أبيه قال: [أثنى رجلٌ على رَجُلٍ عند النبي ﷺ فقال: "وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحبك"، قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ مِرارًا. ثم قال: مَنْ كان مِنكم مادِحًا أخاه لا مَحالةَ فَلْيَقُل: أَحْسِبُ فُلانًا واللَّه حَسيبُهُ، ولا أُزكِّي على اللَّه أحدًا، أَحْسبُه كذا وكذا، إنْ كان يعلمُ ذلك منْه] (١).
الحديث الثالث: روى مسلم وأبو داود والترمذي عن هَمّام، قال: جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه، فأخذ المقداد بن الأسود ترابًا فحثا في وجهه، وقال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا لقيتُم المَدَّاحين فاحْثوا في وجوههم التراب] (٢).
٣٣ - ٤١. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾.
في هذه الآيات: ذمُّ أهل الإعراض والكبر، وتقرير أنه لا يحمل أحدٌ عن أحد الإثم والوزر، واللَّه تعالى لا يضيع لأحد استحقاقه من الثواب والأجر.
فقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾. ذمٌّ من اللَّه لمن تولى عن طاعته فلا صدّق ولا صلى، ولكن كذّب وتولى. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان باللَّه، وأعرض عنه وعن دينه).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. أي أطاع قليلًا وأنفق ثم انقطع وأمسك وبخل. قال ابن عباس: (أطاع قليلًا ثم قطعه). وقال مجاهد: (﴿وَأَكْدَى﴾: انقطع عطاؤه). وقال قتادة: (أعطى قليلًا، ثم قطع ذلك). قال القرطبي: (وأصل "أَكْدى" من الكُدْية، يقال لمن حَفَر بئرًا ثم بلغ إلى حجر لا يتهيأ له فيه حَفْر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يُتَمِّم، ولمن طلب شيئًا ولم يبلغ آخره). وقال
стр. 4622
الكسائي: (أكْدى الحافرُ وأَجبل إذا بلغ في حَفْره كُدْية أو جبلًا فلا يمكنه أن يَحفِر).
وقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. قال ابن كثير: (أي: أعندَ هذا الذي قد أمسكَ يده خشية الإنفاق، وقَطَعَ معروفَه، أعندهُ علمُ الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عِيانًا؟ ! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسكَ عن الصَّدقة والمعروف والبرِّ والصلة بُخلًا وشُحًّا وهَلَعًا).
فالآية ذمٌّ لسلوك أهل البخل والشح الذين لا يثقون بإخلاف اللَّه الرزق لهم عقب الصدقات والإنفاق في سبيل اللَّه.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١].
وفي صحيح مسلم عن جابر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فان الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: [ما مِنْ يوم يُصْبحُ العِبادُ فيه إلا مَلكانِ ينزلانِ فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقول الآخرُ: اللهم أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا] (٢).
وفي معجم الطبراني ومسند أبي يعلى بسند حسن من حديث بلال مرفوعًا: [أنفق بلالًا، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا] (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. أي: أم لم يخبر بما في التوراة التي أنزلها اللَّه سبحانه على موسى.
стр. 4623
وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. أي: وبما في صحف إبراهيم الذي أحسن الوفاء للَّه، وأخلص الانقياد والطاعة. قال ابن عباس: (﴿وَفَّى﴾ للَّه بالبلاغ). وقال سعيد بن جبير: (بلَّغ جميع ما أُمِرَ به). وقال قتادة: (﴿وَفَّى﴾ طاعة اللَّه، وأدّى رسالته إلى خلفه). وقول قتادة شامل لما سبق في تأويل هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. بيان من اللَّه سبحانه لما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى، أن وزر كل نفس إنما هو عليها لا يحمله عنها أحد. كما قال جل ذكره: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [قال رسول اللَّه ﷺ حين أُنْزِلَ عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]: يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من اللَّه، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد المُطَّلبِ! لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنكَ من اللَّه شيئًا. يا صَفِيَّةُ! عَمَّةَ رسول اللَّه ﷺ لا أغني عنك من اللَّه شيئًا. يا فاطمةُ! بنت رسول اللَّه سليني ما شِئت، لا أغني عنك من اللَّه شيئًا] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. أي: أو لم يُنبأ كذلك أنه لا يجازى عامل إلا بعمله، فكما لا يُحْمَلُ عليه وِزْرُ غيره، كذلك لا يأخذ من الأجو إلا من كسبه وسعيه.
وقد ثبت انتفاع العبد من عمل غيره بأمور:
١ - دعاء المسلم له، إن توفرت فيه شروط القبول.
ففي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [دعوةُ المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملكٌ مُوَكَّل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكَّلُ به: آمين ولك بمثل] (٢).
وفي صحيح أبي داود عن عثمان بن عفان ﵁ قال: [كان النبي ﷺ إذا فرغ
стр. 4624
من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل] (١).
٢ - قضاء وليِّ الميت صومَ النذر عنه.
ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ مات وعليه صيام، صامَ عنه وليُّه] (٢).
وأخرج أبو داود عن ابن عباس ﵁: [أن امرأة ركبت البحر فَنَذَرتْ، إِنِ اللَّه ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها اللَّه ، فلم تَصُم حتى ماتت، فجاءت قرابَةٌ لها (إما أختُها أو ابنتُها) إلى النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: أرأيتُك لو كان عليها دَيْنٌ كنتِ تَقْضِينَه؟ قالت: نعم. قال: فدينُ اللَّه أحق أن يُقضى، فاقض عن أمِّك] (٣).
قال أبو داود في "المسائل" (٩٦). (سمعت أحمد بن حنبل قال: لا يُصام عن الميت إلا في النذر).
٣ - قضاء الدَّين عنه من أي شخصٍ موليًا كان أو غيره.
فقد أخرج الحاكم بسند صحيح من حديث جابر قال: [مات رجل، فغسلناه، وكفَّناه وحَنَّطْناهُ، ووضعناه لرسول اللَّه ﷺ حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول اللَّه ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، فتخطّى خُطًا، ثم قال: لعل على صاحبكم دينًا؟ قالوا: نعم ديناران، فتخلّف، فقال له رجل منا يُقال له أبو قتادة: يا رسول اللَّه هما عليّ، فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلّى عليه] (٤).
٤ - الأعمال الصالحة من الولد الصالح.
فإن لوالديه مثلَ أجره، دون أن يَنقُصَ من أجره شيء، لأن الولد من سعيهما وكسبهما، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
стр. 4625
وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه] (١).
وله شاهد في المسند وبعض السنن عنها بلفظ: [إنّ أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم].
ومن تلك الأعمال الصدقة والصيام والعتق ونحوه لأحاديث، منها:
أ- أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: [أنّ رجلًا قال: إنّ أمي افْتُلِتَت نفسُها -أي ماتت فجأة- ولم تُوص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدّقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم، فتصدق عنها] (٢).
ب - أخرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة ﵁: [أنّ رجلًا قال للنبي ﷺ : إنّ أبي مات وترك مالًا ولم يُوص، فهل يكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم] (٣).
ج - أخرج أبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمرو: [أنّ العاصَ بن وائل السَّهمي أوصى أنْ يُعْتَقَ عنه مئةُ رقبة، فأعتق ابنهُ هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يُعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إنَّ أبي أوصى أن يُعتق عنه مئة رقبةٍ، وإنَّ هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتِقُ عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (إنّه لو كان مسلمًا فأعتقتم أو تصدَّقتم عنه، أو حَجَجْتُم عنه بلغه ذلك) وفي لفظ: (فلو كان أقَرَّ بالتوحيد فصُمت وتصدّقت عنه نفعه ذلك)] (٤).
فائدة: كل الأحاديث تفيد أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابُها. قال الشوكاني: (فيخصَّص بهذه الأحاديث عمومُ قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى
стр. 4626
التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العموميات القرآنية أنه لا يصلُ ثوابُهُ إلى الميت، فيوقَفُ عليها، حتى يأتي دليلٌ يقتضي تخصيصها) (١).
وقد استنبط الشافعي ﵀ من الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ أن القراءة لا يصل إهداءُ ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. ذكره الحافظ ابن كثير في "التفسير" ثم قال: (ولهذا لم يندبُ إليه رسول اللَّه ﷺ أمته ولا حَثَّهم عليه).
وقال العزّ بن عبد السلام: (ومن فعل طاعة للَّه تعالى، ثم أهدى ثوابها إلى حيّ أو ميت، لم يُنْتقل ثوابُها إليه، إذ ﴿لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فإن شَرَعَ في الطاعة ناويًا أن يقع عن الميت لم يقع عنه، إلا فيما استثناه الشرعُ كالصدقة والصوم والحج) (٢).
٥ - الآثار الصالحة والصدقات الجارية يخلفها الميت.
ففي التنزيل: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة أشياء: إلا من صدقة جارية، أو علمٍ يُنْتفَعُ به، أو ولدٍ صالح يدعو له] (٣).
وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علمًا علَّمَهُ ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومُصْحَفًا ورَّثَهُ، أو مسجدًا بناهُ، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقُهُ من بعد موته] (٤).
والخلاصة: يصل إلى الميت من الحي: الدعاء، وصوم النذر من الولي، وقضاء الدين، وأعمال الصلاح من الولد الصالح، والحج عنه حالة وصيته بذلك، وينتفع بالآثار الصالحة والصدقات الجارية التي خلفها، وأما العبادات البدنية كالصلاة والصوم وقراءة القرآن والذكر فالراجح عدم وصولها، وبه قال الشافعي ومالك وكثير من العلماء المحققين ﵏ جميعًا.
стр. 4627
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. بشارة للمؤمن ونذارة للكافر، أي: وأن نتائج سعيه سيراها في صحيفته يوم القيامة، ثم ينال أوفر الجزاء وأتمّه وأعدله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ. قال النسفي: (أي يرى هو سعيه يوم القيامة في ميزانه، ثم يجزى العبد سعيه ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾). قال القاسمي: (أي يجزى سعيه جزاءً وافرًا لا يبخس منه شيئًا).
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
وفي الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ قال: [ليس أحد يحاسَبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليس يقول اللَّه ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك] (١).
وفي الصحيحين أيضًا عن عدي بن حاتم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما منكم أحدٌ إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينَه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُهُ، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قَدَّم من عمله، وينظُرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النارَ تلقاء وجهِه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة] (٢).
وفي صحيح الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﵊ قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (٣).
٤٢ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا
стр. 4628
الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾.
في هذه الآيات: إثباتُ أمر الخلق والفرح والحزن والحياة والموت للَّه العظيم، وتأكيد إهلاكه -تعالى- عبر الزمان القوم الظالمين.
فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. أي المعاد، وانتهاء جميع الخلق إليه. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : وأن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم، صالحهم وطالحهم، ومحسنهم ومسيئهم).
أخرج الحاكم -والطبراني بنحوه- بسند صحيح لشواهده، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: [قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ : تعلمونَ المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. أي خلق الضحك والبكاء، والفرح والحزن، فأضحك وأفرح من شاء، وأبكى وأحزن من شاء.
وقال عطاء بن أبي مسلم: (﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء). وقال الحسن: (أضحك اللَّه أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار). وقال ذو النون: (أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ومعصيته). وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يضحكون؟ قال: (نعم! والإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي).
أخرج البخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "شعب الإيمان" -بإسناد صحيح على شرط مسلم- عن أبي هريرة قال: [خرج النبي ﷺ على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدّثون، فقال: "والذي نفسي بيده! لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم
стр. 4629
كثيرًا". ثم انصرف ﷺ وأبكى القوم، وأوحى اللَّه إليه: يا محمدُ! لِمَ تُقَنِّطُ عبادي؟ فرجع النبي ﷺ فقال: أبشروا، وسدِّدُوا، وقاربوا] (١).
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة مرفوعًا: [إن الكافر يزيدُه اللَّهُ ببكاءَ أهلِه عذابًا، وإن اللَّه لهو أضحك وأبْكى، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]] (٢).
وأخرج الحاكم على شرط الشيخين عن عبد اللَّه بن قيس أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ أهلَ النار ليَبْكون، حتى لو أُجريت السُّفُنُ في دموعهم، لجرت، وإنهم ليبكون الدَّم! - يعني- مكان الدَّمْعِ] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾. قال ابن بحر: (خلق الموت والحياة، كما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]). وقيل: قضى أسباب الموت والحياة. وقيل: أمات الكافر بالكفر، وأحيا المؤمن بالإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] الآية. وقال ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]- حكاه القرطبي. وبنحو ذلك قول عطاء: (أمات بعدله وأحيا بفضله). وقيل: (أمات الآباء وأحيا الأبناء). وقيل: (أنام وأيقظ). وقيل: (أمات في الدنيا وأحيا للبعث).
قلت: وجميع ما سبق مما يحتمله التأويل، فإن مفهوم الحياة والموت سواء في الأبدان أو النفوس والقلوب بيده ، فهو يحيي ويميت وإليه المصير.
أخرج البخاري وابن ماجة عن حذيفة قال: [كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا انتبه من الليل، قال: الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النُّشور] (٤).
وفي لفظ عند البخاري: [كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم باسمك أحيا وأموت]. وفي رواية من حديث أبي ذر بلفظ: [باسمك نموتُ ونحيا].
стр. 4630
وأخرج أحمد وابن حبان بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: [إن اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَلَّ] (١).
فالنور: هو نور الوحي الذي به تحيا القلوب، نور النبوة والرسالات. والظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء التي تميت القلوب، ظلمة الخضوع للغرائز والشهوات.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. أي: ابتدع إنشاء الزوجين وجعل كلًا منهما زوجًا للآخر.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾. أي إذا تدفق في الرحم. يقال: مَنى وأَمْنى. قال عطاء: (مَنى الرجل وأمْنى من المَنِيّ، وسميت مِنًى بهذا الإسم لما يُمنى فيها من الدماء أي يُراق). وقال أبو عبيدة: (تمنى: تُقَدَّر). والراجح الأول. قال القرطبي: (والنطفة الماء القليل، مشتق من نَطَفَ الماءُ إذا قَطَرَ. ﴿تُمْنَى﴾ تُصَبُّ في الرحم وتراق).
وفي التنزيل: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].
وفي سنن ابن ماجة بسند حسن عن بسر بن جحَّاش القُرَشي، قال: بزق النبي ﷺ في كفه. ثم وضع أصبُعَه السبابة وقال: [يقول اللَّه : أنّى تُعْجِزُني، ابنَ آدمَ! وقَدْ خلقتُكَ مِنْ مِثْل هذه. فإذا بَلَغَتْ نفسُكَ هذه (وأشار إلى حَلْقِه) قُلْتَ: أتَصَدَّقُ. وأنّى أوانُ الصَّدقة؟ ] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾. أي إعادة الخلق في نشاة أخرى، فإنه - تعالى- كما خلقَ البداءة فهو قادر على الإعادة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال مجاهد: (﴿أَغْنَى﴾: موَّل، ﴿وَأَقْنَى﴾: أخْدَم). وقال ابن عباس: (﴿أَغْنَى﴾ أعطى، ﴿وَأَقْنَى﴾: أرضى). والعرب تقول: "أقناه" اللَّه أي أعطاه ما يُقْتَنى من "القِنْية" والنَّشَب. "وأقناه" أيضًا: رضّاه. والقِنى: الرضا. ويقال: "أغناه اللَّه وأقناه" أي أعطاه ما يَسْكُنْ إليه.
стр. 4631
وخلاصة المعنى كما ذكر القاسمي ﵀: (﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ أي أغنى من شاء بالمال. و"أقناه" أي جعل له قنية، وهو ما يدّخره من أشرف أمواله).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال ابن عباس: (هو هذا النَّجمُ الوقَّاد الذي يُقال له: مِرِزَمُ الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه). قال النسفي: (هو كوكب يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، وكانت خراعة تعبدها، فأعلم اللَّه أنه رب معبودهم هذا).
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾. وهم قوم هود. وسميت الأولى لتقدمها في الزمان. وهم عاد بن إرم بن سام بن نوح، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨]. وكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على اللَّه تعالى وعلى رسوله، فدكهم اللَّه بريح صرصر عاتية، سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة، وأما عاد الآخرة فهم من ولد عاد الأولى.
وقد أبعد النّجعة اليوم بعض المتعالمين حين سمّى -أمريكة- بعاد الثانية، فزعم أن تلك الأولى وهذه الآخرة، جَهْلًا بتفسير كتاب اللَّه تعالى، واستخدامًا للفلسفة والرأي بدل تتبع دقائق الوحي.
وقوله: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. هم قوم صالح، أهلكهم اللَّه بالصيحة لما ظلموا. قال ابن جرير: (يقول جل ذكره: ولم يبق اللَّه ثمود فيتركها على طغيانها وتمرّدها على ربها مقيمة، ولكنه عاقبها بكفرها وعتوّها فأهلكها).
وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾. أي: وكذلك فقد أهلك سبحانه قوم نوح من قبل هؤلاء، فقد كانوا أشدَّ عنادًا وغرورًا وتمردًا من الذين من بعدهم. وفيه تسلية للنبيّ ﷺ وتعزية عما يلقاه من عناد قومه وكبرهم، فإن اللَّه قد أهلك من كان أكفر منهم وأطغى.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال القرطبي: (يعني مدائن قوم لوط ﵇ ائتفكت بهم، أي انقلبت وصار عاليها سافلها. يقال: أَفَكْته أي، قلبته وصرفته. ﴿أَهْوَى﴾ أي خسف بهم بعد رفعها إلى السماء، رفعها جبريل ثم أهوى بها إلى الأرض).
وقوله تعالى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. قال قتادة: (الحجارة). وقال ابن زيد: (الحجارة التي رماهم بها من السماء). وقوله: ﴿مَا غَشَّى﴾ تعظيم وتهويل لما صبّ عليها من
стр. 4632
العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود، كما قال جل ذكره: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].
وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. قال النسفي: (﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ﴾ أيها المخاطب ﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك بما أولاك من النعم أو بما كفاك من النقم، أو بأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وربوبيته تشكك).
٥٦ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: هذا محمد ﷺ أيها الناس- نذير من جنس الرسل من قبله الذين أنذروا قومهم، كما أن هذا البيان نذير يشبه ما أُنذر به الأولون في الكتب المتقدمة. وتأكيد اقتراب الساعة والناس في لهو وغفلة، وأولى بهم أن يلتفتوا لما ينجيهم من السجود للَّه وتعظيمه وحده.
فقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال قتادة: (أنذر محمد ﷺ كما أنذرت الرسل من قبله). وقال: (إنما بعث محمد ﷺ بما بعث الرسل قبله). وقال أبو مالك: (﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ مما أنذروا به قومهم في صحف إبراهيم وموسى).
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إنَّ مثلي ومثلَ ما بعثني اللَّه به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بِعَيْنيَّ، وإني أنا النذير العُرْيان] (١).
وقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال ابن عباس: (من أسماء يوم القيامة، عَظَّمَهُ اللَّه، وحذّره عباده). وقال مجاهد: (﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ قال: اقتربت الساعة). فالمعنى: اقتربت القريبة، وهي القيامة.
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يدفعُها إذن من دون اللَّه أحدٌ، ولا يَطلِعُ على عِلمها سواهُ).
стр. 4633
وقوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾. إنكار على المشركين استماعهم القرآن ثم إعراضهم عنه وعجبهم أن يكون نزل على محمد ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾. قال ابن جرير: (وتضحكون منه استهزاءً به، ولا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي اللَّه، وأنتم من أهل معاصيه).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال ابن عباس: (هو الغناء بالحميرية، سمد لنا: غنّى لنا). وقال مجاهد: (هو الغناء، يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنى). وقال الضحاك: (السُّمود: اللهو واللعب). وقال عكرمة، عن ابن عباس: (كانوا إذا سمعوا القرآن تَغَنَّوا ولعبوا). وقال الحسن: (﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾: غافلون).
والآية تشبه قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٦٧]. قال سعيد بن جبير: (يسمرون بالليل يخوضون في الباطل). وقال مجاهد: (بالقول السَّيِئ في القرآن). وأصل السَّمر: الحديث بالليل.
والخلاصة: أنَّ كفار مكة لما طغوا أخذوا يَسْمُرون بالليل يتغنون بكلام فاحش يؤذي اللَّه ورسوله، ويتمادون بلغو القول وهم يَهْذون ويلعبون ويطربون، فعَاب اللَّه ذلك عليهم في هذه الآيات التي تحمل لهم التهديد والوعيد.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. أي: فلربكم -أيها الناس- فاسجدوا مخبتين، وأخلصوا له العبادة والتعظيم. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن المراد سجود التلاوة، والأول أرجح.
وقد تقدّم أول السورة حديث الإمام البخاري عن ابن عباس: [أنَّ النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس] (١).
وله شاهد عند الدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: [إن النبي ﷺ سجد في سورة النجم وسجدنا معه].
وروى الجماعة إلا ابن ماجة عن زيد بن ثابت قال: [قرأت على النبي ﷺ والنجم
стр. 4634
فلم يسجد فيها] (١). ورجّح الحافظ في الفتح أن الترك كان لبيان الجواز.
تم تفسير سورة النجم بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه الاثنين ٩ - شوال - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢ - أيلول - ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 4635
دروس ونتائج وأحكام
١ - اللَّه تعالى يقسم بما شاء من خلقه، أما المخلوق فلا يحق له أن يقسم إلا بالخالق.
٢ - أمرُه ﷺ لابن عمرو بكتابة حديثه نَسْخٌ لأمره بعدم الكتابة.
٣ - جبريل ﵇ هو الذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، وحديثه ﷺ : "أتاني ربي في أحسن صورة" يعني في المنام، ولم تثبت رؤية اللَّه لأحد في الدنيا.
٤ - أمر ﷺ بعض أصحابه فهدموا كل وثن في الجزيرة العربية.
٥ - الظن المذموم هو ظن السوء، واجتناب الكبائر يكفر الصغائر، واستمرار الصغائر بريد للكبائر.
٦ - النهي عن تزكية النفس والمدح في الوجه.
٧ - الشافعي ﵀ يفتي بعدم وصول قراءة القرآن للأموات.
٨ - الذي خلق الإنسان من نطفة هو الذي يبعثه بعد موته.
٩ - إن الكافر يزيدُه اللَّه ببكاء أهله عذابًا، وإن اللَّه لهو أضحك وأبكى.
١٠ - إن اللَّه تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ.
١١ - لما قرأ النبي ﷺ ﴿فَاسْجُدُوا﴾ سجد، فسجد المؤمنون والمشركون، والجن والإنس.
١٢ - ترك السجود أحيانًا -سجود التلاوة- يدل على عدم الوجوب.
* * *
стр. 4636
٥٤ - سورة القمر
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٥).
روى مسلم في صحيحه عن عُبيد اللَّه بنِ عبد اللَّه، أنَّ عُمرَ بن الخطاب سأل أبا واقد اللَّيْثي: ما كان يَقْرَأُ به رسول اللَّه ﷺ في الأضحى والفِطْر؟ فقال: [كان يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾] (١).
موضوع السورة
اقتراب الساعة وحادثة انشقاق القمر وقصة تكذيب الأمم واتهام الحق بالسحر
- منهاج السورة -
١ - التنبيه على اقتراب الساعة، وحادثة انشقاق القمر، ومقابلة المشركين ذلك الحدث بالسحر والتكذيب.
стр. 4637
٢ - تسليةُ اللَّه نبيّه بالإعراض عن المشركين، الذين كذبوا بآية انشقاق القمر وكانوا بها كافرين، والوعيد بنزول الانتقام منهم يوم الدين.
٣ - قصة تكذيب الرسل منذ كذب قوم نوح رسولهم -أول الرسل ﵊، فدعا على قومه حين استعصوا فأنزل اللَّه بهم الانتقام. وجعل إهلاكهم آية باقية عبر الزمان.
٤ - قصة تكذيب عاد رسولهم، وإرسال اللَّه عليهم الريح لاستئصالهم.
٥ - قصة تكذيب ثمود رسولهم، وإرسال اللَّه عليهم الصيحة لإهلاكهم.
٦ - قصة تكذيب قوم لوط رسولهم، وتدمير اللَّه قريتهم على رؤوسهم.
٧ - قصة تكذيب آل فرعون رسولهم، وانتقام اللَّه منهم بإغراقهم.
٨ - ليس كفار مكة ببعيد إهلاكهم إن تمادوا بالكفر شأن من سبقهم.
٩ - سوء مصير المجرمين في عذاب الهون في الجحيم، وكل شيء قدّره اللَّه إلى يوم الدين.
١٠ - سعادة المؤمنين في روضات جنات النعيم، يتنعمون بالملذات من اللَّه المنعم الكريم.
* * *
стр. 4638
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾.
في هذه الآيات: التنبيهُ على اقتراب الساعة للغافلين، وانشقاق القمر بمكة أمام أعين المشركين، ومقابلتهم ذلك بالتكذيب والاتهام بالسحر شأن الأولين المستكبرين.
فقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. أي: قربت ودنت الساعة التي تقومِ فيها القيامة. وهو كقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]. وكقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]. وكقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]. قال ابن جرير: (﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: هذا من اللَّه تعالى ذكره إنذار لعباده بدنوّ القيامة، وقرب فناء الدنيا، وأمر لهم بالاستعداد لأهوال القيامة قبل هجومها عليهم، وهم عنها في غفلة ساهون).
ومن كنوز السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁ قال: [رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ قال لإصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام: بُعِثْتُ والساعة كهاتين] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند على شرط الشيخين عن إسماعيل بن عُبَيد اللَّه قال: قدِم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فسأله: ماذا سَمِعْتَ من
стр. 4639
رسول اللَّه ﷺ يذكرُ به السَّاعة؟ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [أنتم والسَّاعةُ كهاتين] (١).
الحديث الثالث: أخرج الحافظ أبو بكر البزار بسند حسن عن قتادة، عن أنس: [أنّ رسول اللَّه ﷺ خَطَبَ أصحابَه ذات يوم، وقد كادت الشَّمسُ أن تَغْرُبَ فلم يَبْقَ منها إلا شِفٌّ يسير، فقال: "والذي نفسي بيده ما بقيَ من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه"، وما نرى من الشَّمس إلا يسيرًا] (٢). والشف اليسير: الشيء القليل.
وله شاهد عند الإمام أحمد عن ابن عمر قال: [كنا جلوسًا عند النبي ﷺ والشمسُ على قُعَيقعانَ بعد العصر، فقال: ما أعمارُكم في أعمار من مَضى إلا كما بَقِيَ من النَّهار فيما مضى] (٣).
الحديث الرابع: روى مسلم في الصحيح عن خالد بن عُمَيْر العدوي قال: [خطبنا عُتْبَةُ بن غزوانَ، فَحمدَ اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بَعْدُ، فإن الدنيا قد آذَنَتْ بِصُرْمٍ (٤) ووَلّت حَذَّاءَ (٥)، ولم يثقَ منها إلا صُبَابَةٌ (٦) كَصُبابَةِ الإناء، يَتَصَابُّها صاحِبُها، وإنَّكم مُنْتَقِلون منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانْتَقِلُوا بِخَيْرِ ما بِحضرتِكُم، فإنه قد ذُكِرَ لنا أن الحجرَ يُلْقى من شَفَةِ جَهَنَّمَ، فيهوي فيها سبعين عامًا لا يُدْرِكُ لها قَعْرًا، وواللَّه! لتُمْلأَنَّ، أفَعَجِبْتُم؟ ولقد ذُكِرَ لنا أنَ ما بَيْنَ مِصْراعَيْن مِنْ مصاريعِ الجنة مَسيرةُ أربعين سنةً، وليأتِيَنَّ عليها يومٌ وهو كَظِيظٌ من الزِّحَام] (٧).
وقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. أي: وانفلق القمر، وذلك أيام كان رسول اللَّه ﷺ بمكة قبل الهجرة. فإنه أمام إلحاح المشركين في رؤية معجزة حسية لتصديق النبوة، استجاب اللَّه تعالى لذلك فأراهم آية انشقاق القمر نصفين حتى رأوا جبل حراء بينهما.
стр. 4640
فقد أخرج البخاري عن أنس ﵁: [أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّتَين حتى رأوا حراءً بينهما] (١).
وقد رواها الإمام البخاري أيضًا عن شاهد عيان وهو عبد اللَّه بن مسعود ﵁ حيث قال: [انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمِنى فقال: اشهدوا، فذهبت فرقة نحو الجبل] (٢).
وقد بَيَّنَ الإمام الترمذي في جامعه ترافق ذلك مع نزول آية القمر، حيث روى عن أنس ﵁ قال: [سأل أهلُ مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ذاهب] (٣).
وكذلك فقد روى الترمذي وصفًا بديعًا للحدث عن ابن مسعود قال: [بينما نحن مع رسول اللَّه ﷺ بمنى، فانشق القمر فلقتين: فلقة من وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول اللَّه ﷺ : "اشهدوا" يعني: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾] (٤).
وأخرج الطبراني بسند حسن عن عكرمة، عن ابن عباس قال: [كُسِفَ القمر على عهد رسول اللَّه ﷺ فقالوا: سُحِرَ القَمَرُ. فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قوله ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾] (٥).
وقد أورده الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" وقال: (سنده جيد، وفيه أنه كسف تلك الليلة، فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه، ولهذا خفي أمره على كثير من أهل الأرض).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
أي: وإن يبصر هؤلاء المشركون دليلًا وحجَّة وبرهانًا ساطعًا لا يقرون بالحق ولا ينقادون له، بل يعرضون ويتكبرون ويتهمون ما رأوه بالسحر الذاهب المضمحل
стр. 4641
الذي لا دوام له. قال مجاهد: (﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾: ذاهب)، وهو من قولهم: مَرَّ الشيء واستمر إذا ذهب. وقال الضحاك: (محكم قوي شديد)، وهو من المِرَّة وهي القوة. والأول أرجح لورود النص فيه.
أخرج الترمذي بسند صحيح عن جبير بن مطعم قال: [انشق القمر على عهد رسول اللَّه ﷺ ، حتى صار فرقتين، على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقال بعضهم: لئن كان سحرنا، فما يستطيع أن يسحر الناس كلهم] (١).
وأخرج البيهقي فىِ "الدلائل"، والطيالسي بنحوه، عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: [انْشَقَّ القمرُ بِمَكَّةَ حتى صار فِرْقَتين، فقال كُفَّار قريش أهل مكة: هذا سِحْرٌ سَحَرَكم به ابنُ أبي كَبْشَةَ، انظروا السُّفَّار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتُم فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُم به. قال: فَسُئِلَ السُّفَّار، قال: وقَدِموا من كل وجهٍ، فقالوا: رأيناه] (٢).
ولفظ الطيالسي: قال عبد اللَّه بن مسعود: [انشَقَّ القمرُ على عهد رسول اللَّه ﷺ فقالت قريشٌ: هذا سِحْرُ ابن أبي كبشة. قال: انظروا ما يأتيكم به السُّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيعُ أن يسحَرَ الناس كُلَّهم. قال: فجاء السُّفَّار فقالوا ذلك] (٣).
والخلاصة: لقد علّل المشركون تلك الآية العظيمة بالسحر الذي كانوا عادة يفرون من الحقيقة بالاتهام به، فقد اتهموا الرسول ﷺ به من قبل، ولكنّ اللَّه حاجَّهم بالمعجزات الحسية شأن الأمم قبلهم، ليحق عليهم ما حقَّ على الأمم الذين كذبوا وعاندوا من قبلهم.
وفي التنزيل: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
وتأويل الآية: أي كما أن معجزة صالح ﷺ لم تنفع في جلب ثمود إلى الإيمان، فإن المشركين من قريش لن تنفعهم معجزة يعطيها اللَّه لمحمد ﵊،
стр. 4642
قياسًا على عبر التاريخ والزمان، وعلى سنة الأولين مع رسلهم عَبْرَ القرون والدهور والأيام.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾.
أي: وكذّب هؤلاء المشركون من قريش ما جاءهم من آيات اللَّه، وقد عاينوا القمر وقد انفلق فلقتين، وآثروا اتباع أهواء نفوسهم من التكذيب بما يثبت نبوة محمد ﷺ ، وكل أمر وعدهم اللَّه أو قدّره كائن في وقته، وسيثبت ويستقر عند ظهور العقاب والثواب.
وعن قتادة: (﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾: أي بأهل الخير الخير، وبأهل الشر الشر). وقال ابن جريج: (مستقر بأهله). وقال مجاهد: (﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: يوم القيامة). وقال السدي: (﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: واقع).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. أي: ولقد جاءهم في هذا القرآن من أخبار الأمم قبلهم وقصص هلاكهم عند تكذيبهم الرسل، ما فيه عظة وعبرة لمن يعتبر. وعن مجاهد: (قوله: ﴿مُزْدَجَرٌ﴾ قال: منتهى).
وقوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَة﴾. فيه أكثر من تأويل يناسب السياق:
١ - يعني القرآن، وهو بدل من "ما" من قوله: ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. حكاه القرطبي.
٢ - هو حكمة، أي خبر لمبتدأ محذوف. ﴿بَالِغَةٌ﴾: أي حكمة قد بلغت غايتها من الإحكام والتنزه عن الخلل، ومن الاشتمال على البراهين السَاطعة والحجج التي كل منها كالجبل.
٣ - جملة مستأنفة للتعجب من حالهم، مع ما جاءهم مما يقود إلى الإيمان بادئ بدء. -حكاه القاسمي- وقال: (وهو ما يفهم من تأويل ابن كثير. وعبارته ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي في هدايته تعالى لمن هداه، وإضلاله لمن أضله).
وقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. النذر إما جمع نذير، أو تكون بمعنى الإنذار. وهناك تأويلان حسب موقع "ما" من الإعراب:
أ- "ما" نافية. أي ليست تغني عنهم النذر. قال ابن جرير: (فليست تغني عنهم النذر ولا ينتفعون بها، لإعراضهم عنها وتكذيبهم بها).
٢ - "ما" -بمعنى "أنّى"- استفهام يفيد التوبيخ. قال القرطبي: (أي فأي شيء تغني
стр. 4643
النذر عنهم وهم معرضون عنها). وقال ابن كثير: (يعني: أيُّ شيء تغني النذر عَمَّن كتب اللَّه عليه الشقاوة، وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد اللَّه؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]).
٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ بالإعراض عن المشركين، وتَرَقُّبِ نزول الانتقام بهم يوم الدين، يوم هم على النار يفتنون.
فقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾. أي: فأعرض عن هؤلاء المشركين من قومك -يا محمد- الذين إن يروا آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر، وانتظر لهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾. قال ابن كثير: (إلى شيء مُنكَر فَظِيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من البلاء، بل والزلازل والأهوال).
وقوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾. قال قتادة: (أي ذليلة أبصارهم). قال القرطبي: (الخشوع في البصر الخضوع والذلّة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العزّ والذّل يتبين في ناظر الإنسان، قال اللَّه تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات: ٩]. وقال تعالى: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]).
وقوله: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾. أي من القبور، واحدها جدث.
وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾. أي: كأنهم في انتشارهم -بعد خروجهم من قبورهم- وسعيهم إلى موقف الحساب جراد منتشر في الآفاق.
وقوله: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾. أي: مسرعين بنظرهم قِبَل داعيهم إلى ذلك الموقف الرهيب، فلا يخالفون ولا يتأخرون. قال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾: أي عامدين إلى الداع). وقال النسفي: (مسرعين مادي أعناقهم إليه).
وقوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾. أي صعب شديد، عبوس قمطرير، كثير الأهوال والشدائد. قال ابن جرير: (وإنما وصفوه بالعسر لشدة أهواله وبلْباله). قال اللَّه
стр. 4644
تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠].
وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق] (١).
٩ - ١٧. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾.
في هذه الآيات: قصة تكذيب الرسل منذ كَذَّبَ قوم نوح نبيهم ﵇، فلجأ إلى اللَّه بالدعاء حين استعصوا فجاء الانتقام، وجعل سبحانه قصة إهلاكهم آية تتناقلها الأجيال على مرّ الزمان.
فقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾. تهديد للمشركين من أهل مكة، وتسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذاهم وتكذيبهم.
وقوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾. قال مجاهد: (استطير جنونًا). وقال مجاهد أيضًا: (استعر جنونًا). وقال ابن زيد: (اتهموه وزجروه وأوعدوه لئن لم يفعل ليكوننّ من المرجومين، وقرأ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦]). وكلا المعنيين متوجه مناسب للسياق.
وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فدعا نوح ربه: إن قومي قد غلبوني، تمرّدًا وعتوًّا، ولا طاقة لي بهم، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك).
стр. 4645
وقوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾. قال السدي: (هو الكثير).
والمقصود: فأجبنا نوحًا إذ دعانا مستغيثًا بنا فأرسلنا ماء السماء منهمرًا متدفقًا يحمل للكافرين أهوال فيضان العذاب.
وقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾. أي: وفجرنا ينابيع الأرض وعيون الماء ليلتقي ماء الأرض مع ماء السماء على أمر قَدْ قدَّره اللَّه وقضاه.
وقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾. الدُّسر: جمع دسار، والدّسار المسمار.
ومن أقوال المفسرين في ذلك:
١ - قال القرطبي: (الدّسُر: المسامير). وقال قتادة: (مساميرها التي شدّت بها). وقال ابن زيد: (الدُّسر: المسامير التي دُسرت بها السفينة، ضربت فيها، شدّت بها). واختار هذا المعنى ابن جرير.
٢ - وقال مجاهد: (الدُّسر: أضلاع السفينة).
٣ - وقال عكرمة: (هو صدرُها الذي يُضرب به الموج).
٤ - وقال الضَّحاك: (الدسُر: طرفاها وأصلُها).
٥ - وقال العوفي، عن ابن عباس: (هو كَلْكَلُها، أي صدرها).
قلت: وفي لغة العرب: الدُّسُر: خيوط تُشَدُّ بها ألواح السفينة، وقيل هي المسامير، فيكون المعنى الأول هو الأنسب في التأويل، وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير.
وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. قال سفيان: (بأمرنا). وقال ابن كثير: (أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حِفظنا وكَلَاءتنا).
قلت: ولفظ العين في القرآن قد يفيد الصفة التي لا بد من إثباتها للَّه تعالى، وقد يفيد العناية والرعاية. فقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] يفيد الأمرين:
١ - إثبات العين للَّه تعالى.
٢ - مفهوم الرعاية والحفظ والكلاءة. قال أبو نهيك: (ولتعمل على عيني). أي:
стр. 4646
فكانت تربية موسى ﵇ برعاية اللَّه وحفظه. وكذلك قوله تعالى هنا في آية القمر: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾.
وقوله: ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِر﴾. قال مجاهد: (لمن كان كفر فيه). أو قال: (كفر باللَّه).
والمقصود: إنما غرّقنا قوم نوح ونجينا نوحًا: عقابًا من اللَّه، وثوابًا للذي جُحِد وكُفِر. فكان جزاء لقوم نوح على كفرهم باللَّه، وانتصارًا لنوح ﷺ في صبره وثباته وجهاده.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾. قال القرطبي: (يريد هذه الفعلة عبرةً. وقيل: أراد السفينة تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل). قال البخاري: (قال قتادة: أبقى اللَّه سفينة نوحٍ حتى أدركها أوائل هذه الأمة).
وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: فهل من خائف مُتَّعِظ معتبر! قال ابن زيد: (المدّكر: الذي يتذكّر). وأصله مُذْتَكِر مُفْتَعِل من الذكر، فثقلت على الألسنة فقلبت التاء دالًا لتوافق الذال في الجهر وأدغمت الذال فيها.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن الأسود، عن ابن مسعود قال: [أقرأني رسول اللَّه ﷺ : "فهل من مُدّكر". فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، مُدَّكِر أو مُذَّكِر؟ قال: أقرأني رسول اللَّه ﷺ مدَّكِر] (١).
وفي صحيح البخاري عن الأسود بن يزيد، عن عبد اللَّه قال: [قرأت على النبي ﷺ : "فهل من مُذَّكر". فقال النبي ﷺ : "فهل من مُدَّكِر"] (٢).
وكذلك روى البخاري عن الأسود، عن عبد اللَّه قال: [كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ: "فهل من مدّكر"] (٣).
وفي الصحيحين عن أبي إسحاق: أنه سمِعَ رجلًا يسأل الأسودَ: "فهل من مدكر"، أو: "مُذَّكر"؟ قال: [سمعت عبد اللَّه يقرأ: "فهل من مدّكر". وقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرؤها: "فهل من مدّكر" دالًا] (٤).
стр. 4647
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قال ابن كثير: (أي: كيف كان عذابي لمن كَفَر بي وكَذَّب رُسُلي ولم يَتَّعِظ بما جاءت به نُذُري؟ وكيف انتصرتُ لهم، وأخذت لهم بالثَّأر؟ ).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. قال البخاري: (قال مجاهد: يَسَّرنا: هَوَّنَّا قِراءَته). وقال السدي: (يَسَّرنا تلاوته على الألسُن). وقال ابن زيد: (يسَّرنا: بَيَّنا). قال ابن عباس: (لولا أن اللَّه يسَّره على لسانِ الآدميين ما استطاعَ أحدٌ من الخلق أن يتكلم بكلام اللَّه .
والمقصود: امتنان من اللَّه تعالى على عباده أن سهَّل لفظ القرآن لهم، ويَسَّر فهم معناه، ليكون ذكرى لمن أراد أن يذّكَّر أو أراد شكورًا.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: [إن رسول اللَّه ﷺ قال: أقرأني جبريلُ ﵇ على حرف، فراجَعْتُه، فلم أزل أستزيدُهُ فيزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف] (١).
قال ابن شِهاب: (بلغني أنَّ تلكَ السَّبْعَةَ الأحرف إنما هيَ في الأمرِ الذي يكونُ واحِدًا، لا يخْتَلِفُ في حلالٍ ولا حرامٍ).
وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: فهل من متّعظٍ بهذا القرآن متذكر وعده ووعيده؟ ! قال محمد بن كعب القرظي: (فهل من مُنْزَجِرٍ عن المعاصي؟ ). قال البخاري: (وقال مطرٌ الورَّاقُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال: هلْ مِنْ طالبِ عِلْمٍ فيعانَ عليه؟ ).
ولقد تكرر في هذه السورة قوله سبحانه: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ للتنبيه والإفهام. قال القرطبي: (وقيل: إنّ اللَّه تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم وقصص
стр. 4648
المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو ادّكر، وإنما كرّر هذه الآية عند ذكر كل قصة بقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ لأن "هَلْ" كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم وجعلها حجة عليهم، فاللام من "هَلْ" للاستعراض والهاء للاستخراج).
١٨ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبار عن عاد قوم هود حين كذبوا رسولهم فأرسل اللَّه عليهم ريحًا صرصرًا -أي باردة شديدة- في يوم نحس عليهم، مستمر عذابه لاتصال عذاب الدنيا بالآخرة. وكانت الريح ترفع أحدهم ثم تنكسه على أم رأسه، وقد جعلها اللَّه آية تتناقلها الأجيال إلى يوم القيامة.
فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فانظروا معشر كفرة قريش باللَّه كيف كان عذابي إياهم، وعقابي لهم على كفرهم باللَّه، وتكذيبهم رسوله هودًا، وإنذاري بفعلي بهم ما فعلت من سلك طرائقهم، وكانوا على مثل ما كانوا عليه من التمادي في الغيّ والضلالة).
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال ابن عباس: (ريحًا شديدة). وقال قتادة: (والصرصر: الباردة). وقال ابن زيد: (الصرصر: الشديدة).
وقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. أي في يوم شرّ وشؤم عليهم. قال قتادة: (النَّحْس: الشؤم). وقال ابن زيد: (النّحْس: الشَّر ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ في يوم شرّ).
وقوله: ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾. قال قتادة: (يستمر بهم إلى نار جهنم). والمقصود: لقد نزل بهم العذاب في يوم شؤم فمازال يتتابع البلاء عليهم بعده إلى أن وافوا جهنم.
وقوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾. قال القرطبي: (﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ في موضع الصفة للريح أي تَقْلَعهم من مواضعهم. قيل: قلعتهم من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها). والمنقعر: المنقطع من أصله. قال مجاهد: (كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم فتندقّ أعناقهم وتبين رؤوسهم عن أجسادهم).
стр. 4649
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. تهديد ووعيد لكفرة قريش ومن سار على منهاجهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: ولقد سهلنا القرآن للادّكار والاتعاظ بما صرفنا فيه من الوعد والوعيد والمواعظ الكثيرة.
٢٣ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من اللَّه جَلَّ وعزَّ عن تكذيب ثمود نبيهم صالحًا ﵊، وتطاولهم على الناقة بعقرها حتى نزل بهم من اللَّه الانتقام، وقد جعل اللَّه قصة إهلاكهم عبرة تتعاقب نقلها الأجيال على مر العصور والأزمان.
فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. قال القرطبي: (هم قوم صالح كذبوا الرسل ونبيهم، أو كذبوا بالآيات التي هي النذر).
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. قال ابن كثير: (يقولون: لقد خِبْنا وخَسِرنا إن سَلَّمنا كُلُّنا قيادَنا لواحدٍ منا! ). قال النسفي: (﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ كأن يقول إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وسعر ونيران -جمع سعير- فعكسوا عليه، فقالوا: إن اتبعناك كنا إذن كما تقول. وقيل: الضلال الخطأ، والبعد عن الصواب. والسعر: الجنون). وقال قتادة: (﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾: في عناء وعذاب). أو قال: (في ضلال وعناء).
وقوله: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾. استفهام بمعنى الإنكار. أي: أخُصِّص بالرسالة من بيننا وفي آل ثمود من هو أكثر منه مالًا وأحسن حالًا.
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾. أي بل هو كذاب بطر متكبر، حمله بطره وحرصه
стр. 4650
على التعظُّم علينا على ادّعاء ذلك. والأشَرُ في لغة العرب: البَطَر.
وقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. تهديد لهم ووعيد، على تطاولهم على نبي اللَّه بالاتهام والتكذيب.
وقوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾. أي: إنا مختبروهم بالناقة فمخرجوها لهم من الهضبة كما سألوا امتحانًا لهم. قال ابن كثير: (أخرج اللَّه تعالى لهم ناقةً عظيمة عُشَرَاء من صَخْرَةٍ صَمَّاءَ طِبقَ ما سألوا، لتكون حُجَّة اللَّه عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به).
وقوله: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾. أمر من اللَّه تعالى لصالح ﵇ بلزوم الصبر والمصابرة، فإن العاقبة والنصر سيكون له في الدارين. قال النسفي: (﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري).
وقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يوم لهم ويومٌ للناقة. كقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]. وقيل: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لأن العرب إذا أخبرت عن فعل جماعة بني آدم مختلطًا بهم البهائم، غلّبوا فعل بني آدم على فعل البهائم.
وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. قال مجاهد: (يحضرون بهم إلى الماء إذا غابت، وإذا جاءت حضروا اللبن). والشِّرب: الحظ من الماء. والمقصود: الناقة تحضرُ الماء يوم وردِها، وتغيب عنهم يوم وِردهم. قال ابن عباس: (كان يوم شِربهم لا تشرب الناقة شيئًا من الماء وتسقيهم لبنًا وكانوا في نعيم، وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كلّه فلم تبق لهم شيئًا).
أخرج الإمام أحمد من حديث جابر قال: [لما نزلنا الحجْر في مغزى رسول اللَّه ﷺ تبوك، قال: "أيها الناس لا تسألوا في هذه الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث اللَّه لهم ناقة، فبعث اللَّه إليهم الناقة، فكانت ترِدُ من ذلك الفجّ فتشرب ماءهم يوم وردها، ويحلبون منها مثل الذي كانوا يشربون يوم غِبِّها"] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. أي: فنادى القوم صاحبهم -قدار ابن سالف أحيمر ثمود- فاجترأ على الإقدام على عقرها، وتعاطى الأمر العظيم غير
стр. 4651
مكترث لعاقبته، كما قال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٢ - ١٤].
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. أي: فكيف كان عذابي مقابل تكذيبهم وكفرهم! قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه لقريش: فكيف كان عذابي إياهم معشر قريش حين عذبتهم ألم أهلكهم بالرجفة. ونُذُر: يقول: فكيف كان إنذاري من أنذرت من الأمم بعدهم بما فعلت بهم وأحللت بهم من العقوبة).
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾. يريد صيحة جبريل ﵇ التي كان فيها هلاكهم.
وقوله: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ فيه أكثر من تأويل:
١ - قال ابن عباس: (﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ قال: كالعظام المحترقة). وكأن المقصود: تمثيل هؤلاء القوم بعد هلاكهم وبلائهم بالشيء الذي أحرقه محرق في حظيرته.
٢ - قال الضحاك: (المحتظر: الحظيرة تتخذ للغنم فتيبس، فتصير كهشيم المحتظر، قال: هو الشوك الذي تحظر به العرب حول مواشيها من السباع، والهشيم: يابس الشجر الذي فيه شوك ذلك الهشيم).
٣ - قال سفيان: (الهشيم: إذا ضربت الحظيرة بالعصا تهشم ذاك الورق فيسقط. والعرب تسمي كل شيء كان رطبًا فيبس هشيمًا).
قلت: وكلها أقوال مُتقاربة مُتكاملة، يحتملها البيان الإلهي المعجز. قال القاسمي: (﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي كالشجر اليابس المتكسّر، الذي يتخذه من يعمل الحظيرة للغنم ونحوها. أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء. وقرئَ بفتح الظاء، اسم مكان. أي كهشيم الحظيرة، أو الشجر المتخذ لها. وهو تشبيه لإهلاكهم وإفنائهم، وأنهم بادوا عن آخرهم، لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا، كما يهمد وييبس الزرع والنبات بعد خضرة ورقه، وحسن نباته).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: ولقد سهلنا القرآن للتلاوة والادّكار والاتعاظ بما فيه من قصص ومواعظ وعبر، فهل من متعظ أو معتبر! ؟
стр. 4652
٣٣ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾.
في هذه الآيات: تكذيب قوم لوط نبيَّهم ﵊، وإصرارهم على فاحشتهم وكفرهم حتى نزل بهم من اللَّه أشد الانتقام، وقد جعل اللَّه قصة إهلاكهم آية وعبرة إلى آخر الزمان.
فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. إخبار عن تكذيب قوم لوط نبيّهم، ومخالفته فيما نهاهم عنه من إتيانهم الذكور، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾. قال النّضر: (الحاصب الحصباء في الريح). وقال أبو عبيدة: (الحاصب الحجارة). وفي الصحاح: (والحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء وكذلك الحَصِبة). والمقصود: لقد أهلكهم اللَّه هلاكًا متفردًا كما تفرّدوا بفاحشتهم فسبقوا إليها، وكان إهلاكهم أن أمر تعالى جبريل ﵇ فرفع مدائنهم ثم قلبها عليهم، وأُتبِعت بحجارة من سجيل منضود، وهي الحاصب الذي أرسله عليهم.
وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾. قال القرطبي: (يعني من تبعه على دينه ولم يكن إلا بنتاه). والسَّحر هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر. قال الأخفش: (﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾: إنما أجراه لأنه نكرة، ولو أراد سَحَر يوم بعينه لما أجراه). وكذا قال الزجاج: (﴿بِسَحَرٍ﴾ إذا كان نكرة يُراد به سحَر من الأسحار).
وقوله: ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾. قال ابن جرير: (والحاصب الذي حصبناهم به بسحر، بنعمة من عندنا: يقول: نعمة أنعمناها على لوط وآله، وكرامة أكرمناهم بها من عندنا).
стр. 4653
وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾. أي: كذلك يُثيب اللَّه ويُجازي من أطاع وشكر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾. أي: ولقد كان -لوط- أنذرهم بأس اللَّه وحلول نقمته قبل نزول العذاب بهم، فما التفتوا إلى إنذاره، بل شكوا بذلك وتماروا فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. قال ابن كثير: (وذلك ليلة ورَدَ عليه الملائكةُ: جبريلُ، وميكائيل، وإسرافيلُ في صورة شَبَاب مُردٍ حِسَانٍ مِحنةً من اللَّه بهم، فأضافَهُم لوطٌ ﵇ وبعثتِ امرأتُه العجوزُ السَّوءُ إلى قومها، فأعلمتهُم بأضياف لوط، فأقبلوا يُهْرعون إليه من كل مكان، فأغلقَ لوطٌ دونهم البابَ، فجعلوا يحاوِلونَ كسرَ الباب، وذلك عَشِيّة، ولوطٌ ﵇ يُدافِعُهم ويُمَانِعُهم دونَ أضيافه، ويقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني نِساءهم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١]، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، أي: ليس لنا فيهن أرَبٌ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]. فلما اشتد الحالُ وأبَوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريلُ ﵇ فضرب أعينهم بطَرف جناحه، فانطمست أعينُهم. يقال: إنها غارت من وجوههم. وقيل: إنه لم يبقَ لهم عيون بالكُلِّية، فرجعوا على أدبارهم يتحسَّسُون بالحيطانِ، ويتوعَّدُون لوطًا ﵇ إلى الصباح).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾. قال قتادة: (يقول: صبحهم عذاب مستقرّ، استقرّ بهم إلى نار جهنم). وقال ابن زيد: (ثم صبّحهم بعد هذا، يعني بعد أن طمس اللَّه أعينهم، فهم في ذلك العذاب إلى يوم القيامة).
وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. أي: فذوقوا معشر قوم لوط عذاب اللَّه وبأسه الذي أنذركموه رسولكم لوط عليه الصلاة السلام. قال القرطبي: (أي فقلنا لهم ذوقوا، والمراد من هذا الأمر الخبر).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. أي: ولقد سهّل اللَّه هذا القرآن سواء للتلاوة أو للاتعاظ، فهل من مُتّعِظ بما فيه من العبر وأخبار الأمم. والخطاب لقريش ثم هو يعمّ كل من جاء بعدهم، ومضى على منهاجهم.
قال النسفي: (وفائدة تكرير ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أن يجدّدوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارًا واتعاظًا، وأن يستأنفوا تنبهًا واستيقاظًا إذا سمعوا الحثّ على ذلك والبعث عليه).
стр. 4654
٤١ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾.
في هذه الآيات: تكذيب آل فرعون رسولهم موسى ﵊، وتماديهم بالكفر والعناد حتى نزل بهم من اللَّه الانتقام، وما كفار مكة ببعيد إهلاكهم إن أصروا على الكفر والعناد كبقية الأقوام.
فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾. إخبارٌ من اللَّه عن استيفاء الحجة على آل فرعون، فجاءهم موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنِّذارة إن كفروا، وأيدهم اللَّه تعالى بالآيات والمعجزات الباهرة.
وقوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾. قال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: كذّب آل فرعون بأدلتنا التي جاءتهم من عندنا، وحججنا التي أتتهم بأنه لا إله إلا اللَّه وحده كلها).
وقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. قال قتادة: (يقول: عزيز في نقمته إذا انتقم).
وقوله: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾. أي: أكفاركم -معشر المشركين من قريش- خير من الذين تقدّم ذكر هلاكهم لما كفروا بالكتب وكذبوا الرسل؟ ! ألكم خصوصية تميّزكم منهم فتكفرون وتكذبون ثم تنجون؟ ! .
وقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾. قال عكرمة: (يعني في الكتب). والمعنى: أم معكم -أيها المشركون- من اللَّه براءة أقرّها في الكتب ألا ينالكم بعذاب ولا انتقام.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: يعتقدون أنهم يتناصرون، بعضهم بعضًا، وأنَّ جَمْعهم يُغني عنهم مَنْ أرادَهُم بسوءٍ).
وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. إخبارٌ من اللَّه سبحانه وتقريرٌ أنّ كفار قريش سيهزمون ويولون أدبارهم المؤمنين أثناء فرارهم مغلوبين صاغرين.
أخرج البخاري في الصحيح والنسائي في "التفسير" عن عكرمة، عن ابن عباس: [أن رسول اللَّه ﷺ قال -وهو في قُبَّةٍ يومَ بَدْر-: "اللهم إني أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهم إنْ تَشَأْ لا تُعْبَدْ بعدَ اليوم". فأخذ أبو بكر بيده فقال: حَسْبُكَ يا رسولَ اللَّه،
стр. 4655
أَلْحَحْتَ على رَبِّكَ، وهو يَثِبُ في الدِّرْع، فخرج وهو يقول: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ "] (١).
وفي رواية: [فخرج وهو يقول: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ "].
وقوله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. أي: ليس الأمر كما يزعم المشركون أنْ لا بعث لهم بعد مماتهم، بل إن الساعة موعدهم للبعث والعقاب، وستكون الساعة أدهى وأمرّ عليهم أضعافًا مضاعفة من هزيمة بدر.
أخرج البخاري عن يوسف بن ماهَكَ قال: [إنّي عِنْدَ عائشة أُمِّ المؤمنين قالت: لَقَدْ
أُنْزلَ على مُحَمّد ﷺ بِمَكّة، وإني لجاريةٌ ألْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾] (٢).
٤٧ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾.
في هذه الآيات: سوء مصير المجرمين في عذاب الهون في الجحيم، فكل شيء قد قدّره اللَّه منذ الأزل إلى يوم الدين، وأما المؤمنون فهم في روضات الجنات يتنعمون في ألوان الملذات والنعيم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾. قال قتادة: (في عناء). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن المجرمين في ذهاب عن الحق، وأخذ على غير هدى ﴿وَسُعُرٍ﴾ يقول: في احتراق من شدة العناء والنصب في الباطل). قال ابن كثير: (يخبرنا تعالى
стр. 4656
عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق، وسُعُرٍ مما هُم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كُلَّ من اتّصف بذلك من كافر وَمُبتدع من سائر الفرق).
وقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. تَقْرِيرٌ من اللَّه العظيم لِمَا سيكون من مذلة وإهانة لتلك الوجوه التي أبت أن تسجد للَّه في الدنيا كبرًا وعنادًا.
وقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾. أي: ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ذوقوا أَلَم جهنم. فَمَسُّها ما يجدون من الألم عند الوقوع فيها. و"سَقَر" اسم من أسماء جهنم لا ينصرف، لأنه اسم مؤنث معرفة، وكذا لَظَى وجهنم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. إثبات قدر اللَّه السابق لخلقه. كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. وكقوله جل ذكره: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
قال القرطبي: (الذي عليه أهل السنة أن اللَّه سبحانه قَدَّرَ الأشياء، أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا يحدث حدث في العالم العلويّ والسفليّ إلا وهو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته دون خلقه، وأن الخلق ليس لهم فيها إلا نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة، وأن ذلك كله إنما حصل لهم بتيسير اللَّه تعالى وبقدرته وتوفيقه وإلهامه، سبحانه لا إله إلا هو، ولا خالق غيره، كما نص عليه القرآن والسنة، لا كما قالت القَدريّة وغيرهم من أن الأعمال إلينا والآجال بيد غيرنا).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [جاء مشركُو قريش يخاصمون رسول اللَّه ﷺ في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾] (١).
وله شاهد عند البخاري في "خلق أفعال العباد" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ في أهل القدر].
وفي سنن أبي داود بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [القَدَرِيّة مَجُوسُ هذه الأمة: إنْ مَرِضُوا فلا تعودوهم، وإنْ ماتوا فلا تشهدوهم] (٢).
стр. 4657
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنّ اللَّه كتبَ مقادير الخلائق قبل أن يخلُق السماوات والأرضَ بخمسين ألف سنة] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. تقرير لنفوذ مشيئته سبحانه في خلقه، فإنه إذا أراد أمرًا كَوَّنَهُ بقولة واحدة: كن فيكون، فإذا هو موجود حاصل قائم كسرعة اللمح بالبصر لا يبطِئُ ولا يتأخر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ قال ابن زيد: (أشياعكم من أهل الكفر من الأمم الماضية، يقول: فهل من أحد يتذكر). والمقصود: كان في الأمم السالفة أمثالكم وأشباهكم من المكذبين للرسل فدَمَّرناهم، فهل من معتبر بسنن اللَّه في خلقه.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾. قال الضحاك: (الكتب). والمقصود: لقد تمّ جمع كل أقوالهم وأعمالهم وتدوينها في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾. قال ابن عباس: (يقول: مكتوب). وقال قتادة: (محفوظ مكتوب). قال القرطبي: (أي كل ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، ومكتوب إذا فعله).
وفي التنزيل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].
وفي المسند وسنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان عن عائشة، أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: [يا عائشة! إياك ومُحقِّرات الذنوب فإن لها من اللَّه طالبًا] (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾. قال النسفي: (﴿وَنَهَرٍ﴾ وأنهار، اكتفى باسم الجنس، وقيل: هو السعة والضياء ومنه النهار).
والمقصود: إخبار من اللَّه تعالى عن حال المتقين يوم القيامة أنهم في ظلال
стр. 4658
وبساتين، تتدفق عبرها الجداول والأنهار، ويفوح فيها عبق الأزهار والرياحين. بعكس حال الأشقياء والمجرمين، أهل الضلال والسعر وصلي الجحيم.
وقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾. أي: في مجلس حق ومنبر نور، لا لغو فيه ولا تأثيم.
وقوله: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. أي: عند الملك العظيم، ذي القدرة والجبروت والقوة المتين، .
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ المُقْسِطين، عند اللَّه، على منابِرَ من نُور، عن يمين الرحمن ، وكِلْتا يديه يمين، الذين يَعْدِلُون في حُكْمهم وأهليهم وما وَلُوا] (١).
وفي المسند للإمام أحمد بسند صحيح عن عبادة، عن النبي ﷺ قال: [قال اللَّه تعالى: حُقَّت محبتي للمتحابين فِيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ. المتحابّون فيّ على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء] (٢).
تم تفسير سورة القمر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر الجمعة ١٣ - شعبان - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٦ - أيلول - ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 4659
دروس ونتائج وأحكام
١ - إخبار اللَّه تعالى باقتراب قيام الساعة.
٢ - ثبوت انشقاق القمر معجزة لرسول اللَّه ﷺ ، ونزول الآية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
٣ - يثأر اللَّه لأنبيائه ممن كذبهم كقومي نوح وهود. فأهلك أحدهم بالطوفان والآخرين بالريح العاتية. وثأر لصالح بصيحة أردت ثمود هشيمًا منثورًا. وثأر للوط من قومه فأصبحوا صرعى الدمار والأحجار. ويحذر قريشًا أن يحل بهم ما حل بمن مضى من الأمم المكذبة قبلهم.
٤ - مجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، فلا تعودوهم ولا تشهدوهم.
٥ - السعداء في جنات ونهر، والأشقياء في جحيم وسعر.
٦ - المتحابون في اللَّه على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء.
* * *
стр. 4660
٥٥ - سورة الرحمن
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧٨).
قال المهايميّ: (سميت به لأنها مملوءة بذكر الآلاء الجليلة، وهي راجعة إلى هذا الاسم).
أخرج الترمذي والحاكم والبزار بسند حسن في الشواهد عن جابر ﵁ قال: [خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم "سورة الرحمن" من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: لقد قَرَأْتُها، سورة "الرحمن" على الجنَّ ليلةَ الجِنَّ، فكانوا أحْسَنَ مَرْدودًا منكمُ، كنتُ كُلَّما أتَيْتُ على قولِه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيءٍ من نعمِكَ ربنَّا نكذِّبُ، فلك الحمد] (١).
موضوع السورة
نِعَمُ الرحمان وآلاؤه الحسان وحال السعداء وحال الأشقياء اللئام