← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وقوله تعالى: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. توبيخ لا استفهام. أي: يقال لهم: هل هذا الذي وردتموه سحر أم أنتم لا تعاينونه ولا تبصرونه! ؟ وقوله: ﴿اصْلَوْهَا﴾. أي: ادخلوها لتغمركم فذوقوا حرّها وألمها على أجسادكم. وقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾. أي: إنما الصبر وعدمه عليكم سواء، فلا محيدَ لكم عنها ولا نجاة ولا خلاص. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. تعليل الخلود فيها وتجزع سعيرها. أي: ما تجزون إلا أعمالكم، وما قدّمتم لأنفسكم من التكذيب بالوحي والنبوة وتعظيم الهوى والشهوات. ١٧ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ حال المتقين في جنات النعيم، فهم في الطعام والشراب والنكاح والملذات والتكريم، ويطوف عليهم غلمان في الخدمة كأنهم اللؤلؤ المكنون، وهم في اللقاء يتذكرون نعمة اللَّه عليهم فيحمدونه أن وقاهم من عذاب الجحيم. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾. عَطْفٌ بذكر حال السعداء، بعد ذكر مآل الأشقياء. فهؤلاء في الروضات وبساتين النعيم، في الوقت الذي صُرف فيه أهل الشقوة إلى صِليّ الجحيم.

стр. 4587

وقوله: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن جرير: (عندهم فاكهة كثيرة). يقال: رجل فاكه أي ذو فاكهة، ورجل تامر أي عنده تمر. وقرأ الحسن وغيره: "فَكِهين" بغير ألف، ومعناه: معجبين ناعمين. يقال: فِكهَ الرجلُ فهو فَكِهٌ إذا كان طيب النفس مزاحًا. قال ابن كثير: (﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾، أي: يتفكَّهون بما آتاهم اللَّه من النعيم، من أصناف الملاذ، من مآكِلَ ومشارِبَ وملابسَ ومساكِنَ ومراكِبَ وغير ذلك). وقوله: ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. أي: ويضاف إلى ذلك التفكه في ألوان النعيم، نعمة جليلة عظيمة وهي زحزحته إياهم عن دخول الجحيم، فإن ذلك من الفوز العظيم. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال القرطبي: (الهنيء ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر). أي: ويقال لهم: كلوا واشربوا لا تخافون فيما تأكلون وتشربون أذى ولا غائلة، ولا تجدون ما يعكّر أو ينغِّصُ، فهذا جزاء رفيع أعمالكم وحسن امتثالكم لأوامر ربكم . وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾. أي: متكئين على نمارق سرر موصولة بعضها إلى بعض. و ﴿سُرُرٍ﴾ جمع سرير. والآية وصف بديع لاطمئنان أهل الجنة في منازلهم. وقوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾. أي: وقرناهم بالحور عظام الأعين حسانها. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. أخرج البزار وابن عدي بسند صحيح عن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ : [إنّ اللَّه لَيَرْفَعُ ذُرِّيةَ المؤمن إليه في درجته، وإنْ كانوا دونَه في العمل، لِتَقَرَّ بهم عَيْنُهُ، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية، ثم قال: وما نَقَصْنا الآباء بما أعْطَيْنا البنين] (١). قلت: وهذا تفضّل لطيف من الباري على عبده الصالح، أنْ لَمَّ له شَمْلَ أسرته فجمعهم إليه في مستقره في الآخرة وإن كانوا دونه في العمل، ليأنس بهم ويسعد

стр. 4588

بحضورهم حوله، وهذا لا ينقصه من تضاعف أجره لقاء رفيع أعماله شيئًا. وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ، أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك] (١). وفي لفظ: [إنّ الرجل لترفعُ درجته في الجنة، فيقول: أنّى لي هذا. فيقال: باستغفار ولدك لك]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: [إذا مات ابنُ آدمَ انقطعَ عملُه إلا من ثلاثٍ: صَدَقةٍ جاريةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له] (٢). وقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾. إخبار عن مقام العدل بعد مقام الإحسان. قال القاسمي: (﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي بما عمل من خير أو شر مرتهن به، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وإنما يعاقب بذنب نفسه). وقوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾. أي: وزدناهم على ما هم فيه من جميل المقام ما لَذّ وطاب من ألوان الفاكهة واللحوم. وقوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾. أي: ويتعاطون -إضافة لما سبق من الملذات- كأسًا من الخمر الذي لا يصدر عن صاحبه هذيان أو فاحش من القول أو الفعل -كما هو حال شربة الخمر في الدنيا-. قال ابن عباس: (﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا﴾ يقول: لا باطل فيها). وقال مجاهد: (لا يستبّون). وقال قتادة: (لا لغو فيها ولا باطل، إنما كان الباطل في الدنيا مع الشيطان). قال ابن جرير: (﴿وَلَا تَأْثِيمٌ﴾: ولا فعل فيها يُؤثم صاحبه). فنزّه اللَّه خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وما يصدر عنها من أذى: كصداع الرأس، وذهاب العقل، ووجع البطن، ونهوض إلى الفواحش والآثام. ففي معجم الطبراني "الكبير" و"الأوسط" بسند حسن عن ابن عباس مرفوعًا:

стр. 4589

[الخمر أمّ الفواحش، وأكبرُ الكبائر، مَنْ شربها وقعَ على أمِّه وخالتِه وعمّته] (١). فانتفى عن خمر الآخرة كل هذه الآثار الشيطانية، وبقيت المتعة واللذة في صورتها البديعة. وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾. الغلمان: الخدم من الأطفال. والمكنون: المصون. والمقصود: إخبار عن الخدم والحشم لأهل الجنة أنهم في الحسن والبياض كاللؤلؤ المكنون -المصون- في الصدف، لشدة حسنهم وبهائهم ونظافتهم وروعة مظهرهم ولباسهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادثُ أهلُ الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾. قال ابن جرير: (قال بعضهم لبعض: إنا أيها القوم كنا في أهلنا في الدنيا مشفقين خائفين من عذاب اللَّه وجلين أن يعذبنا ربنا اليوم). وقوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾. قال ابن زيد: (عذاب النار). أي: فامتن اللَّه علينا أن نجانا من عذاب النار وأدخلنا الجنة برحمته وفضله. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾. قال ابن عباس: (البر: اللطيف). قال النسفي: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل لقاء اللَّه تعالى والمصير إليه -يعنون في الدنيا- ﴿نَدْعُوهُ﴾ نعبده ولا نعبد غيره، ونسأله الوقاية ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ المحسن ﴿الرَّحِيمُ﴾ العظيم الرحمة الذي إذا عُبد أثاب وإذا سئل أجاب). ٢٩ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ

стр. 4590

تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾. في هذه الآيات: الأمر بالبلاغ المبين، والانتصار من اللَّه تعالى لرسوله الكريم، والتوبيخ لسلوك المنافقين والمعاندين. فقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾. أَمْرٌ مِنَ اللَّه نبيّه ﷺ بالبلاغ والبيان، وتبرئة له من اتهام أهل الكفر والفجور والبهتان. والكاهن: الذي يتصل بالجان الذي يسترق الكلمة من خبر السماء، والمجنون: الذي يتخبطه الشيطان من المَسّ فالمعنى كما قال ابن جرير: (فلست بنعمة اللَّه عليك بكاهن تتكهن، ولا مجنون له رئيّ يخبر عنه قومه ما أخبره به، ولكنك رسول اللَّه واللَّه لا يخذلك). وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾. أي: بل يقول لك المشركون يا محمد: هو شاعر ننتظر أن تنزل به حادثة متلفة من حوادث الدهر المهلكة، فنتخلص منه بموت أو مصيبة. قال مجاهد: (﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾: حوادث الدهر). وقال ابن عباس: (يتربصون به الموت). والمنون: الموت. وعن قتادة: (قال ذلك قائلون من الناس: تربصوا بمحمد -رسول اللَّه ﷺ الموت يكفيكموه، كما كفاكم شاعر بني فلان، وشاعر بني فلان). وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾. أي: قل لهم -يا محمد-: انتظروا وترقبوا فإني منتظر معكم، وستعلمون من سيكون له النصر والعاقبة في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾. أي: أتأمر عقول المشركين وأحلامهم -وكانوا يعدون في الجاهلية أهل الأحلام- أن يقولوا لمحمد ﷺ ما يقولون من رميه بالسحر والشعر والجنون؟ ! إن هذا لشيء عجيب، إذ يقولون ما يعلمون أنه كذب وزور. وقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. قال مجاهد: (بل هم قوم طاغون). أي: ولكنهم في حقيقة الأمر قوم معاندون متكبرون ما حملهم على ما قالوه إلا الكبر والطغيان. وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾. أي: أم يقول هؤلاء المشركون: إنّ محمدًا تقوّل هذا القرآن من عند نفسه واختلقه؟ !

стр. 4591

وقوله: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. تكذيب لدعواهم. أي: إنما حملهم على ذلك القول كفرهم بالحق الذي جاءهم من عند ربهم. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. أي: فليأتوا بقرآن يشبهه من تلقاء أنفسهم إن كانوا صادقين في دعواهم أن محمدًا افتراه، فهم أهل الفصاحة والإتقان للعربية وفنونها! ! . إنهم لن يستطيعوا ذلك ولو اجتمع لهم فصحاء الجن والإنس، بل لن يستطيعوا أن يأتوا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله. ٣٥ - ٤٣. قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾. في هذه الآيات: تتابع التقريع من اللَّه تعالى على المشركين، في كشف تناقضات طريقهم واتباع الهوى والشياطين، وفضح مكرهم وما هم عليه من العداء لهذا الحق المبين. فقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. إثبات للربوبية ومطالبة بمقتضاها: توحيد الألوهية. قال ابن جرير: (أخُلِقَ هؤلاء المشركون من غير شيء، أي من غير آباء ولا أمهات فهم كالجماد لا يعقلون ولا يفهمون للَّه حجة. -وقيل: المعنى: أم خلقوا لغير شيء- أم هم الخالقون هذا الخلق، فهم لذلك لا يأتمرون لأمر اللَّه ولا ينتهون عما نهوا عنه لأن للخالق الأمر والنهي). وقوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾. إنكار على المشركين شركهم بالألوهية، مع إقرارهم للَّه بالربوبية. قال النسفي: (﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فلا يعبدون خالقهما ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السماوات والأرض). وقال القاسمي: (﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي بوعيد اللَّه، وما أعد لأهل الكفر به من العذاب في الآخرة، فلذلك فعلوا ما فعلوا).

стр. 4592

وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾. أي: أم بأيديهم خزائن رزقه فهم لاستغنائهم معرضون؟ ! أم هم الجبابرة المتسلطون فهم لذلك على اللَّه يستكبرون! أخرج البخاري في الصحيح عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعم عن أبيه ﵁ قال: [سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطُّور، فلما بلغَ هذه الآية: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير] (١). وكان جُبير بن مطعم قد قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداءِ الأسارى، وكان إذ ذاك مشركًا، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك. وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾. أي: أم لهم مرقاة إلى السماء إلى الملأ الأعلى فيرتقون يستمعون من الوحي، دهم متمسكون بما حصل من الإقرار لهم على منهاجهم! ؟ وقوله: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجّة تبين أنها حق، يُثبت فيها ما يدّعون. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾. قال القرطبي: (سَفَّهَ أحلامهم توبيخًا لهم وتقريعًا. أي أتضيفون إلى اللَّه البنات مع أنفتكم منهن، ومن كان عقله هكذا فلا يُستبعد منه إنكار البعث). والآية إنكار على المشركين نسبهم البنات إلى اللَّه وجعلهم الملائكة إناثًا عبدوهم مع اللَّه، واختيارهم الذكور لأنفسهم أنفة وكبرًا. وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾. قال قتادة: (يقول: هل سألت هؤلاء القوم أجرًا يُجْهدهم فلا يستطيعون الإسلام). وقال ابن زيد: (أسألتهم على هذا أجرًا فأثقلهم الذي يُبْتَغى أخذه منهم). وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون منه ويخبرون الناس بما لهم وما عليهم، وما كان وما يكون وما هو كائن؟ ! أي: ليس

стр. 4593

الأمر كذلك، فلا يعلم الغيب إلا اللَّه الذي وجب على العباد الخضوع لأمره وتعظيمه وحده لا شريك له. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾. أي: بل يريد هؤلاء -يا محمد- الكيد والمكر بك وبدينك، والحال أنهم هم المكيدون الممكور بهم فأحكم ثقتك باللَّه وتوكلك عليه. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. تأكيد الإنكار على المشركين عبادتهم غير اللَّه، ثم تنزيه اللَّه نفسه عن الند والشريك سبحانه وتعالى عما يشركون. ٤٤ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾. في هذه الآيات: كَشْفُ شِدَّة طغيان المشركين، فهم يكذبون بحقائق الأمور واليقين، وسينقلب المكر عليهم من حيث لا يشعرون. وحَثٌّ من اللَّه تعالى لرسوله بالتزام الصبر والاستعانة بالتسبيح وصلاة الليل حتى يأتي نصر اللَّه المبين. فقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: قطعًا). والكسف: جمع كِسْفة. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾. أي: عليهم. ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾. قال النسفي: (يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا هذا سحاب ﴿مَرْكُومٌ﴾ قد ركم أي جمع بعضه على بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب). وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾. أي: فدع هؤلاء المشركين -يا محمد- حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يهلكون، وهو يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. أي: يوم لا يجدي الكيد والمكر الذي استخدموه في الدنيا لبغيهم وكفرهم وشهواتهم، ولا هم ينصرهم ناصر فيستقيد لهم ممن عذّبهم وعاقبهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. توعد لهم بعذاب

стр. 4594

في دار الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن زيد: (دون الآخرة في هذه الدنيا ما يعذبهم به من ذهاب الأموال والأولاد). وعن مجاهد: (﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قال: الجوع). وعن البراء: (﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قال: عذاب القبر). وعن قتادة أن ابن عباس كان يقول: (إنكم لتجدون عذاب القبر في كتاب اللَّه ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾). وعموم هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]. قال ابن كثير: (﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: نُعَذِّبهم في الدنيا، ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون وينيبون فلا يفهمون ما يُراد بهم، بل إذا جَلَّى عنهم مما كانوا فيه عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه). وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾. أي: فاصبر -يا محمد- لحكم ربك وأمره وما يلحقك من أذى قومك ولا تبالهم، فإنك تحت كلاءتنا ورعايتنا وحفظنا. قال ابن جرير: (﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: فإنك بمرأى منا نراك ونرى عملك ونحن نحوطك ونحفظك فلا يصل إليك من أرادك بسوء من المشركين). وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. فيه أقوال متكاملة: القول الأول: حين قيامك من كل نوم. فعن أبي الأحوص: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قال: سبحان اللَّه وبحمده. ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ قال: من كل منامة، يقول حين يريد أن يقوم: سبحانك وبحمدك). واختار ابن جرير بأن المعنى: (وصل بحمد ربك حين تقوم من منامك وذلك نوم القائلة، وإنما عنى صلاة الظهر). القول الثاني: حين القيام لصلاة الليل أو النهار. قال ابن زيد: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾: إذا قام لصلاة من ليل أو نهار. وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ قال من نوم). وعن الضحاك قال: (إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك ولا إله غيرك). القول الثالث: حين القيام لمغادرة المجلس. فعن مجاهد: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: من كل مجلس). وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: إذا أراد الرجلُ أن يقوم من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك). قال عطاء: (يقول: حين تقومُ من كل مجلس، إن كنت أحسنت ازددتَ خيرًا، وإن كان غيرَ ذلك كان هذا كفارةً له).

стр. 4595

قلت: ولا مانع من تعميم القيام سواء كان من نوم أو مجلس أو لصلاة في الليل أو النهار، وقد ورد في السنة الصحيحة ما يؤيد ذلك في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه، وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. سبحانَ اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: ربِّ اغفر لي -أو قال: ثم دَعَا- استُجِيب له، فإن عزَمَ فتوضأ ثم صلّى تُقبلت صلاتُه] (١). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والنسائي ورجاله ثقات عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي قال: [كان رسول اللَّه ﷺ يقول بأخَرَةٍ إذا أراد أن يقوم من المجلس: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنتَ، أستغفرك وأتوب إليك". فقال رجل: يا رسول اللَّه، إنك لتقولُ قولًا ما كنتَ تقولُه فيما مضى؟ ! قال: "كفارة لما يكون في المجلس"] (٢). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ فكَثُرَ فيه لَغَطُهُ فقال قبل أن يقوم من مَجْلِسِه ذلك: سُبْحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلا أنْتَ، أستغفرك وأتوبُ إليك. إلا غُفِرَ له ما كان في مجلسِه ذلك] (٣). الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا قام من الليل كبَّر ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك" ثم يقول: "لا إله إلا اللَّه" ثلاثًا، ثم يقول: "اللَّه أكبر كبيرًا" ثلاثًا "أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" ثم يقرأ] (٤).

стр. 4596

وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. أي ومن الليل فعظم ربك -يا محمد- بالتلاوة والصلاة والعبادة. كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وفي سنن أبي داود عن عاصم بن حميد قال: [سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول اللَّه ﷺ قيام الليل؟ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبْلك، كان إذا قام كبّر عَشْرًا، وحمد اللَّه عشرًا، وسَبَّحَ عشرًا، وهَلَّلَ عَشْرًا، واستغفر عشرًا، وقال: "اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة] (١). وقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. الراجح هما الركعتان قبل صلاة الفجر توافقان جنوح النجوم للغيبوبة، أو فريضة الفجر. قال ابن عباس: (هما السجدتان قبل صلاة الغداة). وقال ابن زيد: (يعني حين تدبر النجوم للأفول عند إقبال النهار). وعن الضحاك: (﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال: صلاة الغداة) -يعني صلاة الصبح المكتوبة- واختاره ابن جرير. قال الزمخشري: (وقرئ "وأَدْبار" بالفتح، بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت). وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: [لمْ يَكُنِ النبي ﷺ على شيْءٍ من النَّوافِل أشَدَّ مِنْهُ تعاهُدًا على ركعتي الفَجْر] (٢). وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي ﷺ قال: [ركعتا الفجر خَيْرٌ من الدنيا وما فيها] (٣). وفي رواية عنها عن النبي ﷺ أنه قال فى شأن الركعتين عند طلوع الفجر: [لَهُما أحَبُّ إليَّ من الدنيا جميعًا].

стр. 4597

وفي صحيح مسلم أيضًا عنها قالت: [ما رأيت رسول اللَّه ﷺ في شيء من النوافل، أسْرَعَ مِنْه إلى الركعتين قبل الفجر] (١). تم تفسير سورة الطور بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه الثلاثاء ٣ - شعبان - ١٤٢٦ هـ الموافق ٦ - أيلول - ٢٠٠٥ م * * *

стр. 4598

دروس ونتائج وأحكام ١ - كان يقرأ ﵊ في صلاة المغرب بالطور. ٢ - يوقد البحر نارًا تتأجج يوم القيامة. ٣ - المتقون فاكهون في الجنة متقابلون، ويرفع درجات الابن بأبيه وبالعكس. ٤ - لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، فكل نفس بما كسبت رهينة. ٥ - يحمد أهل الجنة ربهم أن وقاهم عذاب السموم. ٦ - يزعمون القرآن مفترى؟ ! ! قل: هاتوا سورة مثله. ٧ - اللَّه خالق كل شيء والكافرون يعبدون سواه. ٨ - من أراد بالإسلام كيدًا فسيرجع اللَّه كيده في نحره. ٩ - التسبيح عند افتتاح الصلاة والقيام من النوم والقيام من المجلس. ١٠ - ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها. * * *

стр. 4599

٥٣ - سورة النجم وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٦٢). ما ورد في ذكرها: أخرج البخاري ومسلم عن عبد اللَّه قال: [أول سُورة أُنزلت فيها سَجْدة "والنجم"، قال: فَسَجَد رسول اللَّه ﷺ وسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إلا رجلًا رأيته أخذ كَفًّا من تُرابٍ فَسَجَد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا، وهو أمية بن خلف] (١). وفي لفظ مسلم: [غَير أن شيخًا أخذ كفًا من حَصًى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا. قال عبد اللَّه: لقد رأيته بَعْدُ قُتِلَ كافرًا]. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: [أن النبي سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] (٢). موضوع السورة الإقسام بالنجم على حدث المعراج العظيم وتقريع الكافرين والثناء على المؤمنين

стр. 4600

- منهاج السورة - ١ - إقسام اللَّه تعالى بالنجم تأكيدًا لحدث المعراج، ورؤية الآفاق والآيات العظيمة. ٢ - رؤية النبي ﷺ لجبريل على صورته الحقيقية عند سدرة المنتهى. ٣ - تحقير المشركين وأصنامهم، وتسفيه عقولهم وفساد محاكماتهم. ٤ - إثبات الأولى والآخرة للَّه العظيم، وكذلك الشفاعة لا تكون إلا بعد إذنه الكريم. ٥ - تقريع على الكافرين وصفهم الملائكة بنات اللَّه، وأمر اللَّه رسوله الإعراض عن المشركين، وهو أعلم بالمهتدين، وبمن أصرّ على الضلال المبين. ٦ - إثبات الملك والحساب للَّه رب العالمين، والثناء على الأطهار المؤمنين المتقين. ٧ - ذمُّ أهل الإعراض والكبر، وتأكيد استقلال كل واحد بما عليه من الإثم والوزر، واللَّه تعالى لا يضيع لأحد ما استحقه من الأجر. ٨ - إثبات أمر الخلق والفرح والحزن والحياة والموت للَّه العظيم، وتأكيد إهلاكه -تعالى- عبر الزمان القوم الظالمين. ٩ - محمد ﷺ نذير كمن سبقه من الرسل، والقرآن نذير كالكتب قبله وهو كلام رب البشر. ١٠ - تأكيد اقتراب الساعة والناس في لهو وغفلة، وأولى بهم أن يلتفتوا لما ينجيهم من السجود للَّه وتعظيمه وحده. * * *

стр. 4601

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٨. قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾. في هذه الآيات: تأكيد اللَّه تعالى حدث المعراج بإقسامه بالنجم، وتتابع الآيات في ذلك كالقوارع تخرق العقول والقلوب، وتفسد على أصحاب النزعة المادية حياتهم، وتنذر الأمة من مغبة تحكيم الفلسفة والرأي ومعارضة الوحي، فإن الوحي قوة فتاكة إذا سلطها اللَّه سبحانه على أمة فإنها لا تبقي ولا تذر. فقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال مجاهد: (إذا سقطت الثريا مع الفجر). وهو قسم من اللَّه تعالى. قال الشعبي: (الخالق يُقسِمُ بما شاء من خَلْقِه، والمخلوق لا ينبغي له أنْ يُقسم إلا بالخالق). وقال الضحاك: (﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾: إذا رُمي به الشياطين). وهو قول يحتمله التأويل ومفهوم رجم الشياطين بالأشهب الثاقبة. وقيل: المقصود الزهرة - حكاه السدي، واللَّه تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ جواب القسم. فقد أقسم سبحانه بمخلوق عظيم يراه الناس ويبصرونه عظيمًا، ليؤكد أمرًا كبيرًا جليلًا، وهو أن هذا النبي ما حاد عن الحق ولا زال عنه، ولا تركه لحظة إلى خرافات الأولين وهذيانات القاصين والمشعوذين.

стр. 4602

والضال هو السالك في الجهالة يخبط في طريقه بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحق، العادِلُ عنه قصدًا إلى غيره. قال ابن كثير: (فنزه اللَّه رسولَه وشرْعَه عن مشابهة أهل الضّلال كالنّصارى وطرائِق اليهود، وعن عِلم الشيء وكتمانِه والعمل بخلافه، بل هو -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وما بعثه اللَّه به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسَّداد). وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. أي ما ينطق عن هواه، فليس في قوله غاية لمصلحة أو غرض أو شهوة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. قال قتادة: (يوحي اللَّه ﵎ إلى جبرائيل، ويوحي جبريل إلى محمد ﷺ ). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. وفي صحيح السنة العطرة من آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن أبي رافع -وغيره- رفعه قال: [لا ألفِيَنَّ أحدَكُم مُتكئًا على أريكَتهِ يأتيه أمْرٌ مما أمَرْتُ به أو نَهَيْتُ عنه فيقول: لا أدري. ما وَجَدْنا في كتاب اللَّه اتَّبَعْناه] (١). وأبو رافع: هو مولى النبي ﷺ ، واسمه: أسْلَمُ. الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ : [ألا هَلْ عسى رجُلٌ يبلُغُهُ الحديثُ عني وهو مُتَّكِئٌ على أريكته، فيقول: بَيْننا وبينكم كتابُ اللَّه، فما وَجَدْنا فيه حلالًا استَحْللْناه، وما وجدنا

стр. 4603

فيه حرامًا حَرَّمناه، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّه ﷺ كما حرَّم اللَّه] (١). الحديث الثالث: أخرج أحمد والحاكم بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهُما، كِتابَ اللَّه، وسنتي، ولن يتَفَرَّقا حتى يردا عليَّ الحوض] (٢). الحديث الرابع: أخرج أبو داود وأحمد بسند قوي عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [كنتُ أكتبُ كلَّ شيء أسْمَعُهُ من رسول اللَّه ﷺ أريدُ حِفْظَه، فنهتني قريشٌ فقالوا: إنَّكَ تكتبُ كُلَّ شيء تسمعه من رسول اللَّه، ورسول اللَّه ﷺ بشرٌ يتكلَّمُ في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منهُ إلا حقّ] (٣). الحديث الخامس: أخرج أحمد بسند حسن عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: [قيل يا رسول اللَّه، إنك تداعبنا! قال: إني لا أقول إلا حقًا] (٤). الحديث السادس: أخرج البزار بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ما أخبرتكم أنه من عند اللَّه فهو الذي لا شكَّ فيه] (٥). وفي لفظ: [ما قلت لكم قال اللَّه فلن أكذبَ على اللَّه]. وقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. قال قتادة: (يعني جبريل). والقوى: جمع قوة، فإن جبريل ﵇ قد آتاه اللَّه خلقًا عجيبًا وقوة مذهلة. وقوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال ابن عباس: (ذو منظر حسن). وقال قتادة: (ذو خلق طويل حسن). وقال ابن زيد: (ذو قوة، المِرَّة: القوة). وقال ابن جرير: (عني بالقوة: صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات). وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي ارتفع واعتدل.

стр. 4604

ومنه ما روى أبو داود في السنن بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرّة سوي] (١). أي لا تحل الصدقة لغني ولا لصحيح سوي قوي. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. أي: فاستوى هذا الشديد القوي جبريل ومعه محمد ﵉ بالأفق الأعلى. قال الربيع: (السماء الأعلى، يعني جبريل ﵇. وقال عكرمة: (والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح). وقال مجاهد: (هو مطلع الشمس). وقال قتادة: (هو الذي يأتي منه النهار). واللَّه تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال الربيع: (هو جبريل ﵇. أي: ثم دنا جبريل من رسول اللَّه ﷺ ﴿فَتَدَلَّى﴾ أي: فزاد في القرب، والتدلي هو النزول بقرب الشيء. وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال مجاهد: (حيث الوتر من القوس). أي: فكان جبريل ﵇ قريبًا من النبي ﷺ على قدر قوسين أو أدنى من ذلك يعني: أو أقرب منه. وفي الصحيحين وسنن الترمذي عن عبد اللَّه بن مسعود: [في قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ وفي قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ وفي قوله: ﴿رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال فيها كلها: رأى جبريل ﵇ له ست مئة جناح] (٢). وفي لفظ الترمذي: [﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى رسول اللَّه جبرائيل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض]. وفي الصحيحين أيضًا عن مسروق قال: [قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قالت: ذاك جبريل ﵇، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنما أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسَدَّ الأفق] (٣).

стр. 4605

وفي جامع الترمذي عن الشعبي قال: [لقي ابن عباس كعبًا بعرفة فسأله عن شيء فكبّر حتى جاوبته الجبال. فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم. فقال كعب: إنّ اللَّه قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. قال مسروق: فدخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربَّه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيء قَفَّ (١) له شعري. قلت: رُويدًا، ثم قرأت ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ فقالت: أين تذهب بك؟ إنما هو جبريل. من أخبرك أن محمدًا رأى ربَّه أو كتم شيئًا مِمّا أمر به أو يعلم الخمس التي قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فقد أعظم الفرية، ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين، مرّة عند سدرة المنتهى، ومرّة في أجياد (٢) له ست مئة جناح، قد سدّ الأفق] (٣). ويؤكد هذا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال: [سألت رسولَ اللَّه ﷺ هل رأيتَ ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه] (٤). وكذلك ما جاء فيه من حديث أبي موسى قال: [قام فينا رسول اللَّه ﷺ بخمس كلمات فقال: إن اللَّه لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِضُ القسطَ ويَرْفَعُه، يُرْفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (٥). وأمّا ما روى مسلم عن ابن عباس: (﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رآه بفؤاده مرتين). فموقوف على ابن عباس، وهو من اجتهاده الخاص، وحديث عائشة مرفوع صريح أنه لم يره وما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه سبحانه في الدنيا. وقد وقفت على رواية رائعة عند ابن ماجة من حديث أبي هريرة، وذلك عند سؤال الملكين في القبر بعد الدفن، قال رسول الله ﷺ : [فيجلس الرجل الصالح في قبره،

стр. 4606

غيرَ فزع ولا مشعوف (١)، ثم يقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقول: كنتُ على الإسلام. فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول اللَّه ﷺ جاءنا بالبينات من عند اللَّه فصدقناه، فيقال له: هل رأيت اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه، فيفرج له فرجةٌ قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك اللَّه تعالى، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك، ويُقال له: على اليقين كُنْتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبْعثُ إن شاء اللَّه. . .] (٢). فيسأله الملكان عن أصول دينه التي لا تكون النجاة إلا بإقامتها وتعظيمها، ومن تلك الأسئلة: هل رأيت اللَّه؟ فيجيب الرجل الصالح بدين المرسلين المؤمنين: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه. وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. أي: أوحى إلى عبده ورسوله أمورًا من الدين، وأطلعه على أمور كثيرة: أولا: أوحى إليه شرع الصلاة: فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس -في الإسراء-: [. . . وأوحى اللَّه إليّ ما أوحى، ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب! خفف على أمتي فحطّ عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عني خمسًا. قال: إنّ أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد! إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، من هم بحسنة فلم يعملها كُتِبَت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا. ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب له شيئًا، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فَسَلْهُ التخفيف. فقال رسول اللَّه ﷺ : فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه] (٣).

стр. 4607

ثانيًا: أوحى له خواتيم سورة البقرة ومغفرة الكبائر للمؤمنين: فكان فيما أوحى اللَّه لنبيّه ﷺ ليلة الإسراء خواتيم سورة البقرة، وأخبره بمغفرة المقحمات لمن يموت من أمته لا يشرك باللَّه شيئًا. فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد اللَّه قال: [لما أُسري برسول اللَّه ﷺ انتُهِيَ به إلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيقبض منها. قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب. قال: فأعطي رسول اللَّه ﷺ ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأعطي خوايتم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك باللَّه من أمته شيئًا المقحمات] (١). ثالثًا: سمع صريف الأقلام وكتابة الملائكة أعمال العباد. فقد أخرج الإمام البخاري من حديث ابن عباس وفيه: [ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، ففرض اللَّه على أمتي خمسين صلاة. . . فرجعت فراجعته فقال: هي خمس وهي خمسون لا يُبدَّلُ القول لديّ] (٢). رابعًا: دخل الجنة ورأى نهر الكوثر فيها، ورأى في أصل سدرة المنتهى أنهارًا أربعة تفجّر منها. ففي صحيح البخاري عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [بينما أنا أسيرُ في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قبابُ الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّك، فإذا طينُه مِسْكٌ أذفَرُ] (٣). والأذفر هو الشديد الرائحة. وكذلك أخرج البخاري عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ قال: [فَرُفِعَ لي البيتُ المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يُصلي فيه كُلَّ يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخِرَ ما عليهم، وَرفِعَت لي سِدْرَةُ المنتهى فإذا نَبقُها كأنه قلال وورقُها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار: نهران

стр. 4608

باطنان ونهران ظاهران، فسألت جبريل: فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران النيل والفرات] (١). خامسًا: رأى النار وأبصر فيها عذاب الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم، وعذاب خطباء القول الذين لا يمتثلونه بالعمل. فقد أطلع اللَّه نبيّه ﵊ على صور من العذاب لأعمال تورد النار كالغيبة والنميمة والقذف والزنا والربا، وكذلك أراه صورًا من عذاب من يدّعي الطهارة ويعلمها للناس من خطباء هذه الأمة الذين يعملون على خلاف ما يقولون. ففي المسند بإسناد صحيح من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لما عرج بي ربي ، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم] (٢). وروى البيهقي بسند حسن من حديث أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أتيتُ ليلة أُسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت وفَتْ، فقلت يا جبريل: من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب اللَّه ولا يعملون به] (٣). سادسًا: رأى عن يمين آدم أهل الجنة، وعن يساره أهل النار. فقد خرّج البخاري من حديث أنس: [. . . فلما فُتِحَ علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسْوِدة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى. فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظرَ قِبَل شماله بكى] (٤). فصدقه المؤمنون بكل ما ذكره لهم وعلى رأسهم الصديق ﵁، وقد سُمِّيَ

стр. 4609

بذلك من يومئذ، في حين كذبته قريش وسخر من الحدث المشركون. ففي صحيح البخاري عن جابر، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: [لما كذبني قريش قمتُ في الحجر فجلّى اللَّه لي بيت المقدس، فطفِقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه] (١). وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال عبد اللَّه بن مسعود: (رأى جبريل ﵇ له ست مئة جناح) - رواه البخاري ومسلم كما سبق بتمامه. وعن قتادة: (﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى جبريل في صورته التي هي صورته. قال: وهو الذي رآه نزلة أخرى). وقوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾. قال ابن جرير: (أفتجادلون أيها المشركون محمدًا على ما يرى مما أراه اللَّه من آياته). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ﴿نَزْلَةً﴾ مصدر في محل نصب حال، والتقدير: ولقد رآه نازلًا نزلةً أخرى. قال القرطبي: (فقوله: ﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يعود إلى محمد ﷺ ، فإنه كان له صعودٌ ونزول مرارًا بحسب أعداد الصلوات المفروضة، فلكل عَرْجَةٍ نزلة. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ أي ومحمد عند سدرة المنتهى وفي بعض تلك النزلات). وقال النسفي: (﴿نَزْلَةً أُخْرَى﴾ مرة أخرى من النزول. أي: نزل عليه جبريل ﵇ نزلة أخرى في صورة نفسه فرآه عليها وذلك ليلة المعراج). وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن مسروق قال: [كنت عند عائشة فقلت: أليس اللَّه يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أوّلُ هذه الأمة سألَ رسول اللَّه ﷺ عنها، فقال: إنما ذاك جبريل. لم يَرَهُ في صورته التي خُلِقَ عليها إلا مَرَّتين. رآه مُنْهبِطًا من السماء إلى الأرض، سادًّا عظمُ خَلْقِهِ ما بينَ السماء والأرض] (٢). وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. السدرة: شجرة النبق في السماء السابعة، والمنتهى بمعنى موضع انتهاء علوم الخلائق. قال كعب: (إنها سدرة في أصل العرش، إليها ينتهي علم كل عالم، مَلك مقرّب أو نبيّ مرسل، ما خلفها غيب لا يعلمه إلا

стр. 4610

اللَّه). وقال في رواية أخرى: (إليها ينتهي علم الخلائق، ثم ليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى، لانتهاء العلم إليها). وقال الضحاك: (لأنه ينتهي إليها كل شيء من أمر اللَّه لا يعدوها). وفي صحيح البخاري من حديث مالك بن صعصعة مرفوعًا: [ورُفعت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال، وورقها كأنه آذان الفيول في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران] الحديث (١). وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه قال: [لما أسري برسول اللَّه ﷺ انْتُهِيَ به إلى سِدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيقبض منها] (٢). وقوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال النسفي: (أي الجنة التي يصير إليها المتقون، وقيل: تأوي إليها أرواح الشهداء). وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. أي رآه إذ يغشى السدرة ما لا يحيط به الوصف من الروعة والجمال والحسن. وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها. وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه السابق: [قال: ﴿يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب]. وفي صحيح مسلم من حديث أنس: [فلما غشيها من أمر اللَّه ما غَشِيَ تغيرت، فما أحد من خلق اللَّه يستطيع أن يَنْعَتَها من حُسْنِها] (٣). وقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. أي ما مال بصر محمد ﷺ يَعْدِل يمينًا وشمالًا عما رأى، ولا جاوز ما أمِرَ به. قال محمد بن كعب القرظي: (﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال: رأى جبرائيل في صورة الملك). وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال عبد اللَّه بن مسعود: (رأى جبريل ﵇ له ست مئة جناح) (٤). قال ابن زيد: (جبريل، رآه في خلقه الذي يكون به في السماوات قدر قوسين من رسول اللَّه ﷺ فيما بينه وبينه). وقال ابن جرير: (﴿لَقَدْ رَأَى

стр. 4611

مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾: لقد رأى محمد هنالك من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى). قلت: وقد سبق ذكر الآيات الكبيرة التي رآها نبينا ﷺ ليلة المعراج: كدخوله الجنة ورؤيته نهر الكوثر فيها، ورؤيته الأنهار الأربعة التي في أصل سدرة المنتهى تتفجّر منها، ورؤيته النار وعذاب بعض أهلها، ورؤيته الأسودة عن يمين آدم وشماله: نسمُ بنيه من أهل الجنة وأهل النار، إضافة إلى سماعه صريف الأقلام وكتابة الملائكة أفعال العباد، إلى غير ذلك من الآيات الكبيرة التي أطلع اللَّه عليها نبينا ﷺ في تلك الليلة. ١٩ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾. في هذه الآيات: تحقيرٌ للمشركين وأصنامهم، وتصغيرٌ لعقولهم وفساد حكمهم ومنهاجهم، وإثبات الأولى والآخرة للَّه العظيم، الذي لا يستطيع ابتداء الشفاعة لديه رسول أو ملك كريم، إلا من بعد أن يأذن اللَّه العزيز الحكيم. فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. تقريع من اللَّه سبحانه بالمشركين في اتخاذهم الأصنام والأوثان، وعبادتها من دون الرحمن، وتخصيص البيوت لها مضاهاة بكعبة أهل الإسلام. قال ابن كثير: (وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيتٌ بالطائف له أستار وسَدَنة، وحوله فِناءٌ مُعَظَّمٌ عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على مَنْ عداهم من أحياء العرب بعد قريش). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: ﵄ في قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: [كان اللّات رجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الحاجِّ] (١).

стр. 4612

قال ابن جرير: (كان قد اشتقوا اسم اللات من اسم اللَّه، فقالوا اللات يعنون مؤنثة منه) - تعالى اللَّه عن ذلك علوًا كبيرًا. وأما العُزّى فمشتقة من العزيز. وكانت شجرة عليها بناءٌ كبيرٌ وأستارٌ بنخلة، وهي بين مكة والطائف، وكانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: (لنا العزّى ولا عزّى لكم). فقال رسول اللَّه ﷺ : [قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ حَلَفَ فقال في حَلِفِهِ: واللّات والعُزّى، فليقل: لا إله إلا اللَّه] (١). والمقصود ما يكون من ذلك من زلة اللسان على عادة الجاهلية. وفي المسند وصحيح ابن حبان بإسناد على شرط مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: [حَلَفْتُ باللات والعُزَّى، فقال لي أصحابي: بئسَ ما قلتَ! قُلْتَ هُجرًا! فأتيت رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: قُل: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير. وانفث عن شِمالك ثلاثًا وتَعَوَّذ باللَّه من الشيطان الرجيم، ثم لا تَعُدْ] (٢). وأما "مَنَاة" فكانت تُعظِّمها خزاعة والأوس والخزرج في الجاهلية، وكانوا يهلون منها للحج إلى الكعبة. قال البخاري: (قال سفيان: مَناةُ بالمُشَلَّلِ مِنْ قُدَيْدٍ). قال: (وقال مَعْمَرٌ عن الزهري، عن عُروة، عن عائشة: كان رجالٌ من الأنصارِ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ لمناة، -ومناةُ صَنَمٌ بين مكةَ والمدينة- قالوا: يا نبي اللَّه، كنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة) (٣). وقد خرّج البخاري في صحيحه عند تفسير هذه الآية: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ عن عروة: قلت لعائشة ﵂: فقالت: [إنما كان مَنْ أَهَلَّ لِمَناة الطّاغِيَة التي بالمُشَلَّلِ لا يطوفون بين الصَّفا والمَرْوَةِ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ

стр. 4613

شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فطاف رسول اللَّه ﷺ والمسلمون] (١). وهذه الثلاثة هي من أشهر الطواغيت التي كانت العرب تعظمها كتعظيم الكعبة، وهناك غيرها. قال ابن إسحاق: (وقد كانت العربُ اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوتٌ تُعَظِّمُها كتعظيم الكعبة، بها سَدَنَةٌ وحُجَّابٌ، وتُهدي لها كما يُهدى للكعبة، وتطوفُ بها تطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضلَ الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيتُ إبراهيم ﵇ ومسجدُه، فكانت لقريش وبني كنانة العُزَّى بنخلة، وكانت سدنتها وحُجَّابُها بني شيبان من سُلَيم حلفاء هاشم) (٢). قلت: وقد بعث رسول اللَّه ﷺ سرية في أعقاب فتح مكة لخمس ليال بقين من رمضان أمَّرَ عليها خالد بن الوليد إلى العُزى ليهدمها -كما يروي ابن سعد في الطبقات- في ثلاثين فارسًا من أصحابه حتى انتهوا إليها، فهدمها ثم رجع إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره، فقال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فإنك لم تَهْدِمْها فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد وهو مُتَغَيِّظٌ فَجَرَّد سيفَه، فخرجت إليه امرأة عجوز عُريانة سوداء ناشرة الرأس، فجعل السَّادِنُ يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول اللَّه ﷺ فأخبره، فقال: نعم تِلك العُزَّى، وقد أَيِسَتْ أن تُعْبَدَ في بلادكم أبدًا. وكانت بِنَخْلة -على يوم من مكة-، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظمَ أصنامِهم، وكان سدنَتُها بني شيبان (٣). ثم بعث رسول اللَّه ﷺ سعدَ بن زيد الأشهلي إلى مناة -كما يروي ابن سعد في الطبقات-، وكانت بالمُشَلَّل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم، فخرج في عشرين فارسًا حتى انتهى إليها وعندها سادِنٌ، فقال السَّادِنُ: ما تُريد؟ قلتُ: هَدْمَ مَناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعدٌ يمشي إليها، وتخرُجُ امرأةٌ عُريانة سوداءُ، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتَضْرِبُ صَدْرها، فقال لها السَّادِنُ: مناة دونك بعضَ عُصَاتك، فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم، ومعه أصحابه فهدمه، وكسروه، ولم يجدوا في خزانته شيئًا (٤). وأما اللات فكانت لثقيف بالطائف -كما يروي ابن إسحاق في السيرة- وكان سدنتها

стр. 4614

وحُجابها بني مُعَتِّب، وقد بعث إليها رسول اللَّه ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صَخْر بن حَرب، فهدماها وجَعلا مكانها مسجدَ الطائف. وبذلك أزيلت أكبر مراكز الوثنية في جزيرة العرب، وأُجهز على قلاعها الخرافية ومنشآتها الأسطورية، لتسطع على الأرض من جديد شمس دين الإسلام دين الحق والتوحيد، وهي تشع فوق أرجاء مكة وربوعها، ومنها تمتد إلى أرجاء المعمورة، وهي تحمل إلى البشرية النور والأمن والتوحيد والإيمان، بعدما عانت البشرية زمنًا طويلًا من ظلام الشرك والكفر والظلم والطغيان، وليدخل الناس في دين اللَّه أفواجًا. وقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. أي: جعلكم للَّه البنات ولكم البنين قسمة جائرة. من ضازه يضيزه إذا ضامه. وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. إنكار على المشركين إحداثهم الكذب والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة، ما أنزل اللَّه بها حجة ولا مستند لهم بذلك إلا تعظيم آبائهم لها وحسن ظنهم بآبائهم وما تهوى نفوسهم، ولذلك قال سبحانه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. أي: ولقد جاءهم من اللَّه الوحي والنبوة فكذبوا واتبعوا أهواءهم. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾. أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له، وما كل من زعم أنه مهتد يكون كذلك، فالأمر للَّه تعالى مالك الدارين. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. أي: إذا كان أمر الشفاعة هكذا في حق الملائكة المقربين فكيف بالأصنام المذمومة؟ قال القرطبي: (هذا توبيخ من اللَّه تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقرّبه إلى اللَّه تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على اللَّه لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: [أما أهل النار الذين هم

стр. 4615

أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحما أُذِن بالشفاعة] الحديث (١). فالحديث يثبت أن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن اللَّه تعالى بذلك، وهذه الشفاعة لأهل الكبائر دون الشرك، فإن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. وفي معجم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [صنفان من أمتي لن تنالَهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق] (٢). ٢٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾. في هذه الآيات: تقريع على الكفار الذين لا يصدقون بالبعث في الدار الآخرة تسميتهم الملائكة تسمية الإناث بقولهم: هم بنات اللَّه، وأمْرٌ من اللَّه تعالى لرسوله ﷺ بالإعراض عن الكافرين، فإن اللَّه هو أعلم بالمهتدين وبمن إصرَّ على الضلال المحبين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾. إنكار على المشركين تسمية الملائكة كتسمية الأنثى، وزعمهم الفاسد أنها بنات اللَّه كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]. قال النسفي: (﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات اللَّه فقد سمّوا كل واحد منهم بنتًا وهي تسمية الأنثى). وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. أي ومالهم بما يَدَّعُون من مستند

стр. 4616

علم، وإنما هو الظن. ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. أي: ولا يجدي الظن ولا يقدّم لأهله نفعًا، ولا يقوم مقام الحق شيئًا. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إياكم والظَّن، فإنَّ الظَّنَ أَكْذَبُ الحديث] (١). وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾. أي: فدع -يا محمد- من أعرض عن الحق، ولم يُعَظِّم ربّه ، ويعلي ذكره فوق كل شيء. وقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ولم يطلب ما عند اللَّه في الدار الآخرة، ولكنه طلب زينة الحياة الدنيا، والتمس البقاء فيها). وقوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أي: العلم بأحوال الدنيا ومداخل أمورها غاية ما وصلوا إليه. وفي التنزيل نحو ذلك، قوله جل ذكره: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. قال الفراء: (﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ صَغّرهم وازدرى بهم، أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة). أخرج ابن حبان في "صحيحه"، وكذلك البيهقي، بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه يبغض كل جعظري جواظ، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة] (٢). والجَعْظَري: الفظ الغليظ المتكبر، والجوّاظ: الجموع المنوع. والسخاب: كالصخاب، وهو كثير الضجيج والخصام. وفي رواية ذكرها ابن الأثير: (خُشب بالليل، سُخُب بالنهار). أي: إذا جنّ عليهم الليل سقطوا نيامًا كأنهم خشب، فإذا أصبحوا تساخبوا على الدنيا وتسابقوا إليها حرصًا وشحًا وطمعًا. وللحديث شاهد صحيح عند الحاكم في "تاريخه" عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنّ اللَّه تعالى يبغض كلَّ عالمٍ بالدنيا، جاهِلٍ بالآخرة] (٣).

стр. 4617

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾. أي: إن ربك -يا محمد- هو أعلم بمن حاد عن دينه وأخطأ سبيل الهدى والنجاة، ممن هو قد أصاب قصد السبيل وسلك سبيل النجاة، وكل ذلك سابق في علم اللَّه تعالى. ٣١ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾. في هذه الآيات: إثبات الملك والحساب للَّه رب العالمين، وثناء على المجتنبين الكبائر والفواحش من المؤمنين، واللَّه تعالى هو أعلم بالمتقين. فقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. أي هو المالك -سبحانه- المتصرف في هذا الكون، الحاكم بين عباده، فمثيب للمحسنين ومعاقب للآثمين. قيل اللام في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة. قال القرطبي: (أي وللَّه ما في السماوات وما في الأرض، أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسيء ومحسن، فللمسيء السوءى وهي جهنم، وللمحسن الحسنى وهي الجنة). وقال النسفي: (﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بسبب الأعمال الحسنى. والمعنى أن اللَّه إنما خلق العالم وسوى هذا الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء منهم إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء). وقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قيل: الكبائر ما أوعد اللَّه عليه النار، والفواحش ما شرع فيها الحد. واللمم: الصغائر. وقيل: كبائر الإثم الشرك لأنه أكبر الآثام، والفواحش: الزنى. ثم استثنى استثناء منقطعًا: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال الشعبي: (كل ما دون الزنى). وقال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق: (إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة). أخرج ابن جرير بسند جيد عن ابن عباس: (﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾، قال هو الرجلُ يُلِمُّ بالفاحشة ثم يتوب).

стр. 4618

وأخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس -أيضًا-: [﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: قال النبي ﷺ : إن تَغْفِر اللهمَّ تغفر جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا ألَمَّا] (١) قال مجاهد: (هو الذي يأتي بالذنب ثم لا يعاوده). وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [ما رأيت شيئًا أشْبَهَ باللَّمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : إن اللَّه كَتبَ على ابن آدمَ حَظَّهُ من الزِّنا، أدركَ ذلكَ لا مَحَالَةَ، فزِنا العينِ: النَّظَرُ، وزِنا اللسانِ: المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تتمنَّى وتَشْتَهي، والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلك كُلَّهُ ويكَذِّبُهُ] (٢). وفي رواية لمسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [كُتِبَ على ابنِ آدمَ نصيبُهُ من الزِّنى، مُدْرِكٌ ذلك لا مَحَالَةَ، فالعينان زِناهُما النَّظَر، والأُذُنان زِناهما الاستماعُ، واللسانُ زناه الكلام، واليَدُ زناها البَطْشُ، والرِّجْلُ زناها الخُطا، والقلبُ يهوى ويتمنّى، ويُصَدِّق ذلك الفرجُ ويُكذِّبُه]. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾. أي: لمن تاب من ذنبه واستغفر - قاله ابن عباس. فرحمته تعالى وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، وفي التنزيل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يَحْكي عن ربه قال: [أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، قال: اللهمَّ! اغْفِر لي ذنبي، فقال ﵎: أَذْنَبَ عَبْدي ذَنْبًا، عَلِمَ أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، ويَأخُذُ بالذَّنب، ثم عادَ فأذْنَبَ، فقال: أيْ ربِّ! اغفِر لي ذَنْبي، فقال ﵎: عبدي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أنَّ له ربًّا يغفِرُ الذَّنْبَ، ويأخذُ بالذَّنْبِ، ثُمَّ عاد فأذْنَبَ، فقال: أي ربِّ! اغفر لي ذَنْبي، فقال ﵎: أَذْنَبَ

стр. 4619

عبدي ذنبًا، فَعَلِمَ أنَّ له ربًا يغفِرُ الذَّنب، ويأخذ بالذَّنبِ، اعمل ما شِئتَ فقد غفرت لك] (١). وفي صحيح مسلم -أيضًا- عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [لو يَعْلَمُ المؤمِنُ ما عِنْدَ اللَّه من العقوبةِ، ما طمِعَ بجنَّتِه أحَدٌ، ولوْ يَعْلَمُ الكافِر ما عِند اللَّه من الرَّحمة، ما قَنِطَ من جَنَّتهِ أحَدٌ] (٢). وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال ابن زيد: (حين خلق آدم من الأرض ثم خلقكم من آدم). وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ اللَّه خَلَقَ آدمَ من قُبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرض، فجاءَ مِنْهم الأحْمَرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ، والحَزْنُ، والخبيثُ، والطَّيِّبُ] (٣). فالمعنى: هو تعالى ﴿أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ -أي: بصير بأحوالكم وما يصدر عنكم، فهو يعلم ما يقع منكم في سابق علمه قبل أن يخلقكم، فقد أنشأ أباكم من الأرض ثم استخرج ذريته من صلبه فقسمهم فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير. أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي ﷺ ، مرفوعًا. [إنّ اللَّه خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول اللَّه فعلى ماذا نعمل؟ قال على مواقع القدر] (٤). وأخرج أبو يعلى في "مسنده" بسند صحيح لغيره عن أنس مرفوعًا: [إنّ اللَّه

стр. 4620

قبض قبضة فقال: في الجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: في النار ولا أبالي] (١). وقوله: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. أي: وهو -تعالى- أعلم بأحوالكم حين أنتم حمل لم تولدوا ولم تخرجوا من بطون أمهاتكم. أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه تعالى وكَّلَ بالرحم ملكًا يقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد اللَّه أن يقضي خلقها قال: أي رب شقي أو سعيد؟ ذكر أو أنثى؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتبُ كذلك في بطن أمه] (٢). وقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال زيد بن أسلم: (يقول: فلا تبرئوها). قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: فلا تشهدوا لأنفسكم بأنها زكية بريئة من الذنوب والمعاصي). وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. أي: اللَّه أعلم -يا محمد- بمن خاف مقام ربه وعظّم شرعه وحرص بصدق على النجاة من عقابه. وفي التنزيل نحو ذلك: - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. ومن صحيح السنة المطهرة في ذلك أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: [سَمَّيْتُ ابنتي بَرَّةَ، فقالتْ لي زينبُ بِنْتُ أبي سَلَمَةَ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نهى عن هذا الاسم، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا تُزكُّوا أنْفُسَكم، اللَّهُ أعْلَمُ بأهل البِرِّ مِنكُم". فقالوا: بِمَ نُسَمِّيها؟ قال: سَمُّوها زَيْنَبَ] (٣). ورواه مسلم عن أبي هريرة: [أنّ زينبَ كان اسْمُها بَرَّة، فقيل: تُزَكِّي نَفْسَها، فسَمّاها رسول اللَّه ﷺ زينب] (٤). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة عن

стр. 4621

أبيه قال: [أثنى رجلٌ على رَجُلٍ عند النبي ﷺ فقال: "وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبك"، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ مِرارًا. ثم قال: مَنْ كان مِنكم مادِحًا أخاه لا مَحالةَ فَلْيَقُل: أَحْسِبُ فُلانًا واللَّه حَسيبُهُ، ولا أُزكِّي على اللَّه أحدًا، أَحْسبُه كذا وكذا، إنْ كان يعلمُ ذلك منْه] (١). الحديث الثالث: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن هَمّام، قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه، فأخذ المقداد بن الأسود ترابًا فحثا في وجهه، وقال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا لقيتُم المَدَّاحين فاحْثوا في وجوههم التراب] (٢). ٣٣ - ٤١. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾. في هذه الآيات: ذمُّ أهل الإعراض والكبر، وتقرير أنه لا يحمل أحدٌ عن أحد الإثم والوزر، واللَّه تعالى لا يضيع لأحد استحقاقه من الثواب والأجر. فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾. ذمٌّ من اللَّه لمن تولى عن طاعته فلا صدّق ولا صلى، ولكن كذّب وتولى. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان باللَّه، وأعرض عنه وعن دينه). وقوله تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. أي أطاع قليلًا وأنفق ثم انقطع وأمسك وبخل. قال ابن عباس: (أطاع قليلًا ثم قطعه). وقال مجاهد: (﴿وَأَكْدَى﴾: انقطع عطاؤه). وقال قتادة: (أعطى قليلًا، ثم قطع ذلك). قال القرطبي: (وأصل "أَكْدى" من الكُدْية، يقال لمن حَفَر بئرًا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حَفْر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يُتَمِّم، ولمن طلب شيئًا ولم يبلغ آخره). وقال

стр. 4622

الكسائي: (أكْدى الحافرُ وأَجبل إذا بلغ في حَفْره كُدْية أو جبلًا فلا يمكنه أن يَحفِر). وقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. قال ابن كثير: (أي: أعندَ هذا الذي قد أمسكَ يده خشية الإنفاق، وقَطَعَ معروفَه، أعندهُ علمُ الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عِيانًا؟ ! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسكَ عن الصَّدقة والمعروف والبرِّ والصلة بُخلًا وشُحًّا وهَلَعًا). فالآية ذمٌّ لسلوك أهل البخل والشح الذين لا يثقون بإخلاف اللَّه الرزق لهم عقب الصدقات والإنفاق في سبيل اللَّه. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١]. وفي صحيح مسلم عن جابر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فان الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: [ما مِنْ يوم يُصْبحُ العِبادُ فيه إلا مَلكانِ ينزلانِ فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخرُ: اللهم أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (٢). وفي معجم الطبراني ومسند أبي يعلى بسند حسن من حديث بلال مرفوعًا: [أنفق بلالًا، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا] (٣). وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. أي: أم لم يخبر بما في التوراة التي أنزلها اللَّه سبحانه على موسى.

стр. 4623

وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. أي: وبما في صحف إبراهيم الذي أحسن الوفاء للَّه، وأخلص الانقياد والطاعة. قال ابن عباس: (﴿وَفَّى﴾ للَّه بالبلاغ). وقال سعيد بن جبير: (بلَّغ جميع ما أُمِرَ به). وقال قتادة: (﴿وَفَّى﴾ طاعة اللَّه، وأدّى رسالته إلى خلفه). وقول قتادة شامل لما سبق في تأويل هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. بيان من اللَّه سبحانه لما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى، أن وزر كل نفس إنما هو عليها لا يحمله عنها أحد. كما قال جل ذكره: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [قال رسول اللَّه ﷺ حين أُنْزِلَ عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من اللَّه، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد المُطَّلبِ! لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنكَ من اللَّه شيئًا. يا صَفِيَّةُ! عَمَّةَ رسول اللَّه ﷺ لا أغني عنك من اللَّه شيئًا. يا فاطمةُ! بنت رسول اللَّه سليني ما شِئت، لا أغني عنك من اللَّه شيئًا] (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. أي: أو لم يُنبأ كذلك أنه لا يجازى عامل إلا بعمله، فكما لا يُحْمَلُ عليه وِزْرُ غيره، كذلك لا يأخذ من الأجو إلا من كسبه وسعيه. وقد ثبت انتفاع العبد من عمل غيره بأمور: ١ - دعاء المسلم له، إن توفرت فيه شروط القبول. ففي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [دعوةُ المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملكٌ مُوَكَّل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكَّلُ به: آمين ولك بمثل] (٢). وفي صحيح أبي داود عن عثمان بن عفان ﵁ قال: [كان النبي ﷺ إذا فرغ

стр. 4624

من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل] (١). ٢ - قضاء وليِّ الميت صومَ النذر عنه. ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ مات وعليه صيام، صامَ عنه وليُّه] (٢). وأخرج أبو داود عن ابن عباس ﵁: [أن امرأة ركبت البحر فَنَذَرتْ، إِنِ اللَّه ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها اللَّه ، فلم تَصُم حتى ماتت، فجاءت قرابَةٌ لها (إما أختُها أو ابنتُها) إلى النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: أرأيتُك لو كان عليها دَيْنٌ كنتِ تَقْضِينَه؟ قالت: نعم. قال: فدينُ اللَّه أحق أن يُقضى، فاقض عن أمِّك] (٣). قال أبو داود في "المسائل" (٩٦). (سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إلا في النذر). ٣ - قضاء الدَّين عنه من أي شخصٍ موليًا كان أو غيره. فقد أخرج الحاكم بسند صحيح من حديث جابر قال: [مات رجل، فغسلناه، وكفَّناه وحَنَّطْناهُ، ووضعناه لرسول اللَّه ﷺ حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول اللَّه ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، فتخطّى خُطًا، ثم قال: لعل على صاحبكم دينًا؟ قالوا: نعم ديناران، فتخلّف، فقال له رجل منا يُقال له أبو قتادة: يا رسول اللَّه هما عليّ، فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلّى عليه] (٤). ٤ - الأعمال الصالحة من الولد الصالح. فإن لوالديه مثلَ أجره، دون أن يَنقُصَ من أجره شيء، لأن الولد من سعيهما وكسبهما، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].

стр. 4625

وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه] (١). وله شاهد في المسند وبعض السنن عنها بلفظ: [إنّ أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم]. ومن تلك الأعمال الصدقة والصيام والعتق ونحوه لأحاديث، منها: أ- أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: [أنّ رجلًا قال: إنّ أمي افْتُلِتَت نفسُها -أي ماتت فجأة- ولم تُوص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدّقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم، فتصدق عنها] (٢). ب - أخرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁: [أنّ رجلًا قال للنبي ﷺ : إنّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوص، فهل يكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم] (٣). ج - أخرج أبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمرو: [أنّ العاصَ بن وائل السَّهمي أوصى أنْ يُعْتَقَ عنه مئةُ رقبة، فأعتق ابنهُ هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يُعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إنَّ أبي أوصى أن يُعتق عنه مئة رقبةٍ، وإنَّ هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتِقُ عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (إنّه لو كان مسلمًا فأعتقتم أو تصدَّقتم عنه، أو حَجَجْتُم عنه بلغه ذلك) وفي لفظ: (فلو كان أقَرَّ بالتوحيد فصُمت وتصدّقت عنه نفعه ذلك)] (٤). فائدة: كل الأحاديث تفيد أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابُها. قال الشوكاني: (فيخصَّص بهذه الأحاديث عمومُ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى
следующие страницы →