جيد عن عبد اللَّه بن عمرو -أيضًا- أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسَطُوا في الدنيا] (٢). وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. أي: جميع المؤمنين إخوة في الدين. وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال ابن جرير: (ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان). والمعنى: احرصوا -أيها المؤمنون- على سلامة صرح الأخوّة بينكم، فأصلحوا بين المختصمين، وخافوا اللَّه بإقامة العدل والقسط لتنالكم رحمته ومغفرته. وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث كثيرة في آفاق هذا المعنى، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [المسلمون كَرَجُلٍ واحدٍ، إن اشتكى عَيْنُهُ، اشتكى كُلُّهُ، وإن اشتكى رأسُهُ، اشتكى كُلُّهُ]. وفي لفظ: [مثل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثَلُ الجسد، إذا اشتكى منه عُضْوٌ، تداعى له سائِرُ الجسد بالسَّهر والحُمَّى] (٣). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [المؤمِنُ للمؤمِن كالبُنيان، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا] (٤).

стр. 4520

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن في الشواهد عن سهل بن سعد الساعدي يحدِّثُ عن رسول اللَّه ﷺ قال: [إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألَمُ المؤمن لأهل الإيمان كما يألَمُ الجَسَدُ لما في الرأس] (١). الحديث الرابع: أخرج مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما مِنْ عَبْدٍ مُسْلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بِمثل] (٢). ١١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. في هذه الآيات: توجيهٌ من اللَّه العظيم عباده المؤمنين، لاجتناب عادات القوم الفاسقين، من السخرية فيما بينهم واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والتجسس والغيبة وغير ذلك من العادات التي تسخط اللَّه، واللَّه غفور رحيم. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. نهي عن السخرية بالناس أو احتقارهم والاستهزاء بهم. قال ابن جرير: (إن اللَّه عمَّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحل لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره ولا لذنب ركبه ولا لغير ذلك). قال ابن كثير: (فإنه قد يكون المحتقر أعظمَ قدرًا عند اللَّه تعالى وأحبَّ إليه من الساخر منه المحتقِر له، ولهذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾، فنَصَّ على نَهْي الرجال، وعطفَ بنهي النساء).
следующие страницы →